Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
"والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو يحرس، فلما قضى النبي ﷺ السجود" يعني سجد بالصف الذي يليه سجدتين، وهنا تمت لهم ركعة، قام الصف الذي يليه وقام الصف "فلما قضى النبي ﵊ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا" يعني قاموا إلى الركعة الثانية مع النبي ﵊ والصف الذي يليه "ثم تقدم الصف المؤخر" صاروا صف أول "وتأخر الصف المقدم" فصاروا صفاً ثانياً، وهذا من تام العدل من أجل أن يسجد أصحاب الصف الثاني الذين صاروا في الصف الأول في الركعة الثانية مع النبي ﵊ كما سجد الصف الأول معه ﵊، فبذلك يتم العدل، قال: "ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً" مثل الركعة الأولى "ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه" الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحر العدو، يعني الذين كانوا في الصف الأول في الركعة الأولى قاموا في نحر العدو؛ لأنهم صاروا في الصف الثاني "وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود" الذين كانوا في الركعة الأولى هم في الصف الأول "فسجدوا ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعاً" هذه الصورة ظاهرة وإلا ما هي بظاهرة؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1087
يعني فيها تمام العدل، صف صلى مع النبي ﷺ ركعة كاملة، والصف الثاني صلوا وبقي عليهم السجود، سجدوا بعد ما قام الصف الأول، ثم تقدموا مكان الصف الأول، وتأخر الصف الأول مكانهم ليسجد الصف الثاني الذي صار في الصف الأول مع النبي ﵊ كما سجد معه في الركعة الأول من في الصف الأول، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعاً، يعني في حال الجلوس للتشهد الحراسة ممكنة كحال القيام "ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعاً" قال جابر "كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم" يعني يحرسونهم، يقفون على رؤوسهم، والصف الثاني في حال السجود قيام، والنبي ﵊ ساجد في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية، والصف الثاني سواء كانوا في الصف الأول في الركعة الأولى صاروا في الثاني في الركعة الثانية، أو الصف الثاني في الركعة الأولى الذين صاروا في الصف الأول في الركعة الثانية، قيام.
стр. 1088
النبي ﵊ لما جرح شقه الأيمن سقط من الدابة فجرح شقه الأيمن، فصلى جالساً، فصلوا وراءه من قيام، فأشار إليهم: أن اجلسوا، وقال: ((كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم)) وفي الحديث الصحيح: ((وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) وقد تقدم، هنا يقفون والنبي ﵊ ساجد في الركعة الأولى وفي الثانية، هل في هذا ما يعارض ذلك الحديث؟ والذي ينبه إلى هذه المعارضة قال جابر: "كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم" يقفون على رؤوسهم كما كانت تفعل فارس والروم، والحرس ما زالوا يصنعون هذا حتى في المساجد إذا وجد في المسجد من يخاف عليه من الأمراء وأصحاب الشأن فإنهم يقفون على رؤوسهم، وهذا موجود حتى في المسجد الحرام، وقبل وجود هذه الاضطرابات وهذه الفتن كان العساكر يصلون مع الناس، ولا يحتاج الناس إلى حراسة، لكن لما وجد بعض التصرفات التي من أجلها يخاف على بعض الناس وجد هؤلاء الحرس الذين يقفون على رؤوس الناس، على رؤوس من يخشى عليه، وإلا فكيف تسمح نفس المسلم أن الناس يصلون ويؤدون الصلاة في أطهر بقعة وهم قيام لا يصلون، لا يدخلون مع الإمام، فهل الأولى بالنسبة لهؤلاء الحرس أن يصلوا مع الإمام ويحرسون من أرادوا حراسته وإذا سجد الإمام يثبتون قياماً أو لا يدخلون مع الإمام من الأصل كما هو صنيعهم اليوم؟
طالب:. . . . . . . . .
الآن عندنا يصلون مع الإمام في الحديث، ويحرسون في أثناء الصلاة، والحراسة في السجود فقط، لكن قد يقول قائل: إنه لم يتحدد المكان الذي يجيء منه من يخاف منه، يمكن يجي من الخلف، يمكن يجي من الأمام، يمكن يجي من اليمين، يمكن يجي من الشمال، فلا تتعين هذه الصورة، نعم؟
طالب: ألا يقال يا شيخ: الخوف متوهم يعني ... مثل العدو يعني ....
стр. 1089
نعم، لكن هل هذا الخوف المتوهم يجعل مجموعة من الناس من المسلمين لا يصلون مع الإمام في داخل المسجد؟ يعني الخوف المتوهم هذا ما في شك أنه ولو كانت نسبته يسيرة إلا أن الأثر المترتب عليه عظيم، الأثر المترتب عليه لو قلت لشخص في المسجد ماذا يكون الأثر؟ لا سيما إذا كان ممن يختل الأمن بسببه، فوجد بعض التصرفات التي جعلت المسئولين يكلفون من يحرس، وحصل الحادثة العظيمة في الحرم قبل ثلاثين سنة، يعني كارثة هذه، فهذه التصرفات جعلت .. ، وإن كان يحز في النفس أن ترى مسلم يتدين بالأوامر والنواهي ومع ذلك ما يصلي مع الإمام، وهم في شدة الخوف يصلون معه ﵊، لكن إذا كان العدو في جهة القبلة له وضع، أما إذا كان في غير جهة القبلة فله وضع آخر، وهؤلاء يدرون من أين يؤتون؟!
قال جابر: "كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم" طيب لماذا ما تركهم النبي ﷺ يجلسون؟ وجعلهم يقفون كما يقف الحرس على أمرائهم؟ يثبتون قياماً أثناء السجود لأنهم إذا جلسوا لم يتمكنوا من الحراسة، قد يتمكنون أثناء سجود الصف الأول، لكن في الجلسة بين السجدتين ما يتمكنون من الحراسة، والحديث مخرج في صحيح مسلم.
قال: "وعن ثعلبة بن زهدم قال: "كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا" يعني في حديث عبد الله بن عمر: "صلى بهؤلاء ركعة وهؤلاء بركعة ثم قام كل واحد فركع لنفسه، وسجد سجدتين" هنا حذيفة صلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا، ولم يصلِ كل واحد منهم الركعة الثانية.
"رواه أحمد وأبو داود، وهذا لفظه، والنسائي وأبو حاتم وابن حبان" والحديث مصحح، الحديث يصل إلى درجة الصحيح، وهذه صورة من الصور تشهد لما قاله ابن عباس.
стр. 1090
من الصور التي لم يذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- هنا: صلى ركعة بطائفة، وصلى ركعة بطائفة، ولم يقضِ واحد منهم الركعة الثانية، من الصور التي لم يذكرها أن يصلي بطائفة ركعتين ويسلم بهم، ثم يصلي بالطائفة الثانية ركعتين ويسلم بهم، هذه صورة من الصور وهو في صلاته الأولى مع الطائفة الأولى مفترض وصلاته الثانية مع الطائفة الثانية نفل، والذي لا يرى صحة صلاة المفترض خلف المتنفل لا يصحح مثل هذه الصورة، والذي يرى صحة صلاة المفترض خلف المتنفل استدلالاً بمثل هذا، ومثل حديث معاذ حينما كان يصلي مع النبي ﵊ العشاء، ثم يصلي بقومه هي له نافلة ولهم فريضة، يصحح مثل هذه الصورة.
صورة أيضاً مما لم يذكره المؤلف أن يصلي الإمام أربع ركعات فيصلي بطائفة ركعتين ثم إذا جلس للتشهد الأول يتشهدون معه، ثم يسلمون وينصرفون، وإذا قام إلى الثالثة جاءت الطائفة الثانية فصلى بها الركعتين الباقيتين من صلاته الرباعية، ثم يسلم بهم فتكون للإمام أربع ركعات، وللمأمومين ركعتين ركعتين، هذه ذكرها أهل العلم، وإذا كانت الصلاة ثلاثية مثلاً، إذا كانت ثنائية أو رباعية يمكن قسمتها على الطائفتين، لكن الإشكال إذا كانت ثلاثية كالمغرب كيف يصلون مع الإمام؟ وكيف يمكن قسم الصلاة بين الطائفتين بالعدل والسوية كما تقدم في الصور؟ يمكن وإلا ما يمكن؟ يمكن أن يصلي ركعة ونصف بطائفة، وركعة ونصف بطائفة ثانية؟ لا، لا يمكن، ما يمكن، فإذا جلس للتشهد الأول إما أن ينصرفوا أو يكملوا صلاتهم على حسب ما تقدم في الصور، ثم تأتي الطائفة الثانية فتصلي معه الركعة الباقية، وتكمل ركعتين ويسلمون، وفي صلاة المغرب لا يمكن أن تقسم الصلاة بين الطائفتين بالسوية.
يقول: في الجلسة بين سجدتي السهو هل يقال فيها: ربي اغفر لي كما يقال في السجدتين في عموم الصلاة؟
نعم، يقال في السجود: سبحان ربي الأعلى، ويقال بين السجدتين: ربي اغفر لي ... إلى آخر الأدعية.
يقول: هل تصلى صلاة الخوف في المعركة وقت النزال أم عند وقف القتال؛ لأنه لا يتصور أن يكونوا خلف إمام متقدماً لوحده تلقاء العدو وقت النزال؟
стр. 1091
على كل حال يصنع الإمام ويجتهد في الصورة المناسبة للحال، وقد يصل الأمر إلى الصلاة بالإماء دون ركوع ولا سجود.
يقول: ما جاء في حديث جابر الذي تقدم: "تقدم طائفة وتأخر طائفة" ألا يخل ذلك بالصف؟
لا، لا يخل بالصف، لا يخل ذلك بالصف، وهذه الصورة صحيحة وثابتة عن النبي ﵊، والخلل الذي حصل من الحركة والتقدم والتأخر مغتفر؛ لأنه جاء عن المعصوم ﵊.
قول جابر: "كما يصنع حرسكم" هل هو للمدح أو للذم أو للجواز؟
ليس للمدح ولا للذم وإنما هو لبيان الصورة والهيئة، والتشبيه لا يلزم منه المطابقة من كل وجه.
يقول: هل يمكن لطالب العلم الجمع بين دراسة كتاب بلوغ المرام وكتاب المحرر في الحديث؟
نعم، يمكن وبسهولة الأبواب متشابهة ومتقاربة، والأحاديث أيضاً في ضمن هذه الأبواب متقاربة، وشروح البلوغ تصلح أن تكون شروحاً للمحرر، قد يزيد حديث أو ينقص حديث أو يتقدم حديث أو يتأخر حديث، يتقدم باب أو يتأخر باب مثل الباب الذي يلي هذا باب المساجد هذا متأخر في المحرر ومتقدم في البلوغ، الأمر سهل، يعني بالإمكان أن طالب العلم يرتب الأحاديث من خلال شروح الكتابين.
هذا سؤال غريب ...
يقول: كيف نجمع بين حديث ابن عباس في صحيح مسلم، وصفة صلاة الخوف أن الإمام صلى أربعاً؟
الصور التي جاءت في صلاة الخوف، يعني بعضهم أوصلها إلى ست وعشرين صورة، والإمام أحمد مع حفظه وسعة إطلاعه ويحفظ سبعمائة ألف حديث، يقول: صحت من ستة أوجه أو سبعة.
يقول: في حديث الإسراء واستفتاح جبريل ﵇ للنبي ﵊ في عروج السموات دليل على عدم القدرة على الصعود إلى السماء بمركبات فضائية؟
هم يقولون: إنهم ما وصلوا إلى السماء، ولا دخلوا في السماء، وإنما وصلوا الكواكب التي دون السماء على حد زعمهم، وكل هذا ينبني على الظرفية ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [(١٦) سورة نوح] إن كانت الظرفية على مقتضاها في أصل اللغة وأنه في داخل السماء، وأن السموات ظرف للقمر فلن يستطيعوا، وإذا كان فيهن يعني نوره يصل من الأعلى ومن الأسفل، أو المراد بالسماء جهة العلو فيمكن ذلك.
стр. 1092
والشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- له كتاب أثبت فيه إمكان الصعود إلى الكواكب، وإن كان كثير من أهل العلم كالشنقيطي وغيره ينكرون هذا، ويشددون في مثل هذه المسألة، والإشكال أننا نصدق قوماً كفاراً في شيء لا تبلغه عقولنا، يقولون: وصلنا، نقول: نعم وصلنا، ولو كذبوا في يوم من الأيام قالوا: ما وصلنا، قلنا: ما وصلتم، فالإنسان الذي لا يدركه عقله عليه أن لا يجزم فيه بشيء، أما مجرد قالوا: وصلنا، قلنا: وصلتم ما هو بصحيح هذا، وجاءوا بأحجار قالوا: هذه من سطح القمر وهذه من كذا، وإذا كان المسلم بهذا المستوى من الانبهار بالكفار وتصديقهم في كل ما يقولون فيخشى على عقدته أن يقرروا يوماً ما يخل بعقيدته ثم يصدقه، بل عليه أن يثبت، إذا كان الفاسق من المسلمين يجب التثبت في خبره فكيف بالكافر؟!
يقول: بدأت بقراءة البخاري بطريقة أريد رأيكم فيها، وهي: أني أقرأ الحديث ثم أنظر في أطرافه من الصحيح، مع تبويب الإمام عليها؟
هذه طريقة جيدة تجمع الألفاظ والروايات، وبإمكانك أن تتطلع على فقه البخاري من خلال تراجمه لهذه الأطراف، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1093
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: المحرر – كتاب الصلاة (٤٢)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا سؤال في موضوع صلاة الخوف وهو مهم جداً.
يقول: هل تصلي فئة مسلمة تقاتل فئة مسلمة صلاة الخوف؟
نعم إذا كانت الفئة المسلمة التي تقاتَل بغاة أو قطاع طريق، فالفئة المحقة تصلي صلاة الخوف، كما هو الشأن في قتال الكفار لأنه قتال مشروع، أما إذا كانت الطائفتان مجرد بغي بعضهم على بعض، هذا لا يترخص من أجله؛ لأن هذه رخصة والرخصة منوطة بالمباح، كما قالوا في رخص السفر، لا يترخص العاصي في سفره، وكذلكم لا يصلي صلاة الخوف الباغي في قتاله.
يقول: هل يمكن أن يصلي الجندي في الحرم الشريف صلاة الخوف بدون قصر للرباعية يعني يصلي العشاء أربع ركعات؟
ليس في حال خوف، إنما يصلي صلاة أمن، يصليها أربعاً، ويحرص على الجماعة بقدر الإمكان، فإن أمكنه أن يصلي مع الناس صلاة كاملة وإلا صلاها في جماعة أخرى؛ لأن صلاة الخوف المنظور فيها مع الاهتمام بشأن الجماعة، واستدلال أهل العلم على وجوب صلاة الجماعة بأنها لم تسقط في حالة الخوف أيضاً المنظور فيها الالتفاف حول إمام واحد، مما يحصل به إخافة للعدو وإرهاب له.
يقول: هل الفئة التي تصلي مع الإمام والعدو في غير اتجاه القبلة تحمل السلاح في صلاة الخوف مثل التي ... ؟
نعم تحمل السلاح، يحملون السلاح، ولا يجوز لهم أن يضعوا السلاح إلا من عجز عن حمله لمرض وشبهه.
هل أيام فتنة الصحابة والمعارك التي دارت بينهم صلوا صلاة الخوف وهم فئتان مسلمتان؟
أما بالنسبة للمحقة التي تقاتِل فئة باغية هذه تصلي صلاة الخوف كما لو كان المقاتَل كافراً؛ لأن هذا قتال مشروع، وما يخشى من فوته في قتال الأعداء يخشى من فوته في قتال البغاة وقطاع الطريق.
يقول: هل شُرط لصلاة الخوف أن يكون العدو كافراً؟
هذا جوابه في السؤالين الماضيين.
كيف يشعر الإمام أنهم انتهوا من الركعة وجاءت الطائفة الثانية تصلي معه وتسلم، هذا إذا كان العدو في غير جهة القبلة؟
يشعر الإمام لأن العدد إذا كثر يكون له جلبة، الواحد له جلبة يشعر به، فكيف إذا كانوا عدداً؟!
стр. 1094
يقول: ما حكم سؤال الإنسان الناس مالاً لظروف وقعت به في المسجد إن كان لا يجوز هل ينكر على السائل؟
هذا يأتي في باب المساجد الذي نبدأ به اليوم -إن شاء الله تعالى-.
يقول: منا من يأتي للدرس من جدة، فلو كان الدرس بعد الصلاة مباشرة لكان أرفق بنا، علماً بأن أكثر الحضور يصلون العشاء هنا؟
وهذا يعني تحقيقه سهل، وبدءاً من درس الغد -إن شاء الله- تكون الصلاة هنا، والبدء بعد الصلاة مباشرة في الثامنة أو الثامنة وخمس دقائق أو عشر دقائق، هذا طلب يمكن تلبيته، لا سيما وأن أمس تأخرنا يعني بعد العاشرة انتهينا.
سم.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.
قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:
باب: المساجد
عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من بنى مسجداً -قال بكير: حسبت أنه قال- يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة)) متفق عليه.
وعن عائشة ﵂ قالت: "أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وإسناد بعضهم على شرط الصحيحين، ورواه الترمذي مرسلاً ومتصلاً، وقال في المرسل: هذا أصح، والدور القبائل والمحال.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) متفق عليه.
ولمسلم: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)).
وعن ابن عمر ﵄ أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي ﷺ ، كذا رواه البخاري، وروى مسلم بنحوه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "بعث النبي ﷺ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج النبي ﷺ فقال: ((أطلقوا ثمامة)) فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله" متفق عليه.
стр. 1095
وعن أبي هريرة ﵁ أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: "قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك" ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أجب عني، اللهم أيده بروح القدس))؟ قال: نعم" متفق عليه أيضاً.
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)) رواه مسلم.
وعن بريدة ﵁ أن رجلاً نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي ﷺ : ((لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له)) رواه مسلم، ورواه النسائي متصلاً ومرسلاً.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا رد الله عليك)) رواه النسائي في اليوم والليلة، والترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وعن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقام الحدود في المسجد، ولا يستقاد فيها)) ...
مسجد وإلا مساجد؟
عفا الله عنك.
((لا تقام الحدود في المساجد، ولا يستقاد فيها)) رواه أحمد وأبو داود، وفي إسناده انقطاع.
وعن مبارك بن فضالة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((هل منكم أحد أطعم اليوم مسكيناً؟ )) فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل فوجدت كسرة خبز بين يدي عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه" رواه أبو داود، ومبارك وثقه ابن معين في رواية، وقال النسائي: ضعيف.
وعن عائشة ﵂ قالت: "أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل، فضرب رسول الله ﷺ خيمة في المسجد ليعودوه من قريب".
ليعوده.
стр. 1096
ليعوده من قريب، فلم يرعهم، وفي المسجد معه خيمة من بني غفار إلا والدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذُ جرحه دماً، فمات فيها ﵁" متفق عليه، واللفظ لمسلم.
وعنها ﵂ قالت: "رأيت النبي ﷺ يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر، فقال النبي ﷺ : ((دعهم، أمناً بني أرفدة)) يعني: من الأمن، متفق عليه، واللفظ للبخاري.
وعنها ﵂ أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، قالت: فوضعته -أو وقع منها- فمرت به حدياة وهو ملقى، فحسبته لحماً فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: فطفقوا يفتشوني حتى فتشوا قبلها! قالت: والله أني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة فألقته! قالت: فوقع بينهم، قالت: فقلت: هذا الذي اتهمتموني به، وأنا منه بريئة، وهو ذا هو، قالت: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت.
قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش، قالت: فكانت تأتيني فتحدث هي عندي، قالت: فلا تجلس عندي مجلساً إلا قالت:
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ... ج ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني
قالت عائشة ﵁: فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي مقعداً إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني بهذا الحديث" رواه البخاري.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها)) متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : ((أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)) رواه مسلم.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أمرت بتشييد المساجد)) قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى، رواه أبو داود وابن حبان.
стр. 1097
وعن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً في المسجد، فحصبني رجل فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب ﵁، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما أو من أين أنتما؟؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ضرباً، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ . رواه البخاري.
وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) متفق عليه.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أرَ ذنباً أعظم من سورة من القرآن -أو آية- أوتيها رجل ثم نسيها)) رواه أبو داود وابن خزيمة والترمذي، وقال: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه واستغربه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
ففي هذا الباب جمع المؤلف -رحمه الله تعالى- أحاديث ذكر فيها بعض الأحكام المتعلقة بالمساجد، والمسائل والأحكام المتعلقة بالمساجد مبثوثة ومنثورة في الكتب، ومجموعة أيضاً في أبواب من كتب السنة، وفيها مصنفات، ومن أجمعها كتاب لبدر الدين الزركشي، وهو مطبوع في مجلد، جمع فيه أحكام المساجد، ما جاء فيها من النصوص، وما استنبط منها من أحكام، وهو كتاب جامع لمسائل متعلقة بالمساجد.
والمساجد: مفاعل صيغة منتهى الجموع، وقد يقال: مساجيد لأن صيغة منتهى الجموع مفاعل ومفاعيل، مثل مساند ومسانيد، مفاتح ومفاتيح، مراسل ومراسيل.
стр. 1098
المساجد: جمع مسجد، وهو المكان الذي تؤدى فيه الصلاة، الذي يصلى فيه هو المسجد، ويقال: بفتح الجيم مسجَد إلا أنهم خصوا ما جاء بفتح الجيم خصوه بموضع السجود من المسجد، موضع السجود من المسجد، ولذا يقولون: يُستحب للمصلي أن ينظر مسجده، يعني موضع سجوده، والمراد بالمسجد هو ما يُحيط به سوره، هذا المسجد الذي تترتب عليه الأحكام، فما كان خارجاً عن سوره لا يلحق به، فلا يصح الاعتكاف فيه، ولا تصح الصلاة اقتداءً بالإمام إلا إذا اتصلت الصفوف، هذا إذا كان خارجاً عن السور، وإذا كان خارجاً عن السور ولو كان من ملحقات المسجد ومتعلقاته إلا أنه ليس في سوره تجلس فيه الحائض، ويجلس فيه الجنب؛ لأنه لا تنطبق عليه أحكام المسجد، وأم عطية تقول: أمرنا أن نخرج العواتق والحيض وذوات الخدور إلى صلاة العيد، يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى، يعني الموضع الذي يصلي فيه الناس، فمصلى العيد له أحكام المسجد في المكان الذي يصلى فيه، وما عداه لا يأخذ أحكام المسجد وإن كان المسجد له أحكام أكثر من أحكام المصلى، مصلى العيد أو الجبانة مصلى الجنائز أو غير ذلك، لكن الحيض لا يشهدن أو لا يحضرن موضع صلاة العيد، المسجد إذا لم يسور بل هو عبارة عن صحراء، فهذا ليست له أحكام، فلا يصلى فيه التحية، وينتابه الجنب ويجلس فيه الحائض وغيرهما.
стр. 1099
ولا علاقة لإقامة الصلوات الخمس أو بعضها في مفهوم المسجد، فقد تصلى الصلوات الخمس في مكان ولا يُعد مسجداً كالمصليات التي يتخذها الناس في مواطن السكن مثلاً، صالة عمارة مثلاً، أو صالة في محل عمل أو ما أشبه ذلك، هذه لا تأخذ أحكام المسجد، وعلى هذا من كان في عمارة فيها مصلى عليه أن يصلي ويؤدي صلاة الجماعة حيث ينادى بها، يعني في المسجد، ولو أن مسجداً لا يصلى فيه جميع الأوقات لكنه مسجد بمعالمه من رآه قال: هذا مسجد، فهو مسجد ولو لم يصل فيه إلا وقت واحد، فمسجد نمرة مسجد له أحكام المسجد، ومع ذلك لا يصلى فيه إلا صلاة الظهر والعصر يوم عرفة وهكذا، فالمسألة تحتاج إلى تحرير؛ لأن هذه أحكام، هل يصح الاعتكاف أو لا يصح؟ ويبحث أهل العلم هذه المسائل كثير منها في كتاب الاعتكاف، كثير من أحكام المساجد تبحث في أحكام الاعتكاف؛ لأنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد.
فإذا كان هناك في المسجد غرفة في سوره، وبابها إلى الشارع مثلاً، وليس لها باب إلى المسجد، هذه حكمها حكم الشارع، لكن إن كانت تفتح على المسجد فحكمها حكم المسجد ولو كانت بنايتها خارج المسجد، ولذا يقررون في المنارة مثلاً منارة المسجد، إن كانت تفتح إلى المسجد صح الاعتكاف فيها وإلا فلا.
أحياناً يكون هناك ملحقات في المسجد كالساحات مثلاً الخارجة عن سور المسجد هذه ليس لها أحكام المسجد، ولا يصلى فيها إلا إذا اتصلت الصفوف، أحياناً يكون في هذه الساحات دورات مياه، محل قضاء الحاجة مما يدل على أنها لم يقصد أن تكون مسجداً، وإنما هي من مرافق المسجد، قد يحتاج إليها إذا ضاق المسجد، واتصلت الصفوف هذا لا إشكال فيه.
ذكر المؤلف مسائل كثيرة متعلقة بالمسجد، واستدل لكل مسألة بحديث في الغالب، فبدأ في فضل بناء المساجد.
قال ﵀:
"عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من بنى مسجداً -قال بكير: حسبت أنه قال-: يبتغي به وجه الله تعالى بنى الله له مثله في الجنة)) متفق عليه" بل عده أهل العلم من المتواتر.
مما تواتر حديث: ((من كذب)) ... جج ومن بنى لله بيتاً واحتسب
هذا من المتواتر.
стр. 1100
((من بنى مسجداً)) وفي بعض الروايات: ((ولو كمفحص قطاة)) وهذه مبالغة في صغر المسجد، وإلا ما يمكن أن يكون هناك مسجد بمقدار مفحص قطاة، وفحص القطاة قدم واحد، ما يأخذ ولا القدم الثاني فضلاً عن بقية الجسم، إنما أريد بذلك المبالغة، وأن الإنسان مهما بنى وإن عده الناس صغيراً إلا أنه يمكن الصلاة فيه، بعض الناس يبني مسجداً بقدر حاله، عنده كذا مبلغ من المال فيبني به مسجداً عبارة عن غرفة صغيرة فيها معالم المسجد، فيها منارة، وفيها .. ، مسورة، ويتركها للناس يصلون فيها، ثم يأتي من يزدري هذا العمل؛ لأنه بالمقابل يوجد من يبالغ ويسرف في عمارة المساجد، فيكون مثل الذي ازدرى صاحب الصدقة القليلة المنصوص عليها، فمن بنى لله مسجداً أو بيتاً ولو كمفحص قطاة، قلنا: إنه لا يمكن أن يكون مسجد بمقدار مفحص قطاة، لكن هو مبالغة في أقل القدر الذي يمكن فيه الصلاة، أو هو إشارة إلى الاشتراك في بناء المسجد، اشتراك في بناء مسجد، يعني افترض أن المسجد أرضه غالية جداً، وعمارته مكلفة، واجتمع في بنائه عشرة آلاف شخص، أو مائة ألف شخص، كل واحد دفع له ألف، ألفين، ما يمكن أن يزدرى مثل هذا العمل، هذا تعاون على البر والتقوى، ويدخل في: ((من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة)).
стр. 1101
البناية المقصود بها هنا البناية الحسية بالأدوات، باللبن والطين والخشب، أو ما يقوم مقامها من بناء مسلح بالإسمنت والحديد، هذا كله بناء، لكنه بناء حسي، وهناك بناء وعمارة معنوية، وهي أهم ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [(١٨) سورة التوبة الله] العمارة الحسية بإقامة الصلاة والعبادات التي تزاول في المسجد في عهده ﵊، وعهد من بعده من صحابته، وسلف هذه الأمة، فالمسجد كانت رسالته أوسع مما هي عليه الآن، يعني كان المسجد كل شيء، فبه تقام الصلاة نفلها وفرضها، وفيه تعليم العلم، وفيه تحفيظ القرآن، وفيه القضاء بين الناس، وإفتاء الناس، وفيه أيضاً بعث .. ، تنطلق منه السرايا والجيوش إلى الآفاق، وأكثر أعماله ﵊ في المسجد، وجاء في حديث لكن فيه كلام لأهل العلم أن "المسجد بيت كل تقي" وسيأتي في أحب البقاع إلى الله، يقول ابن عبد القوي ﵀:
وخير مقام قمت فيه وحلية ... تحليتها ذكر الإله بمسجدِ
يعني لزوم المسجد تعلق القلب بالمسجد هذا له شأن، هذا يدل على إقبال، بخلاف بعض الناس، ومع الأسف أن هذا يوجد من بعض المنتسبين إلى العلم أنه كأنه في سجن، مجرد ما يسلم الإمام يسابق السرعان، هو محسوب على طلاب العلم، طالب العلم ينبغي أن يكون قدوة، يأتسي به العامة، فليكن أول من يدخل، وآخر من يخرج.
وخير مقام قمت فيه وحلية ... تحليتها ذكر الإله بمسجدِ
يعني كان مما ينشد من الأناشيد التي جاءت بعد قرون -يعني في العصر الحاضر- بعض القصائد التي منها يعني مما أحفظ منها، يقول:
إسلامنا لا يستقيم عموده ... بدعاء شيخ في زوايا المسجدِ
стр. 1102
هذه من القصائد التي كانت تنشد في معاقل العلم أيضاً والمراكز وغيرها، لكن هذا الكلام صحيح وإلا لا؟ هذا الكلام ليس بصحيح، اللهم إلا إذا كان من معاناة، يعني بعض الزوايا في المساجد يعمرها بعض المتصوفة على غير هدي من سنة النبي ﵊، يكون عندهم شيء من البدع، أذكار وأدعية وأشياء مبتدعة، إذا كان سببه هذا ومعوله على هذا، وأن هؤلاء ليس لهم من العمل الذي يمكن أن يستفاد منه إلا هذا مع أن الأمة بحاجة ماسة إلى عالم يوجه الأمة إلى ما ينفعها في دينها ودنياها، وأيضاً هي بحاجة إلى عابد يدفع الله عنها بسببه ما يدفع بسبب دعائه، يعني مما مر من الأمثلة في مصطلح الحديث في المتفق والمفترق ذكروا الأسود بن يزيد ويزيد بن الأسود، الأسود بن يزيد النخعي إمام في العلم والفقه والفتوى، إمام، جبل، من أئمة المسلمين في العلم، ويقابله يزيد بن الأسود الجرشي، هذا ليس من أهل العلم، ليس مشهوراً بالعلم، وإنما من أهل العمل، من أهل العبادة، استسقى معاوية -رضي الله تعالى عنه- به، يعني بدعائه، استدعاه معاوية فأمره أن يدعو ويستسقي وهم يؤمنون فسقوا، فالأمة تحتاج إلى هذا، وتحتاج إلى هذا، يعني لا نقلل من قيمة هذا ولا من قيمة هذا، يعني إذا قلنا: إن العلم شأنه عظيم، وهو كذلك عند الله -جل وعلا-، لكن ما قيمة العلم بلا عمل، نحن بحاجة إلى عالم عامل، ونحن بحاجة إلى الصنفين، قد يكون بعض الناس ميله واتصافه بالعلم أكثر وهذا مطلوب، والثاني مطلوب أيضاً، يعني يختلف أهل العلم في أفضل التابعين، فالإمام أحمد يفضل سعيد بن المسيب، ولا شك أنه من حيث العلم لو قيل: إنه أعلم التابعين ما بعُد، لكن منهم من يفضل أويس القرني، وقد جاء فيه الحديث الصحيح، وطلب منه عمر أن يدعو له، فما قالوا: والله أويس نفعه خاص غير متعدي، ماذا تستفيد منه الأمة؟ إلا تستفيد منه الأمة، فالأمة تستفيد من هذا وتستفيد من هذا، فلا يقال:
إسلامنا لا يستقيم عموده ... بدعاء شيخ في زوايا المسجدِ
стр. 1103
لا سيما إذا كان الشيخ على الجادة، إذا كان على هدي من الله وسنة رسوله ﵊، أما إذا كان على غير الجادة هذا عبادته وجودها مثل عدمها، بل ضررها ظاهر إذا كان على ابتداع.
يعني يقابل هذا البيت كلام ابن عبد القوي:
وخير مقام قمت فيه وحلية ... ج تحليتها ذكر الإله بمسجدِ
هذه العمارة المعنوية، وإذا تعارضت العمارة المعنوية مع العمارة الحسية لا شك أن العمارة المعنوية هي الأنفع، العمارة الحسية أمرها سهل عند ذوي اليسار، ولذا لما تمدح المشركون وهذه من مسائل الجاهلية التي ذكرها الإمام المجدد، تمدحوا بعمارة المسجد الحرام عمارة حسية لا معنوية، قال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [(١٩) سورة التوبة] يعني في مقابل الإيمان؟ هذه من مسائل الجاهلية، إذا كانت في مقابل الإيمان، لكن إذا كانت مع الإيمان والعمارة المعنوية ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [(١٨) سورة التوبة].
((من بنى مسجداً -قال بكير: حسبت أنه قال-: يبتغي به وجه الله)) يعني شك هل قال هذه اللفظة، أو قال كلمة نحوها أو لم يقلها؟ وهي شرط لا بد منه، سواءً قيلت ذُكرت أو لم تذكر، لا بد أن يكون عامر المسجد يبتغي به وجه الله تعالى وإلا ما ينفعه ذلك، وكثير من الأمور التي يزاولها عمار المساجد تخدش في الإخلاص، وقد يذهب بعضها الإخلاص بالكلية، وإذا كان بعض العلماء لابن رجب كلام جميل جداً في عمارة المساجد في شرح حديث الأعمال بالنيات من جامع العلوم والحكم، ولابن الجوزي أيضاً كلام، ابن الجوزي بالغ وقال: إن عامر المسجد إذا كتب اسمه عليه فهذا نصيبه منه، يكفيه أن يقال: مسجد فلان، فيبتغي بذلك وجه الله، أمر في غاية الأهمية، يعني ينتبه لمثل هذا، الإخلاص شرط لقبول الأعمال كلها، الإخلاص لا بد منه ((إنما الأعمال بالنيات)).
стр. 1104
((يبتغي به وجه الله تعالى بنى الله له مثله في الجنة)) المماثلة في كون هذا بيت وهذا بيت، لكن هل المماثلة أن هذا ألف متر وهذا ألف متر؟ هل تقتضي المماثلة هذا؟ وأن هذا بنى بيت طين يبنى له بيت طين في الجنة؟ أو بنى مفحص قطاة مساهمة مثله في الجنة؟ لا، المضاعفات فضل الله واسع، وأقل ما يقال في المفاضلة: إن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقد جاء في المسند حديث تكلم فيه أهل العلم: ((إن الله يضاعف لبعض عباده إلى ألفي ألف ضعف)) مليونين ضعف، فضل الله لا يحد، وخزائنه لا تنفد، وإذا كان آخر من يدخل الجنة تنقطع به الأماني، ما يستطيع يتمنى، فيقال له: تمنى، فلا يذكر شيئاً لما عمله في الدنيا، يعني بأسلوب الناس اليوم ما له وجه يتمنى، إذا كان هذا وضعه، ولا يستطيع أن يتمنى يقال له: هل يرضيك أن يكون لك مثل ملك أعظم ملك في الدنيا؟ يقول: إي يا رب، يعني لو يقال: له مثل ملك هارون الرشيد يكفيه وإلا ما يكفيه؟ فيقال: لك مثله ومثله ومثله إلى عشرة أمثاله، ففضل الله واسع، لكن المعول على الإخلاص.
((بنى الله له مثله في الجنة)) فهذه المماثلة أن هذا بيت وهذا بيت، لكن ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، يعني يشاركه في الاسم، يعني في الجنة فاكهة، فيها أعناب مثلاً، لكن هل العنب في الجنة مثل العنب في الدنيا؟ يقول ابن عباس: "ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء" وإذا كان هذا بيت وذاك بيت نتصور مثل هذا.
"متفق عليه".
стр. 1105
"وعن عائشة ﵂ قالت: "أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور" في الدور ليس المراد بها البيوت والمساكن، كل واحد يبني مسجد في بيته، وإن قال به بعض العلماء، يبني ويخصص مكان للصلاة في بيته، ينظفه ويطيبه، وفعله كثير من السلف، لكن ليس معنى هذا أنه يصلي فيه الفرائض، يصلي فيه النوافل، عتبان بن مالك لما كف بصره وصار يشق عليه التردد إلى المسجد، كما تقدم طلب من النبي ﵊ أن يصلي في بيته مكاناً يتخذه مسجداً، وإذا كان لا يستطيع الحضور إلى المسجد، أو كان ممن لا تلزمه الجماعة، وسبق أن قلنا في حديث عتبان مع حديث ابن أم مكتوم الرجل الأعمى الذي في طريقه وادٍ وسباع، وفي وصوله إلى المسجد شيء من العسر طلب من النبي ﵊ أن يرخص له في بيته، فقال له: ((أتسمع النداء؟ )) قال: نعم، قال: ((أجب، لا أجد لك رخصة)) فعتبان لا يسمع النداء، وقررنا هذا في درس مضى، وبيته في منتصف الطريق بين المسجد النبوي وقباء، فالمظنون أنه لا يسمع النداء من أجل التوفيق بين حديثه وحديث ابن أم مكتوم.
الدور كما قال المؤلف: القبائل والمحال، يعني الأحياء الحارات تبنى فيها المساجد لتيسر على أهل الحي أداء الجماعة في المسجد، ولو قيل: إنه لا يبنى في الأحياء ولا في القبائل مساجد لشق على الناس الصلاة مع الجماعة، وألزموا أن يحضروا إلى المسجد، مسجد البلد، لكن هذا فيه مشقة عظيمة، وجدت مساجد في عهده ﵊ بالنسبة للصلوات الخمس، وأما بالنسبة للجمعة فشأنها أعظم وأشد على ما سيأتي.
القبائل يعني لما قال النبي ﵊: ((خير دور الأنصار بنو عبد الأشهل)) خير دور الأنصار يراد بذلك قبائل الأنصار، والمؤلف يقول: والدور القبائل والمحال، القبائل يطلق عليها دور، دور الأنصار يعني قبائل الأنصار، وقد تطلق الدور ويراد بها المحال والحارات والأحياء يقال لها: دور.
стр. 1106
"وأن تنظف وتطيب" لأنها يعني المسجد بيت الله، ومحل العبادة، وتنظيفها وتطييبها يريح المصلين، ويجعلهم لا يتضايقون من المكث فيها، وأداء الصلاة فيها، بخلاف ما إذا أهملت ووجد فيها ما تنبعث منه روائح، أحياناً الفرشاة إذا طال بها العهد ولم تغسل وتنظف وتطيب بعض الناس يتضايق لا يستطيع أن يسجد، وبعض الناس ترك الصلاة في مسجد وذهب إلى غيره بحجة أن الفرشة إذا سجد انكتم من الروائح المنبعثة منها، فعلى هذا لا بد أن تنظف المساجد، ولا بد أن تطيب ليؤدي الناس هذه الفريضة على أكمل وجه، يعني الإنسان إذا لم يتمكن من السجود على الوجه المطلوب كيف يخشع في صلاته؟ نعم قد يضطر بعض الناس أو يحتاج إلى وضع شيء متصل به كالغترة والشماغ وطرف العمامة، وما أشبه ذلك، قد يحتاج إلى ذلك، وأهل العلم يكرهون السجود على المتصل، لكن إذا وجد مثل هذا فإنه كما قال أهل العلم: الكراهة تزول بأدنى حاجة، لا مانع من أن يصلي على طرف شماغه أو غترته أو عمامته.
"تنظف" يغسل ما أصابها من أذى، وأمر النبي ﵊ بسجل من ماء أهريق على بول الأعرابي "وتطيب" لتكون روائحها طيبة تريح المصلين والداخلين والمقيمين في المسجد، ويمنع من أكل ما له رائحة كريهة من دخول المسجد، أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا، ومن باب أولى إذا كان ما تنبعث منه الرائحة محرماً كالدخان ونحوه فإن هذا أشد، ليس معنى هذا أن هذه رخصة لمن أكل أو شرب دخان أن يصلي في بيته ولا يأتي المسجد ويتذرع بذلك، لا، هذه عقوبة، هذا تعزير له حينما يمنع من المسجد، لكن لما اختلفت الموازين، وتغيرت المفاهيم، وتلوثت الفطر ما صارت في نظر كثير من الناس عقوبة، اعتبرها بعضهم رخصة، لكن لو يأتي إلى مكان فيه وليمة، ثم يقال له: والله ارجع من حيث أتيت لأن رائحتك كريهة، كيف يتصور هذا الموقف؟! يسهل عليه مثل هذا؟ لكن سهل أن يتذرع ويتعلل ويوجد لنفسه العذر أن يتخلف عن الجماعة؛ لأنه أكل ثوم أو بصل أو شرب دخان، كل هذا صيانة للمسجد، وتقدم ما يتعلق بهذا.
стр. 1107
من احتاج إلى إرسال الرائحة الكريهة وهو في المسجد جالس، افترض أنه مقيم معتكف في المسجد، ثم احتاج إلى إرسال ما له رائحة كريهة، حاجة، يقول ابن العربي: "ويجوز إرسال ما له رائحة من الفساء ونحوه في المسجد لحاجة" لا بد أن يقيد بالحاجة؛ لأن هذا مثل الرائحة الكريهة بالثوم والبصل وما أشبه ذلك، على أن لا يؤذي أحداً بهذا، وإذا كان التنظيف والتطييب مطلوب، فإن ما له رائحة كريهة بمفهوم الحديث يكون ممنوعاً.
يقول: "رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وإسناد بعضهم على شرط الصحيحين، ورواه الترمذي مرسلاً ومتصلاً، وقال في المرسل: هذا أصح" والحديث يعني ما فيه تعارض بين إرساله ووصله فهو مصحح مرسلاً وموصولاً.
"وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) " ((قاتل الله اليهود)) كما جاء في الرواية الأخرى: ((لعن الله اليهود)) فقاتل بمعنى لعن، وفي هذا جواز لعن اليهود والنصارى، ومن يستحق اللعن مقروناً بسببه؛ لأنه قال: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ومن لعنه الله -جل وعلا- في كتابه ورسوله في سنته لا مانع من لعنه على أنهم يختلفون في المعين حتى من الكفار، وأما بالنسبة للمسلم فلا يجوز لعنه معيناً وإن لعن ضمن المجموعة لا على التعيين، لعن الله السارق، لعن الله الشارب، المتبرجة إذا رأيتموهن فالعنوهن، لكن ما يقال: فلان يشرب الخمر لعنه الله، أو يسرق لعنه الله، لا، فالمعين غير المبهم.
стр. 1108
وأما بالنسبة لليهود والنصارى فيلعنون، وجاء في موطأ الإمام مالك قول التابعي أظنه ابن أبي مليكة قال: أدركنا الناس وهم يلعنون اليهود والنصارى، يعني في الوتر، فلا مانع من لعنهم، لكن إذا ترتب على ذلك مفسدة، ترتب عليه مفسدة، صار من باب ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [(١٠٨) سورة الأنعام] فالكلام على ما يحقق المصلحة، ولا يترتب عليه مفسدة، أما لعنهم فهو جائز، يعني إذا أمنت المفسدة ما في أدنى إشكال، لكن قد يكون في مجتمعاتهم في بلدانهم ممن يقيم بين أظهرهم من المسلمين يسمع مثل هذا الكلام فيجاهر بلعنهم، وهو لا يستطيع مقاومتهم فيتضرر بذلك، وقد يتضرر بذلك غيره، فالمسألة مسألة مصالح ومفاسد، وإلا فالأصل أن لعنهم جائز، جاء لعن اليهود في القرآن، جاء لعنهم في القرآن، وجاء لعنهم في السنة.
العلة في لعنهم أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، والرواية الأخرى رواية مسلم: ((لعن الله اليهود النصارى)) اليهود لهم أنبياء، وهؤلاء الأنبياء لهم قبور واليهود الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد هم الذين كانوا يقتلون الأنبياء، إما أن يقتلوهم، أو يعظموهم حتى يصلوا بهم إلى حد الإشراك بالله -جل وعلا-.
اليهود يتجه لعنهم، والعلة أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لكن في رواية مسلم: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) اليهود لهم أنبياء، ومات هؤلاء الأنبياء، ودفنوا في قبورهم، لكن النصارى ليس لهم إلا نبي واحد، وهو عيسى ﵇، ومع ذلكم لم يقبر، ما مات، بل رفع إلى السماء، فكيف يقال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))؟ لأن اليهود والنصارى جمع قوبل بجمع، إذا قلنا: قبور أنبيائهم فلكل نبي قبر؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أفراد، يعني لكل نبي قبر، وهذا ما فيه إشكال، لكن اليهود والنصارى جمع وأنبيائهم جمع هل تقتضي القسمة أفراد؟ النصارى ليس لهم نبي مدفون له قبر، إنما نبيهم عيسى ﵇، ما مات، بل رفع حياً إلى السماء، فكيف يقال: اليهود والنصارى؟
стр. 1109
جاء في بعض الروايات: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ذلكم أنه إذا مات فيهم الرجل الصالح اتخذوا قبره مسجداً)) فاليهود اتخذوا قبور الأنبياء، والنصارى اتخذوا قبور الصالحين، ومنهم من يقول: إن أنبياء اليهود أنبياء للنصارى، ورسالة عيسى ﵇ مكملة لرسالة موسى.
((اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) فغلوا فيهم حتى عبدوهم من دون الله، ولذا جاء النهي عن الصلاة في المقبرة، ولا تصلوا إلى القبور، كل هذا من باب سد الذريعة الموصلة إلى الشرك، وسبب المنع ليس النجاسة الحسية حتى يفرق بين المقبرة المنبوشة وغير المنبوشة، لا، إنما سبب المنع نجاسة الشرك المعنوية، الشرك نجاسة معنوية، والمشركون نجس، ولو كانت الصلاة لله عند قبر تُمنع.
((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) فكما جاء في الحديث: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)) عمل فئام من المسلمين ما عملته اليهود والنصارى، فاتخذوا المساجد على قبور الصالحين، أو دفنوا هذه القبور في المساجد، وشيدوا عليها الأبنية، وأقاموا عليها الأضرحة، وطافوا بها، ودعوهم من دون الله -جل وعلا-، وحصل منهم الشرك الأكبر ((لتتبعن سنن من كان قبلكم)) ويعني بذلك اليهود والنصارى حتى قيل: "اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: ((فمن)) يعني من القوم إلا أولئك، فحصل في هذه الأمة مشابهة بل مطابقة لما فعله اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم وصالحيهم، فاتخذت المساجد على القبور، وبنيت الأضرحة على القبور، وصار يطاف بها من دون الله، يطاف بها كما يطاف ببيت الله، وتعبد وتطلب الحوائج من هؤلاء الصالحين كما تطلب من الله -جل وعلا-، بل بعضهم لا يطلب من الله شيئاً، وإنما يطلب من هذا المقبور الذي لا يملك لنفسه نفعاً، ولا يدفع عنها ضراً، فكيف ينفع غيره؟!
وجدت الأبنية والاضرحة في كثير من أقطار المسلمين، وصاروا يلوذون بها، ويلجأون إلى هؤلاء المقبورين في الملمات.
يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر
стр. 1110
نسأل الله العافية، ومع الأسف أن شخص ينتسب إلى الحديث وعلم الحديث يؤلف في الأبنية والأضرحة على القبور، ويتساءل في مقدمة كتابه: هل البناء -بناء الأضرحة على القبور- سنة شرعية متبعة أو بدعة محرمة؟ ويسترسل ويقرر أنها سنة تتابع عليها المسلمون من أقدم العصور، وتوارثوها، وبنوا على قبور الصالحين، وبنوا على قبره ﵊، وعلى قبر غيره، حتى جاء من جاء من القرنيين يقصد بذلك دعوة الإمام المجدد ومن يقول بها، الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن تبعه من أئمة الدعوة، فأساءوا وهدموا القباب والقبور واعتدوا، يقول: أما بلادهم فليس فيها من يستحق أن يبنى عليه، يقول هذا! وهذا ينتسب إلى السنة والحديث، ولا مانع أن يذكر اسمه؛ لأنه في كتاب مطبوع ومنشور، يعني أحمد بن الصديق الغماري ألف في المشاهد وذكر هذا الكلام، يعني قبور تعبد ويطاف بها، تعبد من دون الله، ويتساءل هل هي مشروعة وإلا محرمة؟ إذا كان الشرك الأكبر متردد في فاعله هل هو محرم وإلا لا فماذا بقي؟
في كشمير ضريح من أكبر الأضرحة في العالم اسمه: ضريح الشعرة، فيه شعرة تنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، وتجرى من تحته الأنهار، يعني سواقي تمشي من تحته، ويباع الماء الذي يمر من تحت الضريح، والغبار الذي يجتمع حوله، يباع كما يباع الطيب، وأي شرك أعظم من هذا، ومن أراد أن ينظر إلى وقوع الشرك في هذه الأمة وافتتانهم بالقبور والأضرحة فليقرأ ما كتبه الرحالون لا سيما ابن بطوطة، يقرأ ليحمد الله -جل وعلا- على هذه النعمة نعمة التوحيد، يعني ما يمر ببلد إلا ويذهب إلى ما فيه من أضرحة ويتمرغ فيها، ويسأل الشفاء، ويسأل العفو والمغفرة -نسأل الله السلامة والعافية-.
المقصود أن هذه من أعظم الفتن وأعظم البلايا والرزايا؛ لأنه لا ذنب أعظم من الشرك، وسببه ما سمعتم، الغلو في الصالحين والأبنية على قبورهم والأضرحة، فضلاً عن الأنبياء الذين بنى عليهم اليهود والنصارى ما بنوا وغلوا فيهم، حتى اتخذوهم أرباباً من دون الله، والله المستعان.
стр. 1111
قال: "وعن ابن عمر ﵄: "أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي ﷺ " قال: كذا رواه البخاري، وروى مسلم بنحوه" ابن عمر شاب أعزب، يعني لم يتزوج لا أهل له، يعني لا زوجة له، والأهل الزوجة، كان ينام في مسجد النبي ﷺ ، ففي هذا دليل على جواز النوم في المسجد، ونام علي بن أبي طالب ﵁ لما حصل بينه وبين فاطمة ما حصل نام في المسجد، وعلق به شيء من التراب، فقال له النبي ﵊: قم أبا تراب، قم أبا تراب، فالنوم في المسجد مباح، ما لم يخش تلويث المسجد، إذا عرف الإنسان أنه لا يتصرف في نفسه إذا نام ويغلب على ظنه أنه يلوث المسجد لا يجوز له أن ينام في المسجد؛ لأن بعض الناس قد يكبر ويبلغ مبلغ الرجال، وهو يبول على نفسه، فمثل هذا إذا كان يغلب على ظنه أنه يلوث المسجد لا يجوز له أن ينام، ما عدا ذلك فلا مانع على أن يستتر، وسواء كان ذلك ذكراً أو أنثى، ما لم تخش فتنة، وسيأتي في حديث الوليدة أنها كانت تنام في المسجد، اتخذت خباءً تنام فيه في المسجد.
стр. 1112
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: "بعث النبي ﷺ خيلاً قبل نجد" جهة نجد "فجاءت" هذه الخيل "برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال" وهو سيد من سادات بني حنيفة، جاءوا به "فربطوه بسارية من سواري المسجد" والمؤلف حينما أورد هذا الخبر يريد أن يستدل به على جواز دخول وإدخال المشرك للمسجد للحاجة، فهذا رُبط لحاجة، رُبط للمصلحة المترتبة على مشاهدته للمسلمين في صلاتهم، في تعاملهم، من مصلحة الدعوة، ولذا آل أمره إلى أن أسلم، فهذا قول لأهل العلم بجواز دخول المشرك المسجد للحاجة، ومنهم من يقول: لا يجوز للمشرك مطلقاً أن يدخل المسجد لا لحاجة ولا لغيرها، ومنهم من يستثني المسجد الحرام ويجيزه فيما عداه، إذا كان هنا مهندس أو بناء لا يقوم غيره مقامه يريد أن يصلح شيئاً في المسجد وهو ليس بمسلم، إذا دعت الحاجة إلى ذلك فالمرجح جواز دخوله، وإذا لم تدعُ الحاجة إلى ذلك فهو نجس ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [(٢٨) سورة التوبة] ومنهم من يخص عدم الجواز بالمسجد الحرام فقط، وما عداه يجوز.
كثيراً ما نشاهد بعض السواقين سواقي الأسر يكون المسجد بجواره مدرسة، فإذا جاء للولد إلى هذه المدرسة ليوصل الولد من المدرسة إلى أهله وكان في وقت، والجو أحياناً لا يساعد أن يجلس خارج المسجد يدخل في المسجد، هذه حاجة، لكن هذه حاجة له، فإذا رجي إسلامه لا مانع من أن يمكن من الدخول في المسجد والبقاء في المسجد، لكن إذا لم يرجَ إسلامه، أو عُرف بشيء من المعاندة والإصرار مثل هذا لا يمكن من الدخول في المسجد.
стр. 1113
"فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﵊" خرج عليه في اليوم الأول والثاني، ويسأله عن حاله، ثم في اليوم الثالث قال: ((أطلقوا ثمامة)) "فانطلق" لما أطلقوه "إلى نخل قريب من المسجد" انطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد "فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" هذه المعاملة أثرت فيه، وثلاثة أيام وهو ينظر إلى المسلمين في صلاتهم في تعاملهم، وبعض الدعاة قد يسلك هذا المسلك، يأتي ببعض الوافدين من غير المسلمين ويدخلهم المساجد ويطلعهم عليها، وعلى صنيع المسلمين، ولا شك أن اجتماع المسلمين على هيئة واحدة، وعلى إمام واحد، وانضباط وخشوع لا شك أنه يؤثر في النفوس، كثير ممن يدعى يعتنق الإسلام، ومن هنا أسلم ثمامة، وشهد أن لا إله إلا الله لحسن المعاملة، وهذه مسألة يسأل عنها كثير في التعامل مع من يحتاج إلى دعوته من المبتدعة ومن غير المسلمين كيف يتعامل معهم؟ هل يتعامل معهم بالرفق واللين والصلة والبشاشة أو يتعامل معهم على ما هو الأصل من الهجر؟ لا بد أن تقدر مصلحة الدعوة، فإذا رجي إسلامه لا مانع من أن يتعامل معه بالرفق واللين، حتى يدخل الإيمان في قلبه، مثل ما حصل لثمامة، وإذا كان الشخص ميئوساً منه فيهجر؛ لئلا يؤثر في غيره إذا كان لا يتأثر فقد يؤثر في غيره.
"فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله" متفق عليه".
стр. 1114
"وعن أبي هريرة ﵁ أن عمر بن الخطاب -أمير المؤمنين- مر بحسان بن ثابت" شاعر النبي ﵊ "وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه عمر" عمر عنده حزم وعزم وقوة في الحق، لحظ إليه، نظر إليه نظرة إنكار، ففهم حسان أنه ينكر عليه "فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك" يعني رسول الله ﷺ ، وأمره النبي ﵊ أن يجيب، وأمره أن يهجو الكفار، فكان ينشد في المسجد في عهد النبي ﵊ فقال: "كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك" ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله" يعني اسأل بالله "أسمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أجب عني، اللهم أيده بروح القدس))؟ قال: نعم" متفق عليه".
فالنشيد هو أداء الشعر على طريقة معينة مع رفع الصوت فيه، والشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح، لا يمنع بإطلاق ولا يباح بإطلاق كسائر الكلام، فإذا كان لفظه مباحاً ولم تصحبه آلة، وأدي بلحون العرب، يعني الذي أنشد بين يدي النبي ﵊ على نفس الطريقة طريقة العرب، لا بلحون الأعاجم وأهل الفسق فإنه يجوز، وقد أُنشد بين يدي النبي ﵊، لكن إذا كان لفظه غير مباح كالغزل والهجاء والفخر وما أشبه ذلك فإنه يُمنع من أجل لفظه، كما يُمنع الكلام النثر إذا صحبته آلة منع من أجل الآلة، إذا أدي بلحون أهل الفسق ولحون الأعاجم منع للتشبه، وما عدا ذلك مباح، ومع ذلك لا يكثر منه، لا يكثر من الشعر بحيث يكون هو الغالب على الإنسان، وجاء في الحديث الصحيح: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه)) يعني يمتلئ امتلاءً بحيث لا يستوعب شيئاً غيره ((خير له من أن يمتلئ شعراً)) لأنه إذا امتلأ الجوف شعراً ماذا بقي للكتاب والسنة والعلم الشرعي المقرب إلى الله -جل وعلا-، فالمقصود به إذا كان بحيث لا يستوعب غيره.
стр. 1115
أما وجود الشعر فالشعر ديوان العرب، يفسر به الغريب من الكتاب والسنة، كما كان ابن عباس يفعل، والعلماء يستدلون به ويستشهدون به في شرح الغريب، وفي تقرير القواعد، قد يقول قائل: إنه مر بنا في الشواهد الشعرية أبيات غزلية وأبيات فيها شيء من الممنوع، لكنها لتقرير قاعدة، أو لبيان غريب، إنما تقصد لهذه الكلمة الغريبة، ما قصد البيت من أجل ما فيه من غزل أو فخر أو هجاء، إنما قصد من أجل هذه الكلمة والشعر يحفظ العلم، ولذا يستدلون بأبيات الشعر على تقرير القواعد، كتاب سيبويه مملوء من الشواهد، شروح الألفية مملوءة من الشواهد، شروح الكافية فيها شواهد، كل كتب العربية فيها شواهد، لكن يشكل على هذا أنها أحياناً تقرأ في مسجد، واللفظ ليس بمناسب أن يقرأ في المسجد، وقد تمر هذه الأبيات في كتب التفسير، يعني في تفسير ابن كثير وفي غيره من التفاسير ما ينسب لابن عباس في تفسير الرفث ذكر بيت شعر منسوب لابن عباس:
وهن يمشين بنا هميساً ... . . . . . . . . .
... البيت، ما يحتاج نقوله، وهو في تفسير ابن كثير وغير تفسير ابن كثير، وموجود في كتب اللغة، وقد يقرأ في مسجد، إنما يقصد مثل هذا الإيراد من أجل تقرير كلمة غريبة يشرح بها ما جاء في الكتاب أو في السنة، وقد يورد من أجل تقرير قاعدة في علم من العلوم، وكما قالوا: الشعر ديوان العرب.
فينظر إلى رجحان المصلحة على المفسدة، وإلا المعلقات فيها فخر، ويورد منها ما يحتاج إليه في كتب التفسير وفي غيرها، وغيرها من الأشعار، فهذه الأشعار يعني في وقت السعة حينما نريد أن نختار لا أن نقرأ شيئاً ألزمنا به؛ لأنه أحياناً الإنسان قد يلزم بقراءة شيء لرجحان المصلحة مثل هذا يتجاوز فيه لمصلحة راجحة، لكن في حال الاختيار أن تريد أن تحفظ أبيات شعر إما تتسلى بها، أو من أجل أن تتطارح بها غيرك، أو لأمر من الأمور، لا يجوز لك أن تحفظ شيئاً فيه محظور.
"ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أجب عني، اللهم أيده بروح القدس))؟ قال: نعم".
стр. 1116
طيب كثير من العلوم نظمت في قصائد، وما من فن من الفنون إلا وفيه منظومات منها المختصرات، ومنها المتوسطات، ومنها المطولات، فنظم أهل العلم العلوم في شعر؛ لأنه أرسخ في الذهن، النثر قد يحفظ ثم ينسى، لكن الشعر يثبت في الذهن، فنظموا في جميع العلوم، نظموا في العقائد، نظموا في غريب القرآن، نظموا في غريب الحديث، نظموا في الفقه، نظموا في العلوم كلها، وتتابع العلماء على ذلك، وصاروا يحفظون ويقرءون ويقرئون هذه المنظومات من غير نكير في المساجد، ولا إشكال في هذا، لكن الشيء الذي لا يرتضى أن ينظم الحديث، الرسول ﵊ ليس بشاعر ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [(٦٩) سورة يس] ثم آتي إلى كتاب في الحديث محض وأنظمه شعراً! يعني كما نظم بلوغ المرام، يعني هل من المناسب أن ينظم الحديث؟ متن حديثي كله قال رسول الله ﷺ ... إلى آخره، ثم يأتي من يحوله إلى شعر، هذا في تقديري غير مناسب وغير لائق، وهو موجود يعني نظم بلوغ المرام من أكثر من شخص في منظومة للصنعاني نظم بلوغ المرام ومطبوعة ومتداولة، ونظمه بعض المعاصرين، المقصود أن مثل هذا يعني نظمنا الفقه، نظمنا العقائد مسائل، ما نظمنا أدلة، نظمنا مسائل، ولو أشير إلى الدليل من باب الاقتباس، هذا أمره أسهل من أن يقصد الدليل أصالة بالنظم، يعني نحول القرآن إلى شعر أو نحول السنة إلى شعر هذا في تقديري غير مناسب، وإن استساغه بعضهم.
أما أن يقتبس من القرآن في ضمن كلام طويل هذا لا يضر، فالاقتباس معروف عند أهل العلم.
درس الغد -إن شاء الله- من بعد الصلاة مباشرة، نصلي هنا العشاء ونشرع بالدرس بعد السلام بخمس دقائق بعد الأذكار وأداء الراتبة نشرع مباشرة -إن شاء الله-.
الصلاة النافلة والسنن هل الإتيان بها في المسجد الحرام أو في البيت؟
لا، في البيت أفضل ((صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة)).
أين يكون الصف الأول بالنسبة للمسجد الحرام؟
هو الذي يلي الإمام وما حاذاه من جميع الجهات، وأما الصفوف المتقدمة عليه فهي صفوف حاجة، إنما الصف الذي يلي الإمام هو الصف الأول.
هل يجوز حجز مكان في المسجد الحرام لي أو لأحد من الإخوة؟
стр. 1117
إن كان داخل المسجد أو قام من هذا المكان ليعود إليه قريباً فلا مانع، أما إذا كان خارج المسجد فالذي يدخل المسجد قبله أحق به، وجاء بالنسبة للمسجد الحرام على وجه الخصوص ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [(٢٥) سورة الحج] يستوي فيه العاكف المقيم في المسجد والبادي الذي جاء من البادية ليصلي فرض أو فرضين سواء، ثم قال: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [(٢٥) سورة الحج].
يقول: أريد توضيح كيفية صلاة الخوف في المغرب والفجر؟
على كل حال صلاة الفجر ما فيها إشكال يصلي بالطائفة الأولى الركعة الأولى وبالطائفة الثانية الركعة الثانية، وبالنسبة لصلاة المغرب قالوا: إذا جلس للتشهد الأول تتم الطائفة الأولى، ثم بعد ذلك تأتي الطائفة الثانية تصلي معه الركعة الثالثة، ثم إما أن ينتظرهم ثم يسلم بهم وهذا هو الأصل، كما جاء في بعض الصور أو يسلم ثم يقضون ما فاتهم، أما كونه ينتظرهم ليسلم بهم كما كبر تكبيرة الإحرام بالطائفة الأولى لا شك أن هذا هو المطابق.
ذكرنا في درس الأمس أنه لا يكن العدل في صلاة المغرب، لا يمكن أن يصلي بهم ركعة ونصف، يمكن أن يصلي بطائفة ركعة ونصف وبالثانية ركعة ونصف؟ لا يمكن.
يقول: هل تصلى الخوف في حق المحاصرين؟
المحاصر إذا كان في مكان لازمه، ويستوي فيه انشغل بصلاة أو بغيرها فإنه يصلي الصلاة على هيئتها مع مراقبة العدو، ومع حمل السلاح، أما إذا كان في مكان يعني ممكن أن يختفي فيه عن أنظار العدو فيصلي الصلاة على هيئتها، أما إذا كان يستطيع العدو أن يناله بسوء أثناء صلاته إما بنفسه أو بآلته فإن هذا مقاتل.
يقول: تجب الجماعة في حال الحصار؟
بقدر الإمكان، إذا استطاعوا أن يصلوا جماعة فهذا هو الأصل، وإن لم يستطيعوا بحيث يخاف الإنسان أن يخرج من بيته ليؤدي الصلاة مع غيره فهذا معذور.
هذا يقول: هل قبر الرسول ﵊ في الحرم؟
стр. 1118
كان القبر قبل سنة ثمان وثمانين في عهد الوليد بن عبد الملك في بيت عائشة خارج الحرم، ثم إن الوليد بن عبد الملك وسع الحرم فأدخل الحُجَر ومنها حجرة عائشة فدخل في المسجد، ومع ذلك لم يوافق عليه إلا أنه خشية الفتنة وإثارة الناس بعد المعارضة الأولى للوليد تتابع الناس على الصلاة في المسجد، ويبقى أن إخراجه هو الأصل، وإعادته على ما كان عليه إلا أنه إذا كانت المفسدة كما قدرها أهل العلم مفسدة عظيمة تثير المسلمين في بقاع الأرض فإنهم تتابعوا على بقائه، والصلاة في المسجد وإن كان القبر داخله، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
طالب:. . . . . . . . .
عندنا نعم بدون الواو في بعض الألفاظ فيها ...
стр. 1119
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: المحرر – كتاب الصلاة (٤٣)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا سؤال متعلق ببناء المساجد يقول: هل يلزم بناء ملحقات المسجد من دورات المياه، وسكن الإمام والمؤذن حيث طُلب مني ذلك عند بناء أحد المساجد؟
стр. 1120
الأجر المرتب في الحديث إنما هو مرتب على بناء المسجد، وما عدا ذلك فأجره زائد، قدر زائد على ما جاء في الخبر، وكون الجهات يلزمون ببناء بيوت للإمام والمؤذن ودورات ومرافق هذا شيء مرده إلى المصلحة، وأن المسجد إذا تبرع به متبرع، وبناه من غير مرافق قد لا يقبله أحد في الإمامة والمأذنة؛ لأن أمور الإسكان من أشق ما يعاني منه الناس في العصر الحاضر، من أشد ما يعاني منه الناس في العصر الحاضر أمر السكن، ولوحظ أن بعض المساجد التي ليس فيها سكن للإمام ولا للمؤذن لا يقبل عليها الناس، ويزعمون أنهم معذورون في ذلك؛ لأنه إن سكن بعيداً عن المسجد أخل بالإمامة وأخل بالمأذنة، وقد لا يجد بيتاً قريباً من المسجد مناسباً بأجرة يستطيعها، ولو تعاون الناس على مثل هذا فتركوا المجال لمن أراد أن يبني المسجد ويحصل على هذا الأجر، وترك الناس يشاركونه في بناء المسجد إذا كان لا يستطيع بناءه كاملاً، وترك فرصة لمن أراد أن يساهم في بناء مرافق المسجد، وتعاونوا على ذلك، ولا شك أن هذا من المأمور به، من التعاون على البر والتقوى، لكن كون الجهات لا يوافقون على بناء مسجد من قبل متبرع إلا إذا التزم ببناء بيت للإمام والمؤذن هذا فيه صد عن بناء المساجد من قبل المتبرعين، وإذا كانت الجهات ملتزمة ببناء المساجد والأمر كذلك الوزارة ملتزمة وتبني، والمساجد عندنا -ولله الحمد- فيها وفرة، لكن مع ذلك إذا رأت أن الشخص المتبرع لا يستطيع تكاليف المسجد ومرافق المسجد فلتعينه على ذلك، تتحمل عنه بناء البيوت والدورات، ويقوم ببناء المسجد ليحصل له الأجر، وبيت المال لن يضيق بمثل هذه الأمور، لكن على أن تقدر الأمور بقدرها، لا يعمر المسجد أكثر من الحاجة بكثير؛ لأنه لوحظ أن بعض المساجد يبنى أضعاف أضعاف ما يحتاج إليه من النفقات ومن المساحة والقدر الزائد من الترف والزخرفة، وسيأتي ما يتعلق بزخرفة المساجد، يعني نجد في قرية مثلاً لو اجتمع أهل القرية كلهم في المسجد لاستوعبهم، وبقي منه بقية، رأيت مسجد في بلد أجزم بأن الجماعة الذين يصلون فيه يمكن يستوعبهم المحراب، شيء لا يخطر على البال، يعني حجمه لو قيل: إنه ثالث مسجد في البلد في المملكة ما هو ببعيد، في قرية
стр. 1121
لا يتجاوز عددها يمكن خمسة آلاف أو ستة آلاف سكانها، لا داعي لمثل هذا الإٍسراف أبداً.
رأيت مسجد وأطلعني عليه من أشرف على عمارته فذكر عن التكييف مبالغ تعمر عشرة جوامع، التكييف فقط، قريب من خمسة ملايين التكييف، يعني هذا لا داعي له ألبتة، هذا التكييف فقط يعمر مائة مسجد في بلد من البلدان المحتاجة لهذه المساجد، لا شك أن الأجر عظيم، لكن يبقى أن المسألة الإسراف والتبذير أيضاً حتى في هذا الباب، يعني يقول أهل العلم: إنه لا سرف في الخير، ولا خير في الإسراف، لكن الأمور تقدر بقدرها، يعني اعمر مسجد يحتاجه الناس بأي مبلغ كان لكن بقدر الحاجة، فعلى الإنسان أن يتقي الله، ولا غرو ولا غرابة في أن نجد مساجد مزخرفة أشرف على عمارتها أناس من أهل الخير والبذل والإحسان والثراء، لكنهم لم يكونوا من أهل العلم، ويظنون أنهم يحسنون في مثل هذا، لكن الإشكال فيما إذا أشرف على بناء المسجد شخص ممن ينتسب إلى العلم، وظهر بالمظهر الذي جاء النهي عنه، يعني من الغرائب أن أكثر الفرشات تجدها حمراء مخططة بالأصفر، وعمر يقول: "إياكم أن تحمروا أو تصفروا" يعني -سبحان الله- حتى مساجد يصلي فيها علماء كبار يغفلون عن مثل هذه الأمور، فضلاً عن النقوش والترف والأشياء والكتابات على الجدران التي تشغل المصلين، فيهتم لهذا الأمر، والقدر الزائد من المبالغ على قدر الحاجة تصرف في مساجد أخرى، وكم من بلد من بلدان المسلمين يحتاج إلى مثل هذه المساجد، يعني يصلون في العراء، حكوماتهم لم تلتزم ببناء المساجد، والأفراد دخولهم ما تمكنهم من أن يوفروا لبناء مسجد، بلدان فقيرة، فإذا من الله على الإنسان بشيء من المال فليكن كسبه من حلال، وليكن مصرفه حلالاً.
يقول: ما حكم اتخاذ السترة للمصلي؟ هل هي على الوجوب أم على الاستحباب مع التفصيل؟
جاء الأمر بالسترة: ((فليستتر أحدكم ولو بسهم)) وهذا الأمر محمول على الاستحباب عند جماهير أهل العلم؛ لأن النبي ﵊ صلى إلى غير جدار، يقول ابن عباس: يعني إلى غير سترة.
يقول: إذا لم يوجد من يخطب الناس في الجمعة فهل تصلى ظهراً؟ وما منزلة الخطبة من صلاة الجمعة؟
стр. 1122
الخطبة شرط لصحة الجمعة، فإذا لم يوجد من يخطب يصلونها ظهراً، ومع الأسف بالمناسبة أنه قد يوجد من يستطيع ويصلى في بعض الأحيان -وإن كانت نادرة- تصلى الصلاة ظهراً مع أن في المسجد أعداد من طلاب العلم قد يصل العدد إلى عشرة من خريجي الكليات الشرعية، بل فيهم وقد وقع من هو أستاذ في كلية شرعية في تخصص شرعي، وصلوا ظهراً، نعم قد يشق على الإنسان أن يخطب إذا لم يتعلم ويتعود الخطابة ويجبن عن مواجهة الناس في مثل هذا المقام، وقد يخطب ويحصل له ما يحصل من الوجل، ثم يخل بشيء من أركان الخطبة وشروطها، وهذا كله خلل، لا بد أن يتجاوزه طالب العلم، لا بد أن يتجاوزه طالب العلم، واحد من المشايخ يقول: لا أذكر أني دخلت مسجداً لصلاة الجمعة إلا والخطبة في جيبي، يعني ما كل الناس يتمكن من الخطبة إلقاء، يقول: ما أذكر أني صليت جمعة في مسجد إلا الخطبة في جيبي؛ لماذا؟ لأنه أحرج في مرة من المرات في أن يخطب لتخلف الخطيب، فإذا به الأمر عليه شاق؛ لأنه لم يتعود ذلك، وقد يكون الإنسان معلم ناجح، لكنه ليس بخطيب، وقد يكون خطيباً لكنه لا يستطيع التعليم، وقد يكون مؤلفاً ولا يكون معلماً والعكس، فالمسالة مسألة قدرات ومواهب، لكن على الإنسان أن يحسب حساب لمثل هذه المفاجئات.
وما زلنا في أحكام المساجد في كتاب المحرر.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعنه" يعني عن صحابي الحديث السابق وهو أبو هريرة "-رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)) " ينشد: يعني يسأل ويرفع صوته في السؤال عنها، الضالة التي ذهبت فلم يدرِ أين توجهت؟ أو غابت عن نظره ولو كانت قريبة منه، فيسأل عنها، هذا في المساجد لا يجوز، بل إذا نشدها وسأل عنها فإنه يقال له معاملة له بنقيض قصده: لا ردها الله عليك؛ لأنه حينما نشدها إنما ينشد ردها إليه، فيقال له: لا ردها الله عليك.
стр. 1123
الضالة في الأصل تشمل جميع ما يفقد، ولكنهم خصوها بالدواب التي يمكن أن تذهب عن صاحبها وتضل، أما المفقودات من الجمادات فإنها تسمى لقطة، لكن تسميتها لقطة بالنسبة لواجدها وملتقطها، أما بالنسبة لصاحبها فقد ضلت عنه، وخفيت عليه، فالذي يظهر أن اللفظ شامل لكل مفقود، إلا أنهم خصوا بعض الأشياء بأسماء ببعض أفرادها تخصيصاً عرفياً، فجعلوا الضالة للدواب، وجعلوا المفقود لبني آدم، وجعلوا اللقطة لغيرها من الأموال، وهناك أيضاً اللقيط وهو ما يلتقط هذا ليس بمفقود، إنما وضع عن قصد، فآخذه ملتقط، وهو لقيط، فعيل بمعنى مفعول يعني ملقوط، واللقطة ما يوجد من الأموال مما لا يعرف صاحبه، ولها أحكام سنأتي عليها في بابها -إن شاء الله تعالى-.
((من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك)) رجلاً، يعني لو سمعت امرأة ما تقول؟ الحكم واحد، لكن بناءً على أن الغالب غالب من يرتاد المساجد، وغالب من يرفع صوته إنما هم الرجال، من رأى كذا، من وجد كذا، هذا في الغالب في الرجال، لكن لو قدر أن الضالة طفل، وجاء أبوه أو أمه تبحث عنه، هل نقول: لا رده الله عليكِ فإن المساجد لم تبنَ لهذا؟ يمكن نقول؟ أحضرت ولدها أو أحضر ولده أو ابنته إلى المسجد الحرام، ثم بعد ذلك لما التفت إذا به ليس حوله، يميناً شمالاً قام وجرى يميناً وشمالاً ومع الجهات ما وجده، فإذا قال: من رأى الولد أو من وجد الولد أو البنت؟ هل نقول: لا رده الله عليك؟ نعم؟
طالب: ظاهر النص يعني يقال؟
لكن هل الولد يقال له: ضالة؟
طالب: مفقود.
إيه مفقود، هو مفقود، لكن ليس بضالة، الضالة من الدواب.
طالب: أليس هو مما يدب على الأرض لأن البشر يمشي على الأرض؟
إيه لكن ما يقال له: دابة، باعتبار أنه ضل، ضل الطريق يقال له: ضال، ومن الرواة معاوية ابن؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، يقال له: الضال، معاوية ابن إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه أبوه ويش اسمه؟ أعرف أنه الضال؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1124
أظن اسمه على اسمي، معاوية بن عبد الكريم الضال، وهو ليس ضلال فكر، لا، إنما هو ضل في طريق مكة، فقيل له: الضال، وهذا من الألقاب التي لا تطابق حال الملقب، مثل الضعيف ومثل الطويل، الطويل ليس بطويل بائن، وإنما هو متوسط في مقابل حُميد الثاني القصير، فمعاوية هذا الضال مثله لو أن واحداً فقط ابنه في المسجد الحرام يقال له: ضال، وينشده يبحث عنه، من رأى الولد، من رأى البنت، ضال، بمعنى أنه ضل المكان الذي وجد فيه أبوه، فهل يجوز أن ينشده؟ عموم الحديث يتناوله، لكن هل مثل هذا على عظم المصيبة فيه يدخل فيه مثل هذا؟ يعني أمور الدنيا لا يجوز مزاولتها في المساجد؛ لأنها لم تبنَ لهذا، فلعل المراد بنشدان السلع .. ، أنت وضعت كتابك في الحلقة حلقة الدرس ورحت تبي تجدد الوضوء يوم جيت ما وجدته، جاء واحد من الإخوان مؤخره عن مكانه وجلس فيه، تقول: من رأى الكتاب؟ من شاف الكتاب؟ وإلا ما تقوله بناءً على هذا الحديث: ((من سمع رجلاً ينشد ضالة))؟ أو المقصود بالحديث ما يتعلق بأمور الدنيا؟ يعني إذا جيت ما وجدت الكتاب في مكانه وقد يكون عن مترين أو ثلاثة عن مكانه اختفى بين الطلاب الجالسين، ما تسأل عنه؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لماذا؟ لأنه ليس من أمور الدنيا، مما يعني على أمر الآخرة، والمساجد بنيت من أجل ما يعين على أمر الآخرة.
стр. 1125
((لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبنَ لهذا)) طيب أقيمت الصلاة وفقد المحرم رداءه، وقد أمر بستر منكبه يسأل عن هذا الرداء وإلا ما يسأل؟ من أجل أن يستر المنكب، لا من أجل أنه مال يخشى أن .. ؛ لئلا يذهب فيشتري غيره يسأل وإلا ما يسأل؟ من أجل إيش؟ لأنه يعين على أمر من أمور الآخرة وهو الصلاة، طيب المساجد لم تبنَ لهذا إنما بنيت لذكر الله وإقام الصلاة وذكر الله، ومضى شيء مما كان يزاول في المساجد من تعليم وإفتاء وقضاء، كل هذه كانت تزاول في المسجد إلى وقت قريب، العلماء يقضون في المسجد، ويفتون في المسجد، وينظمون أمور الدين في المسجد، وكان المسجد منطلقاً لكل أمر من أمور المسلمين حتى أن بعث السرايا والجيوش وعقد الألوية إنما يكون في المسجد، يأتي بعض الأعمال التي لا يجوز مزاولتها في المسجد، الآن المسجد لا يؤدي الرسالة كاملة التي كانت تؤدى فيها قبل، أحياناً بعض المساجد أو جميع المساجد تغلق بعد الصلاة، من أراد أن يجلس في المسجد ليقرأ أو يذكر أو يصلي أو ينتظر ارتفاع الشمس قد يُخرج من المسجد؛ لأن هناك أمر يقضي بإغلاق المساجد بعد الصلوات، ويعاني بعض من اعتاد الجلوس في المساجد بعد صلاة الصبح إلى ارتفاع الشمس يعاني في بعض البلدان، يعني في بلده في مسجده الأمر معتاد ومعروف ويجلس، لكن في غير بلده، يعني مراراً نتعرض إلى بعض الإحراجات من خدم المساجد، هم مؤتمنون ومأمورون بإغلاق المساجد، ولا شك أن هذا خلاف ما جاء به الشرع من الحث على البقاء والمكث في المسجد إلى أن تنتشر الشمس، كما كان النبي ﵊ يفعل، لكن يبقى أن هذا النظام وهذا الأمر مبني على مصالح ودرء مفاسد، ووجد من يتسبب لمثل هذا الأمر، أسيء إلى المساجد، أسيء إلى المصاحف، سُرقت بعض محتويات المساجد، كُتب على حيطان المساجد كتابات بذيئة قبيحة شنيعة، مما جعل المسئولين عن المساجد يصدرون مثل هذا الأمر، فهذا الأمر له ما يبرره، فلا يلامون إذا فعلوا مثل هذا، لكن ينبغي أن يُنزل الناس منازلهم، وينبغي أن يولى أمور المساجد من يحسن التعامل مع الناس، يعني واحد من طلاب العلم جلس بعد صلاة الجمعة يقرأ في المسجد، فجاءه العامل فما امتثل، فجاء له
следующие страницы →