Полный текст (399 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
مَعَ مَا نسب إِلَى الْمَجُوس وهم لَا بِكَثْرَة القَوْل سموا بِهِ وَلَكِن بِحَقِيقَة الْمَذْهَب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ سُئِلَ عَن وَجه تَسْمِيَة الحشوية لَهُم قدرية فَزعم أَن ذَا من خطئهم نَحْو خطئهم فِي أَكثر أُمُور الدّين مَعَ مَا انضموا إِلَى بني مَرْوَان وَذَلِكَ كَانَ مَذْهَبهم ليفرحوا بإضافتهم الْأَفْعَال الذميمة إِلَى قَضَاء الله وَقدره فساعدوهم على ذَلِك وبرؤوهم عَن الذَّم مِمَّا اقترفوا فِي الْحمل على الله وَرَأَوا ذَلِك شَائِعا لَهُم لفعل مُعَاوِيَة مَعَ مَا رَأَتْهُ قَتله على حَيْثُ جَاءَ بِهِ وَقَوْلهمْ الَّذِي تولى كَبِيرَة على وَعظم قَول الْمُعْتَزلَة فيهم حَيْثُ أخرجوهم عَن شَرَائِط الْإِمَامَة حَتَّى قبلوا مِنْهُم هَذَا الإسم وَأَطْنَبَ فِي هَذَا الَّذِي أَكْثَره كذب
قَالَ الْفَقِيه أما نِسْبَة السُّؤَال إِلَى الحشوية فَإِنَّمَا هُوَ تمويههم ليروا أَن الَّذِي سماهم بِهَذَا هم وَإِنَّمَا هَذِه التَّسْمِيَة متوارثة فِي الْأمة بأسرها فِي خبر عَن النَّبِي ﵇ صنفان من أمتِي لَا تنالهم شَفَاعَتِي الْقَدَرِيَّة والمرجئة وفسرت الْقَدَرِيَّة بنفيهم الْقدر على الله وَالْأَصْل فِي هَذَا أَن المرجئة هِيَ الَّتِي أرجت حَقِيقَة أَفعَال الْخلق إِلَى الله والقدرية هِيَ الَّتِي نفت عَن الله تدبيرها وَجعلت كل التَّدْبِير فِيهَا لِلْخلقِ حَتَّى معنى الْعَالم وَبِمَ على تَدْبِير الْخلق هم أفنوا وأبقوا وَبِه قَامَ تَدْبِير الله من الْبَعْث وَأهل الْجنَّة وَالنَّار لَيْسَ لله فِي ذَلِك إِلَّا الإختبار وَكَذَا لَا يُحَقّق لَهُ فِي الْعَالم أَفعَال سوى كَونه بعد أَن لم يكن وَالْعدْل هُوَ الْمَذْهَب الْمُتَوَسّط بَينهمَا وَذَلِكَ معنى قَول الله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ وَقَول رَسُول الله ﷺ خير الْأُمُور أوساطها وَنسب إِلَى الحشوية الْخَطَأ وَلَا أحد سلم عَنهُ وَالَّذِي قَالَه إِنَّمَا قَالَ قوم مِنْهُم وَأما الْمُعْتَزلَة فهم شاركوا الملحدة فِي إنْشَاء الْعَالم وإخراجه من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وَمَا ذكر من السَّبَب
стр. 317
وروى عَن بني مَرْوَان وَحكى عَن الَّذين برأوا المذنبين وحملوا ذَلِك على مَا ذكر فِي إِيجَاب الْقدر للعباد كذب كُله فنعوذ بِاللَّه من الْحيرَة فِي الدّين الحاملة على قذف الْمُسلمين ثمَّ احتجت الْقَدَرِيَّة فِي تَقْدِيم الْقُدْرَة الْفِعْل بآي من كتاب الله تَعَالَى مِنْهَا قَوْله ﴿فَخذهَا بِقُوَّة﴾ وَقَالَ أهل التَّأْوِيل فاعمل بهَا بجد واجتهاد فكأنهم رَأَوْا الْقُوَّة هَاهُنَا الْأَسْبَاب لَكِن الظَّاهِر من ذَلِك قَوْلنَا خُذْهَا بِقُوَّة أَي وَقت الْأَخْذ لِأَنَّهَا إِذا لم تكن فِي وَقت الْأَخْذ يكون الْأَخْذ بِلَا قُوَّة فَثَبت بِهِ الَّذِي يذهب كمن يَقُول لآخر خُذْهُ بيديك وَانْظُر إِلَيْهِ ببصرك فَهُوَ على الإلتقاء وعَلى ذَلِك قَوْله لمُوسَى ﴿فَخذهَا بِقُوَّة وَأمر قَوْمك يَأْخُذُوا بأحسنها﴾ وَاحْتَجُّوا أَيْضا بقول الجني ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لقوي أَمِين﴾ وَقَول الْمَرْأَة ﴿إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الْأمين﴾
قَالَ الشَّيْخ ﵀ والحرفان مِمَّا لَيْسَ لَهُم التَّعَلُّق بِهِ لما كَانَت قُوَّة مُوسَى الَّتِي علمت بهَا إِنَّمَا علمت وَقت النزح وَهِي لَا تبقى إِلَى ذَلِك الْوَقْت وَكَذَلِكَ قُوَّة الجنى على مَا امتحن نَفسه فِيمَا سبق وَالله الْمُوفق
وَالثَّانِي على إِرَادَة وَقت الإستعمال بِالْعَادَةِ الْجَارِيَة بالحدوث فِي كل وَقت لما شَاءَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد احْتَجُّوا بِمَا فِي الْقُرْآن من ذكر الإستطاعة وَقد بَينا ذَلِك الْوَجْه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الجبرية الْمَعْرُوفَة عندنَا هم الَّذين يلقبوا بالجبر وأحالوا الْقُدْرَة على مَا فِي الْفِعْل جعل الله كَاذِبًا وأرجعوا جَمِيع الْأَفْعَال إِلَى الله وَلم يثبتوا للعباد فِي التَّحْقِيق
стр. 318
فعلا قيل يَقُول لَهُم الله لم فَعلْتُمْ ذَا وَلم لَا فَعلْتُمْ ذَا ونقول إفعلوا ذَا وَلَا تَفعلُوا ذَا فِي التَّحْقِيق بل إِن أَمر أَو نهى فَإِنَّمَا يَأْمر فِي التَّحْقِيق نَفسه وَينْهى نَفسه ثمَّ هُوَ يرتكب المنهى فِي التَّحْقِيق وَيَأْمُر ويطيع هُوَ فِي الْحَقِيقَة ثمَّ يُعَاقب غَيره فيعذبه ويثيبه ويسميه مَعَ هَذَا حكيما رحِيما جلّ من صفته الرَّحْمَة وَالْحكمَة وعَلى ذَلِك يجب أَن لَا يَجدوا الْأَلَم فِي الْحَقِيقَة واللذة وَتَكون حَقِيقَتهَا رَاجِعَة إِلَى الله جلّ الله عَن ذَلِك وَتَعَالَى ثمَّ يبطل معنى الرُّسُل والكتب لما هِيَ فِي التَّحْصِيل تصير إِلَى الله بِالْأَمر والنهى والوعد والوعيد لَا مِنْهُ إِلَى غَيره ثمَّ يبطل حِكْمَة خلق الْخلق وَيحصل على الْعَبَث إِن كَانَ الْعلم يبلغ مَعْرفَته وَمن يكون خُرُوج فعله على كفران وجحود المنن وَالْكذب فِي الْإِخْبَار والسفه فِي الْأَفْعَال فَهُوَ حقيق أَن يكون شَيْطَانا رجيما فَهُوَ كَذَلِك لَا ريب فِيهِ وَهُوَ شَبيه بقَوْلهمْ كَانَ الله غير عَالم وَلَا قَادر ثمَّ صَار كَذَلِك فَلَعَلَّ تَدْبيره الْأَفْعَال الَّتِي كَانَت فِيمَا نسب إِلَى الْخلق فِي ذَلِك الْوَقْت جلّ الله وَتَعَالَى عَن ذَلِك
ثمَّ نسب الْقَدَرِيَّة وهم الَّذين يلقبوا بالإعتزال الْخَبَر إِلَيْنَا على تبرينا عَن ذَلِك عقدا وقولا لَكِن كذبهمْ فِي هَذَا نَحْو كذبهمْ علينا فِي اسْم الْقَدَرِيَّة ثمَّ نذْكر أحقنا بذلك فِي مُقَابلَة المذهبين ليعلموا جرْأَة الْمُعْتَزلَة وعظيم سفههم كَمَا بَينا فِي الْقَدَرِيَّة وَادعوا علينا اسْم الْجَبْر بإنكارنا كَون قدرَة الْفِعْل قبل وقته ثمَّ هم حققوا الْفِعْل فِي وَقت لَا قدرَة فِيهِ وَتَحْقِيق الْفِعْل فِي وَقت الْوَصْف بِلَا قدرَة أقرب إِلَى معنى الْجَبْر من تحقيقها مَعَ الْفِعْل لمن عقل الْجَبْر والإختيار وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَن الْفِعْل غير متوهم فِي حَال الْعَجز ومتوهم وجوده فِي حَال ارْتِفَاع الْعَجز فَكَانَ توهمه مَعَ الإرتفاع أرفع وأبلغ من توهمه مَعَ الْوُجُود إِذْ هُوَ سَبَب الْمَنْع فَكَذَلِك الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ سَبَب الْفِعْل فِي الْحَقِيقَة وَيُؤَيّد ذَلِك فَسَاد الدَّرك بالبصر مَعَ ذَهَابه بِمَا تقدم من الْبَصَر وَكَذَا السّمع وَعمل كل الْحَواس فَلذَلِك
стр. 319
كَانَ فَسَاد فعل الإختيار مَعَ الْعَجز وفقد الْقُدْرَة أوضح مِنْهُ مَعَ الْوُجُود وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَوجه آخر أَن قَول الْمُعْتَزلَة إِن الْإِرَادَة هِيَ إختيار الْفِعْل وَإِنَّمَا تكون مُتَقَدّمَة على الْفِعْل وَلَيْسَت بموجودة وَأَنه وجد فِي وَقت الْوُجُود بِلَا إِرَادَة مِنْهُ وَلَا إختيار وَحقّ اخْتِيَار الأول عَنهُ زائل إِذْ يجوز وُرُود الإضطرار فِي الْوَقْت الثَّانِي ومحال وُرُوده فِي الْوَقْت الَّذِي فِيهِ الإختيار والإختيار قَائِم ثَبت أَن فعله فِي التَّحْصِيل لَيْسَ بإختيار وَأَنه اضطرار وعلامة الْجَبْر هَذَا وَبِهَذَا الْفِعْل يوجبون الْعَدَاوَة وَالْولَايَة وَالْخُلُود فِي الْجنَّة وَالنَّار الْوَاقِع وَقت وُقُوعه بِلَا اخْتِيَار وَلَا قدرَة وَلَا أَمر أَيْضا وَلَا نهى فَمن تَأمل ذَلِك وجده عِنْد التَّحْقِيق قَول الجبرية فِي التَّصْرِيح لَكِن هُوَ لَا جبرية كَاذِبَة وَأُولَئِكَ جبرية صَادِقَة ثمَّ من قَوْلهم إِن من أَرَادَ الْفِعْل لأَقْرَب الْأَوْقَات إِلَيْهِ يَقع ذَلِك الْفِعْل وَإِن كرهه وَأَرَادَ صرفه وَيَقَع لَهُ بِهِ الْعَدَاوَة وَالْولَايَة وَإِن صَار بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ الصّرْف قبل وُقُوعه أَو مَعَه ثمَّ يكون ذَلِك الْوَقْت لَيْسَ بِوَقْت محَال لفوت ذَلِك الْفِعْل إِذْ قد يجوز عِنْدهم فَوته بِالْمَنْعِ والقهر ثَبت بِمَا ذكرت وُقُوعه بالجبر فِي التَّحْقِيق وَأَيْضًا على قَوْلهم فِي كَثْرَة جرى اسْم الْقَدَرِيَّة فِي غير مَوْضِعه على ألسنتهم يسمون بِهِ فَهُوَ كَذَلِك عِنْدهم مَعَ قَوْلهم بنسبتكم الْجَبْر إِلَى غَيرهم وَبِاللَّهِ المعونة والعصمة
ثمَّ سمت الْمُعْتَزلَة الحسينية مجبرة بِمَا قَالَت الحسينية للْعَبد قدرَة مَا هُوَ فِيهِ من الْفِعْل وَلَيْسَت لَهُ قدرَة ضِدّه وَقت الْفِعْل وَقبل ذَلِك الْوَقْت الإختلاف بَينهم وَبَين الْمُعْتَزلَة إِنَّمَا هُوَ فِي الإسم خَاصَّة لِأَن الحسينية تَقول هُوَ على مَا هُوَ فِيهِ فَعِنْدَ الله لطف لم يُعْطه والمعتزلة يَقُولُونَ لم يبْق عِنْد الله شَيْء فِيهِ صَلَاحه إِلَّا وَقد اعطى فقد اتفقَا على قدر مَا أعطَاهُ وَلَا قُوَّة لَهُ وَقت الْفِعْل عِنْد الْمُعْتَزلَة وَعند الحسينية لَهُ قدرَة مَا هُوَ فِيهِ وَله اخْتِيَار مَا هُوَ فِيهِ فَكَانَ الَّذِي مَعَه من
стр. 320
الْقُدْرَة والإختيار أَكثر من الَّذِي عِنْد الْمُعْتَزلَة فَكيف سمتهم الْمُعْتَزلَة مجبرة لَوْلَا قلَّة الحيا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالْأَصْل عِنْد الْحُسَيْن إِنَّه عِنْد الْفِعْل مضيع أحد القدرتين وَلَا عذر لَهُ فِي التضييع وَعند الْمُعْتَزلَة لَا قدرَة لَا بالتضييع وَلَا غَيره فَأَي الوصفين أشبه بالجبر لَو كَانَ ثمَّة إنصاف ثمَّ الَّذِي يُحَقّق أَن الْمُعْتَزلَة هِيَ الْمُجبرَة قَوْلهم للْعَبد الْفِعْل شَاءَ العَبْد أَو أَبى وَمن زَالَت عَنهُ الْمَشِيئَة فِي فعل فَهُوَ ساه أَو جَاهِل أَو عَاجز لَا يَخْلُو عَن ذَلِك مَعَ مَا قد جعلُوا للْعَبد أَن يُرِيد فِي سُلْطَان الله مَا لَا يُريدهُ ويشاء فِي ملكه مَا لَا يشاؤه وَهُوَ يَشَاء خِلَافه وَيُرِيد غَيره وَذَلِكَ عَلامَة القسر والجبر فعابت الجبرية فِي جبر العَبْد بِمَا رَأَوْا لله الْملك والجلال ثمَّ قَالَت بجبر رب الْعَالمين سفها بِغَيْر علم ولاقوة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نذْكر طرفا مِمَّا عابت الْمُعْتَزلَة حُسَيْنًا فِي النُّطْق ووافقته فِي التَّحْصِيل قَالَ حُسَيْن الْكَافِر وَقت كفره لَيست لَهُ قدرَة الْإِيمَان وقدرة الْإِيمَان عِنْده التَّوْفِيق والعصمة ووافقته الْمُعْتَزلَة على أَنه لَيْسَ بمعصوم وَلَا موفق بل هُوَ مخذول مَتْرُوك على رَأْيه وَذَلِكَ معنى قدرَة الْكفْر عِنْد الْحُسَيْن فاتفقا على الْمَعْنى الَّذِي اخْتلفَا فِي إسمه فَحق الْمَسْأَلَة بَينهم فِي جعل التَّوْفِيق والعصمة قُوَّة الْإِيمَان وَالتّرْك والخذلان قُوَّة الْكفْر لَا إِفْرَاد التَّكَلُّم فِي الْقُدْرَة والأغضاء عَن حَقِيقَة مَا يجب القَوْل بِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَقَالَ حُسَيْن معنى الْإِرَادَة فِي الله سُبْحَانَهُ أَنه لم يغلب وَلم يقهر وَقد أَعْطَتْ الْمُعْتَزلَة هَذَا الْمَعْنى فِي جَمِيع أَفعَال الْخلق إِنَّه لم يغلب وَلم يقهر فَتبْطل الْمَسْأَلَة فِي الْإِرَادَة إِنَّمَا بقيت فِي تَأْوِيل الْإِرَادَة لَا غير مَعَ مَا كَانَ من قَول الْحُسَيْن إِن أَفعَال الْعباد مخلوقة فأارد خَالِقهَا كَونهَا على مَا خلقهَا وَمذهب الْمُعْتَزلَة إِنَّهَا لَيست بمخلوقة لله فَتكون الْمَسْأَلَة فِي خلق الْأَفْعَال لَا فِي الْإِرَادَة
стр. 321
وَقَالَ الكعبي الْإِرَادَة مَعْنَاهَا أَنه مُخْتَار غير مغلوب فَمثله فِي كل شَيْء يلْزمه ثمَّ الْمُعْتَزلَة لَيست تثبيت لله إِلَى الْعَالم سوى أَن كَانَ وَلم يكن عَالم ثمَّ كَانَ عَالما فَصَارَ بذلك الْمَعْنى خَالِقًا لَهُ مرِيدا على الْوَجْه الَّذِي ذكر فَقَالَ حُسَيْن فِي أَفعَال الْعباد إِنَّه إِذْ كَانَ وَلَا هَذِه الْأَفْعَال ثمَّ كَانَت هَذِه وَكَانَت بإرادته الَّتِي تَأْوِيلهَا مَا وَصفه وَبِأَن خلقهَا بِأَن كَانَ وَلم تكن هِيَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن حُسَيْنًا يَجعله فِي الأول مرِيدا لكَون الْخلق على مَا كَانَ وَكَذَلِكَ لكَون كل مَخْلُوق على مَا كَانَ بإرادته والمعتزلة تنفى معنى الْإِرَادَة لَا تجْعَل غير أَن كَانَ وَلم يكن الْخلق ثمَّ كَانَ فَحق ذَلِك فِيهِ أوجب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة الْوَعيد يَأْخُذ من أخرجه فعله عَن الْإِيمَان وَكَذَلِكَ قَالَ حُسَيْن وَجَمِيع أهل الإرجاء إِن كَانَ من اسْتحق بِفِعْلِهِ زَوَال اسْم الْإِيمَان فَهُوَ كُله فِي النَّار أبدا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
والإختلاف بَين هَؤُلَاءِ فِيمَا بِهِ يخرج من الْإِيمَان لَا فِي حق الْوَعيد فالإحتجاج بآي الْوَعيد فِي الْ مَسْأَلَة خطأ
مَسْأَلَة
فِي مقترفي الذُّنُوب وَهِي يخرجُون بِذُنُوبِهِمْ من الْإِيمَان
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ تكلم النَّاس فِي مَحل الذُّنُوب وَتَسْمِيَة مقترفيها فَجمع بَينهَا قوم فِي الْإِخْرَاج من الْإِيمَان بقوله ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله﴾ وَقَوله ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة﴾ والذنُوب كلهَا فِي تَحْقِيق اسْم الْعِصْيَان وَاحِد فعلى ذَلِك فِي تَحْقِيق اسْم الضلال وَإِيجَاب الخلود فِي النَّار وَقَوله تَعَالَى
стр. 322
﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ يخرج على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكفر بِالتَّوْبَةِ لقَوْله ﴿ويخلد فِيهِ مهانا إِلَّا من تَابَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا عَسى ربكُم أَن يكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ وَغير ذَلِك من الْآيَات وَالثَّانِي أَن تكون الصَّغَائِر مِنْهَا الَّتِي تقع على السَّهْو والغفلة فَهِيَ المغفورة بِمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾ وَقَالَ ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ﴾ وَمَا جَاءَ من الْخَبَر بِالْعَفو عَنهُ ثمَّ حقق قوم مِنْهُم لَهُ اسْم الْكفْر بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا بقوله ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ وَقَالَ ﴿وَهل نجازي إِلَّا الكفور﴾ وَقَالَ ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ وَقَالَ ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا﴾ وَقَالَ ﴿وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ فَأثْبت الْجَزَاء فِيمَا صغر مِنْهُ وَأخْبر أَنه لَا يجازى إِلَّا الكفور وَلَا يُصليهَا إِلَّا من ذكر مَعَ مَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾ وكل عَاص فَهُوَ يُؤْذِي رَسُول الله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّانِي أَن عقد إِيمَان كل مُؤمن أَن لَا يعْصى الله فِيمَا أمره وَنَهَاهُ فَمن عَصَاهُ لم يَفِ بِهِ مَعَ مَا كَانَ إعتقاده كَانَ مَوْقُوفا على مَا يظْهر بالإبتلاء بقوله
стр. 323
﴿أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا أَن يَقُولُوا آمنا﴾ وَقَالَ ﴿وليعلمن الْمُنَافِقين﴾ فِي مَوضِع آخر فَثَبت بذلك اسْتِحْقَاق اسْم الْكفْر بِمَا ظهر كذبه فِيمَا أظهر من الإعتقاد وَالنَّظَر يُوجب ذَلِك بِمَا هُوَ بِالَّذِي مُخَالفا فِيهِ من الله مُجيب الشَّيْطَان إِلَى مَا دَعَاهُ ومطيع لَهُ فِيمَا أمره وَمن ذَلِك وَصفه فقد عَبده وَمن عبد الشَّيْطَان فَهُوَ كَافِر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمِنْهُم من يُسَمِّيه مُشْركًا لَا كَافِرًا إِنَّمَا صَار إِلَى مَا صَار بِالْفِعْلِ لَا بِالْقُوَّةِ وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾ فَجعل فِي الْعَمَل شركا وَكَذَا تَسْمِيَة أهل الشّرك بِمَا أشركوا فِي الْعِبَادَة غير الله وَذَلِكَ معنى قَوْله ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ وَقَالَ ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ وَقد بَينا إِنَّمَا يغْفر من الذُّنُوب هِيَ الَّتِي كَانَت على الْخَطَأ أَو الْإِكْرَاه كَمَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمِنْهُم من قسم الذُّنُوب قسمَيْنِ فَجعل مِنْهَا صغائر تغْفر بإجتناب الْكَبَائِر وبالعفو بالجزاء وَنَحْو ذَلِك على اخْتِلَاف أقاويلهم وَهُوَ قَوْلنَا فِي أى أَلا يجوز إِخْرَاج صَاحبهَا من الْإِيمَان وفاسد مَعَ الْإِيمَان الخلود فِي النَّار لما يُوجب الْخلف فِي الْوَعْد بقوله ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ وَمَا جَاءَت بِهِ الْآيَات فَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن والوعد فِي ذَلِك ثمَّ الَّذِي يمْنَع اسْم الْكفْر فِي الْحَقِيقَة والشرك أوجه أَحدهَا أَمر الله نبيه أَن يسْتَغْفر لَهُ وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات
стр. 324
ثمَّ لَا يحْتَمل الْأَمر بِهِ على إِثْبَات كفر أَو شرك بقوله ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ وَبِمَا أمره أَن يسْتَغْفر للْمُؤْمِنين ومحال يَأْمُرهُ بالإستغفار باسم الْإِيمَان وَهُوَ عَنْهُم زائل لِأَنَّهُ يُوجب الْكَذِب ثمَّ قد حذره الله عَن الإستغفار لأهل الشّرك بِمَا ذكرت وَلأَهل النِّفَاق بقوله ﴿سَيَقُولُ لَك الْمُخَلفُونَ من الْأَعْرَاب﴾ وَقَوله ﴿سَوَاء عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم﴾ وَنَهْيه إِيَّاه عَن الصَّلَاة فَثَبت أَن أُولَئِكَ الَّذين أَمرهم بالإستغفار هم أهل الْإِيمَان فِي الْحَقِيقَة ثمَّ لَا يحْتَمل أَن يُؤمر بالإستغفار وَلَا ذنُوب لَهُم أَو كَانَت مغفورة لَهُم لِأَن الاسْتِغْفَار هُوَ طلب الْمَغْفِرَة وطلبها لمن قد غفر لَهُ كتمان نعْمَة الغفران وَذَلِكَ كفران النِّعْمَة بل حق ذَلِك الشُّكْر وَالْحَمْد وَمَا لَا ذَنْب لَهُ ثمَّة فَيخرج طلب الْمَغْفِرَة مخرج كفران الْعِصْمَة وَالسُّؤَال أَن لَا يجوز إِذْ تَعْذِيب مثله فِي حكمه جود ثمَّ لَا يحْتَمل أَن يكون رَسُول الله وَالْمَلَائِكَة يَسْتَغْفِرُونَ لمن أمروا بِهِ ثمَّ لَا يجابون فَيثبت بِهَذَا أَن لَا يَزُول اسْم الْإِيمَان لكل ذَنْب وَأَن من الذُّنُوب مَا لَيْسَ بمغفور يغْفر بِالتَّوْبَةِ عَنهُ إِذْ لَيْسَ فِي اسْتِغْفَار غير المذنب تَوْبَة وَفِي ذَلِك نقض على الْمُعْتَزلَة فِي إزالتهم اسْم الْإِيمَان لكل ذَنْب وَأَن من الذُّنُوب مَا لَيْسَ بمغفور يغْفر بِالتَّوْبَةِ عَنهُ إِذْ لَيْسَ فِي اسْتِغْفَار غير المذنب تَوْبَة وَفِي ذَلِك نقض على الْمُعْتَزلَة فِي إزالتهم اسْم الْإِيمَان بِكُل ذَنْب لَيْسَ بمغفور لصَاحبه حَتَّى يسْتَغْفر وَنقض على الْخَوَارِج بِمَا ذكرنَا وَالله أعلم
وَأَيْضًا إِن الله تَعَالَى قَالَ فِي الذُّنُوب الَّتِي لَا يغفرها ﴿سَوَاء عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم﴾ وعَلى ذَلِك قَالَ ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا﴾ فألزمهم التَّوْبَة مَعَ إِثْبَات الْإِيمَان وَأخْبر أَنه بِالتَّوْبَةِ يغْفر لَهُم وَفِي ذَلِك وَجْهَان أَحدهمَا على
стр. 325
الْمُعْتَزلَة فِي إزالتهم اسْم الْإِيمَان فِي كل ذَنْب لَا يغْفر عِنْدهم إِلَّا بِالتَّوْبَةِ وَفِي ذَلِك إثْبَاته وعَلى الْخَوَارِج بتسميتهم كفرة وَأهل الشّرك ومحال مَعَ ذَلِك اسْم الْإِيمَان وَالْأَمر بِغَيْرِهِ وَالله الْمُوفق
وَلَو كَانَ فِي شَيْء تَسْمِيَة بالْكفْر فَهُوَ مجَاز اللُّغَة من حَيْثُ ذَلِك صنيعهم وَنَحْو ذَلِك على مَا يُقَال للمرء أَصمّ وأعمى بِمَا لَا يقف على حَقِيقَة مَا بذلك يُوصل إِلَيْهِ وَذَلِكَ نَحْو قَوْله ﴿من كفر بِاللَّه من بعد إيمَانه﴾ فَأثْبت اسْم الْكفْر فِيمَا كَانَ مِنْهُ على الْإِكْرَاه لفظا لَا تَحْقِيقا لما اطْمَأَن قلبه بِالْإِيمَان فَثَبت أَن قد يجوز تَسْمِيَته لنوازل مجَازًا فَمثله الْأَعْمَال وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا إِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ ثمَّ مَعْلُوم أَنه لَا يرى الْخَيْر وجزاه مَعَ الشّرك وَلَا جزاه شَرّ فِي حَال الْكفْر يرى ذَلِك بعد الْإِيمَان لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يعْمل سوءا أَو يظلم نَفسه﴾ وَقَوله ﴿إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ وَقَالَ ﴿فَأُولَئِك يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات﴾ دلّ مَا ذكرت من تَحْقِيق حَال فِيهَا جَزَاء الْأَمريْنِ وَذَلِكَ لَا يكون على قَول الْمُعْتَزلَة فِي وَقت الْكَبَائِر وَلَا فِي وَقت الصَّغَائِر وَكَذَا فِي قَول الْخَوَارِج وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الله تَعَالَى قَالَ ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ وَمَعْلُوم أَن الشّرك قد يغْفر بِالتَّوْبَةِ فَبَطل بِهِ قَول من يَجعله لما قسم الْكتاب وَبَطل قَول من يبطل الْمَغْفِرَة فِي الْكَبَائِر بِلَا تَوْبَة لِأَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ جعل لنَفسِهِ مَشِيئَة الْمَغْفِرَة وَذَلِكَ
стр. 326
فِيمَا كَانَ فِي الْحِكْمَة لَكِن دَفعه سفه جلّ الله عَن ذَلِك وَتَعَالَى فَلَزِمَ الَّذِي ذكرت الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا
ثمَّ الَّذِي ينْقض قَول الْخَوَارِج الَّذين يكفرون بالصغائر مَا بلَى بهَا الْأَنْبِيَاء والأولياء وَمَا يكفر يسْقط النُّبُوَّة وَالْولَايَة وَمن ذَلِك وصف إيمَانه بالأنبياء فَهُوَ كَافِر بهم فَبلغ من تعظيمهم الذُّنُوب إِلَى أَن كفرُوا بِهِ وَهُوَ أعظم الذُّنُوب وَهَذَا حق من تعدى حُدُود الله فِي الحكم وغلا فِي دين الله أَن يكون عطبه من أَرْجَى مَا يكون عِنْده من أَسبَاب النجَاة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى قَول الْمُعْتَزلَة فِي ذَلِك وصف الله الْأَنْبِيَاء بِالدُّعَاءِ لَهُ تضرعا وخفية وَطَمَعًا وخوفا وببكائهم على مَا كَانَ مِنْهُم من الزلات وتضرعهم إِلَيْهِ حَتَّى أجِيبُوا فِي دُعَائِهِمْ وأعطوا سؤلهم وَلَو لم تكن ذنوبهم بِحَيْثُ احْتِمَال التعذيب عَلَيْهَا فِي الْحِكْمَة أَو كَانَ عَلَيْهِم من ذَلِك خوف التعذيب لَكَانَ فِي ذَلِك تعدى الْحَد وَالْوَصْف بالجود والتعدي مِنْهُ وَذَلِكَ أعظم من الزلات فَهَذَا ينفى قَول الْمُعْتَزلَة فِي إِثْبَات الْمَغْفِرَة فِي الصَّغَائِر وَإِخْرَاج فعل التعذيب عَن الْحِكْمَة وَقَول الْخَوَارِج بِإِزَالَة اسْم الْإِيمَان عَنهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ القَوْل فِي جعل الصَّغَائِر كفرا أَو شركا أَو التخليد فِي النَّار جَزَاء لَهَا قَول مهجور بِمَا يسْقط معنى تَسْمِيَته عفوا غَفُورًا رحِيما إِذْ لَا يَسعهُ مأثم وَلَا زلَّة بِلَا تَوْبَة وَيُوجب بِهِ المعاداة بعد أَن عرفه عفوا غَفُورًا كَرِيمًا وعادى لأَجله من أَزَال عَنهُ هَذَا الإسم إِلَى كل مَا يُوصف كل قَاس وكل لئيم وَبِه يسْتَحق الَّذِي قَالَ إِذْ هَذَا أعظم الذُّنُوب حَيْثُ صِفَات الرب ثمَّ بِمَا بلَى بِهِ الْأَنْبِيَاء فيكفر بهم فِي تِلْكَ الْأَحْوَال وَمن كفر بِنَبِي فِي وَقت فَهُوَ كَافِر لَا ريب فِيهِ ثمَّ بِهَذَا وصف الرب بالجود لما فِيهِ إبِْطَال الْحَسَنَات بزلة وَالْعدْل هُوَ الَّذِي يجزى بِالْإِحْسَانِ والإساءة فِيمَا أظهر من كرمه ثمَّ التجهيل بِمَا لم يعرف من يصلح للرسالة وَيقوم بأَدَاء الْأَمَانَة ثمَّ بِمَا لَا أحد عَنهُ فَيكون فِي الَّذِي ذكر
стр. 327
تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق ثمَّ يَنْقَطِع مِنْهُ الْخَوْف والرجاء وَيحصل الْأَمر على الْأَمْن والإياس وَقد شهد عَلَيْهَا بالضلال وَالْكفْر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نذْكر مَا قيل فِي الْكَبَائِر فَإِنَّهَا إِذْ صَارَت بِحَيْثُ إحتمال الْعَفو فَمَا دونهَا أولى وَبِمَا لِلْقَوْلِ بِهِ فِيهَا على الإختلاف أثر بَين فِي الْأمة فصرف الْكَلَام إِلَيْهِ أَحَق وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
مَسْأَلَة
اخْتِلَاف الْمُسلمين فِي مرتكبي الْكَبَائِر
ثمَّ اخْتلفت الْأمة فِي مرتكبي الْكَبَائِر من الْمُسلمين دَفعته إِلَيْهَا الْغَلَبَة من شَهْوَة أَو غَفلَة أَو شدَّة الْغَضَب وَالْحمية أَو رَجَاء الْعَفو وَالتَّوْبَة من غير استحلال مِنْهُ وَلَا استخفاف مِنْهُ بِمن أَمر وَنهى فَمنهمْ من جعله كَافِرًا وَمِنْهُم من جعله مُشْركًا وَمِنْهُم من جعله غير مُؤمن وَلَا كَافِر وَمِنْهُم من يَجعله منافقا وَمِنْهُم من جعله مُؤمنا على مَا كَانَ عَاصِيا بِمَا فعل فَاسِقًا بِهِ من غير أَن يُطلق لَهُ اسْم الْفسق والفجور إِلَّا مَعَ من يعلم مَا بِهِ سمى ذَلِك وَيرى أَن يكون لله تعذيبه بِقدر ذَنبه وَالْعَفو عَنهُ بِمَا علم مِنْهُ من الصدْق لَهُ فِي العبودة وَغَيره من الْحَسَنَات وَمِنْهُم من وقف فِي الْوَعيد إِنَّه أُرِيد بِهِ المستحيل أَو غَيره وَرَآهُ وَاجِبا فتفريق من ذكرت بَين الصَّغَائِر والكبائر فِيمَا يثبت فِي الصَّغَائِر من إِمْكَان الْعَفو أَو إبْقَاء اسْم الْإِيمَان أوجب صرف الْوَعيد إِلَى الْكَبَائِر وَمَا يثبت من ذكر جَزَاء الْكفْر والشرك وَنَحْوه يُوجب تَحْقِيق اسْم الشّرك وَقَول قوم وَالْكفْر على قَول وأيد ذَلِك قَوْله ﴿إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ﴾ وَقَالَ ﴿وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون﴾ مَعَ مَا كَانَ صَاحب الْكَبِيرَة حَاكما بِغَيْر الَّذِي أنزل
стр. 328
الله وتاركا الحكم بِهِ وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾
وَبعد فَإِنَّهُ قد سمى بالأسماء الَّتِي سمى الله بهَا الْكَفَرَة من الْفسق والفجور وَالظُّلم لزمَه أَيْضا اسْم الْكفْر مَعَ مَا قسم الله الْبشر الَّذين جرى عَلَيْهِم الْقَلَم فِيمَا عَلَيْهِ أَمرهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾ وَقَالَ ﴿فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر﴾ وَقَالَ ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه﴾ وَقَالَ ﴿يضل من يَشَاء﴾ وَقَالَ ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤمنا كمن كَانَ فَاسِقًا لَا يستوون﴾
ثمَّ بَين كفر الْمُسَمّى فَاسِقًا وَقَالَ فِي أَمر الْآخِرَة ﴿يَوْم تبيض وُجُوه﴾ وَقَالَ ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ﴾ فجعلهم جَمِيعًا متسمين فَلَا ثَالِث فِي التَّحْقِيق مَعَ مَا بَين أَن النَّار أعدت للْكَافِرِينَ فَإِذا ثَبت الْوَعيد لصَاحب الْكَبِيرَة جعله كَافِرًا
وَبعد فَإِن الله تَعَالَى وصف أَنه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ وَقد لزم أَلا يأس على قَول هُوَ لَا لزمَه اسْم الْكفْر على أَن الْأَسْمَاء لَا مَنَافِع لَهَا وَلَا مضار بهَا على أَهلهَا إِنَّمَا المضار وَالْمَنَافِع فِي حقائق مَا لَهَا الْأَسْمَاء فَإِذا لزم الخلود فِي النَّار بطلت فَائِدَة الإسم إِن كَانَ مُؤمنا أَو كَافِرًا لَا يمْنَع عَنهُ اسْم الْكفْر إِذْ عُوقِبَ بعقوبته وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 329
وألزموا الْوَعيد بِمَا فِي الرّفْع لُحُوق الْكَذِب وَالله يجل عَن ذَلِك وكل الَّذِي ذكرت يلْزم الْمُعْتَزلَة فِي مَنعهم تَسْمِيَة الْكفْر على أَن قَوْلَيْنِ من أقاويل منتحلى الْإِسْلَام حصلا فِي حق الْأَسْمَاء على عَبث وَإِبْطَال مَا جبل عَلَيْهِ الْبشر من جلالة قدر الْإِيمَان فِي قُلُوبهم وَعظم الله دين الْإِسْلَام فِي الْعُقُول فصير أحد فريقي الْإِسْلَام أسم الْإِيمَان لكل خير يقطع فزع تبدل دين الْإِسْلَام وأزال جلالة قدره حَيْثُ أشركوا فِي إسمه كل شَيْء مِمَّا يحْتَمل أَن يكون لَهُ اسْم الْخَيْر فاشترك فِي هَذَا الحشوية والمعتزلة وانفردت الْمُعْتَزلَة بِمَنْع اسْم الْكفْر عَن أَصْحَاب الْكَبَائِر على تَحْقِيق جَمِيع مَا فِي الْكفْر من الْعقُوبَة فِي ذَلِك فَلم يحصل لَهُم بِمَا تحرجوا عَن التَّسْمِيَة بِمَا كَانَ فزعهم عَن إسمه إِلَّا لعَظيم الْوَعيد فِي ذَلِك وَإِلَّا التَّسْمِيَة إِذْ ألم لنفع يُرْجَى أَو لضَرَر يتقى فَكَانَت من الْمُسلمين بهَا إِبَاحَة إِن ساءت أَو حسنت إِذا لم تكن يجب بحسنها حسن أَو قبح وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فَدخل تَسْمِيَة الشّرك وَالْكفْر فِيمَا مر بَيَانه وَمن حقق لَهُ اسْم النِّفَاق فلمخالفة مَا أعْطى بِلِسَانِهِ من الْإِيمَان وتعاهد حُدُوده وَحفظ حُدُود الله مَا ظهر بأفعالهم وَبِذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وليعلمن الله الَّذين آمنُوا وليعلمن الْمُنَافِقين﴾ وَقَالَ ﴿الم أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا﴾ أخبر بِبَيَان مَا أَعطَتْهُ الألسن من الصدْق وَالْكذب بالمحنة وَكَذَا روى عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ ثَلَاث من كن فِيهِ فَهُوَ مُنَافِق من إِذا حدث كذب وَإِذا وعد خلف وَإِذا اوتمن خَان فقد ظهر لَهُ ذَلِك كُله من مرتكبي الْكَبِيرَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
واحتجت الْمُعْتَزلَة فِي الإسم بِمَا سمى صَاحب الْكَبِيرَة بأسماء خبيثة وَالْإِيمَان من الْأَسْمَاء الطّيبَة لَا يُسمى بِهِ مَعَ مَا جَاءَ من الْوَعْد باسم الْإِيمَان والوعد لَا يحْتَمل الْخُصُوص ثمَّ صَاحب الْكَبِيرَة قد جَاءَ فِيهِ الْوَعيد فَبَطل أَن يكون
стр. 330
مُؤمنا وَلم يسم بِهِ كَافِرًا بِمَا لم يرد بِهِ التَّسْمِيَة فَسمى بِهِ الَّذِي أجمع أَنه لَهُ اسْم وَهُوَ الْفسق والفجور وَالظُّلم ثمَّ لَهُم فِي الْوَعيد أَمْرَانِ عُمُوم أخباره وَالثَّانِي قَوْله ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ بَين مَا لَا يغْفر مَعَ مَا كَانَ الْوَعيد بالتخليد أعظم فِي الْمَنْع وأبلغ فِي الزّجر فَهُوَ أَحَق على أَن الْوَعيد إِذا وَجب لزم دُخُول النَّار وَلم يذكر فيهم الْخُرُوج وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ نستعين أجمع هُوَ لَا على اخْتلَافهمْ أَن الْوَعيد مِمَّا لم يُشْرك فِيهِ الْمُؤمنِينَ بل هُوَ فِي كل ذَنْب أخرج صَاحبه عَن الْإِيمَان وَأسْقط عَنهُ اسْمه والمرجئة توافقهم أَن كل ذَنْب يخرج صَاحبه عَن الْإِيمَان فالوعيد لَهُ لَازم ثمَّ إِن المرجئة تخَاف على الْمُؤمنِينَ فِيمَا ارتكبوا من المأثم مَعَ قيام الْإِيمَان بالعقوبة وَأُولَئِكَ لَا يخَافُونَ عَلَيْهِم وَكَانَ احتجاجهم بِعُمُوم الْآثَار فَثَبت بِالَّذِي ذكرت من قَول الْجُمْلَة أَن المرجئة وَهِي الَّتِي أرجأت الذُّنُوب أَشد اسْتِعْمَالا لَهَا على الْعُمُوم من الَّذين ادعوا عمومها إِذْ هم عِنْد التَّحْصِيل جعلُوا الْوَعيد فِي أحد فريقي الْبشر وهم الَّذين لَيْسُوا بمؤمنين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قد ثَبت بأدلة الْقُرْآن وَمَا عَلَيْهِ أهل الْإِيمَان وَالَّذِي جرى بِهِ من اللِّسَان أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِهِ نؤمن وَبِذَلِك جرت أَحْكَام الْقُرْآن فِي الْحَلَال وَالْحرَام وَمَا بِهِ قيام الْعبارَات والإشتراك فِي الْجَمَاعَات والإجتماع فِي مجَالِس الذّكر والخيرات على غير تناكر مِنْهُم وَفِيهِمْ الْقبُول بِحَق الْمُؤمنِينَ وَكَذَا جَمِيع مَا جرى بِهِ الْخطاب لم يُوجد معتزلي وَلَا خارجي وَلَا حشوى مَعَ مَا فيهم أَنْوَاع المعاصى والسيئات الَّتِي بَان لَهُم أَنَّهَا كَبَائِر أَو لم يبين لَهُم حَقِيقَتهَا بِخَبَر فِي أَمر الْخطاب أَن يكون غير أحد لَهُ لما فِيهِ فَثَبت أَن الْإِيمَان لم يزل عَنهُ وَأَن الإسم قَائِم لَهُ فَيبْطل بِهَذِهِ الْجُمْلَة الَّتِي من دَفعهَا يعلم أَنه مكابر معاند مَا قَالَت الْخَوَارِج والمعتزلة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن الله سُبْحَانَهُ أبقى لَهُ اسْم الْإِيمَان مَعَ تَحْقِيق مَا عَلَيْهِ الْوَعيد فِي
стр. 331
حكمه بقوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فَأوجب فِي المقت عِنْده مَعَ اسْم الْإِيمَان بِحرف العتاب الَّذِي لَا يحْتَمل النُّطْق قبل مقارفة الذَّنب بقوله ﴿لم تَقولُونَ﴾ والمقت لَا يُوجب الذَّنب الَّذِي فِي الْحِكْمَة لُزُوم الْمَغْفِرَة لَهُ وَقَالَ ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أثبت لَهُم اسْم الْإِيمَان مَعَ إِلْزَام اسْم الْبَغي لأَحَدهمَا فِي الْقِتَال وألزم من حضر مَوته المبغى عَلَيْهِ حَتَّى يرجع الآخر إِلَى أَمر الله وَلَو كَانَ ذَلِك خُرُوج من الْإِيمَان لَكَانَ الْحق فِي مثل ذَلِك غير الَّذِي ذكر وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى﴾ وَمَعْلُوم أَنه لَا يجب إِلَّا بقتل الْعمد فَأثْبت لَهُم فِي ابْتِدَاء الْآيَة اسْم الْإِيمَان وَأبقى بَينهمَا الْأُخوة وَأخْبر أَن ذَلِك تَخْفيف من ربكُم وَرَحْمَة وتبعد هَذِه الْأَوْصَاف فِيمَن أخرجهم الْفِعْل من الْإِيمَان وَقَالَ ﴿وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَإِن استنصروكم فِي الدّين﴾ أثبت لَهُم اسْم الْإِيمَان وَجمع بَينهم فِي الدّين على تخلفهم عَن الْهِجْرَة مَعَ عظم مَا فِيهِ من الْوَعيد بقوله ﴿الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ وَقَالَ أَيْضا ﴿لَا تخونوا الله وَالرَّسُول﴾ فَأثْبت لَهُم اسْم الْإِيمَان مَعَ قبح صنيعهم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 332
وَأَيْضًا أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا﴾ وَقَالَ ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أخبر أَن عَلَيْهِم ذنوبا تغْفر بِالتَّوْبَةِ وَيكفر بهَا على إبْقَاء اسْم الْإِيمَان وَفِي قَول هَؤُلَاءِ لَا يجوز ذَلِك فَثَبت أَن القَوْل هُوَ قَول من لم يزل عَنْهُم اسْم الْإِيمَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَنَوع آخر أَن الله تَعَالَى أوجب كثيرا من الْعِبَادَات باسم الْإِيمَان وَجعل علم الْحل وَالْحُرْمَة فِي كثير من ذَلِك اسْم الْإِيمَان وزواله ثمَّ شَارك من أحدث أَفعَال الْفسق مَعَ الْإِيمَان فِيهَا غَيره ثَبت أَن اسْم الْإِيمَان غير زائل عَنْهُم مَعَ مَا قد تقدم بَيَان مَا لَهُ اسْم الْإِيمَان مَا يكفى ذَا الْعقل عَن الإطناب ثمَّ إِجْمَاع النقلَة فِي إِثْبَات الشَّفَاعَة وتوارث الْأمة فِي الصَّلَاة على جَمِيع من مَاتَ من أهل الْقبْلَة والإستغفار لَهُم والترحم عَلَيْهِم هُوَ الدَّلِيل لمن أَبَت نَفسه تَكْذِيب الْأَخْبَار الصِّحَاح وَمُخَالفَة أَئِمَّة الْهدى وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَول الْمُعْتَزلَة فِي تَحْقِيق الْإِيَاس من روح الله مَعَ نفيهم اسْم الْكفْر وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ﴾ قَول متناقض إِذْ الله جمع بَين الْكفْر والإياس فَمن أثبت أَحدهمَا لزم الآخر فَإذْ ثَبت عندنَا وَعِنْدهم أَنه لَيْسَ بِكَافِر إِذْ الْكفْر فِي الْعرف تَكْذِيب وَصَاحب الْكَبِيرَة بالتصديق فِي حَالَة يَرْجُو عَفوه وَيُخَالف عَذَابه وَيعلم أَن من أيأسه من رَحْمَة ربه ضال جَاهِل بِاللَّه ثَبت أَنه لَيْسَ بمكذب وَفِي الْحَقِيقَة الْكفْر اسْم للستر وَصَاحبه لَا يستر شَيْئا من نعم ربه وَلَا يُنكر حَقه فَيبْطل أَن يكون كَافِرًا فَمثله الْإِيمَان فِي الْعرف والسمع تَصْدِيق وَمَعْلُوم أَنه لم يكذب الله فِي شَيْء ثَبت أَنه مُؤمن وَالله الْمُوفق
ثمَّ الْحق أَن يُقَال جَمِيع الْخَوَارِج والمعتزلة عِنْد ارتكابهم الْكَبَائِر كفرة على
стр. 333
قَوْلهم مستوجبون للخلود فِي النَّار وَغَيرهم من أَصْنَاف منتحلى الْإِسْلَام لأوجه أَحدهَا أَنهم أَجمعُوا على من ﵀ وَذَلِكَ وصف الْكفْر بِمَا ذكر من الْآيَة وَبِقَوْلِهِ ﴿وَالَّذين كفرُوا بآيَات الله ولقائه أُولَئِكَ يئسوا من رَحْمَتي﴾ فَلَزِمَ الْفَرِيقَيْنِ اسْم الْكفْر وَالْخُلُود فِي النَّار وَأما الْمُؤْمِنُونَ بآيَات الله وصفوه عفوا غَفُورًا رحِيما محققين لذَلِك فهم لَهُم الرَّجَاء وَلَا يجوز لَهُم الشَّهَادَة بِوَاحِد من الْأَمريْنِ فَتَوَلّى كل قَول كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم﴾ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّانِي أَنهم جَمِيعًا ضيقوا رَحْمَة الله فجعلوها بِحَيْثُ لَا تتسع لذنب إِذْ الذُّنُوب الَّتِي لَيست بكبائر لَا يجوز مَعهَا التعذيب فَلَيْسَ لرحمة الله فِيمَا لَيْسَ لَهُ التعذيب وَلَا لعفوه فِيمَا اسْتغنى عَنهُ بالحكمة وَجعلُوا الْغَضَب والسخط هُوَ الَّذِي يسع كل ذَنْب فِي الْحِكْمَة يجوز لَهُ التعذيب فَلَا عَفْو إِذا على قَوْلهم وَلَا رَحْمَة فَحق هَذَا القَوْل الحرمان وَأما من يصفه بسعة الرَّحْمَة وعظيم الْعَفو فَحق لَهُ الْمَغْفِرَة وَالْعَفو لِأَن كل كريم يُوصف بِهَذَا فَهُوَ أميل لَهُ من الْوَصْف لَهُ بِمَا وَصفته الْخَوَارِج والمعتزلة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّالِث قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ وَلَا يجوز أَن يكون الَّذِي بِهِ الإنتهاء غير مَحْدُود وَلَا مَعْرُوف الْوُصُول إِلَى جَمِيع الطَّاعَات وَالْقِيَام بِجَمِيعِ الْأُمُور بتأخر الْحَيَاة على قَول الْخَوَارِج فَتَصِير بِحَيْثُ لَا انْتِهَاء عَنهُ وَكَذَلِكَ على قَول الْمُعْتَزلَة فَثَبت أَن الإنتهاء هُوَ الَّذِي يملكهُ كُله فِي كل وَقت وهوالبرء عَن كل أَنْوَاع الْكفْر والمعاصي وَالْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى وبجميع مَا يُؤمن الْمَرْء بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 334
وَهَذَا على قَول الْمُعْتَزلَة إِذْ جعلُوا بَين الْكفْر وَالْإِيمَان منزلَة وَالله تَعَالَى وعد مَا ذكر بالإنتهاء عَن الْكفْر يلْزم أَن يكون صَاحب الْكَبِيرَة مغفورا لَهُ وخاصة الْكَافِر إِذا كَانَ مَعَ الإنتهاء من الْكفْر مرتكب الْكَبَائِر فَيجب بِالَّذِي ادّعى من الْعُمُوم فِي التخليد دفع الْعَذَاب وَالْمَغْفِرَة وَالله الْمُوفق
ثمَّ نقُول للمعتزلة قَوْلكُم لَا يُسمى صَاحب الْكَبِيرَة باسم الْإِيمَان وَلَا باسم الْكفْر ولايسمونه بِمَا لَا يسْتَحق وَاحِدًا من الإسمين أَو لَهُ أَحدهمَا وَلَا تعلمونه أَنْتُم فَإِن قَالُوا بِالْأولِ فَيُقَال لَهُم أَو قد أَتَى هُوَ بِكُل الْإِيمَان أَو بعضه أَو لم يَأْتِ بِشَيْء لذَلِك بَطل اسْمه فَإِن قَالَ بِالْأولِ أعظم القَوْل وَمنع عَنهُ اسْم فعله وَقد أَتَى بِهِ وَجَهل بربه حَيْثُ لم يُحَقّق مَا لَهُ اسْمه وَلَو جَازَ ذَا لجَاز أَن لَا يكون أحد جَاءَ بِالصّدقِ عِنْد الله فِي الْحَقِيقَة صَادِقا وَكَذَلِكَ قَائِم وقاعد وَذُو حَال لَا يجوز عِنْد الله كَذَلِك أَو الله يُعلمهُ كَذَلِك وعَلى ذَلِك مضادات الَّتِي ذكرنَا وَهَذَا آيَة جهلهم بِاللَّه وَإِن قَالَ بِالثَّانِي فقد شهد الله للَّذين آمنُوا بِبَعْض وَكَفرُوا بِبَعْض بِأَن قَالُوا نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض كفَّارًا حَقًا لَزِمَهُم التَّسْمِيَة بذلك وَهُوَ رَأْي الْخَوَارِج وَإِن قَالُوا بالثالث فَهُوَ أبعد إِذْ الله تَعَالَى سمى الْمُؤمن بِبَعْض كَافِرًا فَمن لَيْسَ مَعَه شَيْء أَحَق بذلك وأيد هَذَا الأَصْل وَجْهَان أَحدهمَا مَا ذكرت من قسم الله الْبشر قسمَيْنِ فِي أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فقسمة الْمُعْتَزلَة على ثَلَاثَة أَقسَام تعدى لحد الله وَحقّ مثله أَن يُقَال لَهُ الله أذن لكم أم على الله تفترون أَو يُقَال أأنتم أعلم أم الله كَمَا قيل للْيَهُود وَالثَّانِي أَن الله تَعَالَى نفى الْإِيمَان فِي مُحكم تَنْزِيله عَن قوم على تَحْقِيق الْكفْر إِذْ قَالَ ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ وَلم يخْطر ببال عَاقل أَنهم لَعَلَّهُم لَيْسُوا بكفار بل إِذا أزيل الْإِيمَان عَمَّن يكون لَهُ فعل الْإِيمَان فَإِنَّمَا يزَال بالْكفْر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَإِن قَالُوا لَا يعلم لَهُ أحد الإسمين وَله ذَلِك عِنْد الله كفوا مؤونة الجدل لِأَن مَا لَا يعلمونه أَكثر مِمَّا يُحْصى لَو لزم محاجتهم فِيهَا ليذْهب الْعُمر بَاطِلا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 335
ثمَّ الْأمة على اخْتلَافهمْ اتّفقت على أَن لصَاحب الْكَبِيرَة إسما من الْأَدْيَان من شرك أَو كفر أَو إِسْلَام فَمن أبطلها توقيا أَن ينْطق بِالشَّكِّ أبطل مَا أجمع على القَوْل بِهِ وشهدوا على مجي الْكتاب بِهِ وَالسّنة بِمَا لَدَيْهِ يرْتَفع الريب عَمَّن تلقى السّمع وَهُوَ شَهِيد أَو لَهُ قلب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ القَوْل بالفاسق والفاجر مُطلقًا مِمَّا يتوزع فِيهِ وَمن سَمَّاهُ كَافِرًا أَو مُشْركًا أطلقهُ وَمن سَمَّاهُ مُؤمنا أَبى ذَلِك وَكَذَلِكَ جَحَدُوا اسْم أَعدَاء الله وأبدعت الْمُعْتَزلَة هذَيْن الإسمين على منع ذَيْنك الإسمين خلافًا لما عَلَيْهِ الْأَمر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَوْله ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ تَأْوِيل الْخَوَارِج فِيهِ من الْخَطَأ فَاسد لِأَنَّهُ لَيْسَ بذنب فَيغْفر وَفِي هَذَا ذكر الْمَغْفِرَة وَلَا يحْتَمل إِضْمَار التَّوْبَة لما يغْفر بِمثلِهِ الشّرك وَالْآيَة فِي التَّمْيِيز بَين الذنبين وَكَذَلِكَ لَا يحْتَمل قَوْله ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ لما فِيهِ التَّكْفِير وَمَا لَا ذَنْب لَا يكفر وَالْخَطَأ لَا يُحَقّق الذَّنب والتكفير يكون لشَيْء يجز بِهِ وَلَا يحْتَمل مَا قَالَت الْمُعْتَزلَة لِأَن قَوْلهم يمْنَع تَحْقِيق الشّبَه إِذْ هِيَ تقع من مجتنب الْكَبَائِر مغفورة وَفِي هَذَا اثباتها ثمَّ التَّكْفِير وهم يجعلونها مغفورة لَا مكفرة إِذْ المغفورة هِيَ الَّتِي تستر عَلَيْهَا وَفِي بَقَائِهَا إِلَى مُدَّة دَفعهَا والمكفره هِيَ الَّتِي يَأْتِي من صَاحبهَا فعل حسن يكفر بِهِ نَحْو قَوْله ﴿فَأُولَئِك يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات﴾ وَقَوله ﴿هَل أدلكم على تِجَارَة﴾ وَقَوله ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات﴾
стр. 336
إِلَى ذكر التَّكْفِير وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا﴾ وَأَصله قَوْله ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾
وَبعد فَإِن الْآيَة لَا تحْتَمل قَول الْمُعْتَزلَة لما هم يجْعَلُونَ الْمصر على الذَّنب صَاحب الْكَبِيرَة وَمن لَا يصر عَلَيْهِ فَهُوَ تائب عَنهُ نادم عَلَيْهِ وَفِي ذَلِك إِنَّه يغْفر بِالتَّوْبَةِ وكل الذُّنُوب تغْفر بهَا والإثنان جَريا بِالتَّفْرِيقِ من قَوْله ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ وَقَوله ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ فَهُوَ وَالله أعلم أَن الشّرك لَا يغْفر إِلَّا بِالتَّوْبَةِ عَنهُ وَغَيره يجوز أَن يغْفر بالتفضل أَو يكفر بِغَيْرِهِ من الْحَسَنَات ليَصِح القَوْل مَعَ تَحْقِيق الْفَائِدَة لتمييز الْقُرْآن وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ لِلْآيَةِ وُجُوه تمنع الْمُعْتَزلَة والخوارج أَحدهَا أَنه قَالَ ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ وَلَيْسَ فِي ذَلِك بَيَان حكم من لَا يجْتَنب وَالثَّانِي أَن الْكَبَائِر نَوْعَانِ أَحدهمَا كَبَائِر فِي الإعتقاد من أَنْوَاع الْكفْر والتكذيب الَّتِي بهَا اخْتلفت الْكَفَرَة وَأُخْرَى كَبَائِر الْأَفْعَال الَّتِي صَاحبهَا مجتنب عَنْهَا بالإعتقاد فِي أَن يَرَاهَا على مَا جعلهَا الله عَلَيْهِ من عظم الْفِعْل والذنب وَهَذَا اجْتِنَاب وَقد يواقعها بِالْفِعْلِ فَهُوَ الإرتكاب وَلَيْسَ فِي الْآيَة وَجها الإجتناب فَجَائِز أَن تكون أَن يجْتَنب كَبَائِر الإعتقاد وَهِي أَنْوَاع الشّرك يكفر عَنْهُمَا دونهَا لمن يَشَاء بِمَ شَاءَ من غير ذَلِك من الْحَسَنَات أَو بالتفضل كَمَا بَينا فِي إِحْدَى الْآيَتَيْنِ بالتكفير وَفِي الْأُخْرَى بالمغفرة وَلَا قُوَّة لَا بِاللَّه
стр. 337
وَالثَّالِث أَنه لم يبين فِي الْكَبَائِر قدر الْعُقُوبَات وَمَعْلُوم أَن الله نفى أَن يجزى فِي السَّيِّئَات إِلَّا مثلهَا وَمثل الشّرك والمعاندة إِنَّمَا هُوَ التخليد وَلَا ريب أَن لَيْسَ بمعاند وَلَا مُشْرك لَهُ فِي الْعِبَادَة ذَنبه دون من يفعل ذَلِك بل صِحَة الإعتقاد فِي ذَلِك حمله على الْخَوْف مِمَّا حذره ورجاء مَا أطمعه فِي الإعتقاد وَهُوَ الَّذِي سبق كل شَيْء لكفره هُوَ ومحاه عَنهُ لم يجز أَن يكون قدر ذَنبه قدر الأول فَلم يجز أَن يخلد فِي ذَلِك فَيدْخل فِيهِ أَمْرَانِ أَحدهمَا الْكَذِب فِي الْوَعْد حَيْثُ قَالَ ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا﴾ وَمَعْلُوم أَن الْكَافِر المعاند لَو جمع عَلَيْهِ جَمِيع مَا يُعَاقب بِهِ على شَرط النجَاة والراحة يحْتَمل ويختاره فَثَبت أَن مثل سيئته هُوَ الخلود فِي الْعَذَاب فَإِذا عذب بِمثلِهِ من كَانَ ذَنبه دونه كَانَ جازيا أَكثر من مثله وَهُوَ مَا يُعَاقب بِمَا يرتكب وَفِي الْحِكْمَة عُقُوبَته وَهَذَا مِمَّا يمْنَع الْحِكْمَة وَالله الْمُوفق
وَالثَّانِي إِنَّه مَعْلُوم أَن الَّذِي يُقَابل الْجُحُود والمعاندة من الْخَيْر أعظم وَأجل من الَّذِي يُقَابل مَا كَانَ فِي قبُوله أَن يفعل من التّرْك على نَحْو مَا كَانَ الْجُحُود والمعاندة من الآخر فجَاء بِالَّذِي هُوَ فِي الْخَيْر أعظم الْخَيْر وَفِي الشَّرّ لم يبلغ نهايته فَإِذا خلده فِي النَّار أبطل ثَوَاب أفضل الْخيرَات بإرتكاب مَا دونه من الشَّرّ ورد ذَلِك وصف الْجُود لَا الْعدْل وَالْعدْل أَن يزِيد فِي ثَوَاب مَا جَاءَ بِهِ على عِقَاب مَا أَتَى بِهِ وَالله جلّ ثَنَاؤُهُ قد أخبر أَنه يجزى الْحَسَنَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا والسيئة بِمِثْلِهَا وَفِي هَذَا لم يبلغ الْمثل فِي الْحَسَنَة وَلَا قصر على الْمثل فِي السَّيئَة جلّ الله عَن ذَلِك وَتَعَالَى
واستدلال من اسْتدلَّ بترك الْفِعْل على الْكَذِب فِي الأول محَال فَاسد لِأَن فِي عقل كل وَاحِد لُزُوم اتقاء الْكَذِب كَمَا فِي الْقبُول إبقاؤه ثمَّ لم يصر وجوده دَلِيلا على كذب عقله لما فِي عقله مَنعه وَإِن تعدى ذَلِك فَمثله فِي قبُول وَقت
стр. 338
تعديه وَلَو كَانَ فِي ذَلِك تبين لَكَانَ كل شَيْء بِالْأولِ أَو حل يجب فَسَاده وحرمته وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ لَا يجب على الْمُرْتَد خلاف على الْكَافِر الْأَصْلِيّ بل بتصريح الْكفْر لَا يظْهر كذبه فِي الأول فَكيف فِيمَا فعل وَلَو كَانَ بذا ذَا فَيظْهر أَيْضا بِإِيمَان الْكَافِر من بعد أَو بتعاطيه مَا لَا يقبحه على كذبه فِي الْعرف وَأَصله وَجْهَان أحدهمال لَو كَانَ يظْهر بِهِ الْكَذِب فِي الأول لأزيل اللُّزُوم وَإِذا زَالَ ليبطل أَن يصير وجوده سَببا لإِظْهَار ذَلِك وَفِيه بطلَان مَا قَالُوا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّانِي إِن كلا يعلم من نَفسه فِي وَقت إعتقاده أَنه غير كَاذِب فِي ذَلِك ثمَّ يعلم من تعدى فِي دينه وَلَو كَانَ بِهِ ظُهُور لَكَانَ لَا علم يَقع فِي الْحَقِيقَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه بل مدعى هَذَا يلْزمه ذَلِك إِذْ فِي اعْتِقَاده أَن لَا يكذب وكل مُؤمن يعلم أَنه بِهَذَا القَوْل كَاذِب وَكَذَلِكَ الله سُبْحَانَهُ إِذْ هُوَ يعلم حَقِيقَة كل شَيْء بِمَا هُوَ عَلَيْهِ لَا بِغَيْرِهِ يعلم صدقه فِي الأول وَإِن تعدى من بعده فَيصير صَاحب هَذَا القَوْل عِنْد الله وَعند من شهد عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ كَاذِبًا فيستوجب بِهِ من كل أحد الْقَضَاء عَلَيْهِ بالْكفْر فِي قَوْله الَّذِي يُرِيد بِهِ تثبيت كفر غَيره وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا ثمَّ كفرُوا ثمَّ آمنُوا ثمَّ كفرُوا﴾ وَلَو كَانَ فِي ذَلِك مَا ذكر لم يكن ليثبت لَهُم إِيمَان أبدا فَثَبت بِهِ فَسَاد قَوْلهم فَهَذَا فِي الْكفْر فَكيف فِيمَا دونه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى ذَلِك اخْتِلَاف الْأَحْوَال فِي الْخلق لَا يُوجب فَسَاد مضاداتها فِي غير تِلْكَ الْأَحْوَال وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 339
وَهَذَا أَيْضا يلْزم الْمُعْتَزلَة فِي الْكَبَائِر ثمَّ الْعجب من هَؤُلَاءِ يثبتون لأَصْحَاب الْكَبَائِر اسْم أهل الصَّلَاة والقبلة وَسبب إِثْبَات هَذَا الإسم لَهُم الْإِيمَان بمحال زَوَاله على بَقَاء ذَلِك وَمَا بِهِ ثَبت قد زَالَ وَالله أعلم
وَقد روى فِي الْآيَة الْقِرَاءَة على أَن تجتنبوا كَبِير مَا تنهون عَنهُ وَإِن كَانَ الْمَعْرُوف ذَلِك فَإِنَّهُ قد يجوز إِرَادَة الْآحَاد بِحرف الْجمع فَلَا ننكر أَن تكون الْآيَة على ذَلِك يبين ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يكفر بِالْإِيمَان﴾ وَقَوله ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا﴾ وَقَوله ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه﴾ وعَلى ذَلِك تَأْوِيل قَوْله ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ كَمَا قَالَ فِي هَذَا ﴿وَيكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ فَيكون الْإِتْيَان بِحكم وَاحِد وَمَعْلُوم أَن لَا دَرك للمعتزلة والخوارج فِي أَحدهمَا فَكَذَلِك فِي الْأُخْرَى ثمَّ الأَصْل أَن قَوْله ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ على قَول الْخَوَارِج كَأَنَّهُ قَالَ إِن تجتنبوا الْكفْر والشرك وعَلى قَول الْمُعْتَزلَة إِن تجتنبوا الْخُرُوج من الْإِيمَان نكفر عَنْكُم مَا ذكر فَلَا كَبِيرَة إِذن على قَوْلهم إِلَّا الْخُرُوج من الْإِيمَان فَصَارَت الْآيَة على قَوْلهم رَاجِعَة إِلَى خَاص وَهُوَ مَا يخرج عَن الدّين وَالْإِيمَان فَأبْطل ذَلِك قَوْلهم فِي دَعْوَى الْعُمُوم فِيهَا وألزم القَوْل بالخصوص فَمن قضى شَيْء دون شَيْء بِلَا بَيَان فَهُوَ متحكم وَفِي ذَلِك لُزُوم قَول الْحُسَيْن من الْوَقْف فِي جَمِيع مَا فِيهِ الْوَعيد وَبطلَان قَول من ذكر وَالله أعلم
стр. 340
ثمَّ الأَصْل أَن الله وعد على كثير من الْخيرَات وَعدا من غير ذكر اجْتِنَاب الْكَبَائِر مَعَه وأوعد على كثير من السَّيِّئَات وعيدا فِي مخرج الْعُمُوم كَمَا وعد على الْخيرَات فَمن وَجه الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا إِلَى الْعُمُوم ألزم التَّنَاقُض فِي جَمِيع الْأَمريْنِ فِي وَاحِد وَذَلِكَ آيَة السَّفه
ثمَّ اضْطَرَبَتْ فِي ذَلِك الْأَقَاوِيل فَزَعَمت الْمُعْتَزلَة والخوارج أَن آيَات الْوَعيد أَحَق بِالْعُمُومِ لَهَا هِيَ أبلغ فِي الزّجر وَالْمَوْعِظَة وَزَعَمت المرجئة أَن آيَات الْوَعْد أَحَق فِي الْعُمُوم لِأَنَّهُ أَحَق بِالَّذِي عرف من صِفَات الله من الرَّحْمَة وَالْعَفو والغفران فَتَقَع عَن الْكَبَائِر والصغائر مَعَ مَا يشْهد لذَلِك قَوْله ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ مَعَ احْتِمَال الْوَعيد للمستحلين والوعد لَو وَجب التَّخْصِيص ليجب غَيره والوعيد لنَفسِهِ فَهُوَ أولى بِهِ بالخصوص مَعَ مَا شَرط الدَّوَام ليَقَع الْوَعيد وَذَلِكَ آيَة الْخُصُوص وَلَيْسَ ذَلِك فِي الْوَعْد فَيلْزم بِهِ الصّرْف إِلَى المستحلين أَو إِلَى أَن ذَلِك جَزَاؤُهُ لَوْلَا الَّذِي مَعَه من الْحَسَنَات فَيجب لَدَيْهَا الْمُقَابلَة أَو أَن ذَلِك جَزَاؤُهُ وَللَّه التفضل بِالْعَفو عَن ذَلِك بِمَا علم من رجائه برحمته وَعلمه بعظيم عَفوه فَلَا يحرمه ذَلِك بِمَا ظهر من فَضله وإحسانه الَّذِي بَعثه على الرَّجَاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أَو يشفع فيهم الأخيار من عباده ويجيبهم فِي الإستغفار لَهُم إِذْ بعيد الإستغفار لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الأَصْل فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى ألزمهُ اسْم الْإِيمَان قبل إرتكابه مِمَّا ارْتكب وأزال عَنهُ اسْم الْكفْر بقوله ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه﴾ وَقَوله ﴿آمن الرَّسُول﴾ فَبين بِمَا يكون الْمَرْء مُؤمنا وَحرم على من يَقُول لمثله لست مُؤمنا بقوله ﴿وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا﴾ وَبَين رَسُول الله حِين سَأَلَهُ جِبْرِيل
стр. 341
عَن الْإِيمَان فَبين ذَلِك وحقق لَهُ اسْم الْمُؤمن بإتيان ذَلِك وَكَذَلِكَ أمرت أَن أقَاتل النَّاس إِلَى آخر مَا ذكر فَهَذَا الْآن مُؤمن بِالْكتاب وَالسّنة وَمَا أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة وَمَا شهِدت لَهُ أهل اللُّغَة
ثمَّ اخْتلف فِي صَاحب الْكَبِيرَة لَا يزَال الَّذِي ذَلِك وَصفه بتعنت الْمُعْتَزلَة وتمرد الْخَوَارِج بل يدعى لَهُم بِمَا آثروا لأَنْفُسِهِمْ وَأَيِسُوا من رَحْمَة الله وَلم يرَوا الله فِي حكمته جَوَاز الْعَفو عَنْهُم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الْمعَانِي الَّتِي هِيَ للفسق والعصيان وَالظُّلم لَيست بمضادة للْإيمَان إِذْ الْفسق اسْم الْخُرُوج عَن الْأَمر وَجَائِز ذَلِك على أَقسَام ثَلَاثَة يخرج مِمَّا هُوَ أَمر إرشاد وَفرض وإعتقاد وَكَذَلِكَ الظُّلم إِذْ هُوَ اسْم لوضع الشَّيْء غير مَوْضِعه والعصيان إسم للْخلاف فَمن رتب الْكل فِي الْجَزَاء أَو فِي حَقِيقَة الْمَعْنى وَأَرَادَ أَن يزِيد اسْم الْإِيمَان بِكُل ذَلِك فنفسه يظلم ولدفع مَا فرق الله وَرَسُوله وَالْأَئِمَّة يتَعَرَّض وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد تقدم بَيَان مَا لَهُ اسْم الْإِيمَان ثمَّ نذْكر بعض الَّذِي ذكره الكعبي لمذهبه من القَوْل الَّذِي اخْتَارَهُ وارتضاه ثمَّ الْحجَّاج لَهُ بِمَا يعلم من تَأمله مبلغه فِي دين الله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فَزعم أَن قَول أهل الْحق إِن كل طَاعَة من الْإِيمَان وَاسم الْإِيمَان يسْتَحق بِمَا يُوجب تَركه اسْم الْفسق قَالَ وَلَيْسَ قَوْلنَا مُؤمن بمشتق من الْفِعْل فَقَط لما لَا يُسمى بِهِ كل من يصدق أحدا وأطاعه وخضع لَهُ اسْما مُطلقًا وَلَا هُوَ أَيْضا اسْمه فَقَط إِذْ لَو كَانَ اسْمه لجَاز التَّسْمِيَة بِهِ لمن لَيْسَ هُوَ كَذَلِك كَمَا تسمى الْحَسْنَاء قبيحة وَإِذا لم يكن كَذَلِك ثَبت أَنه اسْم مُشْتَقّ من فعل ومدح فِي الدّين وإسمه للتفرقة
قَالَ الشَّيْخ ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ نستعين قَوْله أهل الْحق كَذَا حق إِن لم يرد بقوله كل طَاعَة من الْإِيمَان غير أَنه من الْإِيمَان وَهُوَ كَمَا يَقُول
стр. 342
كل نعْمَة من الله أَي بِهِ نيلت وَكَانَت وَكَذَلِكَ الْإِيمَان وَقَوله اسْم الْإِيمَان يسْتَحق بِكَذَا فقد نقضه حَيْثُ زعم أَن مَعَ صَاحب الْكَبِيرَة فعل لَكِن لَا يُطلق لَهُ الإسم وَوصف فِي هَذَا مَا ذكر وَذَلِكَ عِنْده فِي التَّحْقِيق اسْم الْمُؤمن لَا اسْم الْإِيمَان إِذْ يحققه بِدُونِهِ وَلَا يُسَمِّيه بِهِ فَبِهَذَا مبلغ علمه بقوله وَقَوله لَيْسَ باسم مُشْتَقّ من فعله عَجِيب إِذْ حقق لفعله ذَلِك الِاسْم ثمَّ منع التَّسْمِيَة بِهِ وَذَلِكَ يُوجب جَوَاز كل أحد بِغَيْر اسْم فعله فِي الْحَقِيقَة وَمنع التَّسْمِيَة بِهِ وَفِي وَذَلِكَ لُزُوم اسْم كل فَاعل غير فَاعل وكل من لَيْسَ بفاعل فَاعِلا وَكَذَا ذَا فِي الْحَرَكَة وَنَحْو ذَلِك وَمَا قَالَ من قَوْله صدق كَذَا لَا يُسمى بذلك وَاتبع ذَلِك قَوْله أجمع أهل الْملَّة تخطئة من فعل ذَلِك كذب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه قَالَ لَا يُطلق لَهُ الِاسْم بل هُوَ مُطلق لَهُ لَكِن لَا يعرف مَا براد بذلك الْإِيمَان فَلهَذَا يجب تثبيته لَا لِأَن ذَلِك لَيْسَ باسم لَهُ وَكَذَلِكَ لَا يُقَال أطَاع فلَان مُطلقًا بِمَا أطَاع أحد من حَيْثُ لَا يعرف المُرَاد لَا لِأَنَّهُ لم يسْتَحق بِفِعْلِهِ الْإِطْلَاق وَلكنه طَاعَة من لَا يعرف الْأَمر بِهِ وَكَذَلِكَ الْإِيمَان فَإِذا صَار إِلَى الْمعرفَة لزم القَوْل وَكَذَلِكَ لَا يُقَال فلَان مُصدق أَو مكذب بِمَا كَانَ مِنْهُ ذَلِك فِي أحد حَتَّى يتَبَيَّن ثمَّ كل من كفر بِاللَّه يُقَال مكذب لما عرف حَقِيقَته فَمثله الْمُؤمن وَالله الْمُوفق
وَكَذَلِكَ حكايته عَن أهل الْملَّة وَالْعجب مِنْهُ لَا يزَال يرْوى فِي هَذَا الْكتاب عَن الْأمة فِي أَشْيَاء لَعَلَّ وجوده عَن وَاحِد مِنْهُ يعسر فضلا عَن الْأمة وَيجْعَل ذَلِك دريعة لباطله كَأَنَّهُ آمن أَن يتأمله من لَهُ لب أَو أحد مِمَّن ينازعه فِي الْمَذْهَب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَوله لَيْسَ باسم لَهُ فَيُقَال لَهُ لَو لم يكن الإسم لتحقيق الْفِعْل لم يكن ليمنع جعله اسْمه لكنه فِي جعله تلبيس أَنه سمى بِهِ بِحَق الإسم أَو بِحَق
стр. 343
حَقِيقَة الْفِعْل وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا عَلَيْهِ أَمر الْأَسْمَاء المشتقة عَن الْأَفْعَال إِن لم تجْعَل إسمه لمن لَيْسَ لَهُ حَقِيقَة إِلَّا على الْمجَاز والهزؤ بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَالَ لَا نقُول فِي الْفَاسِق عِنْد التَّحْقِيق إِنَّه لَيْسَ بِمُؤْمِن بل لَا نُسَمِّيه بِهِ فَيُقَال لَهُ هُوَ فِي التَّحْقِيق مُؤمن أَو لَيْسَ بِمُؤْمِن أَو لَا مُؤمن وَلَا كَافِر فَإِن قَالَ بِالْأولِ فَهُوَ رجل دَعَتْهُ نَفسه إِلَى تكذيبها فِيمَا هِيَ لَيست بكاذبة فأطاعها فَحق مثله الإغضاء عَنهُ لِأَنَّهُ دون كل مقلد فَإِن قَالَ بِالْوَجْهَيْنِ الآخرين فقد أكذب نَفسه فِيمَا حكى عَنْهَا وَالله الْمُوفق
ثمَّ اسْتدلَّ على تَسْمِيَة جَمِيع الطَّاعَات إِيمَانًا بِمَا هِيَ من الدّين عِنْد الْجَمِيع وَبِقَوْلِهِ ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا﴾ وَقد بَينا بعد من تعلق بِالْآيَةِ عَن حَقِيقَتهَا مَعَ مَا لَا ريب أَن مبتغى شَيْء من الْعِبَادَات على الْإِشَارَة إِلَيْهَا بِلَا إعتقاد الْإِسْلَام دينا غير مَقْبُول مِنْهُ وَإِنَّمَا تقبل كل عبَادَة بدين الْإِسْلَام ثَبت أَنه اسْم عبَادَة مشار إِلَيْهَا بهَا يقبل كل عبَادَة ولقوتها يرد وَهَذَا معنى قَول الْجَمِيع من الدّين وَلَا كل شَيْء يُضَاف إِلَى شَيْء بِأَنَّهُ مِنْهُ يجب لَهُ اسْمه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ لَا أَنَّهَا هِيَ هُوَ بل فِي ذَلِك دَلِيل على غيرية الدّين حَتَّى يُضَاف إِلَيْهِ فَأَقَامَ بِهِ بعد الْفَرَاغ مِنْهُ وَالله الْمُوفق
ثمَّ احْتج بقوله ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ بِأَن لَهُم من الله فضلا كَبِيرا﴾ وَنَحْو ذَلِك من الْوَعيد للْمُؤْمِنين باسم الْمُطلق ثمَّ لم يكن ذَلِك لمرتكب الْفسق فِيهِ وَقد أجمع على عُمُوم الْوَعْد وَإِن اخْتلف فِي عُمُوم الْوَعيد
قَالَ الشَّيْخ ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق دَعْوَاهُ الْإِجْمَاع فِي عُمُوم آيَات
стр. 344
الْوَعْد كذب لَا يزَال يَجعله مفزعا لنَفسِهِ فِي كل نائبة وَقد قَالَ الله ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات﴾ وَلَيْسَ يجب مثله لِلْقَوْلِ خَاصَّة فِي قَول الْجَمِيع فَثَبت بِهِ كذبه فِي الْحِكَايَة ثمَّ لما اسْتدلَّ بِالْآيَاتِ أجوبة ثَلَاثَة أَحدهَا الْإِخْبَار عَن مُنْتَهى الْأَحْوَال وَإِلَى ذَلِك مرجع كل مُؤمن وَالثَّانِي أَن يكون الْوَعْد للَّذين حققوا الْإِيمَان بأخلاقه وَمَا دله عَلَيْهِ وَجَائِز تَسْمِيَة أحد بِشَيْء ذَلِك اسْم لأمر تتصل بِهِ أُمُور عِنْد جَمِيع تِلْكَ الْأُمُور وَيجوز عِنْد إِقْرَار الإسم بِالَّذِي بِهِ سمى وَالله أعلم وَالثَّالِث أَن يكون لَهُ ذَلِك الْجَزَاء وَمَا يُعَاقب بِهِ فَهُوَ يُعَاقب بحقوقه وَلَيْسَ الَّذِي يُصِيبهُ بِحَق دينه مقصر عَنهُ حق دينه مَعَ مَا بَين الله أَن لَهُ من الله فضلا كَبِيرا ليعلم أَن الْجَزَاء لِلْخَيْرَاتِ مِنْهُ أفضال وَمَا كَانَ حِكْمَة الأفضال فَإلَى من يقوم بِهِ ذَلِك من اخْتِيَار أَحْوَال وأوقات
ثمَّ تكلّف نصب قَول للمرجئة بِمَا يعلم كل متأمل فِيهِ مِمَّن قد عرف مذاهبهم كذبه فِيهِ ليَكُون لَهُ سَبِيل الطعْن عَلَيْهِم تركت ذكره لقلَّة النَّفْع فِيهِ إِذْ هُوَ كذب ثمَّ قَالَ إِذْ ثَبت بمتفق القَوْل على أحد الْوَعيد الْفَاسِق إِن مَاتَ قبل أَن يَتُوب بَين أهل الإرجاء وَأَن يجوز أَن يكون هُوَ الْمَعْنى بِهِ وَيجوز أَن لَا يكون إِلَّا مَا قَالَ مقَاتل إِنَّه من أهل الْوَعْد لَا محَالة وَلَا يتْرك لمثله الْإِجْمَاع إِنَّه لَيْسَ بِمُؤْمِن فَيُقَال لَهُ لَو كَانَ بِالَّذِي ذكرته يثبت الَّذِي ادعيت فَإذْ كَانَ القَوْل عَنْهُم هُوَ ضد مَا حكيت يفْسد مَا ادعيت ثمَّ أَكثر المنتسبين إِلَى الإرجاء يُنكر الْوَعيد أَن يكون فِي غير المستحلين مَعْرُوف ذَلِك بَينهم فَهُوَ يُوضح مَا ادعينا عَلَيْهِ من الْكَذِب فِي الْحِكَايَة وَالله أعلم
стр. 345
ثمَّ أَكثر أسئلة لَا يسْأَل عَنْهَا وَلَا أجَاب بأجوبة يرتضى بهَا من لَهُ أدنى فهم فتركتها لقلَّة النَّفْع فِي ذكرهَا وَالله الْمُوفق
ثمَّ زعم أَن ترك الصَّغَائِر إِيمَان لما يُعَاقب عَلَيْهَا لَو لم يجْتَنب الْكَبَائِر فَيُقَال لَهُ إِذا يجب أَن يكون إِيمَانًا عِنْد ارْتِكَاب الْكَبَائِر وَلما يعذب على ضد ذَلِك وَلَيْسَ بِإِيمَان إِذا اجْتنب وَذَلِكَ غَايَة الْحيرَة
ثمَّ احْتج بهَا بِمَا لَا يجوز عِنْد الْأمة الإستغفار لِلْفَاجِرِ فَيُقَال لَهُ مَا يعْنى بالفاجر الْكَافِر أَو الَّذِي يرتكب كَبِيرَة فِي حَال إِيمَان بِلَا استحلال فَإِن قَالَ بِالْأولِ حاد عَن الإعتدال وَإِن قَالَ بِالثَّانِي كذب على الْأمة وَجعله دَلِيلا لاستحقاقه الخلود فِي النَّار بِمَا ظهر من صَنِيعه فمبذول لَهُ مَا تمنى فِي نَفسه ثمَّ عَلَيْهِ فِيهِ أَمْرَانِ أَحدهمَا إِطْلَاق الإسم بِالْفُجُورِ مرّة وَهُوَ فِي حَالَة فِيهِ وَلَا فعل فجور يجوز إِطْلَاق الإسم بِالْإِيمَان وَهُوَ فِيهِ وَمَعَهُ حَقِيقَة فعله بِالسَّمْعِ وَالْعقل جَمِيعًا بل لَا يجوز إِطْلَاق اسْم الْفُجُور حَتَّى يبين وَجَائِز ذَلِك فِي الْإِيمَان بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَاتفقَ عَلَيْهِ أهل اللِّسَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّانِي أَنه صرف اسْتِغْفَار الْأَنْبِيَاء والأولياء إِلَى مَا هُوَ مغْفُور وَذَلِكَ كتمان نعْمَة الغفران وإعراض عَن الشُّكْر فِيمَا ذَلِك حَقه وَذَلِكَ بعيد مُمْتَنع وَالله الْمُوفق
ثمَّ احْتج بِآيَة الْقَذْف إِن الله أخبر أَنه ملعونون بِلَا ذكر استحلال وَغَيره وَلَا يكون الملعون مُؤمنا بقول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِنَّمَا فِي الْآيَة لعنة الله عَلَيْهِ إِن كَانَ كَذَلِك وَلَيْسَ فِيهَا أَن الله سَمَّاهُ ملعونا فَأول مَا فِي اعتلالك أَن كذبت على الْقُرْآن ثمَّ كَيفَ ألزمته اللَّعْنَة بقوله ﴿أَن لعنة الله عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين﴾ وَلم يلْزمه اسْم الْإِيمَان وَهُوَ يَقُول بِهِ ويحقق أَيْضا أَنه رد أحد اللعنتين إِلَى الْحَد
стр. 346
فَكَذَلِك الآخر على أَن الْآيَة نزلت فِي الْمُنَافِقين بقوله ﴿فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ وَلَا كل قَاذف كَذَلِك وَجُمْلَة ذَلِك أَن من اجترى على ذَلِك القَوْل واستخف بمقت الله ولعنه حلت بِهِ وَالْأَصْل أَن الْكفْر هُوَ الطَّرْد وَلَا كل مطرود بارتكاب مأثم وَلَا يقبل لَو عذب قدر مَا اسْتوْجبَ وَلَا كل من يَقُول عَلَيْهِ لعنة الله يَسْتَحِقهَا وَلَو كَانَ أحد يَسْتَحِقهَا كَانَ أحقها بهَا صَاحب هَذَا القَوْل إِذْ هُوَ مَعْلُوم أَنه كَانَ يتعاطى الْفسق وَيخْتَلف إِلَى الْأَئِمَّة الحائرة وكل ذَلِك على مذْهبه يُوجب اللَّعْن حَقِيقَة وَمَا فِي الْآيَة قَول اللَّعْن لَا حَقِيقَة الْوُقُوع وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ احْتج بقوله ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله﴾ فِي تعطل الْحُدُود وَقد ذكر فِي مثله الخلود فِي النَّار من غير ذكر كَبِيرَة وَلَا صَغِيرَة فَإِن كَانَ ذَا على التَّأْوِيل فَمثله الأول مَعَ مَا قَالَ الله فِي مثله ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ فَذَلِك أَيْضا فِي تَعْطِيل الْحُدُود وَهُوَ يَأْتِي القَوْل بِهِ وَيصرف الْآيَة إِلَى الإستحلال فَمثله الَّذِي ذكر وَمثله فِي احتجاجه بقوله ﴿أضاعوا الصَّلَاة﴾ مَعَ مَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة﴾ وَمَا ذكر من الْأُخوة والتحلية وَاجِب بِالْقبُولِ دون الْفِعْل فَكَذَلِك الإضاعة تكون بِالرَّدِّ دون التَّأْخِير وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا﴾ ثَبت أَن الَّذِي يَقُوله لَا يزِيل الْإِيمَان وَلَا إسمه وَالله أعلم
стр. 347
وَقد احْتج بقوله ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة﴾ لَكنا بَينا أَن ذَلِك فِي حق الْقبُول إِذْ لَو ينْتَظر الْفِعْل بِهِ لَكَانَ لَا يجب الْأُخوة أبدا وَلَا يخلى سبيلهم وَفِي الأعياء إِلَى حول وَذَلِكَ مِمَّا لَا معنى لَهُ وَقد بَينا أَمر الْهِجْرَة وَأَنَّهَا كَانَت من الْفَرَائِض الَّتِي جَاءَ فِي التَّخَلُّف عَنْهَا الْوَعيد الشَّديد ثمَّ قد أثبت إسم الْإِيمَان مَعَ عدم ذَلِك وَالله أعلم
وَاحْتج بقوله ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ وَقَوله ﴿أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ وَمَا ذكر فِي أكل مَال الْيَتِيم فَأَما الْقَتْل الْعمد فَلهُ أوجه ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يكون فِيمَن تعمد الْقَتْل لدينِهِ وَهَذَا أحد وُجُوه الْخَطَأ فِي الْقَتْل وَالله أعلم وَالثَّانِي أَن يكون ذَلِك جَزَاؤُهُ وَللَّه التفضل عَلَيْهِ بِالْعَفو والمقابلة بِالْحَسَنَاتِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالثَّالِث أَن تكون الْآيَة فِي الْكَفَرَة وَفِي الْقِصَّة دَلِيل ذَلِك
ثمَّ دَلِيل مَا بَينا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الْقصاص﴾ وَإِنَّمَا يكْتب عَلَيْهِم إِذا قتلوا قتل الْعمد وَأبقى لَهُم بعد الْقَتْل الْإِيمَان ثمَّ قَالَ ﴿فَمن عُفيَ لَهُ من أَخِيه شَيْء﴾ فأبقى لَهُ اسْم الْإِخْوَة ثمَّ قَالَ ﴿ذَلِك تَخْفيف من ربكُم وَرَحْمَة﴾ أطمعه فِي رَحمته جلّ وَعلا وبعيد أَن يكون لَهُ مَعَ هَذَا خُلُود فِي النَّار
ثمَّ رأى الْمُعْتَزلَة فِي ذَلِك إِلْزَام الْقصاص بعد التَّوْبَة وَإِزَالَة عُقُوبَة الْآخِرَة
стр. 348
وَصرف الْآيَة وَإِن كَانَ فِيهَا ذكر الْإِيمَان إِلَى الْخُرُوج مِنْهُ وَذَلِكَ تَخْصِيص مَا ذكر من أكل المَال بِالْبَاطِلِ فَكل يجمع على التَّخْصِيص إِذْ ذَلِك اسْم يَأْخُذ الْقَلِيل وَذَلِكَ غير مُرَاد فِيهِ وَكَذَلِكَ أَمْوَال الْيَتَامَى وَالثَّانِي أَنه ذكر فِيهِ عُدْوانًا وظلما وَذَلِكَ على الْعَذَاب على حد الله وَالظُّلم على صَاحبه مَعَ احْتِمَال ذَلِك مَا ذكرنَا فِي الْقَتْل ثمَّ يُقَال لَهُم الْآيَة الَّتِي فِيهَا ذكر الْإِيمَان أتزيله أَو تبقيه فَإِن أزاله فقد أقرّ بالتخصيص وَإِن أبقاه رَجَعَ إِلَى رأى من نسبهم إِلَى الإرجاء وَالله الْمُوفق
ثمَّ قَالَ إِن الَّذِي قَالَ امتحن رَسُول الله لأعرف أَنه رَسُول الله فأرد عَلَيْهِ بعد الْمعرفَة فَعرف صدقه إِنَّه لَا يكون بِتِلْكَ الْمعرفَة مُؤمنا دلّ أَن إِطْلَاق الإسم لَيْسَ على مَا كَانَ فِي اللُّغَة
قَالَ الْفَقِيه ﵀ فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق مَا أعظم جَهله إِذا أثبت ألإسم فِي اللُّغَة كَأَنَّهُ قَالَ أطلقته اللُّغَة وَأَنا أمْنَعهُ فَهُوَ إِذا يكذب نَفسه عِنْد جَمِيع ذَلِك إسمه مَعَ مَا فِيهِ إِيجَاب أَن الله قد مَنعهم عَن الْعَمَل بِمَا عرفهم والزمهم الْعَمَل بِمَا جهلهم ذَلِك جلّ الله عَن هَذَا الْوَصْف
ثمَّ الْمعرفَة لَيست بِإِيمَان وَإِن سميت مجَازًا كَمَا يُسمى فضل الله وَرَحمته بِمَا هِيَ تَدْعُو إِلَى التَّصْدِيق وَمَا ذكر كُله خيال لَا معنى لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ اسْتدلَّ على منع اسْم الْإِيمَان بِمَا جعل الله لما أطلق لَهُ اسْم الْإِيمَان أحكاما منعت مِنْهُ وَاسم الْكفْر أحكاما لمن يقرن بِهِ فَيُقَال لَهُ مَا الدَّلِيل على أَن الَّذِي أوصيت إِلَيْهِ من الْأَحْكَام لإِطْلَاق دون معَان تتصل بِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ثمَّ قَالَ مِنْهَا التَّعْظِيم والتزكية والموالاة وَقبُول الشَّهَادَة فَيُقَال مَا الدّلَالَة على أَن كل هَذَا لإِطْلَاق الإسم خَاصَّة دون تَحْقِيقه بالشرائط المضمومة إِلَيْهِ والعادات الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا الْإِيمَان
وَبعد فَإِن ولَايَة الْإِيمَان لَازِمَة وَجَمِيع مَا منع مِنْهُ منع بِحَق الْإِيمَان الَّذِي
стр. 349
فِيهِ إِذْ حَقِيقَته فِيهِ منعنَا عَمَّا ذكر مَعَ مَا كَانَ الثَّابِت مِمَّا فِيهِ الْحُدُود وَالْقصاص يثبت لَهُ الْولَايَة وَيجب لَهُ الشَّهَادَة وَجَمِيع مَا ذكر وَتقبل وَيحد على ذَلِك وَلم يكن لأحد نفى الإسم بِمَا عفى عَن عَذَاب الله بل ذَلِك كُله كَمَا قَالَ ﷺ فقد عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وأيد ذَلِك قَوْله ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ إِنَّه لَو كَانَ الْإِيمَان زائلا عَنهُ لكَانَتْ الرأفة لَا تَأْخُذهُ بل رأفة الْإِيمَان هِيَ الَّتِي تَأْخُذهُ حَتَّى لَعَلَّهَا تبلغ إِلَى تَعْطِيل الْحَد فحدد ذَلِك وأيد ذَلِك مَا لَو تَابَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَإِقَامَة الْحَد من الرَّحْمَة لِأَنَّهُ يكفره ويزيل عَنهُ وَالْأَصْل أَن عقوبات الْكفْر لَا تطهر صَاحبهَا بل تسلمه إِلَى عَذَاب الْأَبَد كَقَوْلِه ﴿أغرقوا فأدخلوا نَارا﴾ وَالْحُدُود وَالْقصاص جعلت كَفَّارَات فَثَبت أَنَّهَا جعلت كَذَلِك لم يزل الْإِيمَان عَنهُ وَالله أعلم
ثمَّ نقُول إِذْ الله يقسم الْأَحْكَام أقساما ثَلَاثَة من حَيْثُ الإنقسام من اسْم الْكفْر وَالْإِيمَان وَمَا لَيْسَ بِكفْر وَلَا إِيمَان حَتَّى إِذا زَالَ حكم ذَلِك عَنهُ لزم الواسط فَمَا الدَّلِيل على أَن ثمَّة وَاسِط فِي الْأَسْمَاء بل الله قسم فِي الْجُمْلَة الْبشر الْمُحْتَمل للْعلم قسمَيْنِ فِي أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة جَمِيعًا فَمن زَاد عَلَيْهِ فَهُوَ الْمُبْدع فِي دين الله مالم يُؤذن لَهُ وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ من آوى مُحدثا فَعَلَيهِ لعنة فَكيف بِمن هُوَ الَّذِي أحدث الْحَدث فنسأل الله الْعِصْمَة
وَاحْتج بِمَا لَيْسُوا بكفرة بآيَات قتال الْكَفَرَة وَأخذ الْجِزْيَة وَنَحْو ذَلِك بِمَا لَيْسُوا بمؤمنين بأيات الْبشَارَة وَالْولَايَة وَنَحْو ذَلِك فَبِهَذَا خرج عَن جملَة قَول الْمُؤمنِينَ
стр. 350
كَأَنَّهُ أغفل عَن جملَة أُخْرَى لَهُم وَهُوَ أَن الْبشَارَة عِنْد من يرى صَاحب الْكَبِيرَة مُؤمنا كَانَت بشريطة أَو كَانَت هِيَ الْعَاقِبَة
وَعند الْخَوَارِج كَانَ الحكم فِي الْكَفَرَة على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا على الْقَتْل وَأخذ الْجِزْيَة وَالْآخر لَا كالنساء وَأهل النِّفَاق وَنَحْوهم فِيمَن رام أَن يَجْعَل ثمَّة واسطا فِي الْأَحْكَام بِمَا هِيَ عِنْد الْفَرِيقَيْنِ يلْزم لَا بِمَا ذكر من الواسط أغفل عَن جملَة قَول الْأمة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَعَ مَا كَانَ الله تَعَالَى قد بَين الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الْكَفَرَة وَالْمُؤمنِينَ وَأهل النِّفَاق وهم المذبذبون بَينهمَا وَأخْبر أَنهم لَيْسُوا من هَؤُلَاءِ وَلَا من هَؤُلَاءِ فَمن رام تثبيت الواسط لَا على مَا جَاءَ بِهِ النَّص وَأَرَادَ أَن يَجعله مُقَابلا لَهُ على نفى الْحَقِيقَة الَّتِي جعل الله لَهَا الواسط فقد ضيع حُقُوق الْقِسْمَة وَنقض التَّرْتِيب الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآن فاستوجب المقت بِهِ من جَمِيع منتحلي الْإِسْلَام وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض نَفسه بِالْمَرْأَةِ فَزعم أَنَّهَا مَخْصُوص وَهَذَا النَّوْع من الخيال بل أَحْكَام الْكفْر مُخْتَلفَة لَا يسْتَدلّ بهَا على شَيْء وَقد رَأَيْته أطنب فِي معارضات الْخَوَارِج وتكلف الْخُرُوج مِمَّا قابلوه بِهِ مِمَّا يعلم كل من تَأمله أَنه لم يُحَقّق مَا رام الرَّامِي وَلَا تخلص مِمَّا قوبل بِهِ حق التَّخَلُّص فأغضيت عَن ذكره
ثمَّ احْتج بنفى اسْم الْكفْر وَالْإِيمَان عَن صَاحب الْكَبِيرَة إِن المرجئة والخوارج اتَّفقُوا على أَن اسْم الْإِيمَان لَا يُوجد بِالْقِيَاسِ مِمَّا أوجبته اللُّغَة وَإِنَّمَا كَانَ من جِهَة السّمع فَلَا تجوز التَّسْمِيَة بِوَاحِد إِلَّا بالتواتر بِالسَّمْعِ أَو الْإِجْمَاع وَزعم أَن هَذِه حجَّة كَافِيَة
قَالَ الشَّيْخ ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق كذب فِي الْحِكَايَة عَمَّن بلغ ذَلِك بل هم أَجمعُوا على تَحْقِيق الإسم بِمَا أوجبته اللُّغَة لَكِن الْخَوَارِج استدلت بإرتكاب الْكَبِيرَة على كذبه فِيمَا أظهر من التَّصْدِيق بقوله ﴿أَحسب النَّاس﴾
стр. 351
والمرجئة زعمت أَن الإستدلال لظُهُور الصدْق وَالْكذب فِي الْغَالِب لَا أَن التَّصْدِيق فِي الْحَقِيقَة لَا يكون دونه وَالْإِيمَان هُوَ ذَلِك التَّصْدِيق فِي الْحَقِيقَة لَو كَانَ لَيْسَ فِي الْكَبِيرَة نَفْيه وَلَا فِي إبقائها بِحَقِيقَة فِي حق الْوُجُود وَإِن كَانَ فِي حق الدّلَالَة على الْمُسْتَدلّ وَالله أعلم فَحصل إِذا القَوْل مِنْهُم على مَا توجبه اللُّغَة وَظهر كذبه فِي الْحِكَايَة ثمَّ الْأمة كَانَت قبل حُدُوث الإعتزال وَأَهله على قَوْلَيْنِ فِي صَاحب الْكَبِيرَة على أَنه مُؤمن فَاسق أَو كَافِر فَاسق ليعلم وَجه كفره عِنْد من يرَاهُ كَافِرًا وَوجه فسقه عِنْد من يرَاهُ فَاسِقًا وَذَلِكَ مَا يُقَال حرَام مَكْرُوه وحلال مَكْرُوه ليعلم أَن الْحُرْمَة هِيَ بَيَان أخف الحرمتين وَهِي حُرْمَة الْكَرَامَة لَا حُرْمَة الْإِطْلَاق وَإِن الْحل لَيْسَ هُوَ حل الإيثار وَالرَّغْبَة بل فِيهِ بعض مَا يُورث الشّبَه فَمثله أَمر الْأمة فِيمَا ذكرت ثمَّ اسقطت الْمُعْتَزلَة أحد الأسمين وَهُوَ الَّذِي يعرف معنى التَّنَازُع وألزم الآخر على الإتفاق فِي منع ذَلِك مُطلقًا دون معرفَة حَقِيقَته فخالفوا بذلك الْأمة وَهَذِه حجَّة مقنعة لمن تصح نِيَّته لله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض نَفسه بأنك اتبعت الإسم الْأَحْكَام هلا فرقت بَين أَصْحَاب الْكَبَائِر بِمَا اخْتلفت أَحْكَامهَا مهما قَالَ أفعل فأسمى هَذَا سَارِقا وَهَذَا قَاذِفا فَيُقَال فَإذْ سميته فَاسِقًا مَعَ تَحْقِيق اسْمه الَّذِي بِهِ فسق وَلم تمنع عَنهُ اسْم فعله مِمَّا بالك منعت عَن الْمُؤمن اسْم الْإِيمَان الَّذِي هُوَ لَهُ مُسْتَحقّ لفعله إِلَّا أَن توسع التَّسْمِيَة بِمَا يقبح من الْفِعْل وَيمْنَع بِمَا يحسن وَذَلِكَ جور فِي الْفِعْل
ثمَّ اسْم الْفسق لم يجب بجلد الثَّمَانِينَ وَلَكِن بالموالاة والتعظيم وَهَذَا بَين الحيد عَن تَقْدِير الْمعَارض لَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ وَالله أعلم أَن الْأَسْمَاء لم تقدر عَن الْأَحْكَام بِوُجُود الإختلاف فِي الْأَحْكَام على الإستواء فِي الْأَسْمَاء وَبِذَلِك كَانَ تَقْدِيره فِي الإبتداء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الْمُوَالَاة والتعظيم متفاوت على تفاضل الْمنَازل والدرجات فِي الْمنَازل فِي الدّين كالرسل ثمَّ الْأَئِمَّة ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الْمُؤمنِينَ وعَلى ذَلِك لَازم الْأَمْرَانِ جَمِيعًا فِي الدّين ارتكبوا الْكَبَائِر على قدر مَا أُوتُوا من الْحَسَنَات والمقت بِمَا أُوتُوا من السَّيِّئَات
стр. 352
فَمن رام دفع مَا جَاءَ بِهِ من الْخيرَات بسيئات لسن بأضداد لَهُنَّ فَهُوَ جَائِز فِي الحكم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ احْتج بِالْآيَةِ الَّتِي فِيهَا ﴿يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه﴾ فِي صَاحب الْكَبِيرَة إِنَّه لَو كَانَ مُؤمنا لَكَانَ لَا يعذب وَلَا يوعد عَلَيْهِ وَالْآيَة ترجع إِلَى وُجُوه أَحدهَا أَن لَا يجْزِيه عَن شَفَاعَة رَسُول الله بل يشفعه فِيهِ وينجيه بهَا وَالثَّانِي أَن يكون ذَلِك عِنْدَمَا يَقُول لَهُم تواهنوا مظالمكم وعَلى معذرتكم وَالثَّالِث أَن يكون لَا يجزيهم خزى الْكَفَرَة من الخلود فِي النَّار إِذْ هُوَ أَنْوَاع كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْم هَا هُنَا حميم وَلَا طَعَام إِلَّا من غسلين﴾ على اخْتِلَاف الدركات فَمثله على إختلاف الْأَوْقَات وَيحْتَمل لَا يجزى أَي لَا يفضح فيهتك ستره وَذَلِكَ كَذَلِك فِي كل مُؤمن
ثمَّ الَّذِي ينْقض على الْمُعْتَزلَة إبتداء الْآيَة وَهُوَ قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا﴾ ألزمهم التَّوْبَة وَجعلهَا شرطا للمغفرة على إبْقَاء اسْم الْإِيمَان لَهُم والصغائر مغفورة بإجتناب الْكَبَائِر على قَوْلهم ثَبت أَن الْآيَة فِي أَصْحَاب الْكَبَائِر وَقد بقى لَهُم اسْم الْإِيمَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالدَّلِيل على أَن اسْم الْإِيمَان لَا يَزُول بِزَوَال الْعَدَالَة قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت حِين الْوَصِيَّة اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم﴾ وَلَو كَانَ كل مُؤمن عدلا لَكَانَ يَقُول إثنان مِنْكُم إِذْ كَانَ ابْتِدَاء الْآيَة فِي مُخَاطبَة الْمُؤمنِينَ ثَبت أَن قد يكون مُؤمنا عدلا وَغير عدل وَقَالَ
стр. 353
الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين﴾ إِلَى قَوْله ﴿مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ فَلَو كَانَ كل مُؤمن مرضيا لم يكن للشّرط فَائِدَة وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ ثَبت أَن الْمُؤمن يكون عدلا وَغير عدل وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ ثَبت أَنه قد يكون مِنْهُم رشيد وَغير رشيد وَلَو كَانَ كل مُؤمن عدلا وكل من لَيْسَ بِعدْل لَيْسَ بِمُؤْمِن لَكَانَ لَا شَهَادَة ترد بِالْفِسْقِ بعد الإمتحان وَلَا يجوز السُّؤَال عَن الْأَحْوَال ليعلم بهَا الْعَدَالَة وَالْفِسْق بل على الْمَكَان الَّذِي يسْأَل عَمَّا عَلَيْهِ من الْإِيمَان فِي ذَلِك ويمكنه الْوَفَاء فَيجب قبُول شَهَادَته بِلَا سُؤال عَنهُ وَلَا اعْتِبَار بأحواله وَفِي إِجْمَاع الْأمة على الفحص عَن الْأَحْوَال وَترك النُّزُول على مَا يظْهر من الْأَمْوَال الَّتِي يَكْتَفِي بهَا فِيمَا كَانَ شرائطها الْإِيمَان من الْحل وَالْحُرْمَة والتوارث ثمَّ الْعِبَادَات دَلِيل يبين أَن الْإِيمَان وَمَا بِهِ يصير الْمَرْء مُؤمنا ويستوجب أَحْكَامه لَيْسَ هُوَ كل مَا يبْقى أَنْوَاع الفسوق والعصيان ولاقوة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى ذَلِك معنى أَمر هَذِه الْأمة فِي تعاهد الصَّلَوَات فِي الْجَمَاعَات وَالصِّيَام وَإِخْرَاج الزكوات على مَا هم عَلَيْهِ من الإختلاف فِي هتك الحرمات والإنهماك فِي الْمعاصِي ثَبت بِالَّذِي عَلَيْهِ الْأمة عدُول الْمُعْتَزلَة والخوارج عَن الْحق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نذْكر مَا ذكر الكعبي فِيمَا احْتج عَلَيْهِ من الْقُرْآن بالحيل المستبعدة ليصرف عَن نَفسه وإتباعه اسْم الْإِيمَان وَيُوجب الْإِيَاس عَن رَحْمَة الله والإختيار لعداوته بكبيرة كَأَنَّهُ بِهِ يحصل على نفع فِي الدُّنْيَا وَحمد فِي الدّين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 354
فَقَالَ لمن احْتج عَلَيْهِ بقوله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة﴾ وَالتَّوْبَة لَا تكون إِلَّا عَن ذَنْب بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن التَّوْبَة عَن الصَّغِيرَة وَإِن كَانَت مغفورة وَالثَّانِي على التَّعَبُّد كتكرار التهليل وكدعاء الْمَلَائِكَة بقوله ﴿فَاغْفِر للَّذين تَابُوا﴾
نقُول لَهُ الْوَجْه الأول دلّ على جَهله بِمَعْنى التَّوْبَة إِذْ هِيَ الرُّجُوع والندم ومحال ذَلِك عَمَّا لَيْسَ عَلَيْهِ وَهُوَ مغْفُور لَهُ لَا يجوز عَلَيْهِ التعذيب وَالثَّانِي إِن حق عَلَيْهِ إِذا غفر لَهُ الْحَمد لَهُ وَالشُّكْر على الْعَفو وَفِي التَّوْبَة كفران ذَلِك لِأَنَّهُ يُوهم بَقَاءَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالثَّالِث أَنه قَالَ ﴿عَسى ربكُم أَن يكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ فَجعله مَوْقُوفا على مَا يكفره بِالتَّوْبَةِ ثَبت أَن الذَّنب بَاقٍ وَهُوَ لم يزل مُسْتَحقّا إسم الْإِيمَان وَالله أعلم
والتسهيل لَهُ فِي كل وَقت حكم التَّحْدِيد لِأَن حَقِيقَة الْأَفْعَال أَن لَا يبْقى وَالتَّوْبَة يكون عَن ذَنْب وَلَا ذَنْب
وَبعد فَإِنَّهُ يجوز الْأَمر بالتهليل على التَّعَبُّد وَلَا يجوز بِالتَّوْبَةِ والإستغفار عَن ذَنْب مغْفُور لما فِيهِ إِيهَام أَنه لَيْسَ بمغفور وَذَلِكَ كفران النعم وَغير جَائِز ذَلِك كَمَا لَا يجوز الدُّعَاء بِأَن لَا يجوز وَلَا يظلم وَدُعَاء الْمَلَائِكَة لما قد يكون لمن ذكر ذنوبا غير مغفورة فَإلَى ذَلِك ينْصَرف الدُّعَاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَالَ فِي قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إِلَّا أَن ذَا يكون فِيمَا لم يكن فعله كمن يرى آخر يَدعُوهُ بعض الغواة إِلَى أَمر قَبِيح فَيَقُول على سَبِيل النهى لم تفعل يَا أخي مَا ينقص دينك وَيُوجب عَلَيْك سخط رَبك لَا أَنه فعله لَكِن لِئَلَّا يَفْعَله
стр. 355
فَيُقَال لَهُ إِن كَانَ جهدك فِي صرف اسْم الْإِيمَان عَن الْمُبْتَلى بكبيرة على مَا فِيهِ من تَعْظِيم الرَّحْمَن وخشية العواقب لِئَلَّا تسمى أَنْت بِهِ فلك مَا اخْتَرْت فِي نَفسك وسويته وَإِن كَانَ ذَلِك لتزيل هَذَا عَن غَيْرك فَهُوَ يعلم جرأتك فِي ذَلِك على الله بِمَا فهم من تَسْمِيَة الله إِيَّاه بِغَيْر الَّذِي سميته فَلَا يحْتَمل أَن يرتاب فِي خبر الله مَعَ مَا يعلم من نَفسه كَذَلِك بإفترائك على الله بتسويل الشَّيْطَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الَّذِي ذكرته لَا يحْتَمل إِلَّا سَفِيه أَن يَقُول ويعاقب على مَا يعلم كذبه فِيمَا يعاتبه عَلَيْهِ فَأَما الله سُبْحَانَهُ الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء يتعالى عَن هَذِه الرُّتْبَة الَّتِي يأنف مِنْهَا كل ذِي لب وَالله الْمُسْتَعَان وَأما أَنْت فحقيق لذَلِك لِأَنَّك تيأس بِهِ من روح الله وتؤثر شهوتك عَدَاوَة الله وَولَايَة الشَّيْطَان ويتعرك فِي مذْهبه لمقته ولعنه فهنيئا لَك مَا خترته لنَفسك عِنْد الْكَرِيم والرحيم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله إِنَّه أثبت اسْم الْإِيمَان وَإِن لم تخشع قُلُوبهم إِن أول ذَلِك إِثْبَات إسم الْإِيمَان بِلَا خشوع وَأَنْتُم لَا ترَوْنَ إِلَّا التَّصْدِيق بِاللِّسَانِ والمعرفة بِالْقَلْبِ وَالثَّانِي أَن قد يَقُول لمن يخْشَى الله وَيقوم بالغاية فِي شكره أما يَنْبَغِي لَك أَن تخشاني وتشكرني لَا أَنه غير شَاكر لَهُ وَلَكِن على التَّنْبِيه
قَالَ الْفَقِيه ﵀ فَأَما الأول فَإِنَّمَا الْآيَة إِنَّمَا هُوَ فِي الْخُشُوع لذكر الله وَأَن من لَا يخشع لَهُ مَذْمُوم فَاسق وخشوع الْإِيمَان هُوَ الَّذِي يكون بِمَعْرِِفَة جَلَاله وكبريائه وَهَذَا لَا يَزُول عَن الْمُؤمن وَمَعَ الْإِيمَان قد سمى مُؤمنا وَإِن كَانَ بِهِ مذموما وَفِي الْآيَة دلَالَة طول ذَلِك فيهم وَذَلِكَ يُوجب الْوَصْف بالكبيرة عِنْدهم وَقد أبقى لَهُم اسْم الْإِيمَان فَبَطل بذلك قَوْلهم وَالله الْمُوفق
следующие страницы →