Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
لا كبار السن ولا صغارهم، كلهم، يعني إذا أراد أن يفتح المصحف بل إصبعه وفتح المصحف أو فتح الكتاب أو أي شيء، ولا شك أن هذا ليس بجيد، لكن بعض كبار السن يكون في أصابعه عدم دقة، يعني الشباب أصابعهم ناعمة تمسك بالورقة، وبعض كبار السن أصابعهم خشنة من جهة، وأيضاً تمكنهم من مسك الورق فيه ما فيه، صعوبة، فيحتاجون إلى مثل هذا، فيكون عندهم أكثر، وإلا بلّ الأصبع موجود، وكان عندهم في المعاهد العلمية مادة يقال لها: "الصحة" ويذكرون هذا أنه مضر بالصحة بلّ الإصبع من أجل فتح الورق، ومن الطرائف أن المدرس الذي يدرس وهو يدرس بالكتاب يبل إصبعه، إن شاء الله إن هذا الحاصل يعني، فالإنسان على ما تعود، لكن ينبغي ألا يتلف الورق، ونشوف بعض الكتب المستعملة تجد أطراف الورق سوداء من كثرة الاستعمال وبل الإصبع، وقد يكون فيه ما فيه من أوساخ أو غبار أو شيء من هذا، فترى طرف الورق أسود.
طالب:. . . . . . . . .
بلا شك خلاف الأولى.
جاء في الحديث: ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق تلقاء وجهه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)) وهذا محمول على ما إذا كان خارج المسجد.
стр. 1157
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحب البلاد)) " يعني أحب الأماكن أو أحب ما في البلاد ((إلى الله مساجدها)) أحب ما تشتمل عليه البلاد المساجد؛ لأنها بيوت الله، وبنيت لذكر الله وإقام الصلاة، بنيت للعبادة " ((وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)) رواه مسلم" لأن الأسواق يزاول فيها أمور الدنيا، ويزاول فيها المخالفات، ليس كل الناس على درجة واحدة من الورع والتقوى، إنما هذه الأسواق تجمع التقي والورع والمتساهل والمفرط، فتجمع أوباش الناس، فمنهم من يتساهل ويرتكب المخالفات في البيع والشراء، وينفق السلعة باليمين الكاذبة، ومنهم من يزاول العقود المحرمة، ففيها -مهما كانت- فيها يحصل مخالفات، فهي من هذه الحيثية أبغض البلاد إلى الله، وتجد هذا الأمر واضحاً وجلياً في أماكن بيع السيارات مثلاً، وتجد بعض من يزاول هذه المهنة يتسامحون ويغشون ويكتمون ويحلفون ويدعون أن هذه السيارة وهذه السلعة سيمت كذا، وينجشون، هذا موجود في السلع كلها، لكن ظهر هذا في أماكن بيع السيارات بوضوح؛ لأن السيارات المستعملة فيها عيوب قد تخفى على المشترين، وفيها أشياء ظاهرة، وفيها أشياء خفية، فصارت أبغض البلاد إلى الله هذه الأسواق.
"رواه مسلم".
"وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)) رواه أحمد وأبو داود".
((حتى يتباهى الناس)) يتفاخرون فيقول بعضهم إذا بنى مسجد: مسجدي أحسن من مسجدك وأكبر وأجمل، يتفاخرون ويتباهون، وقد يتباهى من لا علاقة له في المسجد من جماعة المسجد مسجدنا أفضل وأوسع.
стр. 1158
لكن إذا كان الموضع الذي يذكر في مثل هذا المجال يعني له وجه وأثر في الصلاة مثلاً إذا تباهوا بما يخل بالصلاة من زخرفة ونقوش وقدر زائد على الحاجة هذا هو المحظور الذي دل عليه الحديث، لكن لما يقال: والله مسجدنا أريح وأبرد مثلاً، ويحصل فيه من الخشوع والإقبال على الصلاة هذا ما هو بتباهي هذا، هذا ليس تباهي، إنما المراد يتباهى الناس فيما لا يخدم مصلحة الصلاة، لكن لو أن إنساناً قال: لو صليت معنا يا فلان وجربت مسجدنا واسع ونفح ومريح وفرشاته نظيفة لا على سبيل التفاخر والتعاظم، ولا على سبيل الاغترار إذا كان هو عامر المسجد، أو ما أشبه ذلك، فمثل هذا أمره سهل، لكن الإشكال حينما يقال: والله القبة عندنا قطرها مائة ذراع ومسجدكم ما يجي ولا خمسين، النقوش في مسجدنا كذا، والخطاط الذي كتب الآيات وغيرها في جدران المسجد الخطاط المتميز فلان وهكذا، وقد حصل، والدولة التركية يعني ضربت في هذا الباب شوطاً واسعاً، زخرفوا المساجد زخرفة يعني لا يمكن أن يحضر القلب أثناء الصلاة فيها؛ لماذا؟ لأنهم على مذهب أبي حنيفة، والحنفية عندهم أن الناس إذا زخرفوا بيوتهم فبيوت الله أولى؛ لأن هذا يعتبرونه من باب العناية بالمسجد، وإظهار المسجد بالمظهر اللائق، وغيرهم يقول: لا، لا تجوز زخرفة المساجد.
يحدثنا بعض الإخوان من طلاب العلم الذين ذهبوا إلى تركيا اسطنبول يقول: دخلت مسجد فوجدت شيخاً على كرسي، ومعه كتاب يشرح وحوله طلاب فجلست لأستفيد، وإذا بالشيخ لا يتكلم، يحرك شفتيه ولا يتكلم، وإذا بهذا الاجتماع ليس على درس، وإنما يصورون مشهداً تمثيلياً في هذا المسجد، ما في البلد أجمل منه -نسأل الله العافية-.
((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)) كلام من لا ينطق عن الهوى ﵊، وقد حصل، وهل هذا من باب الإقرار أو من باب الإنكار؟ لا شك أنه إنكار، وكون الشيء يقع قدراً لا يعني أنه يجوز شرعاً، يعني لا يستدل بمثل هذا على جواز زخرفة المساجد، والذي يليه يقول: ((ما أمرت بتشييد المساجد)).
стр. 1159
في آخر يقول: ((لا تقوم الساعة حتى تسير الضعينة من كذا إلى كذا)) يعني بدون محرم ((لا تخشى إلا الله)) هل هذا فيه دليل على جواز السفر بدون محرم؟ لا يدل على جواز السفر إنما هو إخبار عما سيقع، وأشراط الساعة كلها من هذا القبيل، لا يعني أنها تجوز، وإنما يخبر الصادق المصدوق أن هذه الأمور ستقع في آخر الزمان في هذه الأمة.
قال: ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)) وقد حصل.
"رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي".
"وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أمرت بتشييد المساجد)) قال ابن عباس: "لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى" رواه أبو داود وابن حبان".
النصارى كنائسهم، واليهود بيعهم كلها زخارف، وفي كنائس النصارى الصور لمريم وعيسى، زخرفوا، وحصل في هذه الأمة هذه الزخارف.
((ما أمرت بتشييد المساجد)) التشييد إما أن يكون برفعها ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [(٧٨) سورة النساء] يعني مرتفعة، أو يكون طلاؤها بالشيد وهو الجص، ويكفي من المسجد ما يكن من الحر والقر، كما فعل النبي ﵊، مما لا يمنع المطر، والنبي ﵊ سجد في صبح الحادي والعشرين من رمضان سجد على ماء وطين؛ لأنه لما نزل المطر وكف المسجد، فنزل الماء والطين، لكن لا يعني هذا أننا نجعل، نعمل خلل وشقوق في سقف المسجد من أجل أن يقع، لا، ليس بعيب أن يكف المسجد، يكون البناء من اللبن والجريد وجذوع النخل، وإذا كان الأمر يعني يتطلب ما هو أقوى من ذلك وهذا متيسر، وعده الناس شيئاً عادياً من غير تكلف، وبني المسجد من البلك والحديد؛ ليكون أقوى وأصبر هذا مقصد شرعي، ما فيه إشكال -إن شاء الله تعالى-، لكن القدر الزائد على ذلك من الزخارف التي لا تفيد المسجد قوة ولا متانة، وتشغل المصلين هذا هو الذي جاء النهي عنه.
стр. 1160
((ما أمرت بتشييد المساجد)) ما أمرت هذه الصيغة تدل على المنع وإلا ما تدل على المنع؟ لأنه قد يقول قائل: ما أمر، لكن ما نهي، السياق سياق مدح وإلا سياق ذم؟ سياق ذم بلا شك، ولذا قال ابن عباس راوي الحديث: "والله" اللام واقعة في جواب قسم مقدر "لتزخرفنها" يعني المساجد "كما زخرفت اليهود والنصارى" وقد حصل، يعني بعض المساجد حقيقة يعني فيها إشكال كبير، ذكرنا مراراً أنه مع الأسف أنه يتولى الإشراف على عمارتها طلاب علم، ومع ذلك تحصل هذه الزخارف، يعني بعض المساجد تجد في الجدار القبلي الذي في القبلة كتابات ونقوش وقطع من الأقمشة الفاخرة، وأشكال هندسية، مثلثات ومربعات ودوائر بلون الذهب الذي إذا رآه من رآه قال: هذا ذهب لا يشك فيه، وهذا الكلام واقع يعني ما هو بافتراض أو خيال، وأما بالنسبة للمحاريب فشيء لا يخطر على البال، هذا لا شك أنه مذموم، ووقوع فيما أخبر عنه النبي ﵊.
قال: "رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه" والحديث صحيح.
قال ﵀: "وعن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل" يعني رماني بالحصباء، الحصباء الصغيرة من أمامه وإلا من خلفه؟ نعم لأنه لو كان من أمامه لأشار إليه أن تعال، فدل على أنه من خلفه، وإلا فقد جاء النهي عن الخذف، يعني لما رماه بالحصباء لن يحصل المحظور من الخذف، لن يفقأ العين، ولن يكسر السن، وإلا هذا ممنوع.
رماه بالحصباء، قال: "فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب ﵁، فقال: اذهب فأتني بهذين الرجلين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف" وهو في المسجد النبوي، في مسجد النبي ﵊، من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف؛ ليسوا من أهل البلد، ويتسامح بالنسبة للغرباء الذين لا يعرفون ما عليه أهل البلد من عادات، قد يخفى عليهم ما عليه أهل البلد.
стр. 1161
قال: "لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ضرباً" صاحب البلد يستحضر المكان؛ لأنه عاش فيه، وتردد إليه، أما هذا الذي لم يعتد التردد على هذا المكان فقد يزاول ما كان يزاوله في بلده من رفع الصوت في المسجد، "لأوجعتكما ضرباً، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ " يعني نهينا عن رفع الصوت بحضرته ﵊، وحرمته ﵊ ميتاً كحرمته حياً، وهو حي في قبره ﵊ حياة برزخية فوق حياة الشهداء، لكنها تخالف حياة الأحياء الذين أرواحهم في أبدانهم؛ لأنه ميت بالنص القطعي، نص الكتاب والسنة ﵊، لكن مع ذلك يحترم بحضرته في حياته وبعد مماته ﵊.
"ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ " رواه البخاري.
حتى قال بعضهم: إنه إذا كان حديثه ﵊ يقرأ فلا يرفع الصوت فوق صوت القارئ الذي يقرأ حديث النبي ﵊، وهذا مما ذكر في أدب المحدث وطالب الحديث.
стр. 1162
قال ﵀: "وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) متفق عليه" وهاتان الركعتان هما تحية المسجد ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) هذه تحية المسجد، وجمهور أهل العلم على أن تحية المسجد سنة مؤكدة، وقال بعضهم بوجوبها؛ لأنه نهي عن الجلوس، والنهي عن الجلوس أمر بهذه الصلاة، لكن هل تتم المقابلة بين النهي عن الجلوس والأمر بالصلاة؟ أو المقابلة بين النهي عن الجلوس والأمر بالقيام، يعني إذا ثبت قائماً ما صلى ركعتين يكون خالف الخبر؟ ما خالف، ولذا ليس في الحديث دلالة على وجوب تحية المسجد، إنما هو منع من الجلوس إلا إذا صلى، ومع ذلك الكلام في تحية المسجد في حكمها وفي فعلها في أي وقت، تكلمنا فيه فيما سبق، في ذوات الأسباب في فعلها في أوقات النهي، والمعارضة بين مثل هذا الحديث وبين النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة ((لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)) وحديث عقبة: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وإذا تضيفت الشمس للغروب حتى تغرب" ثلاث ساعات مع ما بين الصبح إلى طلوع الشمس، وما بين صلاة العصر إلى غروبها تكون الأوقات خمسة، وبسطنا هذا في دروس مضت، وعرفنا أن من أهل العلم من يرى أن أحاديث النهي عامة، وأحاديث ذوات الأسباب مثل تحية المسجد خاصة، والخاص مقدم على العام، فتصلى هذه الصلوات الخاصة في جميع الأوقات، وهذا قول الشافعية وهو الذي يرجحه شيخ الإسلام، وغيرهم من الحنفية والمالكية والحنابلة يرون العكس أن أحاديث ذوات الأسباب عامة، وأحاديث النهي خاصة، والخاص مقدم على العام.
стр. 1163
وعرفنا فيما تقدم أن الخصوص والعموم ليس مطلقاً لنقول مثل هذا الكلام، أو نرجح كلام الشافعية أو كلام الجمهور، لا، العموم والخصوص وجهي، سبق أن بسطنا هذه المسألة في أكثر من مناسبة، العموم والخصوص وجهي، فنحتاج إلى مرجح خارجي وليس قبول قول الشافعية بأولى من قبول غيرهم لنرى من يدخل المسجد في آخر لحظة من العصر، أو مع طلوع الشمس ثم يصلي ركعتين، ليس قبول قول الشافعية بأولى من قبول قول الجمهور أبداً؛ لأن ما يمكن أن يقوله الشافعية من أن أحاديث النهي عامة، وأحاديث ذوات الأسباب خاصة، يقول غيرهم بالعكس، أحاديث ذوات الأسباب: ((إذا دخل أحدكم المسجد)) في أي وقت من الأوقات هذا عام، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين أخص منه: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن" فالعموم والخصوص وجهي، فنحتاج إلى -كما تقدم- مرجح خارجي، فإما أن يقال كما قال الجمهور: الحظر مقدم على الإباحة فيمنع من فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، أو يقال: إن أحاديث النهي دخلها من المخصصات أكثر مما دخل مثل هذا الحديث، فالعموم المحفوظ أولى من العموم الذي دخله التخصيص غير المحفوظ.
وعلى كل حال المسألة من عضل المسائل، يعني ليست بالسهلة بحيث يسأل الشخص ويقول: عام وخاص، والخاص مقدم على العام، لا، المسألة من تأملها ونظر فيها بدقة يجد أنها مشكلة، ومن عضل المسائل، يعني حتى قال بعض أهل العلم: لا تدخل المسجد في وقت النهي؛ لأن عليك حرج عظيم، إن صليت خالفت، وإن جلست خالفت، وبعضهم يقول: إذا دخلت المسجد لا تجلس لأنك إن جلست خالفت وإن صليت خالفت، وخلصنا فيما تقدم إلى أن النهي في الأوقات المضيقة شديد، ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا" وفي الأوقات الثلاثة المضيقة تتحقق العلة التي من أجلها نهي عن الصلاة في هذه الأوقات، وهي مشابهة الكفار الذي يسجدون للشمس عند طلوعها وعند استوائها وعند غروبها، أما في الوقتين الموسعين فالأمر فيهما أخف.
стр. 1164
وجاء فعل بعض النوافل فيهما، في الوقتين الموسعين أقر النبي ﵊ من صلى راتبة الصبح بعدها، وصلى راتبة الظهر بعد العصر، فالوقتان الموسعان أمرهما أخف، فلو صلى فيهما الداخل لا حرج عليه، لكن في الأوقات المضيقة التي النهي فيها أشد، والمشابهة للكفار متحققة، هذه لا يصلى فيها؛ لأن التخصيص الذي قالوا: إنه يضعف عموم أحاديث النهي إنما جاء في الوقتين الموسعين، ما جاء في الأوقات المضيقة، اللهم إلا الفرائض، والفرائض ليست داخلة في النهي، وإلا جاء في الحديث: ((من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) فالفرائض ليست داخلة، أما النوافل فهي التي يشملها النهي، وعلى هذا المخصصات التي دخلت في عموم أحاديث النهي إنما هي مخصصات في الوقتين الموسعين، وليست في الأوقات المضيقة الثلاثة، إضافة إلى أن من أهل العلم من يرى أن النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ليس لذات الوقتين، وإنما خشية أن يسترسل الإنسان في الصلاة إلى أن يحضر الوقت المضيق، فالنهي عن الصلاة فيهما لا لذاتهما، وإنما سداً لذريعة الصلاة في الأوقات الثلاثة المضيقة.
فالذي قررناه مراراً أن الأمرين الموسعين الأمر فيهما سهل، لو صلى الإنسان لا يثرب عليه، ولو جلس أيضاً لا يثرب عليه، أما الأوقات الثلاثة فلا وجه للصلاة فيها.
البخاري -رحمه الله تعالى- لما ترجم في صحيحه في كتاب المناسك في كتاب الحج باب الطواف بعد الصبح وبعد العصر، أورد أحاديث النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، أورد أحاديث النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، وقال: وصلى عمر ﵁ ركعتي الطواف بذي طوى، يعني طاف بعد الصبح، لكن ما صلى الركعتين إلا بذي طوى لما ارتفعت الشمس، وأورد ابن حجر في شرح الترجمة حديث جابر: "ما كنا نطوف مع رسول الله ﷺ بعد الصبح ولا بعد العصر" لا لأن الطواف لا يسوغ في هذا الوقت، لكن لما يلزم عليه من الصلاة في وقت النهي، لكن لو أن الإنسان طاف بعد الصبح وبعد العصر وأخر الصلاة إلى أن يخرج وقت النهي انتهى الإشكال.
قال ﵀:
стр. 1165
"وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها)) رواه أبو داود وابن خزيمة والترمذي، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قال: وذاكرت به" يقول الترمذي: "ذاكرت به محمد بن إسماعيل" يعني البخاري "فلم يعرفه واستغربه" وعلى كل حال الحديث ضعيف، وجاء في أحاديث تنظيف المساجد الأمر بتنظيفها، والأمر بتطييبها، أحاديث صحيحة، فتغني عن هذا، لكن مع ذلك تنظيف المسجد من القرب التي يتقرب بها إلى الله -جل وعلا-؛ لأنها من تعظيم بيوت الله، ومن تعظيم شعائره، ومقابل ذلك التسبب في تقذير المسجد، لذا يبحثون في الاعتكاف مسألة قص الأظافر في المسجد، أو نتف شيء من الشعر، أو سقوط شيء منه في المسجد، يقولون: عليه أن يُخرج ما تركه في المسجد من هذا القذى، والقذى الشيء اليسير الذي يجتمع في العين، شيء يسير لا يكاد يرى، فمثل هذا يخرج من المسجد، وما فوقه من باب أولى.
بعض الناس يكون معه السواك جديد فيبتدئه في المسجد، ثم يبقى في فمه كسر من هذا السواك، ثم يلفظها في المسجد، هذا لا شك أنها إساءة إلى المسجد، وعليه أن يزيل ما لوث به المسجد.
يقول: ((وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أرَ ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها)) لا شك أنه من حفظ القرآن عليه أن يحافظ عليه، من حفظ القرآن أو شيئاً منه عليه أن يحافظ عليه، ولا يجوز له أن يفرط فيما حفظه، نعم إذا نسي من غير تفريط، أو بسبب شيء خارج عن إرادته وطوقه، ضعفت حافظته، تعرض لشيء، تعرض لخرف، تعرض لنسيان، هذا ليس بمقدوره، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لكن يبقى أنه إذا كانت الحافظة موجودة لا يجوز له أن يفرط في القرآن ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [(١٢٦) سورة طه] ولذا لا يجوز أن يقول الإنسان: نسيت آية كذا، بل يقول: أنسيت كما في الحديث الصحيح، ومع ذلك إذا أنسي عليه أن يراجع، وعليه أن يتعاهد حفظه، والله أعلم.
стр. 1166
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
طالب:. . . . . . . . .
ويش موضوعه.
طالب:. . . . . . . . . بوده يقابلكم عنده بعض المنظومات.
ما هو جارنا بالرياض؟ عادي يجي، يجي.
طالب: .... يقول: لو كانت جلسة قصيرة ... ؟
لا أدري ... أنا طالع الليلة الحين ....
طالب: الزواج بنية الطلاق.
يدرون الطرف الثاني، المرأة تدري أو وليها أو شيء؟
طالب:. . . . . . . . .
لا بعادة ولا شيء، ولا يغلب على ظنهم أنه يطلق.
طالب:. . . . . . . . .
ما في شيء.
طالب:. . . . . . . . .
الأركان كلها متوافرة؟
طالب:. . . . . . . . .
النية مسألة ثانية، لكن الآن الأركان كلها متوافرة فيه، ولي وفي شهود وكل شيء متوافر، إنما يتفقون على إسقاط شيء من حقوق المرأة.
طالب:. . . . . . . . .
إذا اتفقوا على ذلك الأمر لا يعدوهم.
طالب: رفع الصوت في المسجد ....
هذا في مسجد النبي ﵊.
لكن يبقى أن المسألة يعني إذا كان رفع صوت بعلم لا يبلغ الطالب إلا به، أو بتكبير مثلاً في الصلاة لا يبلغ المأموم إلا به لا مانع ...
طالب:. . . . . . . . .
برفق، بما يحصل المقصود.
طالب: يصلي ركعتي الطواف بعد السعي ...
لا لا، سنة فات محلها.
طالب: في الحديث: ((من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله ... )) هل يقطعه الطواف؟
لا هو في المسجد، ما خرج عن المسجد ...
стр. 1167
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: المحرر – كتاب الصلاة (٤٥)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا يقول: لو نظرتم في وقت الدرس حيث أنه يأتي في فترة اختبارات الجامعة؟
الآن بدأت الاختبارات؟
طالب: الأسبوع القادم.
ينظر هذا.
سم.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.
قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:
باب: صلاة الجمعة
عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵃ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: ((لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين)) رواه مسلم.
وعن قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدرهم فإن لم يجد فبنصف دينار)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ورواه أبو داود مرسلاً وفيه: ((فليتصدق بدرهم أو نصف درهم أو صاع من حنطة أو نصف صاع)) وقال البخاري: قدامة بن وبرة عن سمرة لم يصح سماعه، ووهم من رواه عن الحسن عن سمرة.
وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به" رواه البخاري، وهذا لفظه، ومسلم ولفظه: "فنرجع وما نجد للحيطان فيئاً نستظل به" وفي لفظ له قال: "كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذ زالت الشمس ...
إذا، إذا.
إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء".
وعن عبد الله بن سيدان السلمي قال: "شهدت الجمعة مع أبي بكر ﵁ وكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر ﵁ فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان ﵁ فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره" رواه الدارقطني، واحتج به أحمد.
وقال البخاري في عبد الله بن سيدان: لا يتابع على حديثه.
стр. 1168
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة" وفي رواية: "في عهد رسول الله ﷺ " متفق عليه، واللفظ لمسلم.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ كان يخطب وهو قائم يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها حتى لم يبقَ إلا اثنا عشر رجلاً، فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [(١١) سورة الجمعة] متفق عليه، وزاد مسلم: حتى لم يبقَ معه إلا اثنا عشر رجلاً، فيهم أبو بكر وعمر، وفي رواية له أيضاً: أنا فيهم.
وعن بقية قال: حدثني يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته)) وفي رواية: ((فقد أدرك الصلاة)) رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني وهذا لفظه، وإسناده جيد، لكن تكلم فيه أبو حاتم، وقال: هذا خطأ المتن والإسناد، وقال ابن أبي داود: لم يروه عن يونس إلا بقية، وقد رواه النسائي أيضاً من حديث سليمان بن بلال عن يونس عن ابن شهاب عن سالم أن رسول الله ﷺ قال: ((من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها إلا أنه يقضي ما فاته)) وهو مرسل.
وعن جابر بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائماً ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة" رواه مسلم.
قف على هذا، يكفي.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: صلاة الجمعة
стр. 1169
الجُمُعة ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وهو خير يوم طلعت عليه الشمس، كما جاء في الحديث الصحيح، والمفاضلة بينه وبين يوم عرفة عند أهل العلم معروفة، لكن خير أيام العام يوم عرفة، ويكفر سنتين، وخير أيام الأسبوع يوم الجمعة على ما قرره أهل العلم، وله خصائص وفضائل، أعني يوم الجمعة لا توجد في غيره، ذكر منها ابن القيم ﵀ في الهدي عدداً كبيراً، وللسيوطي رسالة في الباب اسمها: ضوء الشمعة في خصائص الجمعة.
والجمعة هو اليوم الذي وفقت له هذه الأمة، وأضل الله عنه الأمم السابقة، واختار اليهود السبت والنصارى الأحد، ووفق الله هذه الأمة لاختيار الجمعة، ولذا جاء في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، اليوم لنا، وغداً اليهود، والنصارى بعد غد)) النصارى الأحد آخر الأيام الثلاثة، ولليهود ثانيهما وهو السبت، واليوم الأول للمسلمين، فيه تقوم الساعة، وهو يوم المسلمين، وينتظر اليهود والنصارى إلى الغد وبعد غد.
والجمعة الأشهر في ضبطه بعد الاتفاق على ضم الجيم الأشهر فيه ضم الميم، جُمُعة، وبها قرأ السبعة: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [(٩) سورة الجمعة] وقرأ الأعمش بسكونها جمْعة، وضبطها بعضهم بفتح الميم جمَعة كهمزة ولمزة، وفي لغية كسر الميم جمِعة، لكن الضم هو الأشهر.
وهو عيد الأسبوع، وجاء في الخبر تسميته عيد؛ لأن اليهود قالوا: لو علينا نزلت هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [(٣) سورة المائدة] فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه وهو يوم عيد، يوم عرفة يوم الوقوف في حجة الوداع وهو يوم الجمعة.
стр. 1170
الله -جل وعلا- شرع لهذه الأمة في اجتماعات من أجل تأليف القلوب، فالاجتماع بالأبدان يؤدي إلى اجتماع القلوب، فهم يجتمعون في كل يوم خمس مرات، ولولا هذه الاجتماعات لمرض من مرض، وضل من ضل، واحتاج من احتاج فلا يدرى عنه، لكن في هذه الاجتماعات المشروعة لهذه الأمة في الصلوات الخمس في اليوم والليلة إذا فقد المسلم وكانوا يفقدونه إذا غاب فرضاً واحداً؛ لأن الناس أعمالهم معروفة، من محل عمله في تجارته أو زراعته أو صناعته إلى بيته، ويصلي في مسجد واحد جميع الأوقات.
الآن بعد أن تيسرت الأسباب، وسهل الانتقال من بلد إلى بلد، ومن حي إلى حي، وكثرت الأسفار يمكن أن يمر الأسبوع والإنسان ما صلى وقتين في مسجد واحد، كانوا يتفقدون الجيران فلان ما صلى أين ذهب؟ ومن الطرائف أن شخصاً فقد في فرض من الفروض فطرقوا عليه البيت بعد الصلاة مباشرة، أين ذهب فلان؟ قالت زوجته: غائب ليس بحاضر، قالوا: لا، رأيناه، ليس بغائب، هم رأوه قبل الصلاة، فألحوا عليها فخرج مرتدياً ثوب صلاة زوجته، ما عنده ثوب يلبسه، ليس عنده ثوب، هذا الكلام قبل سبعين سنة.
المقصود أنهم أغاثوه وأعانوه وتصدقوا عليه، لكن لولا هذه الصلوات الخمس التي شرعت .. ، من حِكم مشروعيتها مثل هذا الأمر، يمكن يموت جوعاً في بيته ولا يدرى عنه؛ لأن بعض الناس يصعب عليه أن يسأل الناس، يصعب عليه، قد يقول قائل: أين ثوبه الذي رأوه عليه قبل الصلاة؟ هي قصة لكنها حقيقة تذكرنا بنعم الله علينا، هذا الشخص ليس عنده ما يأكل، لا هو ولا زوجته، خرج قبل الصلاة، وبحث عن من يقرضه فما وجد، فنزل بصاحب له فأصر إلا أن يقرضه ريالاً من أجل أن يشتري به ما يأكل بعد الصلاة، ذهب إلى المسجد ليستنبط الماء من البئر فوقع الريال في البئر، خلع ثوبه ونزل بالبئر ليبحث عن الريال فما وجده، لما خرج وجد الثوب مسروقاً، فلما كبر الإمام في الصلاة عرف أن الجماعة كلهم حاضرين ما في أحد يتخلف، والشارع ما يصير فيه أحد في هذا الوقت، وقت الصلاة الشوارع ما فيها أحد، خرج مسرعاً عارياً إلى بيته دخل وأغلق الباب، ثم جاءوا يسألون عنه إلى آخر القصة.
стр. 1171
المقصود أن نعم الله علينا تترى ولا تعد ولا تحصى، يعني الطفل إذا أراد أن يذهب إلى المدرسة تعطيه ريال أو ريالين أو ثلاثة ما يرضى، أقل شيء خمسة، الابتدائي يا الله خمسة، والله المستعان.
أقول: من حكم مشروعية الجماعة تفقد أحوال المسلمين بعضهم لبعض، لنا هذه الاجتماعات اليومية في اليوم والليلة خمسة مرات، والأسبوعية مثل الجمعة من الجمعة إلى الجمعة، وهي تضم البلد، المسجد يضم الحي، والجمعة تضم البلد، ثم بعد ذلك لنا اجتماعان في العام في العيدين، ثم الاجتماع الأكبر للأمة أو لمن حج منها في موسم الحج.
مع الأسف أن الحكم من مشروعية هذه الاجتماعات قد لا يستحضرها كثير من المسلمين، ولذلك لا تترتب عليها آثارها، يصلي ويرى أخاه على معصية وكأن الأمر لا يعنيه، يفقد أخاه اليوم واليومين والثلاثة وكأن الأمر لا يعنيه، فديننا دين الائتلاف والاجتماع والاتحاد اتحاد الكلمة، وعدم التفرق والتنازع المورث للفشل.
هذه الصلاة -أعني صلاة الجمعة- من فروض الأعيان على الذكور الأحرار البالغين المقيمين المستوطنين، ولا يعذر في التخلف عنها إلا من لا تجب عليه من المرأة والطفل يؤمر بها لسبع، ويضرب عليها لعشر كسائر الصلوات، لكن لا على سبيل الوجوب كالبالغين؛ لأن القلم مازال مرفوعاً عنه.
المسافر ليس عليه جمعة، لكن إذا سمع النداء يلزمه الإجابة كسائر الصلوات، والعبد لا تلزمه الجمعة؛ لأنه مشغول بأعمال سيده، ومن أهل العلم من يقول: إنها تلزمه، وهذه مستثناة شرعاً من خدمة السيد، فلا يجوز له أن يمنعه كسائر الصلوات.
على كل حال الأحرار البالغون المستوطنون من الرجال تلزمهم الجمعة فرض عين على كل واحد منهم، والجمعة أمرها شديد، وشأنها عظيم، ((من ترك ثلاث جمع متوالية طبع الله على قلبه)).
стр. 1172
وفي الحديث الأول "عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵃" ثلاثة عبد الله بن عمر وأبوه وأبو هريرة ثلاثة "﵃ أنهما" عبد الله بن عمر وأبو هريرة "أنهما سمعا رسول الله ﷺ " فالترضي عن الثلاثة، والرواية لاثنين "سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره" على أعواد منبره، يعني المنبر الذي اتخذ من الأعواد من الخشب الذي صنعه غلام امرأة من الأنصار، لما استأذنت النبي ﵊ في أن تصنع له منبر فأجابها إلى ذلك فصنعت المنبر، وكان النبي ﵊ إذا خطب يستند إلى جذع نخلة، لما تركه النبي ﵊ وخطب على المنبر حن الجذع، فلم يسكت حتى ضمه النبي ﵊.
هذا المنبر الذي هو من أعواد مكون من ثلاث درجات، يعني ارتفاعه بقدر الحاجة؛ لأن الخطيب ينبغي أن يكون مشرفاً على من يخطب فيهم ليروه، لأن الرؤية لها أثر في فهم وسماع ما يقال، والتأثر بما يقال، ولذا نجد الطلاب في الدروس منهم من يحرص على الدرس، ويقترب من الشيخ الملقي، ومنهم من يبتعد، ومنهم من ينظر إلى الشيخ، ومنهم من لا ينظر، وقد يكون سماع الأبعد أقوى من سماع الأقرب، لكن مع ذلك القرب له شأنه في فهم ما يقال، بعض الناس يقول: أنا أحرص على الصف الأول في المسجد، وأجلس في الصف الأول، والدرس خلف الصف الأول، نقول: أنت في وقت الدرس تنتبه للدرس وتقرب من الدرس، وبقدر حرصك تثاب وتحصل.
стр. 1173
"على أعواد منبره ﵊" سمعاه يقول: ((لينتهين أقوام)) هذه اللام موطئة لقسم محذوف، وفي جواب قسم محذوف، والله لينتهين، والنبي ﵊ أقسم في أكثر من ثمانين موضعاً كما قال ابن القيم على الأمور المهمة ((لينتهين)) ينتهين فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد من غير فاصل ((لينتهين أقوام)) جمع قوم، والقوم هم الرجال، وبعضهم يدخل النساء في القوم، ومنهم من يقول: إن النساء لا تدخل في القوم، أما في حديث الباب فلا تدخل؛ لأن النساء لسن من أهل الجمعة، وأما على سبيل العموم "يا قوم" هل يدخل فيه النساء أو لا يدخل؟ نعم ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ ... وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [(١١) سورة الحجرات] هذه حجة من يقول: إن النساء لا تدخل في القوم، ومنهم من يقول: إن النساء داخلات في القوم، والتنصيص عليهن في الآية لأن السخرية عندهن أكثر، فاحتيج إلى التنصيص عليهن، على كل حال هنا لا يدخل النساء.
((لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات)) ودع: ترك، وهو مصدر، فالمصدر مستعمل، ودع يعني ترك، ودع يعني اترك ((من لم يدع)) من لم يترك، لكن الماضي كما قال أهل العلم أميت من هذه المادة، يعني ما استعمل ودعَ، وقرئ في الشواذ: ﴿ما وَدَعَك ربك﴾ [(٣) سورة الضحى] لكن أهل العلم ينصون على أن الماضي قد أميت، استعمل المصدر الذي هو الأصل، أصل المادة كما هنا، استعمل دع يعني اترك ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) واستعمل يدع ((من لم يدع قول الزور)) وأما الماضي فكما سمعنا أميت، وقرئ كما ذكرنا في الشواذ: ﴿ما وَدَعَك ربك﴾ يعني ما تركك.
((عن ودعهم)) يعني تركهم ((الجمعات)) جمع جمعة، الجمعات جمع، والجمع على الخلاف بين أهل العلم هل يتناول المرتين أو أقله الثلاث، وجاء في الخبر: ((من ترك ثلاث جمع متوالية طبع الله على قلبه)) ولا يعني هذا أن ترك الجمعة الواحدة والثنتين لا شيء فيه، لا، أمر عظيم، ومن عظائم الأمور ترك الجمعة، ويقرر أهل العلم أن ترك الجمعة من باب تيسير العسرى، واضح الكلام وإلا ما هو بواضح؟
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
إيش؟
стр. 1174
طالب:. . . . . . . . .
تقرأ سورة الليل؟
طالب:. . . . . . . . .
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [(١) سورة الليل]؟
طالب:. . . . . . . . .
كمل.
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟ كم؟
طالب:. . . . . . . . .
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [(١٠) سورة الليل] بخل واستغنى، كذب وتولى ... إلى آخره، هذا ميسر للعسرى، يعني النار، من ترك الجمعة .. ، ترْك الجمعة من باب تيسير العسرى، يعني النار، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟
طالب:. . . . . . . . .
﴿فأما من بخل ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [(٨ - ١٠) سورة الليل] قالوا: ترك الجمعة من باب تيسير العسرى؛ لأن الإنسان الذي يسمع هذا الكلام مجرداً عن الآية، يعني أنه من باب التسهيل على المسلم والتخفيف عنه، يحتمل هذا؟
طالب:. . . . . . . . .
يحتمل هذا، الذي لا يقرأ الآية التي ذكرناها ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [(١٠) سورة الليل] ترك جمعة واحدة من غير عذر من عظائم الأمور، وترك اثنتين أشد، وأما الثلاث ليختمن الله على قلوبهم، طبع الله على قلبه، الختم هو الشد والاستيثاق على القلب بحيث لا يدخله خير، يكون القلب حينئذٍ مطبوع عليه ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ﴾ [(٧) سورة البقرة].
((أو ليختمن الله)) وهذا مثل: ((لينتهين)) مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد المباشرة.
((ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن)) ثم ليكونُن ما هي يكونَن، لا، ويش الفرق بينه وبين الذي قبله: ((ثم ليكونُن من الغافلين)) الفاعل في الأول والثاني ظاهر، فما فيه ضمير يكون فاعل، هنا في الأخير الفاعل ضمير، واو الجماعة.
طالب:. . . . . . . . .
((ثم ليكونن من الغافلين)) ففصل بين الفعل وبين نون التوكيد الثقيلة بالضمير الذي هو الفاعل، ولا يبنى الفعل المضارع مع نون التوكيد إلا إذا كانت مباشرة.
. . . . . . . . . ... وأعربوا مضارعاً إن عريا
من نون توكيد مباشر ومن ... نون إناث كيرعن من فتن
((ثم ليكونن من الغافلين)) الذين يغفلون عن مصالحهم فلا يجلبون لأنفسهم خيراً، ولا يتقون ولا يدفعون عن أنفسهم شراً.
"رواه مسلم".
стр. 1175
ثم بعد هذا قال: "وعن قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب" قدامة بن وبرة مجهول لا يدرى من هو؟ فالخبر بسببه ضعيف "عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من ترك الجمعة في غير عذر فليتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ورواه أبو داود مرسلاً، وفيه: ((فليتصدق بدرهم أو نصف درهم أو صاع حنطة أو نصف صاع)) قال البخاري: قدامة بن وبرة لم يصح سماعه" يعني من سمرة، فهو منقطع، إضافة إلى كونه مجهولاً لا يعرف "وقال البخاري: قدامة بن وبرة لم يصح سماعه من سمرة" يعني فيه علتان:
الأولى: الجهالة في قدامة بن وبرة، ومن شرط قبول الراوي أن يكون معروفاً بالثقة، لا يكفي أن يكون معروفاً فقط، بل لا بد أن يكون معروفاً بالثقة، وهذا مجهول لا يدرى.
لم يصح سماعه أيضاً من سمرة، ووهم من رواه عن الحسن عن سمرة، بل هو من رواية قدامة بن وبرة، ولذا الكفارة هذه ليست صحيحة، يعني تقدمت الكفارة في وطأ الحائض، والخلاف في ثبوت الخبر، والأكثر على تضعيفه، لكن هذا ضعيف باتفاق.
قال ﵀:
"وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به" رواه البخاري، وهذا لفظه، ومسلم، ولفظه: "فنرجع وما نجد للحيطان فيئاً نستظل به" وفي لفظ له: "كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذ زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء".
стр. 1176
الرواية الأولى والثانية يستدل بهما من يرى أن الجمعة تصح قبل الزوال، لكن الرواية الثالثة -اللفظ الثالث- مفسر، والحديث واحد: "كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذ زالت الشمس" يعني بعد الزوال، "ثم نرجع نتتبع الفيء" فدل على أن قوله "ليس للحيطان ظل يستظل به" ظل موصوف بكونه يستظل به، والناس يخرجون جماعات بعد صلاة الجمعة فلا يوجد ظل يستظل به المصلون كلهم، مما يدل على أن هذه الصلاة يبادر بها في أول وقتها بعد الزوال بخلاف صلاة الظهر، لا سيما إذا اشتد الحر فإنه يبرد بها من أجل أن يستظل الناس، وأما الجمعة فإنه يبادر بها فيخرجون يتتبعون الفيء، يبحثون عن الظل فلا يوجد ظل يستوعبهم، ظل يستظل به، وأما فيء الزوال فموجود، ليس للحيطان فيء مبالغة في العجلة بها، وعدم تأخيرها، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به، والرواية الثانية: وما نجد للحيطان فيئاً نستظل به، ومعلوم أنهم إذا خرجوا جماعات لا يجدون ظل يستظلون به، لكن قد يستظل الواحد والاثنين يلتصقان بالجدار، أما البقية فلا يوجد ظل يستوعبهم لكثرتهم، وعلى كل حال الحديث بروايتيه الأولى والثانية دليل للحنابلة، لأحمد وإسحاق الذين جوزوا الصلاة -صلاة الجمعة- قبل الزوال، وعلى خلاف بينهم هل تصلى في أول النهار كصلاة العيد أو وقتها يبدأ من بداية وقت صلاة العيد؟ وعند الحنابلة رواية أنها تصلى في الساعة السادسة، وهذه هي التي اختارها الخرقي؛ لأنه من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، في الرابعة كأنما قرب دجاجة، في الخامسة بيضة، ثم السادسة يدخل الإمام، فتصلى في الساعة السادسة، لكن متى تبدأ الساعة السادسة؟ الساعات مقدار من الزمان من غير تحديد، ليست هي الساعات الفلكية التي استحدثت فيما بعد بحيث تكون الساعة ستين دقيقة متساوية مع الساعة التي تليها والتي قبلها، إذا قيل: تحدثا ساعة يمكن أن تكون الساعة نصف ساعة فلكية، ويمكن تكون ساعتين، المقصود أنها مقدار من الزمن ليس محدداً، إنما يقسم الوقت من ارتفاع الشمس وحل الصلاة إلى دخول الإمام على خمسة أو على ستة، فيخرج مقدار
стр. 1177
الساعة، قد تكون الساعة ساعة، وقد تكون ساعة إلا خمس، كما هو الشأن في الشتاء، أو ساعة وربع كما هو الشأن في الصيف؛ لأن بين طلوع الشمس إلى الزوال في الصيف أطول مما بين طلوع الشمس إلى الزوال في الشتاء بمقدار ساعتين من ساعاتنا، فالساعة ليست محددة، المقصود أن الحنابلة عندهم أنه يجوز أن تصلى الجمعة قبل الزوال استدلالاً بهذه الأحاديث، لكن الرواية الثالثة أو اللفظ الثالث مفسر: "كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء" إذا زالت الشمس هذا ما يحتاج إلى تأويل، يعني بعد أن تزول الشمس، وبهذا قال الأئمة الثلاثة، وأن وقتها هو وقت صلاة الظهر، يبدأ من بعد الزوال إلى مصير ظل كل شيء مثله، مثل الظهر، وبهذا قال الأئمة الثلاثة، وعليه الفتوى، والآن نص أن الجمعة لا تصح قبل الزوال.
الظل هو الفيء، والفيء مأخوذ من الرجوع، من فاء إذا رجع، والظل بدلاً من أن يكون إلى جهة المغرب في أول النهار بعد الزوال ينتقل إلى المشرق؛ لأن الشمس مالت إلى جهة المغرب.
"وعن عبد الله بن سيدان السلمي قال: "شهدت الجمعة مع أبي بكر ﵁ وكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر ﵁ فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان ﵁ فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره" رواه الدارقطني، واحتج به أحمد" يعني على جواز الصلاة -صلاة الجمعة- قبل الزوال، لكن الحديث ضعيف.
يقول الإمام البخاري في عبد الله بن سيدان: "لا يتابع في حديثه" لا يتابع بل هو ضعيف.
يقول النووي -رحمه الله تعالى-: "اتفقوا على ضعف ابن سيدان، وحديثه لا يحتج به في مقابل ما جاء في الصحيحين وغيرهما".
стр. 1178
"وعن سهل بن سعد ﵁ قال: "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة" القيلولة هي النوم في منتصف النهار، وهي من أنفع الأوقات للنوم بعد نوم الليل، بخلاف النوم في أطراف النهار في أوله وفي آخره فهو نوم لا يفيد البدن، بل يزيد في تعبه، أما القيلولة فهي ثابتة شرعية عن النبي ﵊، وإن كان الأمر في ذلك سعة الإنسان الأصل فيه أن ينام بالليل، ويسعى في النهار، هذه السنة الإلهية، الليل سكن والنهار معاش، لكن كثير من الناس بعد أن فتحت الدنيا على المسلمين صاروا بالعكس، ووجد ما يعينهم على السهر ويسهله عليهم من وسائل الحضارة الكهرباء ووسائل الترفيه، قبل الكهرباء كيف يسهرون الناس في الظلام؟ يستغلون هذا الظلام بالنوم، كما هو السنة الإلهية، والنهار معاش، والظروف مناسبة لتطبيق هذه السنن الإلهية، لكن الآن الليل عند كثير من الناس أمتع وأحسن للاجتماعات والأسفار واللقاءات من النهار، تجد كثير من الأعمال إنما تقضى بالليل، والأسفار أكثرها إنما يكون بالليل، وهذا قلب للسنة الإلهية، ومضر أيضاً بالبدن، فإذا نام قسطاً كافياً من الليل، وعمل من أول النهار في أمور دينه ودنياه احتاج إلى أن يرتاح في منتصف النهار، وهو ما يسمى بالقيلولة "ما كنا نقيل ولا نتغدى" يعني نتناول الطعام الذي يؤكل في وسط النهار، وكانت طريقة العرب الأكل في أول النهار في الغداة، والعشاء بالعشي، فما كنا نتغدى، ثم صار وقت الغداء منتصف النهار "إلا بعد الجمعة".
стр. 1179
"وفي رواية: "في عهد رسول الله ﷺ " متفق عليه، واللفظ لمسلم" هذا من أقوى الأدلة التي يستدل بها الحنابلة على أن صلاة الجمعة تفعل قبل الزوال، لكن إذا عرفنا طريقة أهل ذلك الزمان لا سيما في المدينة الذين نزل عليهم القرآن نجد قيلولتهم بعد الظهر ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [(٥٨) سورة النور] فنومهم بعد الظهر، وإن كان الأصل أن القيلولة في وقت القائلة، وهي شدة الحر في آخر الضحى، لكن جرت عادتهم أن قيلولتهم إنما تكون بعد الظهيرة ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [(٥٨) سورة النور] فلا يكون فيه مخالفة لما سبق، ولا يعارض قول الجمهور، وإلا فالحديث متفق عليه، يعني إذا قلنا: إن حديث عبد الله بن سيدان فيه كلام، فهذا الحديث متفق عليه، لكن توجيهه ما سمعتم.
"متفق عليه، واللفظ لمسلم".
"وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ كان يخطب وهو قائم" نعم هذا هو المعروف من عادته ﵊ أنه كان يخطب قائماً، وكان أبو بكر كذلك يخطب قائماً وعمر وعثمان وعلي، وأول من خطب جالساً معاوية ﵁ وأرضاه-؛ لأنه ثقل في آخر عمره ركبه اللحم والشحم، وضعف فصار يخطب جالساً، فجلوسه للحاجة، وأهل العلم يختلفون في حكم القيام في الخطبة، فمنهم من يرى أنه سنة؛ لأن الخطبة يمكن أن تتأدى من قعود، ومنهم من يرى الوجوب، وهذا هو الصحيح؛ لأن الأصل فعل النبي ﵊، وما فعل خلافه ولا مرة؛ ليدل على الجواز، إنما خطب جميع خطبه ﵊ قائماً، وكذلك خلفاؤه من بعده.
"كان يخطب وهو قائم يوم الجمعة فجاءت عير" العير هي الإبل المحملة بالبضائع "فجاءت عير من الشام" في وقت هم بأمس الحاجة إليها، هم محتاجون لما تحمله هذه الإبل، وهذه العير من البضائع التي تستورد من الشام.
стр. 1180
"فجاءت عير من الشام فانفتل" يعني انصرف، يعني خرجوا من المسجد إلى هذه العير، الجيل المثالي جيل الصحابة مما يدل على أن البشر مهما بلغوا من الاتباع والتدين أنهم لن يخرجوا عن إطار ما جبلوا عليه من طبائع البشر، نعم الدين يهذبهم ويربيهم ويأطرهم على الحق والخير والفضل لكنه لا يخرجهم عن طبيعتهم البشرية ((إنما أنا بشر)) يقوله النبي ﵊ وكسائر البشر يمرض ﵊ ويأكل ويشرب ويصيبه ما يصيب البشر إلا أنه معصوم ﵊ ((إنما أنا بشر أقضي على نحو ما أسمع)) فالصحابة أيضاً بشر، وقد يقول قائل: الصحابة الذين نزل عليهم القرآن بحضرة النبي ﵊ ونظروا إليه وإلى أفعاله وهديه كيف يخرجون والنبي ﵊ يخطب؟! أنت لو أنت بحضرة شخص من الصالحين ما خرجت وهو يتكلم أو شيخ تهابه وتجله ما خرجت وهو يتكلم، فكيف بالصحابة ويخرجون من النبي ﵊؟!
стр. 1181
"فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها -انصرفوا إليها- حتى لم يبقَ إلا اثنا عشر رجلاً، فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [(١١) سورة الجمعة] " قائماً: هذا وصفه وهو يخطب ﵊ يخطب من قيام ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [(١١) سورة الجمعة] انصرفوا إليها ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [(١١) سورة الجمعة] تخطب هذا عتاب من الله -جل وعلا- للصحابة -رضوان الله عليهم-؛ لأن الإنسان إذا حضر للخطبة لا يجوز له أن يقول لجاره: أنصت، اسكت، لا يجوز له أن يمس الحصى، لا يجوز له أن يعبث ولا يلغو، فكيف به ويخرج من المسجد ويترك الخطيب؟! وهل في هذا عذر أن يكون محتاجاً إلى هذه البضاعة؟ هل هو عذر في أن يترك الإمام وهو يخطب؟ قد يقول قائل: هذا عذر، لو كان عذراً ما عوتبوا، وهل ارتكبوا محرماً أو خلاف الأولى؟ الذي صلى خلف معاذ وترك نواضحه وخشي على الماء الذي تستنبطه هذه النواضح خشي فانصرف وترك الصلاة مع معاذ لإطالته وصلى بمفرده وانصرف، وما عاتبه النبي ﵊، هذا ترك الصلاة وانصرف، صلى صلاة خفيفة وانصرف، وهؤلاء قد يكونون بحاجة إلى هذه البضائع، تركوا النبي ﵊ قائماً يخطب وانصرفوا، فعاتبهم الله -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [(١١) سورة الجمعة] ذمهم ﴿تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [(١١) سورة الجمعة] ﴿تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ [(١١) سورة الجمعة] التجارة واضحة هذه العير محملة بالبضائع، اللهو ما الذي حصل بالفعل؟ يعني سبب نزول الآية أنه جاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها، فنزل: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ [(١١) سورة الجمعة] هم رأوا تجارة، أو رأوا ما يدل على حصول شيء، الآن رؤيتهم للتجارة وهم في المسجد هل هي رؤية بصرية أو علمية؟ يعني بلغهم، أو سمعوا ما يدل على حضور شيء؟ هم في المسجد، والمسجد محاط بالجدران، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ [(١١) سورة الجمعة] ما اللهو الذي
стр. 1182
رأوه؟ وما معنى (أو) هنا؟ (أو) للتقسيم يعني بعضهم خرج للتجارة وبعضهم خرج للهو؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
بمعنى (بل) يعني رأوا تجارة بل لهو، والتجارة لهو؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه هي رؤية علمية لا بصرية؛ لأنهم في المسجد، قد تكون (أو) للتقسيم يكون بعضهم خرج للتجارة وبعضهم خرج للهو، وقد تكون بمعنى (بل) كما أشار الأخ، وأنهم وإن كانت .. ، وإن كان السبب والمخرج لهم التجارة على حد زعمهم إلا أنهم تركوا التجارة الحقيقية في المتاجرة مع رب العالمين، وخرجوا إلى اللهو، أمور الدنيا كلها لهو، التجارة الحقيقية: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [(١٠) سورة الصف] ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [(٢٩) سورة فاطر] هذه التجارة الحقيقية، والدنيا كلها لهو ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [(٢٠) سورة الحديد] وهذا تزهيد في الدنيا، تزهيد بعروض الدنيا، ومتع الدنيا ﴿انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [(١١) سورة الجمعة] فالحديث دليل على أن خطبة الجمعة إنما تؤدى من قيام.
ومن شرط الجمعة تقدم خطبتين يجلس بينهما الخطيب، شرط لصحة الجمعة أن يتقدمها خطبتان.
"متفق عليه، وزاد مسلم: "حتى لم يبقَ معه إلا اثنا عشر رجلاً، فيهم أبو بكر وعمر" وفي رواية له أيضا ً -من حديث جابر-: أنا فيهم" يعني من الاثنا عشر أبو بكر وعمر وجابر، ولم يسم من خرج ستراً عليهم؛ لأن مثل هذه الأمور لا تحصل فيها التسمية، كثير من القضايا التي حصل فيها شيء من الخلل بالنسبة لبعض الأشخاص فإنه لا يسمى ستراً عليه.
فالحديث دليل على أن الخطبة إنما تؤدى من قيام، وأوجبها أوجب القيام جمع من أهل العلم، واستحبه آخرون، بل منهم من زاد على ذلك فقال: القيام شرط، وأن الخطبة لا تصح من قعود، والذي يظهر أن أوسط الأقوال أنها واجبة، ويأثم بالجلوس، لكن الخطبة صحيحة.
стр. 1183
وعن بقية وهو بن الوليد وهو معروف بالتدليس قال: "حدثني يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ " وبقية صرح بالتحديث قال: "حدثني يونس بن يزيد عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فليضف إليها أخرى)) " وفي الصحيح: ((من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة في صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) وهنا: ((من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها)) يعني من الصلوات: ((فليضف إليها أخرى)) يعني إذا كانت الصلاة ثنائية كالجمعة والفجر ((وليضف إليها ثلاثاً)) كما في البيهقي إذا كانت صلاة العصر، وأدرك من وقت المغرب ركعة يضف إلى هذه الركعة، أو يضيف إلى هذه الركعة ركعتين وهكذا.
المقصود أن من أدرك ركعة سواءً كانت من صلاة الصبح أو صلاة العصر كما جاء في الصحيح، أو الجمعة كما هنا على خلاف في ثبوت الخبر أو غيرها من الصلوات كما أشار إليه خبر الباب.
((من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها)) وكلٌ على مذهبه بما تدرك به الركعة، فالجمهور أن الركعة تدرك بإدراك الركوع مع الإمام، ومنهم -وهو قول أبي هريرة والبخاري ويرجحه الشوكاني- أن الركعة لا تدرك إلا بقراءة الفاتحة مع الإمام، المسبوق الذي لا يقرأ الفاتحة لا يكون قد أدرك الركعة عند هؤلاء، لكن عامة أهل العلم على أن الفاتحة والقيام يسقط، يكبر تكبيرة الإحرام من قيام ثم يركع يتابع الإمام، وبذلك يكون قد أدرك الركعة إذا لم يرفع الإمام قبل اعتداله بالركوع.
((من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فليضف إليها أخرى)) لأنه في الحديث الصحيح: ((من أدرك من صلاة الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)) قد يفهم من يفهم أنه إذا أدرك الصبح بركعة أنها تكفي، أدرك الصبح، لكن جاء في الخبر ما يبين أنه لا بد من إتمام الصلاة، يضيف إليها ما بقي، سواءً كانت ركعة أو أكثر.
((وقد تمت صلاته)) وفي رواية: ((فقد أدرك الصلاة)).
стр. 1184
إدراك الجماعة على ما تقدم يكون عند الجمهور بإدراك جزء منها، وينص الفقهاء على أن من كبر تكبيرة الإحرام قبل سلام إمامه التسليمة الأولى أدرك الجماعة ولو لم يجلس، يعني إذا أدرك أي جزء من الصلاة قبل سلام الإمام أدرك الجماعة، والذي يرجحه شيخ الإسلام وجمع من أهل العلم أن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة، وأن ما دون الركعة لا يسمى صلاة، فلا يحصل به إدراك كالجمعة، أما بالنسبة للجمعة فهي محل اتفاق أن الذي لا يدرك ركعة كاملة لا يدرك الركوع الثاني مع الإمام في صلاة الجمعة فإنه يصليها ظهراً، تكون فاتته الجمعة إذا لم يدرك ركعة، ورفع الإمام من الركعة الثانية فعليه أن يصليها ظهراً.
طيب دخل والإمام يرفع من الركعة الثانية، أو دخل وهو راكع فلم يدرك الركعة الثانية، ولا يعرف هل هي الركعة الأولى أو الثانية؟ فهل ينوي ظهر وإلا ينوي جمعة وقت الدخول؟ ثم إذا تبين له أنها الثانية فلا بد أن يصليها أربعاً، وقد نواها احتمال ينويها جمعة؛ لأنه ما يدري، واحتمال أن ينويها ظهراً على أنها الثانية، ثم يتبين أنها الأولى، فهل تصح منه جمعة وقد نواها ظهراً؟ وهل تصح منه ظهراً وقد نواها جمعة؟ ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) فلا بد أن يتبين قبل أن يدخل، وإذا دخل متردداً فقال: إن كانت الأولى فهي جمعة، وإن كانت الثانية فهي ظهر، تصح بهذه النية أو لا تصح؟
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
طالب: الله أعلم.
نبي علم الطلاب ...
هاه؟
يعني في حديث عمر: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) لا. . . . . . . . . مع التردد لا بد من الجزم بالنية، طيب إذا قال ليلة الثلاثين من شعبان: والله ما أنا منتظر حتى يعلن عن الشهر بأنام، فإن كان غداً من رمضان فهو فرضي، ثم أصبح وصام، ثم بعد ذلك عرف أنه من رمضان عند الجمهور لا يصح الصيام، وشيخ الإسلام يقول: ليس بإمكانه إلا هذا، فعلى هذا يصح صيامه، والمسألة لا بد فيها من التحري، هذه نية، والنية شرط لصحة العبادة، فلا بد أن يدخل العبادة بيقين وجزم لا يتردد.
стр. 1185
"رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني وهذا لفظه، وإسناده جيد، لكن تكلم فيه أبو حاتم وقال: هذا خطأ في المتن والإسناد" أما أن يقول: إن الحديث لا يعرف من حديث ابن عمر، وإنما هو من حديث أبي هريرة، وأنه لا يعرف لفظ الجمعة، وإنما لفظ الصلاة، وعلى كل حال ما يخشى من تدليس بقية فقد زال بتصريحه بالتحديث، وبقية معروف بتدليس التسوية.
"وعن بقية قال: حدثني يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عن سالم بن عبد الله" والمدلس تدليس تسوية لا بد أن يصرح بالتحديث في جميع طبقات السند؛ لأنه قد لا يحذف شيخه بل قد يحذف شيخ الشيخ، وعلى كل حال هذا الخبر مختلف فيه إلا أن حكمه متفق عليه، وأن من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الجمعة، فعليه أن يضيف إليها أخرى، ومن أدرك أقل من ركعة فإنه يصليها ظهراً.
"خطأ في المتن والإسناد، وقال ابن أبي داود: لم يروه عن يونس إلا بقية، وقد رواه النسائي أيضاً من حديث سليمان بن بلال عن يونس عن ابن شهاب عن سالم أن رسول الله ﷺ قال يعني مرسلاً: ((من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها إلا أنه يقضي ما فاته)) وهو مرسل" يعني من حديث سالم ولم يذكر فيه ابن عمر.
"وعن جابر بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائماً" وهذا مما يؤيد ما سبق من أن الخطبة لا بد أن تكون من قيام، كما كان عليه ﵊ وخلفاؤه من بعده.
стр. 1186
"كان يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم" يجلس بين الخطبتين ثم يقوم للثانية فيخطب قائماً "فمن نبأك" أي أخبرك "أنه كان يخطب جالساً فقد كذب" يعني خالف الواقع، سواءً كان قاصداً للكذب أو غير قاصد "فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة" الآن الصلاة التي يستدل بها بحضوره إياها جميع الصلوات وإلا صلاة الجمعة التي فيها الخطبة؟ أو الصلوات التي فيها الخطبة سواءً كانت صلاة جمعة أو عيد أو استسقاء؟ لأنه يتكلم عن الخطبة من قيام فتشمل جميع الخطب صلى معه أكثر من ألفي صلاة، إذا قلنا: جمعة فالسنة فيها خمسين جمعة، والألف بعشرين سنة، والألفين بأربعين سنة، إذا قلنا: هذا خاص بالجمعة، يحتاج إلى أربعين سنة ليصلي مع النبي ﵊ ألفي صلاة، وإذا أدرجنا فيها الأعياد الاستسقاء، وإن كان قليل يعني ما هو مثل الأعياد السنة مرتين، يعني في عشر سنوات يصلي عشرين نعم، الجمع اللي هي خمسين، إذا قلنا: في السنة مرتين عشرين عيد في عشر سنوات، وفي عشرين أربعين عيد، لن يصل إلى ألفين حتى ندخل الصلوات الخمس إلا إذا قلنا: إن العدد غير مراد، والمراد بذلك التكثير، وأنه ما تخلف عن النبي ﵊، وإلا إذا قلنا: الجمعة فألفي جمعة تحتاج إلى أربعين سنة، فإذا أدخلنا معها الأعياد يعني قل العدد قليلاً، فلعل المراد الصلوات الخمس أو جميع الخطب في حياته ﵊، يخطب في الصلوات وغير الصلوات، في كل مناسبة يخطب ﵊، لكنه يقول: صلاة، والعدد الذي ذُكر لعله إلى المبالغة أقرب منه إلى الحقيقة.
"رواه مسلم" والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1187
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: المحرر – كتاب الصلاة (٤٦)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا يقول: أريد أن أبدأ في حفظ أحاديث رسول الله ﷺ ما تيسر منها تدريجياً، فمن أي الكتب أبدأ؟ وما نصيحتكم؟ وتوجيهكم لذلك؟
أولاً: العادة والجادة عند أهل العلم أن يبدأ بالأربعين النووية، ثم بعد ذلك العمدة في أحاديث الأحكام، ثم البلوغ أو المحرر، ثم إذا كانت الحافظة تسعف، والهمة سمت وعلت لحفظ كتب السنة المسندة الأصلية فليبدأ بالبخاري.
يقول: ظروف العديد من أقاربي صعبة للغاية، وقد عاهدت الله إن رزقني من فضله أن أتعاهدهم، وأدخل السرور عليهم، فأدعُ الله أن يوسع ويبسط لي الرزق؟
هذا يطلب الدعاء أن يوسع عليه، نسأل الله -جل وعلا- أن لا يحرمه ما أراد، لا سيما وأن نيته طيبة، لكن ليحذر كل الحذر من إخلاف مثل هذا العهد؛ لئلا يدخل في قوله -جل وعلا-: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [(٧٥) سورة التوبة] ثم بعد ذلك إذا رزق المال ونفّذ هذا العهد وفى بما عليه وأجر، لكن إن بخل هذه المشكلة ﴿فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ﴾ [(٧٦) سورة التوبة] نسأل الله العافية ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [(٧٧) سورة التوبة] المسألة ليست بالسهلة، العهد ليس بالسهل، لا سيما مع الله -جل وعلا-.
هذا يقول: هل تنصحون بالسماع لبعض الدعاة والوعاظ لترقيق القلوب وتهذيبها؟ يقول: منهم المتكلم فيهم في أمور المنهج وطريقة الدعوة؟
стр. 1188
على كل حال الحكمة ضالة المؤمن، فإن وجدها عند أهل التحقيق فلا يعدل بهم إلى غيرهم، وإن وجد عند غيرهم ما ينفعه ويفيده فيأخذ منهم بقدر الحاجة، ومثال ذلك في المتقدمين: أعمال القلوب، وما يتعلق بها وعلاج أمراضها موجودة بكثرة عند ابن القيم وابن رجب، هذه تؤخذ منهم بدون تردد، وموجودة أيضاً في إحياء علوم الدين للغزالي، وفيه ما فيه هذا الكتاب، وفي مؤلفه ما فيه مما ذكره أهل العلم من مخالفات، والكتاب يشتمل على أحاديث موضوعة، ويشتمل على عقائد مخالفة، المقصود أنه يؤخذ منه بقدر الحاجة، وقل مثل هذا في من يوجد الآن؛ لأن النبي ﷺ قال عن أخس مخلوق وشر مخلوق وهو الشيطان: ((صدقك وهو كذوب)) فلم يمتنع أبو هريرة من أخذ الفائدة منه، وأقره النبي ﵊، لكن مع ذلك لا يطغى هذا الجانب بحيث يغفل أهل العلم وأهل التحقيق وأهل الفضل، ويعاقب الإنسان لأن مثل هذه الأمور إذا جنح عن الكفء والأهل إلى غيره فإنه حينئذٍ يعاقب بأمور قد تطغى على قلبه وهو لا يشعر، لكن على كل حال إذا أخذها بقدر الحاجة مع الحذر الشديد من التأثر بما عندهم من مخالفات لا أرى مانعاً من ذلك.
يقول: كثرت المطالب بإنشاء أندية نسائية في بلاد الحرمين، فما الحكم في ذلك؟
هذه خطوات الشيطان، يبدأهم بالمطالبة من أجل المحافظة على الصحة، وسمعنا من يقول بأن الرياضة للنساء ضرورية أو ضرورة؛ لأن كثير منهن ابتلين بالسمنة، والسمنة مظنة الأمراض، والمحافظة على البدن واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به ... ، هذه ضرورة، يقولون: من الضرورات الخمس المحافظة على النفس، نسأل الله العافية، نعوذ بالله من الخذلان، هذه خطوات الشيطان.
стр. 1189
ويقول في أول الأمر: إنه تنشأ أندية رياضية نسائية بالضوابط الشرعية، يعني مثل ما مر على البلدان الأخرى، ما في بلد من البلدان ظهرت النساء تلعب الكرة بالملابس مثل ما يفعله الذكور أبداً، أول الأمر ضوابط شرعية، وقد يلعبون الكرة بالعباءات في أول الأمر، ثم تضايقهم العباءة فيتخلون عنها، ويجدون من يفتيهم، ثم بعد ذلك الثياب العادية ما يمكن مزاولة الرياضة بها، وهكذا إلى أن نجد أنفسنا لا فرق بيننا وبين غيرنا، ثم بعد ذلك نقضي على جميع مميزاتنا تدريجياً، والله المستعان.
يقول: تفشت في الأسواق المنكرات بشكل كبير ما دور طلاب العلم تجاه هذه المنكرات؟
كل مطالب بالإنكار، كل على حسب قدرته واستطاعته، والذي لا يستطيع أن ينكر يبلغ من يستطيع، وتبرأ ذمته بذلك، والتعاون هو المطلوب، التعاون على البر والتقوى المأمور به، المطلوب التعاون على البر والتقوى، فإذا علم الله -جل وعلا- صدق النية من هؤلاء المنكرين أعانهم ووفقهم ورفع عنهم ما يترتب على هذه الذنوب من عقوبات.
يقول: ما رأيكم في المناداة بجعل إجازة الأسبوع الجمعة والسبت بدلاً من الخميس والجمعة؟
وهذه أيضاً من تسويل الشيطان للإنسان؛ لأنهم إذا تجاوزوا ووافقوا اليهود في إجازتهم فموافقة النصارى عند عامة الناس أخف، فيسهل الأمر بأن تنقل الجمعة إلى الأحد، وكون هذا يوفر شيء من الوقت للتتسع أوقات المعاملات كما يقولون؛ لأننا نخالف الناس في الخميس والجمعة، وهم يخالفوننا في السبت والأحد، فما يبقى إلا ثلاثة أيام من الأسبوع، وليكن ذلك وما يضيرنا؟! أمور الدنيا ليست هي الأصل إنما هي تبع، السعي وراء الدنيا إنما هو لتحقيق الهدف وهو العبودية، فنأخذ منها ما يكفينا ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] أما أن تكون هي الغاية وهي الأصل فلا.
يقول: هل هناك حديث صحيح أن النبي ﵊ صلى بأصحابه بالمعوذتين؟ ولماذا؟
هو صلى بهم في السفر بالمعوذتين في السفر.
يقول: ولماذا لم يكتب ابن مسعود في .... ؟
стр. 1190
لأنه يحفظها ما تحتاج إلى كتاب؛ لأنه يحفظهما، قد يقال: إنه يحفظ غيرهما من السور، لكن حفظ المعوذتين لدى عموم الناس حتى العامة يختلف عن حفظ سائر السور.
يقول: من أتى بفرض الحج ثم زاد حج آخر، هل يكون نافلة أم فرض كفاية؟
يكون نافلة بالنسبة له، بالنسبة له ما زاد على حج الفريضة فهو تتطوع بالنسبة له، وأما عمارة المشاعر والحج في كل سنة فهو فرض كفاية لا بد أن يقام به.
يقول: ما رأيكم في طبعة المكنز لكتب السنة؟
الطباعة جيدة ومشكولة، والورق جميل، لكن أنا ما قرأت فيها شيئاً كثيراً يتبين لي من خلاله الجودة أو عدمها.
يقول: ما رأيكم في شخص يجمع بين شرحين في وقت واحد، بحيث أنه يستمع إلى شرح الأربعين النووية للشيخ ابن عثيمين، ثم يعلق هذا الشرح على حواشي شرح الحافظ ابن رجب جامع العلوم والحكم بحيث أنه يستفيد من الشرحين في وقت واحد؟
الطريقة معروفة ومسلوكة، والجمع بين أكثر من شرح نافع جداً، والنظر في هذا وفي هذا، وذكْر زوائد هذا على هذا، وزوائد هذا على هذا ترسخ الفائدة في ذهن طالب العلم، لكن يبقى أنك إن نقلت فوائد الشيخ ابن عثيمين على ابن رجب، الشيخ يسترسل، والفائدة الواحدة يكتب فيها صفحات، فماذا تكتب من هذه الصفحات؟ والعكس كذلك لو قلت: إني أنقل فوائد ابن رجب على ابن عثيمين الأمر كذلك، فما تعمد إلى شرحين مطولين تذكر فوائدهما اللهم إلا إذا كنت تنتقي وتختصر في آن واحد، فالفائدة التي تكلم فيها الشيخ ابن عثيمين في ثلاث صفحات ممكن تكتبها في سطر أو سطرين، تختصر الفكرة، وتحيل إلى شرح الشيخ طيب، أو تقول: إن هذه المسألة بحثت في شرح الشيخ في صفحة كذا، وأما شرح الأربعين فهي كثيرة جداً، يعني لا يمكن أن يحاط بها، شروح وحواشي على الأربعين كثيرة، ومن أنفعها بل أنفعها على الإطلاق شرح ابن رجب، وهناك شروح لمتقدمين شرح للجرداني، وشرح لابن حجر الهيتمي وغيرهما، شروح كثيرة جداً وحواشي، وأيضاً المشايخ لهم شروح منها المطول، ومنها المختصر، وكلها نافعة يستفيد منها طالب العلم.
يقول: ذكرتم أن للجمعة خطبتين يفصل بينهما بجلسة فهل للخطبتين موضوع واحد أو موضوعين؟
стр. 1191
على كل حال على حسب الحاجة، قد تكون الخطبة في موضوع واحد وهذا أولى؛ لكي يشبع الموضوع، الخطبة بشقيها أو الخطبتان في موضوع واحد، هذا أحرى بأن يشبع الموضوع، ويهضمه السامع، وإذا كانت في موضوعات متعددة تدعو إليها الحاجة، ويعطى كل موضوع نصيبه، بحيث لا يكون اختصاره مخلاً فلا مانع من أن تكون في أكثر من موضوع.
سم.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.
قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم ومساكم" ويقول: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: ((أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) ثم يقول: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي)) رواه مسلم، وفي لفظ له: "كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله، ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته، وفي لفظ: "يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: ((من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله)) ورواه النسائي، وزاد عليه بعد ضلالة: ((وكل ضلالة في النار)).
وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحراً)) رواه مسلم.
وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: "كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطول الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة" رواه النسائي وابن حبان.
стр. 1192
وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: "لقد كان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحداً سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [(١) سورة ق] إلا عن لسان رسول الله ﷺ ، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس" رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت)) متفق عليه.
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا)) رواه مسلم.
وفي لفظ له: ((من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قُدر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وما بين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام)).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت ليس له جمعة)) رواه أحمد من رواية مجالد، وليس بالقوي.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال: ((أصليت؟ )) قال: لا، قال: ((قم فصلِ ركعتين)) متفق عليه.
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [(١ - ٢) سورة السجدة] السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [(١) سورة الإنسان] وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة: سورة الجمعة والمنافقين، رواه مسلم.
وله عن النعمان بن بشير ﵂ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [(١) سورة الغاشية] قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضاً في الصلاتين.
يكفي، بركة.
стр. 1193
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ " الأسلوب يدل على الاستمرار، وهذا الأصل فيه "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته" كان ﵊ يتحمس لخطبة الجمعة، وتحمر عيناه، ويعلو صوته، "واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم ومساكم" هو منذر ﵊، كما أنه أيضاً مبشر، فهو ينذر عذاب الله وغضب الله، لا سيما إذا وجد السبب الداعي لذلك، فتحمر عيناه، ويعلو صوته، ويشتد غضبه، عادته ﵊ في الإنكار الرفق واللين، وما غضب ﵊ لنفسه أبداً إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله، والنبي ﵊ ينذر ويحذر "كأنه منذر جيش" ومقتضى ذلك أن يرتفع الصوت ويعلو ويشتد الغضب، لا سيما إذا كانت المعصية من الكبائر، أو كانت ممن يظن به أنه لا يخفى عليه حكمها، مثل هذا يحتاج لمثل هذا الإنكار، وأحياناً يُلحظ على بعض الناس أنه يشدد في الإنكار، ويرفع صوته، فيلام على ذلك، ويقال له: إن اللين والرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وهو الأصل، وهذه طريقته ﵊ في الإنكار والتعليم؛ لما أنكر الصحابة -رضوان الله عليهم- على الأعرابي الذي بال في المسجد، وشددوا عليه، قال: ((دعوه، لا تزرموه)).
стр. 1194
المقصود أن المواطن تختلف، ولكل مقام مقال، فرق أن تسمع الموسيقى من جوال عامل أعجمي جاء من بلاد اعتادوا هذه الأمور من غير نكير، وبين أن تسمعها من شخص عربي يفهم الكلام، إذا أنكرت عليه فهم، لكنه جاء من بلدان توجد فيها هذه الأشياء، هذه مرتبة ثانية، فللأول طريقة وللثاني طريقة، وبين شخص عامي من أهل هذه البلاد الذين نشأوا على أن الموسيقى محرمة، وأن الأغاني حرام، وبين طالب علم يعرف الحكم بدليله، ومع ذلك تسمع الموسيقى من جواله، لكل مقام مقال، فالإنكار على الأول يختلف عن الإنكار على الثاني، والإنكار على الثاني يختلف عن الإنكار على الثالث والرابع وهكذا، فكلٌ له ما يناسبه، النبي ﵊ لما شفع أسامة في حد من حدود الله غضب النبي ﵊: ((أتشفع في حد من حدود الله؟! )) غضب، وأنكر عليه، فالنبي ﵊ في هذه المواطن وهو ينذر الناس ويحذرهم من عقاب الله -جل وعلا-، وهكذا ينبغي أن تكون الخطب مؤثرة في الناس؛ لأنها إذا ألقيت كما اعتاده كثير من الخطباء يكتب الخطبة في ورقة، ثم يقرأها على الناس بأسلوب عادي غير مؤثر، هذه لا تجدي هذه الخطبة، ولا تترتب عليها آثارها التي من أجلها شرعت، بعض الناس ينام، بل كثير من الناس ينامون والإمام يخطب؛ لماذا؟ لأنها غير مؤثرة، ولا شك أن الأسلوب له أثره، وطريقة الأداء لها أثرها.
"كان ﵊ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم" يعني: أثر كثير من الخطباء في السامعين ضعيف حتى أن بعض السامعين أو كثير من السامعين إذا خرج تسأله عن الخطبة؟ يقول: ما أدري إيش قال؟ يعني ما في شيء يجذب السامع، ما يدري، فيوافق المنافقين في قولهم: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [(١٦) سورة محمد] يسمعون ما قال، ثم يسألون الصحابة، يسألون ابن مسعود وغير ابن مسعود ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [(١٦) سورة محمد] فلا تكن سبباً في ذلك، بل اقتدِ بالنبي ﵊، ولذلك أثرت طريقته في صحابته -رضوان الله عليهم-، فصاروا يحفظون عنه كل ما يقول، ولم يضع من كلامه شيء ﵊.
стр. 1195
"كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم" أي جاءكم العدو في الصباح، أو جاءكم العدو في المساء، ونحن لا نأمن مكر الله أن يأتينا في الصباح، أو يأتينا ضحى، أو يأتينا في الليل "يقول: صبحكم ومساكم" ويقول ﵊: ((بعثتُ أنا والساعة كهاتين)) يعني ما بعده نبي، ما بعده إلا الساعة ﵊، فالذي يليه قيام الساعة، لا يليه نبي آخر، هو خاتم الأنبياء ﵊، ويقول: ((بعثتُ أنا والساعة كهاتين)) ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى.
ويقول في خطبته بعد أن يحمد الله، ويثني عليه على ما سيأتي، ويشهد لله -جل وعلا- بالوحدانية، ويشهد له بالرسالة ﵊، يقول: ((أما بعدُ)) (أما) حرف شرط و (بعدُ) قائم مقام الشرط، والجواب: ((فإن خير الحديث كتاب الله)) ما اقترنت به الفاء، و (بعدُ) مبني على الضم؛ لأن قبل وبعد والجهات الست لها حالات ثلاث:
إما أن تضاف فتعرب ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [(١٣٧) سورة آل عمران] أو تقطع عن الإضافة مع نية المضاف إليه فتبنى على الضم، كما هنا: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [(٤) سورة الروم] "أما بعدُ" أو تقطع عن الإضافة مع عدم نية المضاف إليه فتعرب منونة.
فساغ لي الشراب وكنت قبلاً ... . . . . . . . . .
следующие страницы →