← Акыда

Акыда · id 6362

توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم الكافية الشافية

أحمد بن عيسى

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ لما تضمنته هَذِه الأبيات الَّتِي تقدّمت وَالله أعلم قَوْله من بعد مَكَّة أَو على الاطلاق الخ هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا خلاف مَشْهُور بَين الْعلمَاء فَذهب أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي احدى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى أَن مَكَّة أفضل وَذهب مَالك الى ان الْمَدِينَة أفضل وَهُوَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن أَحْمد وَاحْتج من فضل مَكَّة بِمَا رَوَاهُ عبد الله بن عدي بن الْحَمْرَاء أَنه سمع النَّبِي ﷺ وَهُوَ وَاقِف بالحزورة فِي سوق مَكَّة وَالله انك لخير أَرض الله وَأحب ارْض الله الى الله وَلَوْلَا أَن قومِي أَخْرجُونِي مِنْك مَا خرجت رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن مضاعفة الصَّلَاة فِيهَا أَكثر وَأما الحَدِيث الْمَرْوِيّ اللَّهُمَّ إِنَّهُم أَخْرجُونِي من أحب الْبِقَاع إِلَيّ فأسكني أحب الْبِقَاع اليك فَهُوَ حَدِيث لَا يعرف قَالَ شيخ الاسلام هُوَ حَدِيث مَوْضُوع كذب لم يروه أحد من أهل الْعلم وَاحْتج من فضل الْمَدِينَة بأخبار صَحِيحه تدل على فَضلهَا لَا على فضيلتها على مَكَّة وَالله أعلم وَقَول النَّاظِم ﵀ ونراه عِنْد النّذر فرضا الخ اعْلَم ان الْعلمَاء اخْتلفُوا فِيمَن نذر طَاعَة بِشَرْط يرجوه كَأَن شفى الله مريضي فعلي أَن أَتصدق بِكَذَا وَنَحْو ذَلِك فَذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى أَنه يجب الْوَفَاء بِكُل طَاعَة وَحكي عَن ابي حنيفَة أَنه لَا يحب الْوَفَاء الا بِمَا جنسه وَاجِب باصل الشَّرْع كَالصَّوْمِ أما مَا لَيْسَ كَذَلِك كالاعتكاف فَلَا يُوجب الْوَفَاء بِهِ وَحجَّة الْجُمْهُور قَوْله ﷺ من نذر أَن يُطِيع الله فليطعه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالله أعلم

стр. 877

فصل فِي تعْيين ان اتِّبَاع السّنة وَالْقُرْآن طَرِيق للنجاة من النيرَان ... با من يُرِيد نجاته يَوْم الحسا ... ب من الْجَحِيم وموقد النيرَان ... اتبع رَسُول الله فِي الْأَقْوَال وَال أَعمال لَا تخرج عَن الْقُرْآن وخذا الصَّحِيحَيْنِ اللَّذين هما لعقد الدّين وَالْإِيمَان واسطتان واقرأهما بعد التجرد من هوى ... وتعصب وحمية الشَّيْطَان ... واجعلهما حكما وَلَا تحكم على ... مَا فِيهَا أصلا بقول فلَان وَاجعَل مقَالَته كبعض مقَالَة ال أَشْيَاخ تنصرها بِكُل أَوَان ... وانصر مقَالَته كنصرك للَّذي ... قلدته من غير مَا برهَان قدر رَسُول الله عنْدك وَحده ... وَالْقَوْل مِنْهُ اليك ذُو تبيان ... مَاذَا ترى فرضا عَلَيْك معنيا ... ان كنت ذَا عقل وَذَا إِيمَان عرض الَّذِي قَالُوا على أَقْوَاله ... أَو عكس ذَاك فَذَلِك الامران هِيَ مفرق الطرقات بَين طريقنا ... وَطَرِيق أهل الزيغ والعدوان قدر مقالات الْعباد جَمِيعهم ... عدما وراجع مطلع الْإِيمَان وَاجعَل جلوسك بَين صحب مُحَمَّد وتلق مَعَهم عَنهُ بِالْإِحْسَانِ ...

стр. 878

.. وتلق عَنْهُم مَا تلقوهُ هم ... عَنهُ من الْإِيمَان والعرفان ... أفليس فِي هَذَا بَلَاغ مُسَافر ... يَبْغِي الْإِلَه وجنة الْحَيَوَان ... شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْوَصِيَّة بِمَا يُنجي يَوْم الْحساب من الْعَذَاب وَالنَّار وَبَين أَن يكون بِاتِّبَاع رَسُول الله ﷺ فِي الْأَقْوَال والأعمال كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ آل عمرَان ثمَّ حث على لُزُوم الصَّحِيحَيْنِ أَي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم واتخاذهما حكما فَيحكم بهما وَلَا يحكم عَلَيْهِمَا وَذَلِكَ بعد أَن تتجرد من الْهوى والتعصب وَالْحمية قَالَ وَاجعَل مقَالَته كبعض مقالات الْأَشْيَاخ أَي اجْعَل مقَالَته ﷺ كبعض مقالات الْأَشْيَاخ الَّتِي ينصرها المقلدون بِكُل أَوَان وكنصرك للَّذي قلدته من غير برهَان الَّذِي غَايَة أَقْوَاله أَن تكون سَائِغَة الِاتِّبَاع وَأما أَقْوَال الرَّسُول ﷺ فَهِيَ وَاجِبَة الِاتِّبَاع كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ الْآيَة النِّسَاء ثمَّ قَالَ قدر رَسُول الله عنْدك وَأَنت تسمع كَلَامه مِنْهُ بِلَا وَاسِطَة فَهَل ترى فرضا عَلَيْك عرض أَقْوَاله على اقوال من قلدته أَو عكس ذَلِك أَي عرض أَقْوَالهم على أَقْوَاله وَهَذَانِ الامران هما مفرق الطّرق بَين طريقنا وَطَرِيق أهل الزيغ والعدوان قَوْله قدر مقالات الْعباد جَمِيعهم عدما الخ أَي قدر مقالات الْعباد ثمَّ رَاجع مطلع الايمان أَي الْكتاب وَالسّنة وَقدر نَفسك جَالِسا بَين صحب مُحَمَّد ﷺ وَأَنت تسمع مِنْهُ فاذا كَانَ فرض عَلَيْك اتِّبَاع مَا جَاءَ بِهِ ﷺ وَعرض كَلَام النَّاس على كَلَامه لَو كنت حَاضرا بَين يَدَيْهِ فَمَا الَّذِي أسقط هَذَا الْفَرْض عَنْك وَأَنت تسمع كِتَابه الَّذِي جَاءَ بِهِ وسنته الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة غضة طرية

стр. 879

قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... لَوْلَا التنافس بَين هَذَا الْخلق مَا ... كَانَ التَّفَرُّق قطّ فِي الحسبان ... فالرب رب وَاحِد وَكتابه ... حق وَفهم الْحق مِنْهُ دَان وَرَسُوله قد أوضح الْحق الْمُبين بغاية الايضاح والتبيان ... مَا ثمَّ أوضح من عِبَارَته فَلَا ... يحْتَاج سامعها الى تبيان ... والنصح مِنْهُ فَوق كل نصيحة ... وَالْعلم مَأْخُوذ عَن الرَّحْمَن فلأي شَيْء يعدل الْبَاغِي الْهدى ... عَن قَوْله لَوْلَا عمى الخذلان فالنقل عَنهُ مُصدق وَالْقَوْل من ... ذِي عصمَة مَا عندنَا قَولَانِ وَالْعَكْس عِنْد سواهُ فِي الْأَمريْنِ يَا ... من يَهْتَدِي هَل يَسْتَوِي النقلان تالله قد لَاحَ الصَّباح لمن لَهُ ... عينان نَحْو الْفجْر ناظرتان وأخو العماية فِي عمايته يقو ... ل اللَّيْل بعد أيستوي الرّجلَانِ تالله قد رفعت لَك الْأَعْلَام ان ... كنت المشمر نلْت دَار أَمَان وَإِذا جنيت وَكنت كسلانا فَمَا ... حرم الْوُصُول اليه غير جبان فاقدم وعد بالوصل نَفسك واهجر الْمَقْطُوع مِنْهُ قَاطع الانسان عَن نيل مقْصده فَذَاك عدوه ... وَلَو أَنه مِنْهُ الْقَرِيب الداني ... ذكر النَّاظِم فِي هَذِه الأبيات أَنه لَوْلَا التنافس بَين هَذَا الْخلق لم يُوجد التَّفَرُّق وَذَلِكَ أَن الرب سُبْحَانَهُ وَاحِد وَكتابه وَاحِد وفهمه يسير وَالرَّسُول ﷺ قد أوضح الْحق بغاية الايضاح فَلَا عبارَة اوضح من عِبَارَته

стр. 880

وَلَا نصح فَوق نصحه وَعلمه مَأْخُوذ عَن الله تَعَالَى فعدول الْبَاغِي عَن ذَلِك هُوَ عين الخذلان ثمَّ ذكر أَن عكس الْأَمريْنِ عِنْد غَيره وَقد لَاحَ الصَّباح لذِي عينين وأخو العماية فِي عماية جَهله نَعُوذ بِاللَّه من الْعَمى فصل فِي تيسير السّير الى الله على المثبتين الْمُوَحِّدين وامتناعه على المعطلين وَالْمُشْرِكين ... يَا قَاعِدا سَارَتْ بِهِ أنفاسه ... سير الْبَرِيد وَلَيْسَ بالذملان ... قَالَ فِي الْقَامُوس الذميل كأمير السّير اللين ماكان أَو فَوق الْعُنُق ذمل يذمل ويذمل ذملا وذمولا وذميلا وذملانا وناقة ذمول من ذمل ... حَتَّى مَتى هَذَا الرقاد وَقد سرى ... وَفد الْمحبَّة مَعَ أولي الاحسان ... وحدت بهم عزماتهم نَحْو العلى ... لاحادي الركْبَان والاظعان ... قَوْله وحدت بهم عزماتهم الخ قَالَ فِي الْقَامُوس حدا الْإِبِل حدوا وحداء زجرها وساقها انْتهى ... ركبُوا العزائم وَاعْتَلُّوا بظهورها ... وسروا فَمَا حنوا الى نعْمَان ... سَارُوا رويدا ثمَّ جاؤوا أَولا ... سير الدَّلِيل يؤم بالركبان سَارُوا باثبات الصِّفَات اليه لَا التعطيل والتحريف والنكران ...

стр. 881

.. عرفوه بالأوصاف فامتلأت قلو ... بهم لَهُ بالحب وَالْإِيمَان ... فَتَطَايَرَتْ تِلْكَ الْقُلُوب اليه بَال أشواق إِذْ ملئت من الْعرْفَان وأشدهم حبا لَهُ أدراهم ... بصفاته وحقائق الْقُرْآن فالحب يتبع للشعور بِحَسبِهِ ... يقوى ويضعف ذَاك ذُو تبيان ولذاك كَانَ العارفون صِفَاته أحبابه هم اهل هَذَا الشان ... ولذاك كَانَ الْعَالمُونَ برَبهمْ ... أحبابه وبشرعة الْإِيمَان ... ولذاك كَانَ الجاهلون بذا وَذَا ... بغضاءه حَقًا وَذَوي شنآن وحياة قلب العَبْد فِي شَيْئَيْنِ من يرزقهما يحيى مدى الْأَزْمَان فِي هَذِه الدُّنْيَا وَفِي الْأُخْرَى يكو ... ن الْحَيّ ذَا الرضْوَان وَالْإِحْسَان ... ذكر الْإِلَه وحبه من غير اشراك بِهِ وهما فممتنعان من صَاحب التعطيل حَقًا كامتنا ... ع الطَّائِر المقصوص من طيران أيحبه من كَانَ يُنكر وَصفه ... وعلوه وَكَلَامه بقرآن لَا وَالَّذِي حَقًا على الْعَرْش اسْتَوَى متكلما بِالْوَحْي وَالْفرْقَان ... الله أكبر ذَاك فضل الله يؤ ... تيه لمن يرضى بِلَا حسبان ... وَترى المخلف فِي الديار تَقول ذَا ... إِحْدَى الأثافي خص بالحرمان الله أكبر ذَاك عدل الله يَقْضِيه على من شَاءَ من إِنْسَان ...

стр. 882

.. قَوْله على هَذَا وَهَذَا الْحَمد فِي الأولى وَفِي الْأُخْرَى هما حمدَان ... حمد لذات الرب ﷻ ... وكذاك حمد الْعدْل وَالْإِحْسَان يَا من تعز عَلَيْهِم أَرْوَاحهم ... ويرون غبنا بيعهَا بهوان ويرون خسرانا مُبينًا بيعهَا ... فِي إِثْر كل قبيحة ومهان ويرون ميدان التسابق بارز ... فيتاركون تقحم الميدان ويرون انفاس الْعباد عَلَيْهِم ... قد أحصيت بالعد والحسبان ويرون أَن أمامهم يَوْم اللقا ... لله مسئلتان شاملتان مَاذَا عَبدْتُمْ ثمَّ مَاذَا قد أجبتم من أَتَى بِالْحَقِّ والبرهان ... هاتوا جَوَابا للسؤال وهيئوا ... أَيْضا صَوَابا للجواب يداني ... وتيقنوا ان لَيْسَ ينجيكم سوى ... تجريدكم لحقائق الْإِيمَان ... يُشِير إِلَى الحَدِيث وَهُوَ قَوْله ﷺ كلمتان يسْأَل عَنْهُمَا الْأَولونَ وَالْآخرُونَ مَاذَا كُنْتُم تَعْبدُونَ وماذا أجبتم الْمُرْسلين ... تجريدكم توحيده سُبْحَانَهُ ... عَن شركَة الشَّيْطَان والأوثان وكذاك تَجْرِيد اتِّبَاع رَسُوله ... عَن هَذِه الآراء والهذيان وَالله مَا يُنجي الْفَتى من ربه ... شَيْء سوى هَذَا بِلَا روغان يَا رب جرد عَبدك الْمِسْكِين را ... جي الْفضل مِنْك أَضْعَف العبدان لم تنسه وذكرته فاجعله لَا ... ينساك أَنْت بدأت بِالْإِحْسَانِ ...

стр. 883

.. وَبِه ختمت فَكنت أولى بالجميل وبالثناء من الجهول الْجَانِي ... فَالْعَبْد لَيْسَ يضيع بَين فواتح ... وخواتم من فضل ذِي الغفران أَنْت الْعَلِيم بِهِ وَقد أنشأته من تربة هِيَ أَضْعَف الاركان ... كل عَلَيْهَا قد علا وهوت الى ... تَحت الْجَمِيع بذلة وهوان ... وعلت عَلَيْهَا النَّار حَتَّى ظن أَن ... يَعْلُو عَلَيْهَا الْخلق من نيران وأتى الى الْأَبَوَيْنِ ظنا أَنه ... سيصير الْأَبَوَيْنِ تَحت دُخان فسعت الى الْأَبَوَيْنِ رحمتك الَّتِي ... وسعتها فعلا بك الابوان هَذَا وَنحن بنوهما وحلو منا ... فِي جنب حلمهما لَدَى الْمِيزَان جُزْء يسير والعدو فواحد ... لَهما وأعدانا بِلَا حسبان والضعف مستول علينا من جَمِيع جهاتنا سِيمَا من الْإِيمَان ... قَوْله من تربة هِيَ أَضْعَف الْأَركان أَي إِن الانسان مَخْلُوق من تُرَاب قَوْله أَضْعَف الْأَركان أَي الْأَركان الْأَرْبَعَة وَهِي المَاء والهواء وَالنَّار وَالتُّرَاب قَوْله وعلت عَلَيْهَا النَّار الخ يَعْنِي قَوْله تَعَالَى عَن ابليس اللعين ﴿أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾ الْأَعْرَاف قَوْله هَذَا وَنحن بنوهما الخ يَعْنِي ان عقولنا فِي جنب عقلهما جُزْء يسير وعدوهما وَاحِد وأعداؤنا بِلَا حسبان ... يَا رب معذرة اليك فَلم يكن ... قصد الْعباد ركُوب ذَا الْعِصْيَان ...

стр. 884

.. لَكِن نفوس سولته وغرها ... هَذَا الْعَدو لَهَا غرور أَمَان فتيقنت يارب أَنَّك وَاسع الغفران ذُو فضل وَذُو إِحْسَان ومقالنا مَا قَالَه الأبوان قبل مقَالَة العَبْد الظلوم الْجَانِي نَحن الألى ظلمُوا وَإِن لم تغْفر الذَّنب الْعَظِيم فَنحْن ذُو خسران يَا رب فَانْصُرْنَا على الشَّيْطَان لَيْسَ لنا بِهِ لَوْلَا حماك يدان ... فصل فِي ظُهُور الْفرق بَين الطَّائِفَتَيْنِ وَعدم التباسه الا على من لَيْسَ بِذِي عينين ... وَالْفرق بَيْنكُم وَبَين خصومكم ... من كل وَجه ثَابت بِبَيَان مَا أَنْتُم مِنْهُم وَلَا هم مِنْكُم ... شتان بَين السعد والدبران فاذا دَعونَا لِلْقُرْآنِ دعوتم ... للرأي أَيْن الرَّأْي من قُرْآن وَإِذا دَعونَا للْحَدِيث دعوتم ... أَنْتُم الى تَقْلِيد قَول فلَان وَكَذَا تلقينا نُصُوص نَبينَا ... بقبولها بِالْحَقِّ والاذعان من غير تَحْرِيف وَلَا جحد وَلَا ... تَفْوِيض ذِي جهل بِلَا عرفان لَكِن باعراض وتجهيل وتأ ... ويل تلقيتم مَعَ النكران أنكرتموها جهدكم فاذا أَتَى ... مَا لَا سَبِيل لَهُ الى نكران ...

стр. 885

.. أعرضتم عَنهُ وَلم تستنبطوا ... مِنْهُ هدى لحقائق الْإِيمَان فاذا ابتليتم مكرهين بسمعها ... فوضتموها لاعلى الْعرْفَان لَكِن بِجَهْل للَّذي سيقت لَهُ ... تَفْوِيض اعراض وَجَهل معَان فاذا ابتليتم باحتجاج خصومكم ... أوليتموها دفع ذِي صولان فالجحد والاعراض والتأويل والتجهيل حَظّ النَّص عِنْد الْجَانِي لَكِن لدينا حَظه التَّسْلِيم مَعَ ... حسن الْقبُول وَفهم ذِي الاحسان ... فصل فِي التَّفَاوُت بَين حَظّ المثبتين والمعطلين من وَحي رب الْعَالمين ... وَلنَا الْحَقِيقَة من كَلَام إلهنا ... ونصيبكم مِنْهُ الْمجَاز الثَّانِي وقواطع الوحيين شاهدة لنا ... وَعَلَيْكُم هَل يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ وأدلة الْمَعْقُول شاهدة لنا ... أَيْضا فقاضونا الى الْبُرْهَان وكذاك فطْرَة رَبنَا الرَّحْمَن شا ... هدة لنا أَيْضا شُهُود بَيَان ... وكذاك إِجْمَاع الصَّحَابَة والألى ... تبعوهم بِالْعلمِ وَالْإِحْسَان ... وكذاك إِجْمَاع الْأَئِمَّة بعدهمْ ... هَذَا كَلَامهم بِكُل مَكَان هذي الشُّهُود فَهَل لديكم أَنْتُم ... من شَاهد بِالنَّفْيِ والنكران ...

стр. 886

.. وجنودنا من قد تقدم ذكرهم ... وجنودكم فعساكر الشَّيْطَان ... وَهِي قواطع الوحيين وأدلة الْمَعْقُول والفطرة واجماع الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة ... وخيامنا مَضْرُوبَة بمشاعر الوحيين من خبر وَمن قُرْآن وخيامكم مَضْرُوبَة بالتيه فالسكان كل ملدد حيران هذي شهادتكم على محصولهم ... عِنْد الْمَمَات وَقَوْلهمْ بِلِسَان ... يَعْنِي النَّاظِم ﵀ مَا تقدم عَن بعض الْمُتَكَلِّمين أَنه قَالَ عِنْد مَوته لقد خضت الْبَحْر الخضم وَتركت أهل الاسلام وعلومهم وخضت فِي الَّذِي نهوني عَنهُ والآن إِن لم يتداركني رَبِّي برحمته وَإِلَّا فالويل لفُلَان وَهَا أَنا ذَا أَمُوت على عقيدة أُمِّي وَقَالَ آخر أَكثر النَّاس شكا عِنْد الْمَوْت أَصْحَاب الْكَلَام وَقَالَ آخر عِنْد مَوته أَمُوت وَمَا علمت شَيْئا إِلَّا أَن الْمُمكن يفْتَقر الى وَاجِب ثمَّ قَالَ الافتقار وصف عدمي أَمُوت وَمَا علمت شَيْئا ... وَالله يشْهد أَنهم أَيْضا كَذَا ... تَكْفِي شَهَادَة رَبنَا الرَّحْمَن وَلنَا المساند والصحاح وَهَذِه السّنَن الَّتِي نابت عَن الْقُرْآن وَلكم تصانيف الْكَلَام وَهَذِه الآراء وَهِي كَثِيرَة الهذيان شبه يكسر بَعْضهَا بَعْضًا كبيت من زجاج خر للأركان ... هُوَ مَأْخُوذ من قَول الْقَائِل ... شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حَقًا وكل كاسر مكسور ...

стр. 887

قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى هَل ثمَّ شَيْء غير رَأْي أَو كَلَام بَاطِل أَو منطق اليونان ونقول قَالَ الله قَالَ وَرَسُوله فِي كل تصنيف وكل مَكَان لَكِن تَقولُوا قَالَ آرسطو وَقَالَ ابْن الْخَطِيب وَقَالَ ذُو الْعرْفَان ابْن الْخَطِيب هُوَ الْفَخر الرَّازِيّ شيخ لكم يدعى ابْن سينا لم يكن متقيدا بِالدّينِ وَالْإِيمَان وَخيَار مَا تأتون قَالَ الْأَشْعَرِيّ وتشهدون عَلَيْهِ بالبتهان أَي خِيَار مَا تَقولُونَ قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَقد خالفتموه عين الْمُخَالفَة فَإِنَّهُ يَقُول بِإِثْبَات الْعُلُوّ والاستواء وَيَقُول بِإِثْبَات الصِّفَات الخبرية وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِك قَولَانِ وَمَعَ ذَلِك خالفتموه فِي نفي الْعُلُوّ وَالصِّفَات تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول المعطلة علوا كَبِيرا فالأشعري مُقَرر لعلو رب الْعَرْش فَوق جَمِيع ذِي الأكوان فِي غَايَة التَّقْرِير بالمعقول وَالْمَنْقُول ثمَّ بفطرة الرَّحْمَن هَذَا وَنحن فتاركوا الآراء للنَّقْل الصَّحِيح ومحكم الْفرْقَان لكنكم بِالْعَكْسِ قد صرحتم ووضعتم القانون ذَا الْبُهْتَان أَي نَحن نَتْرُك الآراء للنَّقْل الصَّحِيح وَأَنْتُم صرحتم بِالْعَكْسِ وأعددتم لدفع النُّصُوص ضروبا من الْعدَد وأنواعا من القوانين وَالنَّفْي عنْدكُمْ على التَّفْصِيل والاثبات إمالا بِلَا نكران

стр. 888

والمثبتون طريقهم نفي على الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل بالتبيان فتدبروا الْقُرْآن مَعَ من مِنْكُمَا وَشَهَادَة الْمَبْعُوث بالفرقان وعرضتم قَول الرَّسُول على الَّذِي قَالَ الشُّيُوخ فالمحكم النَّص الْمُوَافق قَوْلهم لَا يقبل التَّأْوِيل فِي الأذهان لكنما النَّص الْمُخَالف قَوْلهم متشابه متأول بمعان أَي إِن أهل التَّأْوِيل عرضوا كتاب الله وَسنة رَسُوله على مَا قَالَه شيوخهم وَجعلُوا النَّص الْمُوَافق لقَولهم محكما لَا يقبل التَّأْوِيل أما النَّص الْمُخَالف لقَولهم فَهُوَ عِنْدهم متاشبه مُحْتَمل لعدة معَان ... وَإِذ تأدبتم تَقولُوا مُشكل أفواضح يَا قوم رَأْي فلَان ... وَالله لَو كَانَ الْمُوَافق لم يكن ... متشابها متأولا بِلِسَان ... لَكِن عرضنَا نَحن أَقْوَال الشُّيُوخ ... على الَّذِي جَاءَت بِهِ الوحيان مَا خلف النصين لم نعبأ بِهِ ... شَيْئا وَقُلْنَا وحسبنا النصان ... قَوْله واله لَو كَانَ النَّص مُوَافقا لقولكم لم يكن متشبها عنْدكُمْ متأولا بعدة من التأويلات قَوْله لَكِن عرضنَا نَحن أَقْوَال الشُّيُوخ الخ أَي إِن قَوْلنَا عكس قَوْلكُم وَذَلِكَ أَنا عرضنَا أَقْوَال الشُّيُوخ على الْكتاب وَالسّنة فَمَا وافقهما قبلنَا وَمَا خالفهما لم نعبأ بِهِ شَيْئا وَقُلْنَا حَسبنَا كتاب الله وَسنة رَسُوله والمشكل القَوْل الْمُخَالف عندنَا فِي غَايَة الْإِشْكَال لَا التِّبْيَان

стр. 889

.. والعزل والابقاء مرجعه الى الآراء عنْدكُمْ بِلَا كتمان لَكِن لدينا ذَاك مرجعه الى ... قَول الرَّسُول ومحكم الْقُرْآن وَالْكفْر والاسلام عين خِلَافه ... ووفاته لَا غير بالبرهان وَالْكفْر عنْدكُمْ خلاف شيوخكم ... ووفاقهم فحقيقة الايمان هذي سبيلكم وَتلك سبيلنا ... والموعد الرَّحْمَن بعد زمَان وَهُنَاكَ يعلم أَي حزبينا على الْحق الصَّرِيح وفطرة الديَّان فاصبر قَلِيلا انما هِيَ سَاعَة ... فَإِذا اصبت فَفِي رضى الرَّحْمَن فالقوم مثلك يألمون ويصبرو ... ن وصبرهم فِي طَاعَة الشَّيْطَان ... فصل فِي بَيَان الِاسْتِغْنَاء بِالْوَحْي الْمنزل من السَّمَاء عَن تَقْلِيد الرِّجَال والآراء ... يَا طَالب الْحق الْمُبين ومؤثرا ... علم الْيَقِين وَصِحَّة الايمان اسْمَع مقَالَة نَاصح خبر الَّذِي ... عِنْد الورى مذ شب حَتَّى الْآن مَا زَالَ مذ عقدت يَدَاهُ إزَاره ... قد شدّ مئزرة الى الرَّحْمَن وتخلل الفترات للعزمات امْر لَازم لطبيعة الانسان وتولد النُّقْصَان من فتراته ... أوليس سائرنا بني النُّقْصَان ...

стр. 890

.. طَاف المداهب يَبْتَغِي نورا ليهديه وينجيه من النيرَان وَكَأَنَّهُ قد طَاف يَبْغِي ظلمَة اللَّيْل البهيم وَمذهب الحيران وَاللَّيْل لَا يزْدَاد إِلَّا قُوَّة ... وَالصُّبْح مقهور بذا السُّلْطَان حَتَّى بَدَت فِي سيره نَار على ... طود الْمَدِينَة مطلع الايمان فَأتى ليقبسها فَلم يُمكنهُ مَعَ ... تِلْكَ الْقُيُود منالها بِأَمَان لَوْلَا تَدَارُكه الاله بِلُطْفِهِ ... ولى على العقبين ذَا نكصان لَكِن توقف خاضعا متذللا ... مستشعر الافلاس من أَثمَان فَأَتَاهُ جند حل عِنْد قيوده ... فامتد حِينَئِذٍ لَهُ الباعان ... وَالله لَوْلَا أَن تحل قيوده ... وتزول عَنهُ ربقة الشَّيْطَان كَانَ الرقي الى الثريا مصعدا ... من دور تِلْكَ النَّار فِي الامكان فَرَأى بِتِلْكَ النَّار آطام الْمَدِينَة ... كالخيام تشوفها العينان وَرَأى على طرقاتها الْأَعْلَام قد ... نصبت لاجل السالك الحيران وَرَأى هُنَالك على كل هاد مهتد ... يَدْعُو الى الايمان والإيقان فهناك هُنَا نَفسه متذكرا ... مَا قَالَه المشتاق مُنْذُ زمَان والمستهام على الْمحبَّة لم يزل ... حاشا لذكراكم من النسْيَان لَو قيل مَا تهوى لقَالَ مبادرا ... أَهْوى زيارتكم على الأجفان ...

стр. 891

.. تالله ان سمح الزَّمَان بقربكم وحللت مِنْكُم بِالْمحل الداني لأُعَفِّرَنَّ الخد شكرا فِي الثرى ... ولأكحلن بتربكم أجفاني ... يخبر النَّاظِم عَمَّا حصل لَهُ فِي سيره الى الله جلا وَعلا وَأَنه طَاف الْمذَاهب يَبْتَغِي نورا ليهتدي بِهِ وينجو بِهِ من النيرَان وَأَنه لم يحصل لَهُ فِي طَوَافه ذَلِك الا الظلمَة والحيرة وَمَعَ إمعانه فِي ذَلِك والظلمة تزيد والحيرة تقوى حَتَّى بَدَت لَهُ انوار الْهدى من الْكتاب وَالسّنة وكنى عَن ذَلِك بقوله حَتَّى بَدَت لَهُ فِي سيره نَار على طود الْمَدِينَة فَأتى ليقبسها فَلم يُمكنهُ ذَلِك مَعَ تِلْكَ الْقُيُود الَّتِي توهن الانقياد فلولا أَن الله سُبْحَانَهُ تَدَارُكه بِلُطْفِهِ لرجع ونكص على عَقِبَيْهِ فَلَمَّا جَاءَهُ ذَلِك اللطف الالهي انْحَلَّت قيوده وَسَار الى الله مقتديا بأنوار الْكتاب وَالسّنة قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... ان رمت تبصر مَا ذكرت فغض طر ... فا عَن سوى الْآثَار وَالْقُرْآن واترك رسوم الْخلق لاتعبأ بهَا ... فِي السعد مَا يُغْنِيك عَن دبران حدق بقلبك فِي النُّصُوص كَمثل مَا ... قد حدقوا فِي الرَّأْي طول زمَان واكحل جفون الْقلب بالوحيين وَاحْذَرْ كحلهم يَا كَثْرَة العميان فَالله بَين فيهمَا طرق الْهدى لِعِبَادِهِ فِي أحسن التِّبْيَان لم يحوج الله الْخَلَائق مَعَهُمَا لخيال فلتان ورأي فلَان فالوحي كَاف للَّذي يَعْنِي بِهِ شاف لداء جَهَالَة الانسان وتفاوت الْعلمَاء فِي أفهامهم للوحي فَوق تفَاوت الْأَبدَان ...

стр. 892

.. وَالْجهل دَاء قَاتل وشفاؤه أَمْرَانِ فِي التَّرْكِيب متفقان نَص من الْقُرْآن أَو من سنة وطبيب ذَاك الْعَالم الرباني وَالْعلم أَقسَام ثَلَاث مَالهَا من رَابِع وَالْحق ذُو تبيان علم بأوصاف الْإِلَه وَفعله وَكَذَلِكَ الاسماء للرحمن وَالْأَمر وَالنَّهْي الَّذِي هُوَ دينه وجزاؤه يَوْم الْمعَاد الثَّانِي وَالْكل فِي الْقُرْآن وَالسّنَن الَّتِي جَاءَت عَن الْمَبْعُوث بالفرقان وَالله مَا قَالَ امْرُؤ متحذلق بسواهما الا من الهذيان ... قَالَ فِي الْقَامُوس حذلق أظهر الحذق أَو ادّعى أَكثر مِمَّا عِنْده كتحذلق انْتهى يَعْنِي ان الْعلم ثَلَاثَة أَقسَام أَولهَا الْعلم بِصِفَات الرب وأفعاله وأسمائه وَالثَّانِي علم الْأَمر وَالنَّهْي وَالثَّالِث علم الْمعَاد وَالْكل فِي الْقُرْآن وَالسّنة قَوْله يسواهما يَعْنِي الْكتاب وَالسّنة ... إِن قُلْتُمْ تَقْرِيره فمقرر بأتم تَقْرِير من الرَّحْمَن أَو قُلْتُمْ إيضاحه فمبين بأتم ايضاح وَخير بَيَان أَو قُلْتُمْ إيجازه فَهُوَ الَّذِي فِي غَايَة الايجاز والتبيان أَو قُلْتُمْ مَعْنَاهُ هَذَا فاقصدوا معنى الْخطاب بِعَيْنِه وعيان أَو قُلْتُمْ نَحن التراجم فاقصدوا الْمَعْنى بِلَا شطط وَلَا نُقْصَان أَو قُلْتُمْ بِخِلَافِهِ فكلامكم فِي غَايَة الانكار والبطلان ...

стр. 893

.. أَو قُلْتُمْ قسنا عَلَيْهِ نَظِيره فقياسكم نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ نوع يُخَالف نَصه فَهُوَ المحا ل وَذَاكَ عِنْد الله ذُو بطلَان وكلامنا فِيهِ وَلَيْسَ كلامنا فِي غَيره أَعنِي الْقيَاس الثَّانِي مَا لَا يُخَالف نَصه فَالنَّاس قد عمِلُوا بِهِ فِي سَائِر الأحيان لكنه عِنْد الضَّرُورَة لَا يصا ر إِلَيْهِ إِلَّا بعد ذَا الفقدان هَذَا جَوَاب الشَّافِعِي لِأَحْمَد لله دَرك من امام زمَان وَالله مَا اضْطر الْعباد إِلَيْهِ فِيمَا بَينهم من حَادث بِزَمَان ... قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي أَعْلَام الموقعين بعد أَن ذكر أَن فَتْوَى الامام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى تَدور على خَمْسَة أصُول الأَصْل الرَّابِع من أصُول الامام أَحْمد الْأَخْذ بالمرسل والْحَدِيث الضَّعِيف اذا لم يكن فِي الْبَاب شئ يَدْفَعهُ وَهُوَ الَّذِي رَجحه على الْقيَاس وَلَيْسَ المُرَاد بالضعيف عِنْده الْبَاطِل وَلَا الْمُنكر وَلَا مَا فِي رُوَاته مِنْهُم بِحَيْثُ لَا يسوغ الذّهاب اليه وَالْعَمَل بِهِ بل الحَدِيث الضَّعِيف عِنْده قسيم الصَّحِيح وَقسم من أَقسَام الْحسن وَلم يكن يقسم الحَدِيث إِلَى صَحِيح وَحسن وَضَعِيف بل الى صَحِيح وَضَعِيف والضعيف عِنْده مَرَاتِب فاذا لم يجد فِي الْبَاب أثرا يَدْفَعهُ وَلَا قَول صَاحب وَلَا إِجْمَاعًا على خِلَافه كَانَ الْعَمَل بِهِ عِنْده أولي من الْقيَاس وَلَيْسَ اُحْدُ من الْأَئِمَّة إِلَّا وَهُوَ مُوَافق على هَذَا الأَصْل من حَيْثُ الْجُمْلَة فانه مَا مِنْهُم اُحْدُ الا وَقد قدم الحَدِيث الضَّعِيف على الْقيَاس فَقدم أَبُو حنيفَة حَدِيث القهقهة فِي الصَّلَاة على مَحْض الْقيَاس وَأجْمع اهل الحَدِيث على ضعفه وَقدم حَدِيث الْوضُوء بنبيذ التَّمْر على الْقيَاس وَأكْثر أهل الحَدِيث يُضعفهُ وَقدم حَدِيث أَكثر الْحيض عشرَة أَيَّام وَهُوَ ضَعِيف باتفاقهم على مَحْض

стр. 894

الْقيَاس فَالَّذِي ترَاهُ فِي الثَّالِث عشر مسَاوٍ فِي الْحَد وَفِي الْحَقِيقَة وَالصّفة لدم الْيَوْم الْعَاشِر وَقدم حَدِيث لَا مهر أقل من عشرَة دَرَاهِم وَأَجْمعُوا على ضعفه بل بُطْلَانه على مَحْض الْقيَاس فان بذل الصَدَاق مُعَاوضَة فِي مُقَابلَة بذل الْبضْع فَمَا تَرَاضيا عَلَيْهِ جَازَ قَلِيلا أَو كثيرا وَقدم الشَّافِعِي تَحْرِيم صيد وَج مَعَ ضعفه على الْقيَاس وَقدم خبر جَوَاز الصَّلَاة بِمَكَّة على ضعفه ومخالفته لقياس غَيرهَا من الْبلدَانِ وَقدم فِي اُحْدُ قوليه حَدِيث من قاء اَوْ رعف فَليَتَوَضَّأ وليبن على صلَاته على الْقيَاس مَعَ ضعف الْخَبَر وارساله وَأما مَالك فانه يقدم الحَدِيث الْمُرْسل والمنقطع والبلاغات وَقَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس فاذا لم يكن عِنْد الامام احْمَد فِي الْمَسْأَلَة نَص وَلَا قَول الصَّحَابَة أَو وَاحِد مِنْهُم وَلَا أثر مُرْسل اَوْ ضَعِيف عدل الى الاصل الْخَامِس وَهُوَ الْقيَاس فَاسْتَعْملهُ للضَّرُورَة وَقد قَالَ فِي كتاب الْخلال سَالَتْ الشَّافِعِي عَن الْقيَاس فَقَالَ انما يُصَار اليه عِنْد الضَّرُورَة انْتهى قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... فاذا رَأَيْت النَّص عَنهُ ساكتا فسكوته عَفْو من الرَّحْمَن وَهُوَ الْمُبَاح اباحة الْعَفو الَّذِي مافيه من حرج وَلَا نكران فأضف إِلَى هَذَا عُمُوم اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَحسن الْفَهم فِي الْقُرْآن فهناك تصبح فِي غنى وكفاية عَن كل ذِي رَأْي وَذي حسبان ... قَالَ الْحَافِظ ابْن رَجَب فِي شرح الْأَرْبَعين على قَوْله ﷺ إِن الله فرض فَرَائض فَلَا تضيعوها وحد حدودا فَلَا تعتدوها الحَدِيث قَالَ وَأما الْمَسْكُوت عَنهُ فَهُوَ مالم يذكر جملَة بتحليل وَلَا تَحْرِيم فَيكون معفوا

стр. 895

عَنهُ لَا حرج على فَاعله وعَلى هَذَا دلّت هَذِه الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة هَاهُنَا كَحَدِيث أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي وَغَيره الى ان قَالَ وَلَكِن مِمَّا يَنْبَغِي أَن يعلم ان ذكر الشَّيْء بِالتَّحْرِيمِ والتحليل مِمَّا قد يخفى فهمه من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة فان دلَالَة هَذِه النُّصُوص قد تكون بطرِيق النَّص وَالتَّصْرِيح وَقد تكون بطرِيق الْعُمُوم والشمول وَقد تكون دلَالَته بطرِيق الفحوى والتنبيه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما﴾ الاسراء فان دُخُول مَا هُوَ اعظم من التأفيف من أَنْوَاع الْأَذَى يكون بطرِيق الاولى وَيُسمى ذَلِك مَفْهُوم الْمُوَافقَة وَقد تكون دلَالَته بطرِيق مَفْهُوم الْمُخَالفَة كَمَا فِي قَوْله ﷺ فِي الْغنم السَّائِمَة الزَّكَاة فَإِنَّهُ يدل بمفهومه على أَنه لَا زَكَاة فِي غير السَّائِمَة وَقد أَخذ الْأَكْثَرُونَ بذلك واعتبروا مَفْهُوم الْمُخَالفَة وجعلوه حجَّة وَقد تكون دلَالَته من الْمَعْنى مَوْجُودا فِي غَيره فانه يتَعَدَّى الحكم الى كل مَا وجد فِي ذَلِك الْمَعْنى عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء وَهُوَ من بَاب الْعدْل وَالْمِيزَان الَّذِي أنزلهُ الله وَأمر بِالِاعْتِبَارِ بِهِ فَهَذَا كُله مِمَّا تعرف بِهِ دلَالَة النُّصُوص على التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم فَأَما مَا انْتَفَى فِيهِ ذَلِك كُله فَهُنَا يسْتَدلّ بِعَدَمِ ذكره بِإِيجَاب أَو تَحْرِيم على أَنه مَعْفُو عَنهُ انْتهى كَلَامه قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... ومقدرات الذِّهْن لم يضمن لنا تبيانها بِالنَّصِّ وَالْقُرْآن وَهِي الَّتِي فِيهَا اعتراك الرَّأْي من تَحت العجاج وجولة الأذهان لَكِن هُنَا أَمْرَانِ لَو تما لما احتجنا إِلَيْهِ فحبذا الْأَمْرَانِ جمع النُّصُوص وَفهم مَعْنَاهَا المرا د بلفظها والفهم مرتبتان ...

стр. 896

.. احداهما مَدْلُول ذَاك اللَّفْظ وضعا أَو لُزُوما ثمَّ هَذَا الثَّانِي فِيهِ تفاوتت الفهوم تَفَاوتا لم يَنْضَبِط أبدا لَهُ طرفان فالشيء يلْزمه لَوَازِم جمة عِنْد الْخَبِير بِهِ وَذي الْعرْفَان فبقدر ذَاك الْخَبَر يُحْصى من لوا زمه وَهَذَا وَاضح التِّبْيَان ... قَوْله ومقدارت الذِّهْن الخ أَي إِن الْأُمُور الَّتِي تقدرها الأذهان كَثِيرَة وَلَكِن لم يضمن لنا تبيانها بِالْكتاب وَالسّنة قَوْله لَكِن هُنَا أَمْرَانِ الخ أَي إِن هذَيْن الْأَمريْنِ وهما جمع النُّصُوص وَفهم مَعْنَاهَا لَو تما لنا لم نحتج الى الرَّأْي قَوْله والفهم مرتبتان أحداهما مَدْلُول ذَاك اللَّفْظ الخ أَي فهم مَدْلُول اللَّفْظ مُطَابقَة أَو لُزُوما قَوْله ثمَّ هَذَا الثَّانِي وَهُوَ اللُّزُوم فِيهِ تفَاوت الفهوم تَفَاوتا لَا يَنْضَبِط ... ولذاك من عرف الْكتاب حَقِيقَة عرف الْوُجُود جَمِيعه بِبَيَان وكذاك يعرف جملَة الشَّرْع الَّذِي يَحْتَاجهُ الانسان كل زمَان علما بتفصيل وعلما مُجملا تَفْصِيله أَيْضا بِوَحْي ثَان وَكِلَاهُمَا وحيان قد ضمنا لنا أَعلَى الْعُلُوم بغاية التِّبْيَان ولذاك يعرف من صِفَات الله وَالْأَفْعَال والأسماء ذِي الْإِحْسَان مَا لَيْسَ يعرف من كتاب غَيره أبدا وَلَا مَا قَالَت الثَّقَلَان وكذاك يعرف من صِفَات الْبَعْث بالتفصيل والاجمال فِي الْقُرْآن ...

стр. 897

.. مَا يَجْعَل الْيَوْم الْعَظِيم مشاهدا بِالْقَلْبِ كالمشهود رَأْي عيان وكذاك يعرف من حَقِيقَة نَفسه وصفاتها بِحَقِيقَة الْعرْفَان يعرف لوازمها وَيعرف كَونهَا مخلوقة مربوبة بِبَيَان وكذاك يعرف مَا الَّذِي فِيهَا من الْحَاجَات والاعدام وَالنُّقْصَان وكذاك يعرف ربه وَصِفَاته أَيْضا بِلَا مثل وَلَا نُقْصَان وَهنا ثَلَاثَة أوجه فافطن لَهَا إِن كنت ذَا علم وَذَا عرفان بالضد وَالْأولَى كَذَا بالامتنا ع لعلمنا بِالنَّفسِ والرحمن فالضد معرفَة الْإِلَه بضد مَا فِي النَّفس من عيب وَمن نُقْصَان وَحَقِيقَة الأولى ثُبُوت كَمَاله إِذْ كَانَ معطيه على الْإِحْسَان ... قَوْله بالضد أَي إِنَّه سُبْحَانَهُ ينزه عَن الْعَيْب وَالنُّقْصَان إِذْ ضدهما السَّلامَة من الْعُيُوب والنقائص تَعَالَى الله وتقدس قَوْله وَالْأولَى الخ بِفَتْح الْهمزَة أَي إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي حق الرب تَعَالَى قِيَاس الأولى وَهُوَ أَن يُقَال كل كَمَال للمخلوق فالرب سُبْحَانَهُ أولى بِهِ لِأَنَّهُ معطيه وواهبه وواهب الْكَمَال أولى بالكمال وكل نقص تنزه عَنهُ الْمَخْلُوق فالخالق أولى بالتنزه عَنهُ قَوْله بالامتناع الخ أَي بِأَن يُقَال هَذِه صفة نقص فتمتنع على الله سُبْحَانَهُ

стр. 898

فصل فِي بَيَان شُرُوط كِفَايَة النصين والاستغناء بالوحيين ... وكفاية النصين مَشْرُوط بتجريد التلقي عَنْهُمَا لمعان وكذاك مَشْرُوط بخلع قيودهم فقيودهم غل الى الأذقان وكذاك مَشْرُوط بهدم قَوَاعِد مَا أنزلت ببيانها الوحيان وكذاك مَشْرُوط باقدام على الآراء إِن عريت عَن الْبُرْهَان بِالرَّدِّ والإبطال لَا تعبأ بهَا شَيْئا إِذا مَا فاتها النصان ... ذكر النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى شُرُوط كِفَايَة النصين وَهِي ثَلَاثَة أَحدهَا تَجْرِيد التلقي عَن الْكتاب وَالسّنة وَعدم الِالْتِفَات الى غَيرهمَا واتباعهما وَترك مَا سواهُمَا الثَّانِي خلع الْقُيُود الَّتِي توهن الانقياد كَمَا قَالَ شيخ الاسلام فِي تَعْظِيم الْأَمر وَالنَّهْي هُوَ ان لَا يعارضا بترخيص جَاف وَلَا يعارضا بتَشْديد غال وَلَا يحملا على عِلّة توهن الانقياد وَذَلِكَ بِأَن يسلم لأمر الله وحكمته ممتثلا مَا امْر بِهِ سَوَاء ظَهرت لَهُ حكمته أَو لم تظهر فان ظَهرت لَهُ حِكْمَة الشَّرْع فِي امْرَهْ وَنَهْيه حمله ذَلِك على مزِيد الانقياد والبذل وَالتَّسْلِيم وَلَا يحملهُ ذَلِك على الانسلاخ من تَركه الى التصوف الثَّالِث هدم قَوَاعِد المؤسسة على الْفساد والبطلان والأمور الَّتِي مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان الْعَارِية عَن الدَّلِيل والبرهان

стр. 899

.. لَوْلَا الْقَوَاعِد والقيود وَهَذِه الآراء لَا تسعت عرى الايمان لَكِنَّهَا وَالله ضيقت العرى ... فاحتاجت الايدي لذاك توان وتعطلت من أجلهَا وَالله أعداد من النصين ذَات بَيَان ... وتضمنت تَقْيِيد مُطلقهَا وَإِطْلَاق الْمُقَيد وَهُوَ ذُو ميزَان وتضمنت تَخْصِيص مَا عمته والتعميم للمخصوص بالاعيان ... وتضمنت تَفْرِيق مَا جمعت وجمعا للَّذي وسمته بالفرقان وتضمنت تضييق مَا قد وسعته وَعَكسه فَلْتنْظرْ الْأَمْرَانِ ... وتضمنت تَحْلِيل مَا قد حرمته وَعَكسه فلنتظر النوعان سكتت وَكَانَ سكُوتهَا عفوا فَلم ... تعف الْقَوَاعِد باتساع بطان وتضمنت إهدار مَا اعْتبرت كَذَا ... بِالْعَكْسِ والأمران محذوران وتضمنت أَيْضا شُرُوطًا لم تكن ... مَشْرُوطَة شرعا بِلَا برهَان وتضمنت أَيْضا مَوَانِع لم تكن ... مَمْنُوعَة شرعا بِلَا تبيان إِلَّا بأقيسة وآراء وتقليد بِلَا علم وَلَا اسْتِحْسَان ... شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَيَان الْمَفَاسِد الَّتِي حصلت من الْقَوَاعِد الَّتِي وضعوها والقيود الَّتِي قيدوا بهَا الْكتاب وَالسّنة والآراء الَّتِي خالفوا بهَا الْكتاب وَالسّنة فَذكر أَنه تعطلت من أجلهَا أعداد من النصين وتضمنت تَقْيِيد الْمُطلق وَإِطْلَاق الْمُقَيد وَتَخْصِيص الْعُمُوم وتعميم الْمَخْصُوص وتفريق مَا جمعت النُّصُوص بَينه وَجمع مَا فرقت بَينه وتضييق مَا وسعته

стр. 900

وَعَكسه وَتَحْلِيل مَا حرمته وَتَحْرِيم مَا حللته وَغير ذَلِك مِمَّا ذكره النَّاظِم ... عَمَّن أَتَت هَذِه الْقَوَاعِد من جَمِيع الصحب والاتباع بالاحسان ... مَا أسسوا إِلَّا اتِّبَاع نَبِيّهم ... لَا عقل فلتان ورأي فلَان ... قَالَ فِي الْقَامُوس وفلتات المحسن هفواته وزلاته ... بل أَنْكَرُوا الآراء نصحا مِنْهُم ... لله والداعي وللقرآن أَو لَيْسَ فِي خلف بهَا وتناقض ... مَا دلّ ذالب وَذَا عرفان وَالله لَو كَانَت من الرَّحْمَن مَا اخْتلفت وَلَا انتقضت مدى الازمان ... شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حَقًا وَقد سَقَطت على صَفْوَان ... وَالله لَا يرضى بهَا ذُو همة ... علياء طالبة لهَذَا الشان ... شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَيَان أَن هَذِه الْقَوَاعِد لم تأت عَن اُحْدُ من الصَّحَابَة وتابعيهم بِإِحْسَان وَأَن الْقَوْم مَا أسسوا الا اتِّبَاع نَبِيّهم ﷺ وَلم يؤسسوا اتِّبَاع عقل فلَان ورأي فلتان قَوْله وَالله لَو كَانَت من الرَّحْمَن الخ هَذَا مَأْخُوذ من قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ النِّسَاء فالدليل على أَن هَذِه الآراء وَالْقَوَاعِد من عِنْد غير الله كَثْرَة اختلافها وتناقضها فَلَو كَانَت من عِنْد الله لم تخْتَلف وَلم تنْتَقض الى آخر الدَّهْر وَلكنهَا كَمَا قَالَ الْقَائِل ... شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حَقًا وكل كاسر مكسور ... قَالَ النَّاظِم ... فمثالها وَالله فِي قلب الْفَتى ... وثباتها فِي منبت الايمان ...

стр. 901

.. كالزرع ينْبت حوله دغل فيمنعه النما فتراه ذَا نُقْصَان ... وَكَذَلِكَ الايمان فِي قلب الْفَتى ... غرس من الرَّحْمَن فِي الانسان وَالنَّفس تنْبت حوله الشَّهَوَات والشبهات وَهِي كَثِيرَة الأفنان ... فَيَعُود ذَاك الْغَرْس يبسا ذاويا ... أَو نَاقص الثمرات كل أَوَان فتراه يحرث دائبا ومغله نزر وَذَا من أعظم الخسران ... وَالله لَو نكش النَّبَات وَكَانَ ذَا ... بصر لذاك الشوك والسعدان ... لأتى كأمثال الْجبَال مغله ... ولكان أضعافا بِلَا حسبان ... قَوْله نزر أَي قَلِيل قَالَ فِي الْقَامُوس النزر الْقَلِيل كالنزير والمنزور قَوْله نكش قَالَ فِي الْقَامُوس نكش الرَّكية ينكشها وينكشها أخرج مَا فِيهَا من الحمأة والطين كانتكشها والشئ أفناه وَمِنْه فرغ فصل ... هَذَا وَلَيْسَ الطعْن بالاطلاق فِيهَا كلهَا فعل الجهول الْجَانِي ... بل فِي الَّتِي قد خَالَفت قَول الرسو ... ل ومحكم الايمان وَالْفرْقَان ... أَو فِي الَّتِي مَا أنزل الرَّحْمَن فِي ... تقريرها يَا قوم من سُلْطَان فَهِيَ الَّتِي كم عطلت من سنة ... بل عطلت من مُحكم الْقُرْآن ...

стр. 902

.. هَذَا وَنَرْجُو أَن واضعها فَلَا ... يعدوه أجر أَو لَهُ أَجْرَانِ اذ قَالَ مبلغ علمه من غير ايجاب الْقبُول لَهُ على انسان ... بل قد نَهَانَا عَن قبُول كَلَامه ... نصا بتقليد بِلَا برهَان ... وكذاك أوصانا بِتَقْدِيم النصو ... ص عَلَيْهِ من خبر وَمن قُرْآن نصح الْعباد بذا وخلص نَفسه ... عِنْد السُّؤَال لَهَا من الديَّان وَالْخَوْف كل الْخَوْف فَهُوَ على الَّذِي ... ترك النُّصُوص لأجل قَول فلَان وَإِذا بغى الاحسان أَولهَا بِمَا ... لَو قَالَه خصم لَهُ ذُو شان لرماه بالداء العضال مناديا ... بِفساد مَا قد قَالَه بِأَذَان ... وَلما خشِي النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى من بعض الْجُهَّال ان يتَوَهَّم ذمّ الرَّأْي مُطلقًا دفع ذَلِك بقوله هَذَا وَلَيْسَ الطعْن بالاطلاق فِيهَا الخ أَشَارَ الى أَن الرَّأْي نَوْعَانِ مَذْمُوم ومحمود فالمذموم مَا خَالف الْكتاب وَالسّنة والمحمود مَا وَافق الْكتاب وَالسّنة وَقد بسط الْكَلَام فِي ذَلِك بسطا مُسْتَوفى فِي أول كتاب اعلام الموقعين وَهَذَا معنى قَوْله هَذَا وَلَيْسَ الطعْن بالاطلاق فِيهَا كلهَا أَي لَا يطعن فِيهَا كلهَا وأنما يطعن فِيمَا خَالف الْكتاب وَالسّنة فَقَط وَقَوله هَذَا وَنَرْجُو ان واضعها الخ أَي نرجو ان الْمُجْتَهد إِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر وَإِذا اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ كَمَا صَحَّ فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر

стр. 903

قَوْله إِذْ قَالَ مبلغ علمه الخ أَي إِن الْأَئِمَّة رَحِمهم الله تَعَالَى قَالُوا بمبلغ علمهمْ ونهوا النَّاس عَن قبُول كَلَامهم إِذا خَالف النُّصُوص وأوصوا بِتَقْدِيم النُّصُوص عَلَيْهِ كالامام أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وابي حنيفَة وَغَيرهم فرحمة الله عَلَيْهِم فَلَقَد نصحوا الْعباد وخلصوا أنفسهم عِنْد سُؤال الرب تَعَالَى لَهُم يَوْم الْقِيَامَة قَوْله وَالْخَوْف كل الْخَوْف الخ أَي ان الْخَوْف الْعَظِيم والخطر الشَّديد على الَّذين تركُوا النُّصُوص لأجل قَول فلَان وَفُلَان واذا أَرَادوا الاحسان أولوها بالتأويلات الْبَاطِلَة وَحملُوهَا على الِاحْتِمَالَات الْبَعِيدَة وَمَعَ ذَلِك لَو قَالَ ذَلِك خصم لَهُم فِي تَأْوِيل كَلَام مشايخهم وَمن يرضونه رَمَوْهُ بالداء العضال وَنَادَوْا على فَسَاد مَا قَالَه فصل فِي لَازم الْمَذْهَب هَل هُوَ مَذْهَب ام لَا ... ولوازم الْمَعْنى ترَاد بِذكرِهِ ... من عَارِف بلزومها الحقان وسواه لَيْسَ بِلَازِم فِي حَقه ... قصد اللوازم وَهِي ذَات بَيَان اذ قد يكون لُزُومهَا الْمَجْهُول اَوْ ... قد كَانَ يُعلمهُ بِلَا نكران لَكِن عرته غَفلَة بلزومها اذ كَانَ ذَا سَهْو وَذَا نِسْيَان ولذاك لم يَك لَازِما لمذاهب الْعلمَاء مَذْهَبهم بِلَا برهَان ...

стр. 904

ذكر النَّاظِم فِي هَذَا الْفَصْل أَن لَازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب قَوْله ولوازم الْمَعْنى الخ أَي إِن لَوَازِم الْمَعْنى ترَاد من عَارِف بلزومها وَأما سواهُ فَلَيْسَ ذَلِك بِلَازِم فِي حَقه اذ قد يكون جَاهِلا لُزُومهَا أَو يكون عَالما بِهِ وَلَكِن عرته أَي حصل لَهُ سَهْو ونسيان فلذاك لَازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب قَالَ شيخ الاسلام فِي جَوَاب لَهُ وَأما قَول السَّائِل هَل لَازم الْمَذْهَب مذهبا أم لَيْسَ بِمذهب فَالصَّوَاب أَن لَازم مَذْهَب الانسان لَيْسَ بِمذهب لَهُ إِذا لم يلتزمه فَإِنَّهُ إِذا كَانَ قد أنكرهُ ونفاه كَانَت إِضَافَته اليه كذبا عَلَيْهِ بل ذَلِك يدل على فَسَاد قَوْله وتناقضه فِي الْمقَال غير الْتِزَامه اللوازم الَّتِي يظْهر أَنَّهَا من قبيل الْكفْر والمحال فَالَّذِينَ قَالُوا بأقوال يلْزمهَا أَقْوَال يعلم أَنه لَا يلتزمها لَكِن لم يعلم أَنَّهَا تلْزمهُ وَلَو كَانَ لَازم الْمَذْهَب مذهبا للَزِمَ تَكْفِير كل من قَالَ عَن الاسْتوَاء وَغَيره من الصِّفَات أَنه مجَاز لَيْسَ بِحَقِيقَة فان لَازم هَذَا القَوْل يَقْتَضِي أَن لَا يكون شَيْء من أَسْمَائِهِ أَو صِفَاته حَقِيقَة انْتهى ... فالمقدمون على حِكَايَة ذَاك مذ ... هبهم أولو جهل مَعَ الْعدوان ... لَا فرق بَين ظُهُوره وخفائه ... قد يذهلون عَن اللُّزُوم الداني سِيمَا اذا مَا كَانَ لَيْسَ بِلَازِم ... لاكن يظنّ لُزُومه بجنان لَا تشهدوا بالزور وَيحكم على ... مَا تلزمون شَهَادَة الْبطلَان بِخِلَاف لَازم مَا يَقُول آلهنا ... وَنَبِينَا الْمَعْصُوم بالبرهان فَلِذَا دلالات النُّصُوص جلية ... وخفية تخفى على الأذهان ...

стр. 905

.. وَالله يرْزق من يَشَاء الْفَهم فِي ... آيَاته رزقا بِلَا حسبان ... وَلما ذكر النَّاظِم ﵀ أَن الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب شرع فِي ذكر مَا ألزمهُ أهل التعطيل أهل الاثبات فَقَالَ ... وَاحْذَرْ حكايات لأرباب الكلا ... م عَن الْخُصُوم كَثِيرَة الهذيان فحكوا بِمَا ظنوه يلْزمهُم فقا ... لوا ذَاك مَذْهَبهم بِلَا برهَان كذبُوا عَلَيْهِم باهتين لَهُم بِمَا ... ظنوه يلْزمهُم من الْبُهْتَان فَحكى الْمُعَطل عَن أولي الاثبات قو ... لَهُم بِأَن الله ذُو جثمان وَحكى الْمُعَطل أَنهم قَالُوا بِأَن الله لَيْسَ يرى لنا بعيان ... وَحكى الْمُعَطل أَنهم قَالُوا يجو ... ز كَلَامه من غير قصد معَان وَحكى الْمُعَطل أَنهم قَالُوا بتحييز الْإِلَه وحصره بمَكَان ... وَحكى الْمُعَطل أَنهم قَالُوا لَهُ الْأَعْضَاء جلّ الله عَن بهتان وَحكى الْمُعَطل أَن مَذْهَبهم هُوَ التَّشْبِيه للخلاق بالانسان ... وَحكى الْمُعَطل عَنْهُم مَا لم يقو لوه وَلَا اشياخهم بِلِسَان ظن الْمُعَطل أَن هَذَا لَازم ... فَلِذَا أَتَى بالزور والعدوان فَعَلَيهِ فِي هَذَا محاذير ثلا ... ث كلهَا مُتَحَقق الْبطلَان ظن اللُّزُوم وقذفهم بلزومه ... وَتَمام ذَاك شَهَادَة الكفران ... حَاصِل هَذِه الأبيات أَن النَّاظِم ﵀ يَحْكِي أَشْيَاء مِمَّا ألزم بهَا أهل التعطيل أهل الاثبات فحكت المعطلة عَن المثبتة أَنهم يَقُولُونَ إِن الله

стр. 906

تَعَالَى وتقدس جسم وحكوا عَنْهُم أَن مَذْهَبهم أَن الله لَا يرى فِي الْآخِرَة كَمَا قَالَ الْفَخر الرَّازِيّ فِي المعالم أطبق أهل السّنة على ان الله تَعَالَى يَصح أَن يرى وَأنْكرت الفلاسفة والمعتزلة والكرامية والمجسمة ذَلِك ثمَّ قَالَ أما إِنْكَار الفلاسفة والمعتزلة فَظَاهر وَأما انكار الكرامية والحنابلة فلأنهم أطبقوا على أَن الله تَعَالَى لَو لم يكن جسما فِي مَكَان امْتنعت رُؤْيَته انْتهى قَالَ الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن ابراهيم الْفَزارِيّ فِي كِتَابه غَايَة السول فِي علم الْأُصُول بعد أَن حكى كَلَام الرَّازِيّ هَذَا وَمَا أَدْرِي أَي الْأَمريْنِ أسْرع الى فضيحته نَقله أَو تَقْرِيره أما نَقله فَلِأَن الْحَنَابِلَة لَا يخْتَلف أَوَّلهمْ وَآخرهمْ فِي أَن الْمُنكر لرؤية الله تَعَالَى جَاحد لكتابه وَسنة رَسُوله واجماع اهل النَّقْل وَأما تَقْرِيره فَلِأَن قَوْله أطبقوا على أَنه لَو لم يكن جسما فِي مَكَان لامتنعت رُؤْيَته إِنَّمَا هُوَ اسْتِدْلَال يَقْتَضِي اثبات الْجِسْم بِدَلِيل صِحَة الرُّؤْيَة لِأَن التَّقْدِير يكون لَو لم يكن جسما لَا متنعت رُؤْيَته فَيكون جسما فَمثل هَذَا لَا يخفى على الْفَخر الرَّازِيّ وانما هُوَ الْهوى إِذا غلب أعمى وأصم فان كل لَبِيب يعلم من كَلَام هَذَا الرجل أَن فِي قلبه من الْحَنَابِلَة دَاء لَا دَوَاء لَهُ فانه اولا أخرجهم عَن اهل السّنة فتراه يرى السّنة مَا ابتدعه فِي دين الاسلام والشرعة المحمدية من المباحث الكلامية والشبه الْعَقْلِيَّة والآراء الفيلسوفية فَحكم على من لَا يقوم مقامهم بِأَنَّهُم لَيْسُوا من أهل السّنة وَثَانِيا أطلق عَلَيْهِم اسْم التجسيم والتجسيم لَا يَعْتَقِدهُ مُسلم وَأطَال الْفَزارِيّ الْكَلَام قَوْله وَحكى المعطلة عَنْهُم انهم قَالُوا يجوز كَلَامه من غير قصد معَان أَقُول قَالَ ابْن السُّبْكِيّ فِي جمع الْجَوَامِع وَلَا يجوز وُرُود مَالا معنى لَهُ فِي الْكتاب وَالسّنة خلافًا للحشوية قَالَ

стр. 907

الْمحلي فِي شَرحه أَي فِي تجويزهم وُرُود ذَلِك فِي الْكتاب وَالسّنة قَالُوا لوُجُوده فِيهِ كالحروف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور انْتهى قَالَ بعض محشيه وَقد اضْطربَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا فِي معنى هَذَا فَقَالَ الزَّرْكَشِيّ والكوراني إِن أحدا لم يقل إِن فِي الْقُرْآن مَا لَا معنى لَهُ وَقَالَ الْآمِدِيّ لَا يتَصَوَّر اشْتِمَال الْقُرْآن الْكَرِيم على مَالا معنى لَهُ أصلا وَقد استدلت الحشوية ايضا بِآيَة ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ آل عمرَان بِالْوَقْفِ فَقَالُوا الْكَوْن الْمُتَشَابه غير مَعْلُوم لنا فقد خاطبنا الله بِمَا لَا نفهمه وَهُوَ المهمل نَقله الجخندي وَمَعْلُوم أَن فواتح السُّور والآيات المتشابهات وان فهم لَهَا معنى صَحِيح إِلَّا أَنه غير مَقْطُوع بانه مُرَاد قَائِله تَعَالَى وَلذَلِك سلك كثير من الْمُفَسّرين هَذَا حَيْثُ قَالُوا فِي الفواتح وَالله اعْلَم بمراده وَلما رأى الحشوية ان مثل هَذَا غير مَفْهُوم مِنْهُ مُرَاد قَائِله نفوا الْمَعْنى عَنهُ أصلا وَقَالُوا إِنَّه لَا معنى لَهُ لَا بِمَعْنى أَنه غير مَوْضُوع بل بِمَعْنى مَا ذكرنَا هَذَا مَا فِي وسعي من تَوْجِيه هَذَا الْكَلَام الَّذِي اضْطَرَبَتْ فِيهِ الأفهام وَلم أر لأحد مِمَّن كتب هُنَا كلَاما شافيا انْتهى كَلَامه وحكت المعطلة عَنْهُم انهم قَالُوا بِجَوَاز وُرُود مَالا معنى لَهُ فِي الْقُرْآن وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بتحيز الله وحصره وَحكى المعطلة أَنهم قَالُوا لَهُ اعضاء وانهم شبهوا الله تَعَالَى بخلقه وحكت المعطلة عَنْهُم غير هَذَا مِمَّا لم يقولوه وَلنْ تقله اشياخهم وَالْأَمر كَمَا قَالَ النَّاظِم إِن المعطلة ظنُّوا أَن هَذَا لَازِما لقَولهم فحكوه عَنْهُم وكذبوا عَلَيْهِم واعتدوا لِأَن لَازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم فَعَلَيهِ أَي على الْمُعَطل فِي نِسْبَة ذَلِك الى اهل الاثبات معاذير ثَلَاث وَكلهَا بَاطِلَة الأول ظن اللُّزُوم وَالثَّانِي قذفهم بلزومه وَالثَّالِث شَهَادَته عَلَيْهِم بالْكفْر

стр. 908

قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... يَا شَاهدا بالزور وَيحك لم تخف ... يَوْم الشَّهَادَة سطوة الديَّان يَا قَائِل الْبُهْتَان غط لوازما ... قد قلت ملزوماتها بِلِسَان وَالله لازمها انْتِفَاء الذَّات والأوصاف وَالْأَفْعَال للرحمن ... وَالله لازمها انْتِفَاء الدّين وَال قُرْآن والاسلام والايمان وَلُزُوم ذَلِك بَين جدا لمن ... كَانَت لَهُ أذنان واعيتان وَالله لَوْلَا ضيق هَذَا النّظم بيّنت اللُّزُوم بأوضح التِّبْيَان ... وَلَقَد تقدم مِنْهُ مَا يَكْفِي لمن ... كَانَت لَهُ عينان ناظرتان ... إِن الذكي بِبَعْض ذَلِك يَكْتَفِي ... وأخو البلادة سَاكن الجبان ... شرع النَّاظِم فِي بَيَان اللوازم الَّتِي تلْزم المعطلة وَيلْزم مِنْهَا انْتِفَاء ذَاته تَعَالَى وَصِفَاته وأفعاله بل يلْزم مِنْهَا انْتِفَاء الدّين والاسلام وَالْقُرْآن وَقد تقدم مَا يعرف من ذَلِك فِي غُضُون هَذَا النّظم قَوْله سَاكن الجبان الجبان والجبانه مشددتين الْمقْبرَة والصحراء قَالَه فِي الْقَامُوس قَالَ النَّاظِم ... يَا قَومنَا اعتبروا بِجَهْل شيوخكم ... بحقائق الايمان وَالْقُرْآن أَو مَا سَمِعْتُمْ قَول أفضل وقته ... فِيكُم مقَالَة جَاهِل فتان إِن السَّمَاوَات العلى وَالْأَرْض قبل الْعَرْش بالاجماع مخلوقان ... وَالله مَا هذي مقَالَة عَالم ... فضلا عَن الاجماع كل زمَان ...

стр. 909

.. من قَالَ قد خَالف الاجماع وَالْخَبَر الصَّحِيح وَظَاهر الْقُرْآن فَانْظُر الى مَا جَرّه تَأْوِيل لفظ الإستواء بِظَاهِر الْبطلَان ... زعم الْمُعَطل ان تاويل اسْتَوَى ... بالخلق والاقبال وضع لِسَان ... كذب الْمُعَطل لَيْسَ ذَا لُغَة الألى ... قد خوطبوا بِالْوَحْي وَالْقُرْآن فأصاره هَذَا إِلَى أَن قَالَ خلق الْعَرْش بعد جَمِيع ذِي الاكوان ... يهنيه تَكْذِيب الرَّسُول لَهُ وَإِجْمَاع الهداة ومحكم الْفرْقَان ... لم أَقف على تعْيين قَائِل هَذَا القَوْل وَمعنى ذَلِك ان هَذَا الْقَائِل الْجَاهِل زعم ان السَّمَاوَات والارض مخلوقان قبل الْعَرْش بالاجماع واعجب لهَذَا الْجَهْل الْعَظِيم وَمُخَالفَة الاجماع وَالْخَبَر الصَّحِيح وَظَاهر الْقُرْآن وَذَلِكَ ان للسلف قَوْلَيْنِ فِي أول الْمَخْلُوقَات مَا هُوَ أَحدهمَا أَن الْعَرْش اول الْمَخْلُوقَات وَالثَّانِي ان الْقَلَم هُوَ أول الْمَخْلُوقَات فَكَانَ فِي هَذَا إِجْمَاع السّلف على ان الْمَخْلُوقَات الْعَرْش اَوْ الْقَلَم وَهَذَا الْجَاهِل زعم ان السَّمَاوَات والارض مخلوقان قبل الْعَرْش فخرق الاجماع وَالْخَبَر الصَّحِيح الَّذِي أَشَارَ اليه هُوَ مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ مَرْفُوعا قَالَ كتب الله مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَاوَات والارض بِخَمْسِينَ ألف سنة وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَقَول النَّاظِم زعم المعطلة أَن تَأْوِيل اسْتَوَى بالخلق والاقبال أَي إِن الْمُعَطل زعم أَن تَفْسِير الاسْتوَاء بالاقبال يتَضَمَّن أَن الارض وَالسَّمَاوَات مخلوقان قبل الْعَرْش وَهَذَا غَايَة الْجَهْل قَوْله قَول الْمُعَطل إِن تَأْوِيل اسْتَوَى بالخلق والاقبال وضع لِسَان أَي

стр. 910

زعم أَن تَأْوِيل الاسْتوَاء بقَوْلهمْ اقبل على خلق السَّمَاء هُوَ الْمَعْرُوف فِي لُغَة الْعَرَب وَلَيْسَ كَذَلِك واذا كَانَ الْعَرْش مخلوقا قبل خلق السَّمَاوَات والارض فَكيف يكون استواؤه عمده الى خلقه لَهُ لَو كَانَ هَذَا يعرف فِي اللُّغَة ان الاسْتوَاء على كَذَا بِمَعْنى أَنه عمد الى فعله وَهَذَا لَا يعرف قطّ فِي اللُّغَة لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا لَا فِي نظم وَلَا نثر وَمن قَالَ اسْتَوَى بِمَعْنى عمد ذكره فِي قَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان﴾ فصلت لِأَنَّهُ عدى بِحرف الْغَايَة كَمَا يُقَال عَمَدت الى كَذَا وَلَا قصدت عَلَيْهِ مَعَ ان مَا ذكر فِي تِلْكَ الْآيَة لَا يعرف فِي اللُّغَة أَيْضا وَلَا هُوَ قَول اُحْدُ من مفسري السّلف بل الْمُفَسِّرُونَ من السّلف قَوْلهم بِخِلَاف ذَلِك وانما هَذَا القَوْل وَأَمْثَاله ابتدع فِي الاسلام لما ظهر إِنْكَار أَفعَال الرب الَّتِي تقوم بِهِ ويفعلها بمشيئتة وَقدرته واختياره فَحِينَئِذٍ صَار يُفَسر الْقُرْآن من يفسره بِمَا يُنَافِي ذَلِك كَمَا يُفَسر سَائِر اهل الْبدع الْقُرْآن على مَا يُوَافق أقاويلهم وَأما أَن ينْقل هَذَا التَّفْسِير عَن اُحْدُ من السّلف فَلَا بل أَقْوَال السّلف الثَّانِيَة عَنْهُم متفقة فِي هَذَا الْبَاب لَا يعرف لَهُم فِيهِ قَولَانِ كَمَا قد يَخْتَلِفُونَ أَحْيَانًا فِي بعض الْآيَات وان اخْتلفت عباراتهم فمقصودهم وَاحِد وَهُوَ اثبات علو الله على الْعَرْش ثمَّ قَالَ النَّاظِم على سَبِيل التهكم يهنيه تَكْذِيب الرَّسُول لَهُ واجماع الهداة ومحكم الْفرْقَان

стр. 911

فصل فِي الرَّد عَلَيْهِم تكفيرهم أهل الْعلم والايمان وَذكر انقسامهم الى أهل الْجَهْل والتفريط والبدع والكفران ... وَمن الْعَجَائِب أَنكُمْ كَفرْتُمْ أهل الحَدِيث وشيعة الْقُرْآن ... إِذْ خالفوا رايا لَهُ رَأْي ينا ... قضه لأجل النَّص والبرهان ... وجعلتم التَّكْفِير عين خلافكم ... ووفاقكم فحقيقة الايمان فوفاقكم ميزَان دين الله لَا ... من جَاءَ بالبرهان وَالْفرْقَان ميزانكم ميزَان بَاغ جَاهِل ... والعول كل الْعَوْل فِي الْمِيزَان أَهْون بِهِ ميزَان جور عائل ... بيد المطفف ويل ذَا الْوزان لَو كَانَ ثمَّ حَيا وَأدنى مسكة من دين أَو علم وَمن ايمان ... لم تجْعَلُوا آراءكم ميزَان كفر النَّاس بالبهتان والعدوان هبكم تأولتم وساغ لكم أيكفر من يخالفكم بِلَا برهَان ... هذي الوقاحة والجراءة والجها ... لَة وَيحكم يَا فرقة الطغيان ... الله أكبر ذَا عُقُوبَة تَارِك الوحيين للآراء والهذيان ... أَي وَمن الْعَجَائِب انكم كَفرْتُمْ أهل الحَدِيث إِذْ خالفوا آراء الرِّجَال للنصوص فجعلتم فجعلتم الْكفْر والايمان لاجل خلافكم ووفاقكم فعلى هَذَا

стр. 912

فالميزان وفاقكم فَمن وافقكم شهدتم لَهُ بالايمان وَمن خالفكم شهدتم عَلَيْهِ بالكفران ووفاقكم فحقيقة الايمان مُبْتَدأ وَخبر وفاقكم مُبْتَدأ وَحَقِيقَته خَبره قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... لكننا نأتي بِحكم عَادل فِيكُم لاجل مَخَافَة الرَّحْمَن ... فاسمع إِذا يَا منصفا حكيمها ... وَانْظُر إِذا هَل يَسْتَوِي الحكمان هم عندنَا قِسْمَانِ أهل جَهَالَة ... وذوو العناء وذانك القسمان جمع وَفرق بَين نَوْعَيْنِ هما ... فِي بِدعَة لَا شكّ يَجْتَمِعَانِ وذوو العناد فَأهل كفر ظَاهر ... والجاهلون فانهم نَوْعَانِ متمكنون من الْهدى وَالْعلم بالأسباب ذَات الْيُسْر والامكان ... لَكِن إِلَى ارْض الْجَهَالَة أخلدوا ... واستسهلوا التَّقْلِيد كالعميان لم ييذلوا الْمَقْدُور فِي إدراكهم ... للحق تهوينا بِهَذَا الشان ... فهم الألى لَا شكّ فِي تفسيقهم ... وَالْكفْر فِيهِ عندنَا قَولَانِ وَالْوَقْف عِنْدِي فيهم لست الَّذِي ... بالْكفْر أنعتهم وَلَا الايمان وَالله اعْلَم بالبطانة مِنْهُم ... وَلنَا ظهارة حلَّة الاعلان لكِنهمْ مستوجبون عِقَابه ... قطعا لأجل الْبَغي والعدوان هبكم عذرتم بالجهالة إِنَّكُم ... لن تعذروا بالظلم والطغيان والطعن فِي قَول الرَّسُول وَدينه ... وَشَهَادَة بالزور والبهتان ...

стр. 913

.. وَكَذَلِكَ استحلال قتل مخالفيكم قتل ذِي الاشراك والكفران ... ان الْخَوَارِج مَا احلوا قَتلهمْ ... الا لما ارتكبوا من الْعِصْيَان ... وسمعتم قَول الرَّسُول وَحكمه ... فيهم وَذَلِكَ وَاضح التِّبْيَان لكنكم أَنْتُم أبحتم قَتلهمْ ... بوفاق سنته مَعَ الْقُرْآن وَالله مَا زادوا النقير عَلَيْهِمَا ... لَكِن بتقرير مَعَ الايمان فَبِحَق من قد خصكم بِالْعلمِ وَالتَّحْقِيق والانصاف والعرفان ... أَنْتُم احق ام الْخَوَارِج بِالَّذِي ... قَالَ الرَّسُول فأوضحوا بِبَيَان ... هم يقتلُون لعابد الرَّحْمَن بل ... يدعونَ أهل عبَادَة الْأَوْثَان هَذَا وَلَيْسوا أهل تَعْطِيل وَلَا ... عزل النُّصُوص الْحق بالبرهان ... حَاصِل كَلَام النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي هَذَا الْفَصْل وَالَّذِي بعده تَقْسِيم اهل الْجَهْل والتعطيل الى قسمَيْنِ اهل عناد وجهال ثمَّ قسم الْجُهَّال الى قسمَيْنِ الْقسم الاول متمكنون من الْهدى وَالْعلم بالاسباب المتيسرة وَلَكِن اخلدوا الى الْجَهَالَة واستسهلوا التَّقْلِيد وَالْقسم الثَّانِي من الْجُهَّال أهل عجز عَن بُلُوغ الْحق مَعَ حسن قصد وايمان بِاللَّه وَرَسُوله ولقائه ثمَّ قَالَ وهم اذا ميزتهم حزبان الأول قوم أَحْسنُوا الظَّن بِمَا قالته الْأَشْيَاخ وَأهل الدّيانَة عِنْدهم وَلم يَجدوا سوى اقوالهم فرضوا بهَا وَالضَّرْب الثَّانِي من هَؤُلَاءِ فطالبوا الْحق لَكِن صدهم عَن علمه انهم طلبُوا الْحَقَائِق من سوى أَبْوَابهم وسلكوا طرقا غير موصلة الى الْيَقِين فتشابهت الطّرق عَلَيْهِم وصاروا حيارى فاما الْقسم الأول وهم اهل العناد وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَحكم بكفرهم وَقد أَشَارَ الى ذَلِك بقوله فِي هَذَا النّظم ... فالكفر لَيْسَ سوى العناد وردما قَالَ الرَّسُول لأجل قَول فلَان ...

стр. 914

وَأما الْقسم الأول من الْجُهَّال وهم المتمكنون من الْهدى وَالْعلم وَلَكنهُمْ اخلدوا الى التَّقْلِيد وَلم يبذلوا وسعهم فِي طلب الْحق فَهَؤُلَاءِ حكم النَّاظِم بفسقهم وَأما الْكفْر فَفِيهِ قَولَانِ وَاخْتَارَ الْوَقْف وَأما الْقسم الثَّانِي وهم اهل الْعَجز عَن بُلُوغ الْحق مَعَ ايمانهم بِاللَّه وَرَسُوله وَلَكنهُمْ قلدوا الْمَشَايِخ واهل الدّيانَة وَقَالَ فيهم النَّاظِم ... فأولاء معذورون إِن لم يظلموا ... ويكفروا بِالْجَهْلِ والعدوان ... أَي إِنَّهُم وان عذروا بالجهالة فهم غير معذورين بالظلم والطغيان والطعن فِي قَول الرَّسُول وَدينه وَالشَّهَادَة بالزور والبهتان وَاسْتِحْلَال قتل مخاليفهم من المثبتة الَّذين اثبتوا مَا اثبته الله وَرَسُوله من الصِّفَات من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَلَا تكييف وَلَا تَمْثِيل وَدَعوى أَنهم اهل شرك وَكفر فان الْخَوَارِج لم يحل قِتَالهمْ الا لما ارتكبوه من الْعِصْيَان وَاسْتِحْلَال قتال اصحاب رَسُول الله ﷺ والطعن عَلَيْهِم مَعَ عِبَادَتهم الْعَظِيمَة كَمَا قَالَ فيهم النَّبِي ﷺ يحقر أحدكُم صلَاته مَعَ صلَاتهم وصيامه مَعَ صِيَامهمْ وقراءته مَعَ قراءتهم يَمْرُقُونَ من الاسلام كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية أَيْنَمَا لقيتموهم فاقتلوهم فان فِي قَتلهمْ أجرا عِنْد الله لمن قَتلهمْ وَقد صَحَّ الحَدِيث فِي الْخَوَارِج من عشرَة اوجه كَمَا قَالَه الامام احْمَد وَغَيره فاذا كَانَ النَّبِي ﷺ قد حكم بقتل الْخَوَارِج مَعَ عِبَادَتهم الْعَظِيمَة فَأنْتم أَيهَا الْجُهَّال المقلدة إِذا استحللتم دِمَاء المثبتة أَحَق من الْخَوَارِج بِالْقَتْلِ وَالْقسم الثَّانِي من هَذَا الْقسم فهم الَّذين طلبُوا الْحق لَكِن من غير طرقه وَغلب عَلَيْهِم الشَّك والحيرة وَالْوَقْف من غير شكّ فِي الله أَو دينه أَو كِتَابه ولقائه فَقَالَ ... فاؤلاء بَين الذَّنب والأجرين أَو ... احداهما أَو وَاسع الغفران ... هَذَا حَاصِل مَا ذكره فِي هَذَا الْفَصْل قسمهم الى اربعة اقسام وَقد

стр. 915

ذكر النَّاظِم فِي شرح منَازِل السائرين فِي ذكر أَجنَاس مَا يُتَاب مِنْهُ وَهِي اثْنَا عشر جِنْسا أَرْبَعَة مَذْكُورَة فِي كتاب الله الأول الْكفْر وَالثَّانِي الشّرك فأنواع الْكفْر خَمْسَة كفر تَكْذِيب وَكفر استكبار وإباء مَعَ التَّصْدِيق وَكفر اعراض وَكفر شكّ وَكفر نفاق وَبَين هَذِه الْأَنْوَاع ثمَّ قَالَ وَأما الشّرك الاكبر فَهُوَ نَوْعَانِ ثمَّ بَين ذَلِك بِأَحْسَن بَيَان وَقَالَ شيخ الاسلام فِي رده على ابْن الْبكْرِيّ فَلهَذَا كَانَ اهل الْعلم وَالسّنة لَا يكفرون من خالفهم وَإِن كَانَ ذَلِك الْمُخَالف يكفرهم لِأَن الْكفْر حكم شَرْعِي فَلَيْسَ للانسان أَن يُعَاقب بِمثلِهِ كمن كذب عَلَيْك وزنى بأهلك لَيْسَ لَك أَن تكذب عَلَيْهِ وتزني بأَهْله لِأَن الزِّنَا وَالْكذب حرَام لحق الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ التَّكْفِير حق لله تَعَالَى فَلَا يكفر إِلَّا من كفره الله وَرَسُوله وَأَيْضًا فان تَكْفِير الشَّخْص الْمعِين وَجَوَاز قَتله مَوْقُوف على أَن تبلغه الْحجَّة النَّبَوِيَّة الَّتِي يكفر من خالفها وَإِلَّا فَلَيْسَ كل من جهل شَيْئا من الدّين يكفر الى أَن قَالَ وَلِهَذَا كنت أَقُول للجهمية من الحلولية والنفاة الَّذين ينفون أَن يكون الله تَعَالَى فَوق الْعَرْش أَنا لَو وافقتكم كنت كَافِرًا لِأَنِّي أعلم أَن قَوْلكُم كفر وَأَنْتُم عِنْدِي لَا تكفرون لأنكم جهال وَقَالَ شيخ الاسلام أَيْضا فِي كَلَام لَهُ بعد كَلَام سبق وَحَقِيقَة الْأَمر فِي ذَلِك أَن القَوْل قد يكون كفرا فيطلق القَوْل بتكفير صَاحبه وَيُقَال من قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِر لَكِن الشَّخْص الْمعِين الَّذِي قَالَ ذَلِك لَا يحكم بِكُفْرِهِ حَتَّى تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة الَّتِي يكفر تاركها وَهَذَا كَمَا هُوَ فِي نُصُوص الْوَعيد فان الله يَقُول ﴿إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا﴾ النِّسَاء فَهَذَا أَو نَحوه من نُصُوص الْوَعيد حق لَكِن
следующие страницы →