← Акыда

Акыда · id 6364

غاية المرام في علم الكلام

سيف الدين الآمدي

Полный текст (378 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَعند ذَلِك فَلَا بُد من إِيضَاح السَّبِيل إِلَى زيف مَذَاهِب أهل التعطيل أما على رَأْي الإلهيين فَإِنَّهُ لما انحسم على من أثبت كَونه عَالما طَرِيق التَّوَصُّل إِلَيْهِ بتوقف تَخْصِيص الجائزات عَلَيْهِ كَمَا سبق وَصفه من مَذْهَبهم وَلم يُمكنهُ الاسترواح إِلَى مَا استروح إِلَيْهِ المتكلمون أهل الْحق لمناقضات تلْزمهُ انتهج فِي ذَلِك منهجا غَرِيبا وَهُوَ أَنه زعم أَن الْوُجُود من حَيْثُ إِنَّه طبيعة الْمَوْجُود غير مُمْتَنع عَلَيْهِ أَن يعلم وَيعْقل وَإِنَّمَا يعرض لَهُ أَنه لَا يعلم وَيعْقل بِسَبَب صَاد ومانع راد وَهُوَ كَونه فِي الْمَادَّة ومتعلقا بعلائق الْمَادَّة وكل وجود مُجَرّد عَن الْمَادَّة وعلائقها فَغير مُمْتَنع عَلَيْهِ أَن يعلم وَهُوَ وَإِن كَانَ مُتَوَهمًا غير سديد وَمَا قيل من أَن طبيعة الْوُجُود غير مُمْتَنع عَلَيْهَا أَن تعقل فَلَا محَالة أَن إِطْلَاق لفظ الْوُجُود على وَاجِب الْوُجُود وعَلى غَيره لَيْسَ إِلَّا بطرِيق الِاشْتِرَاك لَا بالتواطؤ وَإِلَّا كَانَ مشاركا لَهَا فِي طبيعتها وَيلْزم أَن تكون ذَات وَاجِب الْوُجُود مُمكنَة مفتقرة إِلَى مُرَجّح خَارج وَهُوَ محَال فعلى هَذَا إِن أُرِيد بِلَفْظ الْوُجُود كل مدلولاته بِحَيْثُ تكون ذَات وَاجِب الْوُجُود مندرجة فِيهِ وداخلة تَحْتَهُ فدعوى مُجَرّدَة وإدراج لمحل النزاع فِي كُلية مَا صادر على كَونه مُسلما وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الزيف فَإِنَّهُ لَو سلم أَنه غير مُمْتَنع أَن يعلم لوَجَبَ أَن يكون الْعلم لَهُ إِمَّا وَاجِبا وَإِمَّا مُمكنا والإمكان مُنْتَفٍ عَن ذَاته عِنْده مُطلقًا فبقى أَن يكون وَاجِبا وَذَلِكَ مَحل النزاع وَإِن أُرِيد بِهِ طبيعة كل مَوْجُود سوى وَاجِب الْوُجُود فَمَعَ بعده غير مُفِيد وَلَا مؤد للمقصود إِذْ الحكم على الْقَضِيَّة الْجُزْئِيَّة بِمثل مَا حكم بِهِ على الْكُلية إِنَّمَا يلْزم أَن لَو كَانَت الْجُزْئِيَّة دَاخِلَة فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِن زَالَ الْمَانِع فَغير مُفِيد لعدم القبولية والاقتضاء مَعًا ثمَّ وَمَعَ التَّقْدِير بِكَوْنِهِ عَالما فَلَا معنى للخوض فِي التَّفْصِيل

стр. 72

بَين ذَاته وباقى الذوات وَلَا بَين الكليات والجزئيات كَمَا سنبينه فَالْحق ان مبدأ النّظر فِي مبدأ أهل الْحق مستمد من التَّخْصِيص والتمييز بِصفة الأرادة وَمَعَ ثُبُوت ذَلِك فالمتميز إِمَّا أَن يكون محاطا بِهِ أَو غير محاط بِهِ لَا يجائز ان يكون غير محاط بِهِ والا لما تصور تَمْيِيزه عَن غَيره فَإِذا لَا بُد من الْإِحَاطَة بِهِ ثمَّ كَيفَ يُنكر ذَلِك وَالْعقل الصَّرِيح يقْضى بيدَيْهِ بِأَن صُدُور مَا هُوَ على غَايَة من الإحكام والاتقان عَمَّن لَا إحاطة لَهُ محَال كَيفَ وَأَنه لَو لم يكن متصفا بِالْعلمِ لَكَانَ نَاقِصا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَهُ الْعلم من مخلوقاته كَمَا سبق بَيَانه وَهُوَ محَال وَعند لُزُوم هَذَا الْعلم لَهُ إِمَّا أَن يكون معنى عدميا اَوْ لَا وجوديا وَلَا عدميا وَإِمَّا أَن يكون وَصفا وجوديا لَا جَائِز أَن يُقَال بِكَوْنِهِ عدميا إِذْ لَا فرق بَين قَوْلنَا إِنَّه لَا علم لَهُ وَبَين قَوْلنَا إِن علمه معنى عدمى كَيفَ وَأَن من فهم مَدْلُول هَذِه اللَّفْظَة لم يجد من نَفسه أَن فهمه لأمر سلبى عدمى ألبته وَلَا جَائِز أَن يُقَال بِأَنَّهُ لَا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم إِذْ هُوَ مبْنى على القَوْل بالأحوال وَقد أبطلناها وَإِذ ذَاك فَلَا بُد من أَن يكون معنى وجوديا وَهُوَ مَعَ ذَلِك قديم أزلى قَائِم بِذَات الرب تَعَالَى مُتَعَلق بِجَمِيعِ الكائنات مُتحد لَا كَثْرَة فِيهِ غير متناه

стр. 73

بِالنّظرِ إِلَى ذَاته ومتعلقاته وَبَيَان ذَلِك على نَحْو بَيَانه فِي الْإِرَادَة وَقد عرف فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته لَكِن رُبمَا أشكل وَجه اسْتِعْمَال مَا ذَكرْنَاهُ فِي بَيَان اتِّحَاد الْإِرَادَة فِي الْعلم والسبيل فِيهِ أَن يُقَال بعد إبِْطَال الِاقْتِضَاء للتخصيص بِالذَّاتِ وَتعين الِاقْتِضَاء بِالْقُدْرَةِ والارادة فَإِن شَرط هَذَا الِاقْتِضَاء تعلق الْعلم بالمقتضى كَمَا سلف وَإِذ ذَاك فإمَّا أَن يكون كل وَاحِد من اقسام الْعلم هُوَ الْمُتَعَلّق بِمَا تخصصه الْقُدْرَة والأرادة اَوْ غَيره فَإِن كَانَ هُوَ فَهُوَ انما يتم تعلقه بِغَيْرِهِ أَن لَو كَانَ متخصصا بالوجود وَذَلِكَ يفضى إِلَى الدّور كَمَا دَار فِي الْإِرَادَة وَإِن كَانَ غَيره لزم مِنْهُ التسلسل اَوْ الدّور كَمَا حققناه فِي الْإِرَادَة وَهُوَ أَيْضا مُمْتَنع وَالَّذِي يخص هَذَا الطّرف من التشكيكات وَيتَّجه عَلَيْهِ من الخيالات قَوْلهم لَو كَانَ لَهُ علم لما خرج عَن أَن يكون ضَرُورِيًّا أَو نظريا وَأَن يكون تعلقه بالمعلومات على نَحْو تعلق علومنا بهَا وَيلْزم إِذْ ذَاك الِاشْتِرَاك بَين الْعلم الْحَادِث وَالْقَدِيم فِي الْحَقِيقَة لضَرُورَة اشتراكهما فِي أخص صِفَات الْعلم الْحَادِث وَذَلِكَ فِي حق وَاجِب الْوُجُود محَال ثمَّ وَلَو قدر كَونه عَالما فَمَا الْمَانِع من أَن يكون تعلقه بِذَاتِهِ دون غَيره وَبِمَ الرَّد على من زعم ذَلِك وَقَالَ لَو علم غير ذَاته لم يخل إِمَّا أَن يكون علمه بِذَاتِهِ هُوَ علمه بِغَيْرِهِ أَو هما متغايران لَا جَائِز أَن يَكُونَا وَاحِدًا إِذْ الْعقل يقْضى بإبطاله وَلَا جَائِز أَن يَكُونَا

стр. 74

متغايرين وَإِلَّا لزم التَّعَدُّد فِي علم البارى تَعَالَى وَهُوَ محَال ثمَّ لَو قدر تعلقه بِغَيْرِهِ فَمَا الْمَانِع من أَن يكون ذَلِك مُخْتَصًّا بالكليات دون الجزئيات وَبِمَ الرَّد على من ابطل ذَلِك وَزعم أَنه لَو كَانَ علم البارى مُتَعَلقا بالجزئيات الكائنات الفاسدات لم يخل عِنْد تعلقه بهَا إِمَّا أَن يكون سَابِقًا عَلَيْهَا اَوْ حَادِثا ومتجددا بتجددها لَا جَائِز أَن يكون أوليا وَإِلَّا كَانَ ذَلِك جهلا لَا علما وَإِن كَانَ حَادِثا فَهُوَ إِمَّا أَن يكون فِي ذَاته اَوْ فِي غير ذَاته وعَلى كل تَقْدِير فَهُوَ محَال لما سبق وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يكون الْعلم بالكائنات عبارَة عَن انطباع صورها فِي النَّفس أَو عبارَة عَن إِضَافَة تحصل بَينهَا وَبَينه فَإِن كَانَ الأول لزم أَن يكون ذَات وَاجِب الْوُجُود متجزئة لانطباع المتجزئ فِيهَا كَمَا يَأْتِي وَإِن كَانَ الثَّانِي فالعلم إِذْ ذَاك إِمَّا قديم أَو حَادث لَا جَائِز ان يكون قَدِيما وَإِلَّا لوَجَبَ أَن يكون الْحَادِث الَّذِي تعلق بِهِ قَدِيما لضَرُورَة أَن الْإِضَافَة لَا تحصل إِلَّا بَين شَيْئَيْنِ وَالْقَوْل بقدم الحادثات محَال وَإِن كَانَ حَادِثا فَهُوَ محَال أَيْضا كَمَا سبق ومستند ضلال الْجَهْمِية فِي القَوْل بحدوث علم البارى تَعَالَى لَا فِي مَحل وتجدده بتجدد المعلومات وتكثره بتكثرها لَيْسَ إِلَّا هَذِه الخيالات والاعتماد على هَذِه التمويهات والكشف عَن وَجه الْحق فِيهَا مُتَوَقف على الِانْفِصَال عَنْهَا فَنَقُول قد قدمنَا أَنه لَا بُد أَن يكون لَهُ علم وَمَا قيل من إِنَّه اما ان يكون بديهيا أَو نظريا فَإِنَّمَا ينفع أَن لَو تبين قبُوله لهَذَا الانقسام وَإِلَّا فَلَا وَمُجَرَّد الْقيَاس على الشَّاهِد فِي ذَلِك مِمَّا لَا يُفِيد كَمَا أسلفناه ثمَّ إِن البديهي لَا معنى لَهُ إِلَّا مَا حصل من غير نظر وَلَا دَلِيل وَلَا تصح مُفَارقَته أصلا وَهَذَا بِعَيْنِه مَا ثَبت للرب تَعَالَى وَإِن لم يَصح إِطْلَاق اسْم البديهة عَلَيْهِ من جِهَة الشَّرْع لعدم وُرُوده بِهِ فالمنازعة إِذا لَيست الا فِي إِطْلَاق اللَّفْظ لَا نفس الْمَعْنى وَلَا حَاصِل لَهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يعْنى بالبديهية غير مَا ذَكرْنَاهُ

стр. 75

والاشتراك بَين الْعلم الْقَدِيم والحادث إِنَّمَا يلْزم أَن لَو اشْتَركَا فِيمَا هُوَ أخص صفة لكل وَاحِد مِنْهُمَا أَو لأَحَدهمَا وَلَيْسَ كَذَلِك بل صفة الْعلم الربانى وجوب تعلقه بِسَائِر المعلومات من غير تَأَخّر على وَجه التَّفْصِيل وأخص وصف الْعلم الْحَادِث جَوَاز تعلقه بالمعلومات لَا نفس وُقُوع التَّعَلُّق وَلَا يخفى إِذْ ذَاك انْتِفَاء الِاشْتِرَاك بَينهمَا ثمَّ إِن ذَلِك لَازم على المعتزلى فِي العالمية أَيْضا إِذْ نِسْبَة العالمية إِلَى العلمية على نَحْو نِسْبَة الْعلم إِلَى العلمية وَمَا قيل من أَنه لَو تعلق علمه بِذَاتِهِ وَبِغير ذَاته لاتحدا أَو تغايرا وهما محالان ففاسد إِذْ لَا مَانع من أَن يكون الْعلم فِي نَفسه وَاحِدًا ومتعلقاته مُخْتَلفَة ومتغايرة وَهُوَ مُتَعَلق بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على نَحْو تعلق الشَّمْس بِمَا قابلها واستضاء بهَا بل وعَلى نَحْو مَا يَقُوله الْخصم فِي الْعقل الفعال لنفوسنا فَإِنَّهُ مُتحد وَإِن كَانَت متعلقاته متكثرة ومتغايرة وَمَا اعْتمد عَلَيْهِ فِي إختصاص التَّعَلُّق بالكليات دون الجزئيات فَبَاطِل أَيْضا فَإِن تعلق الْعلم بالكائنات مِمَّا لَا يُوجب تجدّد الْعلم وَلَا الْجَهْل من سبقه إِذْ السَّابِق هُوَ الْعلم بِأَن سَيكون وَالْعلم بِأَن سَيكون الشئ هُوَ نفس الْعلم بِكَوْنِهِ فِي وَقت الْكَوْن من غير تجدّد وَلَا كَثْرَة وَإِنَّمَا المتجدد هُوَ نفس الْمُتَعَلّق والتعلق بِهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجب تجدّد

стр. 76

الْمُتَعَلّق بعد سبق الْعلم بِوُقُوعِهِ فِي وَقت الْوُقُوع وَفرض استمراره إِلَى ذَلِك الْوَقْت فَإنَّا لَو رفعنَا كل علم حَادث من النَّفس لم يكن فِي حَال حُدُوثه غير مَعْلُوم وَإِلَّا كَانَ الْعلم بِأَن سَيكون فِي وَقت كَونه مَعَ القَوْل بِفَرْض استمراره جهلا وَهُوَ محَال وَلِهَذَا إِن من علم بِالْجَزْمِ بِأَن سيقوم زيد مثلا فِي الْوَقْت الفلانى فَإِنَّهُ لَا يجد نَفسه محتاجة إِلَى علم متجدد بِوُقُوعِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت اذا انْتهى اليه وفرضنا بَقَاء علمه السَّابِق الى ذَلِك الْوَقْت وَمَا يجده الْإِنْسَان من نَفسه من التَّفْرِقَة بَين قبل الْكَوْن وَبعده فَإِنَّمَا هُوَ عَائِد إِلَى إدراكات حسية وَأُمُور خارجية عَن الْعلم لم تكن قبل الْكَوْن أما فِي نفس الْعلم فَلَا بل غَايَة مَا يقدر ان تعلق الْعلم بِهِ عِنْد الْكَوْن لم يكن متحققا قبل الْكَوْن وَغَايَة مَا يلْزم ذَلِك انْتِفَاء تعلق الْعلم بِوُجُودِهِ فِي حَال عَدمه وتجدد التَّعَلُّق بِهِ فِي حَال الْوُجُود وَذَلِكَ مِمَّا لَا يلْزمه القَوْل بِحَدَث صفة الْعلم بل الْعلم قد يكون قَدِيما وَإِن كَانَ مَا لَهُ من التعلقات والمتعلقات متجدده ومتغيرة بِنَاء على تجدّد شُرُوط التَّعَلُّق وتغيرها كَيفَ وَأَن هَذَا مِمَّا لَا يتَّجه من الْخصم سَوَاء كَانَ نافيا كالمعتزلى والفلسفى أَو مثبتا لَهُ حَادِثا كالجهمى وَذَلِكَ لِأَن سبق الْعلم بِوُجُود الشئ فِي حَالَة عَدمه إِن كَانَ جه والجهلا قَبِيح فَلَا محَالة ان القَوْل بِانْتِفَاء الْعلم بِهِ أَيْضا جهل وَيلْزم أَن يكون قبيحا وَلَيْسَ انْتِفَاء الْعلم أصلا ورأسا كَمَا ظَنّه النفاة أَو انْتِفَاء قدمه كَمَا ظَنّه الجهمى لضَرُورَة دفع مَا يتَحَصَّل من تحقق الْجَهْل بِأولى من إثْبَاته وَالْقَوْل بقدمه دفعا لما يلْزم من الْجَهْل وَلَا محيص عَنهُ وَمَا يخص الْمُعْتَزلَة من النفاة لُزُوم مَا ألزموه عَلَيْهِم فِي العالمية حَيْثُ قضوا بِكَوْن البارى تَعَالَى عَالما فِي الْقدَم وَعند ذَلِك فإمَّا ان يكون عَالما بِوُجُود الْحَادِث قبل حُدُوثه أَو تَجَدَّدَتْ لَهُ العالمية بتجدد الْحَادِث وعَلى كل تَقْدِير فَمَا هُوَ جَوَاب لَهُم فِي حكم الْعلم هُوَ جَوَاب لنا فِي نفس الْعلم

стр. 77

وَمَا يخص الْجَهْمِية هُوَ أَن يُقَال وَلَو كَانَت الْعُلُوم الربانية حادثه فَتلك الْعُلُوم إِمَّا أَن تفْتَقر إِلَى عُلُوم تتَعَلَّق بهَا فِي حَال حدوثها اَوْ لَا تفْتَقر لَا جَائِز ان يُقَال بِالْأولِ وَإِلَّا أفْضى إِلَى التسلسل وَهُوَ محَال وَلَا جَائِز أَن يُقَال بالثانى إِذْ لَو استغنت عَن تعلق الْعلم بهَا مَعَ كَونهَا حَادِثا لَكَانَ كل حَادث هَكَذَا كَيفَ وَأَن عِنْد الْخصم ان الْعلم الْحَادِث سَابق على الْمَعْلُوم بشئ يسير وكل علم سَابق كَانَ السَّبق متناهيا أَو غير متناه فَإِنَّهُ علم مَا سَيكون لَا علم بالكون إِذْ الْعلم بالكون قبل وقته يمْتَنع وَعند هَذَا فَلَا فرق بَين ان يكون حَادِثا اَوْ قَدِيما فِيمَا يرجع إِلَى نفس مَا أوردوه من الْإِلْزَام وَلَيْسَ تعلق الْعلم بالعلوم عبارَة عَن انطباع صُورَة الْمَعْلُوم وشكله فِي نفس الْعَالم بِهِ وَإِلَّا لما تصور القَوْل بتعلق السوَاد وَالْبَيَاض مَعًا لما فِيهِ من القَوْل باجتماع الضدين فِي مَحل وَاحِد وَلَيْسَ الاستحالة فِي اجتماعها منوطة بِالْحَدَثِ والوجود العينى فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا يُوجب التضاد لكَونه قَضِيَّة وَاحِدَة لَا اخْتِلَاف فِيهَا فَإِذا لَيْسَ التضاد إِلَّا لما أمكن تعلقه من معنى السوَاد وَالْبَيَاض وَمَا يلْتَحق بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا مِمَّا يكون بِهِ الِاشْتِرَاك بَينهمَا فِي حَالَة الْوُجُود العينى كَيفَ وَأَنه لَو كَانَ التَّعَلُّق هُوَ الانطباع لما تصور أَيْضا أَن يتَعَلَّق الْعلم بِمَا يزِيد فِي الْكمّ على مَحل الانطباع ثمَّ إِن ذَلِك إِنَّمَا يسْتَند إِلَى أصل فلسفى وَهُوَ مُنَاقض لأصله فِي ذَلِك من جِهَة قَضَائِهِ بِإِدْرَاك الْقُوَّة الوهمية بِآلَة جرمانية لما لَا تجزى لَهُ فِي نَفسه وَلَيْسَ بمادى وَذَلِكَ على نَحْو إِدْرَاك الشَّاة للمعنى

стр. 78

الْمُوجب لنفرتها عَن الذِّئْب فَلَو كَانَ التَّعَلُّق هُوَ نفس الانطباع فَكَمَا يَسْتَحِيل انطباع المتجزى فِيمَا لَا تجزى لَهُ فَكَذَا يَسْتَحِيل انطباع غير المتجزى فِي المتجزي فَلَيْسَ التَّعَلُّق إِذا إِلَّا عبارَة عَن معنى إضافى يحصل بَين الْعلم والمعلوم وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَدْعِي كَون الْمَعْلُوم معنى وجوديا وَلَا أمرا حَقِيقِيًّا وَإِلَّا لما جَازَ تعلق الْعلم باستحالة اجْتِمَاع الضدين وبانتفاء كَون الْجِسْم الْوَاحِد فِي آن وَاحِد فِي مكانين وَلَا بِانْتِفَاء الشَّرِيك لواجب الْوُجُود على مَا لَا يخفى ثمَّ إِن ذَلِك مِمَّا يلْزم الْخُصُوم من الْمُعْتَزلَة فِي اعْتِقَادهم قدم العالمية كَمَا سلف وَالله ولى التَّوْفِيق

стр. 79

الطّرف الثَّالِث فِي اثبات صفة الْقُدْرَة وَيجب أَن يكون البارى تَعَالَى قَادِرًا بقدرة لضَرُورَة مَا أسلفناه من الْبَيَان واوضحنا من الْبُرْهَان فِي مَسْأَلَة الْعلم والإرادة وَيجب أَن تكون صفة وجودية قديمَة أزلية قَائِمَة بِذَات الرب تعإلى متحدة لَا كَثْرَة فِيهَا مُتَعَلقَة بِجَمِيعِ المقدورات غير متناهية بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتهَا وَلَا بِالنّظرِ إِلَى متعلقاتها لما حققناه وَلَيْسَت الْقُدْرَة عبارَة عَمَّا يلازمه الإيجاد بل مَا يَتَأَتَّى بِهِ الإيجاد على تَقْدِير تهيئه من غير اسْتِحَالَة ذَلِك على نَحْو مَا فِي التَّمْيِيز والتخصيص بالإرادة وَبِه يتَبَيَّن فَسَاد قَول من ألزم الإيجاد بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَة على من نفى الإيجاد بِالذَّاتِ حَيْثُ ظن أَن الْقُدْرَة الْقَدِيمَة يلازمها الإيجاد لَا مَا يَتَأَتَّى بهَا الإيجاد وَإِن لم يلازمها فَإِن قيل كَيفَ تدعون أَن كل مُمكن مَقْدُور لله تَعَالَى وَأكْثر أَفعَال الْحَيَوَانَات بأسرها مقدورة لَهَا كَمَا سيأتى وَإِذ ذَاك فَلَو كَانَت مقدورة لله تَعَالَى للَزِمَ أَن يكون مَقْدُور بَين قَادِرين وَذَلِكَ مُمْتَنع كَمَا يأتى أَيْضا وَأَيْضًا فَإِن أَكثر الموجودات مُتَوَلّدَة بَعْضهَا عَن بعض وَهَكَذَا مَا نشاهده من تولد حَرَكَة الْخَاتم ضد حَرَكَة الْيَد وَكَذَا فِي حَرَكَة كل متحرك بحركة مَا هُوَ قَائِم بِهِ وملازم لَهُ فَإِنَّهُ لَا يُمكن أَن يُقَال إِن حَرَكَة الْخَاتم مخلوقة لله تَعَالَى وَإِنَّهَا غير تَابِعَة لحركة الْيَد وَإِلَّا لجَاز أَن يخلق حَرَكَة أَحدهمَا مَعَ سُكُون الْأُخْرَى وَهُوَ لَا محَالة مُمْتَنع

стр. 80

وَالْجَوَاب أما مَا ذَكرُوهُ من الشُّبْهَة الاولى فسيأتى الْجَواب عَنْهَا فِي مَسْأَلَة خلق الْأَفْعَال إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما مَا ذَكرُوهُ من الشُّبْهَة الثَّانِيَة فَإِنَّهُم إِن أَرَادوا بالتولد هَهُنَا أَن الْحَرَكَة الَّتِي للخاتم كامنة فِي حَرَكَة الْيَد وَهِي تظهر عِنْد حَرَكَة الْيَد مِنْهَا كَمَا يظْهر الْجَنِين فِي بطن أمه وكما فِي كل مَا يتوالد فَهُوَ الفهوم من لفظ التوالد لكنه هَا هُنَا غير مشَاهد كَمَا ادعوهُ وَلَا مُتَصَوّر أَيْضا بل الشَّاهِد المتصور لَيْسَ إِلَّا لُزُوم حَرَكَة الْخَاتم لحركة الْيَد فَإِن أُرِيد بالتولد هَذَا فَلَا مشاحة فِي التَّسْمِيَة وَإِن كَانَت بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاصْطِلَاح الوضعى خطأ لكنه مَعَ ذَلِك مِمَّا لَا يلْزم أَن يكون وجوده عَن وجود حَرَكَة الْيَد بل من الْجَائِز أَن يكون موجودان احدهما يلازم الآخر إِمَّا عَادَة كملازمة التسخين للنار والتبريد للْمَاء والأفيون وَإِمَّا اشتراطا كملازمة الْعلم للإرادة والحياة للْعلم وَلَيْسَ وَلَا احدهما مستفادا من الآخر بل كِلَاهُمَا مخلوقان لله تَعَالَى وَبِهَذَا ينْدَفع مَا ذَكرُوهُ من أَنه لَو كَانَ اللَّازِم مخلوقا لله تَعَالَى لجَاز خلق أَحدهمَا مَعَ سُكُون الآخر كَيفَ وَأَنه كَمَا تتَوَقَّف حَرَكَة الْخَاتم على حَرَكَة الْيَد تتَوَقَّف حَرَكَة الْيَد على حَرَكَة الْخَاتم حَتَّى إِنَّه لَو فرض عدم انْتِقَال الْخَاتم عَن مَكَانَهُ كَانَ القَوْل بحركة الْيَد مستحيلا فعلى هَذَا لَيْسَ جعل حَرَكَة الْيَد عِلّة لحركة الْخَاتم لتوقفها عَلَيْهَا بِأولى من الْعَكْس بل الْوَاجِب أَنهم معلولان لعِلَّة وَاحِدَة وَإِن قدر تلازمهما فِي الْوُجُود وَعند هَذَا فَلَا بُد من الْإِشَارَة إِلَى دقيقة وَهِي أَن مَا علمه الله تَعَالَى

стр. 81

أَنه لَا يكون مِنْهُ مَا هُوَ مُمْتَنع الْكَوْن لنَفسِهِ وَذَلِكَ كاجتماع الضدين وَكَون الشئ الْوَاحِد فِي آن وَاحِد فِي مكانين وَنَحْوه وَمِنْه مَا هُوَ مُمْتَنع الْكَوْن لَا بِاعْتِبَار ذَاته بل بِاعْتِبَار أَمر خَارج وَذَلِكَ مثل وجود عَالم آخر وَرَاء هَذَا الْعَالم أَو قبله فَمَا كَانَ من الْقسم الأول فَهُوَ لَا محَالة غير مَقْدُور من غير خلاف وَمَا كَانَ من الْقسم الثانى وَهُوَ أَن يكون مُمْتَنعا لَا بِاعْتِبَار ذَاته بل بِاعْتِبَار تعلق الْعلم بِأَنَّهُ لَا يُوجد أَو غير ذَلِك فَهُوَ لَا محَالة مُمكن بِاعْتِبَار ذَاته كَمَا سلف والممكن من حَيْثُ هُوَ مُمكن لَا ينبو عَن تعلق الْقُدْرَة بِهِ وَالْقُدْرَة من حَيْثُ هِيَ قدرَة لَا يَسْتَحِيل تعلقهَا بِمَا هُوَ فِي ذَاته مُمكن إِذا قطع النّظر عَن غَيره إِذْ الْمُمكن من حَيْثُ هُوَ مُمكن لَا ينبو عَن تعلق الْقُدْرَة بِهِ وَالْقُدْرَة من حَيْثُ هى قدرَة لَا تتقاصر عَن التَّعَلُّق بِهِ لقُصُور فِيهَا وَلَا ضعف فعلى هَذَا الْمُمكن صَالح أَن تتَعَلَّق بِهِ الْقُدْرَة من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك وَلَا معنى لكَونه مَقْدُورًا غير هَذَا وَإِطْلَاق اسْم الْمَقْدُور عَلَيْهِ بِالنّظرِ إِلَى الْعرف وَإِلَى الْوَضع بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى غير مستبعد وَإِن كَانَ وجوده مُمْتَنعا بِاعْتِبَار غَيره وَأما إِن أُرِيد بِهِ أَنه غير مَقْدُور بِمَعْنى أَنه يلْزم مِنْهُ الْمحَال بِاعْتِبَار أَمر خَارج أَو أَنه لم تتَعَلَّق بِهِ الْقُدْرَة بِمَعْنى أَنَّهَا لم تخصصه بالوجود بِالْفِعْلِ فَهُوَ وَإِن كَانَ مُخَالفا للاطلاق فَلَا مشاحة فِيهِ إِذْ الْمُنَازعَة فِيهِ لَا تكون إِلَّا فِي إِطْلَاق اللَّفْظ لَا فِي نفس الْمَعْنى وَالله ولى التَّوْفِيق

стр. 82

الطّرف الرَّابِع فِي اثبات صفة الْكَلَام ذهب أهل الْحق من الإسلاميين إِلَى كَون البارى تَعَالَى متكلما بِكَلَام قديم ازلى نفسانى احدى الذَّات لَيْسَ بحروف وَلَا اصوات وَهُوَ مَعَ ذَلِك يَنْقَسِم بانقسام المتعلقات مُغَاير للْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة وَغير ذَلِك من الصِّفَات وَأما أهل الْأَهْوَاء المختلفون فَمنهمْ نافون للصفة الكلامية وَمِنْهُم مثبتون ثمَّ المثبتون مِنْهُم من زعم ان كَلَام الرب تَعَالَى عَن قَول الزائغين مركب من الْحُرُوف والأصوات مجانس للأقوال الدَّالَّة والعبارات كالمعتزلة والخوارج والإمامية وَغَيرهم من طوائف الحشوية ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَذهب الحشوية إِلَى أَنه قديم أزلى قَائِم بِذَات الرب تَعَالَى وَذهب النافون إِلَى انه حَادث مَوْجُود بعد الْعَدَم قَائِم لَا فِي مَحل لَكِن مِنْهُم من لم يجوز إِطْلَاق اسْم الْحَدث عَلَيْهِ مَعَ كَونه يقطع بحدثه وَمِنْهُم من لم يتحاش عَن ذَلِك

стр. 83

وَمن المثتبين من زعم أَن الْكَلَام قد يُطلق على الْقُدْرَة على التَّكَلُّم وَقد يُطلق على الْأَقْوَال والعبارات وعَلى كلا الاعتبارين فَهُوَ قَائِم بِذَات الرب تَعَالَى لَكِن إِن كَانَ بِالِاعْتِبَارِ الأول فَهُوَ قديم مُتحد لَا كَثْرَة فِيهِ وَإِن كَانَ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي حَادِثا متكثرا هَؤُلَاءِ هم الكرامية وَمِنْه تَابعهمْ من اهل الضلال وَنحن الْآن نبتدئ بِذكر طرق عول عَلَيْهَا الْعَامَّة من الْمُتَكَلِّمين فِي إِثْبَات الْكَلَام وننبه على مَوَاضِع الزلل فِيهَا ثمَّ نوضح بعد ذَلِك الاجود من الْجَانِبَيْنِ ونكشف عَن مُسْتَند الطَّائِفَتَيْنِ إِن شَاءَ الله فَمن جملَة مَا اعْتمد عَلَيْهِ أَن قَالُوا الْعقل الصَّرِيح يقْضى بتجويز تردد الْخلق بَين الْأَمر والنهى ووقوعهم تَحت التَّكْلِيف فَمَا وَقع فِيهِ التَّرَدُّد إِمَّا قديم أَو حَادث فَإِن كَانَ قَدِيما فَهُوَ الْمَطْلُوب وَإِن كَانَ حَادِثا فَكل صفة حَادِثَة لابد أَن تكون مستندة إِلَى صفة قديمَة للرب تَعَالَى قطعا للتسلسل وَإِذا كَانَ ذَلِك وَجب أَن يسْتَند تكليفهم إِلَى أَمر وَنهى هُوَ صفة قديمَة للرب تَعَالَى وَهَذَا مَا لَا يَصح التعويل عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنه إِمَّا أَن يدعى أَن الْخلق جَائِز تكليفهم وترددهم بَين الامر والنهى من الْخَالِق أَو من الْمَخْلُوق فَإِن كَانَ الأول فَهُوَ عين المصادرة على الْمَطْلُوب وَإِن كَانَ الثَّانِي فَغير مُفِيد وَلَا مجد للمقصود وَلَا يلْزم من كَون مَا وَقع بِهِ التَّكْلِيف من الاوامر والنواهى جَائِزا أَن يسْتَند إِلَى صفة قديمَة أَن تكون أمرا ونهيا حَتَّى لَا يكون أَمر حَادث إِلَّا عَن أَمر وَلَا نهى إِلَّا عَن نهى فَإِن افتقار الْجَائِز فِي الْوُجُود لَا يدل إِلَّا على مَا يجب الِانْتِهَاء إِلَيْهِ وَالْوُقُوف عَلَيْهِ وَلَا دلَالَة لَهُ على كَونه أمرا أَو نهيا وَمن رام إِثْبَات ذَلِك فقد كلف نَفسه شططا

стр. 84

ثمَّ لَو وَجب ذَلِك لَكَانَ البارى تعإلى مصنفا بِمثل كل مَا وجد فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد من الكائنات وَذَلِكَ محَال وَلِهَذَا انتهج بعض الْأَصْحَاب فِي الْإِثْبَات طَرِيقا اخر فَقَالَ قد ثَبت كَون البارى تَعَالَى عَالما وَمن علم شَيْئا يَسْتَحِيل أَن لَا يخبر عَنهُ بل الْعلم وَالْخَبَر متلازمان فَلَا علم إِلَّا بِخَبَر وَلَا خبر إِلَّا بِعلم وَهُوَ من النمط الأول فِي الْفساد فَإِنَّهُ إِن ادّعى ذَلِك بطرِيق الْعُمُوم والشمول فِي حق الْخَالِق والمخلوق فَهُوَ نَفسه مصادرة على الْمَطْلُوب وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الركاكة والفهاهة وَإِن ادّعى ذَلِك فِي حق الْمَخْلُوق فَقَط فَإِنَّهُ وَإِن سلم مَعَ إِمْكَان النزاع فِيهِ فَلَيْسَ بِحجَّة فِي حق الْغَائِب على مَا سلف ولربما وَقع الِاعْتِمَاد هَهُنَا ايضا على الطَّرِيق الْمَشْهُور وَهُوَ أَن البارى تَعَالَى حَيّ فَلَو لم يكن متصفا بالْكلَام لَكَانَ متصفا بضده وَهُوَ الخرس وَذَلِكَ فِي البارى تَعَالَى نقص وَقد نبهنا على مَا فِيهِ من الْخلَل وأشرنا إِلَى مَا يتضمنه من الزلل فِيمَا سلف فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته وَلما تخيل بعض الْأَصْحَاب مَا فِي طى هَذِه المسالك من الزيف واستبان مَا فِي ضمنهَا من الحيف جعل مُسْتَنده فِي ذَلِك جملا من الْأَحَادِيث الْوَارِدَة من السّنة وأقاويل الْأمة وهى مَعَ تقاصرها عَن ذرْوَة الْيَقِين وانحطاطها إِلَى دَرَجَة الظَّن والتخمين من جِهَة الْمَتْن

стр. 85

والسند فالأحتجاع بهَا إِنَّمَا هُوَ فرع إِثْبَات الْكَلَام إِذْ مُسْتَند قَول الْأمة لَيْسَ إِلَّا قَول الرَّسُول وَالرَّسُول لَا معنى لَهُ إِلَّا الْمبلغ لكَلَام الْمُرْسل فَإِذا لم يكن للمرسل كَلَام لم يكن من ورد الامر والنهى على لِسَانه رَسُولا بل هُوَ الْآمِر والناهى وَسَوَاء كَانَ ذَلِك مخلوقا لَهُ اَوْ لغيره على اخْتِلَاف الْمذَاهب وَلَا يكون ذَلِك حجَّة وَصَارَ كَمَا فِي الْوَاحِد إِذا أَمر غَيره أَو نَهَاهُ فَإِذا حَاصِل الأستدلال على ثُبُوت الْكَلَام يرجع إِلَى مَا الِاحْتِجَاج بِهِ فرع ثُبُوت الْكَلَام وَهُوَ دور مُمْتَنع وَلَا حَاصِل لَهُ عِنْد منكرى النبوات وجاحدى الرسالات فَإِذا مَا هُوَ أقرب إِلَى الصَّوَاب فِي هَذَا الْبَاب إِنَّمَا هُوَ الِاعْتِمَاد على مَا وَقع عَلَيْهِ الِاعْتِمَاد أَولا من إِثْبَات الصِّفَات السَّابِقَة ثمَّ كَيفَ لَا يكون لَهُ كَلَام وَبِه يتَحَقَّق معنى الطَّاعَة والعبودية لله تَعَالَى فَإِن من لَا أَمر لَهُ وَلَا نهى لَهُ لَا يُوصف بِكَوْنِهِ مُطَاعًا وَلَا حَاكما وَبِه أَيْضا يتَحَقَّق معنى التَّبْلِيغ والرسالة فَإِنَّهُ لَا معنى للرسول إِلَّا الْمبلغ لكَلَام الْغَيْر فَلَو لم يكن لله تَعَالَى كَلَام وَرَاء كَلَام الرَّسُول الْمَخْلُوق فِيهِ إِمَّا لَهُ عِنْدهم أَو لله تَعَالَى على أصلنَا لما صَحَّ أَن يُقَال إِنَّه مبلغ وَلَا رَسُول ولكان كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ أَنى رَسُول الله رب الْعَالمين فِيمَا امرت بِهِ ونهيت وَذَلِكَ كالواحد منا إِذا امْر غَيره أَو نَهَاهُ وَلم يكن مبلغا عَن الْغَيْر فَإِنَّهُ لَا يُسمى رَسُولا وَذَلِكَ لَازم فِي حق الْمُعْتَرف بالنبوات الْمُصدق بالرسالات لَا محَالة وَإِذا تحقق مَا ذَكرْنَاهُ فَلَا بُد من الْإِشَارَة إِلَى الْكَشْف عَمَّا يخْتَص بِهَذَا الطّرف من شبه الجاحدين ومعتمد المعطلين أما الفلاسفة فَإِنَّهُم قَالُوا مَا ذكرتموه من الطَّرِيقَة فِي إِثْبَات الْكَلَام فَإِنَّهُ مُتَوَقف

стр. 86

على التَّصْدِيق بكبراها وَبِمَ الرَّد على منكرها والجاحد لصدقها فِي نَفسهَا وَالَّذِي يدل على كذبهَا فِي نَفسهَا أَنه لَو كَانَ لله كَلَام لم يخل إِمَّا أَن يكون من جنس كَلَام الْبشر أَو لَيْسَ فَإِن كَانَ من جنس كَلَام الْبشر فَهُوَ محَال وَإِلَّا لزم أَن يكون مشاركا لكَلَام الْبشر فِي جِهَة الْإِمْكَان والعرضية وَيلْزم أَن يكوى البارى تَعَالَى محلا للأعراض وَهُوَ معتذر ثمَّ ان كَانَ من جنس كَلَام الْبشر فَأَما ان يكون من جنس كَلَام اللِّسَان أَو مِمَّا فِي النَّفس فَإِن كَانَ من جنس كَلَام اللِّسَان فإمَّا أَن يكون بحروف وأصوات أَولا بحروف وَلَا أصوات اَوْ صَوت بِلَا حرف اَوْ حرف بِلَا صَوت لَا جَائِز أَن يُقَال بِالْأولِ إِذْ الصَّوْت لَا يكون إِلَّا عَن اصطكاكات أجرام والحروف هِيَ عبارَة عَن تقطيع الْأَصْوَات وَذَلِكَ يستدعى أَن يكون البارى جرما وَهُوَ مُمْتَنع وَلَا جَائِز أَن يُقَال بالثانى وَإِلَّا فَهُوَ خَارج عَن جنس اللِّسَان فَإِن كَلَام اللِّسَان عبارَة عَن الْأَصْوَات مقطعَة دَالَّة بِالْوَضْعِ على غَرَض مَطْلُوب وعَلى هَذَا يمْتَنع تَفْسِيره بالثالث وَالرَّابِع أَيْضا ثمَّ كَيفَ يكون الْكَلَام حروفا بِلَا أصوات وَلَيْسَت الْحُرُوف إِلَّا عبارَة عَن تقطيع الْأَصْوَات أَو كَيفَ يكون الصَّوْت كلَاما من غير حرف وَكَيف يَقع الِافْتِرَاق بَينه وَبَين هبوب الرِّيَاح ودوى الرعود ونقرات الطبول وَنَحْوه هَذَا إِن قيل إِنَّه من جنس كَلَام اللِّسَان وَإِن قيل إِنَّه من جنس مَا فِي النَّفس فَذَلِك لَا يُسمى كلَاما وَلَو سمى كلَاما فالمعقول من كَلَام النَّفس لَيْسَ خَارِجا عَن الْقُدْرَة والإرادة والتمييز الْحَاصِل للنَّفس الحيوانية والحواس الباطنية وَذَلِكَ كَمَا تتصوره الْقُوَّة الخيالية من شكل الْفرس عَن شكل الْحمار وَنَحْوه وَمَا تتصوره الْقُوَّة الوهمية

стр. 87

للشاة من الْمَعْنى الَّذِي يُوجب نفرتها عَن الذِّئْب وَنَحْوه أَو للتمييز الْحَاصِل للنَّفس والناطقة الإنسانية بِالْقُوَّةِ النظرية الَّتِى بهَا إِدْرَاك الْأُمُور الْكُلية بالفكرة والروية وَذَلِكَ كتصورنا معنى الْإِنْسَان من حَيْثُ هُوَ إِنْسَان وكحكمنا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَيَوَان وَنَحْوه فَإِن إريد بِهِ الْقُدْرَة أَو الأرادة فَذَلِك غير مباين لما أثبتموه أَولا وَإِن إريد التَّمْيِيز والتصور الْحَاصِل للنَّفس الحيوانية أَو النَّفس الإنسانية فَذَلِك أَيْضا غير خَارج عَن قبيل الْعُلُوم كَيفَ وَأَنه مُتَعَذر أَن يُرَاد بِهِ التَّمْيِيز الْحَاصِل بالحواس الباطنية فَإِن إِدْرَاكهَا لذَلِك لَا يكون صَادِقا إِلَّا بِأَن تنطبع أَولا الصُّورَة المحسوسة الخارجية فِي إِحْدَى الْحَواس الظَّاهِرَة الْخَمْسَة ثمَّ بتوسطها تنطبع فِي الْحس الْمُشْتَرك وَهِي الْقُوَّة الْمرتبَة فِي مقدم التجويف الأول من الدِّمَاغ على نَحْو انطباع الصُّور فِي الأجرام الصقيلة الْمُقَابلَة ثمَّ بتوسطها فِي المصورة ثمَّ فِي المفكرة ثمَّ فِي الوهمية ثمَّ فِي الحافظة وَبَعض هَذِه القوى وَإِن لم يفْتَقر فِي الانطباع إِلَى حُضُور الْمَادَّة كَمَا فِي المصورة والمفكرة والوهمية والحافظة فهى بأسرها لَا تنفك عَن الانطباع عَن علائق الْمَادَّة وَأَن إِدْرَاكهَا لَا يكون إِلَّا بانطباع الأشكال والصور الْجُزْئِيَّة الْقَابِلَة للتجزى وانطباع مَا يقبل التجزى لَا يكون إِلَّا فِيمَا هُوَ قَابل للتجزى والبارئ يَسْتَحِيل أَن يكون متجزئا وَأما إِن أُرِيد بِهِ غير هَذَا فَهُوَ تَفْسِير لَهُ بِمَا لَيْسَ بمعقول وَإِن قيل إِنَّه لَيْسَ من جنس كَلَام الْبشر فَهُوَ أَيْضا غير مَعْقُول وَمَا لَيْسَ بمعقول كَيفَ نسلم كَونه كمالا للرب تَعَالَى وَأَن عَدمه نُقْصَان وقولكم إِنَّه لَو لم يكن لَهُ أَمر وَلَا نهى لما تحقق معنى الطَّاعَة لله تَعَالَى وَلما صحت الرسَالَة فَلَيْسَ كَذَلِك بل صِحَة ذَلِك تستند إِلَى التسخير على وَجه الطواعية والإذعان

стр. 88

على وفْق الْإِرَادَة وَالِاخْتِيَار فَإِن تسخيره للمخلوقات وإبداعه للكائنات بِلَا آلَات وَلَا أدوات وتقليب الْخَلَائق بَين اطوار المرغبات والمنفرات على وَجه الطواعية حَالَة تنزل منزلَة القَوْل بِالْأَمر والنهى حَتَّى لَو عبر عَن تِلْكَ الْحَالة بالْقَوْل كَانَ ذَلِك أمرا ونهيا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ وَلَيْسَ ذَلِك عبارَة إِلَّا عَن الانقياد والاستسخار إِذْ يتَعَذَّر أَن يكون ذَلِك خطابا فِي حق السَّمَاء أَو قولا لَهَا وَلذَلِك قد يشْتَد صفاء بعض النَّاس بِحَيْثُ يقرب اتصالها بالعقول الكروبية والنفوس الروحانية بِحَيْثُ يطلع على الْأَشْيَاء الغيبية من غير وَاسِطَة وَلَا تعلم يسمع من الْأَصْوَات وَيرى من الصُّور مَا لَا يرَاهُ من لَيْسَ من اهل مَنْزِلَته من الْبشر على مَا يرَاهُ النَّائِم فِي مَنَامه فَتكون حَالَته إِذْ ذَاك نازلة منزلَة مَا لَو أوحى إِلَيْهِ بِأَن الْأَمر الفلانى كَذَا وَكَذَا وَلَا مشاحة فِي الإطلاقات بعد انكشاف غور الْمَعْنى واما الْمُعْتَزلَة فانهم لم يخالفوا فِي كَون البارى تَعَالَى متكلما وَفِي أَن لَهُ كلَاما وَلَكنهُمْ قَالُوا معنى كَونه متكلما وَأَن لَهُ كلَاما أَنه فَاعل للْكَلَام وَذَلِكَ صفة فعلية لَا صفة نفسية ثمَّ كَيفَ يكون متكلما بِمَعْنى قيام الْكَلَام بِهِ وَلَو كَانَ كَذَلِك فَالْكَلَام لَا محَالة مُشْتَمل على أَمر وَنهى وَخبر واستخبار وَنَحْوه وَهُوَ إِمَّا أَن يكون قَدِيما أَو حَادِثا فَإِن كَانَ قَدِيما أفْضى إِلَى إِثْبَات قديمين وَهُوَ مُمْتَنع كَمَا سلف ثمَّ إِنَّه يفضى إِلَى الْكَذِب فِي

стр. 89

الْخَبَر من قَوْله ﴿إِنَّا أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه﴾ وَقَوله ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ وَقَوله ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْن مَرْيَم للحواريين﴾ وَنَحْو ذَلِك من حَيْثُ إِن الْخَبَر قديم والمخبر عَنهُ مخدث وَيلْزم مِنْهُ أَن يكون أَمر وَنهى وَخبر واستخبار وَلَا مَأْمُور وَلَا منهى وَلَا مستخبرا عَنهُ وَذَلِكَ كُله مُمْتَنع وَإِن كَانَ حَادِثا لزم أَن يكون الرب تَعَالَى محلا للحوادث وَهُوَ محَال وَأَيْضًا فَإِن الامة من السّلف وَالْخلف مجمعة على كَون الْقُرْآن معْجزَة الرَّسُول والبرهان الْقَاطِع على صدقه وَذَلِكَ يجب أَن يكون من الْأَفْعَال الخارقة للعادات المقارنه لتحدى الانبياء بالرسالات فَإِنَّهُ أَن كَانَ قَدِيما ازليا لم يكن ذَلِك مُخْتَصًّا بِبَعْض المخلوقين دون الْبَعْض إِذْ الْقَدِيم لَا اخْتِصَاص لَهُ وَلَو جَازَ أَن يَجْعَل بعض الصِّفَات الْقَدِيمَة معجزا لجَاز ذَلِك على باقى الصِّفَات كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة والإرادة إِذْ الْفرق تحكم لَا حَاصِل لَهُ وَمِمَّا يدل على أَنه فعل الله تعإلى مَا ورد بِهِ التَّنْزِيل من قَوْله ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ وَقَوله ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾ وَقَوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات وَأَيْضًا فَإِن الْأمة من السّلف مجمعة على أَن الْقُرْآن كَلَام الله وَهُوَ مُنْتَظم من الْحُرُوف والأصوات ومؤلف ومجموع من سور وآيات وَمن ذَلِك سمى قُرْآنًا أَخذ من قَول الْعَرَب قَرَأت النَّاقة لَبنهَا فِي ضرعنا أَي جمعته وَمِنْه قَوْله ﴿إِن علينا جمعه وقرآنه﴾

стр. 90

وَلَوْلَا ذَلِك لما تصور أَن يسمعهُ مُوسَى وَهُوَ لَا محَالة قد سَمعه وَهُوَ مَعَ ذَلِك مقروء بألسنتنا مَحْفُوظ فِي صدورنا مسطور فِي مَصَاحِفنَا ملموس بِأَيْدِينَا مسموع بآذاننا مَنْظُور بأعيننا وَلذَلِك وَجب احترام الْمُصحف وتبجيله حَتَّى لَا يجوز للمحدث لمسه وَلَا القربان إِلَيْهِ وَلَا يجوز الْجنب تِلَاوَته وَقد وَردت الظَّوَاهِر من الْكتاب وَالسّنة تدل على كَونه مسموعا وملموسا وَأَنه بِحرف وَصَوت فَمن ذَلِك قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ وَقَوله ﴿لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ﴾ وَقَول النَّبِي ﵇ لَا تسافروا بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو فتتناوله أَيْديهم وَقَوله إِذا تكلم الله بالوحى سمع صَوته كجر السلسلة على الصَّفَا وَقَوله ﵇ من قَرَأَ الْقُرْآن وأعربه فَلهُ بِكُل حرف مِنْهُ عشر حَسَنَات إِلَى غير ذَلِك من السمعيات وَالْجَوَاب أما إِنْكَار صدق الْمُقدمَة الْكُبْرَى فقد اوضحنا بُطْلَانه وَأما قَوْلهم إِنَّه يَسْتَحِيل أَن يكون من جنس كَلَام الْبشر وَإِلَّا كَانَ مشاركا لَهُ فِي العرضية والإمكان

стр. 91

فقد سبق الْجَواب عَنهُ بِمَا فِيهِ كِفَايَة تغنى عَن إِعَادَته وَلَيْسَ مرادنا من إِطْلَاق لفظ الْكَلَام غير الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ وَهُوَ مَا يجده الْإِنْسَان من نَفسه عِنْد قَوْله لعَبْدِهِ ايتنى بِطَعَام أَو اسقنى بِمَاء وَكَذَا فِي سَائِر اقسام الْكَلَام وَهَذِه الْمعَانى هى الَّتِي يدل عَلَيْهَا بالعبارات وينبه عَلَيْهَا بالإشارات وإنكار تَسْمِيَته أَو كَونه كلَاما مِمَّا لَا يَسْتَقِيم نظرا إِلَى الْإِطْلَاق الوضعى فَإِنَّهُ يَصح أَن يُقَال فِي نفسى كَلَام وَفِي نفس فلَان كَلَام وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم﴾ وَمِنْه قَول الشَّاعِر ... إِن الْكَلَام لفى الْفُؤَاد وَإِنَّمَا ... جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا ... وَهَذَا الْإِطْلَاق والاشتهار دَلِيل صِحَة إِطْلَاق الْكَلَام على مَا فِي النَّفس وَلَا نظر إِلَى كَونه أَصْلِيًّا فِيهِ أَو فِيمَا يدل عَلَيْهِ من الْعبارَات أَو فيهمَا كَيفَ وَإِن حَاصِل هَذَا النزاع لَيْسَ إِلَّا فِي قَضِيَّة لغوية وإطلاقات لفظية وَلَا حرج مِنْهَا بعد فهم الْمَعْنى ثمَّ لَا سَبِيل إِلَى تَفْسِير ذَلِك الْمَعْنى بالإرادة ولنفرض الْكَلَام فِي الْأَمر فَإِنَّهَا اما أأن تكون الْإِرَادَة للامتثال أَو لاحداث الصِّيغَة أَو لجعلها دَالَّة على الْأَمر على مَا هُوَ مَذْهَبهم لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِالْأولِ فَإِنَّهُ قد يُؤمر بِمَا لَيْسَ بِمُرَاد أَن يمتثل وَذَلِكَ كَمَا فِي تَكْلِيف أَبى جهل بِالْإِيمَان مَعَ عدم إِرَادَة وُقُوعه مِنْهُ بل كَمَا فِي حَالَة السَّيِّد المتوعد من جِهَة السُّلْطَان على ضرب عَبده إِذا اعتذر إِلَيْهِ بِأَنَّهُ يُخَالف امْرَهْ وامره بَين يدى السُّلْطَان طَالبا بسط عذره وهربا من عَذَاب السُّلْطَان لَهُ فَإنَّا نعلم أَنه لَا يُرِيد الِامْتِثَال من العَبْد لما يلْزمه من الْمَحْذُور المتوقع

стр. 92

من السُّلْطَان وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ فِي نظر أهل الْعرف والوضع آمُر ويعد العَبْد بالمتثال مُطيعًا وبالإعراض عَاصِيا وَبِهَذَا ينْدَفع قَول الْقَائِل إِنَّه متوهم بِالْأَمر وَلَيْسَ بِأَمْر ثمَّ إِن من الاحكام التكليفية مَا هُوَ مَأْمُور بِهِ بِالْإِجْمَاع من المعترفين بالتكاليف وَذَلِكَ كَالصَّلَاةِ وَالْحج وَنَحْوهمَا من الْعِبَادَات وَقد لَا يكون مرَادا لكَونه غير وَاقع وَلَو كَانَ مرَادا فالإرادة عبارَة عَن معنى يُوجب تَخْصِيص الْحَادِث بِزَمَان حُدُوثه فَلَو كَانَ الْمَعْنى الَّذِي يُوجب تَخْصِيصه بِزَمَان مَا متحققا لما تصور ان لَا يُوجد مُطلقًا وَلَا يُمكن أَن يُقَال بِكَوْنِهِ غير مَأْمُور لعدم تعلق الْإِرَادَة بِهِ إِذْ الْأمة مجمعة على وجوب نِيَّة الْفَرْضِيَّة فِي أول الصَّلَاة مَعَ جَوَاز الاخترام فِي وَسطهَا وَلَو لم يكن مَأْمُورا بهَا وَإِلَّا لَكَانَ الْقَصْد الْجَازِم إِلَى الْفَرْضِيَّة من الْعَالم بنفيها والمتشكك فِي وُقُوعهَا محالا بل وَمن عزم فِي اول الْوَقْت على فعل الصَّلَاة اَوْ غَيرهَا مِمَّا فرض من الْعِبَادَات فالأمة أَيْضا مجمعة على أَنه متقرب إِلَى الله تَعَالَى وَلَو لم يكن مَأْمُورا وَإِلَّا لَكَانَ التَّقَرُّب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى محالا وَمِمَّا يدل عَلَيْهِ مَا اشْتهر من قصَّة إِبْرَاهِيم من أمره بِذبح وَلَده مَعَ عدم تعلق الْإِرَادَة بِوُقُوعِهِ وَمَا قيل من أَن ذَلِك كَانَ مناما لَا أمرا وَأَن تعلق الْأَمر لم يكن إِلَّا بالعزم على الذّبْح اَوْ الاتكاء وإمرار السكين اَوْ أَن الذّبْح مِمَّا وَقع واندمل الْجرْح فمندفع إِذْ أَكثر الوحى إِلَى الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا كَانَ مناما وَلَو لم يكن ذَلِك بطرِيق الوحى وَإِلَّا كَانَ إقدام النبى على فعل محرم مِمَّا لَا أصل لَهُ وَذَلِكَ محَال وَحمل الامر على غير الذّبْح من الْعَزْم اَوْ الاتكاء وإمرار السكين بَاطِل وَإِلَّا لما صَحَّ تَسْمِيَته بلَاء إِذْ لَا بلَاء فِيهِ وَتَسْمِيَة الذّبْح بلَاء لضَرُورَة وُقُوع الْمَأْمُور بِهِ وَبِه ينْدَفع القَوْل بتحقق وُقُوع الذّبْح أَيْضا

стр. 93

كَيفَ وَأَن تَفْسِير الْأَمر بالإرادة مَعَ التَّسْلِيم بِكَوْن البارى آمرا بأفعالنا مِمَّا يَسْتَحِيل على أصل المعتزلى لضَرُورَة كَونهَا مخلوقة لنا عِنْده وَتعلق الْإِرَادَة بِفعل الْغَيْر تمن وشهوة لَا أَنَّهَا إِرَادَة حَقِيقِيَّة وَذَلِكَ على الله مُمْتَنع فقد بَان أَن مَدْلُول صِيغَة الْأَمر لَيْسَ هُوَ نفس إِرَادَة الإمتثال وَكَذَا يُمكن إِيضَاح سَائِر أَقسَام الْكَلَام وَلَا جَائِز أَن تكون الْإِرَادَة لإحداث الصِّيغَة فَإِنَّهُ لَيْسَ مدلولها ثمَّ إِن مدلولات أَقسَام الْكَلَام مُخْتَلفَة وَلَا اخْتِلَاف فِي إِرَادَة إِحْدَاث الصِّيغَة من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك وَلَا جَائِز أَن تكون الْإِرَادَة لجعل الصِّيغَة دَالَّة على الْأَمر فَإِنَّهُ تَصْرِيح بِأَن الْإِرَادَة وَرَاء الْأَمر الَّذِي هُوَ مَدْلُول قَوْله أَمرتك وَأَنت مَأْمُور ثمَّ إِن الْأَلْفَاظ إِنَّمَا هِيَ دَلَائِل وتراجم عَن اشياء وكل ذى عقل سليم يقْضى بِأَن قَول الْقَائِل امرتك ونهيتك لَيْسَ تَرْجَمَة عَن إِرَادَة جعلهَا دَالَّة على شئ مُخَصص وَعند هَذَا فَلَا بُد من الْعود إِلَى نفس مدلولها فَإِن كَانَ نفس الْإِرَادَة فقد أبطلناه وَإِن كَانَ غَيرهَا فَهُوَ الْمَقْصُود كَيفَ وَأَن الأنسان يجد من نَفسه بَقَاء مَا دلّت عَلَيْهِ لَفْظَة أَمرتك من الطّلب والاقتضاء وَإِن عدمت اللَّفْظَة والإرادة جعلهَا دَالَّة على شئ مَا فقد امْتنع بِهَذَا تَفْسِيره بالإرادة وَلَا سَبِيل إِلَى تَفْسِيره إِذْ بِالْقُدْرَةِ عبارَة عَن معنى يَتَأَتَّى بِهِ الإيجاد بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل مُمكن وَالْأَمر والنهى لَا يتَعَلَّق بِكُل مُمكن فَإِذا الْقُدْرَة أَعم من الْأَمر والنهى من وَجه

стр. 94

وَالْأَمر عِنْد الْقَائِلين بِجَوَاز التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق أَعم من الْقُدْرَة من جِهَة أُخْرَى وَهُوَ تعلقه بالممكن وَغير الْمُمكن وَلَا سَبِيل الى تَفْسِيره بِالْعلمِ إِذْ الْعلم أَعم من الْأَمر من حَيْثُ إِنَّه قد يتَعَلَّق بِمَا لم يتَعَلَّق بِهِ الْأَمر وَبِمَا يتَعَلَّق بِهِ الْأَمر وَكَيف تكون حَقِيقَة الْأَعَمّ هِيَ حَقِيقَة الْأَخَص كَيفَ وَإِن كل انسان منصف يجد من نَفسه لما يتَلَفَّظ بِهِ من العبارت الدَّالَّة مدلولات وَرَاء كل مَا يقدر من الْعُلُوم فَإِذا قدر لَاحَ الْحق واستبان وَظهر أَنه لَا بُد من معنى زَائِد على مَا ذَكرُوهُ هُوَ مَدْلُول الْعبارَات والإشارات الْحَادِثَة وَإِن كَانَ فِي نَفسه قَدِيما وَذَلِكَ الْمَعْنى هُوَ الَّذِي يجده الْإِنْسَان من نَفسه عِنْد الْإِخْبَار عَن أُمُور رَآهَا أَو سمع بهَا وَعند قَوْله لغيره إفعل أَو لَا تفعل وتوعده لَهُ ووعده إِيَّاه إِلَى غير ذَلِك وَهُوَ الَّذِي يعْنى بالْكلَام الْقَائِم بِالنَّفسِ ولولاه لقد كَانَ يعد المتلكم بِهَذِهِ الْعبارَات مَجْنُونا ومعتوها وَلَيْسَ ذَلِك أَيْضا هُوَ مَا سموهُ احاديث النَّفس الَّتِى هى تقديرات الْعبارَات اللسانية وَهُوَ تحدث النَّفس باللغات الْمُخْتَلفَة كالعربية والعجمية وَنَحْوهَا فَإِن هَذِه الامور لَا يتَصَوَّر وجودهَا مَعَ عدم الْعبارَات اللسانية كَمَا فِي حق الأبكم وَتلك الْمعَانى الَّتِى عبرنا عَنْهَا بالْكلَام النفسانى تكون لَدَيْهِ حَاضِرَة عتيدة وَذَلِكَ كَمَا فِي الطّلب والاقتضاء وَنَحْوه وَإِن كَانَ فِي نَفسه أبكم لَا تسوغ لَهُ عبارَة مَا حَتَّى لَو قَررنَا وجود الْعبارَات فِي حَقه لقد كَانَت مُطَابقَة لما فِي نَفسه كَمَا كَانَت مُطَابقَة لما فِي نفس غير الأبكم ثمَّ إِن هَذِه الْعبارَات والتقديرات غير حَقِيقِيَّة أَي لَيست أمورا عقلية

стр. 95

بل اصطلاحية مُخْتَلفَة باخْتلَاف الْأَعْصَار والأمم وَلِهَذَا لَو وَقع التَّوَاضُع من أهل الِاصْطِلَاح على أَن يكون التفاهم بنقرات وزمرات لقد كَانَ ذَلِك جَائِزا ومدلولات هَذِه الْعبارَات والتقديرات حقيقى لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْأَعْصَار وَلَا باخْتلَاف الاصطلاحات بل الْمَدْلُول وَاحِد وَإِن تَغَيَّرت تِلْكَ الدلالات وَتلك المدلولات هِيَ الَّتِي يعبر عَنْهَا بالنطق النفسانى وَالْكَلَام الحقيقى وَمَا سواهُ فَلَيْسَ بحقيقى هَذَا كُله ان قُلْنَا إِنَّه من جنس كَلَام الْبشر وَإِن نزلنَا الْكَلَام على أَنه غير مجانس لَهُ فقد سبق فِي تَحْقِيقه مَا يغنى عَن إِعَادَته وَأما مَا أشاروا إِلَيْهِ من معنى الطَّاعَة وَتَحْقِيق الرسَالَة فتمويه لَا حَاصِل لَهُ والا للَزِمَ أَن يكون كل تسخير بِفعل شئ مَا امرا وَتَركه نهيا وَأَن يكون الانقياد إِلَى ذَلِك التسخير طَاعَة كَانَ ذَلِك فِي نَفسه عبَادَة اَوْ مَعْصِيّة وَلَا يخفى مَا فِي طى ذَلِك من الْمحَال فَإِنَّهُ لَيْسَ كل مَا يسخر بِهِ مَأْمُورا وَلَا كل مَا انْقَادَ العَبْد إِلَى فعله يكون طَاعَة على مَا لَا يخفى وَإِذا كَانَ الامر على هَذِه المثابة لم يَصح معنى التَّبْلِيغ والرسالة عَن الله اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون لَهُ أَمر نهى على مَا حققناه والمنهاج الَّذِي أوضحناه وَأما الِانْفِصَال عَن قَول الْمُعْتَزلَة إِن الْمُتَكَلّم من فعل الْكَلَام فَهُوَ ان الْوَاحِد منا لَو تكلم بِكَلَام مُفِيد فَهُوَ كَلَامه لَا محَالة وَلذَلِك يُقَال تكلم وَهُوَ مُتَكَلم وَإِذ ذَاك فَمَا جَائِز أَن تكون جِهَة نسبته إِلَيْهِ هُوَ كَونه فَاعِلا وَإِلَّا لما كَانَ متكلما من خلق الْكَلَام فِيهِ اضطرارا وَذَلِكَ كَمَا فِي حق المبرسم وكما فِي تَسْبِيح الْحَصَى وَكَلَام الذِّرَاع المسموم وَنَحْوه

стр. 96

بل وَيلْزم على سِيَاقه لمن اعْترف مِنْهُم بِأَن أَفعَال الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى كالنجارية أَن يكون البارى تَعَالَى هُوَ الْمُتَكَلّم بكلامنا لَا نَحن وَذَلِكَ جحد للضَّرُورَة ومباهتة الْمَعْقُول وَهُوَ غير مَقْبُول ثمَّ لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن يكون البارى تَعَالَى مصونا لكَونه فَاعِلا للصوت إِذْ الْكَلَام على مَا هُوَ مُعْتَمد الْخصم مركب من الْحَرْف والأصوات وَالصَّوْت اعم من الْكَلَام وَلِهَذَا صَحَّ عِنْده أَن يُقَال إِن كل كَلَام صَوت وَلَيْسَ كل صَوت كلَاما وَمن ضَرُورَة فعل الْأَخَص فعل مَا ينْدَرج فِي مَعْنَاهُ من الْأَعَمّ وَيلْزم أَيْضا أَن يكون متحركا بِمَا يَفْعَله من الحركات وَيُسمى بِكُل مَا ينْسب إِلَيْهِ من التكوينات وَالْقَائِل بذلك منسلخ عَن ربقة الْعُقُول وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا يعتمده محصول كَيفَ وَأَن الصّفة الحادثه لَهَا نِسْبَة إِلَى الْفَاعِل وَنسبَة إِلَى الْمحل فنسبتها إِلَى الْفَاعِل بِأَنَّهُ محدثها ونسبتها إِلَى الْمحل بِأَنَّهَا فِيهِ وهما لَا محَالة مَعْنيانِ مُخْتَلِفَانِ وَمَا نسب إِلَى الشئ بِأَنَّهُ فِيهِ يُقَال بِأَنَّهُ مَوْصُوف بِهِ لَا محَالة حَتَّى أَن من قَامَت بِهِ حَرَكَة يُقَال إِنَّه متحرك وَأَن لم يخْطر بالذهن كَونه فَاعِلا أم لَا بل ونحكم عَلَيْهِ بذلك مَعَ الْقطع بِكَوْنِهِ غير فَاعل لما قَامَ بِهِ وَذَلِكَ مُؤَكد كَمَا فِي حَالَة المرتعش وَنَحْوه وَعند ذَلِك فَكيف يَصح ان يُقَال إِن مَا نِسْبَة الْفِعْل اليه بالإحداث يكون مَوْصُوفا بِهِ وَكَيف يُؤثر الشيئان المختلفان فِي حكم وَاحِد من كل جِهَة ثمَّ إِن مَا ذَكرْنَاهُ من أَن قيام الصّفة بِالْمحل يُوجب اتصاف مَحَله بِهِ يظْهر فَسَاد مَا ذَكرُوهُ فِي رسم الْمُتَكَلّم بِأَنَّهُ من فعل الْكَلَام حَيْثُ أَنه لم يكن شَامِلًا لجَمِيع مجارى الْمَحْدُود وَالْحَد والرسم يجب أَن يكون شَامِلًا مطردا وَإِلَّا كَانَ الْمَحْدُود أَعم من الْحَد وَهُوَ محَال

стр. 97

وَأَيْضًا فانه لَو كَانَ الْمُتَكَلّم من فعل الْكَلَام لوَجَبَ أَن يكون المريد والقادر والعالم من فعل الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة وَالْعلم وَلَيْسَ كَذَلِك بالاجماع وَلَو طالبهم مطَالب بِجِهَة الْفرق لم يَجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا ثمَّ انه وَإِن تسومح فِي أَن حَقِيقَة مَدْلُول اسْم الْمُتَكَلّم بِالنّظرِ إِلَى الْوَضع من فعل الْكَلَام فَغير مُفِيد بعد التَّسْلِيم لما أوضحناه والموافقة لما قَرَّرْنَاهُ من أَن الْمَعْنى بِكَوْنِهِ متكلما قيام صفة نفسية بِهِ هِيَ غير الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة وَهِي مَدْلُول الْعبارَات وَالْمعْنَى بالإشارات كَيفَ وَإِن ذَلِك مِمَّا يجب تَسْلِيمه على مُوجب أصولهم فَإِنَّهُم قَالُوا إِن الْكَلَام مركب من حُرُوف منتظمة وأصوات مقطعَة تتعاقب وتتجدد مِنْهَا تكون الْكَلِمَة وَمن تركب الْكَلِمَات الْكَلَام ومحلها الَّذِي تقوم بِهِ انما هُوَ اللِّسَان والمعانى المفهومة مِنْهَا محلهَا إِنَّمَا هُوَ الْقلب والجنان وَإِن من وجدت مِنْهُ الْأَصْوَات والحروف بِدُونِ أَن يكون لَهَا عِنْده معنى فِي فهمه كَانَ معتوها مَجْنُونا وَإِن سمى مَا يجرى على لِسَانه كلَاما فَلَيْسَ إِلَّا بطرِيق التَّجَوُّز والاستعارة وَعند ذَلِك فَلَو خلق الله تَعَالَى كلَاما مُرَتبا من حُرُوف منظومة وأصوات مقطعَة لم يخل إِمَّا أَن يكون لَهَا مَدْلُول عِنْده أَو لَيْسَ لَهَا مَدْلُول عِنْده لَا جَائِز أَن يُقَال بِأَنَّهُ لَا مَدْلُول لَهَا وَإِلَّا كَانَ ذَلِك جنونا وسفها وَإِن كَانَ لَهَا مدلولا فَيجب أَن يكون غير الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة لما أوضحناه وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنى بِكَلَام النَّفس ثمَّ نقُول إِذا قُلْتُمْ إِن الْكَلَام فعل من أَفعاله وَإِن معنى كَونه متكلما أَنه فَاعل الْكَلَام فَمَا طريقكم فِي إِثْبَات هَذِه الصّفة الفعلية وَمَا دليلكم فِيهَا فَإِن قَالُوا دَلِيل وُقُوعهَا كَونهَا مقدورة لَهُ تَعَالَى فَيلْزم أَن يكون كل مَقْدُور وَاقعا وَأَن لَا يتَأَخَّر مَقْدُور مَا عَن وجود الْقُدْرَة وَلَا يخفى مَا فِي طى ذَلِك من المحالات وَإِن قَالُوا طريقنا فِي ذَلِك لَيْسَ إِلَّا قَول الْأَنْبِيَاء الَّذين دلّت المعجزات على صدقهم وَقد قَالُوا إِن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِأَمْر وَنهى وَغَيره قُلْنَا فَلَو لم يبْعَث الله رَسُولا فعندكم أَنه يجب على الْعَاقِل معرفَة الله تَعَالَى معرفَة تتَعَلَّق بِالذَّاتِ وَالصِّفَات فَكيف يعرف كَونه متكلما وَذَلِكَ لَا يعرف إِلَّا بالرسول وَلَا رَسُول

стр. 98

وَهَذَا مِمَّا يلزمكم فِيهِ المناقضة فِي أحد أَمريْن إِمَّا فِي القَوْل بِإِيجَاب الْمعرفَة بِالْعقلِ وَإِمَّا فِي القَوْل بِأَن الْمعرفَة مناطة بالرسول كَيفَ وَأَن الرَّسُول على الْحَقِيقَة لَيْسَ إِلَّا الْمبلغ لكَلَام الْغَيْر كَمَا حققناه سالفا فَلَو لم يكن للبارى تَعَالَى كَلَام غير كَلَام الرَّسُول هُوَ مَدْلُول كَلَام الرَّسُول وَكَلَام الرَّسُول عبارَة عَنهُ لم يكن بذلك رَسُولا كَمَا تقرر وَهَذِه المحالات كلهَا إِنَّمَا لَزِمت من القَوْل بِأَن الْمُتَكَلّم من فعل الْكَلَام لَا من قَامَ بِهِ الْكَلَام فقد بَطل مَا تخيلوه وَانْقطع دابر مَا توهموه وَظهر كَون البارى متكلما بِكَلَام قَائِم بِذَاتِهِ مُخْتَصًّا بِهِ كاختصاصه بباقى صِفَاته وَيلْزم من ذَلِك أَن يكون قَدِيما أزليا وَإِلَّا كَانَ البارى تَعَالَى محلا للحوادث وَقد أبطلناه وَمَا قيل من أَنه يلْزم مِنْهُ الْكَذِب فِيمَا يتضمنه من الْأَخْبَار فحاصله يرجع إِلَى مَحْض التشنيع وَمُجَرَّد التهول وَعند التَّحْقِيق تظهر مجانبته للذوق والتحصيل وَلَئِن سلكنا مَا ذكره بعض الْأَصْحَاب من ان الْكَلَام قَضِيَّة وَاحِدَة وَلَا يَتَّصِف بِكَوْنِهِ أمرا ونهيا وخبرا واستخبار إِلَّا عِنْد وجود الْمُخَاطب واستكماله شَرَائِط الْخطاب زَالَ الشغب واندفع الْإِشْكَال وَلَئِن توسعنا إِلَى مَا سلكه الإِمَام ابو الْحسن الأشعرى ﵀ من أَنه متصف فِيمَا لم يزل بِكَوْنِهِ امرا ونهيا وخبرا إِلَى غير ذَلِك فَغير بعيد أَن يكون فِي نَفسه معنى وَاحِدًا

стр. 99

وَالِاخْتِلَاف فِيهِ إِنَّمَا يرجع إِلَى التعبيرات عَنهُ بِسَبَب تعلقه بالمعلومات فَإِن كَانَ الْمَعْلُوم مَحْكُومًا بِفِعْلِهِ عبر عَنهُ بِالْأَمر وَإِن كَانَ بِالتّرْكِ عبر عَنهُ بالنهى وَأما إِن كَانَ لَهُ نِسْبَة إِلَى حَالَة مَا بِأَن كَانَ وجد بعد الْعَدَم أَو عدم بعد الْوُجُود اَوْ غير ذَلِك عبر عَنهُ بالْخبر وعَلى هَذَا النَّحْو يكون انقسام الْكَلَام الْقَائِم بِالنَّفسِ فَهُوَ وَاحِد وان كَانَت التعبيرات عَنهُ مُخْتَلفَة بِسَبَب اخْتِلَاف الاعتبارات وَمن فهم هَذَا التَّحْقِيق انْدفع عَنهُ الْإِشْكَال وَزَالَ عَنهُ الخيال فَإِنَّهُ غير بعيد أَن يقوم بِذَات الله تَعَالَى خبر عَن إرْسَال نوح مثلا وَيكون التَّعْبِير عَنهُ قبل الْإِرْسَال إِنَّا نرسله وَبعد الْإِرْسَال ﴿إِنَّا أرسلنَا نوحًا﴾ فالمعبر عَنهُ يكون وَاحِدًا فِي نَفسه على ممر الدهور وَإِن اخْتلف الْمعبر بِهِ وَسَببه اخْتِلَاف الْأَحْوَال والأزمنة وَذَلِكَ لَا يفضى إِلَى الْكَذِب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنى الْمعبر عَنهُ وَهُوَ الْقَائِم بِالنَّفسِ أوليا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمعبر بِهِ أَيْضا فَإِن الْعَرَب قد تعبر بِلَفْظ الماضى عَن الْمُسْتَقْبل إِذا لم يكن بُد من وجوده حَيْثُ يعدونه بِأَنَّهُ وجد وَذَلِكَ مَحْض تجوز واستعارة وَلَا بعد فِيهِ وَكَذَلِكَ أَيْضا يجوز أَن يقوم بِذَاتِهِ طلب خلع النَّعْل من مُوسَى على جبل الطّور واقتضاؤه مِنْهُ على تَقْدِير وجوده وَيكون الْمعبر عَنهُ قبل الْوُجُود بِصِيغَة إِنَّا سنأمر وَعند الْوُجُود بِصِيغَة اخلع الدَّالَّة على الطّلب هُوَ الِاقْتِضَاء الْقَدِيم الأزلى وَلِهَذَا لَو قدر الْوَاحِد منا فِي نَفسه اقْتِضَاء فعل من شخص مَعْدُوم وَاسْتمرّ ذَلِك الِاقْتِضَاء إِلَى حِين وجود الْمُقْتَضى مِنْهُ فَإِنَّهُ إِذا علم بِهِ إِمَّا بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة وَكَانَ الطَّالِب يجب الانقياد لَهُ والإذغان لَدَيْهِ كَانَ ذَلِك الِاقْتِضَاء بِعَيْنِه امرا لَهُ وموجبا لانقياده وطاعته من غير اسْتِئْنَاف طلب آخر واقتضاء آخر فعلى هَذَا النَّحْو هُوَ أَمر الله تَعَالَى للمعدوم وتعلقه بِهِ وَاشْتِرَاط فهم الْمَأْمُور إِنَّمَا يكون عِنْد تعلق الْخطاب بِهِ فِي حَال وجوده لَا غير وَمن فهم كَلَام النَّفس

стр. 100

وَرفع عَن وهمه الْأَزْمَان المتعاقبة والاحوال الْمُخْتَلفَة وحقق مَا قَرَّرْنَاهُ فِي مسألتى الْعلم والإرادة وجد الْأَمر مَا ذَكرْنَاهُ وَلم يخف عَلَيْهِ مَا مهدناه وَلَقَد استروح بعض الْأَصْحَاب فِي تَقْرِير هَذَا الْكَلَام إِلَى طَرِيق أوردهُ فِي معرض المناقضة والإلزام فَقَالَ كَيفَ يَصح استبعاد تعلق الْأَمر بمأمور مَعْدُوم وعندكم أَنه لَا يتَنَاوَل الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا قبل حُدُوثه وَمهما وجد خرج عَن أَن يكون مَأْمُورا بِهِ وَهُوَ أحد متعلقى الْأَمر فَإِذا لم يبعد تعلق الْأَمر بِالْفِعْلِ الْمَعْدُوم لم يبعد تعلقه بالفاعل الْمَعْدُوم وَأَيْضًا فَإِن الْأمة مجمعة على أننا فِي وقتنا هَذَا مأمورون وعندكم لَا أَمر إِذْ الامر قد تقضى وَمضى فَإِذا لم يبعد وجود مَأْمُور وَلَا أَمر فَلَا يبعد وجود أَمر بِلَا مَأْمُور وَلَو لزم من وجود الْأَمر وجود الْمَأْمُور للَزِمَ من وجود الْقُدْرَة وجود الْمَقْدُور وَذَلِكَ يفضى إِلَى قدم الْمَقْدُور إِذْ قد سلم قدم الْقُدْرَة وَذَلِكَ محَال على كلا المذهبين وَهَذَا مِمَّا فِيهِ نظر وَذَلِكَ أَن الْأَمر والنهى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَأْمُور والمنهى عِنْد الْخصم تَكْلِيف والتكليف يستدعى مُكَلّفا بِهِ والمكلف بِهِ يجب أَن يكون مَعْلُوما مفهوما ليَصِح قَصده من أجل الْإِتْيَان بِهِ والانتهاء عَنهُ إِذْ هُوَ مَقْصُود التَّكْلِيف فَإِذا الْفَهم شَرط فِي التَّكْلِيف ولهنا خرج من لَا فهم لَهُ عَن أَن يكون دَاخِلا فِي دَائِرَة التَّكْلِيف كَمَا فِي الجمادات وأنواع الْحَيَوَانَات وَالصبيان والمجانين وَنَحْو ذَلِك لعدم شَرط التَّكْلِيف فِي حَقهم وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم من تعلق الْأَمر بالمأمور بِهِ مَعَ عدم الْفَهم تعلقه بالمأمور مَعَ عدم اشْتِرَاط الْفَهم فَإِن تعلقه بالمأمور بِهِ لَيْسَ تعلق تَكْلِيف وَلَا كَذَلِك تعلقه بالمأمور

стр. 101

وَأما القَوْل بِأَنَّهُ إِذا جَازَ وجود مَأْمُور وَلَا أَمر جَازَ وجود أَمر لَا مَأْمُور فَهَذَا إِنَّمَا يتَحَقَّق أَن لَو صَحَّ وجود مَأْمُور وَلَا أَمر والخصم رُبمَا لَا يسلم ذَلِك بل لَهُ أَن يَقُول كل مَأْمُور فَلَا بُد لَهُ من امْر يتَعَلَّق بِهِ لَكِن ذَلِك الْأَمر قد يكون وجوده تَقْديرا بالنسة إِلَيْهِ كَمَا يقدر وجود العقد فِي البيع وَالنِّكَاح بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَحْقِيق ثمراته وَأَحْكَامه أما أَن يكون مَأْمُور من غير أَمر فَلَا وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم من تَقْدِير وجود الْأَمر عِنْد وجود الْمَأْمُور وتعلقه بِهِ تَقْدِير وجود الْمَأْمُور لِأَن يتَعَلَّق بِهِ الْأَمر فَإِنَّهُ غير مُفِيد إِلَّا مَعَ وجود شَرطه وَهُوَ الْعلم والفهم وَذَلِكَ مُتَعَذر فِي حق الْمَعْدُوم وعَلى هَذَا يخرج الْإِلْزَام بِالْقُدْرَةِ إِذْ الْقُدْرَة لَيست عبارَة إِلَّا عَن معنى يَتَأَتَّى بِهِ الإيجاد فِيمَا هُوَ مُمكن أَن يُوجد وَذَلِكَ مُتَحَقق بِدُونِ وجود الْمَقْدُور فلئن رَجَعَ فِي تقديرة جَوَاز تعلق الْأَمر بالمعدوم وَمن لَا فهم لَهُ إِلَى مَا أسلفناه كَانَ ذَلِك كَافِيا وَوَجَب الاعتناء بِهِ وَأما مَا قيل من أَن الْقُرْآن معْجزَة الرَّسُول فَيمْتَنع أَن يكون قَدِيما فتهويل لَا حَاصِل لَهُ فَإنَّا مجمعون على أَن الْقُرْآن الحقيقى لَيْسَ بمعجزة الرَّسُول وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي أَمر وَرَاءه وَهُوَ أَن ذَلِك الْقُرْآن الحقيقى مَاذَا هُوَ فَنحْن نقُول إِنَّه الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ والخصم يَقُول إِنَّه حُرُوف وأصوات أوجدها الله تَعَالَى وَعند وجودهَا انعدمت وَانْقَضَت وَأَن مَا أَتَى بِهِ الرَّسُول وَمَا نتلوه نَحن لَيْسَ هُوَ ذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ مِثَال لَهُ على نَحْو قراءتنا لشعر المتنبى وامرئ الْقَيْس فَإِنَّهُ لَيْسَ مَا يجرى على ألسنتنا هُوَ كَلَام امْرِئ الْقَيْس وَإِنَّمَا هُوَ مثله فَمن الْوَجْه الَّذِي لزمنا القَوْل بمخالفة الْإِجْمَاع هُوَ أَيْضا لَازم لَهُم وَلأَجل ذَلِك فر الجبائي إِلَى مَذْهَب خرق بِهِ حجاب الْعقل وارتكب فِيهِ جحد الضرورات وَالْتزم بِهِ القَوْل بالمحالات فَقَالَ إِن الله تَعَالَى يخلق كَلَامه عِنْد قِرَاءَة

стр. 102

كل قَارِئ وَكِتَابَة كل كَاتب وَزعم أَن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ حُرُوف منظومة تقارن الْأَصْوَات المتقطعة وَلَيْسَت الْحُرُوف نفس الْأَصْوَات المتقطعة وَلَا يخفى مَا فِي ذَلِك من مُخَالفَة الْمَعْقُول فَإِن عَاقِلا مَا لَا يمارى فِي أَن مَا نَسْمَعهُ من الأفواه إِنَّمَا هُوَ أصوات متقطعة منسقة منتظمة نوعا من الانتظام تخرج من مخارج مَخْصُوصَة وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يعقل مَعهَا مُقَارنَة غَيرهَا غَيرهَا أصلا على ان لَا تنَازع فِي أَن مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول من الْحُرُوف المنتظمة والأصوات الْمُقطعَة معْجزَة لَهُ وَأَنه يُسمى قُرْآنًا وكلاما وَأَن ذَلِك لَيْسَ بقديم وَإِنَّمَا النزاع فِي مَدْلُول تِلْكَ الْعبارَات هَل هُوَ صفة قديمَة أزلية أم لَا وعَلى التَّحْقِيق فالخبط إِنَّمَا نَشأ لأهل الضلال هَهُنَا من جِهَة اشْتِرَاك لفظ الْقُرْآن فَإِنَّهُ قد يُطلق على المقروء وَقد يُطلق على الْقِرَاءَة الَّتِي هِيَ حُرُوف وأصوات ودلالات وعبارات وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ مَا أذن الله لشئ إِذْنه لنبى حسن الترنم بِالْقُرْآنِ أَي الْقِرَاءَة وَمِنْه قَول الشَّاعِر ... ضحوا بأشمط عنوان السُّجُود بِهِ ... يقطع اللَّيْل تسبيحا وقراءنا ... مَعْنَاهُ قِرَاءَة وَذَلِكَ كَمَا قد تطلق الْعَرَب اسْم الْكَلَام على الْمَعْنى تَارَة وعَلى الْعبارَات أُخْرَى وَلذَلِك يَقُولُونَ كَلَام صَحِيح حسن إِذا كَانَ مُسْتَقِيمًا وَإِن كَانَت الْعبارَة غير مُسْتَقِيمَة بِأَن كَانَت ركيكة أَو ملحونه أَو مخبطة وَقد يطلقونه على الْعبارَة عِنْد كَونهَا معبرة صَحِيحَة وَإِن كَانَ الْمَعْنى فِي نَفسه فَاسِدا لَا حَاصِل لَهُ فَلَمَّا وَقع الِاشْتِرَاك فِي الِاسْم ارْتَفع التوارد بالنفى وَالْإِثْبَات على محز وَاحِد فَإِن مَا أثبتوه معْجزَة لَا نثبت لَهُ الْقدَم وَمَا أثبتنا لَهُ الْقدَم لَا يثبتونه معْجزَة

стр. 103

وَمَا أوردوه من الظَّوَاهِر فِي معرض إِثْبَات الْحَدث والأولية فظنية غير يقينية كَيفَ وَإِن قَوْله ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ الْوَعْظ والتذكير الْخَارِج عَن الْقُرْآن وَهُوَ الْأَقْرَب فَإِن الْقُرْآن لم يحدث عِنْدهم لعبا وضحكا بل إفحاما وإشداها ثمَّ القَوْل بِمُوجب الْآيَة مُتَّجه لَا محَالة فَإِنَّهَا دلّت على الضحك واللعب عِنْد وُرُود الذّكر الْحَادِث وَلَيْسَ فِيهَا دلَالَة على حدث كل مَا يرد من الْأَذْكَار فَلَا يلْزم أَن يكون الْقُرْآن حَادِثا ثمَّ إِن المُرَاد إِنَّمَا هُوَ الْعبارَات والدلالات دون المدلولات كَمَا حققناه وَأما قَوْله ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾ فَيصح أَن يُقَال المُرَاد بِهِ فعله من الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَنَحْوه فَإِن الْأَمر قد يُطلق بِإِزَاءِ الْفِعْل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أمرنَا إِلَّا وَاحِدَة﴾ أَي فعلنَا وَقَوله ﴿وَمَا أَمر فِرْعَوْن﴾ يعْنى فعله وَالْمرَاد بقوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ أَي سميناه فَإِن الْجعل قد يُطلق بِمَعْنى التَّسْمِيَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين﴾ أَي سموهُ كذبا وَقَوله ﴿وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا﴾ سموهم بذلك كَيفَ وَأَنه يحْتَمل أَنه اراد بِهِ الْقُرْآن بِمَعْنى الْقِرَاءَة كَمَا بَيناهُ وَذَلِكَ لَا يقْدَح فِي الْمَقْصُود ثمَّ إِن هَذِه الْآيَات مُعَارضَة بِمِثْلِهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ فقد أثبت لَهُ خلقا وأمرا فَلَو كَانَ الْأَمر مخلوقا لَكَانَ معنى الْكَلَام أَلا لَهُ الْخلق والخلق وَأَيْضًا قَوْله ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾

стр. 104

فَلَو كَانَ الْأَمر مخلوقا لاستدعى ذَلِك سَابِقَة أَمر آخر وَذَلِكَ يفضى إِلَى التسلسل وَهُوَ محَال وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ينْدَفع قَوْلهم أَيْضا إِن الْأمة من السّلف مجمعة على ان الْقُرْآن مؤلف من الْحُرُوف والأصوات فَإِن الْإِجْمَاع إِنَّمَا انْعَقَد على ذَلِك بِمَعْنى الْقِرَاءَة لَا بِمَعْنى المقروء وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله ﴿إِن علينا جمعه وقرآنه﴾ وَقَوْلهمْ لَو لم يكن كَذَلِك لما سَمعه مُوسَى قُلْنَا الدَّلِيل إِنَّمَا لزم الْمُعَطل هَهُنَا من حَيْثُ إِنَّه لم يفهم معنى السماع وَإنَّهُ بأى اعْتِبَار يُسمى سَمَاعا وَعند تَحْقِيقه ينْدَفع الْإِشْكَال فَنَقُول السماع قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْإِدْرَاك كَمَا فِي الْإِدْرَاك بحاسة الْأذن وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الانقياد وَالطَّاعَة وَقد يُطلق بِمَعْنى الْفَهم والإحاطة وَمِنْه يُقَال سَمِعت فلَانا وَإِن كَانَ ذَلِك مبلغا على لِسَان غَيره وَلَا يكون المُرَاد بِهِ غير الْفَهم لما هُوَ قَائِم بِنَفسِهِ وَالَّذِي هُوَ مَدْلُول عبارَة ذَلِك الْمبلغ وَإِذا عرف ذَلِك فَمن الْجَائِز أَن يكون قد سمع مُوسَى كَلَام الله تَعَالَى الْقَدِيم بِمَعْنى أَنه خلق لَهُ فهمه والإحاطة بِهِ إِمَّا بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة وَالسَّمَاع بِهَذَا الِاعْتِبَار لَا يستدعى صَوتا وَلَا حرفا

стр. 105

وَمَا يُطلق عَلَيْهِ من الْحُرُوف والأصوات أَنه كَلَام الله تَعَالَى فَلَيْسَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنه دَال على مَا فِي نَفسه وَذَلِكَ كَمَا يُقَال نَادَى الْأَمِير فِي الْبَلَد وَإِن كَانَ المنادى غَيره وَيُقَال لمن أنْشد شعر الحطيئة إِنَّه مُتَكَلم بِكَلَام الحطيئة وشعره وَمن ذَلِك سمى الوحى كلَاما لله تَعَالَى حَتَّى يُقَال تكلم الله بالوحى والوحى كَلَامه وَلَا ننكر أَن الْقُرْآن الْقَدِيم مَكْتُوب ومحفوظ ومسموع ومتلو لَكِن لَيْسَ معنى كَونه مَكْتُوبًا اَوْ مَحْفُوظًا أَنه حَال فِي الْمَصَاحِف أَو الصُّدُور بل مَعْنَاهُ أَنه قد حصل فِيهَا مَا هُوَ دَال عَلَيْهِ وَهُوَ مَفْهُوم مِنْهُ وَمَعْلُوم وَلَيْسَ معنى كَونه منزلا أَنه منتقل من مَكَان إِلَى مَكَان فَإِن ذَلِك غير مُتَصَوّر على كلا المذهبين بل مَعْنَاهُ أَن مَا فهمه جِبْرِيل من كَلَام الله تَعَالَى فَوق سبع سموات عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى ينزل بتفهيمه للأنبياء إِلَى بسيط الغبراء وَكَذَلِكَ لَيْسَ معنى كَونه مسموعا إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى وَمن حقق مَا مهدناه واحاط بِمَا قَرَّرْنَاهُ هان عَلَيْهِ التفضى عَن كل مَا أوردوه من الظَّاهِر الظنية واعتمدوه من الْآثَار النَّبَوِيَّة وَلَعَلَّ مُعْتَمد المعطلة فِي إِثْبَات الْحُرُوف والأصوات هُوَ مَا قاد الحشوية لعدم فهمهم كَلَام النَّفس إِلَى إِثْبَاتهَا صفة للذات فَإِنَّهُ لما لم يسعهم القَوْل بالتعطيل وَلم يقدروا على التَّأْوِيل لهَذَا التهويل جمعُوا بَين الطريقتين وانتحلوا مذهبا ثَالِثا بَين الذهبين وَلم يعلمُوا مَا فِي طى ذَلِك من السفاهة وَفِي ضمنه من الفهاهة لما فِيهِ من الْهَرَب إِلَى التجسيم خوف الْوُقُوع فِي التعطيل إِذْ الْحُرُوف والأصوات إِنَّمَا تتَصَوَّر بمخارج وأدوات وتزاحم أجرام واصطكاكات وَذَلِكَ فِي حق البارى محَال كَمَا سلف

стр. 106

فَانْظُر إِلَى هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ كَيفَ الْتزم بَعضهم التعطيل خوف التجسيم وَالْتزم بَعضهم بَعضهم التجسيم خوف التعطيل ولسان الْحَال ينشد على لِسَان الْفَرِيقَيْنِ ويعبر عَن حَال الجمعين ﴿وَقَالَت الْيَهُود لَيست النَّصَارَى على شَيْء وَقَالَت النَّصَارَى لَيست الْيَهُود على شَيْء﴾ نعم لَو قيل إِن كَلَامه بحروف وأصوات لَا كحروفنا وأصواتنا كَمَا أَن ذَاته وَصِفَاته لَيست كذاتنا وصفاتنا كَمَا قَالَ بعض السّلف فَالْحق أَن ذَلِك غير مستبعد عقلا لكنه مِمَّا لم يدل الدَّلِيل الْقَاطِع على إثْبَاته من جِهَة الْمَعْقُول أَو من جِهَة الْمَنْقُول فَالْقَوْل بِهِ تحكم غير مَقْبُول وَعند ظُهُور الْحَقَائِق وانكشاف الدقائق فَلَا مبالاة بتلويق المتحذلق المتعمق الَّذِي لَا تَحْصِيل لَدَيْهِ وَلَا معول فِي تَحْقِيق الْحَقَائِق عَلَيْهِ إِذْ هُوَ فِي حيّز الْجُهَّال وداخل فِي زمرة أهل الضلال وَإِذا ثبتَتْ الصّفة الكلامية فَهِيَ متحدة لَا كَثْرَة فِيهَا وَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي إِثْبَات وحدة الْإِرَادَة وَالْعلم من المزيف وَالْمُخْتَار والاعتراض والانفصال فَهُوَ بِعَيْنِه يتَّجه هَهُنَا لَكِن رُبمَا زَاد الْخصم هَهُنَا تشكيكا وخيالا وَهُوَ قَوْله مَا ذكرتموه وَإِن دلّ على عدم لُزُوم صِفَات خَارِجَة فَالْقَوْل بِإِثْبَات أصل الْكَلَام مفض إِلَيْهَا أَيْضا وَذَلِكَ أَن من

стр. 107

ضَرُورَة وجود حَقِيقَة الْكَلَام أَن يكون أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا وَنَحْوه من أَقسَام الْكَلَام وَإِلَّا فَمَعَ قطع النّظر عَن هَذِه الْأَقْسَام لَا سَبِيل إِلَى تعلق وجود الْكَلَام وَإِذا كَانَ الْأَمر على هَذِه المثابة فَلَا محَالة أَن هَذِه الْأَقْسَام مُخْتَلفَة الصِّفَات متباينة فِي الْخَواص والمميزات وَعند هَذَا فإمَّا أَن تكون هَذِه الْخَواص المتمايزة وَالصِّفَات الْمُخْتَلفَة دَاخِلَة فِي حَقِيقَة الْكَلَام أَو خَارِجَة عَنهُ فَإِن كَانَت دَاخِلَة فِيهِ فَهُوَ محَال وَإِلَّا كَانَت الْحَقِيقَة الْوَاحِدَة لَهَا ذاتيات مُخْتَلفَة متنافرة إِذْ خَاصَّة الْأَمر يتَعَذَّر القَوْل بمجامعتها لخاصة النهى وَكَذَا فِي سَائِر خَواص أقسامه وَإِن كَانَت خَارِجَة عَن حَقِيقَة الْكَلَام فقد لزم القَوْل بِثُبُوت صِفَات زَائِدَة على مَا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل ولزمكم الْمَحْذُور ثمَّ إِن هَذِه الصِّفَات الزَّائِدَة لَا جَائِز أَن تكون لحقيقة وَاحِدَة لَا تعدد فِيهَا على نَحْو ثُبُوت الضحك والبكاء للْإنْسَان لكَونهَا متنافرة متعاندة على مَا سلف فبقى أَن تكون معتددة لَا محَالة وَسَوَاء كَانَ تعددها تعدد الْأَشْخَاص أَو الْأَجْنَاس فَإِن ذَلِك يُوجب نقض مَا ذكرتموه وَإِبْطَال مَا سلكتموه ولربما استندوا فِي بَيَان التَّعَدُّد إِلَى مَا أوردوه فِي نفى الْكَلَام عَن الذَّات من الإجماعات والظواهر من السّنَن والآيات الدَّالَّة على كَون الْقُرْآن مؤلفا من حُرُوف وأصوات وَأَنه مُرَتّب من سور وآيات ومجموع من كَلِمَات وَالْجَوَاب أَنا نقُول تعدد أَقسَام الْكَلَام وَاخْتِلَاف أَسْمَائِهِ من الْأَمر والنهى وَغير ذَلِك لَيْسَ هُوَ لَهُ بِاعْتِبَار تعدد فِي نَفسه أَو اخْتِلَاف صِفَات فِي ذَاته أَو لذاته

стр. 108

بل هُوَ النّظر إِلَى نَفسه من حَيْثُ هُوَ كَلَام وَاحِد وَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا بِاعْتِبَار إضافات مُتعَدِّدَة وتعلقات متكثرة لَا توجب للمتعلق فِي ذَاته صفة زَائِدَة وَلَا تعددا كَمَا أسلفنا فِي الطّرف الأول من التَّحْقِيق وَهُوَ على نَحْو قَول الفيلسوف فِي المبدأ الأول حَيْثُ قضى بوحدته وَإِن تكثرت أسماؤه بِسَبَب سلوب وإضافات وَأُمُور لَا توجب صِفَات زَائِدَة على الذَّات هَذَا كُله إِن سلكنا فِي التكثر مَذْهَب الإِمَام أَبى الْحسن الأشعرى وَإِلَّا إِن سلكنا مَذْهَب عبد الله ابْن سعيد فِي أَن الْأَمر والنهى وَغير ذَلِك لَا يكون إِلَّا عِنْد تحقق المتعلقات وَأَن الْكَلَام خَارج عَنْهَا أَو مَا نقل عَن بعض الْأَصْحَاب من أَنه إثبت لله تَعَالَى من الْكَلَام خمس كَلِمَات هِيَ خمس صِفَات وهى الْأَمر والنهى وَالْخَبَر والإستخبار والنداء فالإشكال يكون مندفعا وعَلى مَا ذَكرْنَاهُ من التَّحْقِيق يتَبَيَّن أَن من قَالَ من الْأَصْحَاب الْقَائِلين بنفى التكثر إِن الْأَوَامِر والنواهى وَغَيرهَا صِفَات خَارِجَة عَن الْكَلَام وَلم يرد بِهِ مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فقد أَخطَأ وَأما مَا اعتمدوه من الظَّوَاهِر الظنية والأدلة السمعية فقد سبق وَجه الِانْفِصَال عَنْهَا فَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل وبإعادة فَإِن قيل عَاقل مَا لَا تمارى نَفسه فِي انقسام الْكَلَام إِلَى أَمر وَنهى وَغَيره وَأَن مَا انقسم إِلَيْهِ حقائق مُخْتَلفَة وَأُمُور متنافرة متمايزة وَأَنَّهَا من أخص أَوْصَاف الْكَلَام لَا أَن الأختلاف رَاجع إِلَى نفس الْعبارَات والاعتبارات الحارجة فَإنَّا لَو قَطعنَا النّظر عَن

стр. 109

الاعتبارات الْخَارِجَة والمتعلقات ورفعناها وهما لم يخرج عَن كَونه منقسما وَمَعَ هَذَا التَّحْقِيق كَيفَ يسوغ القَوْل بالاتحاد ثمَّ ان مَا اخبر عَنهُ من الْقَصَص الْمَاضِيَة والأمور السالفة مُخْتَلفَة متمايزة فَإِن مَا جرى لكل نبى من الانبياء غير مَا جرى لغيره من الانبياء وَكَذَلِكَ المأمورات والمنهيات الْمُكَلف بهَا مُخْتَلفَة مُتَغَايِرَة فَكيف يكون نفس الْخَبَر عَمَّا جرى لآدَم وَإِبْرَاهِيم هُوَ نفس الْخَبَر عَمَّا جرى لمُوسَى اَوْ عِيسَى أم كَيفَ يكون نفس الامر بِالْحَجِّ هُوَ نفس الْأَمر بِالصَّلَاةِ وَأَن مَا توجه لزيد هُوَ نفس مَا توجه لعَمْرو وَكَيف هَذَا التَّدَاخُل أم كَيفَ يَجْعَل الْخَبَر أَو مَا سمى خَبرا هُوَ عين الْأَمر أَو مَا سمى أمرا هُوَ عين مَا سمى خَبرا مَعَ أَن الْأَمر هُوَ الطّلب والاقتضاء وَالْخَبَر لَا يشْتَمل على شئ من ذَلِك وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْخَبَر فَالْأَمْر أَيْضا غير مُشْتَمل عَلَيْهِ فَهَل هَذَا إِلَّا مَحْض تحكم غير مَعْقُول وَمَا لَيْسَ بمعقول لَا سَبِيل إِلَى إثْبَاته فَلم يبْق إِلَّا أَنه أَنْوَاع متمايزة الْخَواص مُخْتَلفَة الذوات مُشْتَركَة فِي الْجُمْلَة وَالْكَلَام كالجنس لَهَا والتمثيل بالمبدأ الأول مِمَّا لَا إِلَيْهِ سَبِيل فَإِن اتِّحَاد الذَّات مَعَ اخْتِلَاف اسمائها بِاعْتِبَار أُمُور إضافية أَو سلبية مِمَّا لَا امْتنَاع فِيهِ أما إِثْبَات صِفَات متضادة وخواص متنافرة وأقسام مُتعَدِّدَة لذات وَاحِدَة لَا تعدد فِيهَا وَلَا تغاير فَمن أمحل المحالات وأشنع المقالات وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ قُلْنَا قد بَينا فِيمَا سلف أَن الْكَلَام قَضِيَّة وَاحِدَة وَمَعْلُوم وَاحِد قَائِم بِالنَّفسِ وَأَن اخْتِلَاف الْعبارَات والتعبيرات عَنهُ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب اخْتِلَاف المتعلقات وَالنّسب والإضافات كَمَا حققناه فَمَا يَقع بِهِ التضاد أَو الِاخْتِلَاف أَو التَّعَدُّد فَلَيْسَ إِلَّا فِي

стр. 110

المتعلقات والتعلقات لَا فِي نفس الْمُتَعَلّق وَلَا أَن مَا وَقع بِهِ الِاخْتِلَاف أَو التضاد بَين الْأَمر والنهى وَغَيره من أخص صِفَات الْكَلَام بل كل ذَلِك خَارج عَنهُ وعَلى هَذَا نقُول لَو قطع النّظر عَن المتعلقات الْخَارِجَة وَرفعت عَن الْوَهم فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِهَذِهِ الْعبارَات والتعبيرات أصلا وَلَا يلْزم من ذَلِك رفع فهم الْكَلَام وَأَن تَزُول حَقِيقَته عَن الْوُجُود ايضا وَقَوْلهمْ كَيفَ يجوز أَن يكون الْمخبر عَنهُ مُتَعَددًا مُخْتَلفا وَالْخَبَر عَنهُ وَاحِدًا أم كَيفَ يكون الْمَأْمُور بِهِ مُخْتَلفا وَالْأَمر بِهِ وَاحِدًا وَكَيف تكون حَقِيقَة وَاحِدَة هى أَمر وَنهى وَخبر مَعَ أَن هَذِه الامور مُخْتَلفَة قُلْنَا هَل هَذَا إِلَّا مَحْض استبعاد وَخُرُوج عَن سَبِيل الرشاد فَإِنَّهُ إِذا عرف أَن اخْتِلَاف الْعبارَات والتعبيرات قد يكون بِاعْتِبَار اخْتِلَاف التعلقات وَالنّسب إِلَى الْأُمُور الْخَارِجَة والإطلاقات لم يمْتَنع أَن يكون الْمُتَعَلّق لَهُ حَقِيقَة وَاحِدَة وَوُجُود وَاحِد وَله متعلقات مُخْتَلفَة ويعبر عَنهُ بِسَبَب تعلقة بِكُل وَاحِد مِنْهَا بِعِبَارَة مَخْصُوصَة ولقب مَخْصُوص وَإِن كَانَ هُوَ فِي نَفسه وَاحِدًا وَذَلِكَ على نَحْو مَا ذكره الفيلسوف فِي المبذأ الأول وعَلى نَحْو مَا ينعكس على الأَرْض من الألوان الْمُخْتَلفَة من زجاجات مُخْتَلفَة الألوان بِسَبَب شروق الشَّمْس عَلَيْهَا ومقابلتها لَهَا فَإِن التأثيرات مُخْتَلفَة بِسَبَب المتعلقات لَا غير وَإِن كَانَ الْمُتَعَلّق فِي نَفسه وَاحِدًا وَقد يعبر عَنْهَا بِسَبَب هَذَا التقلق وَاخْتِلَاف المتقلقات والتأثيرت بأسماء مُخْتَلفَة حَتَّى يُقَال إِنَّهَا مسودة ومصفرة وَغير ذَلِك وَإِن كَانَت الشَّمْس فِي نَفسهَا وَاحِدَة فَكَذَلِك ينبغى أَن يفهم مثله فِي الْكَلَام فَإِن اخْتِلَاف هَذِه التعبيرات عَنهُ لَيْسَ لتَعَدد فِي نَفسه بل لتَعَدد المتعلقات وَاخْتِلَاف
следующие страницы →