← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6366

شرح المحرر في الحديث - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

على كل حال على حسب الحاجة، قد تكون الخطبة في موضوع واحد وهذا أولى؛ لكي يشبع الموضوع، الخطبة بشقيها أو الخطبتان في موضوع واحد، هذا أحرى بأن يشبع الموضوع، ويهضمه السامع، وإذا كانت في موضوعات متعددة تدعو إليها الحاجة، ويعطى كل موضوع نصيبه، بحيث لا يكون اختصاره مخلاً فلا مانع من أن تكون في أكثر من موضوع. سم. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين. قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في كتابه المحرر: وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم ومساكم" ويقول: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: ((أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) ثم يقول: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي)) رواه مسلم، وفي لفظ له: "كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله، ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته، وفي لفظ: "يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: ((من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله)) ورواه النسائي، وزاد عليه بعد ضلالة: ((وكل ضلالة في النار)). وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحراً)) رواه مسلم. وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: "كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطول الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة" رواه النسائي وابن حبان.

стр. 1192

وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: "لقد كان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحداً سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [(١) سورة ق] إلا عن لسان رسول الله ﷺ ، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس" رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت)) متفق عليه. وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا)) رواه مسلم. وفي لفظ له: ((من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قُدر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وما بين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام)). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت ليس له جمعة)) رواه أحمد من رواية مجالد، وليس بالقوي. وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال: ((أصليت؟ )) قال: لا، قال: ((قم فصلِ ركعتين)) متفق عليه. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [(١ - ٢) سورة السجدة] السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [(١) سورة الإنسان] وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة: سورة الجمعة والمنافقين، رواه مسلم. وله عن النعمان بن بشير ﵂ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [(١) سورة الغاشية] قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضاً في الصلاتين. يكفي، بركة.

стр. 1193

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ " الأسلوب يدل على الاستمرار، وهذا الأصل فيه "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته" كان ﵊ يتحمس لخطبة الجمعة، وتحمر عيناه، ويعلو صوته، "واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم ومساكم" هو منذر ﵊، كما أنه أيضاً مبشر، فهو ينذر عذاب الله وغضب الله، لا سيما إذا وجد السبب الداعي لذلك، فتحمر عيناه، ويعلو صوته، ويشتد غضبه، عادته ﵊ في الإنكار الرفق واللين، وما غضب ﵊ لنفسه أبداً إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله، والنبي ﵊ ينذر ويحذر "كأنه منذر جيش" ومقتضى ذلك أن يرتفع الصوت ويعلو ويشتد الغضب، لا سيما إذا كانت المعصية من الكبائر، أو كانت ممن يظن به أنه لا يخفى عليه حكمها، مثل هذا يحتاج لمثل هذا الإنكار، وأحياناً يُلحظ على بعض الناس أنه يشدد في الإنكار، ويرفع صوته، فيلام على ذلك، ويقال له: إن اللين والرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وهو الأصل، وهذه طريقته ﵊ في الإنكار والتعليم؛ لما أنكر الصحابة -رضوان الله عليهم- على الأعرابي الذي بال في المسجد، وشددوا عليه، قال: ((دعوه، لا تزرموه)).

стр. 1194

المقصود أن المواطن تختلف، ولكل مقام مقال، فرق أن تسمع الموسيقى من جوال عامل أعجمي جاء من بلاد اعتادوا هذه الأمور من غير نكير، وبين أن تسمعها من شخص عربي يفهم الكلام، إذا أنكرت عليه فهم، لكنه جاء من بلدان توجد فيها هذه الأشياء، هذه مرتبة ثانية، فللأول طريقة وللثاني طريقة، وبين شخص عامي من أهل هذه البلاد الذين نشأوا على أن الموسيقى محرمة، وأن الأغاني حرام، وبين طالب علم يعرف الحكم بدليله، ومع ذلك تسمع الموسيقى من جواله، لكل مقام مقال، فالإنكار على الأول يختلف عن الإنكار على الثاني، والإنكار على الثاني يختلف عن الإنكار على الثالث والرابع وهكذا، فكلٌ له ما يناسبه، النبي ﵊ لما شفع أسامة في حد من حدود الله غضب النبي ﵊: ((أتشفع في حد من حدود الله؟! )) غضب، وأنكر عليه، فالنبي ﵊ في هذه المواطن وهو ينذر الناس ويحذرهم من عقاب الله -جل وعلا-، وهكذا ينبغي أن تكون الخطب مؤثرة في الناس؛ لأنها إذا ألقيت كما اعتاده كثير من الخطباء يكتب الخطبة في ورقة، ثم يقرأها على الناس بأسلوب عادي غير مؤثر، هذه لا تجدي هذه الخطبة، ولا تترتب عليها آثارها التي من أجلها شرعت، بعض الناس ينام، بل كثير من الناس ينامون والإمام يخطب؛ لماذا؟ لأنها غير مؤثرة، ولا شك أن الأسلوب له أثره، وطريقة الأداء لها أثرها. "كان ﵊ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم" يعني: أثر كثير من الخطباء في السامعين ضعيف حتى أن بعض السامعين أو كثير من السامعين إذا خرج تسأله عن الخطبة؟ يقول: ما أدري إيش قال؟ يعني ما في شيء يجذب السامع، ما يدري، فيوافق المنافقين في قولهم: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [(١٦) سورة محمد] يسمعون ما قال، ثم يسألون الصحابة، يسألون ابن مسعود وغير ابن مسعود ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [(١٦) سورة محمد] فلا تكن سبباً في ذلك، بل اقتدِ بالنبي ﵊، ولذلك أثرت طريقته في صحابته -رضوان الله عليهم-، فصاروا يحفظون عنه كل ما يقول، ولم يضع من كلامه شيء ﵊.

стр. 1195

"كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم" أي جاءكم العدو في الصباح، أو جاءكم العدو في المساء، ونحن لا نأمن مكر الله أن يأتينا في الصباح، أو يأتينا ضحى، أو يأتينا في الليل "يقول: صبحكم ومساكم" ويقول ﵊: ((بعثتُ أنا والساعة كهاتين)) يعني ما بعده نبي، ما بعده إلا الساعة ﵊، فالذي يليه قيام الساعة، لا يليه نبي آخر، هو خاتم الأنبياء ﵊، ويقول: ((بعثتُ أنا والساعة كهاتين)) ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى. ويقول في خطبته بعد أن يحمد الله، ويثني عليه على ما سيأتي، ويشهد لله -جل وعلا- بالوحدانية، ويشهد له بالرسالة ﵊، يقول: ((أما بعدُ)) (أما) حرف شرط و (بعدُ) قائم مقام الشرط، والجواب: ((فإن خير الحديث كتاب الله)) ما اقترنت به الفاء، و (بعدُ) مبني على الضم؛ لأن قبل وبعد والجهات الست لها حالات ثلاث: إما أن تضاف فتعرب ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [(١٣٧) سورة آل عمران] أو تقطع عن الإضافة مع نية المضاف إليه فتبنى على الضم، كما هنا: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [(٤) سورة الروم] "أما بعدُ" أو تقطع عن الإضافة مع عدم نية المضاف إليه فتعرب منونة. فساغ لي الشراب وكنت قبلاً ... . . . . . . . . .

стр. 1196

((أما بعد)) يقول أهل العلم أو بعضهم أنها هي فصل الخطاب الذي أتيه داود، والإتيان بها سنة في الخطب والرسائل، يؤتى بها سنة اقتداء بالنبي ﵊، فكان يقولوها في خطبه، ورواها عنه من الصحابة اثنان وثلاثون صحابياً، وهي أيضاً في كتبه إلى الملوك وغيرهم، فهو يلزمها في خطبه ورسائله، فهي سنة، الإتيان بها سنة بهذا اللفظ: ((أما بعدُ)) في العصور المتأخرة جعلوا الواو مقام (أما) فتجدون كثير من الكتابات فيها "وبعدُ" وهي ليست حديثة، يعني: في شرح المواهب للزرقاني قال: إن الواو قائمة مقام (أما) لكن ما الداعي إلى أن نأتي بالواو، ونترك ما أثرناه عن النبي ﵊؟ ما الداعي لذلك؟ وهي بالإمكان! وهل يتم الاقتداء بقولنا: "وبعد" عن قولنا: "أما بعد"؟ لا يتم الاقتداء، ولو قالوا: إنها قائمة مقامها، إن قلت: "وبعد" معناه لا تأتي بالفاء التي هي في جواب الشرط، إنما يتم الاقتداء بهذا اللفظ: "أما بعد" وبعض الناس يذكر (ثم) قبلها، يبدأ كلامه بالحمد والثناء والصلاة على النبي ﵊ ثم يقول: "ثم أما بعد" ثم هذه لا داعي لها، إن احتاج إليها مرة ثانية بعد (أما بعد) الأولى لا مانع من أن يقول: (ثم أما بعد) لا مانع، أما في الموضع الأول لا يأتي بـ (ثم). ((أما بعد)) يختلف أهل العلم في أول من قالها. جرى الخلف (أما بعد) من كان بادئاً ... بها عُد أقوالاً وداود أقربُ ويعقوب وأيوب الصبور وآدم ... وقس وسحبان وكعب ويعربُ ثمانية أقوال. ((أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله)) لا أفضل من كلام الله؛ لأنك وأنت تقرأه كأنك تخاطب الله -جل وعلا-. هو الكتاب الذي من قام يقرأه ... كأنما خاطب الرحمن بالكلمِ

стр. 1197

وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، يعني تصور أنك تخاطب الله -جل وعلا-، وإذا كنت تتلذذ بخطاب فلان وعلان من الناس الذي يكون فيه المطلوب، ويكون فيه الممنوع، فأنت إذا قرأت كلام الله تؤجر على هذه القراءة بكل حرف عشر حسنات هذا أقل تقدير، وهو الكلام الوحيد الذي لا يشركه أي كلام في كونه متعبداً بتلاوته، لو تقول: أجعل لي ورد، جزء من القرآن، وعشرة أحاديث من البخاري في كل يوم، تقرأ أحاديث البخاري لا على سبيل الاستفادة والتفقه وإنما مجرد تلاوة، كما تفعل مع القرآن، نقول: ما تؤجر، المتعبد بتلاوته فقط هو القرآن، لكن إن قرأت صحيح البخاري من أجل الإفادة والتفقه من هذا الكتاب العظيم لك أجر طالب العلم، والاشتغال بالعلم من أفضل القربات، لكن إذا قلت: مجرد تلاوة، نقول: لا تؤجر على ذلك، لا تؤجر إلا على قراءة القرآن، ولو قرأته لمجرد التلاوة فقراءة القرآن إما أن يقرأ لتحصيل أجر الحروف، أو يقرأ للتعلم والتفقه والعمل به، هذا له شأن وهذا له شأن.

стр. 1198

((فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ )) خير الحديث .. ، العلماء يقابلون الكتاب بالحديث، فإذا قوبل الكتاب بالحديث فالكتاب هو القرآن والحديث هو كلام النبي ﵊ الذي هو السنة ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [(٢٣) سورة الزمر] يعني أفضل ما يتحدث به كلام الله، وقالوا أيضاً: شر الأحاديث الموضوعات لأنها يتحدث بها، فالإطلاق الشامل يشمل كل كلام، ولذا قال: ((فإن خير الحديث كتاب الله)) يعني: بالإطلاق الشامل يشمل، لكن لا عكس؛ لأن بعض العامة ينظر إلى الكتب من كُتب الحديث والفقه والعقائد والتواريخ ينظر إلى مكتبة كاملة يقول: ما أكثر هذه المصاحف، ما أكثر هذه القرآنات، لا، لا، القرآن خاص، كتاب الله خاص بالمصحف، وأما الحديث والأحاديث فهي شاملة لكل ما يتحدث به، ولذا قال: ((فإن خير الحديث)) وهو أيضاً وإن كان كلام الله على مذهب السلف قديم النوع فإنه متجدد حادث الآحاد، فالله -جل وعلا- يتكلم بكلام حادث، مقرون بمشيئته متى شاء، خلافاً لمن يقول: إن كلام الله قديم تكلم فيه بالأزل، ولا يتكلم بعد ذلك، ويجعلون الحديث الذي هو حديث النبي ﵊ في مقابل القديم الذي هو القرآن، فكلام الله لا شك أنه قديم النوع حادث الآحاد، ولذا أضيف للحديث فقال: ((فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ )) خير الهدي هكذا ضبط في أكثر الروايات بفتح الهاء، وسكون الدال، وقد تُكسر، وضُبط أيضاً بضم الهاء وفتح الدال ((الهُدَى هُدَى محمد ﷺ )) الهدي الذي هو الطريق طريقة النبي ﵊ خير طريقة عرفتها البشرية ((وخير الهُدَى)) الهُدَى معناه الدلالة والإرشاد وهداية الناس إلى الحق، والذي يملكه النبي ﵊ منها هي هداية الدلالة والإرشاد والبيان ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [(٥٢) سورة الشورى] وأما هداية التوفيق والقبول فهي بيد الله وحده لا يملكها أحد ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [(٥٦) سورة القصص] ((وخير الهدي هدي محمد ﷺ )).

стр. 1199

وابن القيم ﵀ جمع من هدي النبي ﵊ في زاد المعاد كماً كبيراً، وفاته أشياء، ولا يمكن أن يحاط في كتاب واحد بجميع ما جاء عنه ﵊، لكن الكتاب في الجملة نافع. ((وشر الأمور محدثاتها)) شر الأمور المحدثات، ما يحدث في الدين ويزعم أنه من الدين وليس له أصل في شرع الله، لا من كتاب الله ولا من سنة نبيه ﵊، فكل قول أو فعل مخترع مبتدع يتعبد به لله -جل وعلا-، ولم يسبق له شرعية من الكتاب أو السنة فهذه هي المحدثات، وهي شر الأمور، وقد يكون القصد حسناً، لكن كم مريد للخير لا يصيبه، فلا بد مع حسن القصد الإصابة، وأن يكون موافقاً لما جاء عن الله وعن رسوله ﵊، هذه المحدثات التي يتعبد بها كثير من الناس في كثير من الأقطار المنتسبة إلى الإسلام لا دليل عليها، فهي من شر الأمور، شر الأمور محدثاتها، وهذه المحدثات منها ما هو مخرج عن الملة -نسأل الله السلامة والعافية-، وإن تُعبد به لله -جل وعلا-، ومنها ما هو عظيم من عظائم الأمور، لكنه لا يصل إلى حد الإخراج من الملة، ومنها ما هو أخف من ذلك، فهي متفاوتة، وتجتمع كلها في كونها شر الأمور هذه المحدثات وهذه البدع، وكل شيء لم يسبق له شرعية من الكتاب والسنة فإنه محدث، بدعة.

стр. 1200

فالبدعة في الدين أمرها عظيم، وشرها مستطير، تحجب السنن، ما عمل شخص ببدعة إلا حرم من سنة -نسأل الله السلامة والعافية-، البدع والمحدثات أُلفت فيها المصنفات، وحذر منها أهل العلم وشددوا في ذلك، لا سيما في أوائل نشأة هذه البدع، وأطلقوا ألفاظ منفرة من هذه البدع، ومع ذلك استمر الناس أو المبتدعة على بدعهم، وزادت ولا زالت موجودة إلى الآن، يعني: البدع التي في الصدر الأول موجودة إلى الآن، ولكل قوم وارث؛ لأن بعض الناس يقول: لا داعي أن نقرأ كتب الجهمية والمعتزلة والردود على الجهمية والمعتزلة والأشعرية وغيرهم لا داعي؛ لأنها هذه بدع انقرضت، عندنا بدع جديدة لم تنقرض، بل هي موجودة معمول بها إلى الآن، هناك بدع -نسأل الله السلامة والعافية- بدع من غلاة الصوفية بحيث ينسبون التصرف في الكون إلى بعض الأشخاص، وما زالت موجودة إلى الآن، وهي قديمة، فالكتب التي ألفها أهل العلم في الردود على هذه الطوائف المبتدعة على طالب العلم أن يُعنى بها، وكتبهم موجودة إلى الآن، تتداول بينهم، وانتشرت انتشاراً توفرت حتى عند طلاب العلم من أهل السنة، يعني: كان الكتاب يتداوله الناس بالخط، فلا يكتبون إلا ما يحتاجون؛ لأن الخط ليس أمره سهلاً، يعني: كتاب في مجلدات تكتبه كتاب بدعة ما .. ، لكن الآن تشتريه بأبخس الأثمان من أجل الاطلاع عليه وبنية الرد عليه، ثم بعد ذلك يطلع عليه غيرك وأنت لا تشعر، كان الناس يوصون بإتلاف كتب المبتدعة، وإحراق كتب المبتدعة لأنها يمكن إتلافها في البلد نسخة واحدة يمكن، أو نسختين أو موجودة عند بعض الناس، لكن الآن كيف تتلف؟ يصعب إتلافها مع هذه الألوف المؤلفة من النسخ التي إلى وقت قريب كانت ممنوعة من الدخول، وتداولها بين الناس لا سيما في هذه البلاد ممنوعة، الآن ما صار شيء، سهُل الأمر، وصارت تدخل، والعلم والثقافة للجميع، ولعله يوجد من يرد عليها ويبين خطأها، لكن كثير من طلاب العلم لا سيما المبتدئين والمتوسطين لا يسوغ لهم النظر في بعض هذه الكتب لأن فيها شبه قد تعلق في قلوبهم لا يستطيعون دفعها ولو بعد حين؛ لأن بعض الشبه قوية، وبعض المبتدعة عنده طريقة وأسلوب في صياغة الشبهة وتجلية الشبهة، ثم يضعف الرد

стр. 1201

عليها، نظير ذلك هذه المناظرات التي ابتلي بها الناس في القنوات ووسائل الإعلام، تجد هذا المبتدع فصيح اللسان، واضح العبارة، حاضر الذهن، ومقابله أقل منه، لا شك أنه سوف يغلبه في الحجة، وعامة الناس ما يدريهم أن هذا هو الحق وذاك هو الباطل، فيتأثر عامة الناس وأشباه العوام بهذه المناظرات، وهذه فيها خطر عظيم على عوام المسلمين، ونسمع بعض من يسأل وهو لا يقرأ ولا يكتب عن بعض الشبه؛ لأنه سمع في هذه القنوات وهذه المناظرات، فهذه المناظرات العلنية لا شك أن خطرها عظيم، لكن إذا انبرى المبتدع للمناظرة، وأراد أن ينفث سمومه ولا راد له ولا رادع لا بد أن يرد عليه، فيبحث عن أولى الناس بالرد، لا يؤتى بأي شخص؛ لأنه إذا انقطع الخصم كأن الناس قالوا: غُلب، وانقطعت حجته، وعلى هذا يتبعه مذهبه، فلا بد أن ننتقي لهذه المناظرات من يجتمع فيهم العلم التام المناسب لمناظرة مثل هذا المبتدع، وأيضاً حضور الحجة، حضور الحجة لا بد منه؛ لأن بعض الناس عنده علم، وعنده أدلة، وعنده نصوص، لكنه إذا أرادها غابت، فإذا استلقى على فراشه فطن، وذكر الدليل، وذكر الحجة هذا ما ينفع؛ لأنه إذا انقطع المناظر انقطع مذهبه، ما يقال: والله فلان عجز، يقال: أهل السنة عجزوا. فعلى كل حال هذه البدع شرها عظيم، وهي شر الأمور على الإطلاق هذه المحدثات.

стр. 1202

((وكل بدعة ضلالة)) ننظر إلى هذا التعميم من النبي ﵊ ((كل بدعة ضلالة)) جميع البدع التي يتعبد بها الناس لله -جل وعلا- من غير دليل من الكتاب والسنة كلها ضلالة، وبهذا يرد على من قسم البدع إلى بدع حسنة وبدع سيئة قبيحة، وإلى بدع واجبة، وبدع مستحبة، وبدع مباحة، وبدع مكروهة، وبدع محرمة، نعم قُسمت البدع إلى الأحكام الخمسة، وممن ذكر هذا التقسيم العز بن عبد السلام والنووي وابن حجر وجمع من أهل العلم، لكن هذا التقسيم كما قال الشاطبي في الاعتصام: "تقسيم مخترع مبتدع لا يدل عليه دليل من كتاب ولا سنة، وهو مصادم مصادمة ومناقض مناقضة تامة لقوله ﵊: ((كل بدعة ضلالة)) فليس في البدع من يوصل إلى الله ويقرب إليه، كلها ضلالة، وإخراج بعض البدع عن هذا العموم بدون دليل، قد يستدل بعضهم بقول عمر -رضي الله تعالى عنه-: "نعمت البدعة" النبي ﵊ صلى بأصحابه في رمضان جماعة ليلتين أو ثلاث ثم ترك، اجتمعوا، غص المسجد بالصحابة، امتلأ المسجد فلم يخرج إليهم، فلما قيل له: قال: ((إنه لم يخفَ عليّ مكانكم؛ لكن خشيت أن تفرض عليكم)) فلماذا تركها النبي ﵊؟ تركها رفعاً لحكمها، نسخاً لها، أو خشية أن تفرض عليهم؟ خشية أن تفرض عليهم، فالنبي ﵊ قد يترك العمل لا رفعاً لحكمه، وإنما رفقاً بأمته ﵊، تركها النبي ﵊ بقية عهده وعهد أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، ثم جمع الناس على إمام واحد، على أبي بن كعب، فصار يصلي بالناس جماعة، فخرج عمر -رضي الله تعالى عنه- والناس يصلون، فقال: "نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل منها" يعني صلاة آخر الليل، نعمت البدعة فمدحها وسماها بدعة، والرسول ﵊ يقول: ((كل بدعة ضلالة)) فكيف يقول عمر الخليفة الراشد الذي أمرنا بالاقتداء به: نعمت البدعة، وهذا في الصحيح؟ يقول أهل العلم .. ، شيخ الإسلام يقول: هذه بدعة لغوية، ولم يرد عمر البدعة الشرعية، لكن إذا كانت البدعة اللغوية ما عمل على غير مثال سابق لا نجد هذا التعريف يسعف شيخ الإسلام في قوله لأنها عملت على

стр. 1203

مثال سابق صليت جماعة، وبعضهم يقول: مجاز، كما قال الشاطبي ﵀ يقول: مجاز ليست بدعة لغوية ولا شرعية، وليست مجاز؛ لأن المجاز منفي عند أهل التحقيق، إذ لا مجاز في لغة العرب عندهم، طيب ماذا تكون؟ الأقرب -والله أعلم- أنها مشاكلة ومجانسة في اللفظ، والمشاكلة لا يلزم أن يكون اللفظ المشاكل حقيقة موجوداً، إنما يكون حقيقة هذا هو الأصل وقد يكون تقديراً، كأن قائلاً قال لعمر: ابتدعت يا عمر، قال: نعمت البدعة، خشي عمر أن يقال له: ابتدعت، فقال: نعمت البدعة. قالوا: اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا الجبة والقميص ما تطبخ لكنها مشاكلة ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [(٤٠) سورة الشورى] معاقبة الجاني ليست سيئة فهي مشاكلة ومجانسة في التعبير وفي الأسلوب. ((وكل بدعة ضلالة)) اللفظ باقي على عمومه، فكل ما يحدث في الدين ضلالة. ثم يقول: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)) ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [(٦) سورة الأحزاب] وهو أرأف بهم وأرحم بهم من أنفسهم ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [(١٢٨) سورة التوبة]﵊، وهو أرفق الخلق، وأنفع الخلق للخلق؛ لأنه بُعث رحمة للعالمين ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)) ولذا يجب على المؤمن أن يحب النبي ﵊ أكثر من حبه لنفسه فضلاً عن غيره لهذا.

стр. 1204

((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله)) لسنا بحاجة إلى ماله لورثته ((ومن ترك ديناً أو ضياعاً)) شيئاً يخشى عليه من الضياع من الذرية وغيرهم ((فإلي وعليّ)) فأنا أتكفل بهم، أتكفل بوفاء الديون، ويتكفل أيضاً بمن يخشى عليه من الضياع من الذرية، يُنفَق عليهم من بيت المال، وهذا واجب في بيت المال، قضاء الديون، لا سيما إذا عُرف أن هذه الديون ليست بسبب تساهل وتفريط من المدين؛ لأن بعض الناس يسمع مثل هذا الكلام ويقول: أستكثر وأستمتع وأتوسع ويسدد عنه، نقول له: مو بصحيح، أنت جنيت على نفسك فتحمل مسئوليتك، ولا شيء أعظم، بل أمر الدين عظيم، فإذا كانت الشهادة في سبيل الله تكفر كل شيء إلا الدين فعلى الإنسان أن يحتاط لنفسه، ويبرأ من العهدة، وأما من كان دينه بسبب قوته وقوت ولده وحاجاته الضرورية فمثل هذا يقضى من بيت المال ((من ترك ديناً أو ضياعاً)) ذرية ضعفاء هؤلاء على بيت المال ينفق عليهم. " ((فإلي وعليّ)) رواه مسلم، وفي لفظ له" يعني لمسلم: "كان خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله، ويثني عليه" فمن شرط الخطبة عند جمع من أهل العلم اشتمالها على الحمد والثناء والشهادة والصلاة على النبي ﵊، وقراءة القرآن، بعضهم يشترط هذه الأمور في الخطبة، لو تخلف شيء منها ما صحت الخطبة، لا تصح الخطبة لو تخلف شيء منها، ومنهم من يقول: إن هذه أمور تكميلية جاءت عن النبي ﵊ من قوله، ولم يأتِ الأمر بها، لزم النبي ﵊ افتتاح الخطب بالحمد، وقال: ((كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء)) ولزم قراءة القرآن على ما سيأتي، فالمتجه أن هذه الأمور واجبة؛ لأنه لم يتركها النبي ﵊ في خطبة من خطبه لبيان الجواز، ومنهم من يقول: يجزئ ما يسمى خطبة عرفاً، يكفي ما يسمى خطبة عرفاً، وبعضهم توسع توسعاً غير مرضي فقال: يكفي الذكر، فلو قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر يكفي، لكن هذه ليست بخطبة لا لغة ولا شرعاً ولا عرفاً، فلا تجزئ مثل هذه الكلمات وإن كانت هي الباقيات الصالحات، لا تجزئ في هذا المقام، لا تكفي خطبة.

стр. 1205

وفي لفظ له: "كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله، ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك" يعني بعد ذلك "وقد علا صوته، واحمرت عيناه، واشتد غضبه" على ما تقدم "وفي لفظ: "يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: ((من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله)) ". ((من يهده الله فلا مضل له)) الهادي والمضل هو الله -جل وعلا-، فإذا أراد الله هداية شخص لو اجتمعت الخلائق على إضلاله فلن يستطيعوا، ومن أراد الله ضلاله فلو اجتمعت الأمم على هدايته لم يستطيعوا، والعبرة بأبي طالب الذي نفع النبي ﵊ بماله وجاهه، وانتفعت به الدعوة، ومع ذلك حرص عليه النبي ﵊ أن يقول: لا إله إلا الله عند احتضاره عند وفاته ((قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله)) وعنده قرناء السوء "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ " فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، فأنزل الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [(٥٦) سورة القصص] هذه عبرة، نعم على الإنسان أن يحرص على هداية والديه وعلى هداية أولاده وزوجه وأقاربه ومعارفه الأقرب فالأقرب، ثم يشمل خيره ودعوته إلى الأقارب والجيران والجماعة، ثم يمتد نفعه إلى الأمة، لكن لا يضمن، عليك بذل السبب، وأما النتيجة والاستجابة بيد الله -جل وعلا-، وإذا نظرنا في سير الأنبياء وجدنا بعضهم لم يستجب له أحد ألبتة، يأتي النبي وليس معه أحد، يأتي النبي ومعه الرجل والرجلان، يأتي النبي ومعه الرهط، وبعض الأنبياء أقرب الناس إليه كنوح زوجته وولده ما استطاع هدايتهم هداية التوفيق والقبول، وإن كان قد بذل السبب إلى آخر لحظة في هدايتهم هداية الدلالة والإرشاد، وبهذا يُعلم أن الإنسان لا يهدي مهما بذل ومهما كان عنده من علم وطريقة وأسلوب، فلا يقول: إنه يهدي.

стр. 1206

وتجد بعض العامة الذين ليس لديهم شيء من العلم تجد العالم العامل الحريص المتحري المحترق على نفع الناس لا سيما الأقارب تجده يحرص ويبذل الغالي والرخيص لنفع أولاده فلا يستطيع، وشخص من عامة الناس يقول: والله ما علمت أن أولاده يحفظون القرآن حتى دعي إلى الحفل، وكان من بين الحفظة كاملاً اثنان من أولاده هل هذا بذل شيء؟ الهداية بيد الله -جل وعلا-، لكن مع ذلك لا نقول: الهداية بيد الله ولا نبذل السبب، نحن مطالبون ببذل السبب. " ((من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله)) رواه النسائي، وزاد عليه بعد ضلالة: ((وكل ضلالة في النار)) " والمراد صاحبها، الضلالة معنى والمعاني قد تتجسد لتوزن، فلا يقول قائل: هذه الضلالة إذا جسدت ووزنت ألقيت في النار ليبرر لنفسه ويزعم لنفسه السلامة، هذا ليس بصحيح، مثلما يقول بعضهم: ((ما أسفل من الكعبين ففي النار)) قال: سهل قماش خليه يصير بالنار، المراد صاحبه، والضلالة المراد صاحبها، أما لو كانت الضلالة هذه البدعة جسدت ووضعت في ميزان السيئات، ثم ألقيت في النار الأمر سهل، لكن جسدت ووضعت في الميزان ورجحت الكفة يلقى صاحبها في النار، وإلا ما الفائدة من الوزن من وزن الأعمال؟ وما الفائدة من التكاليف؟ إلا ليتميز الشقي من السعيد.

стр. 1207

"وعن أبي وائل -شقيق بن سلمة- قال: خطبنا عمار" وهو ابن ياسر "فأوجز وأبلغ" أوجز يعني اختصر، وأبلغ، وفى المقام حقه، كشف ما يريده بأبسط أو بأبلغ عبارة وأوجزها "خطبنا عمار فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت" أبلغت فهمنا عنك ما تريد، لكنك أوجزت "فلو كنت تنفست" يعني بسطت "فلو كنت تنفست" يعني بسطت في الكلام وأطلت وزدت في الإيضاح "فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه)) " طول صلاة الرجل الذي لا يدخل في ((من أم الناس فليخفف)) يعني لا يخرج عن هذا ويدخل ((أفتان يا معاذ؟ )) بحيث يطيل الصلاة فيدخل في الممنوع، طول مناسب، لا يقتصر على آية أو آيتين، وإنما يقرأ بما قرأ به النبي ﵊ مما سيأتي، ويقصر الخطبة لا يمل الناس، ونسمع بعض الخطباء يخطب نصف ساعة أو أكثر من نصف ساعة، بل بعضهم بلغ الساعة، وتجد مثل هذا في الغالب سببه التكرار وعدم التركيز على المراد، تجد بعض الناس يعتمد على ما عنده من ثقافة، وعُرف بأنه يتكلم في المناسبات فتجده لا يهتم بالخطبة ولا يحضر لها، ولا يعتني بها ولا بموضوعها، وعنده استعداد يخطب ساعة أو ساعتين، لكن مثل هذا في الغالب لا يكون كلامه مركزاً على شيء معين، تجده يطوح يمين وشمال، ويضرب في كل موضوع ولا يوفيه حقه، فيتأخر على الناس، ويمل الناس، ولا يخرج بنتيجة.

стр. 1208

أما الذي له هم لموضوع معين تجده يدور حول الموضوع، ولذا بعضهم يفضل الكتابة لأنها تحصر الموضوع، ولا تشتت الموضوع، ولا شك أن النبي ﵊ خطبه ارتجالاً، والاقتداء به هو الأصل، لكن على الإنسان أن يهتم في الموضوع الذي يريده بحيث لا يتعداه إلا لما يخدمه، يعني لا يبعد عنه بعيداً؛ لأن وقت الخطبة محدود وقصير، فلو أراد الإنسان أن يقول: كل ما يريد شق على الناس ((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه)) علامة على فقهه، دلالة على فقهه، تجد بعض الخطباء يصعد المنبر ثم يتكلم في موضوعات شتى، ويشرق ويغرب، ويطيل على الناس، ثم إذا نظر إلى الساعة فإذا به قد أطال فخشية من أن يتذمر الناس من إطالته تكون الضحية الصلاة، فيؤديها في دقيقتين أو ثلاث، هذا ليس هو بالفقيه، إنما الفقيه الذي يعالج موضوع معين محدد أو موضوعات متقاربة يمكن إيضاحها وبيانها للمستمعين في أقصر عبارة وأوجز عبارة وأبلغ أسلوب. ((فأطيلوا الصلاة)) إطلالة لا تشق على المأمومين ((أيكم أم الناس فليخفف)) فلا نأخذ من ((أطيلوا الصلاة)) الإطالة التي تشق على المأمومين، ولا نأخذ من قوله: ((أيكم أم الناس فليخفف)) تأصيلاً وتشريعاً للنقارين في الصلاة، ولذا إذا شرحوا حديث معاذ قالوا: ليس فيه حجة للنقارين الذين ينقرون الصلاة نقر الغراب، الذي جاء النهي عنه. ((فأطيلوا الصلاة)) إطالة نسبية ((واقصروا الخطبة)) قصر نسبي، لا يقول القائل: إن القصر هذا بحيث تتأدى الخطبة بدقيقة أو دقيقتين، لا، إنما هو قصر نسبي، فإذا أديت الخطبة عشر دقائق ربع ساعة هذه خطبة ليست بالطويلة، وتؤدي الغرض، ثم بعد ذلك الصلاة تحتاج إلى مثل هذا الوقت، ولا يعني أن وقت الصلاة يكون أطول من وقت الخطبة، ليس بالضرورة أن يكون وقت الصلاة أطول من الخطبة لنطبق هذا الحديث، إنما الطول والقصر نسبي، وكل شيء بما يناسبه. ((وإن من البيان سحراً)) وفي بعض الروايات: ((لسحراً)). ((إن من البيان لسحراً)) هل هذا أسلوب مدح أو أسلوب ذم؟ طالب:. . . . . . . . . البيان هل يمدح الإنسان ببيانه أو يذم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 1209

نعم، هل يمدح الإنسان بقوة بصره أو يذم؟ هل يمدح الإنسان بقوة سمعه أو يذم؟ العبرة بما تستعمل فيه هذه النعم، البيان نعمة ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [(٣ - ٤) سورة الرحمن] امتن الله -جل وعلا- على الإنسان بالبيان، وهو نعمة من النعم، امتن الله على الإنسان بالنعم كالسمع والبصر وغيرهما، لكن هذه النعم إن استغلت فيما يرضي الله، وأدي حق الله فيها فإنها نعم، وإن استغلت فيما لا يرضي الله فهي نقم، فالبصر إذا استعمل في طاعة الله -جل وعلا- فقرأ بواسطته كلام الله والعلم الوارد عن رسول الله ﷺ فهذا نعمة، وإن قرأ فيه أو نظر فيه إلى المحرم كان نقمة، وقل مثل هذا في السمع إذا استمعت إلى الخير إلى القرآن إلى العلم كان هذا نعمة، وإذا استمعت إلى الأغاني والموسيقى والغيبة والنميمة كان هذا نقمة، وقل مثل هذا في البيان فهو نعمة من نعم الله على الإنسان، إذا استعمل في بيان الحق والدفاع عن الحق صار نعمة، وإذا استعمل في بيان الباطل والدفاع عنه صار نقمة، فهو سحر باعتبار أنه ينفذ إلى القلوب ويؤثر في النفوس كتأثير السحر، والأسلوب يحتمل أن يكون مدحاً وأن يكون ذماً على حسب ما يستعمل فيه هذا البيان. "وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر" هذه صفته ﵊ وصفة أتباعه، وجاء مدح الذكر في نصوص كثيرة جداً ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [(٣٥) سورة الأحزاب] ((سبق المفردون)) ((مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره كمثل الحي والميت)) المقصود أن الأحاديث الدالة على الذكر وفائدة الذكر كثيرة جداً، يراجع لها مقدمة الوابل الصيب، ومقدمة الأذكار، وأبواب الذكر من كتب السنة كلها ذكرت ما ورد في الذكر.

стр. 1210

"وكان ﵊ يكثر الذكر، ويقل اللغو" يقل اللغو يعني الكلام المباح الذي لا فائدة فيه، قليل جداً، قد يمزح ﵊، لكنه لا يقول إلا حقاًَ، هذا لا مانع منه، الشيء اليسير من ذلك لا مانع، وهو يقل هذا الشيء، بينما لو فتشنا عن كثير من الناس وجدناه أكثر كلامه لغو، لا فائدة منه، وإن لم يكن محرماً، ووجدنا بعض الناس كلامه فيه المباح والحرام، والذكر عنده قليل، وكل شيء له ضريبة، وكل شيء له عقوبة، فمن أكثر اللغو قل الذكر عنده، ومن كثر الذكر عنده قل اللغو عنده ﴿جَزَاء وِفَاقًا﴾ [(٢٦) سورة النبأ]. "ويطول الصلاة" هذه علامة الفقه في حديث عمار الذي تقدم، ويقصر الخطبة فهو شاهد للحديث الذي قبله، وإن كان فيه كلام، الحديث فيه كلام لأهل العلم، لكن أقل أحواله أن يكون حسناً؛ لأنه شاهد للذي قبله.

стр. 1211

"ولا يأنف" لا يستنكف ولا يستكبر "أن يمشي مع الأرملة" بعض الناس يأنف أن يمشي مع الفقير، وأن يأكل مع الفقير، أو يجالس الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام؛ لأنه في الغالب نفوسهم منكسرة، وثيابهم رثة، وهو عند نفسه شيء يأنف ويستنكف أن يجالس هؤلاء، والنبي ﵊ لا يأنف أن يمشي مع الأرملة التي مات عنها زوجها، ومعلوم أن الرسول ﵊ معصوم، فلا يقال: إن هذه أرملة توفي عنها زوجها، فالنبي ﵊ يمشي مع الأرامل، أنا أمشي معها مع عدم أمن الفتنة، نعم إذا كان أرملة بقدر أمك أو جدتك وانعدمت الفتنة، وصار لها حاجة إليك مع عدم الخلوة لا مانع، لكن بعض الناس يسمع مثل هذا الكلام، وقد يستدل به على أنه لا مانع من مخالطة النساء لأنهن أرامل، وقد يكون في الأرامل الشواب، يعني من مات عنها زوجها وهي شابة، فتجد بعض الناس يطنطن حول هذه الأمور، ويستمسك بأدنى شيء كمن استدل بآية المباهلة ﴿نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ﴾ [(٦١) سورة آل عمران] يقول: هذا فيه دليل على الاختلاط، شلون ندعو نساءنا ونساءكم، وكل واحد يعتزل الرجال .. ؟! هذا مرض في القلب، يعني تتبع مثل هذه النصوص مرض في القلب، فمثل هذه الأرملة بالشروط والضوابط المعروفة، والنبي ﵊ كما هو معلوم معصوم، ولا يمكن أن يخلو بامرأة، ولا مست يده يد امرأة قط، فلا يستدل بمثل هذا على أنه لا مانع من الدخول على المرأة الأرملة والمشي معها، لا، هذا تحكمه نصوص محكمة.

стр. 1212

"مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة" يعني السعي في الحاجات في حاجات المساكين والأرامل والمحتاجين وإعانة الناس هذه من الصدقات على نفسك، ومن زكاة البدن الإعانة بالبدن، ومن زكاة المال الإعانة بالمال، وجاء في حديث: ((يصبح على سلامى كل واحد منكم صدقة)) ثلاثمائة وستين مفصل في الإنسان فهو محتاج إلى أن يتصدق بثلاثمائة وستين صدقة، كل تسبيحة صدقة، كل تحميدة صدقة، يعني أمر عظيم، لكن الشرع خففه علينا، جعل كل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكذلك بقية الأذكار، ومن ذلك إعانة صاحب الحاجة، ترفع له حاجته إلى دابته صدقة، تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق هذه صدقة منك على نفسك. "فيقضي له الحاجة" رواه النسائي وابن حبان" وقلنا: إن الحديث حسن -إن شاء الله تعالى-، وهو شاهد للذي قبله، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. طالب:. . . . . . . . . حديث ... الأسلمية. إيه وش فيه؟ طالب:. . . . . . . . . ((لعلك ترجين النكاح)) إيه. طالب: ترجين. ترجين إيه. طالب: طيب كيف رآها متجملة؟ هاه؟ طالب: كيف رآها متجملة؟ لمحة ما يلزم أن يكون، أقول: ما يلزم أن يكون جلوس لمحة. طالب: يعني رأى وجهها مكشوفاً. لا، من غير قصد ...

стр. 1213

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: المحرر – كتاب الصلاة (٤٧) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: لقد كان تنورنا" التنور الذي يُخبز فيه، الذي يوضع فيه الخبز لينضج، الذي فيه النار -نسأل الله السلامة- من نار الدنيا والآخرة.

стр. 1214

"لقد كان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحداً" مشتركاً، تنور مشترك، كلهم يخبزون فيه، وينضجون فيه الطعام "سنتين أو سنة وبعض سنة" شكت لأنها حدثت بعد مدة طويلة، فشكت في المدة التي كانوا يجتمعون فيها على هذا التنور "سنتين أو سنة وبعض سنة" هذا يدل على قربها من منزله ﵊، ومن مسجده ﷺ ، قالت: "وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [(١) سورة ق] إلا على عن لسان رسول الله ﷺ يقرأها كل يوم جمعة" قدمت بهذه المقدمة فيما يتعلق بالتنور، واشتراكهم فيه؛ لتبين أنها قريبة منه ﵊، وأن ما تذكره فيما بعد ليس بواسطة، وإنما هو عنه ﵊ مباشرة لقربها من منزله، ومسجده ﵊ "وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [(١) سورة ق] " سورة ق سورة عظيمة، يقرأها النبي ﵊ يوم الجمعة على المنبر إذا خطب الناس، يعني في أثناء الخطبة، وهل كان يقرأها كاملة، أو يجزئها في كل خطبة؟ آيات مقطع متناسب فيفسره ويشرحه ويبينه للناس، اللفظ محتمل، أنها أخذتها دفعة واحدة أو دفعات، واللفظ محتمل، والسورة عظيمة اشتملت على مهمات من مهمات الدين، فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، فيما يتعلق بحياة المسلم الدينية في دنياه وفي مآله إذا مات، وابن القيم -رحمه الله تعالى- جعل السورة مثالاً لتدبر القرآن، وتكلم عليها بكلام قوي، كلام عظيم في أول كتابه الفوائد، فعقد فائدة عظيمة وقاعدة لتدبر القرآن، وضرب لذلك مثلاً بسورة (ق) تكلم عليها بكلام غاية في النفاسة، وختمت السورة بقوله -جل علا-: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [(٤٥) سورة ق] وهذه السورة من أعظم ما يذكر به الناس، ولذا كان ﵊ يقرأها في خطبة الجمعة، وموضوع الخطبة التذكير والتعليم، وقد اشتملت هذه السورة العظيمة على شيء عظيم من ذلك فيما يتعلق بالتعليم والتذكير، فيشرع ويسن لكل خطيب أن يقرأ هذه السورة، وإن لم يلتزمها في كل جمعة، فإن أخذ منها دفعات على فترات في هذه الجمعة آيتين أو ثلاث أو أكثر أو أقل حسب ما يقتضيه المقام،

стр. 1215

وفسرها بكلام النبي ﵊، وبكلام أهل العلم الموثوقين، ثم في الجمعة التي تليها يأخذ المقطع الثاني وهكذا أو يقرأها كاملة، ثم يفسر منها ما تيسر، أو ينتقي من آياتها ما يفسره اللفظ يحتمل، المقصود أن هذه السورة لأهميتها وعظمتها كان ﵊ يقرأها على المنبر ليذكر بها الناس. "رواه مسلم". "عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت)) متفق عليه" الاستماع لخطبة الجمعة واجب، والإخلال بهذا الاستماع والإنصات يعرض أجر الإنسان للذهاب والضياع، ويذهب تعبه سدىً، لو افترضنا أن شخصاً تكلف وبكر إلى الجمعة وجلس ينتظر الصلاة يذكر الله -جل وعلا-، ويصلي، ثم إذا جاء الإمام ودخل الإمام وشرع في الخطبة رأى شخصاً يتكلم قال له: أنصت، هذا أمر بالمعروف، ومع ذلك حسماً لهذا الباب، وسداً للتشويش وعدم الاستماع والإنصات مُنع حتى الأمر بالمعروف. ((إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت)) ومعلوم أن من لغا فلا جمعة له، كما سيأتي في الحديث الذي يليه، ليست له جمعة. "متفق عليه" وليس معناه أنه ليست له جمعة أن صلاته باطلة، أو أنه يؤمر بإعادتها، إنما هو نفي للثواب المرتب عليها، وإلا فالجمعة صحيحة ومسقطة للطلب. ثم قال -رحمه الله تعالى-:

стр. 1216

"وعنه -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ فأحسن الوضوء)) " يعني توضأ نحو وضوئه ﵊، ثم أتى الجمعة: ((من توضأ)) مما يدل على أن الوضوء يكفي، ويرتب عليه هذا الثواب العظيم، وهذا من أدلة عامة أهل العلم وجماهيرهم على أن غسل الجمعة ليس بواجب، وتقدم حديث: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)) وأن المعنى المراد به الوجوب اللغوي، يعني متحتم، متأكد؛ لكنه لا يعني الوجوب الشرعي، قد يقول قائل: إن الشرع جاء لبيان مصطلحاته لا المصطلحات العرفية أو اللغوية، لكن هذا المصطلح الوجوب، هذا مصطلح حادث، وقد لا يعنى به الوجوب الذي يأثم تاركه كما أن الكراهة لا تعني أن صاحبها لا يأثم، ولذلك يقول الله -جل وعلا-: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [(٣٨) سورة الإسراء] وفيها عظائم وموبقات منها الزنا والشرك وغيرها، يعني إذا قال قائل: كيف ألقى الله بقولي غسل الجمعة مندوب وسنة ورسوله ﵊ يقول: ((واجب))؟ نقول له أيضاً: كيف تقول: إن الزنا محرم والشرك محرم والله -جل وعلا- يقول: مكروه؟ هناك فرق بين الاصطلاحات العرفية الخاصة عند أهل العلم الذين اصطلحوا عليها، وتواضعوا عليها مع الألفاظ الشرعية، هناك فروق، والذي يبين ويحدد ويبين المراد هو الأدلة الأخرى، والنصوص الأخرى ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)) وهنا يقول: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت للخطيب غُفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام)) ذلكم لأن الحسنة بعشر أمثلها، فيغفر له عشرة أيام، ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام.

стр. 1217

((ومن مس الحصى فقد لغا)) يعني إذا أمر بمعروف قيل له: لغوت، يعني لا جمعة لك، إذا مس الحصى وفي حكمه العبث بجميع أشكاله حتى السواك أثناء الخطبة مثل مس الحصى ((فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له)) وهذه المغفرة إنما هي عند جمهور أهل العلم للصغائر دون الكبائر؛ لأنه جاء في أحاديث كثيرة التقييد بما اجتنبت الكبائر ((ما لم تغشَ كبيرة)) ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [(٣١) سورة النساء] ... إلى آخره، فدل على أن الكبائر كما هو قول جمهور أهل العلم أنها لا تغفر إلا بالتوبة، وأما هذه المكفرات إنما تكفر الصغائر، (لجمعة إلى الجمعة، ورمضان، والصلوات الخمس والعمرة إلى العمرة كلها مكفرات ((ما اجتنبت الكبائر)) ((ما لم تغشَ كبيرة)) لكن ما هذه الأعمال التي تكفر هذه الذنوب الصلوات الخمس تكفر، ورمضان إلى رمضان يكفر، والعمرة إلى العمرة تكفر، والجمعة إلى الجمعة تكفر، لكن المراد بهذه الأعمال التي تؤدى على الوجه الشرعي مخلصاً فيها لله -جل وعلا-، موافقاً فيها لما جاء عن نبيه ﵊، أما الصلاة التي لا يكتب لصاحبها من أجرها إلا عشرها، أو ربعها، أو سدسها هذه يقول شيخ الإسلام: "إن كفرت نفسها فبها ونعمت" هذه الصلاة، وقل مثل هذا في سائر العبادات، فضل الله عظيم ولا يحد، لكن مع ذلك هناك نصوص تدل على أن إتقان العمل هو المؤثر ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ [(٤٥) سورة العنكبوت] كثير من المسلمين يصلي، لكن لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر لضعفها، لا يخرج ليس له من صلاته إلا ما عقل، فقد يخرج بنصف الأجر، وقد يخرج بربعه، وقد يخرج بالعشر، وقد يخرج بمجرد إسقاط الطلب بحيث لا يمر بها ثانية، وليس له من صلاته إلا ما عقل، وكثير من الناس يدخل في صلاته ويخرج لم يعقل منها شيء، الصلاة التي تترتب عليه آثارها هي الصلاة التي يعقلها صاحبها، ويؤديها مخلصاً فيها لله -جل وعلا- متبعاً فيها لسنة نبيه ﵊، وشرط التقوى مطلوب في جميع العبادات للقبول الذي تترتب عليه آثار ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ

стр. 1218

الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة] ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [(٢٠٣) سورة البقرة] فلا يرتفع الإثم عن الحاج سواء تعجل أو تأخر إلا إذا اتقى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] فالتقوى شرط للقبول، بمعنى ترتيب الثواب على العمل، لا المراد به القبول المرادف للصحة، العمل صحيح ولا يطالب بإعادته مرة ثانية، وهو مسقط للطلب ولو لم يكن تقياً، ولذلك الإجماع قائم على أن الفساق لا يطالبون بإعادة العبادات؛ لأن الأجور المرتبة على هذه العبادات لا تتحقق إلا بالتقوى، فيتنبه لمثل هذه النصوص ((غُفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام)) العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، الصلوات الخمس ننتبه لهذه الأمور، ما هذه العبادات التي تكفر هذه الذنوب؟ أولاً: الذنوب المراد بها الصغائر عند الجمهور، وإن كان فضل الله -جل وعلا- أعظم من ذلك، لكن يبقى أن القيد معتبر ((ما لم تغشَ كبيرة)) ما اجتنبت الكبائر ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ﴾ [(٣١) سورة النساء] ... إلى آخره، المقصود أن الكبيرة لا بد لها من توبة. الأمر الثاني: أن هذه الأعمال المكفرة لا بد أن يراعى فيها شروط القبول من الإخلاص والمتابعة والتقوى لترتيب الثواب عليها ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غُفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا)) كثير من الناس دائم الحركة حركته تلقائية في صلاته، وفي جميع عباداته وأعماله، مثل هذا على خطر عظيم من مثل هذا الحديث ((من مس الحصى فقد لغا)) يعني كم يعدل ثوبه! وكم يدل شماغه! وكم يعبث بكمه أو بشيء آخر! هذا العبث لا شك أنه يقضي على الأجر المرتب على الجمعة ((فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له)) على ما سيأتي.

стр. 1219

"رواه مسلم، وفي لفظ: ((من اغتسل ثم أتى الجمعة)) " من اغتسل بدل من توضأ، فدل على أن الوضوء مجزئ، والغسل لا شك أنه أفضل للأمر به والحث عليه ((من غسّل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها)) فضل عظيم من الله -جل وعلا- لا يُحد، لكن من تجد من الناس من يعمل بمثل هذا إلا القليل النادر الموفق، وكثير من الناس إنما يأتي على حدود دخول الإمام إذا طويت الصحف، وحُرم من كل أجر تجده يدخل مع الإمام، أو قبيل الإمام، وأحياناً بعد الإمام، وهذه المسألة تحتاج إلى جهاد عظيم، يعني فيها أجور عظيمة لا يُشك فيها ((من جاء في الساعة الأولى فكأنما قدم بدنة)) كأنك ذهبت إلى السوق، واشتريت بدنة بثلاثة آلاف أو أربعة آلاف وذبحتها ووزعتها على المساكين والفقراء، هذا المبلغ تحتاج في جمعه إلى مدة، وهنا تأتي في الساعة الأولى بعد ارتفاع الشمس، وهذا في تصور كثير من الناس ضرب من الخيال، وإلا هم يسمعون هذه الأحاديث، ويصدقون بها، ويجزمون بها، ومع ذلك في أفعالهم كأنهم مكذبون، ويوجد من الموفقين جملة صالحة يعني عدد لا بأس به، وأنا انتظر ارتفاع الشمس في مسجد في جامع قبل أن أخرج امتلأ الصف الأول ونصف الثاني انتظاراً للجمعة مع ارتفاع الشمس، الصف الأول ونصف الثاني الناس جالسون ينتظرون الجمعة، ويدخل الشيخ الكبير والشاب ومجموعة من الشباب يسكنون في أقصى مكان في البلد، ثم يجلسون لانتظار طلوع الشمس في مسجد الحي، ثم إذا طلعت الشمس ذهبوا وتأهبوا لصلاة الجمعة بمقدار نصف ساعة، ثم ذهبوا على الأقدام مسافة طويلة إلى مسجد يصلى فيه على جنائز مشياً، مسافة طويلة لا تتصور أن المسألة عشرة كيلو أو أكثر، يعني حدود عشرين كيلو، هذا يحتاج إلى وقت طويل، يحتاج إلى ساعتين أو أكثر مشي، ثم بعد ذلك يذهبون إلى مسجد ينتظرون الجمعة، ويصلون على الجنائز، ويجلسون وينتظرون ساعة الاستجابة، فإذا صلوا المغرب رجعوا، يعني الخير موجود في أمة محمد وهؤلاء من الشباب، ويوم الجمعة يوم عبادة، نعم لا يخص بصيام، لكنه فيه هذه الساعة التي هي ساعة الاستجابة على ما سيأتي، المقصود أن الخير موجود في أمة محمد، لكن الحرمان لا نهاية له حتى في

стр. 1220

صفوف طلاب العلم، موجود.

стр. 1221

وفي لفظ لهم: ((من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قُدر له)) ما في حد؛ لأنه ما في راتبة قبل صلاة الجمعة ما في راتبة، يصلي ما قدر له، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يصلون حتى يدخل الإمام ((ثم أنصت)) أستمع ((حتى يفرغ الإمام من خطبته ثم يصلي معه)) بهذه القيود مجتمعة ((غفر له ما بينه وما بين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام)) كالحديث السابق، يعني يغفر له عشرة أيام، قد يقول قائل: لماذا أهتم بهذا الأمر وأنا مغفور لي من الصلوات الخمس وأعتمر فيغفر لي؟ لماذا أكلف نفسي، وأنا مغفور لي في الصلوات الخمس؟ بالعمرة إلى العمرة؟ وليس فيه حد محدد من العمرة إلى العمرة؟ المقصود أن مثل هذا الكلام لا يليق بمسلم فضلاً عن طالب علم؛ لأن فيه تزكية للنفس أن سيئاتك تكفيها الصلوات الخمس، ما عندك سيئات أخرى تحتاج إلى غفران، وتحتاج إلى تخفيف، وليس في علمك وتقديرك أن هذه العبادات تقربك إلى الله -جل وعلا- وتزيد من درجاتك عنده، وتخفف من سيئاتك التي لا تكفرها هذه الأعمال، فليحرص الإنسان على هذه المكفرات، يقول: أنا أصوم رمضان احتساباً، وأقوم رمضان احتساباً ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) ((يوم عرفة أحتسبُ على الله أن يكفر السنة الماضية والباقية)) قد يقول قائل: ما بقي شيء؛ لماذا نتعب؟ لو بقيت أشياء .. ، وما تدري قد يكون بعض الأعمال التي تحتسب أجرها عند الله -جل وعلا- تجدها غداً في ميزان سيئاتك، والسلف لمعرفتهم بحقيقة الأمر ما يمر عليهم مثل قوله -جل وعلا- ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [(٤٧) سورة الزمر] ما يمر مرور لا يفقهون معناه، مثل ما يمر علينا، يعني قد يقول الإنسان مثل هذا الكلام: أنا والله المكفرات كثيرة وواحد يكفي، نقول: لا، لعل وعسى، وافعل كل ما أمرت به، واجتنب كل ما نهيت عنه، وافعل كل ما حثك الشرع على فعله وعسى، وليس هذا من باب التيئيس، لكن الإنسان المعول على هذه النية وعلى هذا القلب، وعلى هذا الإخلاص قد يفلت منه الإنسان وهو لا

стр. 1222

يشعر، يفلت منه القلب، وتجتمع عليه الذنوب، ويجتمع عليه الران إلى أن يصبح منكوساً -نسأل الله السلامة والعافية-، وهو لا يشعر، وهو في تقديره أنه من خيار الناس، هناك أمور خفية تخفى على الإنسان، لكن عليه أن يجتهد، وعليه أن يبذل مخلصاً لله -جل وعلا- متبعاً في ذلك السنة. "وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت ليس له جمعة)) رواه أحمد من رواية مجالد وليس بالقوي" مجالد بن سعيد مضعف عند أهل العلم، ولا شك أن الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب، والذي يقول لصاحبه: أنصت ليست له جمعة، هذا له شواهد، وأما قوله: ((فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً)) هذا من حيث المعنى له وجه باعتبار أن هذا الذي يحضر إلى الجمعة، ويتكلف الحضور إليها، ويقوم من نومه إن كان نائماً، أو يترك أعماله إن كان عاملاً، ثم يأتي إلى الجمعة ثم بعد ذلك يتكلم، مثله في عدم إفادته من عمله ومشقته التي ارتكبها مثل الحمار يحمل أسفاراً، كتب كبار ومع ذلك لا يستفيد منها، وهذا يعمل الأعمال العظيمة ومع ذلك لا يستفيد منها، وإن كان بعضهم يحكم على هذه اللفظة بأنها غير محفوظة، وأن راويها ليس بالقوي، المقصود أن الكلام والإمام يخطب حتى الأمر بالمعروف بقول الإنسان لصاحبه: أنصت هذا له ما يشهد له في الصحيح، وأما الجملة التي مُثّل فيها بالحمار فمعناها صحيح، وإن كان فيها مقال لأهل العلم. قال ﵀:

стр. 1223

"وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب" دخل رجل المسجد والنبي ﵊ يخطب، قالوا: هو سُليك الغطفاني، كما جاء مصرحاً به في الصحيح، والحال أن النبي ﷺ يخطب "فقال ﵊: ((أصليت؟ )) " في بعض الروايات: ((ركعتين؟ )) يعني تحية المسجد " ((أصليت؟! )) قال: لا، قال: ((قم فصلِ ركعتين)) " سأله النبي ﵊ هل صلى احتمال أن يكون صلى في مكان بحيث لا يراه النبي ﵊، وهذا من أدب التعليم والتوجيه؛ لأنه لو قيل له: قم فصلِ مباشرةً يستثقلها على نفسه ولو لم يكن قد صلى، لكن إذا جيء له بالإنكار على صفة السؤال، وهذا أدب ينبغي أن يستصحبه طالب العلم، يسمع فتوى من عالم يستنكرها ويستنكرها غيره فيذهب إليه قال: أنت أفتيت بكذا، وهذا لا يجوز والدليل كذا، هذا يقبل منه وإلا لا؟ لا يمكن أن يقبل منه مهما كانت منزلته، إذا قيل له: سمعنا من يفتي بكذا، فما رأيك؟ أو ما رأيك بقول كذا؟ أو بقول الإمام الفلاني الذي أفتى بموجب قوله؟ لو افترضنا أن شخصاً من أهل العلم في هذه البلاد سُمع عنه أو أشيع عنه أنه يفتي بالنكاح بلا ولي، ما يؤتى إلى هذا الشخص ويقال: أنت أفتيت بجواز النكاح بلا ولي، وهذا قول مخالف مصادم للنص ((لا نكاح إلا بولي)) وجمهور أهل العلم على بطلان النكاح وهكذا، أنت الآن تتسبب في عدم رجوعه، لو قلت: ما رأيك في قول أبي حنفية مثلاً في صحة النكاح بلا ولي؟ ثم بيقول لك: قول صحيح ووجيه وإلى آخره، ثم يأتي بالأدلة التي يستدل بها، ثم تناقشه وترد عليه إلى أن يقتنع؛ لأن مسألة الإلزام بما تراه، أو ما يترجح عندك أو عند شيوخك هذا ليس بوارد، والإنسان عليه أن يعرف قدر نفسه، يعني بعض الناس يبلغه بعض الأحاديث وبعض الأخبار من الكبار، ثم يطبقها وهو صغير لا تليق به، شخص يُعدل الناس ويقوم الصفوف بالعصا، موجود، شيخ كبير إذا ما تعدل يقول: كان عمر يضرب الناس بالدرة، طيب وين عمر؟ أنت عمر؟! أنت ولي أمر؟! شاب صغير في العشرين من عمره أو يزيد قليلاً، ما زال في الجامعة يلقي درس فإذا بشيخ كبير على

стр. 1224

عمود ينعس، قم يقول للشايب، يقول للشيبة الكبير: قم، أجب، طيب وشلون؟ قال: ابن عثيمين يفعل هذا، يا أخي أين أنت من ابن عثيمين؟! هل الإنسان أن يعرف قدر نفسه من أجل أن يعمل بأقواله وتوجيهاته ونصحه وإرشاده، شيخ كبير بعمر جده يقول له: قم أجب، حتى لو صارت من صغير من قبل وأنت صغير، محتجاً بأن الشيخ ابن عثيمين ﵀ يفعل ذلك، إذا صرت مثل ابن عثيمين أصنع ما شئت، مع أن الشيخ ليس بمعصوم، لكن يبقى أنه له قدره ووزنه، فالأمور تقدر بقدرها. النبي ﵊ قال له: ((أصليت؟ )) قد يقول الخطيب: أنا في المحراب وفي المنبر وأنظر هذا الشخص ما إن دخل مع الباب جلس، يحتاج أن أقول له: صليت وأنا أجزم أنه ما صلى؟ نقول: قل له: أصليت ركعتين وما يضرك؟! ثم هو بنفسه يراجع نفسه، لكن إذا قلت له: قم فصلِ ركعتين مباشرة وبين الناس، هذا يمكن لا يستجيب؛ لأنه يتأول يقول: جمهور أهل العلم على أن الركعتين سنة، وأنا مصلٍ، يمكن يقول هذا الكلام، لكن إذا جئته بطريق الاستفهام قبل منك، وأذعن لك، ولا يرى أنك ترفعت عليه، أو أمرته بأمر صريح مباشر يثقل عليه، قال: ((أصليت؟! )) قال: لا، قال: ((قم فصلِ ركعتين)) هذه تحية المسجد، وسبق الكلام فيها، وأنها من ذوات الأسباب، وأن الجمهور على أنه لا يفعل شيء من النوافل حتى ما له سبب ولا تحية المسجد ولا غيرها في أوقات النهي مطلقاً، وقال الشافعية: أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي، والمسألة سبق بحثها. "قال: لا، قال: ((قم فصلِ ركعتين)) " وهو من أدلة من يوجب تحية المسجد كالظاهرية، وعامة أهل العلم على أن تحية المسجد سنة. "متفق عليه".

стр. 1225

"وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ﴿الم* تَنزِيلُ﴾ [(١ - ٢) سورة السجدة] السجدة و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [(١) سورة الإنسان] وأن النبي ﵊ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين" النبي ﵊ يفعل ذلك ديمة، يعني يداوم على قراءة ﴿الم* تَنزِيلُ﴾ [(١ - ٢) سورة السجدة] السجدة وسورة الإنسان، وكثير من الأئمة بحجة أنه لا يرغب في الإطالة على المأمومين، فإذا قرأ: ﴿الم﴾ السجدة وهي في ثلاث صفحات، ثم قرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ [(١) سورة الإنسان] وهي في صفحة ونصف قد يقول: قد أشق على المأمومين إلا أن أقرأها سرداً، نقول: لا، اقرأ كما أمرك الله، واقرأ بها، وداوم عليها تصيب السنة، وما عليك من نظر آخر؛ لأن هذا هو الثابت عن النبي ﵊، الذي يشق عليه القيام يجلس، الذي لا يستطيع القيام يجلس له خيار، وهذا لا يدخل في ((أيكم أم الناس فليخفف)) بل قال بعضهم: إن هذا من التخفيف، ما ثبت عن النبي ﵊ فهو داخل في دائرة التخفيف، يقرأ ﴿ألم﴾ السجدة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ [(١) سورة الإنسان] لأن يوم الجمعة يوم عظيم، اكتمل فيه الخلق، وفيه تقوم الساعة، وفيه البعث، وهو يوم المزيد، فهذا اليوم في هاتين السورتين ما يشير إلى ذلك، فالمناسبة في قراءتهما ظاهرة، يقرأ أيضاً في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين؛ لأن سورة الجمعة فيها الأمر والحث والسعي إليها، قد يقول قائل: إنه ما الفائدة من حث أناس قد حضروا؟ يعني كما قال أهل العلم فيما سيأتي في خطبة عيد الفطر أنه يحثهم على الصدقة صدقة الفطر، صدقة الفطر انتهى وقتها، فكيف يحثهم عليها؟ وكيف يحث أناس لصلاة الجمعة وقد حضروا؟ الذي ما حضر ما يسمع هذه الخطبة، على كل حال هذا هو الثابت عنه ﵊، ومناسبتها ليوم الجمعة أظهر من ظاهرة؛ لأنها خاصة في هذا اليوم، وكذلك سورة المنافقين لما عُرف من أن المنافقين الذين يتخلفون ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ويتخلفون عن الفجر، يتخلفون عن

стр. 1226

العشاء، يتخلفون عن كثير من الصلاة، يراءون الناس يحضرون لصلاة الجمعة، فتقرأ عليهم هذه السورة، وتقرأ على غيرهم ممن حضر خشية أن يوافق المنافقين وهو لا يشعر، يتساهل في أمر الصلاة، ويكسل فيها، ففيها التحذير من النفاق والمنافقين، وفيها حث للمنافقين على التوبة، وإتيان النبي ﵊ أن يستغفر لهم. "رواه مسلم". "وله عن النعمان بن بشير ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [(١) سورة الغاشية] وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضاً في الصلاتين" هذا عند مسلم من حديث النعمان بن بشير قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة" يعني إضافة إلى ما تقدم من سورة الجمعة والمنافقين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [(١) سورة الغاشية] قال: ((وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضاً في الصلاتين)) لأهميتهما في هذه المناسبة، وقد يقرأ بـ (قاف) واقتربت كما حصل في بعض الأعياد. سم. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين. قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى-: وعن إياس بن أرملة الشامي قال ... ابن أبي رملة. عف الله عنك. وعن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان، وهو يسأل زيد بن أرقم هل شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: "صلى العيدين، ثم رخص في الجمعة" فقال: ((من شاء أن يصلي فليصلِ)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم وصححه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلِ بعدها أربعاً)) رواه مسلم.

стр. 1227

وعن عمر بن عطاء بن أبي الخوار أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن أخت نمر، يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلم سلم الإمام قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إلي فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك أن لا توصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج. رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى حلة سيراء عند باب المسجد ... سِيَراء. عف الله عنك. رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك ... وللوفد. وللوفد إذا قدموا عليك، فقال رسول الله ﷺ : ((إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة)) ثم جاءت رسول الله ﷺ منها حلل، فأعطى عمر بن الخطاب منها حلة، فقال عمر: يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟ قال رسول الله ﷺ : ((إني لم أكسكها لتلبسها)) فكساها عمر بن الخطاب أخاً له بمكة مشركاً. متفق عليه، واللفظ للبخاري. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر، ومثل المهجر كمثل الذي يهدي البدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كالذي يهدي الكبش، ثم كالذي يهدي الدجاجة، ثم كالذي يهدي البيضة)) رواه مسلم. وعنه أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: ((فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه)) وأشار بيده يقللها. متفق عليه، وزاد مسلم "يزهدها" وفي رواية: ((وهي ساعة خفيفة)). رواية له. وفي رواية له: ((وهي ساعة خفيفة)).

стр. 1228

وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر ﵄: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة)) رواه مسلم، وقال الدارقطني: لم يسنده غير مخرمةٍ عن أبيه عن بردة. غير مخرمةَ. غير مخرمةَ عن أبيه عن بردة. عن أبي. غير مخرمةَ عن أبيه عن بردة. عن أبي بردة. عن أبي بردة. ورواه جماعة عن أبي بردة من قوله، ومنهم من بلغ به أبا موسى ولم يرفعه، والصواب أنه من قول أبي بردة. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن إياس بن أبي رملة الشامي قال: "شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم" معاوية هو الخليفة، وهو من جلة الصحابة ومن فضلائهم وعلمائهم، كتب الوحي، ومع ذلك لم يستنكف ولم يأنف أن يسأل من هو أعلم منه من صحابة النبي ﵊، "وهو يسأل زيد بن أرقم هل شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ " عيدين! كيف يجتمع عيدان؟ ممكن أن يجتمع الفطر والأضحى؟ إنما يجتمع الأضحى، أو الفطر مع الجمعة "هل شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم واحد، قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيدين ثم رخص في الجمعة" نعم صلى العيد، عندنا العيدين ... إيش عندك؟ طالب:. . . . . . . . . نعم هذا هو الصحيح، صلى العيد الذي هو إما فطر وإما أضحى، ثم رخص في الجمعة "فقال: ((من شاء أن يصلي فليصلِ)) " لأن المطلوب سماع الذكر والخطبة والاجتماع، فإذا حصل بصلاة العيد رخص في العيد الثاني الذي هو الجمعة؛ لأن الجمعة إنما شرعت من أجل الاجتماع وحصل هذا الاجتماع، ومن أجل التذكير وحصل هذا التذكير، فتغني صلاة العيد عن صلاة الجمعة. "قال: ثم رخص في الجمعة فقال: ((من شاء أن يصلي فليصلِ)) " لكن من لم يصلِ، الإمام لا بد أن يصلي، ولا بد أن يصلي معه من تقوم به الجمعة، وأما من صلى العيد فلا يلزمه أن يصلي الجمعة على أن يصلي فرض الوقت التي هي الظهر، يعني الجمعة يرخص فيها، لكن إلى بدل وهو الأصل الذي هو صلاة الظهر ...

стр. 1229

فيصلي الذي لا يصلي الجمعة يصليها ظهراً؛ لأن ما شرعت من أجله الجمعة حصل بحضور صلاة العيد، ومن صلى الجمعة والعيد كما فعل النبي ﵊ فهو أكمل. "رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم وصححه" ومن أهل العلم من ضعفه، لكن له طرق يشد بعضها بعضاً، يصل فيها إلى درجة الصحيح لغيره، فصلاة الجمعة على أهميتها وتأكدها تسقط عمن حضر صلاة العيد، لكن الذي لا يصلي العيد أو لم يحضر صلاة العيد فإنها تلزمه صلاة الجمعة، ومعنى سقوط صلاة الجمعة أنها يسقط وجوبها ويبقى استحبابها، ويبقى بدلها وهو صلاة الظهر. قال: "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلِ بعدها أربعاً)) رواه مسلم" هذا الأمر فيه دليل على تأكد واستحباب صلاة أربع ركعات بعد صلاة الجمعة، والأمر بهذا صريح ((فليصلِ بعدها أربعاً)) والنبي ﵊ ثبت عنه أنه إذا صلى الجمعة دخل بيته فصلى ركعتين، وشيخ الإسلام يجمع بين هذا الأمر وبين فعله ﵊ بصلاة ركعتين أن راتبة الجمعة إن صليت في المسجد الراتبة .. ، عرفنا أنها ليس لها راتبة قبلية يصلي ما شاء، يصلي ما كتب له من غير حد، لكن البعدية إن صلى في المسجد صلى أربعاً، وإن صلى في البيت صلى ركعتين، وبهذا تجتمع النصوص، وبعضهم قال: يصلي بعد الجمعة ستاً، أربعاً في المسجد لأمره ﵊، وركعتين في بيته لفعله ﵊، لكن جمع شيخ الإسلام ﵀ متجه إذ لم يحفظ أنه ﵊ صلى في المسجد. "وعن عمر بن عطاء بن أبي الخوار أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن أخت نمر يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلم سلم الإمام قمت في مقامي فصليت" وأنتم ترون في المسجد الحرام بكثرة من إذا صلى لم يستغفر، لا يستغفر ولا ثلاث، يقوم مباشرة إلى الراتبة، وهذا ظاهر عند الحنفية من الأتراك والهنود والباكستانين وغيرهم، يصلون الفريضة ثم يقومون مباشرة إلى النافلة.

стр. 1230

قال: "فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إليّ، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج" إذا حصل الفاصل بين الفريضة والنافلة بكلام أو انتقال من المكان أو خروج من المسجد أمن اللبس الذي قد ينشأ عند بعض من يرى هذا الذي يصلي الصلاة بالصلاة أنه يزيد في فرضه، وأن ما فعله تابع لفريضته، ينبغي أن يفصل، ولا توصل صلاة بصلاة، ولا توصل صلاة الجمعة بنافلتها. قال: "إذا صليت الجمعة" ومثلها جميع الصلوات لا توصل بصلاة أخرى، بل عليه أن يتكلم "نعرف انقضاء صلاته ﵊ بالتكبير" "وكان إذا سلم استغفر ثلاثاً، يقول: ((استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله)) ثم يأتي بالأذكار المتعلقة بالصلاة، ثم يأتي بعد ذلك بالراتبة بعد أن يتكلم، أو ينتقل من مجلسه الذي صلى فيه. جاء في الصحيح في البخاري يُذكر عن أبي هريرة: "لا يتطوع الإمام في مكانه" ولم يصح، يعني ما صح في الأمر بالانتقال من المكان إلى مكان آخر، هذا الخبر الذي ذكره الإمام البخاري لم يصح، وعلى هذا لو تكلم وفصل بين الفريضة بالأذكار، ثم صلى في مكانه الذي صلى فيه لا إشكال في ذلك، ما في إشكال؛ لأن الخبر لم يصح، لكن أهل العلم يستحبون مثل هذا لتكثير مواضع الصلاة التي تشهد للمصلي، فكونه يصلي في أكثر من مكان هذه المواضع تشهد له يوم القيامة ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [(١٢) سورة يس] وهذا من آثارهم. "فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك أن لا توصل صلاة" يعني بصلاة أخرى، راتبة بنافلة، "حتى نتكلم أو نخرج" حتى الفريضتين المجموعتين يفصل بينهما بالإقامة للثانية. وأما ما يتعلق بأذكار الصلاة الأولى من المجموعتين فنظراً للجمع المقتضي عدم التفريق إلا بشيء يحقق ما جاء في هذا الحديث فإن أذكارها تسقط، وتكون من السنن التي فات محلها، والأذكار يؤتى بها بعد الثانية. "رواه مسلم".
следующие страницы →