← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6366

شرح المحرر في الحديث - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

" ((فنأمر لك بها)) قال: ثم قال: ((يا قبيصة)) " وعظه ﵊، وهكذا يجب أن يذكر الإنسان إذا أرد أن يأخذ صدقة يذكر بمثل هذا " ((إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجلٍ)) " بدل من أحد، ويجوز الرفع على تقدير مبتدأ، أحدهم رجلٌ. ((رجلٍ تحمل حمالة)) يعني مثلما أنت فيه يا قبيصة ((فحلت له المسألة حتى يصيبَها ثم يمسك)) هذه الحمالة قدرها إيش؟ عشرة آلاف ريال، لا يجوز أن يأخذ عشرة آلاف وريال، إنما يأخذ عشرة آلاف فقط، حتى يصيبها ثم يمسك، لا يجوز أن يأخذ زيادة على ذلك. ((ورجل أصابته جائحة)) كارثة سماوية أو أرضية ((اجتاحت ماله)) حريق، غرق، صاعقة، آفة من الآفات، ظالم غشوم سطا على أمواله فاستولى عليها، هذه جوائح؛ لأنها تجتاح المال كله ((ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله)) يعني أهلكته وأتت عليه كله، أما ما يأتي على اليسير، ويترك الكثير هذا ليس بمبرر للمسألة، أو الذي يأتي على الكثير، ويبقي شيء يكفي هذا أيضاً ليس بمبرر للمسألة. ((اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش)) يعني ما تقوم به حاجته فقط من غير زيادة على ذلك، شخص عنده بضائع بعشرات الملايين في سفينة غرقت هذه الأموال وعاد فقيراً، هل نقول: يأخذ من الزكاة والصدقات بقدر ما تلف من ماله؟ لا، يأخذ حتى يصيب قواماً من عيش، أو سداداً من عيش، يعني ما يسد حاجته من غير زيادة على ذلك. ((ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى)) أعسر عسراً شديداً، فمثل هذا وقد عرف قبل ذلك بغنى، أما من عرف بالفقر هذا لا يحتاج إلى أن يقيم بينة يُصدق، والمجهول الذي لا يعرف بفقر ولا غنى يكفي إقامة بينة ترجح غلبة الظن أنه محتاج، وأنه فقير، أما من عرف بغنى ثم أصيب بفاقة هذا لا بد أن يحضر ثلاثة من ذوي الحجى، ذوي العقول، الذين يقدرون الأمور قدرها؛ لأن بعض الناس عنده عاطفة، ويحب النفع للآخرين، ثم بعد ذلك يتساهل في أداء الشهادة، مستعد ليشهد لكل من قال، لا، نحن نريد أهل دين وعقل يعرفون متى يشهدون، ويعرفون متى يمتنعون.

стр. 1437

((حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه)) الذين يعرفونه ويعرفون حاله، أما البعيد ن الناس فإنه قد يشهد على ظن أو خاطر وقع في قلبه، أو إشاعة، إشاعة فلان محتاج، الناس يتداولون هذا إشاعة، وبعض الناس يشهد للإنسان من خلال ظاهره، يلبس الأثمال من الثياب، ويركب الرديء من السيارات، ثم يحضر من يشهد له، بعض الناس يأتي عشرة يشهدون له فقير والبنوك مملوءة بالأرصدة، لكن بهذا القيد من ذوي الحجى، يعني أصحاب العقول، الذين يقدرون للأمور قدرها، من أصحاب الديانة، الذين لا يتسارعون في الشهادة الذي جاء ذم من يسارع إليها. ((حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه)) فيشهدون، والأسلوب ((لقد)) كأن فيه تأكيد الشهادة باليمين؛ لأن اللام قد تكون واقعة في جواب قسم مقدر، والله لقد أصابت فلاناً فاقة؛ لأن الأمر ليس بالسهل، ما يقول قائل: والله هذه زكاة رايحة رايحة، وفلان أولى بها، فلان يستعين به على طاعة الله، وغيره قد يستعين بها على .. ، لا، لا، ما أنت مسئول عن الخلق، مسئول عن نفسك، فأعد الجواب عن نفسك. ((لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش)) مثلما تقدم ما تقوم به حاجته، ويسد فاقته. ((فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت)) حرام ((سحت يأكلها صاحبها سحتاً)) فتقضي عليه، وعلى أمواله، فتقضي عليه، وكل جسد نبت على سحت فالنار أولى به. "رواه مسلم وأبو داود، وقال: حتى يقول" بدل يقوم "حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى" بدل يقوم وفي رواية: يقوم، ومثله حديث عبادة: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، على أن نقول، أو قال: نقوم بالحق لا نخاف في الله لومة لائم، فنقوم جاءت في هذا الحديث وذاك الحديث، وفي رواية: نقول. "وعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال: اجتمع" وفي بعض كتب التراجم تسميه المطلب بدون عبد، فلا يتم الاستدلال على جواز التسمية بعبد المطلب؛ لأن النبي ﵊ ما غيره، يعني استدل بإبقاء عبد المطلب هذا على هذه الصفة من يقول بجواز التسمية بعبد المطلب.

стр. 1438

ابن حزم يقول: لا يجوز التعبيد لغير الله -جل وعلا- حاشا عبد المطلب، واستدل بأن النبي ﵊ قال: ((أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)) لكن هذا لا يتم به الاستدلال، لماذا لم يغير النبي ﵊ اسم جده؟ لأنه قد مات، وليس بمسلم، والذي يغير اسمه من يدخل في الإسلام، عبد المطلب الذي معنا مسلم استدل به من يقول بجواز التسمية بعبد المطلب، ولا يتم الاستدلال؛ لأن اسمه كما هو محرر عند جمع من المحققين المطلب بدون عبد.

стр. 1439

"ابن ربيعة بن الحارث قال: اجتمع ربيعة بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب، فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين -قالا لي" عبد المطلب الراوي "وللفضل بن عباس" لأنهما بلغا سن النكاح، وليس عندهما شيء يصدقانه من يتزوجانه منه "قالا لي وللفضل ابن عباس" "لو بعثنا هذين الغلامين قالا لي" يعني في شأني وشأن الفضل بن عباس "لو بعثنا هذين الغلامين إلى رسول الله ﷺ فكلماه، فأمرهما على الصدقة" أمرهما على الصدقة من أجل أن يأخذا العمالة، أجرة عملهما لا يأخذان من نفس الصدقة، وإنما باسم العامل عليها "فأديا ما يؤدي الناس" من الزكوات "وأصابا مما يصيب الناس" من أجرة العامل "قال: فبينما هما في كذلك جاء علي بن أبي طالب فوقف عليهما، فذكرا له ذلك" استشاراه، أو بلغاه بما أرادا "فقال علي: لا تفعلا" علي ﵁ وأرضاه- معه فاطمة بنت الرسول ﵊ "فقال علي: لا تفعلا، فو الله ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث، فقال: والله" يعني وقف في وجه وخاصمه وحاجه، "والله ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا" غيرة، تخشى أن نزاحمك، تخشى أن ننافسك عند الرسول ﵊ "فو الله لقد نلت صهر رسول الله ﷺ " نلت هذا اللقب وهذا الشرف العظيم، وهو مصاهرة النبي ﵊ على أفضل بناته، بل أفضل نساء العالمين على قول جمع من أهل العلم "لقد نلت صهر رسول الله ﷺ فما نفسناه عليك" يعني ما غرنا عليك، ولا ضايقناك، ولا .. "فقال علي: أرسلوهما" شأنكم، يعني المسألة نصيحة ما قبلتم النصيحة أرسلوهما، "فانطلقا واضطجع" علي ﵁ "قال: فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجر، فقمنا عندها" ينتظرون الرسول ﵊، الحجر متوالية "فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا، ثم قال: ((أخرجا ما تصرران)) " يعني ما تزوران في نفسيكما، يعني لأي شيء جئتما؟ أبرزا ما في صدوركما، يعني كأن الصدر وعاء للكلام، كما أن من أراد أن يخفي شيئاً يجعله في صرة ويربطها " ((أخرجا ما تصرران)) ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذٍ عند زينب بنت جحش،

стр. 1440

قال: فتواكلنا الكلام" عندهم ما يوجد شيء من التردد بسبب كلام علي، ولذا لم يبادرا، كل واحد يبادر الثاني بالكلام، كل واحد وكل الكلام إلى الآخر، قال: لعله هو الذي يبدأ "فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا" يعني لما ترددنا لا بد من أن يتكلم واحد منا، تكلم أحدنا "فقال: يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل، وقد بلغْنا النكاح، وجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات" يعني ما جاءا يسألانه من الصدقة، لا، إنما يسألان العمالة على الصدقة؛ ليستحقا ما يستحقا في مقابل عملهما "وجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي الناس، ونُصيب كما يصيبون؟ " زكوات الناس نعطيك إياها، وأجرتنا وعمالتنا نأخذها. "قال: فسكت طويلاً حتى أردنا أن نكلمه" سكت ﵊ سكوتاً طويلاً؛ لأن الأمر الذي طلباه غير سائغ وغير لائق، ولا يجوز، لكن الحكم يخفى عليهما، ولذلك اكتفى بهذا "فسكت طويلاً حتى أردنا أن نكلمه، قال: وجعلت زينب تُلمع إلينا من وراء الحجاب" وهي أم المؤمنين "تلمع إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه" كأنها حركت الستار، وقالت: لا تكلماه "قال: ثم قال: ((إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس)) " وهم من آل محمد، هم من الآل، الصدقة سواء كانت الزكاة التي تؤدى باسم الفقر، وكذلك الزكاة التي تؤدى باسم العمالة؛ لأن العمل والكسب متفاوت تفاوت كبير جداً، وإن كان في مقابل عمل، ومقابل كد، ومقابل عرق وجهد، فتتفاوت من أطيب المكاسب الذي هو كسب النبي ﵊، ((وجعل رزقي تحت ظل رمحي)) والزراعة التي يقول جمع من أهل العلم أنها أفضل المكاسب، والصناعة التي هي كسب داود ﵇، إلى أن تنتهي إلى الحجامة، وهي في المقابل عمل، لكنه كسب دنيء رديء، ليس بمحرم، لكنه دنيء، كسب الحجام خبيث، يعني رديء وليس بحرام؛ لأنه لو كان حراماً ما أعطى النبي ﵊ الحجام ديناراً، لكنه رديء ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ﴾ يعني الرديء ﴿مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] العمالة هذه بالنسبة لسائر الناس في مقابل عمل وأجرة عمل لا إشكال فيها، لكن بالنسبة لآل محمد لا تحل لهم.

стр. 1441

((إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس، ادعوا لي محمية)) وكان على الخمس" وكان مسئول على الخمس " ((أدعوا لي محمية)) وكان على الخمس، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، قال: فجاءاه، فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك، للفضل بن عباس، فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث أنكح هذا الغلام ابنتك –لي-" يعني لعبد المطلب بن ربيعة "فأنكحني، وقال لمحمية: ((أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا)) " يعني من سهم ذوي القربى، هذا ما فيه منة لأحد، وليس من أوساخ الناس، وإنما هو شيء فرضه الله -جل وعلا- للآل، لذوي القربى، والسبب في منعهم من الزكاة أنها أوساخ الناس، وهم من المنزلة العليا من الشرف والمكانة بسبب قربهم من النبي ﵊، لا يليق بهم أن يأكلوا من أوساخ الناس، ولذا لما حرموا من الزكاة فرض لهم من الخمس، هذا الطرد، حرموا من الزكاة ففرض لهم من الخمس، العكس صحيح وإلا ليس بصحيح؟ إذا حرموا من الخمس، أو ما كان هناك خمس يعطون من الزكاة وإلا ما يعطون؟ نعم؟ يعني هل المسألة تصح طرداً وعكساً أو طرداً دون عكس؟ ما في خمس، ما في جهاد ما في خمس، من أين يأكل آل البيت؟ يعطون من الزكاة ولو كانت من أوساخ الناس أو ما يعطون؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . المسألة خلافية بين أهل العلم، منهم من يقول: إنهم إنما حرموا من الزكاة لما لهم من الخمس، وما دام حرموا من الخمس يعطون من الزكاة، ومنهم من يقول: الوصف ثابت ((إنما هي أوساخ الناس)) لا يزيل هذا الوسخ وجود خمس أو عدم وجوده، وعلى كل حال يفرض لهم من بيت المال ما يكفيهم بلا منة لأحد، وهم أولى من يكرم، وأولى من يعطى، وهم وصية النبي ﵊، فلا بد من إكرامهم، وحقهم على الأمة عظيم بسبب قربهم من النبي ﵊، وبوصيته بهم.

стр. 1442

الطرد والعكس مثلما يقال في قول ابن عمر: لو كنت مسبحاً لأتممت، يعني لو كنت متنفلاً في السفر لأتممت الصلاة، صليت صلاة تامة، ما دام خفف من الصلاة الفريضة فلماذا أتكلف السبحة النافلة، والمسافر يكتب له ما كان يعمله مقيماً؟ بعضهم يعكس يقول: إذا أتم يسبح، يعني صلى خلف مقيم، كما يصلي المسافرون هنا في البيت الشريف، صلى أربع يتنفل، الوصف المؤثر هل هو الإتمام أو السفر؟ نعم السفر، السفر انقطع وإلا ما انقطع؟ موجود السفر، فإذا صح طرد قد لا يصح عكس، وهذا نظير مسألتنا؛ لأنه يوجد من يقول: الذي يتم يتنفل؛ لأن مفهوم قوله: لو كنت مسبحاً لأتممت، أنه إذا أتم عليه أن يسبح، نقول: لا، الوصف الذي من أجله ترك التنفل في السفر عدا الوتر وركعتي الفجر التي كان يداوم عليها النبي ﵊ سفراً وحضراً هو الوصف المؤثر هو السفر وجوداً وعدماً. "قال الزهري: لم يسمه لي" لم يسم الصداق لي، لماذا؟ لأنه لا يترتب عليه فائدة، ما يترتب عليه حكم، إنما الحكم المستنبط من هذا الحديث أن الصدقة لا تحل لآل محمد، وقد يقول قائل: هو ما أخذه صدقه أخذه أجرة، نقول: حتى الأجرة المأخوذة من الصدقة هي أوساخ الناس، هذا إذا كانت الأجرة مأخوذة من الصدقة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [(٦٠) سورة التوبة] لكن إذا كانت الأجرة من بيت المال؟ هذا موظف براتب، اذهب فأتِ لنا بزكاة آل فلان وزكاة آل فلان ويسجل له أسماء، ويستحصل هذه الزكوات، نقول: أوساخ الناس؟ هو أجير، هو موظف، فالعمالة الممنوعة إذا كانت تؤخذ من الصدقة نفسها.

стр. 1443

"وفي طريق آخر: فألقى علي رداءه ثم اضطجع عليه" اضطجع عليه، علي ينتظر النتيجة، هو حذرهم ونهاهم فما امتثلوا، جلس ينتظر النتيجة "ثم اضطجع عليه، وقال: أنا أبو حسن القرم" صاحب الرأي والمعرفة والخبرة، يقول مثل هذا في مثل هذا الموطن الذي لم يقبل فيه كلامه، وقد يحتاج الإنسان التصريح ببعض الأمور التي لا ينبغي التصريح بها في بعض المواطن التي يهضم فيها، ابن عمر قيل له: إنه عيي، يعني لا يستطيع أن يتكلم، قال: كيف يكون عيياً من في جوفه كتاب الله؟! الإنسان إذا هضم ولم يستشعر مع ذلك الترفع والعظمة على الغير لا مانع أن يصرح ببعض الشيء الذي يرد إليه شيئاً من اعتباره، فقوله: "أنا أبو حسن القرم" لما سمع الجواب عرف أن الرسول ﵊ لا يوليهم مثل هذا، كلامه صواب، لا تكلمونه في العمالة، كلموه في الصداق، اسألوه أن يعطيكم ما يعينكم على الصداق، لا من الصدقة، ولا من العمالة عليها. "والله لا أريم مكاني" يعني أنا أتوقع، توقع علي ﵁ أن يكون جواب النبي ﵊ كما قال "والله لا أريم" يعني لا أبرح ولا أعدو "مكاني" هذا "حتى يرجع إليكما ابناكما بحور ما بعثتما به" يعني حتى يرجعا بما بعثتموهما به "إلى رسول الله ﷺ ". وقال في الحديث: "ثم قال: ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)) " وهذا تقدم "رواه مسلم". "وعن جبير بن مطعم قال: مشيت أنا" هذا عطف على الضمير المتصل وقد وجد الفاصل وجوباً "مشيت أنا وعثمان" وهذا الذي سألنا عنه قبل في ضمير النصب، وأنه لا مانع من العطف عليه بغير فاصل، أما ضمير الرفع المتصل لا بد من الفاصل "مشيت أنا وعثمان" وإن على ... طالب:. . . . . . . . . أيوه بدون. طالب:. . . . . . . . . إيه لكن قد يرد، بيجيك في النظم الحين. وإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل كما هنا. . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . فافصل بالضمير المنفصل أو فاصل ما. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . أي فاصل. . . . . . . . . . وبلا فصل يرد ... في النظم فاشياً وضعفه اعتقد

стр. 1444

هذا في النظم خاصة، وأما في النصوص النثرية لا بد أن يوجد، وحذفه من تصرف الرواة. "مشيت أنا وعثمان بن عفان ﵄ إلى النبي ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : ((إنما بنو المطلب وبنو هاشم، شيء واحد)) " جبير بن مطعم بن نوفل بن عبد مناف، عثمان بن عفان بن عبد شمس بن عبد مناف، المطلب بن عبد مناف، هاشم نعم؟ ابن عبد مناف، كلهم يجتمعون في جد واحد، كلهم بمنزلة واحدة، يجتمعون في جد واحد، أربعة أبوهم واحد، الرسول ﵊ يعطي من خمس خيبر بطنين ويحرم اثنين، وهم بمنزلة واحدة، لماذا؟ يعني استغرب جبير بن مطعم وعثمان بن عفان أن يعطى بنو المطلب وبنو هاشم، ويحرم بنو نوفل وبنو عبد شمس، وهم كلهم إخوة. أجاب النبي ﵊ فقال: ((إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد)) يعني لم يختلفوا ولم يفترقوا في جاهلية ولا في إسلام، ولما حصر بنو هاشم في الشعب انضم إليهم بنو المطلب بخلاف بني نوفل وبني عبد شمس، هؤلاء لم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام، فيكون حكمهم واحد، وإن كان الجد واحد، والغنم مع الغرم، والخراج بالضمان، هؤلاء أعطوا من الخمس، لكن يحرمون من الصدقة، وهذا وجه الشاهد من الإتيان بهذا الحديث في هذا الباب، يعطون من الخمس، لكن يحرمون من الصدقة، يحرم بنو نوفل وبنو عبد شمس من الصدقة؟ لا؛ لأنهم لا يعطون من الخمس، فالحكم يختلف، فمن يأخذ من الخمس يحرم من الصدقة، والذي يحرم من الصدقة لا يحرم من الخمس. "رواه البخاري". وعن رافع بن خديج .... فدل على أن الآل الذين تحرم عليهم الصدقة هم بنو المطلب وبنو هاشم.

стр. 1445

"وعن رافع بن خديج ﵁ قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب" والد معاوية من مسلمة الفتح، ومن الملأ، ومن أعيان القوم ووجهائهم "وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة من الإبل" يعني شيء كثير جداً، يعني فوق الحاجة، إنما هو باسم الفقر؟ لا، باسم المسكنة؟ لا، باسم العمالة؟ لا، إنما هو بالتأليف ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [(٦٠) سورة التوبة] والتأليف مصرف من مصارف الزكاة، فيؤلف المسلم الذي في ديانته رقة، ويخشى عليه أن يرتد، يؤلف الكافر الذي يرجى إسلامه، فيعطى فيكون من المؤلفة قلوبهم، ويؤلف الكافر الذي يخشى شره، فيعطى دفعاً لشره، ويدخل الجميع في سهم المؤلفة قلوبهم. أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل "وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك" نقصه، ما هان الأمر على عباس بن مرداس، وهو شاعر، وله ديوان مطبوع، معروف "فقال عباس بن مرداس" شعراً: أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع؟ فما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع يعني ما كان آباؤهم وأجدادهم خير من آبائي وأجدادي. وما كنت دون امرئ منهما ... . . . . . . . . . حتى ولا أنا بأقل شأناً من واحد منهما. وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تخفض اليوم لا يرفع

стр. 1446

يعني أنت الرسول ﵊، المقدم في الأمة، يعني إذا خفضت أحد في مثل هذا اليوم فإنه لن تقوم له قائمة، لن يرتفع أبداً، يُعرف قدره ومنزلته من خلال إعطائك له، لكن هل الذي يتم به تقدير الأشخاص والتفاضل بين الناس هو بالعطاء؟ بعطاء الأموال أو بالتقوى؟ بالتقوى، ولذا لما قسم النبي ﵊ الغنائم وأعطى المهاجرين وأعطى الأعراب وأعطى وأعطى، ثم ترك الأنصار، الأنصار وجدوا في أنفسهم شيء، هل لأنهم أقل شأناً عند النبي ﵊؟ لا؛ لأنهم أرفع شأناً عنده ﵊، لكن كل ينظر إلى الأمور وتقديرها بحسب ما ألف وجبل عليه، الرسول ﵊ هذه الأمور لا تعني شيئاً ألبتة عنده، أعطى غنماً بين جبلين، لا تهمه هذه الأمور، ثم لما رأى ما في وجوه الأنصار من تغير، قال: ((أما ترضون أن يرجع الناس بالشاء والبعير، وترجعون برسول الله ﷺ ؟ )) ((الأنصار شعار، والناس دثار)) يعني الأنصار أقرب الناس إلى النبي ﵊؛ لأن الشعار هو اللباس الذي يلي البدن مباشرة، والدثار الذي يلبس فوقه. قال: "فأتم له رسول الله ﷺ مائة" ما دام هذا اهتمامه كملوا له المائة، ويش المانع؟ "وفي رواية: وأعطى علقمة بن علاثة مائة، رواه مسلم". "وعن أبي رافع ﵁ أن النبي ﷺ بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني" أبو رافع مولى للنبي ﵊، مولى للنبي ﵊ أعطاه إياه العباس، فلما أخبره بإسلام العباس أعتقه النبي ﵊.

стр. 1447

"أن النبي ﷺ بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني فإنك تصيب منها" تصيب من هذه الصدقة، أو من العمالة على الصدقة، أقسم لك مما يضرب لي بسبب العمالة، "قال: حتى آتي النبي فأسأله" هكذا ينبغي أن يكون وضع المسلم، لا يتصرف إلا بسؤال أهل العلم، قال: لا، "حتى آتي النبي ﵊ فأسأله" والناس اليوم بسبب رقة الديانة عند كثير منهم تجده يزاول المحرم المجمع على تحريمه، وهو جاهل، وأهل العلم بين ظهرانيه. شخص يطلق امرأته قبل الدخول، ثم يراجعها بلا عقد، ويعاشرها مدة طويلة، في بلد مُلئ بأهل العلم، يظن أن له الرجعة، وهو طلق قبل الدخول بانت منه، وليس عليها عدة، لا بد من .. ، إذا أراد الرجعة أن يكون بعقد جديد، يعاشرها حرام، في بلد يزخر بالعلماء، وهذا مولى ويقول: اصحبني وأعطيك مما أصيب منها، والله المستعان. قال: "لا، حتى آتي النبي ﵊" وهذا الباب أسهل بكثير من باب النكاح وباب الفروج والاحتياط لها "حتى آتي النبي ﷺ فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: ((مولى القوم من أنفسهم، وإنها لا تحل لنا الصدقة)) " خلاص ما دام منهم معناها أنها لا تحل لهم، فلا تحل لبني هاشم ولا لبني المطلب ولا لمواليهم لهذا الحديث ((مولى القوم من أنفسهم)) وجاء في حديث صحيح: ((ابن أخت القوم منهم)) افترض أن واحد من آل البيت لا تحل له الصدقة، لكن عنده بنت تزوجت رجلاً بعيداً كل البعد عن آل البيت، فولدت ولداً هذا الولد تحل له الزكاة وإلا ما تحل؟ هاه؟ يعني تزوجت، من آل البيت تزوجت رجل من هذيل مثلاً، أو من تميم، فجاءت بولد هي لا تحل لها الصدقة؛ لأنها من آل البيت، ولدها؟ من تميم أو من هذيل، أو من أي قبيلة؟ طالب:. . . . . . . . . ما هو بها الحديث اللي معنا، لا. طالب:. . . . . . . . . نعم ((ابن أخت القوم منهم)) هل نقول: إن هذا الولد التميمي أو الهذلي من آل البيت؟ لا، قد يطلق الحكم لأدنى مناسبة، وقد يكون وجه الشبه من وجه دون وجه، ما يلزم أن يكون من جميع الوجوه، فهذا ليس من آل البيت، حكمه حكم أبيه، لكن جئنا به لمناسبة ((مولى القوم من أنفسهم)).

стр. 1448

"رواه الإمام أحمد وأبو داود، وهذا لفظه، والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح". ثم قال ﵀: "وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر العطاء" من غير مسألة ولا استشراف "فيقول له عمر ﵁: أعطه يا رسول الله أفقر مني إليه، فقال له رسول الله ﷺ : ((خذه فتموله، أو تصدق به)) " تصرف به " ((خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل)) " ما تعرضت، ولا استشرفت أنه يأتيك شيء من هذا المال، ولو في قرارة نفسك، لا تصريح، ولا تلميح، إذا جاءك بغير هذا كله ((فخذه، وما لا ... )) يحصل لك بهذه الطريقة من غير سؤال ولا استشراف ((فلا تتبعه نفسك)). فما جاءك من بيت المال، أو من السلطان بهذا القيد، ما سألت ولا استشرفت خذه، وجاء في الصحيح -في صحيح مسلم-: ((ما لم يكن ثمناً لدينك، أما إذا كان ثمناً لدينك فلا)) لأن بعض الناس يبادر بالعطاء، لكن له مقاصد وله مآرب من هذا العطاء، فمثل هذا إذا أدركته، أو أحسست به، أو شممت أدنى رائحة أنه معاوضة فلا تقبل، فلا تتبعه نفسك. "قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر" لما قيل لأبيه ما قيل "كان ابن عمر" وهو الصحابي المؤتسي الحريص المتحري المبادر بالامتثال "كان ابن مر لا يسأل أحداً شيئاً" ألبتة "ولا يرد شيئاً أعطيه" من غير مسألة ولا استشراف "رواه مسلم". اقرأ الباب الذي يليه. قال ﵀: باب: في المسألة عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم)) متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر)) رواه مسلم. وعن الزبير بن العوام عن النبي ﷺ ((لأن يأخذ أحدكم حبلة فيأتي بحزمة)) ... إيش؟ ((لأن يأخذ أحدكم حبلة فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)) رواه البخاري.

стр. 1449

وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطاناً، أو في أمر لا بد منه)) رواه الترمذي وصححه. وعن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله ﷺ : أسألُ؟ فقال النبي ﷺ : ((لا، وإن كنت سائلاً لا بد فاسأل الصالحين)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب: في المسألة يعني سؤال الناس شيئاً من حطام الدنيا "نهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال" وجاء النهي عن المسألة، إكثار المسائل حتى فيما يظن أنه من العلم، مع أنه جاء الأمر بالسؤال ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [(٤٣) سورة النحل] لكن جاء النهي عن أسئلة لا حاجة إليها، ولا داعي لها، ونهى عن الأغلوطات، فالأسئلة التي تكون عن افتراضيات بعيدة لم تقع ويندر وقوعها أيضاً هذا جاء المنع منه. أهل العلم يفصلون المسائل، ويشققون المسائل، ويفترضون المسائل كل هذا بعد أن استقر التشريع؛ لأنه قد يسأل في وقت التشريع عن حكم مسألة ثم يحرم ما كان حلالاً بسبب سؤاله، وأشد الناس جرماً من سأل عن شيء فحرم بسببه، هذه المسألة فيما يتعلق بالعلم، والذي معنا فيما يتعلق بأمور الدنيا. "عن عبد الله بن عمر ﵁-ما قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم)) متفق عليه". مع كل مسألة يسقط شيء من اللحم الذي في وجهه، حتى يأتي يوم القيامة يوافي وجهه كله عظام فقط ليس فيه لحم، هذا لا شك أنه مثال بشع منفر محسوس، تصور الإنسان بدون لحم، عظام فقط، تشوف الجمجمة كيف تكون إذا كانت من عظام فقط، يعني مقززة منفرة، فهذا المثال يدل على تحريم السؤال، لا سيما إذا كان لغير الحاجة، أما إذا كانت هناك حاجة تدعو إلى السؤال، وهو من أهل الحاجة الذين لا يستطيعون التكسب فمثل هذا يسأل بقدر حاجته. "متفق عليه".

стр. 1450

"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس أموالهم تكثراً)) " البخاري قيد المنع في ترجمته على الحديث الأول في الصحيح بالتكثر، يريد أن يتزيد، لا يريد ما يقوم به قوامه، ويسد به حاجته، إنما يريد أكثر من ذلك، بدليل ((من سأل الناس أموالهم تكثراً)) فهذا قيد يقيد به الحديث السابق، الحديث السابق مطلق، لكن هذا الحديث اشتمل على هذا القيد، والمطلق محمول على المقيد. ((من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر)) يتصور نفسه يأكل الجمر ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [(١٠) سورة النساء] ((الذي يشرب في آنية الذهب والفضة كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) وهنا: ((يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر)) رواه مسلم.

стр. 1451

وعن الزبير بن العوام ﵁ عن النبي ﷺ : ((لأن يأخذ أحدكم حبلة)) أو حبله ((فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعه)) هذا عمل شاق، يعني مزاولة الاحتطاب عمل شاق؛ لأنه يلزم عليه الخروج عن البلد، وقد لا يكون عنده دابة، الأمر الثاني: أن معاناة الحطب، والحطب شيء خشن مؤذي مع الفأس والمساحي وما أشبه ذلك، وقد يتعرض لما يؤذيه من دواب وهوام، يتجشم كل هذه الأمور فيأتي بحزمة الحطب على ظهره لا على دابة ((فيكف الله تعالى بها وجهه)) يغنيه الله -جل وعلا- بهذه الحزمة ((خير له من أن يسأل الناس)) يعني يتجشم هذه المصاعب خير له من أن يسأل الناس، وبعض الناس تقول له: يمكن أن تشتغل فراش مسجد في أطهر البقاع في مكان مكيف وبارد، يقول: المهنة هذه .. ، هذه مهنة ذي؟ أنا اشتغل فراش؟! ويسأل الناس أسهل من أن يشتغل فراش مسجد، ما هو بفراش بيت وإلا فراش مدرسة وإلا فراش مكان آخر، لا، لا، أنا ما أشتغل فراش، ومع ذلك يتعرض لسؤال الناس، وقس على هذا، كثير من الناس يأنف من بعض الأعمال، يا أخي ما المانع أن يشتغل الشاب يمسح سيارات، ولا يسأل الناس، أيهما أسهل تمسيح سيارة وإلا يذهب بالفأس إلى البراري بدون سيارة، وبدون دابة فيحتطب؟ بعض الناس يأنف من هذه الأعمال، مع أنه قد يجد أفضل منها، ويأنف منها، وبعض الناس يخلد إلى الراحة، ويقال له: هنا وظيفة أنت شاب بدل ما تكون عاطل، وما قبلتك الجامعات، ومعك الثانوية نعطيك ثلاثة آلاف، تعال عندنا في هذا المكتب المكيف، ثلاثة آلاف ويش تسوي ثلاثة آلاف؟ ومع ذلك يسأل الناس، يتكفف الناس، ويتعرض لهم.

стр. 1452

المشكلة الإخلاد إلى الراحة والدعة والترف، يعني الترف يصيب الفقراء كما يصيب الأغنياء، وكل بحسبه، نسمع من أولاد الفقراء أمثال هذا الكلام، والترفع عن بعض الأعمال، ومع ذلك لا يأنف أن يسأل الناس، يعني الموازين مختلة، شخص معروف، قال له والده: ألا ترغب أن تشتغل في المكان الفلاني بين صلاتي المغرب والعشاء بألفي ريال؟ قال: يا ليت، المغرب والعشاء قصير وأستعين بها، قال: اجلس بالمسجد واحفظ القرآن أنا أعطيك ألفين شهرياً، قال: والله ما أستطيع، عنده استعداد يشتغل في محل، لكن الإعانة من الله -جل وعلا-، الإنسان لا يأخذ الأمور بيده، وبهمته وبعزيمته، قال: أنا أعطيك ألفين بدل ما تشتغل في المحل اجلس في المسجد احفظ قرآن، كل يوم احفظ ورقة، وأعطيك ألفين، وهو يستطيع أن يحفظ ورقتين أو أكثر ((حفت الجنة بالمكاره)) يمكن المكان اللي يروح له إما معرض سيارات وإلا غيره، والقصة قيل له: معرض سيارات، يروح معرض سيارات يشوف الداخل والطالع ويسمع السواليف، والله المستعان، وقد لا يسمع كلمة ذكر، بدلاً من أن يجلس في المسجد ساعة فقط، ويحفظ ورقة من القرآن، ويأخذ على ذلك ألفين شهرياً. أقول: الترف، يعني جاء على صور كثيرة، والفرص موجودة، لكن من يستغل هذه الفرص، والله المستعان، وهذا يأخذ الحبل، ويأخذ الفأس، ويحتطب على ظهره، ويبيع هذه الحزمة بكم؟ كم تسوى الحزمة؟ يمكن في وقتهم ما تباع ولا بدرهم، الناس يعملون، ويتجشمون الأعمال، لكن لما فتحت الدنيا ورأوا أن بعضهم تأتيه الأموال من غير تعب، قال البقية: لماذا نتعب؟ تتعب حتى تحصل ما تكف به وجهك.

стр. 1453

شخص يعمل في تحميل حمل الأمتعة من طلوع الشمس إلى غروبها، ثم يأتيه بعض الناس، بعض الناس كريم يعطيه أجرة طيبة، وبعض الناس بخيل، حتى ذكر في كتب الأدب أن من هذا النوع من يحمل المتاع جاءه شخص فقال: احمل متاعي إلى بيتي، فقال: بكم؟ قال: بدانق، قال الحمال: بدانق، قال صاحب المتاع: الدانق كثير، في أقل من الدانق؟ سدس الدرهم ما فيه، قال: طيب هات، هات حمل، قال: نشتري بالدانق فستق ونأكله أنا وإياك، يعني يتنازلون في حفظ ماء الوجه إلى هذا الحد، ونحن نأنف ونستنكف أن نعمل بأجور مجزية، يعني البيوت مملوءة من العطلة، وهم شباب في العشرينات، في الثلاثينات، كلهم ينتظرون وظائف، والله هذه وظيفة كليفة، هذه وظيفة متعبة هذه .. ، ما هو بصحيح، ثم بعد ذلك إذا أراد أن يتزوج يطرق أبواب الناس، واكتبوا لفلان، وأعطوا فلان، ما هو بصحيح، هذا ما هو بحل، وما جاء في هذا الباب يعني أمور خطيرة ((يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم)) "وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه)) " يلوث بها وجهه، فيذهب بذلك نوره ورونقه وماؤه وحياؤه ((يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل)) هذا استثناء ((إلا أن يسأل سلطاناً، أو في أمر لا بد منه)) الإنسان الذي يسأل في أمر لا بد له منه، ولا يجد حل مطلقاً إلا السؤال فالزكوات والصدقات ما شرعت إلا لمثل هذا، وكذلك السلطان حينما يسأل السلطان لا شك أن هذا يعني خلاف الأولى، إن أعطاك السلطان من غير مسألة ولا استشراف فخذه، وهو من أفضل المكاسب، لكن إن احتاجت المسألة إلى سؤال فالأمر أسهل؛ لأنه لا منة له في ذلك، فإنه إنما يعطي من بيت المال. "رواه الترمذي وصححه".

стр. 1454

"وعن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله ﷺ : أسأل؟ " يعني أتعرض لسؤال الناس؟ "فقال النبي ﷺ : ((لا)) " أولاً: الحديث ضعيف، ابن الفراسي هذا مجهول، لا يدرى منه، وكذلك الراوي عنه مسلم بن مخشي، فالحديث ضعيف على كل حال، وكونه لا يسأل، أو يسأل النبي ﵊ أسأل؟ فيقول له النبي ﵊: ((لا)) يشهد له ما تقدم، لكن قوله: ((وإن كنت سائلاً لا بد فاسأل الصالحين)) هذه الجملة لا تثبت لأنها جاءت بهذا الخبر الضعيف، وإن كان معناها له وجه صحيح؛ لأنك إذا سألت الصالحين وأعطوك أحببتهم وملت إليهم، فالنفوس مجبولة على حب من يحسن إليها، كما أنها مجبولة على بغض من يسيء إليها، فكونك تحب الصالحين لأنهم أحسنوا إليك، مع حبك إياهم لصلاحهم هذا مطلوب. قال: "رواه أحمد وأبو داود" والحديث ضعيف وكذلك "النسائي" والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1455

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: المحرر – كتاب الزكاة (٦) الشيخ: عبد الكريم الخضير بسم الله. الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين. قال الإمام ابن عبد الهادي -يرحمه الله تعالى- في كتابه المحرر: باب: صدقة التطوع عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) متفق عليه. وعن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس -أو قال- حتى يحكم بين الناس)) قال يزيد: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء ولو كعكعة أو بصلة" رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وعن أبي خالد -الذي كان ينزل في بني دالان- عن نبيح عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم)) رواه أبو داود، ونبيح العنزي وثقه أبو زرعة وابن حبان، وأبو خالد اسمه يزيد، وقد وثقه أبو حاتم الرازي، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يتابع في بعض حديثه. وعن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل ﵇ كان أجود بالخير من الريح المرسلة، متفق عليه.

стр. 1456

وعن حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله)) رواه البخاري بهذا اللفظ، وروى مسلم أكثره. وعن أبي الزبير عن يحيى بن جعدة عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقل، وابدأ بمن تعول)) رواه أحمد وهذا لفظه، وأبو داود والحاكم، وقال: على شرط مسلم، وليس كذلك، فإن يحيى لم يرو له مسلم، ولكن وثقه أبو حاتم وغيره. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تصدقوا)) فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار، قال: ((تصدق به على نفسك)) قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على زوجتك)) قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على ولدك)) قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على خادمك)) قال: عندي آخر، قال: ((أنت أبصر به)) رواه أبو داود والنسائي، وهذا لفظه، وصححه الحاكم. وعن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر -إن سبقته يوماً- فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : ((ما أبقيت لأهلك؟ )) قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر بكل مال عنده، فقال رسول الله ﷺ : ((ما أبقيت لأهلك؟ )) قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً، رواه عبد بن حميد في مسنده، وأبو داود وهذا لفظه، والترمذي وقال: حديث صحيح، وقد أخطأ من تكلم فيه لأجل هشام، فإن مسلماً روى له، وقال أبو داود: هشام بن سعد من أثبت الناس في زيد بن أسلم. وعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : ((إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً)) متفق عليه، وفي رواية: ((من بيت زوجها)).

стр. 1457

وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى -أو فطر- إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس، وأمرهم بالصدقة، فقال: ((أيها الناس تصدقوا)) فمر على النساء فقال: ((يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار)) فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: ((تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء)) ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة عبد الله ابن مسعود تستأذن عليه ... عبد الله بنِ. امرأة عبد الله بنِ مسعود ﵁ تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب، فقال: ((أي الزيانب؟ )) فقيل: امرأة ابن مسعود، قال: ((نعم ائذنوا لها)) فأذن لها، فقالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ : ((صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم)) رواه البخاري. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب: صدقة التطوع

стр. 1458

التطوع: النفل، القدر الزائد على الواجب، ومن نعم الله -جل وعلا- أن جعل العبادات منها ما هو واجب، يأثم الإنسان بتركه، ومنها ما هو نفل يكمل به الواجب، إذا حوسب الإنسان عن صلاته فوجد فيها الخلل قال الله -جل وعلا-: ((انظروا هل لعبدي من تطوع؟ )) إذا حوسب الإنسان عن زكاته فوجد فيها الخلل، قال الله -جل وعلا-: ((انظروا هل لعبدي من تطوع؟ )) يعني فيكمل به الخلل، وكذلك الصيام والحج وسائر العبادات، شرعية التطوع من نعم الله -جل وعلا- على عباده، إذ لا يسلم الإنسان بحال من الأحوال مهما حرص على عباداته لا يسلم بحال من الأحوال من الخلل الذي يتطرق إلى هذه العبادات، فيكمل للإنسان، يكمل هذا الخلل من هذه التطوعات، والعبد لا يزال يتقرب إلى الله -جل وعلا- حتى يحبه، حتى يكون ولياً من أولياء الله، يتقرب إليه، وأفضل ما يتقرب به الإنسان ما افترض الله عليه، ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه الله -جل وعلا-، فإذا أحبه كفاه كل شيء، صار سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها، ورجله التي .. ، كفاه كل شيء، فصارت تصرفاته على مراد الله -جل وعلا-، وصارت معاداته هذا الذي تقرب إلى الله حتى صار من أوليائه صارت معاداة لله -جل وعلا-، فلا يحرم الإنسان نفسه. بعض الناس يقول: إذا قيل له: تصدق، قال: خلاص أنا لا عليّ زكاة، ليست عندي أموال أزكي، وإذا كان يزكي قال: أنا أخرجت الواجب، أنت غني عن فضل الله -جل وعلا-؟! غني عن رفع الدرجات؟! حتى يصل الأمر ببعض الناس أنه إذا قيل له: افعل كذا، أو اترك كذا من الواجبات، أو من المحرمات، قال: وهل أنا كفرت إذا تركت هذا الواجب؟ لأن الإنسان يستدرج، لا بد أن يجعل الإنسان لنفسه احتياط؛ لأنه لو اقتصر على الواجبات فقط، وترك المحرمات لا يأمن في يوم من الأيام أن يجد نفسه وقد ترك بعض الواجبات، وارتكب بعض المحرمات.

стр. 1459

ضع لنفسك احتياط، احتط لنفسك بفعل المندوبات، وترك المكروهات، ويؤثر عن كثير من السلف أنه يترك الحلال خشية أن يقع في الحرام، يتركون الشيء الكثير مما أباحه الله -جل وعلا- خشية أن يقعوا في الحرام؛ لأن النفس إذا ضرت على شيء، وتعودت عليه، وألفته صعب عليها المفارقة، فإذا ألفت المباح من هذا النوع وضرت عليه وفقدته في يوم من الأيام التفتت النفس إلى ما فيه شيء من الشبهة أو الكراهة أو خلاف الأولى، وقد لا يتيسر ذلك، فتتجاوز النفس إلى ما هو أشد من ذلك، فالاحتياط للنفس لا بد منه، فالإنسان يقي نفسه بهذه النوافل، والابتعاد عما منع منه ونهي عنه ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [(١٨٧) سورة البقرة]. باب: صدقة التطوع

стр. 1460

قال ﵀: "عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) " التنصيص على السبعة لا ينفي من عداهم، أو أنه في أول الأمر أخبر بالسبعة ثم زاد عليهم، وهذا لا يقتضي الحصر، هذا الأسلوب لا يقتضي الحصر، فقد جاء في النصوص أعداد غير هؤلاء السبعة جاء الوعد بأن الله -جل وعلا- يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وصلت عند ابن حجر إلى الأربعين في رسالة أسماها: (معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال) والسيوطي أوصلها إلى سبعين في كتاب أسماه: (بزوغ الهلال في معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال) هذا الأسلوب ليس فيه حصر بدلاً من أن يكونوا سبعة زيد في العدة حتى وصلوا إلى السبعين، لكن أحياناً يأتي الحصر ومع ذلك تأتي نصوص أخرى بقدر زائد على العدد المحصور ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)) وثبت أنه تكلم غيرهم حتى وصلوا إلى سبعة، فأهل العلم يقولون: إن النبي ﵊ أخبر أو أُخبر في أول الأمر بالثلاثة ثم زيد عليهم؛ لأن هذه أمور غيبية لا بد من أن يكون الخبر عن الله -جل وعلا-، يعني خلاف ما قاله بعض من أساء الأدب من الشراح، لما قال: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)) قال: في هذا الحصر نظر، يعني يتكلم في كلام نظير له؟ يستطيع أن يقول: في هذا الحصر نظر؟ الذي قال هذا الحصر من لا ينطق عن الهوى، والخبر في الصحيح، ليس لأحد كلام، لكن هذه إساءة أدب وغفلة.

стр. 1461

((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) الله -جل وعلا- نور السماوات والأرض: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [(٣٥) سورة النور] فهل النور له ظل، أو الظل لما يقع بين النور وما دونه؟ نعم النور ليس له ظل، الظل إنما يكون لما يحول بين النور وبين ما دونه، ولذا جاء في بعض الروايات: ((في ظل عرشه)) وهذا متصور، والمسألة ما يتعلق بالله -جل وعلا- لا يمكن إنزاله على ما يدركه المخلوق بفهمه، أو تصويره أو تصوره، ما دام الخبر ثبت فليس لأحد كلام، من أهل العلم من يقول: ذاك قيد في ظل عرشه، وإضافة الظل إلى الله -جل وعلا- من باب إضافة التشريف والتكريم، ولا يلزم أن يكون بسبب حاجز، ولا يلزم أن يكون الله -جل وعلا- حائل بين المستظل والنور، لا يلزم، فما يتعلق بالله -جل وعلا- فوق ما تتوهمه الأوهام، وما تبلغه الأفهام، وبعض أهل العلم يقول: هذا الحديث محمول على الآخر، والظل للعرش، وأما الله -جل وعلا- فهو نور السماوات والأرض. منهم من يؤول الظل هذا يقول: المراد به الكنف والرعاية، فهؤلاء السبعة في حفظ الله ورعايته وكنفه وحياطته، ولا يلزم أن يكون الظل ناشئ عن شيء له إشراق وإحراق، نحتاج إلى الاستظلال دونه؛ لأن النور الذي يكون بسببه الظل إما أن يكون نور إشراق بدون إحراق كنور القمر هذا لا يحتاج أن تستظل دونه؛ لأنه ليس فيه إحراق، وإما أن يكون معه إحراق كنور الشمس، وهذا تحتاج أن تستظل دونه، والشمس تدنو يوم القيامة، حتى تكون على مقدار ميل، ويعرق الناس، ويحتاجون إلى الظل حاجة أمس من حاجتهم إلى الظل في الدنيا؛ لبعد الشمس عنهم. فهؤلاء السبعة، ومثلهم من جاءت النصوص بالزيادة على هؤلاء السبعة يأمنون من هذا الضيق، وهذا الحرج الذي يحصل في المحشر. ((يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل)) ((يوم لا ظل إلا ظله)) في الدنيا هناك الظلال التي تكون بسبب بني آدم كالسقوف مثلاً، والجدران التي يستظل بها، والأشجار التي يستظل بها، لكن في يوم القيامة؟ ما في ظل إلا الظل الذي ينشئه الله -جل وعلا- لمثل هؤلاء ((يوم لا ظل إلا ظله)).

стр. 1462

((إمام عادل)) سلطان متصف بالعدل بين الرعية، لا يتلبس بظلم، وليس معنى هذا أنه معصوم، لكنه يحرص على تحقيق الظلم، ولا يقع الظلم منه قصداً، وقد يقع الظلم من بعض من ينوب عنه بغير علمه؛ لاتساع رقعة مملكته مثلاً، لكن لا يعني أنه معصوم، إنما يحرص على العدل بقدر إمكانه وبقدر استطاعته. ((وشاب نشأ في عبادة الله)) يعني ليست له صبوة، منذ أن نشأ وهو في عبادة الله -جل وعلا-، ما عرف بنزوات في شبابه، ولا عرف بمخالفات، ولا عرف بجرائم ولا منكرات، إنما من تكليفه أو من نشأته وهو مطيع لله -جل وعلا-. ((نشأ في عبادة الله)) شخص منذ أن نشأ، وهو في عبادة الله -جل وعلا- إلى أن بلغ الثمانين أو التسعين سنة، ما عرف أنه ارتكب منكراً، وإذا ارتكبه بادر بالتوبة منه والندم عليه، المقصود أنه جار على الاستقامة في جميع أطواره، وآخر قد يكون توأماً معه ولد معه، لكنه نشأ على الضد من ذلك، على المعاصي والفواحش والجرائم والمنكرات إلى أن بلغ مثلما بلغ ذاك ثمانين سنة، أو قل سبعين سنة، ثم تاب الثاني، الأول استمر على استقامته إلى أن مات، والثاني تاب بعد أن بلغ هذا السن توبة نصوحاً بشروطها، وبدلت سيئاته حسنات، أيهما أفضل؟ هذا شاب نشأ في عبادة الله، ومستحق لأن يظله الله في ظله، والثاني نشأ في معاصي وجرائم ومنكرات عقود، سبعون، أو ثمانون سنة، ثم تاب توبة مقبولة صحيحة، فبدل الله سيئاته حسنات، هل يستويان؟ في الحديث: ((شاب نشأ في عبادة الله)) وذاك: نشأ في المعصية، نعم بتوبته بدلت سيئاته حسنات، هل يستويان؟ طالب:. . . . . . . . . لماذا؟ هذاك جرائمه كلها بدلت حسنات ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [(٧٠) سورة الفرقان] بدلت هذه الجرائم والمنكرات حسنات. طالب:. . . . . . . . . الظل لا يستوون، هذا شاب نشأ في عبادة الله، وذاك شاب نشأ في معصية الله، ومع ذلك لا يستويان، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . والله ما أسمع يا أخي، هل من مبلغ؟ ويش يقول؟ طالب:. . . . . . . . . يعني ما حيا حياة طيبة. طالب:. . . . . . . . .

стр. 1463

لا، أقول: هل يستويان في المنزلة في الجنة؟ هذا عنده حسنات أصلية، وهذا عنده حسنات منقلبة عن سيئات. طالب:. . . . . . . . . هاه؟ طالب:. . . . . . . . . الله أعلم. طيب. طالب:. . . . . . . . . نعم حسنات المطيع مضاعفة، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والحسنات المنقلبة عن سيئات غير مضاعفة؛ لأن البدل له حكم المبدل، فلا يستويان، وشيخ الإسلام -رحمة الله عليه- يرى أن هذه الحسنات المبدلة عن سيئات مضاعفة أيضاً، وأشار إليه ابن القيم في مدارج السالكين، لكن لا يستوين عند الله؛ لأن النبي ﵊ قال: ((وشاب نشأ في عبادة الله)) فرق بين من ينشأ في عبادة الله، وبين من ينشأ في معصية الله. ((ورجل قلبه معلق بالمساجد)) يعني إذا خرج من المسجد ووصل إلى عمله أو منزله ينظر إلى الساعة متى يرجع إلى المسجد؟ يعني عكس ما يعيشه كثير من الناس اليوم إذا دخل المسجد ينظر إلى الساعة متى يخرج؟ هذا قلبه معلق بغير المساجد، لكن العبرة بمن قلبه معلق في المساجد ((ورجل قلبه معلق بالمسجد)) ما يخرج من المسجد إلا ويتمنى الرجوع إليه، وينظر إلى الوقت متى يذهب الوقت حتى يعود إلى المسجد، وقد يجلس في المسجد ويمكث في المسجد إذا لم يكن له ما يدعوه إلى الخروج، فقلبه معلق بالمساجد. ((ورجلان تحابا في الله)) وأوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ((رجلان تحابا في الله)) وضابط هذه المحبة في الله -جل وعلا-؛ لأن كثير من الناس يدعيها، ويحب أخاه، يحب صديقه، يحب زميله وهو في الظاهر يحبه لله، لكن الابتلاء والامتحان إذا حصل أدنى خلل في المصلحة المتبادلة بينهما ماذا يكون مصير الحب في الله؟ قالوا: الحب في الله لا يزيد مع الصفاء، ولا ينقص مع الجفاء، هذه المحبة الخالصة التي هي لله -جل وعلا-، والتي يترتب عليها الوعود الكثيرة.

стр. 1464

((ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) يعني تجد بعض الناس يحرص على زيارة إخوانه، ويحرص على زيارة الأخيار والفضلاء من العلماء والعباد، وما أشبه ذلك، وتجده يخصص يوم في الأسبوع لزيارة هؤلاء، لكن هل زيارته لفلان وفلان على حد سواء؟ أو تختلف باختلاف نوعية الاستقبال من هذا وهذا؟ تجد اللي يستقبله استقبال طيب يمكث عنده، وينبسط، ويتردد عليه كثيراً، لكن لو حصل منه أدنى التفاتة إلى نظيره أو عنه فقط تجد النفس يحصل فيها شيء، ويستثقل الزيارة الثانية، هذه المحبة فيها خلل، والله المستعان. النفوس لها حظ، وتراعي مثل هذه الأمور جبلة، لكن ينبغي أن يأطر الإنسان نفسه على مراد الله -جل وعلا-. ((اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) يعني صار سبب الاجتماع الحب في الله، والافتراق أيضاً تفرقا على نفس المستوى من المحبة لله -جل وعلا-. ((ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال)) ذات منصب: يعني من أشراف الناس، ومن علية القوم، ولها جمال أيضاً، ذات منصب تدعوه تغريه بمالها، وقد تهدده إذا انصرف، كما فعلت امرأة العزيز مع يوسف ﵇، ولها أيضاً جمال مغري يغري بها، فلما دعته ((قال: إني أخاف الله )) وهو في مأمن تام من اطلاع الخلق عليه، لكنه يخاف الله -جل وعلا-، فقال: ((إني أخاف الله )).

стр. 1465

((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) هذا الذي في الصحيحين، وفي رواية لمسلم: ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) وهذه يذكرها أهل العلم في المقلوب من الحديث، وأن الخبر انقلب على الراوي، وصوابه ((لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) لأن الإنفاق يكون باليمين لا بالشمال، فأطبقوا على ذكر الرواية بالمقلوب، المقصود من الإنسان أن يخفي الصدقة هذا الذي يمدح عليه في هذا الحديث، وهو الذي يتحقق به الغرض الذي هو الاستظلال بظل الله -جل وعلا-، الإخفاء، ((حتى لا تعلم)) يعني من شدة الإخفاء ((لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) هذا الغالب أن الإنفاق يكون باليمين، لكن قد يستدعي الحال أن ينفق الإنسان بشماله، قد يستدعي الحال بأن يكون عن يمينه أحد، عن يمينه شخص، وعن يساره سائل هل يقول: تعال من هنا أعطيك باليمين أو ينفق باليمين ليعلم من عن يمينه؟ لا يتم الإخفاء بهذا، فليعطيه بشماله، ويمكن حمل الرواية التي في صحيح مسلم على هذا؛ لأن المقصود الإخفاء، فإذا أراد أن يخفي هذه الصدقة عن الجالس بيمينه احتاج أن ينفق بشماله، وحينئذٍ لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، وعلى هذا فالرواية مستقيمة وليست منقلبة.

стр. 1466

وفي الحديث الصحيح في البخاري وغيره: ((ما يسرني أن لي مثل أحد ذهباً تأتي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصد لدين، إلا أن أقول به هكذا وهكذا وهكذا)) عن يمينه وشماله ومن أمهامه ومن خلفه، ينفق من كل جهة، وعلى كل وجه، فالرواية ليس فيها قلب، يعني يمكن حملها على وجه يصح، وإن كان الأصل أن الأخذ والإعطاء باليمين، ولا يمنع أن يقع ذلك بالشمال لظرف من الظروف؛ ليتم الإخفاء الذي المقصود من سياقه هو الإخفاء، الإخفاء لا شك أنه أدعى إلى الإخلاص، لكن قد يستدعي الحال أن يكون الإنفاق علانية، قد يستدعي بعض الأحوال أن يكون الإنفاق علانية أفضل ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ [(٢٧١) سورة البقرة] لا شك أن الإخفاء أقرب إلى الإخلاص وأدعى إليه، لكن قد يكون الإنسان بحيث لا ترتفع منزلته عن التهمة، إذا كانت كل صدقاته خفية اتهمه الناس بأنه لا يؤدي ما أوجب الله عليه، ووقعوا في عرضه، كما هو الحال في التطوعات والصولات في المسجد مثلاً، صلاة التطوع في البيت أفضل إلا المكتوبة، لكن إذا كان بصدد أن يقتدي به الناس عالم لا يصلي نوافل في المسجد، ثم يخرج العامة بدون نوافل، لماذا؟ والله لو أن النوافل فيها فضل كان صلاها الشيخ فلان، طيب صلوا مثل الشيخ فلان في بيوتكم، هم ما يدرون، فإذا كان إظهار العمل من أجل الاقتداء، فجاء فيه: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) وهذا في صدقة العلانية، ويبقى أن الأصل الإخفاء؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص.

стр. 1467

جاء في السنن حديث: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)) ويش معنى الجاهر بالقرآن؟ والمسر بالقرآن؟ هل المراد به الذي يرفع صوته بقراءة القرآن كالجاهر بالصدقة؟ على ما هو مقتضى الجهر وهو بالصوت؟ أو المراد به الذي يقرأ القرآن بين الناس كالذي يتصدق بين الناس، والذي يقرأ القرآن في الخلوة كالمتصدق سراً؟ أيهما أقرب؟ لأن الجهر يحتمل معنيين، جهر بالصوت وهذا يناسب قراءة القرآن، والإخفاء إخفاء الصوت وهو يناسب أيضاً، لكن الذي يناسب الصدقة أن تكون بين الناس وبين أن تكون سراً، وتتم المطابقة إذا كانت القراءة بين الناس كالصدقة بين الناس، أو تكون القراءة سراً فتكون كالصدقة سراً، يعني بعض الناس يقرأ القرآن، ولا يسمع منه حرف، ويستدل بمثل هذا الحديث، هل الاستدلال صحيح وإلا غير صحيح؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 1468

يعني الصحيح أن تقرأ في بيتك بدل من أن تقرأ بين الناس، كما أن الصحيح في الصدقة أن تتصدق سراً بين أن تتصدق أمام الناس، لكن الجاهر بالقرآن يحتمل أن يكون برفع الصوت، وجاء الأمر بالتوسط بين الجهر والإسرار في القراءة وفي الصلاة، ويأتي أيضاً في قراءة القرآن سواءً كانت في المسجد، أو بين الناس وبين القراءة في السر في الخلوة، ولا شك أنها أفضل، لا سيما إذا كانت في جوف الليل، ويأتي أيضاً أن كون طلاب العلم لا يرون قدوات يقرؤون القرآن، فما الذي يدريهم أن العلماء يقرؤون القرآن في بيوتهم، أو في تهجدهم، أو في صلواتهم؟ تجد كثير من طلاب العلم يهجر القرآن؛ لأنه لا يجد ما يحدوه، ما يرى من أهل العلم من يقرأ القرآن، هم يقرؤون القرآن قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، وعلى كل وقت، وعلى كل حال، وفي كل آن، ويوجد الآن من أهل العلم من يقرأ .. ، منهك بالأعمال الرسمية، ومع ذلك يختم كل ثلاث، لكن طلاب العلم ما يدرون عنه، لا يحتاج أن يقول فلان: إني أقرأ القرآن بالليل أو أقرأ .. ، لكن إذا فهم طلاب العلم أن العلماء لا يقرؤون القرآن، أو يهجرون القرآن، والأمر ليس كذلك، وهم معروفون بكثرة الذكر والتلاوة، لكن لا يلزم أن يبرزوا ذلك للناس إلا بقدر ما يحقق المصلحة، بأن يكون قدوة للناس، إذا رأى الناس انصرفوا لا مانع من أن يعلن هذا العمل الصالح ليقتدى به. ((ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) يعني بغير حضور الناس؛ لأن بعض الناس سهل عليه أن يبكي إذا كان بين الناس، فاضت عيونه بالدموع، وأجهش بالبكاء، ثم إذا صار خالياً ليس هناك ما يدعو، هذا فيه خلل، لكن المطلوب أن يحصل منه هذا في حال الخلوة؛ ليكون خالصاً لله -جل وعلا-.

стр. 1469

وهذه المسألة مسألة البكاء من خشية الله و ((عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)) وأصيب كثير من .. ، قلوب كثير من الناس بالقسوة لا تراه باكياً، لا في الخلوة ولا في الجلوة، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي، لكن يحرص الإنسان أن يتخذ خبيئة ينفرد بها بربه دون أن يراه أحد، ويلجأ إليه، ويتلذذ بمناجاته، لكن هذا يحتاج إلى قلوب سليمة، وقلوب حية، فعلى الإنسان أن يعالج القلب قبل ذلك ليحصل له مثل هذه النتائج. ((ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) الإنسان قد يذكر الله خالياً وتفيض عيناه لا من خشية الله، إنما يتذكر أو يتصور موقف أو شيء من هذا، فلا يلزم أن يكون خالياً، ويذكر الله ثم تفيض عيناه بسبب خشية الله -جل وعلا-، وإنما المطلوب أن يكون هذا البكاء من خشية الله -جل وعلا-، والنبي ﵊ يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، القدر على النار، وهو يصلي ﵊، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بغيره ممن تلطخ بالذنوب، وزاول الذنوب، وباشر الذنوب بعدد أنفاسه؟! والله المستعان. "متفق عليه". "وعن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كل امرئ في ظل صدقته)) " قد يكون الظل الذي جاء في الحديث السابق مثل هذا الظل الذي في هذا الحديث، تجسد هذه الأعمال الصالحة حتى تكون ظلاً، ولا مانع أن يقلب الله -جل وعلا- المعاني إلى أجسام، البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان تحاجان عن صاحبهما، تظلانه، مثلما هنا: ((كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس -أو قال- حتى يحكم بين الناس)) تجسد هذه المعاني حتى تكون أجساماً ينتفع بها صاحبها. "قال يزيد: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء" هذا من الامتثال، من تمام الامتثال، من تمام التطبيق.

стр. 1470

"لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء" الإنسان قد يتقال الشيء اليسير ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) ((ولو بشق تمرة)) لا تحقر من المعروف شيئاً ((لا تحقرن جارة لجارتها ولو بفرسن شاه)) يعني أمر يسير جداً ظلف محرق، فكيف بما هو أعلى منه، والتوفيق ظاهر عند بعض الناس تجده ينتبه لمثل هذه الأمور، فلا يضيع منه شيء لا قليل ولا كثير، وبعض الناس يهدر الأموال لعدم توفيقه، ويتكاسل عن حملها إلى من يستفيد منها، وقد تكون أشياء يستفيد منها الناس، ومع ذلك المحروم من حرمه الله، تجدون المزابل أحياناً مملوءة بالأطعمة التي يتمناها كثير من المسلمين، بل وجد ما هو أوضح من ذلك، وجد من فقراء المسلمين من يأخذ من هذه المزابل، ومن يأكل من هذه المزابل؛ لأن هذا الطعام الذي ألقي في هذه المزبلة طعام صالح وجيد، ويتمناه كثير من الناس، بل قد تمر الأيام والشهور على بعض الأسر ما رأوا مثله، والآن -ولله الحمد- الجمعيات تستقبل على مدار الأربعة والعشرين ساعة، وتريحك من عناء طرق البيوت، ولو فعلت ذلك أنت لكان ذلك أفضل، كما كان يفعله خيار هذه الأمة. أبو بكر ﵁ يتعاهد بعض العجائز، وهو خليفة المسلمين في منتصف الليل، يطرق البيوت ومعه الأطعمة، يحمل الأطعمة على ظهره، وكذلك عمر وغيرهما من سادات الأمة، فمن دونهما من باب أولى، ونحن نأنف ونستنكف أن نحمل هذا الطعام الذي بقي إلى من يستفيد منه، والله المستعان. "وكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء ولو كعكعة" يعني كسرة خبز، أو شابورة، أو شيء من هذا يعطيها فقير "أو بصلة" رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". نعم الناس يعيشون في هذه الأيام ومنذ ثلاثة عقود أو أكثر في سعة من العيش، وفي رغد من العيش، ويظنون أن الناس لا يأكلون مثل هذه الأمور التي تبقى في الموائد، قياساً على أنفسهم مع أنه يوجد في البيوت من هو بأمس الحاجة إلى مثل هذه الأطعمة حتى ما يبقى على السفر من بقايا الطعام، وفضلات الطعام أناس يحتاجونها، وهي إن لم يحتجها الإنسان يحتاجها الحيوان.

стр. 1471

يعني لو عدنا قليلاً إلى الوراء، يعني قبل خمسين أو ستين سنة يطرق الطارق السائل البيت فيعطى عظم ليس عليه طعام، ويقال له: هذا العظم ما طبخ إلا مرة أو مرتين، يعني فيه بقية من طعم، يعني لو طبخته مرة ثالثة صار لطعامك شيء من الطعم بسببه، يعني شيء لا نتصوره؛ لأنا ما عشناه، لكن الجيل الذي قبلنا يقولون مثل هذا، خذ هذا والله ما طبخ إلا مرة أو مرتين، هذا بدون لحم عظم مجرد، ونحن نتقلب بنعم، لكن هذه النعم تحتاج إلى شكر ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [(٧) سورة إبراهيم] والناس وهم يتحدثون عن الماضي يخشى أن يكونوا مثل من قال: ﴿قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء﴾ [(٩٥) سورة الأعراف] يعني نسوا، نسوا ما مس آباءهم، ثم صاروا يتحدثون به على سبيل التفكه من باب سرد تاريخي فقط، لكن علينا أن نعتبر ونتعظ، الناس أكلوا أشياء لا يأكلها ولا الحيوان بسبب الحاجة والفاقة والجوع، فعلينا أن نشكر الله -جل وعلا-، هذه النعم ليضمن لنا المزيد من فضله ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [(٧) سورة إبراهيم] والله المستعان. هذا أبو الخير يتصدق كل يوم بصدقة، والإنسان يجب عليه، ويصبح عليه في كل يوم ثلاثمائة وستين صدقة بعدد مفاصل جسده ((يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة)) لكن الله -جل وعلا- لا يكلف ما لا يستطيعه الإنسان؛ لأنه ليس كل إنسان يستطيع أن يتصدق، فجعل في مقابل ذلك التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من الأعمال الصالحة، كل جملة بصدقة، ثم في الأخير، قال: ((ويكفي من ذلك ركعتان تركهما من الضحى)) يرضى بالقليل -جل وعلا-، لكن كثير من الناس محروم، يمر عليه الأيام ما صلى ركعتين من صلاة الضحى، وبدلاً من أن يتصدق بثلاثمائة وستين صدقة، أو بثلاثمائة وستين من الأذكار، أو من الأعمال الصالحة ((يكفي من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى)) والله المستعان. "رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".

стр. 1472

"وعن أبي خالد الذي كان ينزل في بني دالان" يقال له: خالد الدالاني؛ لأنه كان ينزل فيهم، وليس منهم "عن نبيح عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة)) " الحديث فيه أبو خالد، وفيه كلام لأهل العلم، أبو خالد الدالاني، ولذلك ضعفه بعضهم، وهو قابل للتحسين؛ لأن الضعف ليس بشديد، وله ما يشهد له، والجزاء من جنس العمل ((أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم)) ﴿جَزَاء وِفَاقًا﴾ [(٢٦) سورة النبأ] والجزاء من جنس العمل، فمن كسا كسي، وأول من يكسى يوم القيامة من؟ إبراهيم ﵇، لماذا؟ لأنه جرد من ثيابه حينما أرادوا إلقاءه في النار. ((أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة)) من السندس والإستبرق ((وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع)) يدل على أنه كلما كثرت الحاجة زاد الفضل، كلما كان المتصدق عليه أكثر حاجة من غيره كان الأجر أعظم، هذا على عري، وهذا على جوع، وهذا على ظمأ. ((أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ)) لأنك قد تكسو، وقد تطعم، وقد تسقي شخص عنده ثياب، بينما يوجد غيره، على كل حال أنت مأجور على هذه الصدقة؛ لأنك ظننت أنه من أهلها فتصدقت عليه، لكن لو دفعتها إلى من لا يجد ما يكتسيه فإنك تستحق هذا الوعد، ومثله لو أطعمت جائعاً، أو سقيت على ظمأ، ((سقاه الله من الرحيق المختوم)) الرحيق اللذيذ الذي له طعم لا يدانيه شيء من مشروبات الدنيا، وهو مختوم عليه في إنائه لم يمسه أحد، والله المستعان. "رواه أبو داود، ونبيح العنزي وثقه أبو زرعة وابن حبان، وأبو خالد اسمه يزيد، وقد وثقه أبو حاتم الرازي، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يتابع في بعض حديثه" على كل حال هو فيه ضعف، لكن الخبر قابل للتحسين.

стр. 1473

قال ﵀: "وعن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير" النبي ﵊ أكرم الخلق، وكان ﵊ أجود من الريح، بالخير من الريح المرسلة "وكان أجود ما يكون في شهر رمضان" حينما تكون المضاعفات في شهر الجود والكرم "أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل" ولا شك أن لقاء الصالحين له أثر في نفوس الأخيار، يشجعهم ذلك على المزيد من البذل، فالنبي ﵊ هذا وصفه: "أجود الناس" " كان أجود بالخير من الريح المرسلة" أكرم الناس، ومع ذلك يزداد جوده حينما يزداد الجود الإلهي في رمضان، وحينما يلقاه جبريل "وكان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ" كل ليلة "يدارسه القرآن" ورمضان هو شهر القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [(١٨٥) سورة البقرة] فهو شهر القرآن، فينبغي للإنسان أن تكون عنايته في رمضان إضافة إلى الصيام والقيام تلاوة القرآن "فيدارسه القرآن" مدارسة القرآن سنة لا سيما في ليالي رمضان اقتداءً بما حصل منه ﵊ مع جبريل، فلو أن كل واحد من طلاب العلم اختار له من يناسبه من زملائه وأقرانه فصاروا يتدارسون القرآن، والمدارسة مفاعلة بين الاثنين، ما هي بدراسة، مدارسة، يعني كل واحد يقرأ على الثاني، ويسأل الثاني عما يشكل عليه، هذه، وهذا يكون بين الأقران، وهذه سنة، فإذا جلس الاثنان من طلاب العلم بعد صلاة التراويح مثلاً لمدة ساعة يتدارسون فيها جزءاً من القرآن، هذا يقرأ، وهذا يقرأ، وهذا يستمع، وهذا يستمع، وهذا يسأل عن مشكل، ويكون بين أيديهم كتاب مختصر فيه غريب ألفاظ القرآن، أو شيء ينتفعون به مما يتعلق بالقرآن استفادوا فائدة عظيمة، في كل ليلة جزء من القرآن، ينتهي القرآن بنهاية الشهر، وسوف يجدون غب ذلك، والفائدة العظمى من هذه المدارسة ولو لم يكن فيها إلا إحياء هذه السنة، بدلاً من أن يقضى الليل كامل بالقيل والقال يقتطع منه ساعة للمدارسة؛ لأن الليل تنقطع فيه المشاغل، وأما النهار فيه مشاغل الناس، وفيه التشويش، المقصود أن هذه سنة ينبغي إحياؤها.

стр. 1474

"فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل ﵇ أجود بالخير من الريح المرسلة" وصفه ﵊ أنه أجود الناس، هذا الوصف الثابت له ﵊ في كل حال، وفي كل زمان، وفي كل مكان، لكن في رمضان شهر الجود، شهر الكرم، حينما يتضاعف الجود الإلهي، وحينما يلتقي النبي ﵊ بجبريل أفضل الملائكة، لا شك أن مثل هذا له أثر في الزيادة، وكل إنسان يحس هذا من نفسه، يعني فرق بين أن تلتقي بعالم عابد تتأثر به، وتنوي العمل الصالح من حين أن تفارقه، وتعمل الأعمال الصالحة؛ لأن رؤية مثل هذا، ومدارسة مثل هذا، ومجالسة مثل هذا مما يعينك على الخير، بخلاف من كان بضد ذلك ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [(٢٨) سورة الكهف]. "متفق عليه". "وعن حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) " اليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي الآخذة، جاء تفسير ذلك، وهذا هو المعتمد عند عامة أهل العلم، وإن كان بعض المتصوفة الذين حبوا الإخلاد إلى الراحة، وعاشوا على فضل غيرهم يرون العكس، يقولون: اليد العليا هي الآخذة، واليد السفلى هي المعطية، لماذا؟ لأن الآخذة نائبة عن الله -جل وعلا-: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [(١٧) سورة التغابن] هذا نائب عن الله في هذا القرض، الذي يأخذ .. ، قلنا: هذا تبرير لهذا الكسل الذي يعيشونه، وعلى هذا التواكل، نعم قد يضطر الإنسان إلى الأخذ، ويكون من أهل الصدقة، ومن أهل الزكاة، لكن لا شك أن المعطي أفضل منه. ((اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)) ابدأ بمن تعول، الذي يلزمك نفقته ابدأ به، والذي تحت يدك لا تعرضه للضياع ((ولئن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)) ابدأ بمن تعول، فإذا كان الذي عندك لا يكفي فابدأ بنفسك، ثم بولدك، ثم بزوجك، ثم بخادمك، على ما سيأتي في حديث الدنانير الآتي.

стр. 1475

((وابدأ بمن تعول)) ((وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يمون)) ((وخير الصدقة -ما كان- عن ظهر غنى)) لأنه يبقي لك .. ، إذا تصدقت يبقى لك ما تقوم به حاجتك ومصالحك، ومصالح من تحت يدك. ((ومن يستعفف يعفه الله)) كل أمور الدنيا بالتمرين والتدريج، العلم بالتعلم، الحلم بالتحلم، العفة بالتعفف، ((من يستعفف يعفه الله)) يتحمل يصبر فيعينه الله -جل وعلا- على هذا التحمل، وعلى هذا الصبر، ويكفيه ما يعرضه لامتهان نفسه، ويجازيه الله -جل وعلا- برفع حاجته، إذا أنزلها بالله -جل وعلا- عن خلقه. ((ومن يستغن يغنه الله)) يستغني بالله عن خلقه يغنه الله، وبالعكس من أنزل حاجته بالمخلوق زادت الحاجة، وما ارتفعت، والأمر كله أولاً وآخراً بيد الله -جل وعلا-، كما قال النبي ﵊: ((إنما أنا قاسم، والله المعطي)) فعلى الإنسان أن يتصبر، ليس لكل حاجة أو لكل، كلما احتاج شيئاً ذهب يسأل الناس، لا، يتصبر، ويستعفف، فسوف يغنيه الله من فضله. "رواه البخاري بهذا اللفظ، وروى مسلم أكثره".
следующие страницы →