← Акыда

Акыда · id 6362

توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم الكافية الشافية

أحمد بن عيسى

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

.. بسجوده فعصى وعارض أمره ... بقياسه وبعقله الخوان فَأتى التلاميذ الوقاح فعارضوا ... أخباره بالفشر والهذيان ومعارض لِلْأَمْرِ مثل معَارض الأخبارهم فِي كفرهم صنْوَان ... من عَارض الْمَنْصُوص بالمعقول قد مَا أخبرونا يَا أولي الْعرْفَان أَو مَا عَرَفْتُمْ أَنه القدري والجبري أَيْضا ذَاك فِي الْقُرْآن ... إِذْ قَالَ قد أغويتني وفتنتني ... لأزينن لَهُم مدى الْأَزْمَان فاحتج بالمقدور ثمَّ ابان أَن الْفِعْل مِنْهُ بغية وزيان ... فَانْظُر الى ميراثهم ذَا الشَّيْخ بِالتَّعْصِيبِ وَالْمِيرَاث بالسهمان فسألتكم بِاللَّه من وراثه ... مناومنكم بعد ذَا التِّبْيَان ... حَاصِل كَلَام النَّاظِم فِي هَذِه الأبيات أَن أصل الْعَدَاوَة بَيْننَا وَبَيْنكُم يَا معشر من عَارض أَمر الله بقياسه وعقله من حِين أَمر الله إِبْلِيس بِالسُّجُود لآدَم فعصى وعارض أَمر الله بِالْعقلِ وَالْقِيَاس وَذَلِكَ فِيمَا حكى الله عَنهُ وَهُوَ قَوْله ﴿لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون﴾ الْحجر وَقَوله ﴿أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾ الْأَعْرَاف يَعْنِي النَّار خير وَأفضل من الطين فَأَنا خير من آدم فَهَذَا مُعَارضَة اللعين لِلْأَمْرِ بِالْعقلِ وَالْقِيَاس وَقَوله وأتى التلاميذ الوقاح فعارضوا أخباره الخ أَي أَن النفاة عارضوا الْأَخْبَار بالفشر والهذيان وَقَالُوا الْعقل يُعَارض النَّقْل والقواطع تعَارض اللفظية والأدلة اللفظية لَا تفِيد الْيَقِين وَنَحْو ذَلِك

стр. 842

من الفشر والهذيان وَهَذَا معنى معارضتهم للْخَبَر وَهُوَ معنى قَول النَّاظِم ومعارض لِلْأَمْرِ مثل معَارض الاخبار الخ قَوْله من عَارض الْمَنْصُوص بالمعقول قدما الخ أَن إِبْلِيس حِين احْتج بِالْقدرِ وَهُوَ قَوْله ﴿بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ الْحجر فاحتج أَولا بِالْقدرِ والجبر وَهُوَ قَوْله ﴿فبمَا أغويتني﴾ ثمَّ قَالَ ﴿لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ فتبعته الْقَدَرِيَّة الْمُجبرَة فِي الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ وَأَنَّهُمْ مَجْبُورُونَ على أفعالهم وتبعته الْقَدَرِيَّة النفاة وهم الَّذين زَعَمُوا أَن أَفعَال الْعباد غير مخلوقة فِي قَوْله لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ فالقدرية الْمُجبرَة تبعوه فِي الْجَبْر والقدرية النفاة تبعوه فِي نفي خلق أَفعَال الْعباد فالطائفتان قد عارضتا الْمَنْصُوص بالمعقول وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم فَانْظُر الى ميراثهم ذَا الشَّيْخ بِالتَّعْصِيبِ كَمَا هُوَ ظَاهر وَالله أعلم وَقد تقدم الْكَلَام فِي مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي خلق افعال الْعباد وَفِي رد مَذْهَب الجبرية ... هَذَا الَّذِي ألْقى الْعَدَاوَة بَيْننَا ... اذ ذَاك واتصلت الى ذَا الْآن أصلتتم أصلا وأصل خصمكم ... اصلا فحين تقَابل الأصلان ظهر التباين فانتشت مَا بَيْننَا الْحَرْب الْعوَان وصيح بالاقران ... أصلتم رأى الرِّجَال وخرصها ... من غير برهَان وَلَا سُلْطَان ... هَذَا وَكم رَأْي لَهُم فبرأي من ... نزن النُّصُوص فأوضحوا بِبَيَان كل لَهُ رَأْي ومعقول لَهُ ... يَدْعُو وَيمْنَع اخذ رَأْي فلَان ...

стр. 843

.. والخصم أصل مُحكم الْقُرْآن مَعَ ... قَول الرَّسُول وفطرة الرَّحْمَن وَبني عَلَيْهِ فاعتلى بُنْيَانه ... نَحْو السما أعظم بذا الْبُنيان وعَلى شفا جرف بنيتم أَنْتُم ... فَأَتَت سيول الْوَحْي والايمان فعلت أساس بنائكم فتهدمت ... تِلْكَ السقوف وخر للاركان الله أكبر لَو رَأَيْتُمْ ذَلِك الْبُنيان حِين علا كَمثل دُخان ... تسمو اليه نواظر من تَحْتَهُ ... وَهُوَ الوضيع وَلَو يرى بعيان فاصبر لَهُ وَهُنَاكَ ورد الطّرف نَلْقَاهُ قَرِيبا فِي الحضيض الداني ... ثمَّ شرع النَّاظِم ﵀ فِي بَيَان أَن التعطيل أساس الزندقة وَالْكفْر وَأَن الاثبات أساس الْعلم والايمان فَقَالَ فصل فِي بَيَان ان التعطيل أساس الزندقة والكفران والاثبات أساس الْعلم والايمان ... من قَالَ إِن الله لَيْسَ بفاعل ... فعلا يقوم بِهِ قيام معَان كلا وَلَيْسَ الامر أَيْضا قَائِما ... بالرب بل من جملَة الاكوان ... أَي من قَالَ إِن الْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول والخلق هُوَ الْمَخْلُوق وَالْأَمر هُوَ الْمَأْمُور وَقد تقدم بسط الْكَلَام فِي ذَلِك قَوْله قيام معَان هُوَ بِفَتْح الْمِيم أَي قيَاما معنويا

стр. 844

قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... كلا وَلَيْسَ الله فَوق عباده ... بل عَرْشه خلو من الرَّحْمَن فَثَلَاثَة وَالله لَا تبقي من ال ايمان حَبَّة خَرْدَل بوزان ... وَقد استراح معطل هذي الثلا ... ث من الاله وَجُمْلَة الْقُرْآن ... وَمن الرَّسُول وَدينه وشريعته ال اسلام بل من جملَة الاديان ... قَوْله خلو بِكَسْر الْخَاء أَي خَال قَوْله هذي الثَّلَاث وَهن القَوْل بِأَن فعله تَعَالَى وَأمره لَا يقومان بِهِ وَالْقَوْل بِنَفْي الْفَوْقِيَّة والعلو لَا يبقي من الايمان حَبَّة خَرْدَل ... وَتَمام ذَاك جحوده لصفاته والذات دون الْوَصْف ذُو الْبطلَان ... أَي وَتَمام ذَاك جحود صِفَات الرب تَعَالَى مَعَ ان وجود ذَات بِغَيْر صِفَات بَاطِل ... وَتَمام ذَا الايمان إِقْرَار الْفَتى ... بِاللَّه فاطر هذي الاكوان فاذا أقربه وعطل كل مَفْرُوض وَلم يتوق من عصيان ... لم ينقص الايمان حَبَّة خَرْدَل ... أَنى وَلَيْسَ بقابل النُّقْصَان ... هَذَا هُوَ القَوْل بالايمان هُوَ التَّصْدِيق والمعرفة كَمَا هُوَ قَول الْجَهْمِية والاشعري فِي الْمَشْهُور من قوليه وَأَنه لَا يزِيد وَلَا ينقص ... وَتَمام هَذَا قَوْله إِن النُّبُوَّة لَيْسَ وَصفا قَامَ بالانسان لَكِن تعلق ذَلِك الْمَعْنى الْقَدِيم بِوَاحِد من جملَة الانسان ...

стр. 845

.. هَذَا وَمَا ذَاك التَّعَلُّق ثَابتا ... فِي خَارج بل ذَاك فِي الاذهان ... فَتعلق الاقوال لَا يُعْطي الَّذِي ... وقفت عَلَيْهِ الْكَوْن فِي الْأَعْيَان ... هَذَا اذا مَا حصل الْمَعْنى الَّذِي ... قُلْتُمْ هُوَ النَّفْسِيّ فِي الْبُرْهَان لَكِن جُمْهُور الطوائف لم يرَوا ... ذَا مُمكنا بل ذَاك ذُو بطلَان مَا قَالَ هَذَا غَيْركُمْ من سَائِر النظار فِي الْآفَاق والازمان ... تسعون وَجها بيّنت بُطْلَانه ... لَوْلَا القريض لسقتها بوزان ... أَي وَتَمام هَذَا قَوْله إِن النُّبُوَّة لَيْسَ وَصفا قَامَ بِالنَّبِيِّ وَإِن الْمَعْنى الْقَدِيم وَهُوَ الْمَعْنى النَّفْسِيّ تعلق بِهِ وَمَعَ ذَلِك فالتعلق لَيْسَ ثَابتا فِي الْخَارِج بل هُوَ فِي الذِّهْن وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنى النَّفْسِيّ الَّذِي أثبتته الأشاعرة قَوْله مَا قَالَ هَذَا غَيْركُمْ الخ أَي مَا قَالَ هَذَا القَوْل اُحْدُ غَيْركُمْ معشر الأشعرية قَوْله تسعون وَجها الخ هَذِه الْأَوْجه سَاقهَا شيخ الاسلام فِي رسَالَته الْمَعْرُوفَة بالتسعينية قَوْله لَوْلَا القريض قَالَ فِي الْقَامُوس قرضه يقْرضهُ قطعه وجازاه كقارضه وَالشعر قَالَه ... يَا قوم ايْنَ الرب أَيْن كَلَامه ... أَيْن الرَّسُول فأوضحوا بِبَيَان مَا فَوق عرش الرب من هُوَ قَائِل ... طه وَلَا حرفا من الْقُرْآن وَلَقَد شهدتم ان هَذَا قَوْلكُم ... وَالله يشْهد مَعَ أولي الايمان ... وارحمتاه لكم غبنتم حظكم ... من كل معرفَة وَمن ايمان ...

стр. 846

.. ونسبتم للكفر أولى مِنْكُم ... بِاللَّه والايمان وَالْقُرْآن هذي بضاعتكم فَمن يستامها ... فقد ارتضى بِالْجَهْلِ والخسران وَتَمام هَذَا قَوْلكُم فِي مبدء ... ومعادنا أَعنِي الْمعَاد الثَّانِي ... هَذَا على قَول مثبتي الْجَوْهَر الْفَرد وَقد تكلمُوا فِي معاد الابدان على هَذَا الاصل فَمنهمْ من يَقُول يفرق الاجزاء ثمَّ يجمعها وَمِنْهُم من يَقُول يعدمها ثمَّ يُعِيدهَا وَاخْتلفُوا هَهُنَا فِيمَا إِذا أكل حَيَوَان حَيَوَانا فَكيف يُعَاد وأدعى بَعضهم أَن الله يعْدم أَجزَاء الْعَالم وَمِنْهُم من يَقُول هَذَا لَا يُمكن أَن يعلم ثُبُوته وَلَا انتفاؤه والمعاد عِنْدهم يفْتَقر الى أَن يبتدىء هذي الْجَوَاهِر والجهم بن صَفْوَان مِنْهُم يَقُول يعدمها بعد ذَلِك وَيَقُول بِفنَاء الْجنَّة وَالنَّار وَأَبُو الْهُذيْل العلاف يَقُول تعدم الحركات قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي عقيدته الْوُسْطَى اخْتلف اهل السّنة فِي الاعادة هَل بِالْجمعِ والتفريق أَو بعد مَحْض الْعَدَم وَالْحق التَّوَقُّف وَهُوَ اخْتِيَار امام الْحَرَمَيْنِ اذ كِلَاهُمَا جَائِز عقلا فِي قدرته تَعَالَى وَلَا قَاطع فِي ذَلِك فالاحوط التَّوَقُّف انْتهى وَفِي شرح الرسَالَة للشَّيْخ ابي الْقَاسِم ابْن نَاجِي قَالَ بعض الشُّيُوخ اجْمَعْ أهل الْحق على القَوْل برد الْجَوَاهِر بِأَعْيَانِهَا وانما اخْتلفُوا هَل عَن عدم اَوْ تَفْرِيق قَالَ أَبُو الْمَعَالِي لَا دَلِيل قَاطع بِأَحَدِهِمَا والظواهر تَقْتَضِي الاعدام لَا بِالتَّفْرِيقِ وَعَلِيهِ فَترد بِأَعْيَانِهَا وَكَون الِابْتِدَاء والاعادة بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة والارادة وَأما إِن قُلْنَا بِالتَّفْرِيقِ لَا بالاعدام فتجمع الْجَوَاهِر ثمَّ يخلق تَعَالَى فِيهَا الصِّفَات بِأَعْيَانِهَا كَمَا كَانَت أول مرّة وكل مَا هُوَ مُمكن فالقدرة صَالِحَة لايقاعه انْتهى وَقَالَ شَارِح المواقف وَهل يعْدم الله الْأَجْزَاء الْبَدَنِيَّة ثمَّ يُعِيدهَا ام يفرقها وَيُعِيد تأليفها الْحق أَنه لم يثبت فِي ذَلِك شئ فَلَا نجزم فِيهِ نفيا وَلَا إِثْبَاتًا لعدم الدَّلِيل على شَيْء من الطَّرفَيْنِ وَلَيْسَ فِي قَوْله تَعَالَى

стр. 847

﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ الْقَصَص دَلِيل على الاعدام لِأَن التَّفْرِيق هَلَاك كالاعدام فهلاك كل شَيْء خُرُوجه عَن صِفَاته الْمَطْلُوبَة مِنْهُ وَزَوَال التَّأْلِيف كَذَلِك وَمثله يُسمى فنَاء عرفا فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى ﴿كل من عَلَيْهَا فان﴾ الرَّحْمَن على الاعدام أَيْضا وَالله تَعَالَى أعلم انْتهى كَلَامه فَهَذَا قَول النفاة فِي الْمعَاد أما قَوْلهم لَهُم فِي المبدأ فقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ وَالله أعلم ... وَتَمام هَذَا قَوْلكُم بِفنَاء دا ... ر الْخلد فالداران فانيتان ... أَي إِن الْجَهْمِية قَالُوا بِفنَاء الْجنَّة وَالنَّار ... يَا قَومنَا بلغ الْوُجُود بأسره الد ... نيا مَعَ الْأُخْرَى مَعَ الايمان والخلق والامر الْمنزل وَالْجَزَاء منَازِل الجنات والنيران ... وَالنَّاس قد ورثوه بعد فَمنهمْ ذُو السهْم والسهمين والسهمان بئس الْمُورث والمورث والتر ... اث ثَلَاثَة اهل لكل هوان يَا وارثين نَبِيّهم بشراكم ... مار إثكم مَعَ إرثهم سيان شتان بَين الْوَارِثين وَبَين مو ... روثيهما وسهام ذِي سَهْمَان يَا قوم مَا صَاح الْأَئِمَّة جهدهمْ ... بالجهم من أقطارها بِأَذَان الا لما عرفوه من أَقْوَاله ... ومآلها بِحَقِيقَة الْعرْفَان قَول الرَّسُول وَقَول جهم عندنَا ... فِي قلب عبد لَيْسَ يَجْتَمِعَانِ نصحوكم وَالله جهد نصيحة ... مَا فيهم وَالله من خوان فَخُذُوا بهديهم فربي ضَامِن ... وَرَسُوله أَن تَفعلُوا بجنان ... أَي إِن قَول أهل النَّفْي والتعطيل قد بلغت شناعاته الْوُجُود بأسره

стр. 848

الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والخلق وَالْأَمر وَالْجَزَاء وَالْجنَّة وَالنَّار وَقد توارث النَّاس تِلْكَ الضلالات والشناعات فَمنهمْ من ورث السهْم وَمِنْهُم من ورث السهمين وَمِنْهُم من ورث السهْمَان قَوْله وَالله مَا صَاح الْأَئِمَّة جهدهمْ الخ أَي مَا كثر تشنيع الْأَئِمَّة الْكِبَار فِي جَمِيع المدن والأقطار وتحذيرهم من جهم وأقواله إِلَّا لما عرفُوا من مآلها الْمنَافِي للدّين المباين للحق وَالْيَقِين قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... فاذا أَبَيْتُم فالسلام على من اتبع الْهدى وانقاد لِلْقُرْآنِ ... سِيرُوا على نجب العزائم وَاجْعَلُوا ... بظهورها المسرى الى الرَّحْمَن ... سبق الْمُفْرد وَهُوَ ذَاكر ربه ... فِي كل حَال لَيْسَ ذَا نِسْيَان ... يُشِير الى مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يسير فِي طَرِيق مَكَّة فَمر على جبل يُقَال لَهُ حمدَان فَقَالَ سِيرُوا هَذَا حمدَان سبق المفرودن قَالُوا وَمَا المفردون يَا رَسُول الله قَالَ الذاكرون الله كثيرا وَالذَّاكِرَات رُوِيَ لفظ المفردون من التفريد وَمن الافراد وَالْمَشْهُور الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور وَهُوَ التَّشْدِيد ... لَكِن أَخا الغفلات مُنْقَطع بِهِ ... بَين المفاوز تَحت ذِي الغيلان صيد السبَاع وكل وَحش كاسر ... بئس المضيف لأعجز الضيفان ... قَالَ فِي الْقَامُوس كسر الطَّائِر كسرا وكسورا ضم جناحيه يُرِيد الْوُقُوع وعقاب كاسر

стр. 849

.. وَكَذَلِكَ الشَّيْطَان يصطاد الَّذِي ... لَا يذكر الرَّحْمَن كل اوان وَالذكر أَنْوَاع فأعلى نَوعه ... ذكر الصِّفَات لربنا المنان وثبوتها أصل لهَذَا الذّكر والنافي لَهَا دَاع الى النسْيَان ... فلذاك كَانَ خَليفَة الشَّيْطَان ذَا ... لَا مرْحَبًا بخليفة الشَّيْطَان والذاكرون على مَرَاتِبهمْ فأعلاهم اولو الايمان والعرفان ... بصفاته العلياء اذ قَامُوا بِحَمْد الله فِي سر وَفِي إعلان وأخص أهل الذّكر بالرحمن أعلمهم بهَا هم صفوة الرَّحْمَن ... وكذاك كَانَ مُحَمَّد وَأَبوهُ ابراهيم والمولود من عمرَان وكذاك نوح وَابْن مَرْيَم عندنَا ... هم خير خلق الله من انسان لمعارف حصلت لَهُم بصفاته ... لم يؤتها اُحْدُ من الانسان وهم اولو الْعَزْم الَّذين بِسُورَة ال أحزاب والشورى اتوا بِبَيَان ... وَكَذَلِكَ الْقُرْآن مَمْلُوء من ال أَوْصَاف وَهِي الْقَصْد بِالْقُرْآنِ ليصير مَعْرُوفا لنا بصفاته ... وَيصير مَذْكُورا لنا بجنان ولسان ايضا مَعَ محبتنا لَهُ فلأجل ذَا الاثبات فِي الايمان ... مثل الاساس من الْبناء فَمن يرم ... هدم الاساس فَكيف بالبنيان ... يَعْنِي النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى أَن الذّكر أَنْوَاع فأعلاها ذكر الصِّفَات وَثُبُوت صِفَاته سُبْحَانَهُ أصل لهَذَا الذّكر ونافي الصِّفَات دَاع الى نسيانها وَهُوَ خَليفَة الشَّيْطَان والذاكرون على مَرَاتِب فأعلاهم أولو الايمان

стр. 850

والعرفان بصفاته سُبْحَانَهُ وَلذَلِك قَامُوا بِحَمْد الله فِي السِّرّ والاعلان وأخص أهل الذّكر بِاللَّه أعلمهم بصفاته وَلذَلِك كَانَ أولو الْعَزْم من الرُّسُل وهم نوح وابراهيم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد ﵊ هم خير خلق الله للمعارف الَّتِي حصلت لَهُم بصفاته سُبْحَانَهُ بِحَيْثُ لم يؤتها غَيرهم وَلذَلِك الْقُرْآن مَمْلُوء بصفاته سُبْحَانَهُ وَهِي الْقَصْد بِالْقُرْآنِ ليَكُون مَعْرُوفا لِعِبَادِهِ بصفاته مَذْكُورا لَهُم بقلوبهم وَهُوَ معنى قَوْله مَذْكُورا لَهُم بجنان وَهُوَ الْقلب وَنَحْو من هَذَا قَول النَّاظِم فِي الْمُقدمَة وَلَيْسَت حَاجَة الْأَرْوَاح قطّ إِلَى شَيْء أعظم مِنْهَا إِلَى معرفَة باريها وفاطرها ومحبته وَذكره والابتهاج بِهِ وَطلب الْوَسِيلَة اليه والزلفى عِنْده وَلَا سَبِيل الى هَذَا بِمَعْرِِفَة أَوْصَافه وأسمائه فَكلما كَانَ العَبْد بهَا أعلم كَانَ بِاللَّه أعرف وَله أطلب واليه اقْربْ وَكلما كَانَ لَهَا أنكر كَانَ بِاللَّه أَجْهَل واليه أكره وَمِنْه أبعد الى آخر مَا ذكره قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب الْكَلم الطّيب الذّكر نَوْعَانِ احدهما ذكر اسماء الرب وَصِفَاته وَالثنَاء عَلَيْهِ وتنزيهه وتقديسه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ وَهَذَا أَيْضا نَوْعَانِ احدهما إنْشَاء الثنا عَلَيْهِ بهما من الذاكر وَهَذَا النَّوْع هُوَ الْمَذْكُور فِي الاحاديث نَحْو سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَنَحْو ذَلِك فأفضل هَذَا النَّوْع أجمعه للثناء وأعمه نَحْو سُبْحَانَ الله عدد خلقه فَهَذَا أفضل من نَحْو سُبْحَانَ الله وقولك الْحَمد لله عدد مَا خلق فِي السَّمَاء وَعدد مَا خلق فِي الأَرْض وَعدد مَا بَينهمَا وَعدد مَا هُوَ خَالق أفضل من نَحْو قَوْلك الْحَمد لله وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث جوَيْرِية أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهَا لقد قلت بعْدك أَربع كَلِمَات ثَلَاث مَرَّات لَو وزنت بِمَا قلت

стр. 851

الْيَوْم لوزنتهن سُبْحَانَ الله عدد خلقه سُبْحَانَ الله رضى نَفسه سُبْحَانَ الله زنة عَرْشه سُبْحَانَ الله مداد كَلِمَاته رَوَاهُ مُسلم وَفِي التِّرْمِذِيّ وَسنَن ابي دَاوُد عَن سعد ابْن ابي وَقاص ﵁ انه دخل مَعَ النَّبِي ﷺ على امْرَأَة وَبَين يَديهَا نوى اَوْ حَصى تسبح بِهِ فَقَالَ أخْبرك بِمَا هُوَ أيسر عَلَيْك من هَذَا وَأفضل سُبْحَانَ الله عدد مَا خلق فِي السَّمَاء وَسُبْحَان الله عدد مَا خلق فِي الأَرْض وَسُبْحَان الله عدد مَا بَين ذَلِك وَسُبْحَان الله عدد مَا هُوَ خَالق وَالله أكبر مثل ذَلِك وَالْحَمْد لله مثل ذَلِك وَلَا إِلَه إِلَّا الله مثل ذَلِك وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه مثل ذَلِك النَّوْع الثَّانِي الْخَبَر عَن الرب تَعَالَى باحكام أَسْمَائِهِ وَصِفَاته نَحْو قَوْلك الله يسمع أصوات عباده وَيرى حركاتهم وَلَا تخفى عَلَيْهِ خافية من أَعْمَالهم وَهُوَ ارْحَمْ بهم من آبَائِهِم وأمهاتهم وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَهُوَ أفرح بتوبة عَبده من الفاقد لراحلته وَنَحْو ذَلِك وَأفضل هَذَا النَّوْع الثَّنَاء عَلَيْهِ بِمَا أثنى بِهِ على نَفسه وَبِمَا اثنى عَلَيْهِ رَسُوله ﷺ من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَمن غير تَشْبِيه وَلَا تَمْثِيل وَهَذَا النَّوْع أَيْضا ثَلَاثَة أَنْوَاع حمد وثناء ومجد فَالْحَمْد الاخبار عَنهُ بِصِفَات كَمَاله مَعَ محبته والرضى عَنهُ فَلَا يكون الْمُحب السَّاكِت حامدا وَلَا المثني بِلَا محبَّة حامدا حَتَّى يجْتَمع لَهُ الْمحبَّة وَالثنَاء فان كرر المحامد شَيْئا بعد شَيْء كَانَ ثَنَاء وان كَانَ الْمَدْح بِصِفَات الْجلَال وَالْعَظَمَة والكبرياء وَالْملك كَانَ مجدا وَقد جمع الله تَعَالَى لعَبْدِهِ الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة فِي أول سُورَة الْفَاتِحَة فاذا قَالَ العَبْد ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ قَالَ حمدني عَبدِي وَإِذا قَالَ ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ قَالَ أثنى عَليّ عَبدِي واذا قَالَ ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ قَالَ مجدني عَبدِي

стр. 852

وَالنَّوْع الثَّانِي من الذّكر ذكر أمره وَنَهْيه وَأَحْكَامه وَهَذَا أَيْضا نَوْعَانِ إِلَى آخر كَلَامه وَهُوَ كَلَام نَفِيس قَوْله أولو الْعَزْم الَّذين بِسُورَة الاحزاب والشورى قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْأَحْزَاب ﴿وَإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك وَمن نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ابْن مَرْيَم وأخذنا مِنْهُم ميثاقا غليظا﴾ وَفِي سُورَة الشورى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ الْآيَة قَوْله فلأجل ذَا الاثبات فِي الايمان مثل الاساس من الْبناء يَعْنِي أَن الاثبات فِي الْإِيمَان مثل الأساس مَعَ الْبناء وَقد قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى الاثبات أمكن نَقله عَنهُ الْخطابِيّ ... وَالله مَا قَامَ الْبناء لدين رسل الله بالتعطيل للديان مَا قَامَ الا بِالصِّفَاتِ مفصلا ... اثباتها تَفْصِيل ذِي عرفان فَهِيَ الاساس لديننا وَلكُل دين قبله من سَائِر الايان وكذاك زندقة الْعباد أساسها التعطيل يشْهد ذَا اولو الْعرْفَان وَالله مَا فِي الأَرْض زندقة بَدَت ... الا من التعطيل والنكران ... وَالله مَا فِي الأَرْض زندقة بَدَت ... من جَانب الاثبات وَالْقُرْآن هذي زنادقة الْعباد جَمِيعهم ومصنفاتهم بِكُل مَكَان مَا فيهم أحد يَقُول الله فو ... ق الْعَرْش مستول على الاكوان وَيَقُول ان الله ﷻ ... مُتَكَلم بِالْوَحْي وَالْقُرْآن ...

стр. 853

.. وَيَقُول ان الله كلم عَبده ... مُوسَى فأسمعه بِذِي الآذان وَيَقُول ان النَّقْل غير معَارض ... لِلْعَقْلِ بل أَمْرَانِ متفقان وَالنَّقْل جَاءَ بِمَا يحار الْعقل فِيهِ لَا الْمحَال الْبَين الْبطلَان فَانْظُر الى الجهمي كَيفَ أَتَى الى ... أس الْهدى ومعاقل الايمان بمعاول التعطيل يقطعهَا فَمَا ... يبْقى على التعطيل من ايمان يدْرِي بِهَذَا عَارِف بمآخذ ال أَقْوَال مضطلع بِهَذَا الشان وَالله لَو حدثتم لرأيتم هَذَا وَأعظم مِنْهُ رَأْي عيان لَكِن على تِلْكَ الْعُيُون غشاوة مَا حِيلَة الكحال فِي العميان ... أقسم النَّاظِم ﵀ فِي الْبَيْت الَّذِي أَوله وَالله مَا قَامَ الأساس لدين رسل الله الخ إِن دين الرُّسُل ﵈ مَا قَامَ بالتعطيل وَإنَّهُ مَا قَامَ إِلَّا باثبات الصِّفَات مفصلة ثمَّ أخبر أَن زندقة الْعباد أساسها التعطيل فَانْظُر زنادقة الْعباد ومصنفاتهم بِكُل مَكَان فانه لَيْسَ فيهم من يثبت علو الله تَعَالَى على خلقه أَو يَقُول ان الله سُبْحَانَهُ مُتَكَلم بِالْوَحْي وَالْقُرْآن وَإِن الله كلم عَبده مُوسَى فأسمعه النداء قَوْله وَيَقُول إِن النَّقْل غير معَارض لِلْعَقْلِ الخ أَي إِن المعطلة تَقول إِن الْعقل يُعَارض النَّقْل وحاشا من ذَلِك لَكِن النَّقْل جَاءَ بمحارات الْعُقُول أَي بِمَا تتحير فِيهِ الْعُقُول وَأما أَن النَّقْل يَجِيء بالمحال الْبَاطِل فكلا ومعاذ الله

стр. 854

فصل فِي بهت أهل الشّرك والتعطيل فِي رميهم اهل التَّوْحِيد وَالْإِثْبَات بتنقيص الرَّسُول ﷺ ... قَالُوا تنقصتم رَسُول الله وَا ... عجبا لهَذَا الْبَغي والبهتان عزلوه أَن يحْتَج قطّ بقوله ... فِي الْعلم بِاللَّه الْعَظِيم الشان عزلوا كَلَام الله ثمَّ رَسُوله ... عَن ذَاك عزلا لَيْسَ ذَا كتمان جعلُوا حَقِيقَته وَظَاهره هُوَ الْكفْر الصَّرِيح الْبَين الْبطلَان قَالُوا وَظَاهره هُوَ التَّشْبِيه والتجسيم والتمثيل حاشا ظَاهر الْقُرْآن من قَالَ فِي الرَّحْمَن مَا دلّت عَلَيْهِ حَقِيقَة الاخبار وَالْفرْقَان فَهُوَ الْمُشبه والممثل والمجسم عَابِد الْأَوْثَان لَا الرَّحْمَن تالله قد مسخت عقولكم فَلَيْسَ وَرَاء هَذَا قطّ من نُقْصَان ورميتم حزب الرَّسُول وجنده ... بمصابكم يَا فرقة الْبُهْتَان وجعلتم التنقيص عين وفاقه ... إِذْ لم يُوَافق ذَاك رَأْي فلَان أَنْتُم تنقصتم إِلَه الْعَرْش وَالْقُرْآن والمبعوث بِالْقُرْآنِ نزهتموه عَن صِفَات كَمَاله ... وَعَن الْكَلَام وَفَوق كل مَكَان وجعلتم ذَا كُله التَّشْبِيه والتمثيل والتجسيم ذَا الْبطلَان ...

стр. 855

.. وكلامكم فِيهِ الشِّفَاء وَغَايَة التَّحْقِيق يَا عجبا لذا الخذلان جعلُوا عُقُولهمْ أَحَق بِأخذ مَا ... فِيهَا من الْأَخْبَار وَالْقُرْآن وَكَلَامه لَا يُسْتَفَاد بِهِ الْيَقِين لأجل ذَا لَا يقبل الخصمان تحكيمه عِنْد اخْتِلَافهمَا بل الْمَعْقُول ثمَّ الْمنطق اليونان أَي التنقص بعد ذَا لَوْلَا الوقا ... حة والجراءة يَا أولي الْعدوان ... معنى كَلَامه فِي هَذِه الأبيات أَن اهل التعطيل رموا أهل التَّوْحِيد لما جردوا التَّوْحِيد والمتابعة وأفردوا الله تَعَالَى بِجَمِيعِ انواع الْعِبَادَة خوفًا ورجاء وتوكلا وخشية وَقَالُوا لَا يجوز صرف الْعِبَادَة وَلَا شَيْء مِنْهَا لملك مقرب وَلَا نَبِي مُرْسل وَقدمُوا أَقْوَال الرَّسُول على غَيره فلأجل ذَلِك رموهم بتنقص الرَّسُول والمعطلة مَعَ ذَلِك قد تنقصوا الله تَعَالَى وَرَسُوله وَكتابه أما تنقصهم الله تَعَالَى فانهم سلبوه صِفَات كَمَاله ونزهوه عَن الْكَلَام والفوقية وَجعلُوا ذَلِك تَشْبِيها وتجسيما وَأما تنقصهم الرَّسُول فانهم عزلوه أَن يحْتَج بقوله فِي الْعلم بِاللَّه وَأما تنقصهم الْقُرْآن فانه عِنْدهم لَا يُفِيد الْيَقِين إِذْ هُوَ أَدِلَّة لفظية عارضتها القواطع الْعَقْلِيَّة بزعمهم وَأَن الْقُرْآن لَا يحكم عِنْد الِاخْتِلَاف وَإِنَّمَا يرجع الى الْعُقُول والمنطق وَأما اهل الاثبات فانهم حكمُوا الرَّسُول ﷺ وَمَا جَاءَ بِهِ فِي الدق والجل وَلِهَذَا قَالَ أَي التنقص بعد ذَا لَوْلَا الوقاحة والجراءة الخ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... يَا من لَهُ عقل وَنور قد غَدا ... يمشي بِهِ فِي النَّاس كل زمَان لكننا قُلْنَا مقَالَة صارخ ... فِي كل وَقت بَيْنكُم بِأَذَان ...

стр. 856

.. الرب رب وَالرَّسُول فعبده ... حَقًا وَلَيْسَ لنا إِلَه ثَان فلذاك لم نعبده مثل عبَادَة الرَّحْمَن فعل الْمُشرك النَّصْرَانِي كلا وَلم نغلوا الغلو كَمَا نهى ... عَنهُ الرَّسُول محافة الكفران لله حق لَا يكون لغيره ... ولعبده حق هما حقان لَا تجْعَلُوا الْحَقَّيْنِ حَقًا وَاحِدًا ... من غير تَمْيِيز وَلَا فرقان فالحج للرحمن دون رَسُوله ... وَكَذَا الصَّلَاة وَذبح ذِي القربان وَكَذَا السُّجُود ونذرنا ويميننا ... وَكَذَا مثاب العَبْد من عصيان وَكَذَا التَّوَكُّل والانابة والتقى ... وَكَذَا الرَّجَاء وخشية الرَّحْمَن وَكَذَا الْعِبَادَة واستعانتنا بِهِ ... أياك نعْبد ذَاك توحيدان وَعَلَيْهِمَا قَامَ الْوُجُود بأسره ... دنيا وَأُخْرَى حبذا الركنان وَكَذَلِكَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير والتهليل حق إلهنا الديَّان لكنما التَّعْزِير والتوقير حق للرسول بِمُقْتَضى الْقُرْآن وَالْحب وَالْإِيمَان والتصديق لَا ... يخْتَص بل حقان مشتركان هذي تفاصيل الْحُقُوق ثَلَاثَة ... لَا تجهلوها يَا أولي الْعدوان حق الْإِلَه عبَادَة بِالْأَمر لَا ... بهوى النُّفُوس فَذَاك للشَّيْطَان من غير إشراك بِهِ شَيْئا هما ... سَببا النجَاة فحبذا السببان وَرَسُوله فَهُوَ المطاع وَقَوله المقبول إِذْ هُوَ صَاحب الْبُرْهَان ...

стр. 857

.. وَالْأَمر مِنْهُ الحتم لَا تَخْيِير فِيهِ عِنْد ذِي عقل وَذي إِيمَان من قَالَ قولا غَيره قمنا على ... أَقْوَاله بالسير وَالْمِيزَان إِن وَافَقت قَول الرَّسُول وَحكمه ... فعلى الرؤوس تشال كالتيجان أَو خَالَفت هَذَا رددناها على ... من قَالَهَا من كَانَ من انسان أَو أشكلت عَنَّا توقفنا وَلم ... نجزم بِلَا علم وَلَا برهَان هَذَا الَّذِي أدّى إِلَيْهِ علمنَا ... وَبِه ندين الله كل أَوَان فَهُوَ المطاع وَأمره العالي على ... أَمر الورى وَأمر ذِي السُّلْطَان وهم الْمُقدم فِي محبتنا على ال أهلين والأزواج والولدان وعَلى الْعباد جَمِيعهم حَتَّى على النَّفس الَّتِي قد ضمهَا الجنبان ... شرع النَّاظِم ﵀ فِي بَيَان الْحُقُوق الَّتِي لله وَرَسُوله فَذكر أَن حق الله سُبْحَانَهُ هُوَ عِبَادَته بأَمْره لَا بهوى النَّفس وَذَلِكَ كَالْحَجِّ وَالصَّلَاة وَالذّبْح وَالسُّجُود وَالنّذر وَالْيَمِين وَالتَّوْبَة والتوكل والانابة والتقى والرجاء والخشية والاستعانة وَالتَّكْبِير والتهليل وَنَحْوهَا فَكل هَذَا حق لله لَا يشركهُ فِيهِ غَيره لَا ملك مقرب وَلَا نَبِي مُرْسل وَأما الْمُخْتَص بالرسول ﷺ فَهُوَ التعزيز والتوقير كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لتؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله وتعزروه وتوقروه﴾ الْفَتْح وَأما الْحبّ والايمان والتصديق فَهِيَ مُشْتَركَة بَين الله وَرَسُوله فقد وضحت الْحُقُوق الثَّلَاثَة وَهَذَا معنى قَوْله هذي تفاصيل الْحُقُوق الثَّلَاثَة الخ قَوْله وَرَسُوله فَهُوَ المطاع وَقَوله الخ يدل على هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ النِّسَاء الْآيَة

стр. 858

قَوْله فَهُوَ الْمُقدم فِي محبتنا الخ يُشِير الى قَوْله ﷺ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون احب اليه من وَلَده ووالده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَقَول عمر ﵁ يَا رَسُول الله لأَنْت أحب الي من كل شَيْء إِلَّا من نَفسِي فَقَالَ لَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ حَتَّى أكون أحب اليك من نَفسك فَقَالَ عمر إِنَّك الْآن احب الي من نَفسِي فَقَالَ الْآن يَا عمر رَوَاهُ البُخَارِيّ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَنَظِير هَذَا قَول أَعدَاء الْمَسِيح من النَّصَارَى عابدي الصلبان انا تنْقصنَا الْمَسِيح بقولنَا ... عبد وَذَلِكَ غَايَة النُّقْصَان لَو قُلْتُمْ ولد إِلَه خَالق ... وفيتموه حَقه بوزان وكذاك أشباه النَّصَارَى مذغلوا ... فِي دينهم بِالْجَهْلِ والطغيان صَارُوا معادين الرَّسُول وَدينه ... فِي صُورَة الأحباب والاخوان ... أَي وَنَظِير غلوهم فِي الرَّسُول ﷺ غلو عباد الصَّلِيب من النَّصَارَى فِي الْمَسِيح لما قَالَ لَهُم النَّبِي ﷺ ان الْمَسِيح عبد فَقَالُوا لَهُ تنقصت الْمَسِيح وعبته وَقد تقدم من كَلَام النَّاظِم فِي شرح منَازِل السائرين مَا يَتَّضِح بِهِ فِي معنى هَذِه الأبيات فِي الْفَصْل الَّذِي أَوله والشرك فاحذره فشرك ظَاهر الخ ... فَانْظُر الى تبديلهم توحيده ... بالشرك وَالْإِيمَان بالكفران وَانْظُر الى تجريده التَّوْحِيد من ... اسباب كل الشّرك بالرحمن واجمع مقالتهم وَمَا قد قَالَه ... واستدع بالنقاد والوزان عقل وفطرتك السليمة ثمَّ زن ... هَذَا وَذَا لَا تطغ فِي الْمِيزَان ...

стр. 859

.. فهناك تعلم أَي حزبينا هُوَ المتنقص المنقوص ذُو العدون رامي البريء بدائه ومصابه ... فعل المباهت أوقح الْحَيَوَان كمعير للنَّاس بالزغل الَّذِي ... هُوَ ضربه فاعجب لذا الْبُهْتَان ... الزغل بِفَتْح الزَّاي ... يَا فرقة التنقيص بل يَا أمة الدَّعْوَى بِلَا علم وَلَا عرفان وَالله مَا قدمتم يَوْمًا مقا لته على التَّقْلِيد للانسان وَالله مَا قَالَ الشُّيُوخ وَقَالَ إِلَّا كُنْتُم مَعَهم بِلَا كتمان وَالله أغلاط الشُّيُوخ لديكم ... عين الصَّوَاب وَمُقْتَضى الْبُرْهَان وَلذَا قضيتم الَّذِي حكمت بِهِ ... جهلا على الْأَخْبَار وَالْقُرْآن وَالله انهم لديكم ... مثل مَعْصُوم وَهَذَا غَايَة الطغيان تَبًّا لكم مَاذَا النَّقْص بعد ذَا ... لَو تعرفُون الْعدْل من نُقْصَان وَالله مَا يرضيه جعلكُمْ لَهُ ... ترسا لشرككم وللعدوان وكذاك جعلكُمْ الْمَشَايِخ جنَّة ... لخلافه وَالْقَصْد ذُو تبيان وَالله يشْهد ذَا بجذر قُلُوبكُمْ ... وكذاك يشهده أولو الْإِيمَان ... قَوْله بجذر قُلُوبكُمْ الخ الجذر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة قَالَ فِي مُخْتَار الصَّحِيح جذر كل شَيْء اصله بِفَتْح الْجِيم عَن الْأَصْمَعِي وبكسرها عَن أبي عَمْرو وَفِي الحَدِيث إِن الْأَمَانَة نزلت فِي جذر قُلُوب الرِّجَال

стр. 860

.. وَالله مَا عظمتموه طَاعَة ومحبة يَا فرقة الْعِصْيَان أَنى وجهلكم بِهِ وبدينه ... وخلافكم للوحي معلومان أوصاكم أشياخكم بخلافهم ... لوفاته فِي سالف الْأَزْمَان خالفتم قَول الشُّيُوخ وَقَوله ... فغدا لكم خلفان متفقان ... أَي إِنَّكُم معاشر النفاة خالفتم قَول الرَّسُول ﷺ وخالفتم أَقْوَال الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين رَحِمهم الله تَعَالَى فانهم أوصوكم بِخِلَاف أَقْوَالهم اذا خَالَفت قَول الرَّسُول ﷺ كَمَا تقدم بعض أَقْوَالهم فخالفتم الرَّسُول ﷺ وخالفتم الْأَئِمَّة فِي ترك أَقْوَالهم اذا خَالَفت أَقْوَاله وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم فغدا لكم خلفان متفقان وهما خلاف قَول الرَّسُول ﷺ وَخلاف قَول الْأَئِمَّة ﵃ ... وَالله أَمركُم عَجِيب معجب ... ضدان فِيكُم لَيْسَ يتفقان تَقْدِيم آراء الرِّجَال عَلَيْهِ مَعَ ... هَذَا الغلو فَكيف يَجْتَمِعَانِ كَفرْتُمْ من جرد التَّوْحِيد جهلا مِنْكُم بحقائق الْإِيمَان لَكِن تجردتم لنصر الشّرك والبدع المضلة فِي رضى الشَّيْطَان وَالله لم نقصد سوى التَّجْرِيد للتوحيد ذَاك وَصِيَّة الرَّحْمَن ورضى رَسُول الله منا لَا غلو الشّرك أصل عبَادَة الْأَوْثَان وَالله لَو يرضى الرَّسُول دعاءنا ... إِيَّاه بادرنا الى الاذعان وَالله لَو يرضى الرَّسُول سجودنا ... كُنَّا نخر لَهُ على الأذقان وَالله مَا يرضيه منا غير اخلاص وتحكيم لذا الْقُرْآن ...

стр. 861

.. وَلَقَد نهى ذَا الْخلق عَن إطرائه ... فعل النَّصَارَى عابدي الصلبان وَلَقَد نَهَانَا أَن نصير قَبره ... عيدا حذار الشّرك بالرحمن ودعا بِأَن لَا يَجْعَل الْقَبْر الَّذِي ... قد ضمه وثنا من الْأَوْثَان فَأجَاب رب الْعَالمين دعاءه ... وأحاطه بِثَلَاثَة الجدران حَتَّى اغتدت أرجاؤه بدعائه ... فِي عزة وحماية وصيان ... قَوْله وَلَقَد نهى ذَا الْخلق عَن إطرائه الخ يُشِير الى قَوْله ﷺ لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى ابْن مَرْيَم إِنَّمَا أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله مُتَّفق عَلَيْهِ قَوْله وَلَقَد نَهَانَا أَن نصير قَبره عيدا الخ يُشِير الى حَدِيث ابي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ قبورا وَلَا تجْعَلُوا قَبْرِي عيدا وصلوا عَليّ فان صَلَاتكُمْ تبلغني حَيْثُ كُنْتُم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد باسناد حسن وَرُوَاته ثِقَات وَعَن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵁ أَنه رأى رجلا يَجِيء الى فُرْجَة كَانَت عِنْد قبر النَّبِي ﷺ فَيدْخل فِيهَا فيدعو فَنَهَاهُ وَقَالَ أَلا أحدثكُم حَدِيثا سمعته من ابي عَن جدي عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عيدا وَلَا بُيُوتكُمْ قبورا فان تسليمكم يبلغنِي أَيْن كُنْتُم رَوَاهُ فِي المختارة وَرَوَاهُ ابو يعلى وَالْقَاضِي اسماعيل وَقَالَ سعيد ابْن مَنْصُور فِي سنَنه حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد أَخْبرنِي سُهَيْل ابْن أبي صَالح قَالَ رَآنِي الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن ابي طَالب ﵃ عِنْد الْقَبْر فناداني وَهُوَ فِي بَيت فَاطِمَة يتعشى فَقَالَ هَلُمَّ الى الْعشَاء فَقلت لَا أريده فَقَالَ مَا لي رَأَيْتُك عِنْد الْقَبْر فَقلت سلمت على النَّبِي ﷺ فَقَالَ اذا دخلت الْمَسْجِد فَسلم ثمَّ قَالَ إِن رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 862

قَالَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عيدا وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر وصلوا عَليّ فان صَلَاتكُمْ تبلغني حَيْثُمَا كُنْتُم لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد مَا انتم وَمن بالأندلس الا سَوَاء وَقَالَ سعيد ايضا حَدثنَا حبَان بن عَليّ ثَنَا مُحَمَّد بن عجلَان عَن أبي سعيد مولى الْمهرِي قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عيدا وَلَا بُيُوتكُمْ قبورا وصلوا عَليّ فان صَلَاتكُمْ تبلغني قَالَ شيخ الاسلام فهذان المرسلان من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ الْمُخْتَلِفين يدلان على ثُبُوت الحَدِيث لَا سِيمَا وَقد احْتج بِهِ من أرْسلهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي ثُبُوته عِنْده هَذَا لَو لم يرو من وُجُوه مُسندَة غير هذَيْن فَكيف وَقد تقدم مُسْندًا وَقَالَ أَيْضا فَانْظُر الى هَذِه السّنة كَيفَ مخرجها من اهل الْمَدِينَة وَأهل الْبَيْت الَّذين لَهُم من رَسُول الله ﷺ قرب النّسَب وَقرب الدَّار لأَنهم الى ذَلِك أحْوج من غَيرهم فَكَانُوا لَهُ اضبط انْتهى قَوْله ودعا بِأَن لَا يَجْعَل الْقَبْر الَّذِي قد ضمه الخ قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَلِهَذَا بَالغ الْمُسلمُونَ فِي سد الذريعة فِي قبر النَّبِي ﷺ فأعلوا حيطان تربته وسدوا المداخل اليها وجعلوها محدقة بقبره ﷺ ثمَّ خَافُوا أَن يتَّخذ مَوضِع قَبره قبْلَة إِذْ كَانَ مُسْتَقْبل الْمُصَلِّين فتصور الصَّلَاة اليه بِصُورَة الْعِبَادَة فبنوا جدارين من ركني الْقَبْر الشماليين وحرفوهما حَتَّى التقيا على زَاوِيَة مُثَلّثَة من نَاحيَة الشمَال حَتَّى لَا يتَمَكَّن أحد من اسْتِقْبَال قَبره انْتهى وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم حَتَّى اغتدت أرجاؤه بدعائه الخ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَلَقَد غَدا عِنْد الْوَفَاة مُصَرحًا ... باللعن يصْرخ فيهم بِأَذَان ...

стр. 863

.. وعنى الألى جعلُوا الْقُبُور مساجدا ... وهم الْيَهُود وعابدو الصلبان وَالله لَوْلَا ذَاك أبرز قَبره ... لكِنهمْ حجبوه بالحيطان قصدُوا الى تسنيم حجرته ليمتنع السُّجُود لَهُ على الاذقان قصدُوا مُوَافقَة الرَّسُول وقصده التَّجْرِيد للتوحيد للرحمن ... قَوْله وَلَقَد غَدا عِنْد الْوَفَاة الخ يُشِير الى حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت لما نزل برَسُول الله ﷺ طفق طفق خميصة لَهُ على وَجهه فاذا اغتم بهَا كشفها فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِك لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد يحذر مَا صَنَعُوا وَلَوْلَا ذَلِك أبرز قَبره غير أَنه خشِي أَن يتَّخذ مَسْجِدا أَخْرجَاهُ قَوْلهَا غير أَنه خشِي أَن يتَّخذ مَسْجِدا رُوِيَ بِفَتْح الْخَاء وَضمّهَا فعلى الْفَتْح هُوَ الَّذِي خشِي ذَلِك ﷺ وَأمرهمْ أَن يدفنوه فِي الْمَكَان الَّذِي قبض فِيهِ وعَلى رِوَايَة الضَّم يحْتَمل ان يكون الصَّحَابَة هم الَّذين خَافُوا أَن يَقع ذَلِك من بعض الامة فَلم يبرزوا قَبره خشيَة ان يَقع ذَلِك من بعض الْأمة غلوا وتعظيما بِمَا أبدى وَأعَاد من النَّهْي عَنهُ والتحذير مِنْهُ وَلعن فَاعله قَوْله قصدُوا الى تسنيم حجرته الخ تقدم كَلَام الْقُرْطُبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي ذَلِك وَلَعَلَّ النَّاظِم أَخذ هَذَا الْمَعْنى من كَلَامه قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... يَا فرقة جهلت نُصُوص نَبِيّهم ... وقصوده وَحَقِيقَة الْإِيمَان فسطوا على أَتْبَاعه وَجُنُوده ... بالبغي والعدوان والبهتان لَا تعجلوا وتبينوا وتثبتوا ... فمصابكم مَا فِيهِ من جبران ...

стр. 864

.. قُلْنَا الَّذِي قَالَ الْأَئِمَّة قبلنَا ... وَبِه النُّصُوص أَتَت على التِّبْيَان الْقَصْد حج الْبَيْت وَهُوَ فَرِيضَة الرَّحْمَن وَاجِبَة على الْأَعْيَان ورحالنا شدت اليه من بقا ... ع الأَرْض قاصيها كَذَاك الداني من لم يزر بَيت الْإِلَه فَمَاله ... من حجه سهم وَلَا سَهْمَان وَكَذَا نَشد رحالنا لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ خير مَسَاجِد الْبلدَانِ من بعد مَكَّة أَو على الاطلاق فِيهِ الْخلف عِنْد النَّاس مُنْذُ زمَان ونراه عِنْد النّذر فرضا لَكِن النُّعْمَان يَأْبَى ذَا وللنعمان أصل هُوَ النَّافِي الْوُجُوب فَإِنَّهُ ... مَا جنسه فرض على الْإِنْسَان وَلنَا براهين تدل بِأَنَّهُ ... بِالنذرِ مفترض على الانسان أَمر الرَّسُول لكل ناذر طَاعَة ... بوفائه بِالنذرِ بالاحسان وصلاتنا فِيهِ بِأَلف فِي سوا ... هـ مَا خلا ذَا الْحجر والأركان وَكَذَا صَلَاة فِي قبا فكعمرة ... فِي أجرهَا وَالْفضل للمنان فاذا اتينا الْمَسْجِد النَّبَوِيّ صلينَا التَّحِيَّة أَولا ثِنْتَانِ بِتمَام أَرْكَان لَهَا وخشوعها ... وَحُضُور قلب فعل ذِي الاحسان ثمَّ أنثنينا للزيارة نقصد الْقَبْر الشريف وَلَو على الأجفان فنقوم دون الْقَبْر وَقْفَة خاضع ... متذلل فِي السِّرّ والاعلان فَكَأَنَّهُ فِي الْقَبْر حَيّ نَاطِق ... فالواقفون نواكس الاذقان ...

стр. 865

.. ملكتهم تِلْكَ المهابة فاعترت ... تِلْكَ القوائم كَثْرَة الرجفان وتفجرت تِلْكَ الْعُيُون بِمَائِهَا ... ولطالما غاضت على الْأَزْمَان وأتى الْمُسلم بِالسَّلَامِ بهيبة ... ووقار ذِي علم وَذي إِيمَان لم يرفع الْأَصْوَات حول ضريحه ... كلا وَلم يسْجد على الأذقان كلا وَلم ير طَائِفًا بالقبر اسبوعا كَأَن الْقَبْر بَيت ثَان ثمَّ انثنى بدعائه مُتَوَجها ... لله نَحْو الْبَيْت ذِي الْأَركان هذي زِيَارَة من غَدا متمسكا ... بشريعة الاسلام وَالْإِيمَان من افضل الْأَعْمَال هاتيك الزيا ... رة وَهِي يَوْم الْحَشْر فِي الْمِيزَان لَا تلبسوا الْحق الَّذِي جَاءَت بِهِ ... سنَن الرَّسُول بأعظم الْبطلَان هذي زيارتنا وَلم ننكر سوى الْبدع المضلة يَا أولي الْعدوان وَحَدِيث شدّ الرحل نَص ثَابت ... يجب الْمصير اليه بالبرهان ... مُرَاد النَّاظِم ﵀ انا قُلْنَا بِمَا قَالَت بِهِ الْأَئِمَّة قبلنَا ودلت عَلَيْهِ النُّصُوص فَذكر ان حج الْبَيْت فَرِيضَة وَهَذَا مَعْلُوم بالاضطرار من دين الاسلام قَوْله ورحالنا شدت اليه الخ يُشِير الى الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تشد الرّحال الا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الحَدِيث وَكَذَا نَشد رحالنا لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ الخ أَقُول قَوْله هَذِه مَسْأَلَة الزِّيَارَة وَهِي الَّتِي أفتى فِيهَا شيخ الاسلام وَحبس بِسَبَبِهَا حَتَّى مَاتَ فِي الْحَبْس ولنذكر جَوَابه فِي الْمَسْأَلَة وَذَلِكَ أَنه سُئِلَ عَن رجل نوى زِيَارَة قبر نَبِي من الْأَنْبِيَاء ﵈ مثل نَبينَا ﷺ وَغَيره

стр. 866

فَهَل يجوز لَهُ فِي سَفَره أَن يقصر الصَّلَاة وَهل هِيَ زِيَارَة شَرْعِيَّة أم لَا وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ من حج فَلم يزرني فقد جفاني وَمن زارني بعد مماتي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي وَقد رُوِيَ عَنهُ انه قَالَ لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى ومسجدي هَذَا أجَاب الشَّيْخ ﵁ الْحَمد لله رب الْعَالمين أما من سَافر لمُجَرّد زِيَارَة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ فَهَل يجوز لَهُ الْقصر على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا وَهُوَ قَول مُتَقَدِّمي الْعلمَاء الَّذين لَا يجوزون الْقصر فِي سفر الْمعْصِيَة كَأبي عبد الله ابْن بطة وَأبي الْوَفَاء ابْن عقيل وَطَوَائِف كَثِيرَة من الْعلمَاء الْمُتَقَدِّمين أَنه لَا يجوز الْقصر فِي هَذَا السّفر لِأَنَّهُ سفر مَنْهِيّ عَنهُ وَمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ﵏ أَن السّفر الْمنْهِي عَنهُ فِي الشَّرِيعَة لَا يقصر فِيهِ وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه يقصر وَهَذَا يَقُوله من يجوز الْقصر فِي السّفر الْمحرم كَأبي حنيفَة ويقوله بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد مِمَّن يجوز السّفر لزيارة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ كَأبي حَامِد الْغَزالِيّ وَأبي الْحسن ابْن عَبدُوس الْحَرَّانِي وَأبي مُحَمَّد ابْن قدامَة الْمَقْدِسِي وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ إِن هَذَا السّفر لَيْسَ بِمحرم لعُمُوم قَوْله ﷺ زوروا الْقُبُور وَقد يحْتَج بعض من لَا يعرف الحَدِيث بالاحاديث المروية فِي زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ كَقَوْلِه من زارني بعد مماتي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن ماجة وَأما مَا يذكرهُ بعض النَّاس من قَوْله من قَوْله من حج فَلم يزرني فقد جفاني فَهَذَا لم يروه اُحْدُ من الْعلمَاء وَهُوَ مثل قَوْله من زارني وزار أبي فِي عَام وَاحِد ضمنت لَهُ على الله الْجنَّة فان هَذَا أَيْضا بَاطِل بِاتِّفَاق الْعلمَاء لم يروه أحد وَلم يحْتَج بِهِ أحد وانما يحْتَج بَعضهم بِحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ

стр. 867

وَنَحْوه وَقد احْتج أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي على جَوَاز السّفر لزيارة الْقُبُور بِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يزور مَسْجِد قبَاء وَأجَاب عَن حَدِيث لَا تشد الرّحال بِأَن ذَلِك مَحْمُول على نفي الِاسْتِحْبَاب وَأما الْأَولونَ فانهم يحتجون بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تشد الرّحال الا الى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الاقصى ومسجدي هَذَا وَهَذَا الحَدِيث اتّفق الْعلمَاء على صِحَّته وَالْعَمَل بِهِ فَلَو نذر الرجل أَن يُصَلِّي فِي مَسْجِد أَو مشْهد أَو يعْتَكف فِيهِ أَو يُسَافر اليه غير هَذِه الثَّلَاثَة لم يجب عَلَيْهِ ذَلِك بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَلَو نذر أَن يَأْتِي الْمَسْجِد الْحَرَام لحج أَو عمْرَة وَجب عَلَيْهِ ذَلِك بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَلَو نذر أَن يَأْتِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ أَو الْمَسْجِد الاقصى لصَلَاة اَوْ اعْتِكَاف وَجب عَلَيْهِ الْوَفَاء بِهَذَا النّذر عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه وَأحمد وَلم يجب عَلَيْهِ عِنْد ابي حنيفَة لِأَنَّهُ لَا يجب عِنْده بِالنذرِ إِلَّا مَا كَانَ جنسه وَاجِبا بِالشَّرْعِ أما الْجُمْهُور فانهم يوجبون الْوَفَاء بِكُل طَاعَة كَمَا ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من نذر أَن يُطِيع الله فليطعه الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأما السّفر الى بقْعَة غير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة فمل يُوجب أحد من الْعلمَاء السّفر اليها إِذا نَذره حَتَّى نَص بعض الْعلمَاء على أَنه لَا يُسَافر الى مَسْجِد قبَاء لِأَنَّهُ لَيْسَ من الثَّلَاثَة مَعَ أَن مَسْجِد قبَاء تسْتَحب زيارته لمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ لِأَن ذَلِك لَيْسَ بشد رَحل كَمَا فِي الصَّحِيح من تطهر فِي بَيته ثمَّ أَتَى مَسْجِد قبَاء لَا يُرِيد الا الصَّلَاة فِيهِ كَانَ كعمرة قَالُوا ولان السّفر لزيارة قُبُور الانبياء وَالصَّالِحِينَ بِدعَة لم يَفْعَلهَا اُحْدُ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَا أَمر بهَا رَسُول الله ﷺ وَلَا استحبها اُحْدُ من ائمة الْمُسلمين فَمن اعْتقد ذَلِك عبَادَة وفعلها فَهَذَا مُخَالف للسّنة واجماع الْأمة وَهَذَا مِمَّا ذكره أَبُو عبد الله ابْن بطة فِي الابانة الصُّغْرَى

стр. 868

من الْبدع الْمُخَالفَة للسّنة والاجماع وَبِهَذَا يظْهر ضعف حجَّة ابي مُحَمَّد الْمَقْدِسِي فان زِيَارَة النَّبِي ﷺ لمَسْجِد قبَاء لم تكن بشد رَحل وَهُوَ يسلم لَهُم ان السّفر اليه لَا يجب بِالنذرِ وَقَوله إِن قَوْله لَا تشد الرّحال مَحْمُول على نفي الِاسْتِحْبَاب يُجَاب عَنهُ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن هَذَا تَسْلِيم مِنْهُ ان هَذَا السّفر لَيْسَ بِعَمَل صَالح وَلَا قربَة وَطَاعَة فقد خَالف الاجماع واذا سَافر لاعتقاد أَنَّهَا طَاعَة فَذَلِك محرم باجماع الْمُسلمين فَصَارَ التَّحْرِيم من جِهَة اتِّخَاذه قربَة وَمَعْلُوم ان احدا لَا يُسَافر اليها الا لذَلِك وَأما اذا قدر أَن شدّ الرحل اليها لغَرَض مُبَاح فَهَذَا جَائِز وَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب الْوَجْه الثَّانِي أَن الحَدِيث يَقْتَضِي النَّهْي وَالنَّهْي يَقْتَضِي التَّحْرِيم وَمَا ذَكرُوهُ من الْأَحَادِيث فِي زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ فَكلهَا ضَعِيفَة بِاتِّفَاق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ بل هِيَ مَوْضُوعَة لم يرو أحد من أهل السّنَن الْمُعْتَمدَة شَيْئا مِنْهَا وَلم يحْتَج اُحْدُ من الائمة مِنْهَا بِشَيْء بل مَالك إِمَام أهل الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة الَّذين هم أعلم النَّاس بِحكم هَذِه الْمَسْأَلَة كره أَن يَقُول الرجل زرت قبر النَّبِي ﷺ وَلَو كَانَ هَذَا اللَّفْظ مَعْرُوفا عِنْدهم مَشْرُوعا أَو مأثورا عَن النَّبِي ﷺ لم يكرههُ عَالم الْمَدِينَة وَالْإِمَام احْمَد ﵁ أعلم النَّاس فِي زَمَانه بِالسنةِ لما سُئِلَ عَن ذَلِك لم يكن عِنْده مَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي ذَلِك إِلَّا حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا من رجل يسلم عَليّ إِلَّا رد الله عَليّ روحي حَتَّى أرد ﵇ وعَلى هَذَا اعْتمد أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَكَذَلِكَ مَالك فِي الْمُوَطَّأ روى عَن عبد الله بن عمر أَنه كَانَ إِذا دخل الْمَسْجِد قَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله السَّلَام عَلَيْك يَا أَبَا بكر السَّلَام عَلَيْك

стр. 869

يَا أَبَت ثمَّ ينْصَرف وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عيدا وصلوا عَليّ أَيْنَمَا كُنْتُم فان صَلَاتكُمْ تبلغني وَفِي سنَن سعيد بن مَنْصُور عَن حسن بن حسن بن عَليّ ابْن أبي طَالب أَنه رأى رجلا يخْتَلف الى قبر النَّبِي ﷺ وَيَدْعُو عِنْده فَقَالَ يَا هَذَا إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عيدا وصلوا عَليّ أَيْنَمَا كُنْتُم فان صَلَاتكُمْ تبلغني فَمَا أَنْت وَرجل بالأندلس مِنْهُ الا سَوَاء وَكَانَ الصَّحَابَة والتابعون لما كَانَت الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة مُنْفَصِلَة عَن الْمَسْجِد الى زمن الْوَلِيد ابْن عبد الْملك لَا يدْخل عِنْده اُحْدُ لَا لصَلَاة هُنَاكَ وَلَا لمسح قبر وَلَا لدعاء بل هَذَا انما كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْمَسْجِد وَكَانَ السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِذا سلمُوا عَلَيْهِ وَأَرَادُوا الدُّعَاء دعوا مستقبلي الْقبْلَة وَلم يستقبلوا الْقَبْر وَأما الْوُقُوف للسلام عَلَيْهِ صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو حنيفَة يسْتَقْبل الْقبْلَة ايضا وَلَا يسْتَقْبل الْقَبْر وَقَالَ أَكثر الْأَئِمَّة يسْتَقْبل الْقَبْر عِنْد السَّلَام خَاصَّة وَلَا يسْتَقْبل الْقَبْر عِنْد الدُّعَاء وَلَيْسَ فِي ذَلِك إِلَّا حِكَايَة مكذوبة تروى عَن مَالك ومذهبه بِخِلَافِهَا وَلم يقل أحد من الْأَئِمَّة أَنه يسْتَقْبل الْقَبْر عِنْد الدُّعَاء وَاتفقَ الائمة على أَنه لَا يتمسح بِقَبْر النَّبِي ﷺ وَلَا يقبله وَهَذَا كُله مُحَافظَة على التَّوْحِيد فان من أصُول الشّرك بِاللَّه سُبْحَانَهُ اتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد كَمَا قَالَت طَائِفَة من السّلف فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تذرن ودا وَلَا سواعا وَلَا يَغُوث ويعوق ونسرا﴾ نوح وَقَالُوا هَؤُلَاءِ كَانُوا قوما صالحين فِي قوم نوح فَلَمَّا مَاتُوا عكفوا على قُبُورهم ثمَّ صوروا على صورهم تماثيل ثمَّ طَال عَلَيْهِم الأمد فعبدوها وَقد ذكر هَذَا الْمَعْنى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن ابْن عَبَّاس وَذكره مُحَمَّد ابْن جرير الطَّبَرِيّ وَغَيره فِي التَّفْسِير عَن غير وَاحِد من السّلف وَذكره

стр. 870

وثيمة وَغَيره فِي قصَص الانبياء من عدَّة طرق وَقد بسطت الْكَلَام على أصُول هَذِه الْمسَائِل فِي غير الْموضع وَأول من وضع الْأَحَادِيث فِي السّفر لزيارة الْمشَاهد أهل الْبدع الرافضة وَنَحْوهم الَّذين يعطلون الْمَسَاجِد ويعظمون الْمشَاهد يدعونَ بيُوت الله الَّتِي أَمر الله أَن يذكر فِيهَا اسْمه ويعبد فِيهَا وَحده لَا شريك لَهُ ويعظمون الْمشَاهد الَّتِي يُشْرك فِيهَا ويبتدع فِيهَا دين لم ينزل الله بِهِ سُلْطَانا فان الْكتاب وَالسّنة إِنَّمَا فيهمَا ذكر الْمَسَاجِد لَا الْمشَاهد كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد﴾ الْأَعْرَاف وَغير ذَلِك من الْآيَات وَالله تَعَالَى أعلم انْتهى وَاعْلَم ان من أَدِلَّة المجوزين لشد الرحل الى مَا ذكره التقي السُّبْكِيّ فِي كِتَابه شِفَاء السقام من الْأَحَادِيث المروية فِي زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ كَقَوْلِه ﵇ من زار قَبْرِي وَجَبت لَهُ شَفَاعَتِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَفِي رِوَايَة حلت لَهُ شَفَاعَتِي وَقَوله ﵊ من جَاءَنِي زَائِرًا لَا يعمله حَاجَة الا زيارتي كَانَ حَقًا عَليّ ان أكون لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَقَوله ﷺ من حج الى مَكَّة ثمَّ قصدني فِي مَسْجِدي كتب لَهُ حجتان مبرورتان رَوَاهُ ابْن عَبَّاس وَقَوله ﷺ من حج فزار قَبْرِي بعد وفاتي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ والْحَدِيث الَّذِي رُوِيَ من حج الْبَيْت وَلم يزرني فقد جفاني رَوَاهُ ابْن عمر وَأَطْنَبَ السُّبْكِيّ فِي الْأَدِلَّة وَقد أجَاب المانعون عَن جَمِيع ذَلِك كَمَا قَالَ الامام الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن احْمَد بن عبد الْهَادِي فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ الصارم المنكي فِي الرَّد على السُّبْكِيّ مَا نَصه أما بعد فَانِي وقفت على الْكتاب الَّذِي أَلفه بعض قَضَاهُ الشَّافِعِيَّة فِي الرَّد على شيخ الاسلام تَقِيّ الدّين احْمَد بن تَيْمِية فِي مَسْأَلَة شدّ الرّحال واعمال الْمطِي الى الْقُبُور وَذكر

стр. 871

أَنه سَمَّاهُ شن الْغَارة على من أنكر سفر الزِّيَارَة ثمَّ زعم أَنه اخْتَار ان يُسَمِّيه شِفَاء السقام فِي زِيَارَة خير الْأَنَام فَوَجَدته كتابا مُشْتَمِلًا على تَصْحِيح الاحاديث الضعيفة والموضوعة وتقوية الْآثَار الْوَاهِيَة والمكذوبة وعَلى تَضْعِيف الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة والْآثَار القوية المقبولة أَو تحريفها عَن موَاضعهَا وصرفها عَن ظواهرها بالتأويلات المستنكرة الْمَرْدُودَة وَرَأَيْت مؤلف هَذَا الْكتاب رجلا مماريا معجبا بِرَأْيهِ مُتبعا لهواه ذَاهِبًا فِي كثير مِمَّا يَعْتَقِدهُ الى الْأَقْوَال الشاذة والآراء الساقطة صائرا فِي أَشْيَاء مِمَّا يعتمده الى الشّبَه المخيلة والحجج الداحضة وَرُبمَا خرق الاجماع فِي مَوَاضِع لم يسْبق اليها وَلم يُوَافقهُ اُحْدُ من الْأَئِمَّة عَلَيْهَا وَهُوَ فِي الْجُمْلَة لون عَجِيب ونبأ غَرِيب تَارَة يسْلك فِيمَا ينصره ويقويه مَسْلَك الْمُجْتَهدين فَيكون مخطئا فِي ذَلِك الِاجْتِهَاد وَمرَّة يزْعم فِيمَا يَقُوله ويدعيه أَنه من جملَة المقلدين فَيكون من قَلّدهُ مخطئا فِي ذَلِك الِاعْتِقَاد ونسأل الله سُبْحَانَهُ أَن يلهمنا رشدنا ويرزقنا الْهِدَايَة والسداد هَذَا مَعَ أَنه إِن ذكر حَدِيثا مَرْفُوعا أَو أثرا مَوْقُوفا وَهُوَ غير ثَابت قبله اذا كَانَ مُوَافقا لهواه وان كَانَ ثَابتا رده إِمَّا بِتَأْوِيل أَو غَيره اذا كَانَ مُخَالفا لهواه وَإِن نقل عَن بعض الْأَئِمَّة الْأَعْلَام كمالك أَو غَيره مَا يُوَافق رَأْيه قبله وان كَانَ مطعونا فِيهِ غير صَحِيح عَنهُ وَإِن كَانَ مِمَّا يُخَالف رَأْيه رده وَلم يقبله وَإِن كَانَ صَحِيحا ثَابتا عَنهُ وان حكى شَيْئا مِمَّا يتَعَلَّق بالْكلَام على الحَدِيث وأحوال الروَاة عَن اُحْدُ من أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل كالامام احْمَد بن حَنْبَل وابي حَاتِم الرَّازِيّ وَأبي حَاتِم ابْن حبَان البستي وَأبي جَعْفَر الْعقيلِيّ وابي احْمَد ابْن عدي وابي عبد الله الْحَاكِم صَاحب الْمُسْتَدْرك وَأبي بكر الْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم من

стр. 872

الْحفاظ وَكَانَ مُخَالفا لما ذهب اليه لم يقبل قَوْله ورده عَلَيْهِ وناقشه فِيهِ وان كَانَ ذَلِك الامام قد أصَاب فِي ذَلِك القَوْل وَوَافَقَهُ غَيره من الْأَئِمَّة عَلَيْهِ وَإِن كَانَ مُوَافقا لما صَار اليه تَلقاهُ بِالْقبُولِ وَاحْتج بِهِ وَاعْتمد عَلَيْهِ وان كَانَ ذَلِك الامام قد خُولِفَ فِي ذَلِك القَوْل وَلم يُتَابِعه غَيره من الْأَئِمَّة عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ عين الْجور وَالظُّلم وَعدم الْقيام بِالْقِسْطِ نسْأَل الله تَعَالَى التَّوْفِيق ونعوذ بِهِ من الخذلان وَاتِّبَاع الْهوى هَذَا مَعَ أَنه حمله إعجابه بِرَأْيهِ وَغَلَبَة اتِّبَاع هَوَاهُ على أَن نسب سوء الْفَهم والغلط فِي النَّقْل الى جمَاعَة من الْعلمَاء الْأَعْلَام الْمُعْتَمد عَلَيْهِم فِي حِكَايَة مَذَاهِب الْفُقَهَاء وَاخْتِلَافهمْ وَتَحْقِيق معرفَة الْأَحْكَام حَتَّى زعم أَن مَا نَقله الشَّيْخ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ من النَّهْي عَن شدّ الرّحال وإعمال الْمطِي الى غير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة كالذهاب الى قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ والى الْمَوَاضِع الفاضلة وَنَحْو ذَلِك هُوَ مِمَّا غلط فِيهِ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد اَوْ ان ذَلِك مِمَّا وَقع مِنْهُ على سَبِيل السَّهْو والغفلة قَالَ وَلَو قَالَه هُوَ يَعْنِي الشَّيْخ ابا مُحَمَّد أَو غَيره مِمَّن يقبل كَلَامه الْغَلَط لحكمنا بغلطه وَأَنه لم يفهم مَقْصُود الحَدِيث فَانْظُر الى كَلَام هَذَا الْمُعْتَرض المتضمن لرد النَّقْل الصَّحِيح بِالرَّأْيِ الْفَاسِد واجمع بَينه وَبَين مَا حَكَاهُ عَن شيخ الاسلام من الافتراء الْعَظِيم والافك الْمُبين وَالْكذب الصراح وَهُوَ مَا نَقله عَنهُ من أَنه جعل زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ وقبور سَائِر الانبياء ﵈ مَعْصِيّة بالاجماع مَقْطُوعًا بهَا هَكَذَا ذكر هَذَا الْمُعْتَرض عَن بعض قُضَاة الشَّافِعِيَّة عَن الشَّيْخ أَنه قَالَ هَذَا القَوْل الَّذِي لَا يشك عَاقل من أَصْحَابه وَغير أَصْحَابه أَنه كذب مفترى لم يقلهُ قطّ وَلَا يُوجد فِي شَيْء من كتبه ولأول كَلَامه عَلَيْهِ بل كتبه كلهَا ومناسكه وفتاويه وأقواله وأفعاله

стр. 873

تشهد بِبُطْلَان هَذَا النَّقْل عَنهُ وَمن لَهُ أدنى علم وبصيرة يقطع بِأَن هَذَا مفتعل مختلق على الشَّيْخ وَأَنه لم يقلهُ قطّ وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾ الحجرات وَهَذَا الْمُعْتَرض يعلم أَن مَا نَقله عَن القَاضِي الْمَشْهُور بِمَا لَا أحب حكايته عَنهُ فِي هَذَا الْمقَام عَن شيخ الاسلام من هَذَا الْكَلَام كذب مفترى لَا يرتاب فِي ذَلِك وَلَكِن يطفف ويداهن وَيَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قلبه وَلَقَد أَخْبرنِي الثِّقَة أَنه ألف هَذَا الْكتاب لما كَانَ بِمصْر قبل أَن يَلِي الْقَضَاء بِالشَّام بِمدَّة كَثِيرَة ليتقرب بِهِ الى القَاضِي الَّذِي حكى عَنهُ هَذَا الْكَذِب ويحظى لَدَيْهِ فخاب امله وَلم يتَّفق عِنْده وَقد كَانَ هَذَا القَاضِي الَّذِي جمع الْمُعْتَرض كِتَابه لأَجله من أَعدَاء الشَّيْخ الْمَشْهُورين وَقد زعم هَذَا الْمُعْتَرض أَيْضا مَعَ هَذَا الْأَمر الفظيع الَّذِي ارْتَكَبهُ من التَّكْذِيب بِالصّدقِ والتصديق بِالْكَذِبِ أَن الفتاوي الْمَشْهُورَة الَّتِي أجَاب بهَا عُلَمَاء اهل بَغْدَاد مُوَافقَة للشَّيْخ مختلقة مَوْضُوعَة وَضعهَا بعض الشَّيَاطِين هَكَذَا زعم مَعَ علم الْعَام وَالْخَاص بِأَن هَذِه الفتاوي مِمَّا شاع خَبَرهَا وذاع واشتهر امرها وانتشر وَهِي صَحِيحَة ثَابِتَة متواترة عَمَّن افتى بهَا من الْعلمَاء وَقد رَأَيْت أَنا وغيري خطوطهم بهَا الى ان قَالَ وليعلم قبل الشُّرُوع فِي الْكَلَام مَعَ هَذَا الْمُعْتَرض أَن شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى لم يحرم زِيَارَة الْقُبُور على الْوَجْه الْمَشْرُوع فِي شئ من كتبه وَلم ينْه عَنْهَا وَلم يكرهها بل استحبها وحض عَلَيْهَا ومصنفاته ومناسكه طافحة بِذكر اسْتِحْبَاب زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ وَسَائِر الْقُبُور قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي بعض مَنَاسِكه بَاب زِيَارَة النَّبِي ﷺ إِذا أشرف على مَدِينَة النَّبِي ﷺ قبل الْحَج أَو بعده فَلْيقل مَا تقدم فاذا

стр. 874

دخل اسْتحبَّ لَهُ ان يغْتَسل نَص عَلَيْهِ الامام احْمَد فاذا دخل الْمَسْجِد بَدَأَ بِرجلِهِ الْيُمْنَى وَقَالَ بِسم الله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لي أَبْوَاب رحمتك ثمَّ يَأْتِي الرَّوْضَة بَين الْقَبْر والمنبر فَيصَلي بهَا وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ ثمَّ يَأْتِي قبر النَّبِي ﷺ فيستقبل جِدَار الْقَبْر وَلَا يمسهُ وَلَا يقبله وَيجْعَل الْقنْدِيل الَّذِي فِي الْقبْلَة عِنْد الْقَبْر على رَأسه ليَكُون قَائِما وجاه النَّبِي ﷺ وَيقف متباعدا كَمَا يقف لَو ظهر فِي حَيَاته بخشوع وَسُكُون منكسر الرَّأْس غاض الطّرف مستحضرا بِقَلْبِه جلالة موقفه ثمَّ يَقُول السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام عَلَيْك يَا نَبِي الله وَخيرته من خلقه السَّلَام عَلَيْك يَا سيد الْمُرْسلين وَخَاتم النَّبِيين وقائد الغر المحجلين أشهد ان لَا أَله أَلا الله وَأشْهد انك رَسُول الله أشهد أَنَّك قد بلغت رسالات رَبك وَنَصَحْت لأمتك ودعوت الى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وعبدت الله حَتَّى أَتَاك الْيَقِين فجزاك الله أفضل مَا جزى نَبيا ورسولا عَن أمته اللَّهُمَّ آته الْوَسِيلَة والفضيلة وابعثه مقَاما مَحْمُودًا الَّذِي وعدته يغبطه بِهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على ابراهيم وَآل ابراهيم انك حميد مجيد اللَّهُمَّ بَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على ابراهيم وَآل ابراهيم انك حميد مجيد اللَّهُمَّ احشرنا فِي زمرته وتوفنا على سنته وأوردنا حَوْضه واسقنا بكأسه مشربا رويا لانظمأ بعده أبدا ثمَّ يَأْتِي أَبَا بكر وَعمر ﵄ فَيَقُول السَّلَام عَلَيْك يَا أَبَا بكر الصّديق السَّلَام عَلَيْك يَا عمر الْفَارُوق السَّلَام عَلَيْكُمَا يَا صَاحِبي رَسُول الله ﷺ وضجيعيه وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته جزاكما الله تَعَالَى عَن صَحبه نبيكما وَعَن الاسلام خيرا سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عُقبى الدَّار

стр. 875

قَالَ ويزور قُبُور اهل البقيع وقبور الشُّهَدَاء إِن أمكن هَذَا كَلَام الشَّيْخ بِحُرُوفِهِ وَكَذَلِكَ سَائِر كتبه ذكر فِيهَا اسْتِحْبَاب زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ وَسَائِر الْقُبُور وَلم يُنكر زيارتها فِي مَوضِع من الْمَوَاضِع وَلَا ذكر فِي ذَلِك خلافًا الا نقلا غَرِيبا ذكره فِي بعض كتبه عَن بعض التَّابِعين وانما تكلم فِي مَسْأَلَة شدّ الرّحال وأعمال الْمطِي الى مُجَرّد زِيَارَة الْقُبُور وَذكر فِي ذَلِك قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين أَحدهمَا القَوْل بِإِبَاحَة ذَلِك كَمَا يَقُوله بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي وَاحْمَدْ وَالثَّانِي أَنه مَنْهِيّ عَنهُ كَمَا نَص عَلَيْهِ إِمَام دَار الْهِجْرَة مَالك بن أنس وَلم ينْقل عَن الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة خِلَافه وَإِلَيْهِ ذهب جمَاعَة من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَاحْمَدْ هَكَذَا ذكر الشَّيْخ الْخلاف فِي شدّ الرّحال واعمال الْمطِي الى الْقُبُور وَلم يذكرهُ فِي الزِّيَارَة الخالية عَن شدّ رَحل واعمال مطي وَالسّفر الى زِيَارَة الْقُبُور مَسْأَلَة وزيارتها من غير سفر مَسْأَلَة أُخْرَى وَمن خلط هَذِه الْمَسْأَلَة بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة وجعلهما مَسْأَلَة وَاحِدَة وَحكم عَلَيْهِمَا بِحكم وَاحِد وَأخذ فِي التشنيع على من فرق بَينهمَا وَبَالغ فِي التنفير عَنهُ فقد حرم التَّوْفِيق وحاد عَن سَوَاء الطَّرِيق وَاحْتج الشَّيْخ لمن قَالَ بِمَنْع شدّ الرحل بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُور الْمُتَّفق على صِحَّته من حَدِيث ابي هُرَيْرَة وابي سعيد الْخُدْرِيّ بِحَدِيث لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِدي هَذَا وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى هَذَا هُوَ الَّذِي نَقله الشَّيْخ رَحمَه الله تَعَالَى حكى الْخلاف فِي مَسْأَلَة بَين الْعلمَاء وَاحْتج لأحد الْقَوْلَيْنِ بِحَدِيث مُتَّفق على صِحَّته فَأَي عتب عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَلَكِن نَعُوذ بِاللَّه تَعَالَى من الْحَسَد وَالْبَغي وَاتِّبَاع الْهوى وَالله سُبْحَانَهُ المسؤول ان يوفقنا واخواننا الْمُسلمين لما يُحِبهُ ويرضاه من الْعَمَل الصَّالح وَالْقَوْل الْجَمِيل فانه يَقُول الْحق وَيهْدِي السَّبِيل انْتهى

стр. 876

وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ لما تضمنته هَذِه الأبيات الَّتِي تقدّمت وَالله أعلم قَوْله من بعد مَكَّة أَو على الاطلاق الخ هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا خلاف مَشْهُور بَين الْعلمَاء فَذهب أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي احدى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى أَن مَكَّة أفضل وَذهب مَالك الى ان الْمَدِينَة أفضل وَهُوَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن أَحْمد وَاحْتج من فضل مَكَّة بِمَا رَوَاهُ عبد الله بن عدي بن الْحَمْرَاء أَنه سمع النَّبِي ﷺ وَهُوَ وَاقِف بالحزورة فِي سوق مَكَّة وَالله انك لخير أَرض الله وَأحب ارْض الله الى الله وَلَوْلَا أَن قومِي أَخْرجُونِي مِنْك مَا خرجت رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن مضاعفة الصَّلَاة فِيهَا أَكثر وَأما الحَدِيث الْمَرْوِيّ اللَّهُمَّ إِنَّهُم أَخْرجُونِي من أحب الْبِقَاع إِلَيّ فأسكني أحب الْبِقَاع اليك فَهُوَ حَدِيث لَا يعرف قَالَ شيخ الاسلام هُوَ حَدِيث مَوْضُوع كذب لم يروه أحد من أهل الْعلم وَاحْتج من فضل الْمَدِينَة بأخبار صَحِيحه تدل على فَضلهَا لَا على فضيلتها على مَكَّة وَالله أعلم وَقَول النَّاظِم ﵀ ونراه عِنْد النّذر فرضا الخ اعْلَم ان الْعلمَاء اخْتلفُوا فِيمَن نذر طَاعَة بِشَرْط يرجوه كَأَن شفى الله مريضي فعلي أَن أَتصدق بِكَذَا وَنَحْو ذَلِك فَذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى أَنه يجب الْوَفَاء بِكُل طَاعَة وَحكي عَن ابي حنيفَة أَنه لَا يحب الْوَفَاء الا بِمَا جنسه وَاجِب باصل الشَّرْع كَالصَّوْمِ أما مَا لَيْسَ كَذَلِك كالاعتكاف فَلَا يُوجب الْوَفَاء بِهِ وَحجَّة الْجُمْهُور قَوْله ﷺ من نذر أَن يُطِيع الله فليطعه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالله أعلم

стр. 877

فصل فِي تعْيين ان اتِّبَاع السّنة وَالْقُرْآن طَرِيق للنجاة من النيرَان ... با من يُرِيد نجاته يَوْم الحسا ... ب من الْجَحِيم وموقد النيرَان ... اتبع رَسُول الله فِي الْأَقْوَال وَال أَعمال لَا تخرج عَن الْقُرْآن وخذا الصَّحِيحَيْنِ اللَّذين هما لعقد الدّين وَالْإِيمَان واسطتان واقرأهما بعد التجرد من هوى ... وتعصب وحمية الشَّيْطَان ... واجعلهما حكما وَلَا تحكم على ... مَا فِيهَا أصلا بقول فلَان وَاجعَل مقَالَته كبعض مقَالَة ال أَشْيَاخ تنصرها بِكُل أَوَان ... وانصر مقَالَته كنصرك للَّذي ... قلدته من غير مَا برهَان قدر رَسُول الله عنْدك وَحده ... وَالْقَوْل مِنْهُ اليك ذُو تبيان ... مَاذَا ترى فرضا عَلَيْك معنيا ... ان كنت ذَا عقل وَذَا إِيمَان عرض الَّذِي قَالُوا على أَقْوَاله ... أَو عكس ذَاك فَذَلِك الامران هِيَ مفرق الطرقات بَين طريقنا ... وَطَرِيق أهل الزيغ والعدوان قدر مقالات الْعباد جَمِيعهم ... عدما وراجع مطلع الْإِيمَان وَاجعَل جلوسك بَين صحب مُحَمَّد وتلق مَعَهم عَنهُ بِالْإِحْسَانِ ...

стр. 878

.. وتلق عَنْهُم مَا تلقوهُ هم ... عَنهُ من الْإِيمَان والعرفان ... أفليس فِي هَذَا بَلَاغ مُسَافر ... يَبْغِي الْإِلَه وجنة الْحَيَوَان ... شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْوَصِيَّة بِمَا يُنجي يَوْم الْحساب من الْعَذَاب وَالنَّار وَبَين أَن يكون بِاتِّبَاع رَسُول الله ﷺ فِي الْأَقْوَال والأعمال كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ آل عمرَان ثمَّ حث على لُزُوم الصَّحِيحَيْنِ أَي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم واتخاذهما حكما فَيحكم بهما وَلَا يحكم عَلَيْهِمَا وَذَلِكَ بعد أَن تتجرد من الْهوى والتعصب وَالْحمية قَالَ وَاجعَل مقَالَته كبعض مقالات الْأَشْيَاخ أَي اجْعَل مقَالَته ﷺ كبعض مقالات الْأَشْيَاخ الَّتِي ينصرها المقلدون بِكُل أَوَان وكنصرك للَّذي قلدته من غير برهَان الَّذِي غَايَة أَقْوَاله أَن تكون سَائِغَة الِاتِّبَاع وَأما أَقْوَال الرَّسُول ﷺ فَهِيَ وَاجِبَة الِاتِّبَاع كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ الْآيَة النِّسَاء ثمَّ قَالَ قدر رَسُول الله عنْدك وَأَنت تسمع كَلَامه مِنْهُ بِلَا وَاسِطَة فَهَل ترى فرضا عَلَيْك عرض أَقْوَاله على اقوال من قلدته أَو عكس ذَلِك أَي عرض أَقْوَالهم على أَقْوَاله وَهَذَانِ الامران هما مفرق الطّرق بَين طريقنا وَطَرِيق أهل الزيغ والعدوان قَوْله قدر مقالات الْعباد جَمِيعهم عدما الخ أَي قدر مقالات الْعباد ثمَّ رَاجع مطلع الايمان أَي الْكتاب وَالسّنة وَقدر نَفسك جَالِسا بَين صحب مُحَمَّد ﷺ وَأَنت تسمع مِنْهُ فاذا كَانَ فرض عَلَيْك اتِّبَاع مَا جَاءَ بِهِ ﷺ وَعرض كَلَام النَّاس على كَلَامه لَو كنت حَاضرا بَين يَدَيْهِ فَمَا الَّذِي أسقط هَذَا الْفَرْض عَنْك وَأَنت تسمع كِتَابه الَّذِي جَاءَ بِهِ وسنته الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة غضة طرية

стр. 879

قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... لَوْلَا التنافس بَين هَذَا الْخلق مَا ... كَانَ التَّفَرُّق قطّ فِي الحسبان ... فالرب رب وَاحِد وَكتابه ... حق وَفهم الْحق مِنْهُ دَان وَرَسُوله قد أوضح الْحق الْمُبين بغاية الايضاح والتبيان ... مَا ثمَّ أوضح من عِبَارَته فَلَا ... يحْتَاج سامعها الى تبيان ... والنصح مِنْهُ فَوق كل نصيحة ... وَالْعلم مَأْخُوذ عَن الرَّحْمَن فلأي شَيْء يعدل الْبَاغِي الْهدى ... عَن قَوْله لَوْلَا عمى الخذلان فالنقل عَنهُ مُصدق وَالْقَوْل من ... ذِي عصمَة مَا عندنَا قَولَانِ وَالْعَكْس عِنْد سواهُ فِي الْأَمريْنِ يَا ... من يَهْتَدِي هَل يَسْتَوِي النقلان تالله قد لَاحَ الصَّباح لمن لَهُ ... عينان نَحْو الْفجْر ناظرتان وأخو العماية فِي عمايته يقو ... ل اللَّيْل بعد أيستوي الرّجلَانِ تالله قد رفعت لَك الْأَعْلَام ان ... كنت المشمر نلْت دَار أَمَان وَإِذا جنيت وَكنت كسلانا فَمَا ... حرم الْوُصُول اليه غير جبان فاقدم وعد بالوصل نَفسك واهجر الْمَقْطُوع مِنْهُ قَاطع الانسان عَن نيل مقْصده فَذَاك عدوه ... وَلَو أَنه مِنْهُ الْقَرِيب الداني ... ذكر النَّاظِم فِي هَذِه الأبيات أَنه لَوْلَا التنافس بَين هَذَا الْخلق لم يُوجد التَّفَرُّق وَذَلِكَ أَن الرب سُبْحَانَهُ وَاحِد وَكتابه وَاحِد وفهمه يسير وَالرَّسُول ﷺ قد أوضح الْحق بغاية الايضاح فَلَا عبارَة اوضح من عِبَارَته

стр. 880

وَلَا نصح فَوق نصحه وَعلمه مَأْخُوذ عَن الله تَعَالَى فعدول الْبَاغِي عَن ذَلِك هُوَ عين الخذلان ثمَّ ذكر أَن عكس الْأَمريْنِ عِنْد غَيره وَقد لَاحَ الصَّباح لذِي عينين وأخو العماية فِي عماية جَهله نَعُوذ بِاللَّه من الْعَمى فصل فِي تيسير السّير الى الله على المثبتين الْمُوَحِّدين وامتناعه على المعطلين وَالْمُشْرِكين ... يَا قَاعِدا سَارَتْ بِهِ أنفاسه ... سير الْبَرِيد وَلَيْسَ بالذملان ... قَالَ فِي الْقَامُوس الذميل كأمير السّير اللين ماكان أَو فَوق الْعُنُق ذمل يذمل ويذمل ذملا وذمولا وذميلا وذملانا وناقة ذمول من ذمل ... حَتَّى مَتى هَذَا الرقاد وَقد سرى ... وَفد الْمحبَّة مَعَ أولي الاحسان ... وحدت بهم عزماتهم نَحْو العلى ... لاحادي الركْبَان والاظعان ... قَوْله وحدت بهم عزماتهم الخ قَالَ فِي الْقَامُوس حدا الْإِبِل حدوا وحداء زجرها وساقها انْتهى ... ركبُوا العزائم وَاعْتَلُّوا بظهورها ... وسروا فَمَا حنوا الى نعْمَان ... سَارُوا رويدا ثمَّ جاؤوا أَولا ... سير الدَّلِيل يؤم بالركبان سَارُوا باثبات الصِّفَات اليه لَا التعطيل والتحريف والنكران ...
следующие страницы →