← Акыда

Акыда · id 6364

غاية المرام في علم الكلام

سيف الدين الآمدي

Полный текст (378 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فَانْظُر إِلَى هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ كَيفَ الْتزم بَعضهم التعطيل خوف التجسيم وَالْتزم بَعضهم بَعضهم التجسيم خوف التعطيل ولسان الْحَال ينشد على لِسَان الْفَرِيقَيْنِ ويعبر عَن حَال الجمعين ﴿وَقَالَت الْيَهُود لَيست النَّصَارَى على شَيْء وَقَالَت النَّصَارَى لَيست الْيَهُود على شَيْء﴾ نعم لَو قيل إِن كَلَامه بحروف وأصوات لَا كحروفنا وأصواتنا كَمَا أَن ذَاته وَصِفَاته لَيست كذاتنا وصفاتنا كَمَا قَالَ بعض السّلف فَالْحق أَن ذَلِك غير مستبعد عقلا لكنه مِمَّا لم يدل الدَّلِيل الْقَاطِع على إثْبَاته من جِهَة الْمَعْقُول أَو من جِهَة الْمَنْقُول فَالْقَوْل بِهِ تحكم غير مَقْبُول وَعند ظُهُور الْحَقَائِق وانكشاف الدقائق فَلَا مبالاة بتلويق المتحذلق المتعمق الَّذِي لَا تَحْصِيل لَدَيْهِ وَلَا معول فِي تَحْقِيق الْحَقَائِق عَلَيْهِ إِذْ هُوَ فِي حيّز الْجُهَّال وداخل فِي زمرة أهل الضلال وَإِذا ثبتَتْ الصّفة الكلامية فَهِيَ متحدة لَا كَثْرَة فِيهَا وَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي إِثْبَات وحدة الْإِرَادَة وَالْعلم من المزيف وَالْمُخْتَار والاعتراض والانفصال فَهُوَ بِعَيْنِه يتَّجه هَهُنَا لَكِن رُبمَا زَاد الْخصم هَهُنَا تشكيكا وخيالا وَهُوَ قَوْله مَا ذكرتموه وَإِن دلّ على عدم لُزُوم صِفَات خَارِجَة فَالْقَوْل بِإِثْبَات أصل الْكَلَام مفض إِلَيْهَا أَيْضا وَذَلِكَ أَن من

стр. 107

ضَرُورَة وجود حَقِيقَة الْكَلَام أَن يكون أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا وَنَحْوه من أَقسَام الْكَلَام وَإِلَّا فَمَعَ قطع النّظر عَن هَذِه الْأَقْسَام لَا سَبِيل إِلَى تعلق وجود الْكَلَام وَإِذا كَانَ الْأَمر على هَذِه المثابة فَلَا محَالة أَن هَذِه الْأَقْسَام مُخْتَلفَة الصِّفَات متباينة فِي الْخَواص والمميزات وَعند هَذَا فإمَّا أَن تكون هَذِه الْخَواص المتمايزة وَالصِّفَات الْمُخْتَلفَة دَاخِلَة فِي حَقِيقَة الْكَلَام أَو خَارِجَة عَنهُ فَإِن كَانَت دَاخِلَة فِيهِ فَهُوَ محَال وَإِلَّا كَانَت الْحَقِيقَة الْوَاحِدَة لَهَا ذاتيات مُخْتَلفَة متنافرة إِذْ خَاصَّة الْأَمر يتَعَذَّر القَوْل بمجامعتها لخاصة النهى وَكَذَا فِي سَائِر خَواص أقسامه وَإِن كَانَت خَارِجَة عَن حَقِيقَة الْكَلَام فقد لزم القَوْل بِثُبُوت صِفَات زَائِدَة على مَا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل ولزمكم الْمَحْذُور ثمَّ إِن هَذِه الصِّفَات الزَّائِدَة لَا جَائِز أَن تكون لحقيقة وَاحِدَة لَا تعدد فِيهَا على نَحْو ثُبُوت الضحك والبكاء للْإنْسَان لكَونهَا متنافرة متعاندة على مَا سلف فبقى أَن تكون معتددة لَا محَالة وَسَوَاء كَانَ تعددها تعدد الْأَشْخَاص أَو الْأَجْنَاس فَإِن ذَلِك يُوجب نقض مَا ذكرتموه وَإِبْطَال مَا سلكتموه ولربما استندوا فِي بَيَان التَّعَدُّد إِلَى مَا أوردوه فِي نفى الْكَلَام عَن الذَّات من الإجماعات والظواهر من السّنَن والآيات الدَّالَّة على كَون الْقُرْآن مؤلفا من حُرُوف وأصوات وَأَنه مُرَتّب من سور وآيات ومجموع من كَلِمَات وَالْجَوَاب أَنا نقُول تعدد أَقسَام الْكَلَام وَاخْتِلَاف أَسْمَائِهِ من الْأَمر والنهى وَغير ذَلِك لَيْسَ هُوَ لَهُ بِاعْتِبَار تعدد فِي نَفسه أَو اخْتِلَاف صِفَات فِي ذَاته أَو لذاته

стр. 108

بل هُوَ النّظر إِلَى نَفسه من حَيْثُ هُوَ كَلَام وَاحِد وَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا بِاعْتِبَار إضافات مُتعَدِّدَة وتعلقات متكثرة لَا توجب للمتعلق فِي ذَاته صفة زَائِدَة وَلَا تعددا كَمَا أسلفنا فِي الطّرف الأول من التَّحْقِيق وَهُوَ على نَحْو قَول الفيلسوف فِي المبدأ الأول حَيْثُ قضى بوحدته وَإِن تكثرت أسماؤه بِسَبَب سلوب وإضافات وَأُمُور لَا توجب صِفَات زَائِدَة على الذَّات هَذَا كُله إِن سلكنا فِي التكثر مَذْهَب الإِمَام أَبى الْحسن الأشعرى وَإِلَّا إِن سلكنا مَذْهَب عبد الله ابْن سعيد فِي أَن الْأَمر والنهى وَغير ذَلِك لَا يكون إِلَّا عِنْد تحقق المتعلقات وَأَن الْكَلَام خَارج عَنْهَا أَو مَا نقل عَن بعض الْأَصْحَاب من أَنه إثبت لله تَعَالَى من الْكَلَام خمس كَلِمَات هِيَ خمس صِفَات وهى الْأَمر والنهى وَالْخَبَر والإستخبار والنداء فالإشكال يكون مندفعا وعَلى مَا ذَكرْنَاهُ من التَّحْقِيق يتَبَيَّن أَن من قَالَ من الْأَصْحَاب الْقَائِلين بنفى التكثر إِن الْأَوَامِر والنواهى وَغَيرهَا صِفَات خَارِجَة عَن الْكَلَام وَلم يرد بِهِ مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فقد أَخطَأ وَأما مَا اعتمدوه من الظَّوَاهِر الظنية والأدلة السمعية فقد سبق وَجه الِانْفِصَال عَنْهَا فَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل وبإعادة فَإِن قيل عَاقل مَا لَا تمارى نَفسه فِي انقسام الْكَلَام إِلَى أَمر وَنهى وَغَيره وَأَن مَا انقسم إِلَيْهِ حقائق مُخْتَلفَة وَأُمُور متنافرة متمايزة وَأَنَّهَا من أخص أَوْصَاف الْكَلَام لَا أَن الأختلاف رَاجع إِلَى نفس الْعبارَات والاعتبارات الحارجة فَإنَّا لَو قَطعنَا النّظر عَن

стр. 109

الاعتبارات الْخَارِجَة والمتعلقات ورفعناها وهما لم يخرج عَن كَونه منقسما وَمَعَ هَذَا التَّحْقِيق كَيفَ يسوغ القَوْل بالاتحاد ثمَّ ان مَا اخبر عَنهُ من الْقَصَص الْمَاضِيَة والأمور السالفة مُخْتَلفَة متمايزة فَإِن مَا جرى لكل نبى من الانبياء غير مَا جرى لغيره من الانبياء وَكَذَلِكَ المأمورات والمنهيات الْمُكَلف بهَا مُخْتَلفَة مُتَغَايِرَة فَكيف يكون نفس الْخَبَر عَمَّا جرى لآدَم وَإِبْرَاهِيم هُوَ نفس الْخَبَر عَمَّا جرى لمُوسَى اَوْ عِيسَى أم كَيفَ يكون نفس الامر بِالْحَجِّ هُوَ نفس الْأَمر بِالصَّلَاةِ وَأَن مَا توجه لزيد هُوَ نفس مَا توجه لعَمْرو وَكَيف هَذَا التَّدَاخُل أم كَيفَ يَجْعَل الْخَبَر أَو مَا سمى خَبرا هُوَ عين الْأَمر أَو مَا سمى أمرا هُوَ عين مَا سمى خَبرا مَعَ أَن الْأَمر هُوَ الطّلب والاقتضاء وَالْخَبَر لَا يشْتَمل على شئ من ذَلِك وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْخَبَر فَالْأَمْر أَيْضا غير مُشْتَمل عَلَيْهِ فَهَل هَذَا إِلَّا مَحْض تحكم غير مَعْقُول وَمَا لَيْسَ بمعقول لَا سَبِيل إِلَى إثْبَاته فَلم يبْق إِلَّا أَنه أَنْوَاع متمايزة الْخَواص مُخْتَلفَة الذوات مُشْتَركَة فِي الْجُمْلَة وَالْكَلَام كالجنس لَهَا والتمثيل بالمبدأ الأول مِمَّا لَا إِلَيْهِ سَبِيل فَإِن اتِّحَاد الذَّات مَعَ اخْتِلَاف اسمائها بِاعْتِبَار أُمُور إضافية أَو سلبية مِمَّا لَا امْتنَاع فِيهِ أما إِثْبَات صِفَات متضادة وخواص متنافرة وأقسام مُتعَدِّدَة لذات وَاحِدَة لَا تعدد فِيهَا وَلَا تغاير فَمن أمحل المحالات وأشنع المقالات وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ قُلْنَا قد بَينا فِيمَا سلف أَن الْكَلَام قَضِيَّة وَاحِدَة وَمَعْلُوم وَاحِد قَائِم بِالنَّفسِ وَأَن اخْتِلَاف الْعبارَات والتعبيرات عَنهُ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب اخْتِلَاف المتعلقات وَالنّسب والإضافات كَمَا حققناه فَمَا يَقع بِهِ التضاد أَو الِاخْتِلَاف أَو التَّعَدُّد فَلَيْسَ إِلَّا فِي

стр. 110

المتعلقات والتعلقات لَا فِي نفس الْمُتَعَلّق وَلَا أَن مَا وَقع بِهِ الِاخْتِلَاف أَو التضاد بَين الْأَمر والنهى وَغَيره من أخص صِفَات الْكَلَام بل كل ذَلِك خَارج عَنهُ وعَلى هَذَا نقُول لَو قطع النّظر عَن المتعلقات الْخَارِجَة وَرفعت عَن الْوَهم فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِهَذِهِ الْعبارَات والتعبيرات أصلا وَلَا يلْزم من ذَلِك رفع فهم الْكَلَام وَأَن تَزُول حَقِيقَته عَن الْوُجُود ايضا وَقَوْلهمْ كَيفَ يجوز أَن يكون الْمخبر عَنهُ مُتَعَددًا مُخْتَلفا وَالْخَبَر عَنهُ وَاحِدًا أم كَيفَ يكون الْمَأْمُور بِهِ مُخْتَلفا وَالْأَمر بِهِ وَاحِدًا وَكَيف تكون حَقِيقَة وَاحِدَة هى أَمر وَنهى وَخبر مَعَ أَن هَذِه الامور مُخْتَلفَة قُلْنَا هَل هَذَا إِلَّا مَحْض استبعاد وَخُرُوج عَن سَبِيل الرشاد فَإِنَّهُ إِذا عرف أَن اخْتِلَاف الْعبارَات والتعبيرات قد يكون بِاعْتِبَار اخْتِلَاف التعلقات وَالنّسب إِلَى الْأُمُور الْخَارِجَة والإطلاقات لم يمْتَنع أَن يكون الْمُتَعَلّق لَهُ حَقِيقَة وَاحِدَة وَوُجُود وَاحِد وَله متعلقات مُخْتَلفَة ويعبر عَنهُ بِسَبَب تعلقة بِكُل وَاحِد مِنْهَا بِعِبَارَة مَخْصُوصَة ولقب مَخْصُوص وَإِن كَانَ هُوَ فِي نَفسه وَاحِدًا وَذَلِكَ على نَحْو مَا ذكره الفيلسوف فِي المبذأ الأول وعَلى نَحْو مَا ينعكس على الأَرْض من الألوان الْمُخْتَلفَة من زجاجات مُخْتَلفَة الألوان بِسَبَب شروق الشَّمْس عَلَيْهَا ومقابلتها لَهَا فَإِن التأثيرات مُخْتَلفَة بِسَبَب المتعلقات لَا غير وَإِن كَانَ الْمُتَعَلّق فِي نَفسه وَاحِدًا وَقد يعبر عَنْهَا بِسَبَب هَذَا التقلق وَاخْتِلَاف المتقلقات والتأثيرت بأسماء مُخْتَلفَة حَتَّى يُقَال إِنَّهَا مسودة ومصفرة وَغير ذَلِك وَإِن كَانَت الشَّمْس فِي نَفسهَا وَاحِدَة فَكَذَلِك ينبغى أَن يفهم مثله فِي الْكَلَام فَإِن اخْتِلَاف هَذِه التعبيرات عَنهُ لَيْسَ لتَعَدد فِي نَفسه بل لتَعَدد المتعلقات وَاخْتِلَاف

стр. 111

الإضافات وَذَلِكَ لَيْسَ محالا نعم لَو عبر عَنهُ بالنهى من جِهَة مَا عبر عَنهُ بِالْأَمر وَمن جِهَة مَا عبر عَنهُ بالْخبر أَو بِالْعَكْسِ كَانَ ذَلِك متناقضا وَمن حقق مَا مهدناه زَالَ عَنهُ الخيال واندفع عَنهُ الْإِشْكَال كَيفَ وَأَن مَا ذَكرُوهُ من أَقسَام الْكَلَام وهى الْخَبَر والاستخبار وَالْأَمر والنهى والوعد والوعيد أمكن أَن ترد إِلَى قسمَيْنِ وهما الطّلب وَالْخَبَر فَإِن الْوَعيد والوعد داخلان فِي الْخَبَر لَكِن تعلق بِأَحَدِهِمَا ثَوَاب فَسمى وَعدا وَتعلق بِالْآخرِ عِقَاب فَسمى وعيدا وَأما الْأَمر والنهى فداخلان تَحت الطّلب والاقتضاء لَكِن إِن تعلق بِالْفِعْلِ سمى امرا وَإِن تعلق بِالتّرْكِ سمى نهيا وَأما الاستخبار على الْحَقِيقَة فَغير مُتَصَوّر فِي حق الله تَعَالَى بل حَاصله يرجع إِلَى التَّقْرِير وَهُوَ نوع من الْإِخْبَار وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ وكما أمكن رد هَذِه الْأَقْسَام إِلَى قسمَيْنِ أمكن ردهَا إِلَى قسم وَاحِد فِي حق الله تَعَالَى حَتَّى يكون على مَا ذَكرْنَاهُ بِأَن يكون معنى وَاحِدًا وَقَضِيَّة متحدة إِن تعلق بِمَا حكم بِفِعْلِهِ أَو تَركه سمى طلبا وَإِن تعلق بِغَيْرِهِ سمى خَبرا فَإِذا المتعلقات مُتعَدِّدَة والمتعلق فِي نَفسه وَاحِدًا لَا تعدد فِيهِ وَهَذَا كُله إِنَّمَا هُوَ فِي مُتَصَوّر الْبَقَاء والديمومة كَمَا فِي كَلَام الله تعإلى وَإِلَّا فَالْكَلَام فِي الشَّاهِد إعنى كَلَام اللِّسَان والنطق النفسانى لَيْسَ كَذَلِك إِذْ هُوَ من قبيل الْأَعْرَاض المتجددة والأغراض المتغيرة وَذَلِكَ مِمَّا ينافى القَوْل باتحاده وَنفى أعداده فَإِن قيل إِذا قُلْتُمْ بِأَن الْكَلَام فِي نَفسه قَضِيَّة وَاحِدَة وَأَن اخْتِلَاف التعبيرات عَنهُ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب المتعلقات الْخَارِجَة فَلم لَا جوزتم أَن تكون الْإِرَادَة وَالْعلم وَالْقُدْرَة

стр. 112

وباقى الصِّفَات رَاجِعَة إِلَى معنى وَاحِد وَيكون اخْتِلَاف التعبيرات عَنهُ بِسَبَب اخْتِلَاف متعلقاته لَا بِسَبَب اختلافه فِي ذَاته وَذَلِكَ بِأَن يُسمى إِرَادَة عِنْد تعلقه بالتخصيص فِي الزَّمَان وقدرة عِنْد تعلقه بالتخصيص فِي الْوُجُود وَهَكَذَا سَائِر الصِّفَات وَإِن كَانَ ذَلِك فَلم لَا يجوز أَن يعود ذَلِك كُله إِلَى نفس الذَّات من غير احْتِيَاج إِلَى الصِّفَات قُلْنَا تمويه هَذَا الْإِشْكَال والتهويل بِهَذَا الخيال هُوَ مَا اوقع جمَاعَة من الْأَصْحَاب فِي دَائِرَة الِاضْطِرَاب وكبع حذاقهم عَن تَحْقِيق الْجَواب وَالَّذِي يقطع دابره ويكشف عَن الْحق سرائره أَن يُقَال إِذا ثَبت القَوْل بِكَوْنِهِ محيطا بالموجودات وعالما بهَا ومخصصا لَهَا فِي وجودهَا وحدوثها وَثَبت لَهُ غير ذَلِك من الكمالات الْمعبر عَنْهَا بِالصِّفَاتِ فَهُوَ مَا طلبناه وَغَايَة مَا رمناه وَأما إِثْبَات كَونهَا مُتَغَايِرَة الذوات متباينة الذاتيات أَو أَنَّهَا رَاجِعَة إِلَى معنى وَاحِد هُوَ نفس الذَّات والتخصيص وَالِاخْتِلَاف فِيهَا إِنَّمَا هُوَ عَائِد إِلَى المتعلقات والتغاير بالعرضيات الخارجيات كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض الْأَصْحَاب فَمَا لم أر فِي مَا ذَكرُوهُ لإفحام الْخصم كلَاما مخلصا عَن مغالطات ومصادرات وأقاويل منحرفات وَمَا يظْهر مَأْخَذ المعتقد من الْجَانِبَيْنِ فَإِنَّمَا ينْتَفع بِهِ النَّاظر مَعَ نَفسه لَا بِالنّظرِ إِلَى غَيره وَأظْهر مَا قيل فِي بَيَان الِاخْتِلَاف أَن تَأْثِير الْقُدْرَة فِي الإيجاد وتأثير الْإِرَادَة

стр. 113

فِي التَّخْصِيص بالأحوال والأقات وَمَعَ اخْتِلَاف التأثيرات لَا بُد مِمَّن اخْتِلَاف المؤثرات وَإِلَّا كَانَ صُدُور أحد الْمُخْتَلِفين من جِهَة مَا صدر الْمُخَالف الآخر وَهُوَ محَال وَهَذَا خلاف الْكَلَام فَإِن تعلقه بمتعلقاته لَا يُوجب تَأْثِيرا مُخْتَلفا وَكَذَا كل صفة على انفرادها وَهُوَ غير سديد فَإِنَّهُ لَو وَجب القَوْل بمخالفة الْقُدْرَة للإرادة لاخْتِلَاف التأثيرات فَذَلِك يُوجب الِاخْتِلَاف فِي نفس الْإِرَادَة وَنَفس الْقُدْرَة وكل صفة من الصِّفَات وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك من جِهَة أَن تأثيرات الْإِرَادَة مُتعَدِّدَة فَإِن تَخْصِيص الْحَادِث فِي الأمس غير تَخْصِيصه فِي الْيَوْم أَو الْغَد وَكَذَلِكَ مَا يخص بِالْقُدْرَةِ فَإِن إِيجَاد زيد لَيْسَ هُوَ نفس إِيجَاد عَمْرو لَا سِيمَا إِذا قُلْنَا إِن الْوُجُود لَيْسَ بزائد على الْمَوْجُود وَإِذا كَانَت التأثيرات مُتَغَايِرَة فإمَّا أَن تتحد من كل وَجه اَوْ تخْتَلف من كل وَجه أَو تتحد فِي وَجه وتختلف فِي وَجه اخر فَإِن اتّحدت من كل وَجه فَلَا تعدد وَقد فرضت مُتعَدِّدَة فبقى أَن تكون مُخْتَلفَة إِمَّا من كل وَجه أَو من وَجه وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فهى مُخْتَلفَة فَيجب أَن يكون الْمُؤثر لَهَا مُخْتَلفا فَإِن لم يجب أَن يكون مُخْتَلفا فَلَا أقل من أَن يكون معتددا فَإِن قيل تاثير الْقُدْرَة وَاحِد قي حقيقتة وَمَعْنَاهُ وَاحِد فِي ماهيته فَإِن الإيجاد من حَيْثُ هُوَ إِيجَاد لَا يخْتَلف وَكَذَلِكَ تَخْصِيص الْإِرَادَة بِالْوَقْتِ وَاحِد لَا يخْتَلف من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك وَمَا وَقع بِهِ الِاخْتِلَاف فِي تأثيرات الْقُدْرَة اَوْ الْإِرَادَة فَلَيْسَ اخْتِلَافا ذاتيا دَاخِلا فِي التَّأْثِير من حَيْثُ هُوَ تَأْثِير تِلْكَ الصّفة الْمَخْصُوصَة وَإِنَّمَا هُوَ عَائِد إِلَى أُمُور خَارِجَة عرضية وَكَذَا فِي كل صفة على حِدة وَذَلِكَ مِمَّا يُوجب الِاخْتِلَاف فِي نفس التَّعَلُّق أصلا

стр. 114

وَهَذَا أَيْضا مِمَّا لَا حَاصِل لَهُ فَإِنَّهُ إِن صدر مِمَّن لَا يعْتَرف بِكَوْن الْوُجُود زَائِدا على الْمَوْجُود كَانَ بُطْلَانه ظَاهرا وَإِن كَانَ مِمَّن يعْتَرف بِهِ فالذوات عِنْده إِمَّا أَن تكون مُتَعَلق الْقُدْرَة مَعَ كَون الْوُجُود والحدوث مُتَعَلقا لَهَا أَيْضا أَو أَنَّهَا لَا تعلق للقدرة بهَا فَإِن كَانَ الأول فقد لزمَه اخْتِلَاف التأثيرات وَإِن كَانَ الثانى لزم أَن تكون الذوات ثَابِتَة فِي الْقدَم ومتحققة فِي الْعَدَم وَسَيَأْتِي إِبْطَاله كَيفَ وان ذَلِك لَو صَحَّ فِي الْقُدْرَة والأرادة فَهُوَ مِمَّا لَا يأتى فِي غَيرهمَا من الصِّفَات وَلَا يتَحَقَّق فِي باقى الكمالات بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَالهَا من المتعلقات وَإِذا لاحت الْحَقَائِق وَظَهَرت الدقائق فَلَا الْتِفَات إِلَى شغب المشنع المتحذلق فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا ينْهض دَلِيلا وَلَا يشفى غليلا وَهُوَ آخر مَا أردناه من مَسْأَلَة الْكَلَام وَهُوَ الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان

стр. 115

الطّرف الْخَامِس فِي اثبات الادراكات مَذْهَب أهل الْحق أَن البارى تَعَالَى سميع بسمع بَصِير ببصر وَذهب الكعبى إِلَى أَن معنى كَونه سميعا بَصيرًا أَنه لَا آفَة بِهِ عَالم بالمسموعات والمبصرات لَا غير وَمن الْمُعْتَزلَة من زَاد عَلَيْهِ وَقَالَ معنى كَونه سميعا بَصيرًا أَنه مدرك للمسمسوعات والمبصرات والإدراك يزِيد على الْعلم وَذهب الجبائى وَمن تَابعه إِلَى أَن معنى كَونه سميعا بَصيرًا أَنه حى لَا آفه بِهِ وَقد استروح بعض الْأَصْحَاب فِي الِاسْتِدْلَال على أهل الضلال إِلَى مَسْلَك ضَعِيف وَهُوَ أَن قَالَ البارى تَعَالَى حى والحى إِذا قبل معنى وَله ضد وَلَا وَاسِطَة بَينهمَا لم يخل عَنهُ أَو عَن ضِدّه وَلَا محَالة أَن كَونه حَيا مِمَّا يُوجب قبُوله للسمح وَالْبَصَر فَلَو لم يَتَّصِف بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر لَا تصف تضدها وَذَلِكَ نقص فِي حق البارى تعإلى

стр. 116

قَالَ وَالدَّلِيل على أَن الْمُوجب لقبوله السّمع وَالْبَصَر كَونه حَيا مَا نرَاهُ فِي الشَّاهِد فَإِن الْمُوجب لقبوليه الْإِنْسَان وَغَيره من الْحَيَوَان للسمع وَالْبَصَر كَونه حَيا إِذْ لَو قدر أَن الْمُوجب لذَلِك غير الْحَيَاة من الْأَوْصَاف لَكَانَ منتقضا وَإِذا كَانَ الْمُوجب للقبول إِنَّمَا هُوَ الْحَيَاة فالبارى حَيّ فَيجب أَن يكون متصفا بهما وَإِلَّا كَانَ متصفا بأضدادهما وَذَلِكَ نقص فِي حق الله تَعَالَى فَيمْتَنع وَمن نظر فِيمَا أسلفناه وأحاط بِمَا مهدناه علم أَن ذَلِك مِمَّا لَا يقوى وَالَّذِي نزيده هَهُنَا أَنا نقُول حَاصِل الطَّرِيقَة آيل إِلَى قِيَاس التَّمْثِيل وَهُوَ الحكم على جزئى بِمَا حكم بِهِ على غَيره لاشْتِرَاكهمَا فِي معنى عَام لَهما وَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن لَو لم يتَبَيَّن أَن الحكم فِي الأَصْل الممثل بِهِ ثَابت لِمَعْنى لَا أَنه ثَابت لنَفسِهِ أَو بِخلق الله لَهُ فِي ذَلِك الامر الجزئى من غير افتقار إِلَى أَمر خَارج ثمَّ لَو ثَبت أَنه ثَبت لِمَعْنى لَكِن لَا بُد من حصر جَمِيع الْأَوْصَاف وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بالسبر وَهُوَ غير مُفِيد لليقين بل حالصه انى بحثت فَلم أطلع على غير الْمَذْكُور وَغَايَة فَائِدَة الْبَحْث الظَّن بِانْتِفَاء غير الْمعِين لَا الْعلم بِهِ ثمَّ وَإِن أَفَادَ علما للساير فَذَلِك لَيْسَ بِحجَّة على غَيره إِذْ بحث زيد لَا يُؤثر علما فِي حق عَمْرو وَإِن أَفَادَهُ ذَلِك ظنا وَلَيْسَ هَذَا كَمَا يُقَال إِن من كَانَ بَين يَدَيْهِ قيل وَلَيْسَ بَينه وَبَينه حَائِل وَآلَة الْإِدْرَاك لَدَيْهِ حَاضِرَة سليمَة فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل أَلا يبصره فَكَذَلِك هَهُنَا فَإِنَّهُ لَو قدر وصف آخر فَإِنَّهُ إِمَّا مَعْقُول أَو محسوس وَأي الْأَمريْنِ قدر فأسباب مداركه عِنْد النَّاظر عتيدة فيستحيل ان لَا يظفر بِهِ إِذا طلبه وَهَذَا وَإِن كَانَ مخيلا لكنه مِمَّا لَا يقوى فَإِنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكره لما وَقع لأحد فِي نظره خبط وَلَا فِي فكره تنَاقض وَلما وَقع الْخلاف بَين الْعُقَلَاء فِي وجود شئ ونفيه إِذْ القواطع

стр. 117

لَا تتوارد على شئ ونقيضه وَكم من وَقع لَهُ التَّنَاقُض فِي نظره حَتَّى انه حكم بشئ بعد مَا حكم بمقابله وَكَذَلِكَ كم من شئ اخْتلف الْعُقَلَاء فِيهِ وَلم يظفر وَلَا وَاحِد مِنْهُم بمقصود اَوْ ظفر بِهِ وَاحِد دون البَاقِينَ وَلَا كَذَلِك مَا ذَكرُوهُ من الْمِثَال فَإِن وُقُوع مثل ذَلِك فِيهِ مِمَّا يَسْتَحِيل بِالنّظرِ إِلَى حكم جرى الْعَادة بِهِ ثمَّ وَلَو سلم الْحصْر فلابد وَأَن يتَعَرَّض لابطال تَأْثِير كل وَاحِد وَاحِد على الْخُصُوص وابطال تَأْثِيره فِي كل رُتْبَة تحصل لَهُ من إِضَافَته إِلَى غَيره وَذَلِكَ مِمَّا يعز ويشق لَا محَالة وَمَا وَقعت الْإِشَارَة بِهِ فِي إبِْطَال غير المستبقى فَهُوَ بِعَيْنِه لَازم فِي المستبقى فَإِنَّهُ منتقض بباقى اعضاء الأنسان واعضاء غَيره من الْحَيَوَان فَإِنَّهَا حَيَّة مَعَ انتقاء السّمع وَالْبَصَر وَانْتِفَاء أضدادها أَيْضا ثمَّ إِنَّه وَإِن لم يكن الحكم لغير مَا عين من الْأَوْصَاف لَكِن من الْجَائِز أَن يكون ذَلِك بِاعْتِبَار الشئ الْمَوْصُوف بِهِ وَمهما لم يتَبَيَّن أَن الْمَوْصُوف بِهِ فِي مَحل النزاع هُوَ الْمَوْصُوف بِهِ فِي مَحل الْوِفَاق لم يلْزم الحكم وَهَذَا كُله لَا محيص عَنهُ فقد بَان أَن مَا استروح إِلَيْهِ غير يقينى وَإِن كُنَّا لَا ننكر كَونه ظنيا فالمطلوب لَيْسَ إِلَّا الْيَقِين ولربما اسْتندَ بعض الْأَصْحَاب هَهُنَا إِلَى السمعيات دون العقليات والمحصل يعلم أَن كل مَا يتمحل من ذَلِك فَغير خَارج عَن قبيل الظنيات والتخمنيات وَذَلِكَ لَا مدْخل لَهُ فِي اليقينيات وسيأتى إشباع القَوْل فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 118

فَإِذا السَّبِيل فِي الدَّلِيل هَهُنَا لَيْسَ إِلَّا مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي مَسْأَلَة الْإِرَادَة وَقد عرفت وَجه تَحْقِيقه وَمَا يلْزم عَلَيْهِ لَكِن رُبمَا زَاد الْخصم هَهُنَا تشكيكات وخيالات لابد من الْإِشَارَة إِلَيْهَا والتنبيه على وَجه الِانْفِصَال عَنْهَا فَمن ذَلِك قَوْله إِن مَا ذكرتموه إِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن لَو ثَبت أَن السّمع وَالْبَصَر إدراكان زائدان على نفس الْعلم وَإِلَّا فَلَا نقص إِدْرَاك وَلَا قُصُور لكَون البارى تَعَالَى عَالما وَبِمَ الْإِنْكَار على الكعبى حَيْثُ ذهب إِلَى ان السّمع وَالْبَصَر ليسَا بزائدين على نفس الْعلم لَا شَاهدا وَلَا غَائِبا بل الْمدْرك المسموع والمبصر هُوَ السَّامع المبصر بِعِلْمِهِ لَا بحاسته الَّتِى كَانَ حُصُول هَذَا الْعلم بواسطتها وهى الْمعبر عَنْهَا بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر كَيفَ وَأَنه لَو كَانَ الْمدْرك مدْركا بِإِدْرَاك زَائِد على الْعلم لجَاز أَن يكون بَين يدى الْإِنْسَان سليم الْبَصَر والسمع مرئيات وأصوات وَهُوَ لَا يَرَاهَا وَلَا يسْمعهَا لجَوَاز أَن لَا يخلق لَهُ ادراكها وَالْأَمر بِخِلَافِهِ ثمَّ لَو سلم أَن الْإِدْرَاك لَيْسَ هُوَ نفس الْعلم فَبِمَ الانكار على الجبائى فِي قَوْله إِن الْمدْرك هُوَ الحى الذى لَا آفَة بِهِ وَلَا نقص وَأَنه لَا معنى لَهُ إِلَّا هَذَا السَّلب ثمَّ لَو سلم أَنه معنى إيجابى وَأمر إثباتى لكنه مِمَّا يمْتَنع ثُبُوته فِي حق البارى تَعَالَى من حَيْثُ إِنَّه لَا يَخْلُو أَن يكون قَدِيما أَو حَادِثا لَا جَائِز أَن يكون حَادِثا وَإِلَّا كَانَ البارى محلا للحوادث وَهُوَ مُمْتَنع وَلَا جَائِز أَن يكون قَدِيما وَإِلَّا للَزِمَ أَن يكون لَهُ مسموع ومبصر فِي الْعَدَم إِذْ السّمع وَالْبَصَر من غير مسموع ومبصر محَال وَذَلِكَ يفضى إِلَى القَوْل الْعَالم أَو أَن يكون مَا فِيهِ مسموعا ومبصرا فِي الْعَدَم وكلا الْأَمريْنِ

стр. 119

محَال وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يشْتَرط البنية الْمَخْصُوصَة للإدراك أَو لَيْسَ فَإِن اشْترط فإثبات الْإِدْرَاك للبارى يُوجب لَهُ البنية الْمَخْصُوصَة وَهُوَ مُتَعَذر وَالْقَوْل بِعَدَمِ الِاشْتِرَاط مُمْتَنع أَيْضا إِذْ يلْزم مِنْهُ الالتباس بَين الإدراكات وَأَن تكون حاسة وَاحِدَة مدركة بإدراكات مُخْتَلفَة وَهُوَ مُمْتَنع فَإِن البنية الْمَخْصُوصَة لَا بُد مِنْهَا فالسمع هُوَ قُوَّة مرئية فِي الْعصبَة المنبسطة فِي السَّطْح الْبَاطِن من صماخ الْأذن من شَأْنهَا أَن تدْرك الصَّوْت المحرك للهواء الراكد فِي مقعر صماخ الْأذن عِنْد وُصُوله إِلَيْهِ بِسَبَب مَا وَالْبَصَر هُوَ عبارَة عَن قوه مرتبَة فِي عصبَة مجوفة من شَأْنهَا أَن تدْرك مَا ينطبع فِي الرُّطُوبَة الجليدية من أشباح صور الْأَجْسَام بتوسط المشف والشم عبارَة عَن قُوَّة مرتبَة فِي زائدتى مقدم الدِّمَاغ من شَأْنهَا إِدْرَاك مَا يتَأَدَّى إِلَيْهَا بتوسط الْهَوَاء من الأراييح والذوق عبارَة عَن قُوَّة مرتبَة فِي الْعصبَة البسيطة على السَّطْح الظَّاهِر من اللِّسَان من شَأْنهَا إِدْرَاك مَا يرد عَلَيْهَا من الطعوم يتوسط مَا فِيهِ من الرُّطُوبَة الغذائية واللمس عبارَة عَن قُوَّة منبثة فِي كل الْبدن من شَأْنهَا إِدْرَاك مَا يرد عَلَيْهِ من خَارج من الكيفيات الملموسة وهى الْحَرَارَة والبرودة واليبوسة

стр. 120

وَإِذا لم يكن فِي الْإِدْرَاك بُد من الْآلَات والأدوات امْتنع القَوْل بثبوتها فِي حق البارى تَعَالَى كَيفَ وَأَن مَا ذكرتموه ينْتَقض عَلَيْكُم بباقى الادراكات وَغَيرهَا من الكمالات كَمَا سلف وَالْجَوَاب أما مَا قيل من أَن السّمع وَالْبَصَر ليسَا بزائدين على نفس الْعلم فقد قَالَ بعض الْأَصْحَاب فِي الْجَواب هَهُنَا إِنَّه لَو لم يكن كَذَلِك وَإِلَّا لما وَقعت التَّفْرِقَة بَين مَا علم بالبرهان أَو الْخَبَر وَبَين مَا حصل بِالْعينِ وَالْبَصَر وَلَا محَالة أَن هَذِه التَّفْرِقَة مِمَّا يشْهد بصفدقها نظر ذوى الْأَلْبَاب فإنكارها مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِلَّا عَن جحد أَو عناد لكنه مِمَّا لَا ثُبُوت لَهُ على محك النّظر إِذْ الْخصم يَقُول وَإِن سلم التَّفْرِقَة بِمَنْع عودهَا إِلَى الْعلم والإدراك بل مَا تشعر بِهِ النَّفس عِنْد الْخَبَر اليقينى بِأَن زيدا مثلا على صُورَة كَذَا أَو كَذَا لَيْسَ يخْتَلف عِنْد النّظر والمشاهدة بالبصر وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف والتفرقة عائدان إِلَى نفس الْمحل الذى هُوَ وَاسِطَة حُصُول الْعلم من الْبَصَر وَغَيره أَو إِلَى الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل أَو الاطلاق وَالتَّقْيِيد أَو الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَبِالْجُمْلَةِ إِلَى الْمحل الذى هُوَ مُتَعَلق الْعلم فِي الْحَالَتَيْنِ وَذَلِكَ بِأَن يكون مَا حصل بالبصر أَو السّمع مفصلا أَو مُقَيّدا أَو خَاصّا وَمَا حصل بالبرهان وَالْخَبَر لم يكن إِلَّا مُجملا أَو مُطلقًا أَو غير ذَلِك وَذَلِكَ مِمَّا لَا يدل على أَن مَا حصل بالبصر أَو السّمع خَارج عَن جنس الْعلم أَو نَوعه وَهُوَ كَمَا لَو علم بطرِيق خَاص إِمَّا بِالدَّلِيلِ أَو غَيره أَن كل منقسم بمتساويين فَهُوَ زوج وَاتفقَ أَن مَا فِي يَد زيد مثلا منقسم بمتساويين فَأَنَّهُ من جِهَة الْعُمُوم مَعْلُوم

стр. 121

أَنه زوج لضَرُورَة الْعلم بِأَن كل منقسم بمتساويين زوج وَمَا علم بالبصر بعد ذَلِك لَيْسَ هُوَ مَا كَانَ مَعْلُوما أَولا وَإِنَّمَا الْحَاصِل ثَانِيًا هُوَ نفس الْعلم بِخُصُوصِهِ وبكونه منقسما بمتساويين وَاخْتِلَاف متعلقات الْعلم وَاخْتِلَاف طرق تَحْصِيلهَا مِمَّا لَا يُؤثر اخْتِلَافا فِي نفس الْعلم الْمُتَعَلّق بهَا فالطريق فِي الأنفصال أَن يُقَال الْإِنْسَان قد يجد من نَفسه معنى زَائِدا عِنْد السّمع وَالْبَصَر على مَا كَانَ قد علمه بِالدَّلِيلِ أَو الْخَبَر وَذَلِكَ مِمَّا لَا مراء فِيهِ كَمَا سبق فَالْمَعْنى بالإدراك لَيْسَ إِلَّا هَذَا الْمَعْنى وَسَوَاء سمى ذَلِك علما أَو إدراكا وَسَوَاء كَانَ مُتَعَلّقه أمرا تقييديا أَو تفصيليا أَو معنى خَاصّا أَو غير ذَلِك من المتعلقات فَإِن حَاصِل ذَلِك لَيْسَ يرجع إِلَّا إِلَى مَحْض الاطلاقات وَمُجَرَّد الْعبارَات فَلَا مشاحة فِيهَا بعد فهم مَعَانِيهَا فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا يقْدَح فِي الْغَرَض بإبطاله أَو تَصْحِيحه وَعند ذَلِك فَلَا مبالاة بِمن اعتاص على فهمه قبُول هَذَا الِاعْتِقَاد وشمخ أَنفه عَن أَن ينقاد بعد ظُهُور الْحَقَائِق وانكشاف غور الدقائق وَمن رام فِي الِانْفِصَال عَن هَذَا الخيال غير مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فقد كلف نَفسه شططا وَذَلِكَ على النبيه مِمَّا لَا يخفى وَمَا قيل من أَنه لَو كَانَ الْإِدْرَاك زَائِدا على نفس الْعلم لجَاز أَن يكون بَين يدى إِنْسَان سليم الْبَصَر فيل لَا يُدْرِكهُ لجَوَاز أَن لَا يخلق لَهُ الْإِدْرَاك بِهِ وَهُوَ محَال قُلْنَا ادِّعَاء كَونه محَال إِمَّا أَن ينظر فِيهِ إِلَى الإحالة الْعَقْلِيَّة أَو العادية فَإِن كَانَ الأول

стр. 122

فَهُوَ استرسال لما هُوَ غير مُسلم وَإِن كَانَ الثانى فَهُوَ بِعَيْنِه لَا محَالة لَازم فِي خلق الادراك فَإِنَّهُ كَمَا يَسْتَحِيل عَادَة انْتِفَاء الْإِدْرَاك للفيل عِنْد حُضُوره بَين يدى ذى الْبَصَر السَّلِيم كَذَا يَسْتَحِيل القَوْل بِانْتِفَاء خلق الادراك فِي مثل تِلْكَ الْحَالة ايضا وان نظر فِي ذَلِك الى جِهَة الْجَوَاز العقلى فَهُوَ ايضا مَا نقُوله فِي الأدراك فَإِنَّهُ كَمَا يجوز أَن لَا يخلق لَهُ الأدراك عقلا يجوز أَن لَا يُدْرِكهُ عقلا كَيفَ وَأَن هَذَا لَازم على الْخصم فِي الْعلم أَيْضا فَمَا هُوَ عذره فِي الْعلم هُوَ عذرنا فِي الْإِدْرَاك وَأما تَفْسِير الْإِدْرَاك بنفى الآفة عَمَّن لَهُ الْحَيَاة فمما لَا يَسْتَقِيم إِذْ قد بَينا أَن الْإِنْسَان يجد من نَفسه تَفْرِقَة بَين الإدراكات وَذَلِكَ لَا بُد وَأَن يكون بِأَمْر زَائِد على الْحَيَاة وَانْتِفَاء الآفة وَألا لما وَقع الْفرق ثمَّ كَيفَ يَصح أَن يُقَال السَّمِيع والبصير هُوَ الَّذِي لَا آفَة بِهِ وَيُقَال لمن يسمع وبصر وَهُوَ مئوف نَاقص فَإِن قيل لَيْسَ السَّمِيع هُوَ من سلبت عَنهُ الآفة مُطلقًا بل من سلبت عَنهُ الآفة فِي مَحل السّمع وَكَذَا فِي كل إِدْرَاك على حَسبه فَهُوَ متهافت شنيع فَإِن من قَالَ السّمع هُوَ نفى الآفة فِي مَحل السّمع فَكَأَنَّهُ قَالَ السَّمِيع هُوَ من لَهُ السّمع فِي مَحل السّمع وَلَو قَالَ السَّمِيع هُوَ من لَهُ السّمع لقد كَانَ ذَلِك كَافِيا عَن ذكر الْمحل وَإِذا كَانَ كَافِيا فَكَأَنَّهُ قَالَ السَّمِيع هُوَ الَّذِي لَا آفَة بِهِ إِذْ ذَاك فَرجع الْكَلَام الأول بِعَيْنِه ثمَّ ان الْعقل السَّلِيم يقْضى بوهاء قَول من فسر السّمع وَالْبَصَر بنفى الآفة دون الْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهَا

стр. 123

من الصِّفَات مَعَ أَنه لَو سُئِلَ عَن الْفرق لم يجد عَنهُ مخلصا بل كل مَا تخيل من منع تَفْسِير الْعلم وَالْقُدْرَة بِانْتِفَاء الآفة فَهُوَ بِعَيْنِه فِي الْإِدْرَاك حجَّة لنا وَأما القَوْل بِأَن ذَلِك يفضى إِلَى قدم المبصرات والمسموعات فَمن عرف كَيْفيَّة تعلق الْعلم بهَا فِي الْقدَم كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ لم يخف عَلَيْهِ دفع هَذَا الْإِشْكَال هَهُنَا فَإِن تعلق السّمع وَالْبَصَر بمتعلقاتهما الْحَادِثَة لَا يتقاصر عَن تعلق الْعلم بمتعلقاته الْحَادِثَة فَمَا بِهِ دفع الْإِشْكَال ثمَّ بِهِ دَفعه هَهُنَا وَأما إشتراط البنية الْمَخْصُوصَة فمما لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِذْ الْقَائِل بِهِ معترف أَن الْإِدْرَاك قَائِم بِجُزْء وَاحِد من جملَة الْمدْرك وَعند ذَلِك فَلَا يخفى أَنه لَا أثر لاتصال مَحَله بِمَا جاوره إِذْ الاجسام لَا يُؤثر بَعْضهَا فِي بعض فِيمَا يرجع إِلَى مَا يقوم بهَا من الْأَعْرَاض بل الْجَوْهَر الْفَرد يكون على صفته عِنْد الْمُجَاورَة بِهِ لغيره فِي حَال انْفِرَاده وَإِذا جَازَ قيام الْإِدْرَاك بِجُزْء وَاحِد فِي حَال انْفِرَاده واتصاله لزم أَن لَا تكون البنية الْمَخْصُوصَة شرطا وَلَا يلْزم على مَا ذَكرْنَاهُ الِاجْتِمَاع وَسَائِر الْأَعْرَاض الإضافية حَيْثُ إِنَّهَا تقوم بالجوهر عِنْد إِضَافَته وضمه إِلَى غَيره وَلَا تقوم بِهِ عِنْد أنفراده لأَنا نقُول الْكَوْن الْقَائِم بِكُل جرم فِي حَالَة الِاجْتِمَاع هُوَ بِعَيْنِه قَائِم فِي حَالَة الِافْتِرَاق مُطلقًا والمختلف إِنَّمَا هُوَ الْأَسْمَاء فَإِن مَا هُوَ قَائِم عِنْد ضميمة غَيره إِلَيْهِ يُسمى اجتماعا وَبعد الِافْتِرَاق لَا يُسمى كَذَلِك وَإِن سلم أَنه لَا يبْقى لكنه غير لَازم وَذَلِكَ أَن الصِّفَات العرضية مِنْهَا مَا يقتضى لذاته الضَّم والاجتماع بَين الْمحَال كبعض الْأُمُور الإضافية وَمِنْهَا مَا لَا يقتضى ذَلِك كَمَا

стр. 124

فِي السوَاد وَالْبَيَاض وَنَحْوهَا مِمَّا لَيْسَ بِصفة إضافية وَلَا يلْزم من كَون الصِّفَات الإضافية على مَا ذكر أَن يكون غَيرهَا مثلهَا وَلَا يخفى أَن الْإِدْرَاك لَيْسَ من ذَلِك الْقَبِيل المفتقر إِلَى الْجمع وَالضَّم فِي الأجرام وَمِمَّا يدل على أَن الْإِدْرَاك غير مفتقر إِلَى البنية ويخص الْبَصرِيين الْقَائِلين بِكَوْن البارى مدْركا أَن يُقَال لَو كَانَت البنية شرطا لوَجَبَ طردها شَاهدا وغائبا كَمَا ذَهَبُوا اليه واعتمدوا عَلَيْهِ فِي الِاشْتِرَاط وَلَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ كَون البارى ذَا بنية مَخْصُوصَة لضَرُورَة الأعتراف بِكَوْنِهِ مدْركا وَإِذا ذَاك فينقلب الْإِلْزَام وتتساوى فِيهِ الْأَقْدَام فَإِن قيل اشْتِرَاط البنية إِنَّمَا هُوَ فِي حق الْمدْرك بادراك فَلَا يلْزم البنية فِي حَقه تَعَالَى فَانْظُر إِلَى هَؤُلَاءِ كَيفَ ساقهم الغى إِلَى كشف عَوْرَاتهمْ وإبداء زلاتهم ومناقضة أصولهم وَمُخَالفَة رسومهم وتحملهم بالجهالة فِيمَا لَا يعلمُونَ وإصرارهم على الْبَاطِل فِيمَا يَقُولُونَ حَيْثُ إِنَّهُم جعلُوا الْحَيَاة شرطا فِي الشَّاهِد لكَون الْعَالم عَالما بِعلم ثمَّ طردوا ذَلِك فِي حق الْغَائِب حَتَّى قَالُوا إِن الْحَيَاة شَرط كَونه عَالما وَإِن لم يكن عَالما بِعلم وَلم يجْعَلُوا البنية شرطا لكَون الْمدْرك مدْركا مَتى لم يكن مدْركا بِإِدْرَاك لضَرُورَة كَونهَا شرطا لكَون الْمدْرك بِإِدْرَاك وَلم يعلمُوا أَنهم فِي ذَلِك متحكمون وبدعواه متجاهلون وَأَنَّهُمْ لَو سئلوا عَن الْفرق لم يَجدوا إِلَيْهِ سَبِيلا وَأما القَوْل بِأَن ذَلِك يفضى إِلَى الالتباس بَين الإدراكات غير مُسْتَقِيم وَذَلِكَ من جِهَة أَن الالتباس فِيهَا لَا يكون بِسَبَب اتِّحَاد محلهَا وَإِلَّا لما تصور قيام عرضين

стр. 125

متغايرين بِمحل وَاحِد وَإِلَّا وهما متشابهان وَلَا يخفى أَن قيام الطول مثلا والسواد وَغَيره من الكيفيات بِمحل وَاحِد جَائِز وَإِن قرر أَنه لاشتباه فعلى هَذَا لَيْسَ الالتباس بَين الْأَشْيَاء إِلَّا لما يَقع بَينهَا من التشابه فِي أَنْفسهَا وَلَا يخفى انْتِفَاء التشابه بَين الإدراكات فِي أَنْفسهَا وَأَن الْحَاصِل من كل وَاحِد غير مَا حصل من الآخر وعَلى مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من التَّحْقِيق يتَبَيَّن أَن مَا ذَكرُوهُ فِي السّمع وَالْبَصَر وَغَيرهمَا من الإدراكات لم يخل إِمَّا أَن يكون إِدْرَاكهَا لشئ بِخُرُوج شئ مِنْهَا إِلَيْهِ أَو بإتصال شئ مِنْهُ بهَا فَإِن قيل بِالْأولِ فالخارج اما جَوْهَر وَإِمَّا عرض لَا جَائِز أَن يكون جوهرا وَإِلَّا فَهُوَ إِمَّا مُتَّصِل أَو مُنْفَصِل لَا جَائِز أَن يكون مُتَّصِلا وَإِلَّا لزم أَن يكون قد خرج من الجرم الصَّغِير جرم مَلأ نصف كرة الْعَالم واتصل بالثوابت وَهُوَ مُتَعَذر وَإِن كَانَ مُنْفَصِلا فَهُوَ بَاطِل أَيْضا وَإِلَّا لأحس بِهِ الْخَارِج مِنْهُ وللزم أَلا يدْرك الْمدْرك بِسَبَب أَن مَا بِهِ الْإِدْرَاك خَارج عَنهُ وَأَن لَا يخْتَلف الشئ الْمدْرك أَو المسموع بِسَبَب الْقرب والبعد لكَون مَا بِهِ الْإِدْرَاك قد أحَاط بهما هَذَا إِن كَانَ جوهرا وَإِن كَانَ عرضا فَهُوَ مُمْتَنع أَيْضا إِذْ الْعرض لَا تحرّك لَهُ بِنَفسِهِ وان تحرّك بمحله أوجب المحالات السَّابِق ذكرهَا فَإِن قيل إِن مَا بَين الْبَصَر والمبصر من الْهَوَاء المشف يَسْتَحِيل آلَة دراكه قُلْنَا فَيلْزم أَن تكون استحالته عِنْد اجْتِمَاع المبصرين أَشد وَإِذ ذَاك فَيجب أَن يكون إِدْرَاك الْوَاحِد للشئ عِنْد الِاجْتِمَاع

стр. 126

أَشد من حَالَة الِانْفِرَاد لكَون الاستحالة فِي الْآلَة الدراكة أَشد وللزم أَن يضطرب الشئ المبصر عِنْد تشويش الجو واضطراب الرِّيَاح بِسَبَب تجدّد الْآلَة الدراكة وَهُوَ مُمْتَنع هَذَا إِن قيل بِخُرُوج شئ من الْبَصَر إِلَى المبصر وَإِن قيل إِن شَيْئا من المبصر يتَّصل بالبصر بِحَيْثُ ينطبع فِيهِ ويدركه فإمَّا أَن يكون ذَلِك على جِهَة الِانْتِقَال والانفصال أَو على الانطباع والتمثيل من غير انْفِصَال شئ من المبصر وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ بَاطِل وَإِلَّا للَزِمَ ان لَا يدْرك الشئ المرئى إِلَّا على نَحْو مَا انطبع مِنْهُ فِي الْبَصَر من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَلَو كَانَ كَذَلِك لما رؤى الْحمل أَو الْجَبَل على هَيئته بل على نَحْو مَا ينطبع مِنْهُ فِي الْبَصَر وَهُوَ هوس ثمَّ إِنَّه لَا جَائِز أَن يكون المنطبع منتقلا وَلَا فَهُوَ إِمَّا جَوْهَر وَإِمَّا عرض لَا جَائِز ان يكون جوهرا لما أسلفناه وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن تحترق الْعين عِنْد كَون المرئى نَارا وَهُوَ مُمْتَنع وَإِن كَانَ عرضا فَهُوَ أَيْضا بَاطِل لما سلف فَتبين من هَذَا أَن الادراك لَيْسَ إِلَّا معنى يخلقه الله تَعَالَى للمدرك مَعَ قطع النطر عَن الِانْتِقَال والانطباع فِي الْآلَات والأدوات وَحَيْثُ لم يكن للعين أَو الْيَد وَغير ذَلِك من الْجَوَارِح قُوَّة الْإِدْرَاك فَلَيْسَ لعدم صلاحيته للإدراك بل لِأَن الله تعإلى لم يخلق لَهُ الْإِدْرَاك وَهَذَا الأصلا عَظِيم مطرد عِنْد الْمُحَقِّقين من أهل الْحق فِي سَائِر الإدراكات

стр. 127

وَأما مَا أُشير إِلَيْهِ من النَّقْض بِسَائِر الإدراكات فقد سبق وَجه الِانْفِصَال عَنهُ فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته وَعند هَذَا فَيجب أَن يعلم أَن الْمُسْتَند فِي إِثْبَات صفة الْحَيَاة مَا هُوَ الْمُسْتَند فِي الإدراكات وباقى الصِّفَات

стр. 128

خَاتِمَة جَامِعَة لهَذَا القانون إِن قيل فَهَل للبارى تَعَالَى أخص وصف يتَمَيَّز بِهِ عَن الْمَخْلُوقَات وَهل يجوز أَن يكون لَهُ صفة زَائِدَة على مَا أثبتموه من الصِّفَات وَهل الصّفة نفس الْوَصْف أم غَيره وَإِن كَانَت غَيره فَهَل هى عين الْمَوْصُوف أم غَيره أم لَا هى هُوَ وَلَا هى غَيره قُلْنَا أما السُّؤَال الأول فقد قَالَ بعض الْأَصْحَاب فِيهِ إِنَّه لَا بُد من صفة وجودية إِذْ التَّمْيِيز بَين الذوات غير حَاصِل بِمَا يتخيل من الْأُمُور السلبية النفيية كَمَا فِي قَوْلنَا إِنَّه لَا حد لَهُ وَلَا نِهَايَة وَلَيْسَ بجسم وَلَا عرض وَنَحْو ذَلِك لَكِن هَل يجوز ان يدْرك أم لَا اخْتلفُوا فَقَالَ بَعضهم إِن استدعاء التَّمْيِيز بِالْوَصْفِ الْأَخَص إِنَّمَا يكون عِنْد الِاشْتِرَاك بَين الذوات والبارى تَعَالَى مباين بِذَاتِهِ لجَمِيع مخلوقاته وَأَنه لَيْسَ بمجانس لَهَا وَإِلَّا للَزِمَ أَن يشاركها فِي كَونهَا جَوَاهِر وأعراضا وكل ذَلِك محَال كَمَا سيأتى وَهُوَ الأغوص

стр. 129

وَأما السُّؤَال الثانى فمما اخْتلف فِيهِ ايضا فَقَالَ بَعضهم لَا يجوز أَن يكون لَهُ صفة زَائِدَة على مَا أَثْبَتْنَاهُ من جِهَة أَن الدَّلِيل الذى دلّ عَلَيْهَا لم يدل على غَيرهَا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو جَازَ أَن يكون لَهُ صفة أُخْرَى لم يخل إِمَّا أَن تكون صفة كَمَال أَو نُقْصَان فَإِن كَانَت صفة كَمَال فعدمها فِي الْحَال نُقْصَان وان كَانَت صفة نُقْصَان فثبوتها لَهُ مُمْتَنع وَهَذَا فِيهِ نظر فَإِن غَايَة مَا يلْزم من انْتِفَاء دلَالَة الدَّلِيل على الْوَصْف انْتِفَاء الْعلم بِوُجُودِهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يلازمه القو ل بنفى تجويزه وَلَيْسَ يلْزم من كَونه جَائِزا أَن يكون مَعْدُوما حَتَّى يُقَال إِن عَدمه يكون نقصا نعم لَو قيل إِن لَهُ صفة جَائِزَة لَهُ وَلَيْسَت فِي الْحَال ثَابِتَة لَهُ لقد كَانَ ذَلِك مُمْتَنعا فَإِذا الْأَقْرَب مَا ذكره بعض الْأَصْحَاب وَهُوَ أَن ذَلِك جَائِز عقلا وان لم نقض بِثُبُوتِهِ لعدم الْعلم بِوُقُوعِهِ عقلا معلا وَانْتِفَاء الْإِطْلَاق بِهِ شرعا وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجب لواجب الْوُجُود فِي ذَاته نقصا إِلَّا أَن يكون مَا هُوَ جَائِز لَهُ غير ثَابت وَمن الْأَصْحَاب من زَاد على هَذَا وَأثبت الْعلم بِوُجُود صِفَات زَائِدَة على مَا أَثْبَتْنَاهُ وَذَلِكَ مثل الْبَقَاء وَالْوَجْه والعينين وَالْيَدَيْنِ وَمن الحشوية من زَاد على ذَلِك حَتَّى

стр. 130

أثبت لَهُ نورا وجنبا وقدما والاستواء على الْعَرْش وَالنُّزُول إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا وَعند التَّحْقِيق فَهَذِهِ الصِّفَات مِمَّا لَا دَلِيل على ثُبُوتهَا أما الْبَقَاء فَلَيْسَ زَائِدا على معنى اسْتِمْرَار الْوُجُود فَمَعْنَى قَوْلنَا إِن الشئ بَاقٍ أَنه مُسْتَمر الْوُجُود وَإنَّهُ لَيْسَ بباق أَنه غير مُسْتَمر الْوُجُود وَذَلِكَ لَا يزِيد على نفس الْوُجُود فِيمَا يعرض من الْأَحْوَال المعددة والمدد المسرمدة ثمَّ وَلَو كَانَ الْبَقَاء صفة زَائِدَة على نفس الْوُجُود فإمَّا أَن يكون مَوْجُودا اَوْ مَعْدُوما فَإِن كَانَ مَعْدُوما فَلَا صفة وان كَانَ مَوْجُودا لزم ان يكون لَهُ بَقَاء وَإِلَّا فَلَا يكون مستمرا وَذَلِكَ فِي صِفَات البارى تَعَالَى محَال وَإِن كَانَ لَهُ بَقَاء فَالْكَلَام فِي ذَلِك الْبَقَاء كَالْكَلَامِ فِي الاول وهلم جرا وَذَلِكَ يفضى إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَهُوَ محَال ثمَّ يلْزم مِنْهُ أَن يكون الْبَقَاء قَائِما بِالْبَقَاءِ وَذَلِكَ مُمْتَنع إِذْ لَيْسَ قيام أَحدهمَا بِالْآخرِ بِأولى من الْعَكْس لاشْتِرَاكهمَا فِي الْحَقِيقَة واتحادهما فِي الْمَاهِيّة وَهَذَا الذى ذَكرْنَاهُ مِمَّا لَا يفرق فِيهِ بَين مَوْجُود وموجود لَا شَاهدا وَلَا غَائِبا فَإِذا لَيْسَ الْبَقَاء صفة زَائِدَة على نفس الباقى وَأما مَا قيل بِثُبُوتِهِ من باقى الصِّفَات فالمستند فِيهَا لَيْسَ إِلَّا المسموع الْمَنْقُول دون قضيات الْعُقُول والمستند فِي الْوَجْه

стр. 131

قَوْله ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ وَفِي الْيَدَيْنِ قَوْله تَعَالَى موبخا لإبليس ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ وَفِي الْعَينَيْنِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ وَقَوله ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ وَفِي النُّور قَوْله تَعَالَى ﴿نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَفِي الْجنب قَوْله تَعَالَى ﴿يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله﴾ وَفِي السَّاق قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ وَفِي الْقدَم قَوْله ﵇ وَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وَاسْتقر أهل الْجنان فِي نعيمهم وَأهل النيرَان فِي حميمهم قَالَت النَّار هَل من مزِيد فَيَضَع الْجَبَّار قدمه فِيهَا فَتَقول قطّ قطّ أَي حسبى حسبى وَفِي النُّزُول قَوْله ﵇ إِن الله ينزل فِي كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ وَفِي الاسْتوَاء قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ وَإِلَى غير ذَلِك من الْآيَات

стр. 132

وَاعْلَم أَن هَذِه الظَّوَاهِر وَإِن وَقع الاغترار بهَا بِحَيْثُ يُقَال بمدلولاتها ظَاهر من جِهَة الْوَضع اللغوى وَالْعرْف الاصطلاحى فَذَلِك لَا محَالة انخراط فِي سلك نظام التجسيم وَدخُول فِي طرف دَائِرَة التَّشْبِيه وسنبين مَا فِي ذَلِك من الضلال وَفِي طيه من الْمحَال إِن شَاءَ الله بل الْوَاجِب أَن يُقَال ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ فَإِن قيل بِأَن مَا دلّت عَلَيْهِ هَذِه الظَّوَاهِر من المدلولات وَأَثْبَتْنَاهُ بهَا من الصِّفَات لَيست على نَحْو صفاتنا وَلَا على مَا نتخيل من احوال ذواتنا بل مُخَالفَة لصفاتنا كَمَا ان ذَاته مُخَالفَة لذواتنا وَهَذَا مِمَّا لَا يَقُود إِلَى التَّشْبِيه وَلَا يَسُوق إِلَى التجسيم فَهَذَا وَإِن كَانَ فِي نَفسه جَائِزا لَكِن القَوْل باثباته من جملَة الصِّفَات يستدعى دَلِيلا قَطْعِيا وَهَذِه الظَّوَاهِر وَإِن أمكن حملهَا على مثل هَذِه المدلولات فقد أمكن حملهَا على غَيرهَا أَيْضا وَمَعَ تعَارض الِاحْتِمَالَات وتعدد المدلولات فَلَا قطع وَمَا لَا قطع عَلَيْهِ من الصِّفَات لَا يَصح إثْبَاته للذات فَإِن قيل وَمَا هَذِه الِاحْتِمَالَات الَّتِى بتدونها الَّتِى تعنونها قُلْنَا

стр. 133

أما لفظ الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ يحْتَمل الْقُدْرَة وَهَذَا يَصح أَن يُقَال فلَان فِي يدى فلَان إِذا كَانَ مُتَعَلق قدرته وَتَحْت حكمه وقبضته وَإِن لم يكن فِي يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ هما بِمَعْنى الجارحتين أصلا وعَلى هَذَا يحمل قَوْله ﵇ قلب الْمُؤمن بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن فَإِن قيل يلْزم من ذَلِك إبِْطَال فَائِدَة التَّخْصِيص بِذكر خلق آدم باليدين من حَيْثُ إِن سَائِر الْمَخْلُوقَات إِنَّمَا هى مخلوقة بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَة فَإِذا قَالَ ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ أَي بِقُدْرَتِي لم يكن لَهُ معنى قُلْنَا لَا يبعد أَن تكون قائدة التَّخْصِيص بِالذكر التشريف والاكرام كَمَا خصص الْمُؤمنِينَ بِلَفْظ الْعباد واضافهم بالعبودية إِلَى نَفسه وكما أضَاف عِيسَى والكعبة إِلَى نَفسه وَلم تكن فَائِدَة التَّخْصِيص بِالذكر اخْتِصَاص مَا أَضَافَهُ إِلَى نَفسه بِالْإِضَافَة بل التشريف والاكرام لَا غير ثمَّ إِنَّا قد بَينا ان للبارى تَعَالَى قدرَة وهى معنى يَتَأَتَّى بِهِ الإيجاد وَالْيَدَانِ اما ان يَتَأَتَّى بهما الايجاد والخلق اَوْ لَيْسَ فَإِن تأتى بهما الايجاد فهى نفس الْقُدْرَة لَا زَائِدا عَلَيْهَا وَإِن اخْتلفت الْعبارَات الدَّالَّة عَلَيْهَا وَالْقَوْل بالتعدد فِي صفة الْقُدْرَة مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ لما أَشَرنَا إِلَيْهِ وَأما إِن كَانَت مِمَّا لَا يَتَأَتَّى بهَا الإيجاد والخلق

стр. 134

فَلَا محَالة أَن فِي حمل الْيَدَيْنِ إِلَى غير الْقُدْرَة مَا يفضى إِلَى الْكَذِب فِي الْآيَة حَيْثُ أضَاف الْخلق والإيجاد إِلَيْهِمَا وَلَا محَالة أَن مَحْذُور إبِْطَال فَائِدَة التَّخْصِيص أدنى من الْمَحْذُور اللَّازِم من الْكَذِب وعَلى تَقْدِير التساوى فالاحتمال قَائِم وَالْقطع مُنْتَفٍ وَأما قَوْله ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل الْحِفْظ وَالرِّعَايَة وَلِهَذَا تَقول الْعَرَب فلَان بمرأى من فلَان ومسمع إِذا كَانَ مِمَّن يحوط بِهِ حفظه ورعايته ويشمله رفده ورعايته وَقد قيل إِنَّه يحْتَمل أَن يُرَاد بالأعين هَهُنَا على الخص مَا انفجر من الأَرْض من الْمِيَاه وأضافها إِلَى نَفسه إِضَافَة التَّمَلُّك وَقَوله ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى بِالْوَجْهِ الذَّات ومجموع الصِّفَات وَحمله عَلَيْهِ أولى من جِهَة أَنه خصصه بِالْبَقَاءِ وَذَلِكَ لَا يخْتَص بِصفة دون صفة بل هُوَ بِذَاتِهِ ومجموع صِفَاته بَاقٍ وَقَوله ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ أَنه هادى أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيكون اطلاق اسْم النُّور عَلَيْهِ بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى

стр. 135

وَقَوله ﴿يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله﴾ فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ أَمر الله ونهية فَيكون تَقْدِير ذَلِك يَا حسرتا على مَا فرطت فِي امْتِثَال أوَامِر الله ونواهيه وَيحْتَمل ان يكون المُرَاد بِهِ الجناب وَمِنْه يُقَال فلَان لائذ بِجنب فلَان اى بجنابه وَحرمه واما قَوْله ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ الْكَشْف عَن مَا فِي الْقِيَامَة من الْأَهْوَال وَمَا أعد للْكفَّار من السلَاسِل والأغلال وَلِهَذَا يُقَال قَامَت الْحَرْب على سَاق عِنْد التحامها وتصادم أبطالها واشتداد اهوالها وَقَوله ﵇ فَيَضَع الْجَبَّار قدمه فى النَّار فقد قيل يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ بعض الامم المستوجبين النَّار وَتَكون إِضَافَته الْقدَم إِلَى الْجَبَّار تَعَالَى إِضَافَة التَّمْلِيك وَقد قيل يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ قدم بعض الجبارين الْمُسْتَحقّين للعذاب الْأَلِيم بِأَن يكون قد ألهم الله النَّار الاستزاده إِلَى حِين اسْتِقْرَار قدمه فِيهَا وَأما آيَة الاسْتوَاء فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد التسخير والوقوع فِي قَبْضَة الْقُدْرَة وَلِهَذَا تَقول الْعَرَب اسْتَوَى الْأَمِير على مَمْلَكَته عِنْد دُخُول الْعباد تَحت طوعه فِي مراداته وتسخيرهم فِي مأموراته ومنهياته وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقول الشَّاعِر ... قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق ... من غير سيف وَدم مهراق ...

стр. 136

وَتَكون فَائِدَة التَّخْصِيص بِذكر الْعَرْش التَّنْبِيه بالأعلى على الْأَدْنَى فِيمَا يرجع إِلَى الِاسْتِيلَاء والاستعلاء وَأما خبر النُّزُول فانه يحْتَمل أَن يكون المُرَاد النُّزُول بِمَعْنى اللطف وَالرَّحْمَة وَترك مَا يَلِيق بعلو الرُّتْبَة وَعظم الشَّأْن والاستغناء الْكَامِل الْمُطلق وَلِهَذَا تَقول الْعَرَب نزل الْملك مَعَ فلَان إِلَى أدنى الدَّرَجَات عِنْد لطفه بِهِ وإحاطته بعنايته وانبساطه فِي حَضْرَة مَمْلَكَته وَتَكون فَائِدَة ذَلِك انبساط الْخلق على حَضْرَة المملكة بالتضرع بالدعوات والتبتل بالعبادات وَغير ذَلِك من الرياضات فِي تَحْصِيل الْمَقَاصِد والمطلوبات وَإِلَّا فَلَو نظر إِلَى مَا يَلِيق بمملكته وعلو شَأْنه وعظمته لما وَقع التجاسر على خدمته وَالْوُقُوف بعتبته فَإِن الْعباد وعباداتهم من صومهم وصلاتهم بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَظمته وجلاله دون تَحْرِيك أُنْمُلَة بعض الْعباد فِي معرض الطَّاعَة والخدمة لبَعض مُلُوك الْبِلَاد وَمن فعل ذَلِك فَإِنَّهُ يعد فِي الْعرف مستهينا ومستهزئا بالمملكة وخارجا عَن إِرَادَة التَّعْظِيم فَمَا ظَنك بِمَا هُوَ فِي دون من الرُّتْبَة وَأما التَّخْصِيص بسماء الدُّنْيَا فَمن حَيْثُ إِنَّهَا أدنى الدَّرَجَات بِالنِّسْبَةِ إِلَى رتبه العلى فَلذَلِك جعل النُّزُول إِلَيْهَا مُبَالغَة فِي اللطف كَمَا يُقَال للْوَاحِد منا صعد إِلَى السَّمَاء

стр. 137

وَنزل إِلَى الثرى إِذْ هى أدنى الدَّرَجَات بِالنِّسْبَةِ إِلَى رتبته فِي جانبى النُّزُول والرفعة لما ذَكرْنَاهُ وخصص النُّزُول بالليالى دون الْأَيَّام من حَيْثُ إِنَّهَا مَظَنَّة الخلوات وَوقت التضرع والدعوات لخالق البريات وَقد قيل إِنَّه يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بنزول الله نزُول ملك لله تجوزا واستعارة كَمَا قَالَ ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي أهل الْقرْيَة وَكَقَوْلِه ﴿الَّذين يحادون الله وَرَسُوله﴾ أَي أولياءه وَيَقُول على لِسَانه هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ وَذَلِكَ كَمَا يُقَال نَادَى الْملك وَقَالَ الْملك كَذَا على كَذَا وَإِن كَانَ المنادى وَالْقَائِل بذلك القَوْل غَيره وَلَيْسَ تَأْوِيل هَذِه الظَّوَاهِر وَحملهَا على هَذِه المحامل بمستبعد كَمَا حمل قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ وَقَوله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سادسهم﴾ على معنى الْحِفْظ وَالرِّعَايَة وكما حمل قَوْله على مَا أخبر بِهِ نبيه ﵇ من اتانى مَاشِيا أتيت إِلَيْهِ هرولة على معنى التطول والإنعام فَإِن لم يقل بالتأويل ثمَّ وَجب الا يُقَال بِهِ هَهُنَا وَإِن قيل بِهِ هَهُنَا وَجب القَوْل بِهِ ثمَّ إِذْ لَا فَارق بَين الصُّورَتَيْنِ وَلَا فاصل بَين الْحَالَتَيْنِ

стр. 138

وَأما السُّؤَال الثَّالِث فقد اضْطَرَبَتْ آراء الْمُتَكَلِّمين فِيهِ فَذَهَبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الصّفة هى نفس الْوَصْف وَالْوَصْف هُوَ خبر الْخَبِير عَمَّن اخبر عَنهُ بِأَمْر مَا كَقَوْلِه إِنَّه عَالم أَو قَادر أَو أَبيض أَو أسود وَنَحْوه وَأَنه لَا مَدْلُول للصفة وَالْوَصْف إِلَّا هَذَا ولربما احْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَنَّهُ لَو خلق الله تَعَالَى الْعلم أَو الْقُدْرَة أَو غَيرهمَا من الصِّفَات لبَعض الْمَخْلُوقَات لم يَصح تَسْمِيَته باعبتار ذَلِك واصفا وَلَو أخبر عَنهُ بِأَنَّهُ عَالم أَو قَادر أَو غير ذَلِك صَحَّ القَوْل بتسميته واصفا وَالصّفة يجب أَن تكون مَا يكون بهَا الواصف واصفا وَلَيْسَ على هَذَا النَّحْو غير القَوْل والإخبار وَلَعَلَّ مِنْهُم من يسْتَند فِي ذَلِك إِلَى النَّقْل عَن أهل الْوَضع أَنهم قَالُوا الْوَصْف وَالصّفة بِمَعْنى وَاحِد كَمَا يُقَال الْوَجْه والجهة والوعد وَالْعدة وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالوصف هُوَ القَوْل وَالصّفة هى القَوْل لكَونهَا فِي مَعْنَاهُ ثمَّ بنوا على ذَلِك انْتِفَاء الصِّفَات عَن البارى تَعَالَى فِي الْأَزَل لضَرُورَة اسْتِحَالَة القَوْل بِوُجُود الواصف فِي الْقدَم وَأما مُعْتَقد أهل الْحق فالصفة هى مَا وَقع الْوَصْف مشتقا مِنْهَا وَهُوَ دَال عَلَيْهَا وَذَلِكَ مثل الْعلم وَالْقُدْرَة وَنَحْوه فَالْمَعْنى بِالصّفةِ لَيْسَ إِلَّا هَذَا الْمَعْنى وَالْمعْنَى بِالْوَصْفِ لَيْسَ

стр. 139

الا مَا هُوَ دَال على هَذَا الْمَعْنى بطرِيق الِاشْتِقَاق وَلَا يخفى مَا بَينهمَا من التغاير فِي الْحَقِيقَة والتنافر فِي الْمَاهِيّة فَالْخِلَاف إِن وَقع فَلَيْسَ إِلَّا فِي تَسْمِيَة هَذَا الْمَعْنى صفة وَحَاصِل النزاع فِي ذَلِك مِمَّا لَا مطمع فِيهِ بِالْيَقِينِ وانما هُوَ مُسْتَند إِلَى الظَّن والتخمين ويكفى فِي ذَلِك مَا نقل عَن الْعَرَب واشتهر اسْتِعْمَاله فِي أَلْسِنَة أهل الْأَدَب أَن الصّفة منقسمة إِلَى خلقية لَازِمَة وَغير خلقية ثمَّ فسروا الخلقية بِالسَّوَادِ وَالْبَيَاض وَنَحْوه وَلَوْلَا أَن ذَلِك جَائِز وَإِلَّا لما شاع وَلَا ذاع وَعدم اشتقاق اسْم مِنْهُ لمن أبدعه وخلقه لَا يدل على امْتنَاع تَسْمِيَته صفة لجَوَاز أَن يكون اشتقاق ذَلِك الِاسْم من الْوَصْف دون الصّفة ثمَّ وَلَو وَجب اشتقاق اسْم الواصف من الصّفة لكَونه خَالِقهَا لوَجَبَ اشتقاق اسْم الزانى والمؤذى والمفسد للبارى تعإلى من الزِّنَى وَالْفساد والأذى لكَونه خَالِقهَا وَهُوَ محَال وَمَا نقل عَن الْعَرَب من قَوْلهم إِن الْوَصْف وَالصّفة بِمَنْزِلَة الْوَعْد وَالْعدة وهما بِمَنْزِلَة وَاحِدَة يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي المصدرية فَإِنَّهُ يَصح أَن يُقَال وَصفته وَصفا ووصفته صفة كَمَا يُقَال وعدته وَعدا ووعدته عدَّة أَو أَنهم أَرَادوا بقَوْلهمْ أَن الْوَصْف هُوَ الصّفة للواصف الْمخبر فَإِن قِيَامه بِهِ لَا محَالة صفة لَهُ وَالْوَاجِب جعل مَا صَحَّ نَقله عَنْهُم من هَذَا الْقَبِيل على مثل هَذِه الْمعَانى أَو عينهَا جمعا بَين النقلين وَعَملا بكلا الدَّلِيلَيْنِ وَإِذا عرف أَن الصّفة غير الْوَصْف فَهَل هى نفس الْمَوْصُوف أم غَيره أم لَا هى هُوَ وَلَا هى غَيره فالذى ذهب إِلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو الْحسن وَعَامة الاصحاب أَن من الصِّفَات مَا يَصح أَن يُقَال هى عينه وَذَلِكَ كالوجود وَمِنْهَا مَا يُقَال إِنَّهَا غَيره وهى كل صفة أمكن مفارقتها

стр. 140

للموصوف بِجِهَة مَا كَمَا فِي صِفَات الفعال من كَونه خَالِقًا ورازقا وَنَحْوه وَمِنْهَا مَا لَا يُقَال إِنَّهَا عينه وَلَا غَيره وهى كل صفة امْتنع القَوْل بمفارقتها بِوَجْه مَا كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَغَيرهمَا من الصِّفَات النفسية لذات وَاجِب الْوُجُود بِنَاء على أَن معنى المتغايرين كل موجودين صحت مُفَارقَة أَحدهمَا للْآخر بِجِهَة مَا كالزمان وَالْمَكَان وَنَحْوه وَهَذَا الْكَلَام بِعَيْنِه جَار فِي تغاير الصِّفَات النفسية بَعْضهَا مَعَ بعض أَيْضا وَهَذَا مِمَّا لَا أرى حَاصله يرجع إِلَى أَمر يقينى وَلَا إِلَى معنى قطعى وَإِنَّمَا هُوَ رَاجع إِلَى أَمر اصطلاحى وَالْوَاجِب أَن يجرد النّظر إِلَى التَّحْقِيق ويكشف عَن غور مزلة الطَّرِيق فَنَقُول الْوَاجِب أَن كل ذَات قَامَت بهَا صِفَات وَاجِبَة زَائِدَة عَلَيْهَا فالذات غير الصِّفَات وَكَذَا كل وَاحِد من الصِّفَات غير الْأُخْرَى إِن اخْتلفَا بالذوات بِمَعْنى أَن حَقِيقَة كل وَاحِد وَالْمَفْهُوم مِنْهُ عِنْد انْفِرَاده غير مَفْهُوم الآخر لَا محَالة نعم إِن لم يَصح اطلاق اسْم الغيرين وَلَا القَوْل بِهِ صفة عَن ذَات الله تَعَالَى وَصِفَاته مَعَ الِاعْتِرَاف بِكَوْنِهَا مُخْتَلفَة الْحَقَائِق والذوات لعدم وُرُود السّمع بِهِ فَهُوَ جَوَاب لكنه مِمَّا لَا يقْدَح فِي الْمَطْلُوب

стр. 141

وَعند ذَلِك فَلَا بُد من التَّنْبِيه لدقيقة وَهُوَ أَنه وان كَانَت الصِّفَات غير مَا قَامَت بِهِ من الذَّات فَالْقَوْل بِأَنَّهَا غير مَدْلُول الِاسْم الْمُشْتَقّ مِنْهَا أَو مَا وضع لَهَا وللذات من غير اشتقاق وَذَلِكَ مثل صفة الْعلم بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُسَمّى الْعَالم أَو مُسَمّى الْإِلَه غير صَحِيح وَكَذَلِكَ لَا يَصح أَن يُقَال بِأَنَّهَا عينه أَيْضا فَإِنَّهَا إِدْرَاك جُزْء وَمعنى مَا قيل إِنَّهَا لَيست عينه أَو غَيره فعلى هَذَا وَإِن صَحَّ القَوْل بِأَن علم الله تَعَالَى غير مَا قارنه من الذَّات لَا يَصح أَن يُقَال إِن علم الله تَعَالَى غير مَدْلُول اسْم الله وَلَا عينه إِذْ لَيْسَ هُوَ غير مَجْمُوع الذَّات مَعَ الصِّفَات وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو قطع النّظر عَن الذَّات أَو بعض الصِّفَات لما كَانَ الباقى هُوَ مَدْلُول اسْم الْإِلَه وَلَعَلَّ هَذَا مَا أَرَادَهُ الحذاق من الْأَصْحَاب فِي أَن الصِّفَات النفسية لَا هى هُوَ وَلَا هى غَيره وَهَذَا آخر مَا أردناه ذكره من هَذَا القانون وَالله الْمُسْتَعَان

стр. 142

القانون الثَّالِث فِي وحدانية البارى تعإلى

стр. 143

رأى الفلاسفة الإلهيين وَبَيَان اسْتِحَالَة القَوْل باجتماع الإلهين لكل وَاحِد من صِفَات الإلهية مَا لصَاحبه وَقد سلك الفلاسفة طَرِيقا فِي التَّوْحِيد حَاصله يرجع إِلَى امْتنَاع وُقُوع الشّركَة فِي نوع وَاجِب الْوُجُود واستحالة وجود واجبين وَقد أَشَرنَا إِلَيْهَا فِي مبدأ قانون الصِّفَات وَإِلَى مَا يرد عَلَيْهَا من الاعتراضات فَلَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا ثَانِيًا وَأما المتكلمون فقد سلك عامتهم فِي الْإِثْبَات مسلكين ضعيفين المسلك الأول أَنهم قَالُوا لَو قَدرنَا وجود الإلهين وقدرنا أَن أَحدهمَا أَرَادَ تَحْرِيك جرم مَا والأخر أَرَادَ تسكينه فإمَّا أَن تنفذ إِرَادَة كل وَاحِد مِنْهُمَا أَو لَا تنفذ وَلَا لوَاحِد مِنْهُمَا أَو لأَحَدهمَا دون الْأُخَر فَإِن نفذت إرادتهما أفْضى ذَلِك إِلَى اجْتِمَاع الْحَرَكَة والسكون فِي شئ وَاحِد فِي حَالَة وَاحِدَة وَذَلِكَ محَال وان لم تنفذ ارادتهما أفْضى إِلَى عجز كل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِلَى أَن يكون الجرم الْوَاحِد يَخْلُو من الْحَرَكَة والسكون مَعًا وَهُوَ محَال ايضا

стр. 144

وان نفذت ارادة أَحدهمَا دون الآخر أفْضى إِلَى تعجيز احدهما وَلَو عجر أَحدهمَا لَكَانَ عَاجِزا بعجز قديم وَالْعجز لَا يكون الا عَن معجوز عَنهُ وَذَلِكَ يفضى إِلَى قدم المعجوز عَنهُ وَهُوَ مُمْتَنع لَكِن منشأ الْخبط ومحز الْغَلَط فِي هَذَا المسلك إِنَّمَا هُوَ فِي القَوْل بتصور اجْتِمَاع إرادتيهما للحركة وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يُسلمهُ الْخُصُوم وَلَا يلْزم من كَون الْحَرَكَة والسكون ممكنين وَتعلق الْإِرَادَة بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا حَالَة الِانْفِرَاد أَن تتَعَلَّق بهما حَالَة الِاجْتِمَاع ووزانه مَا لَو قَدرنَا ارادة الْحَرَكَة والسكون من أَحدهمَا مَعًا فَإِنَّهُ غير مُتَصَوّر وَلَو جَازَ تعلقهَا بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْفَردا وَلَيْسَ هَذَا إِحَالَة لما كَانَ جَائِزا فِي نَفسه فان مَا كَانَ جَائِزا هُوَ إِرَادَته مُنْفَردا والمحال إِرَادَته فِي حَال كَونه مجامعا وَبِهَذَا ينْدَفع قَول الْقَائِل إِن مَا جَازَ تعلق الارادة بِهِ حَالَة الِانْفِرَاد جَازَ تعلقهَا بِهِ حَالَة الِاجْتِمَاع إِذْ الِاجْتِمَاع لَا يصير الْجَائِز محالا وَهَذَا الْكَلَام بِعَيْنِه فِي الْإِرَادَة هُوَ أَيْضا لَازم فِي صفة الْقُدْرَة وَأما القَوْل بِأَن عجز احدهما يستدعى عَجزا قَدِيما (و) معجوزا عَنهُ فَيلْزم مثله فِي الْقُدْرَة فَإِن الْقَادِر قَادر بقدرة قديمَة فَإِن استدعى الْعَجز قدم المعجوز عَنهُ وَجب أَن تستدعى الْقُدْرَة قدم الْمَقْدُور فَإِن قيل الْقُدْرَة لَيْسَ مَعْنَاهَا غير التهيؤ والاستعداد للإيجاد والإحداث وَذَلِكَ لَا يستدعى قدم الْمَقْدُور قيل وَالْعجز لَا معنى لَهُ إِلَّا عدم الْقُدْرَة على الإحداث وَذَلِكَ أَيْضا لَا يُوجب قدم شئ مَا لَا بل أولى فَإِن وجود الْقُدْرَة إِذا لم يستدع مَقْدُورًا فعدمه بِعَدَمِ الاستدعاء أولى

стр. 145

المسلك الثانى هُوَ أَنهم قَالُوا الطَّرِيق الْموصل إِلَى معرفَة البارى تَعَالَى لَيْسَ إِلَّا وجود الحادثات لضَرُورَة افتقارها إِلَى مُرَجّح ينتهى الْأَمر عِنْده وهى لَا تدل على أَكثر من وَاحِد وَهُوَ أَيْضا مِمَّا لَا يقوى فَإِن حَاصِلَة يرجع إِلَى نفى الدَّلِيل الدَّال على وجود الِاثْنَيْنِ وَلَا بُد فِيهِ من الِاسْتِنَاد إِلَى الْبَحْث والتفتيش وَذَلِكَ غير يقينى على مَا لَا يخفى ثمَّ وَلَو قدر انْتِفَاء كل دَلِيل فَذَلِك مِمَّا لَا يكفى من رام نفى الْمَدْلُول لجَوَاز وجوده فِي نَفسه وَانْتِفَاء دَلِيله فَالصَّوَاب فِي هَذَا الْبَاب أَن يُقَال لَو قَدرنَا وجود الإلهين لم يخل اما أَن يشتركا من كل وَجه أَو يختلفا من كل وَجه أَو يشتركا من وَجه دون وَجه فَإِن كَانَ الاول فَلَا تعدد وَلَا كَثْرَة وان كَانَ الثانى فَلَا محَالة أَنَّهُمَا لم يشتركا فِي وجوب الْوُجُود وَلَا فِيمَا يجب لله من الكمالات ويستحيل عَلَيْهِ من الصِّفَات وَإِذ ذَاك فأدحهما لَا يكون إِلَهًا وَإِن كَانَ الثَّالِث فتخصيص مَا بِهِ الِاشْتِرَاك مِمَّا بِهِ الِافْتِرَاق فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا اما أَن يسْتَند اليه أَو إِلَى خَارج عَنهُ فان اسْتندَ اليه فإمَّا أَن يكون ذَلِك لَهُ بِالذَّاتِ أَو بالإرادة لَا جَائِز أَن يكون لَهُ لذاته والا لوَجَبَ الِاشْتِرَاك فِيهِ لضَرُورَة أَن الْمُقْتَضى لَهُ فيهمَا وَاحِد وَإِن كَانَ ذَلِك لَهُ بالإرادة استدعى كَونه متحققا وموجودا دون مَا خصصه وَهُوَ محَال وان كَانَ ذَلِك مُسْتَندا إِلَى خَارج لزم أَن يستندا فِي وجوبهما كل وَاحِد على صَاحبه وَهُوَ مُمْتَنع وَمَعَ كَونه مُمْتَنعا فَيلْزم أَن يكون كل مِنْهُمَا مُمكنا وجوده وَهُوَ محَال
следующие страницы →