← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6366

شرح المحرر في الحديث - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

يعني لو عدنا قليلاً إلى الوراء، يعني قبل خمسين أو ستين سنة يطرق الطارق السائل البيت فيعطى عظم ليس عليه طعام، ويقال له: هذا العظم ما طبخ إلا مرة أو مرتين، يعني فيه بقية من طعم، يعني لو طبخته مرة ثالثة صار لطعامك شيء من الطعم بسببه، يعني شيء لا نتصوره؛ لأنا ما عشناه، لكن الجيل الذي قبلنا يقولون مثل هذا، خذ هذا والله ما طبخ إلا مرة أو مرتين، هذا بدون لحم عظم مجرد، ونحن نتقلب بنعم، لكن هذه النعم تحتاج إلى شكر ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [(٧) سورة إبراهيم] والناس وهم يتحدثون عن الماضي يخشى أن يكونوا مثل من قال: ﴿قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء﴾ [(٩٥) سورة الأعراف] يعني نسوا، نسوا ما مس آباءهم، ثم صاروا يتحدثون به على سبيل التفكه من باب سرد تاريخي فقط، لكن علينا أن نعتبر ونتعظ، الناس أكلوا أشياء لا يأكلها ولا الحيوان بسبب الحاجة والفاقة والجوع، فعلينا أن نشكر الله -جل وعلا-، هذه النعم ليضمن لنا المزيد من فضله ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [(٧) سورة إبراهيم] والله المستعان. هذا أبو الخير يتصدق كل يوم بصدقة، والإنسان يجب عليه، ويصبح عليه في كل يوم ثلاثمائة وستين صدقة بعدد مفاصل جسده ((يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة)) لكن الله -جل وعلا- لا يكلف ما لا يستطيعه الإنسان؛ لأنه ليس كل إنسان يستطيع أن يتصدق، فجعل في مقابل ذلك التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من الأعمال الصالحة، كل جملة بصدقة، ثم في الأخير، قال: ((ويكفي من ذلك ركعتان تركهما من الضحى)) يرضى بالقليل -جل وعلا-، لكن كثير من الناس محروم، يمر عليه الأيام ما صلى ركعتين من صلاة الضحى، وبدلاً من أن يتصدق بثلاثمائة وستين صدقة، أو بثلاثمائة وستين من الأذكار، أو من الأعمال الصالحة ((يكفي من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى)) والله المستعان. "رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".

стр. 1472

"وعن أبي خالد الذي كان ينزل في بني دالان" يقال له: خالد الدالاني؛ لأنه كان ينزل فيهم، وليس منهم "عن نبيح عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة)) " الحديث فيه أبو خالد، وفيه كلام لأهل العلم، أبو خالد الدالاني، ولذلك ضعفه بعضهم، وهو قابل للتحسين؛ لأن الضعف ليس بشديد، وله ما يشهد له، والجزاء من جنس العمل ((أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم)) ﴿جَزَاء وِفَاقًا﴾ [(٢٦) سورة النبأ] والجزاء من جنس العمل، فمن كسا كسي، وأول من يكسى يوم القيامة من؟ إبراهيم ﵇، لماذا؟ لأنه جرد من ثيابه حينما أرادوا إلقاءه في النار. ((أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة)) من السندس والإستبرق ((وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع)) يدل على أنه كلما كثرت الحاجة زاد الفضل، كلما كان المتصدق عليه أكثر حاجة من غيره كان الأجر أعظم، هذا على عري، وهذا على جوع، وهذا على ظمأ. ((أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ)) لأنك قد تكسو، وقد تطعم، وقد تسقي شخص عنده ثياب، بينما يوجد غيره، على كل حال أنت مأجور على هذه الصدقة؛ لأنك ظننت أنه من أهلها فتصدقت عليه، لكن لو دفعتها إلى من لا يجد ما يكتسيه فإنك تستحق هذا الوعد، ومثله لو أطعمت جائعاً، أو سقيت على ظمأ، ((سقاه الله من الرحيق المختوم)) الرحيق اللذيذ الذي له طعم لا يدانيه شيء من مشروبات الدنيا، وهو مختوم عليه في إنائه لم يمسه أحد، والله المستعان. "رواه أبو داود، ونبيح العنزي وثقه أبو زرعة وابن حبان، وأبو خالد اسمه يزيد، وقد وثقه أبو حاتم الرازي، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يتابع في بعض حديثه" على كل حال هو فيه ضعف، لكن الخبر قابل للتحسين.

стр. 1473

قال ﵀: "وعن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير" النبي ﵊ أكرم الخلق، وكان ﵊ أجود من الريح، بالخير من الريح المرسلة "وكان أجود ما يكون في شهر رمضان" حينما تكون المضاعفات في شهر الجود والكرم "أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل" ولا شك أن لقاء الصالحين له أثر في نفوس الأخيار، يشجعهم ذلك على المزيد من البذل، فالنبي ﵊ هذا وصفه: "أجود الناس" " كان أجود بالخير من الريح المرسلة" أكرم الناس، ومع ذلك يزداد جوده حينما يزداد الجود الإلهي في رمضان، وحينما يلقاه جبريل "وكان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ" كل ليلة "يدارسه القرآن" ورمضان هو شهر القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [(١٨٥) سورة البقرة] فهو شهر القرآن، فينبغي للإنسان أن تكون عنايته في رمضان إضافة إلى الصيام والقيام تلاوة القرآن "فيدارسه القرآن" مدارسة القرآن سنة لا سيما في ليالي رمضان اقتداءً بما حصل منه ﵊ مع جبريل، فلو أن كل واحد من طلاب العلم اختار له من يناسبه من زملائه وأقرانه فصاروا يتدارسون القرآن، والمدارسة مفاعلة بين الاثنين، ما هي بدراسة، مدارسة، يعني كل واحد يقرأ على الثاني، ويسأل الثاني عما يشكل عليه، هذه، وهذا يكون بين الأقران، وهذه سنة، فإذا جلس الاثنان من طلاب العلم بعد صلاة التراويح مثلاً لمدة ساعة يتدارسون فيها جزءاً من القرآن، هذا يقرأ، وهذا يقرأ، وهذا يستمع، وهذا يستمع، وهذا يسأل عن مشكل، ويكون بين أيديهم كتاب مختصر فيه غريب ألفاظ القرآن، أو شيء ينتفعون به مما يتعلق بالقرآن استفادوا فائدة عظيمة، في كل ليلة جزء من القرآن، ينتهي القرآن بنهاية الشهر، وسوف يجدون غب ذلك، والفائدة العظمى من هذه المدارسة ولو لم يكن فيها إلا إحياء هذه السنة، بدلاً من أن يقضى الليل كامل بالقيل والقال يقتطع منه ساعة للمدارسة؛ لأن الليل تنقطع فيه المشاغل، وأما النهار فيه مشاغل الناس، وفيه التشويش، المقصود أن هذه سنة ينبغي إحياؤها.

стр. 1474

"فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل ﵇ أجود بالخير من الريح المرسلة" وصفه ﵊ أنه أجود الناس، هذا الوصف الثابت له ﵊ في كل حال، وفي كل زمان، وفي كل مكان، لكن في رمضان شهر الجود، شهر الكرم، حينما يتضاعف الجود الإلهي، وحينما يلتقي النبي ﵊ بجبريل أفضل الملائكة، لا شك أن مثل هذا له أثر في الزيادة، وكل إنسان يحس هذا من نفسه، يعني فرق بين أن تلتقي بعالم عابد تتأثر به، وتنوي العمل الصالح من حين أن تفارقه، وتعمل الأعمال الصالحة؛ لأن رؤية مثل هذا، ومدارسة مثل هذا، ومجالسة مثل هذا مما يعينك على الخير، بخلاف من كان بضد ذلك ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [(٢٨) سورة الكهف]. "متفق عليه". "وعن حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) " اليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي الآخذة، جاء تفسير ذلك، وهذا هو المعتمد عند عامة أهل العلم، وإن كان بعض المتصوفة الذين حبوا الإخلاد إلى الراحة، وعاشوا على فضل غيرهم يرون العكس، يقولون: اليد العليا هي الآخذة، واليد السفلى هي المعطية، لماذا؟ لأن الآخذة نائبة عن الله -جل وعلا-: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [(١٧) سورة التغابن] هذا نائب عن الله في هذا القرض، الذي يأخذ .. ، قلنا: هذا تبرير لهذا الكسل الذي يعيشونه، وعلى هذا التواكل، نعم قد يضطر الإنسان إلى الأخذ، ويكون من أهل الصدقة، ومن أهل الزكاة، لكن لا شك أن المعطي أفضل منه. ((اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)) ابدأ بمن تعول، الذي يلزمك نفقته ابدأ به، والذي تحت يدك لا تعرضه للضياع ((ولئن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)) ابدأ بمن تعول، فإذا كان الذي عندك لا يكفي فابدأ بنفسك، ثم بولدك، ثم بزوجك، ثم بخادمك، على ما سيأتي في حديث الدنانير الآتي.

стр. 1475

((وابدأ بمن تعول)) ((وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يمون)) ((وخير الصدقة -ما كان- عن ظهر غنى)) لأنه يبقي لك .. ، إذا تصدقت يبقى لك ما تقوم به حاجتك ومصالحك، ومصالح من تحت يدك. ((ومن يستعفف يعفه الله)) كل أمور الدنيا بالتمرين والتدريج، العلم بالتعلم، الحلم بالتحلم، العفة بالتعفف، ((من يستعفف يعفه الله)) يتحمل يصبر فيعينه الله -جل وعلا- على هذا التحمل، وعلى هذا الصبر، ويكفيه ما يعرضه لامتهان نفسه، ويجازيه الله -جل وعلا- برفع حاجته، إذا أنزلها بالله -جل وعلا- عن خلقه. ((ومن يستغن يغنه الله)) يستغني بالله عن خلقه يغنه الله، وبالعكس من أنزل حاجته بالمخلوق زادت الحاجة، وما ارتفعت، والأمر كله أولاً وآخراً بيد الله -جل وعلا-، كما قال النبي ﵊: ((إنما أنا قاسم، والله المعطي)) فعلى الإنسان أن يتصبر، ليس لكل حاجة أو لكل، كلما احتاج شيئاً ذهب يسأل الناس، لا، يتصبر، ويستعفف، فسوف يغنيه الله من فضله. "رواه البخاري بهذا اللفظ، وروى مسلم أكثره".

стр. 1476

"وعن أبي الزبير عن يحيى بن جعدة عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقل، وابدأ بمن تعول)) " ((ابدأ بمن تعول)) هذا مشترك بين الحديث ((ابدأ بمن تعول)) هذا متفق عليه في الحديثين، لكن في الأول "ما كان عن ظهر غنى" هو خير الصدقة، وهنا: ((جهد المقل)) أي الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقل)) فكأن في هذا شيء من التعارض، لا شك أن جهد المقل المتصف باليقين الواثق بالله -جل وعلا- عنده شيء قليل فدفعه إلى السائل هذا جهد مقل، لكن هل هذا يصلح من كل الناس؟ يصلح ممن عنده اليقين والرضا بالله -جل وعلا-؟ كما جاء في حديث أبي بكر قصة أبي بكر وعمر، الذي يقينه بالله -جل وعلا- يجعله يتجاوز هذا الأمر فيتصدق بجميع ما عنده، ولو كان قليلاً، هذا جهد المقل، ويحمد منه إذا كان على يقين من الله -جل وعلا-، وبوعد الله؛ لأن بعض الناس قد يفعل هذا، ثم لا يلبث أن يسأل، أو يتحدث في المجالس، والله أنا دفعت اللي عندي وقعدت، خلاص، الله يعوض خير، ويندم على ذلك، مثل هذا لا يتصدق إلا بالقدر الزائد عن حاجته، يعني بعض الناس يترك العلاج يترك الرقية، يترك الكي، يترك .. ، طمعاً في حديث السبعين الألف، وما أشبه ذلك، ثم تجده في المجالس يتحدث ويتأفف ويتشكى، ومن زاره ذكر له حالته بالتفصيل على سبيل الشكاية، وأنا تركت، وأنا فعلت، هذا يا أخي ابذل جميع الأسباب للشفاء أفضل من شكايتك إلى الخلق، وإخبارك بما بينك وبين ربك، فالناس يتفاوتون، من كان عنده من اليقين ما يتحمل به ما تحمل، من إنفاق للمال أو لتحمل الأمراض والمصائب دون أن يتعرض للأسباب؛ ليدخل في حديث السبعين، مثل هذا يمدح، لكن إذا ترك هذه الأمور المباحة في الأصل، فعل الأسباب مباحة، ولا يلزم الإنسان يتصدق بجميع ماله، لكن مع ذلك إذا تصدق بجميع ماله، وكان من النوع الذي عنده من اليقين والتوكل على الله -جل وعلا-، هذا يمدح، لكن إذا لم يكن عنده يقين ولا توكل، كل من دخل عليه: قال: والله تورطنا دفعنا كل اللي عندنا وقعدنا، هذا يصلح أن يتصدق بجميع ما عنده؟ هذا يتصدق بالقدر الزائد عن حاجته، وإن أمسك بعض القدر الزائد بعد أفضل، والله المستعان.

стр. 1477

"رواه أحمد، وهذا لفظه، وأبو داود والحاكم، وقال: على شرط مسلم" ومقتضى كونه على شرط مسلم أن يكون الإمام مسلم قد خرج لجميع رواته، قال المؤلف: "وليس -الأمر- كذلك، فإن يحيى" هذا يحيى بن جعده "فإن يحيى لم يرو له مسلم" والحديث ليس على شرطه "ولكن وثقه أبو حاتم وغيره" فهو ثقة، فالحديث صحيح وإن لم يكن على شرط مسلم. قال ﵀: "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تصدقوا)) فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار" يعني اصنع به ما شئت هذا صدقة هذا الدينار "قال: ((تصدق به على نفسك)) " يعني إن كان ما عندك غيره فأنفقه على نفسك "قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على زوجتك)) " يعني أنفقه على زوجتك "قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على ولدك)) " من ذكور وإناث، " قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على خادمك)) قال: عندي آخر، قال: ((أنت أبصر به)) " ولا شك أن النفقات الواجبة مقدمة على الصدقة، وجاء في أكثر من حديث: ((وابدأ بمن تعول)) وهؤلاء تلزمهم نفقته، فهم أولى ببره وإحسانه من غيرهم، والحديث حسن؛ لأنه من رواية ابن عجلان، وعنده بعض الأخطاء، ولذا قالوا: إنه صدوق له أوهام، فالحديث حسن. "رواه أبو داود والنسائي، وهذا لفظه، وصححه الحاكم".

стр. 1478

"وعن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق" حث النبي ﵊ على الصدقة "فوافق ذلك مالاً عندي" عمر يقول: وافق ذلك مال عندي، فقلت: فرصة، أنا الآن عندي مال لعلي أسبق أبا بكر؛ لأنهم يسارعون ويسابقون ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [(٢٦) سورة المطففين] يتنافسون على فعل الخير "اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا" يعني إن كان لي فرصة في العمر أسبقه فاليوم؛ لأن عندي مال "فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : ((ما أبقيت لأهلك؟ )) " كأنه رآه كثير " ((ما أبقيت لأهلك؟ )) قلت: مثله" يعني النصف "قال: وأتى أبو بكر بكل مال عنده، فقال رسول الله ﷺ : ((ما أبقيت لأهلك؟ )) فقال: أبقيت لهم الله ورسوله" يعني ما أبقى شيئاً، وهذا أبو بكر عنده من اليقين والثقة بالله -جل وعلا- ما عنده، فمثل أبي بكر يحصل منه أن يتصدق بجميع ما عنده، لكن من مثل أبي بكر؟! يقول عمر: "فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً" يعني في هذه الفرصة التي عنده المال ما استطاع أن يسبقه، فكيف يسبقه إذا لم يوجد مثل هذه الفرصة؟! "رواه عبد بن حميد في مسنده، وأبو داود، وهذا لفظه، والترمذي، وقال: حديث صحيح، وقد أخطأ من تكلم فيه لأجل هشام" يعني هشام بن سعد راوي الحديث "فإن مسلماً روى له" يعني جاز القنطرة، من رواة الصحيح "وقال أبو داود: هشام بن سعد من أثبت الناس في زيد بن أسلم" وهو يروي الحديث عن زيد بن أسلم عن عمر ﵁.

стр. 1479

"وعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : ((إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة)) " غير مفسدة يعني لا تقصد بذلك الإفساد، وإنما تقصد بذلك الإصلاح، تنفق من بيت زوجها؛ لأنها لها نوع صلاحية، فلها شبهة فيما يوجد في البيت؛ لأنها شريك للزوج المنفق، لا سيما إذا عرفت من حال الزوج أنه لا يتأثر بمثل ذلك، ولو لم يأذن لها؛ لأن كل امرأة تعرف حال زوجها، بعض الناس شحيح يحاسب المرأة على النقير والقطمير، مثل هذا لا بد أن يستأذن، وبعض الناس لا يدري ما في بيته، مجرد ما يقال: والله انتهت الأغراض يحضر بدلها، مثل هذا يتصدق من ماله، يعان على نفسه، ولو لم يعلم، وبعض الناس يعطي إذن عام، يكل الأمر إلى المرأة بقدر الحاجة، كلما مر فقير تصدقي، فالناس يتفاوتون، فالمرأة إذا أنفقت من طعام بيتها غير مفسدة، إذا صنعت الطعام ثم طرق الباب طارق وأعطته شيء يسير ما يؤثر هذه لها أجرها ((كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب)) لأن المال أصله من الزوج، هو الذي كسبه فالزوج له أجره بما بذل من المال، والزوجة لها أجرها بما أنفقت، وبما سعت في إعداد هذا الطعام وإصلاحه، المقصود أنها شريكة في الأجر.

стр. 1480

((وللخازن مثل ذلك)) الخازن الأمين إذا تصدق بما لا يفسد على صاحب المال ماله أعطى الشيء اليسير بما ينفع ولا يضر مثل هذا له أجر، وبعض الناس تجده خازن مأمور مستودع وتأتيه أوامر الصرف من المسئولين ويبخل على الناس، ويقتر على الناس، ويؤذي الناس، يعني بدلاً من أن تكون خازن أمين، تيسر على الناس، مأجور على هذا التيسير، وعلى هذا العطاء، وهذا موجود مع الأسف، وقد يكون على جهة خيرية، ويشق على الأخيار، قد يكون خازن لكتب علم في جهة توزيع من بيت المال، فإذا جاءه طلاب العلم آذاهم ورددهم مع أوامر الصرف الصريحة، تجدوه يقول: بعد شهر شهرين ثلاثة، ثم إذا جاء قال: والله ما عندنا شيء، انتهت الكتب، هذا فقد، والكتب موجودة، نسأل الله السلامة والعافية، فعلى الإنسان أن يتقي الله -جل وعلا-، الآن هنا الخازن قد لا يكون مصرح له أن ينفق، لكنه ينفق ويبذل بشيء لا يضر بصاحب المال، يعطي الشيء اليسير هذا له أجر، أما إذا صرح له، وبعث له بأوامر الصرف فإنه لا يجوز له حينئذٍ أن يتردد أو يردد، بل عليه أن يصرف فوراً، وما وضع في هذا الموضع إلا لخدمة الناس. ((وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً)) لا ينقص شيء، وهل يستوون في الجر؟ الزوج اشترى المواد، الزوجة طبخت، طرق الباب فناولت الزوجة شيئاً من المطبوخ الخادم وقالت: أعطه الذي في الباب، هؤلاء كلهم مأجورون، يشتركون في الأجر، لكن هل هم في الأجر سواء؟ أو كل له بقدر نصيبه منه؟ جاء ما يدل على الاستواء، وفضل الله واسع. "متفق عليه، وفي رواية: ((من بيت زوجها)) " ليس معنى هذا أن هذا يخول للمرأة أن تتصرف تصرفاً فوق هذا، جاء بالطعام فطرق طارق فأعطته الطعام كله، زوجها أين الغداء؟ أين العشاء؟ والله جاءنا مسكين وأعطيناه إياه، ليس هذا هو المراد، إنما بهذا القيد ((غير مفسدة)) لأن هذا يترتب عليه فساد، حتى فساد حياة الأسرة، وعيش الأسرة، تصور أنه جاء من العمل وتعبان وجائع، ثم قالت: والله طبخنا الغداء، ويش صار عليه؟ والله مر فقير وأعطيته إياه، ليس هذا هو المقصود، إنما تعطي هذا السائل من هذا الطعام من غير إفساد، ومن غير إضرار بأحد.

стр. 1481

"وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر" يعني في يوم عيد "إلى المصلى ثم انصرف فوعظ الناس" يعني صلى، صلى العيد، ثم لما انصرف من صلاته خطب خطبة العيد، وفيها وعظ الناس "وأمرهم بالصدقة" هذا بالنسبة للرجال "فقال: ((أيها الناس تصدقوا)) " فلما فرغ من موعظة الرجال ذهب إلى النساء فوعظهن، وحثهن على الصدقة "فمر على النساء فقال: ((يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار)) فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ " الصحابيات يسألون عن السبب الذي به كثرن في النار، وصرن أكثر من الرجال، يسألن عن السبب لاجتنابه "وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: ((تكثرن اللعن)) " نعم اللعن في أوساط النساء أكثر، وعلى ألسنة النساء أكثر من الرجال، وإن كان هذا في بعض المجتمعات دون بعض، لكن هذا الأصل، ولذا في آيات اللعان في الخامسة الرجل يقول: إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، والمرأة تقول في الخامسة: إن غضب الله عليها؛ لأن النساء يكثرن اللعن فقد لا تكترث، قد تلعن. "قال: ((تكثرن اللعن، وتكفرن العشير)) " والعشير: الزوج، يعني الزوج ينفق ليل نهار، وقد يكون الرجل كريماً، وقد يكون مسرفاً، ويعطي المرأة كل ما يملك، ويجعلها تتصرف بجميع أمواله، لكن لو وجد يوم من الأيام طلبت منه شيء، وهو معروف بالإسراف والإكرام الزائد، ومع ذلك لو تخلف يوم من الأيام، قالت: ما رأيت خيراً قط. ((تكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين)) نعم المرأة ناقصة عقل ودين، نقصان عقلها شهادتها بنصف شهادة الرجل، ونقصان دينها تمكث الأيام لا تصوم ولا تصلي، لا يقول قائل: إن نقصان العقل أن النساء مجانين ما هو بصحيح، وتفضيل جنس الرجل على جنس المرأة لا يعني أن كل رجل أفضل من كل امرأة، هذا الكلام ليس بصحيح، فكم من امرأة تعدل فئاماً من الرجال، لكن الجنس أفضل من الجنس ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ [(٣٦) سورة آل عمران].

стр. 1482

((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل)) وتسمعون وتقرؤون الخبط والخلط الذي سببه الشعور بالنقص، يعني حينما يتهم الإسلام بظلم المرأة، تجد كثير من الناس يدافع دفاع المتهم حتى يصل به الأمر إلى أن يقول بعض الناس: إن الإسلام كرم المرأة، وجعلها أفضل من الرجل، هذا الكلام ليس بصحيح، الإسلام وضع المرأة موقعها المناسب لها، ومن ظلمها أن تُكلف بما يكلف به الرجال، والذين يدعون المساواة والحرية وحقوق المرأة وكذا، يريدونها تعمل في المصانع، وتشارك في بناء المنشآت، هذا الكلام ليس بصحيح، هذا ظلم للمرأة، تركيبها لا يحتمل هذا، ومع الأسف الشديد أن يقال لامرأة تربي وتنشئ الجيل على الدين وعلى الخير وعلى الفضل على الكتاب والسنة في بيتها أن يقال: هذه امرأة ساذجة، امرأة عاطلة، لكن ماذا يريدون؟ يريدون أن تخرج لتربي أولاد الناس من أجل أن يقال: عاملة، وتأتي بمن يربي أولادها، مسخ للفطر، التي تربي أولادها يقال: عاطلة، والتي تربي أولاد الناس يقال: عاملة، كله من أجل إيش؟ أن تخرج من بيتها، هذا هو المقصود، لا تربي، ما يبونها تربي، المقصود أن تخرج من بيتها، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [(٣٣) سورة الأحزاب] وبعض من ينتسب إلى .. ، قد يزعم أنه يدافع عن الإسلام، ويرد هذه الشبهات، لكنه يقع من خلال ما يعيشه من ضعف وشعور بنقص بأمر أشد مما فر منه، عندنا الكتاب والسنة ليس فيها خفاء ولا غبش، أمور ظاهرة وواضحة، هل يراد منا أن نخفي ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﵊ من أجل إرضاء الأعداء؟ أبداً والله، ليقولوا ما يشاءون ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [(٣٣) سورة فصلت] كيف تستخفي بإسلامك؟ بدينك مصدر عزك؟ فخر للمرأة أن تصان، وتكرم ولا تهان، كما فعل بها الإسلام. كم يتمنى نساء الشرق والغرب أن تكرم المرأة مثلما أكرم الإسلام المسلمات، ومع ذلك نعقد المؤتمرات والندوات، ونكتب البحوث، ونتنازل عن كثير مما جاء في شرعنا، ما هو بصحيح.

стр. 1483

((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) نعم تجد بعض الرجال مثلما قال الشاعر: وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطرُ تجد الرجل المهيب المقدم في قومه فإذا جاء في موضوع النساء ضاع. ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء)) نعم فتنة، المرأة فتنة، وبحوزتها شيء تستطيع أن تساوم عليه، وتغلب به الرجل، وهذه من الحكم الإلهية أن يكون بيد الرجل أمور يستطيع أن يضغط بها على المرأة، وعند المرأة أشياء تستطيع أن تضغط بها على الرجل؛ ليتكامل المجتمع، ولتتم مطالب هذا، وتتم مطالب هذه، وإلا لو كان الأمر كله بيد جهة واحدة ما تم العيش على الوجه المراد، تجد الذي بيده كل شيء يضغط الضغط التام على الجهة الثانية، لكن الجهة الثانية بيدها ما تستطيع به أن تذهب عقل الرجل؛ ليتم التوازن والتكامل؛ وليحصل كل واحد من الطرفين على حقوقه كاملة. "ثم انصرف، فلما صار إلى منزله" حصل استجابة من النساء فتصدقن ((ولو من حليكن)) فتصدقن، هذا تلقي القرط، وهذه الفتخ، وهذه كذا، فحصل في حجر بلال شيء كثير، واستدل به أهل العلم على أن للمرأة أن تتصدق ولو بغير رضا زوجها، مع أن هذا محمول على اليسير؛ لأن في سنن أبي داود أن ((من كانت ذا مال فلا تتصدق إلا بإذن زوجها)) يعني الشيء الكثير، يعني لا تتصرف بالشيء الكثير إلا بإذن زوجها.

стр. 1484

"ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب" هذه زينب يعني بالباب "فقال: ((أي الزيانب؟ )) " في أكثر من زينب "فقيل: امرأة ابن مسعود، قال: ((نعم، ائذنوا لها)) فأذن لها، فقالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي" تلبسه وتتجمل به "فأردت أن أتصدق به" استجابة لله ورسوله "فزعم ابن مسعود" عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن الهذلي ابن أم عبد الصحابي الجليل المشهور زعم "أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم" يعني ابن مسعود غني وإلا فقير؟ نعم محتاج، والفقر ليس بعيب ولا ذم، هذا من خيار الأمة ابن مسعود ((من أراد أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن أم عبد)) ومقامه ومناقبه لا تحصى ﵁ وأرضاه-، ولديه حاجة يحتاج والحاجة ليست بعيب ولا نقص. وكل كسر فإن الدين يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبرانُ ابن مسعود من كملة الرجال، ومع ذلك محتاج، والتفاضل إنما هو بالتقوى لا بالمال. "زعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم" تعني زوجها "فقال النبي ﷺ : ((صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم)) " ما دامت الحاجة موجودة في البيت والصدقة صدقة نفل تطوع، فلا شك أن إنفاقها على الزوج والولد أفضل مع الحاجة من إنفاقها على غيرهم. ((صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم)) رواه البخاري.

стр. 1485

أما بالنسبة لصرف الزكاة فالفرع والأصل لا تصرف لهم الزكاة بالاتفاق، واختلف في الزوج، الزوجة لا تدفع لها زكاة زوجها اتفاقاً؛ لأن نفقتها عليه، فلا يجوز أن يقي ماله بزكاته، الزوجة لا يلزمها نفقة زوجها فهل تدفع الزكاة لزوجها؟ خلاف بين أهل العلم، في حديث الباب يستدل به من يقول: إن الزوجة تدفع الزكاة لزوجها؛ لأن نفقته ليست واجبة عليها، والذي يقول: إن مآل هذه الزكاة أن ترجع إليها إذا دفعتها إلى زوجها ثم أنفق عليها من هذه الزكاة رجعت صدقتها إليها، فلا تجوز، فلا تجوز أن تدفع الزكاة إلى زوجها، والحديث محمول على الصدقة النفل، والمسألة خلافية بين أهل العلم، والأوضح أن الزوج لا يدفع زكاته إلى زوجته وهذا أمر معروف ومقرر عند أهل العلم، وكذلك الزوجة لا تدفع إلى زوجها؛ لأنه سوف ينفق منها عليها فتعود زكاتها إليها. "رواه البخاري" والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول: هل يسن للخطيب في هذا الزمان –يعني مع وجود المكبرات- أن يفرد في خطبته موعظة للنساء مع أنهن يسمعن جميع الموعظة لتوفر المكرفونات المسمعة؟ هناك أمور تختص بالنساء، وأمور تختص بالرجال، يأتي بالأمور العامة، ثم يثني بما يخص الرجال، ثم إن وجد ما يدعو إلى تخصيص النساء بشيء يخصصهن، ولا يلزم أن ينتقل إليهن في مقرهن، يعني في مصلاهن المعزول عن الرجال، إنما يصل إليهن ما يراد من خلال هذه المكبرات، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد ...

стр. 1486

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: المحرر - كتاب الصيام (١) باب: فرض الصوم الشيخ: عبد الكريم الخضير بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسالم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين. قال الإمام ابن عبد الهادي -يرحمه الله تعالى- في كتابه المحرر: كتاب الصيام باب: فرض الصوم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه)) متفق عليه، واللفظ لمسلم. وعن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له)) متفق عليه. ولمسلم: ((فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين)) وللبخاري: ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) وله من حديث أبي هريرة: ((فإن غُبّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)). وعن أبي مالك الأشجعي عن حسين بن الحارث الجدلي (جديلة قيس) أن أمير مكة خطب ثم قال: "عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، فسألت الحسين بن الحارث من أمير مكة؟ قال: لا أدري، ثم لقيني بعد فقال: هو الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب، ثم قال الأمير: إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني، وشهد هذا من رسول الله ﷺ ، وأومأ بيده إلى رجل، قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي: من هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر وصدق. عبد الله بنُ عمر. قال: "هذا عبد الله بنُ عمر وصدق، وهو أعلم بالله منه، فقال: بذلك أمرنا رسول الله ﷺ " رواه أبو داود وهذا لفظه، والدارقطني وقال: هذا إسناد صحيح متصل. وعن أبي بكر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه" رواه أبو داود وابن حبان والحاكم، وقال: على شرط مسلم.

стр. 1487

وعن ابن عمر عن حفصة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له)) رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قولُه وهو أصح. قولَه، قولَه يعني من قوله. عفا الله عنك. عن ابن عمر قولَه وهو أصح، وقال النسائي: والصواب عندنا أنه موقوف، وقال البيهقي: قد اختلف على الزهري في إسناده وفي رفعه، وعبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه، وهو من الثقات الأثبات. وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال: ((هل عندكم شيء؟ )) فقلنا: لا، قال: ((فإني إذاً صائم)) ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس، فقال: ((أرنيه، فلقد أصبحت صائماً)) فأكل، وفي لفظ طلحة -وهو ابن يحيى-: "فحدثت مجاهداً بهذا الحديث، فقال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها". رواه مسلم. وعن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تسحروا فإن في السحور بركة)) متفق عليهما. وعن سلمان بن عامر الضبي عن النبي ﷺ قال: ((إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وهذا لفظه، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال: على شرط البخاري. حسبك يكفي. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله أصحابه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب الصيام الكتاب مر التعريف به مراراً في كتاب الطهارة، وفي كتاب الصلاة، وفي كتاب الجنائز، وفي كتاب الزكاة، وهذا هو الموضع الخامس، ولا داعي لتعريفه مرة خامسة.

стр. 1488

والصيام مصدر صام يصوم صياماً وصوماً، والأصل في الصيام الإمساك، الإمساك عن أي شيء؟ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [(٢٦) سورة مريم] يعني الإمساك عن الكلام، الإمساك عن الحركة صيام، الإمساك عن المشي صيام، الإمساك عن الأكل والشرب أيضاً وجميع المفطرات صيام، فالأصل في الصيام مادته الإمساك. والصيام في الشرع هو الإمساك عن المفطرات من أكل وشرب وشهوة بنية من طلوع الفجر إلى غرب الشمس، لا بد أن يكون مستوعباً لهذا الوقت، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذا هو الصيام الشرعي، وأما مجرد الإمساك مدة ولو زادت عن هذا القدر، ولا تكون في هذا الوقت فإنها ليست بصيام، إنه الصيام المعتبر المعتد به شرعاً ما كان بنية لله -جل وعلا- فلو أمر الإنسان بالإمساك عن الطعام والشراب من أجل الحمية، وقيل له: لا تأكل ولا تشرب في هذه المدة من أجل الحفاظ على الصحة، فأمسك امتثالاً لأمر الطبيب، ولنفترض أنه من قبل طلوع الفجر إلى ما بعد غروب الشمس، هذا ليس بصيام، وإن كان إمساكاً؛ لأنه لم ينو به ولم يقصد به وجه الله -جل وعلا-.

стр. 1489

فالصيام لا بد له من نية خالصة لله -جل وعلا- ولو كان نفلاً، فإن الأعمال بالنيات، فإذا لم يكن بنية خالصة لله -جل وعلا- مستوعباً الوقت الشرعي فإنه لا يسمى صياماً، ولو أمسك بنية من طلوع الشمس إلى غروبها هذا أيضاً لا يسمى صيام شرعي؛ لأنه لم يقع في الوقت المحدد شرعاً، فلا بد أن يقع في الوقت المحدد شرعاً من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأن يكون بنية لله -جل وعلا- خالصة، قد يدخل في هذا شيء من التشريك، ويصحح الصيام حينئذٍ، مثل أن يقال له: لا تأكل مدة خمس عشرة سنة يومياً من أجل أن تحافظ على صحتك، أو من أجل أن يجرى لك عملية مثلاً، فأمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ناوياً وقاصداً بذلك الصيام ملاحظاً الوصية من الطبيب، فقال: بدلاً من أن أمسك بدون أجر أمسك بأجر وأصوم، ومثله لو نصحه الطبيب بالمشي فقال: بدلاً من أن أمشي في الشوارع أمشي في المطاف، هذا لا شك أن فيه شيء من التشريك، فالباعث والناهز الأصلي ليس هو العبادة، لكن العدول عن المباح إلى العبادة لا شك أن له أجر على هذا العدول، الذي يقول: بدلاً من أن أمسك مدة تزيد على مدة الصيام بدون أجر أنوي الصيام وأتقرب إلى الله -جل وعلا- وفضله واسع، وبدلاً من أن أمشي وأجوب الأسواق طولاً وعرضاً أمشي في المطاف وأتقرب بذلك إلى الله -جل وعلا-، وإن كان ممتثلاً نصيحة طبيب، فإنه يؤجر على نية العدول من المباح إلى المستحب، بعض الناس يصوم ويقوم متقرباً بذلك إلى الله -جل وعلا- لكن لا على هدي النبي ﵊.

стр. 1490

فالفارابي أبو نصر في آخر أمره، في آخر عمره جاور في البيت الحرام، ولزم الصيام والقيام، وكان فطوره كما يقولون: على الخمر المعتق وأفئدة الحملان -نسأل الله السلامة والعافية-، هذا الذي يصوم ويجعل فطره على محرم، قد يقول قائل: إن الجهة منفكة، له أجر صيامه، وعليه إثم ما ارتكب من المحرم، قد يقول قائل مثل هذا الكلام، ويرى أن الجهة تنفك في مثل هذا، والفقهاء قد لا يأمرونه بإعادة الصيام لو كان فرضاً؛ لأنه صام الوقت المحدد شرعاً، وترتبت عليه آثاره، وبه سقط الطلب، لكن العلماء الربانيين أرباب السلوك وأطباء القلوب يرون مثل هذا خدش في العبادة، كيف تصلح نيته ويستقيم أمره وقد أفطر على هذا المحرم المجمع على تحريمه؟! وإلا يوجد في الناس اليوم من يفطر على الدخان، يوجد، ولا شك أن مثل هذا فيه، فيه نوع محادة، الله يأمرك -جل وعلا- عن الإمساك عن المباح ثم تفطر على حرام؟! يعني ونظير هذا ما يذكر -هذه ذكرناها مراراً في مناسبات وذكرها المؤرخون في بغداد- أن رجلاً حج من بغداد ثلاث مرات ماشياً، حج ثلاث مرات ماشي على قدميه، ولما عاد من الحجة الثالثة على قدميه آلاف الأميال، دخل بيته فإذا بأمه نائمة فاضطجع بجوارها فأحست به، فقالت: يا فلان اسقني ماءاً، فتثاقل، جاء تعبان من الحج على قدميه فتثاقل، الماء بضعة أمتار، والمشاعر التي قصدها راجلاً آلاف الأميال فكأنه لم يسمع ثم بعد ذلك قالت: يا فلان اسقني ماءاً، ثم لما طلبته الثالثة اسقني ماءاً راجع نفسه، وقال: أمشي آلاف الأميال في حج نفل، وهذا الفرض في أمر الوالدة هذا فرض ليس له فيه مندوحة، وليست له خيرة، وأمتار يسيرة أتردد؟! لا بد أن تكون نيتي في حجي غير صحيحة، فسأل من سأل من أهل العلم، وهنا يؤكدون كما فعل الحافظ ابن رجب ﵀ في شرح الأربعين في جامع العلوم والحكم أن الفقهاء ينقسمون إلى قسمين: فقهاء الظاهر الذين يصححون الأعمال بمجرد اجتماع شروطها وأركانها وواجباتها، وليس لهم هدف وراء ذلك، وإن كان قد يقول قائل: إن النية شرط لصحة العبادة، وهي من اهتمام الفقهاء، لكن إذا قال لهم السائل: أنا حججت بحج توفرت شروطه وأركانه وواجباته، وشرح لهم طريقة الحج، قالوا: حجك

стр. 1491

صحيح، كما يصححون دفع الزكاة إذا أخذها الإمام قهراً، الزكاة صحيحة ويسقط بها الطلب، لكن ليس لهم شأن فيما وراء ذلك، هل هي مقبولة أو غير مقبولة؟ سأل هذا الحاج الذي حج ثلاث مرار على قدميه من بغداد سأل فقيه، لكن له عناية بأعمال القلوب ممن جمع بين الفقهين، فقال له: أعد حجة الإسلام، النية غير صحيحة، لكن قد تكون النية غير صحيحة في الحجة الأخيرة، أو في الحجة الثانية، وقد تكون صحيحة في الأولى قد تكون صحية في الثانية، المقصود أن مثل هذا الأمر يذكر في مثل هذا المقام، شخص يفطر على خمر، أو يمسك على محرم، لا شك أنه أمسك في المدة المحددة شرعاً، ونوى الصيام من الليل، المقصود أن مثل هذا يجب ملاحظته ومراعاته؛ لئلا يأتي الإنسان .. ، مسألة الخدش في الصيام هذه موجودة، لكن المسألة في الإجزاء. يعني أحمد أمين وهو القاضي الشرعي يقول: درسنا في مدرسة القضاء الشرعي شخص أعجبه في علمه ورأيه وسمته، يقول: فجأة انقطع عنا فصرت أبحث عنه عشر سنين، فلم أجده، يقول: سافرت إلى تركيا وفجأة رأيت هذا الرجل وقال: إنه انقطع عن الدنيا، فصار صواماً قواماً، انقطع عن الدنيا، ثم ذكر أحمد أمين أن هذا الرجل صيامه يبدأ من الساعة التاسعة صباحاً إلى غروب الشمس، هاه؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . هذا ما هو بصيام، والعذر أقبح من الفعل، لماذا؟ قال: لأن في الشقة التي تحته أسرة يهودية، ولا يستطيع أن يقوم في وقت إعداد الطعام للسحور لئلا يزعجهم، يعني الخلل يصل إلى هذا الحد -نسأل الله السلامة والعافية-، يعني هذا تلاعب بالعبادات، ولا شك أن هذا من تلبيس الشيطان على الناس، وله طرق، وله حيل في الدخول على قلوب الناس، يعني مثل هذا انقطع للعبادة، انقطع للصيام والقيام، ثم ماذا؟ -نسأل الله العافية- النتيجة عاملة ناصبة، يتعب في هذه العبادة وفي النهاية هباءً منثوراً، بل وبال عليه؛ لأن هذا ابتداع في الدين. فالصيام لا بد أن يكون خالصاً لوجه الله -جل وعلا- كسائر العبادات.

стр. 1492

الصيام ركن من أركان الإسلام بالإجماع، وهو الركن الرابع أو الخامس على خلاف بين أهل العلم، والخلاف في كفر تاركه كالخلاف الذي سقناه في الزكاة، ومثلهما الحج، الأركان الثلاثة قال جمع من أهل العلم بكفر تاركها، ورواية في مذهب الإمام أحمد وقول عند المالكية، وعامة أهل العلم على أنه لا يكفر إذا اعترف بالوجوب، وأنه ليس شيء من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. الصيام هو الركن الرابع عند جمهور أهل العلم، وعليه جروا في مؤلفاتهم، وعليه جاءت الرواية الصحيحة عن ابن عمر في صحيح مسلم: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج)) فقال رجل: الحج وصوم رمضان، قال ابن عمر: لا، صوم رمضان والحج. مع أنه في الصحيحين في البخاري ومسلم من حديث ابن عمر تقديم الحج على الصيام، وعلى هذا بنى الإمام البخاري ترتيب كتابه فقدم الحج على الصيام، ولكن جمهور أهل العلم على أن الصيام مقدم على الحج، أما اختلاف الرواية عن ابن عمر مسلم قدم الصيام، والمتفق عليها قدمت الحج على الصيام، المسألة يعني يلتمس أهل العلم في ذلك، وابن عمر رد على من قدم الحج، مع أنه قدم الحج كما في الصحيحين، والمرجح عند أهل العلم ما في الصحيحين هذا هو الأصل، على ما تفرد به أحد الشيخين، يعني ما في الصحيحين مقدم على ما في صحيح مسلم، فكيف يرد ابن عمر على من استدرك عليه؟ قالوا: إن ابن عمر احتمال أن يكون نسي الرواية الأخرى، يكون نسي، أو أراد أن يؤدب هذا الذي استدرك عليه، أراد أن يؤدب هذا الذي استدرك، تعجب، يعني هل أنت الذي سمعت الحديث من الرسول أو أنا؟ فكيف ترد علي؟ وقد يكون ابن عمر سمع الحديث على الوجهين.

стр. 1493

"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقدموا رمضان)) " يعني لا تتقدموا رمضان، نهي، ((لا تتقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه)) يعني لا يتقدم رمضان بنية الاحتياط لرمضان، أو ابتداء صوم لم يكن يصمه؛ لأن عندنا وقت محدد لدخول الشهر، لا لبس فيه، ولا غبش فيه ولا إشكال، برؤية الهلال، وبعض الناس يحمله التحري والاحتياط على أن يتقدم الناس بيوم أو يومين، وهذا التحري تنطع، وزيادة في دين الله لم يأذن الله بها، ولذا جاء النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين، العلة هذه ترتفع بمن كان يصوم مثلاً يوم معين كالاثنين أو الخميس ثم صادف أن يكون آخر شعبان يوم الاثنين هذا لا بأس، يصوم يوم الاثنين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه؛ لأن العلة التي من أجلها جاء النهي ارتفعت، جاء في حديث عمار بن ياسر أن من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، ويوم الشك الذي لم ير فيه الهلال، الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال بسبب غيم أو غبار أو قتر، أو ما أشبه ذلك هذا يوم الشك، فلا يجوز صيامه، وأيضاً إذا لم يوجد هذا الشك بأن جزم بأن هذا اليوم من شعبان وهو آخر أيام شعبان أيضاً لا يجوز صومه إلا إذا كان صوم اعتاده الإنسان في غيره من الشهور كان يصوم الاثنين أو الخميس ثم وافق أن يكون هذا اليوم يوم الاثنين أو الخميس. متفق عليه، واللفظ لمسلم. وعن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له)) متفق عليه.

стр. 1494

إذا رأيتم الهلال هلال رمضان فصوموا، وإذا رأيتم هلال شوال فأفطروا، والمراد بالرؤية الرؤية البصرية بالعين المجردة، ولا يكلف الإنسان أكثر مما أوتي، لا يقال: استعمل آلات تعينك على الرؤية، لكن لو استعمل وثبت أن الهلال ولد ووجد ورؤي فلا مانع كما يستعمل الإنسان في القراءة ما فيها إشكال، لكنه لا يؤمر باستعمال ما يعينه على الرؤية؛ لأن الأصل أن الله -جل وعلا- لا يكلف نفساً إلا ما آتاها، وهذه الآلات لا توجد على كل حال، لو كلف الناس بها فلم توجد، وهي غير موجودة في عهد النبوة، وفي كثير من أحوال المسلمين في البراري والقفار ليس عندهم آلات، إنما كلفوا بما أوتوا، وهي الرؤية بالعين المجردة، لكن استعمال ما يعين على الرؤية لا على سبيل الإلزام هذا لا إشكال فيه. ((صوموا لرؤيته)) ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)) يعني مفهومه أننا إذا لم نره فإننا لا نصوم ولا نفطر، لا بنية رمضان ولا بنية غيره، لا نصوم ولا نفطر، ((إذا رأيتموه فصوموا)) والضمير يعود إلى الهلال، هلال رمضان في الجملة الأولى، وهلال شوال في الجملة الثانية، وإن لم يتقدم له ذكر فإنه معلوم كما في قوله -جل وعلا-: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [(٣٢) سورة ص] لم يتقدم لها ذكر.

стр. 1495

((فإن غم عليكم)) إن خفي عليكم فلم تروه بسبب حائل من غبار أو غيم أو قترة، وما أشبه ذلك ((فاقدروا له)) هذا اللفظ المجمل الذي يحتمل التقدير بالحساب وإكمال شعبان الثلاثين، ويحتمل التضييق ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [(٧) سورة الطلاق] يعني ضيق عليه، كما يقول ابن عمر، فيصام هذا اليوم على هذا القول، يعني ضيقوا شعبان واجعلوه تسعاً وعشرين، من باب تفسير القدر هنا بالتضييق، والرواية المفسرة لهذا المجمل لمسلم: ((فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين)) فاقدروا له يعني شعبان ثلاثين، وللبخاري: ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) يعني هل بقي لبس فيما يحتمله اللفظ؟ لا لبس فيه، ومع ذلك يذكر عن ابن عمر أنه يصوم مثل هذا اليوم، وعند الحنابلة أيضاً رواية وهي قوية ومقدمة فإن لم ير الهلال لغيم أو قتر أو غبار فظاهر المذهب يجب صومه، يجب صوم هذا اليوم اتباعاً لابن عمر، مع وجود هذه النصوص الصريحة ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) فالقول بأنه يصام وجوباً أو استحباباً قول في غاية الضعف، ومخالف لما جاء في هذه الروايات المفسرة ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) يعني نحتاج إلى أن نفسر الكلمة لغوياً ونحن عندنا ما نفسر بها من الشرع؟ الألفاظ الشرعية تفسر بالمصطلحات الشرعية؛ لأن الشارع إنما جاء لبيان الشرع، نعم إذا لم نجد في الحقائق الشرعية ما يبين لنا المراد، فإننا حينئذٍ نلجأ إلى الحقائق اللغوية، فالحقيقة الشرعية مقدمة في أمور الشرع، فإذا لم نجد في النصوص ما يفسر رجعنا إلى لغة العرب؛ لأن النصوص جاءت بلسان العرب، قد يكون اللفظ يحتمل أكثر من حقيقة شرعية، كالمفلس مثلاً، النبي ﵊ قال: ((أتدرون من المفلس؟ )) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، كلام صحيح وإلا غير صحيح؟ حقيقة شرعية وإلا غير شرعية؟ شرعية، من وجد ماله عند رجل قد أفلس، المفلس من لا درهم له ولا متاع، لكن الرسول ﵊ أراد أن يبين لهم حقيقة شرعية غير ما يتبادر إلى الأذهان في هذا الباب الذي يريده ويتحدث عنه ﵊، ((المفلس من يأتي بأعمال)) في بعض الروايات: ((أمثال الجبال من صيام وصدقة

стр. 1496

وصلاة، ثم يأتي وقد ظلم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، أخذ مال هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته)) ... الحديث، هذا مفلس، وذاك أيضاً مفلس، وكلها حقائق شرعية، يعني لو طلب منك في الاختبار في باب الحجر والتفليس، وقيل لك: عرف المفلس، أو من وجد ماله عند رجله قد أفلس، اشرح الكلمات التالية: قد أفلس، تقول: من يأتي بأعمال أمثال الجبال؟ تقول: هذا يصح وإلا ما يصح؟ لا يصح، هذه أكثر من حقيقة شرعية، لكن عندنا ((فاقدروا له)) في هذا الباب يعني أكملوا العدة ثلاثين؛ لأنها جاءت مفسرة بنص صحيح صريح ما يحتمل، فلا نحتاج إلى أن نفسر اللفظ بمعنىً صحيح، لكنه لا يليق بهذا الباب، قدر التضييق، وقدر عليه رزقه يعني ضيق عليه رزقه صحيح، لكن لا يليق بهذا الباب كما أنه لا يليق أن نفسر المفلس بمن جاء بأعمال أمثال الجبال نفسر به حديث: ((من وجد ماله عند رجل قد أفلس)) قد يكون ملياً غنياً مكثراً مفلساً، قد يكون، لكن هذا باعتبار وهذا باعتبار، وهنا المناسب لتفسير اللفظ أننا نكمل العدة ثلاثين كما فسره النبي ﵊ في الروايات الأخرى. وله من حديث أبي هريرة ﵁: ((فإن غبي)) يعني أخفي عليكم ((فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)) وله، يعني للبخاري من حديث أبي هريرة ((فإن غبي فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)) يعني هل يبقى بعد هذا مستمسك لمن يقول: إننا نضيق شعبان ونجعله تسعة وعشرين؟ هل في احتمال وهذا في البخاري؟ فأكملوا عدة شعبان ثلاثين، يعني اللفظ الأول والذي قبله فأكملوا العدة قد يفهم الإنسان أننا نكمل عدة رمضان، ولا يلزم من هذا أن نكمل شعبان، لكن هذا اللفظ رافع لكل احتمال، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين. "وعن أبي مالك الأشجعي عن حسين بن الحارث الجدلي (جديلة قيس) أن أمير مكة خطب، ثم قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ " أمير مكة صحابي وإلا غير صحابي؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 1497

نعم، يقول: "عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية" يعني نضحي للرؤية، ونحج للرؤية "فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما" لا بد من شاهدين، ولا بد أن يكون الشاهدان عدلين، هذا بالنسبة لشهر النسك، أما شهر رمضان جميع الشهور تثبت دخولاً وخروجاً بشهادة اثنين، شهر رمضان هو محل الخلاف بين أهل العلم كما سيأتي في حديث ابن عمر والأعرابي، لكن حديث الباب جارٍ على الأصل "وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما" شهدا أنهما رأيا الهلال "فسألت الحسين بن الحارث" يعني الذي يروي عنه أبي مالك الأشجعي يروي عن حسين بن الحارث، سأل الحسين بن الحارث من أمير مكة؟ لأنه قال له: إن أمير مكة خطب ثم قال "من أمير مكة هذا؟ قال: لا أدري" لعله نسيه في هذا الوقت "ثم لقيني بعد فقال: هو الحارث بن حاطب" تذكر أو ذكر "فقال: الحارث بن حاطب، أخو محمد بن حاطب، ثم قال الأمير: إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني" وهذا في عهد الصحابة، الصحابة متوافرون، ومع ذلك يتولى المفضول مع وجود الفاضل، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل "ثم قال الأمير: إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني، وشهد هذا من رسول الله ﷺ ، وأومأ بيده إلى رجل، قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي: من هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ " كأنه لا يراه، يحول بينه وبينه شيء "فقال: هذا عبد الله بن عمر وصدق" يعني الحارث بن حاطب في مصاف ابن عمر في العلم؟ أبداً، هو أعلم بالله ورسوله من هذا الأمير، ومع ذلك إمارته صحيحة، لا يقدح فيها بسبب أنه وجد من هو أولى منه، لا، مذهب أهل السنة قاطبة صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل، نعم الأولى والأكمل أن يتولى الفاضل؛ لأنه هو الذي سوف يدير الأمور على مراد الله ومراد رسوله، لكن إذا تولى المفضول لا سيما في حال الإجبار أو في حال التولية فإنه يجب السمع والطاعة له، ولو اختل فيه بعض الشروط، ولو كان عبداً حبشياً، أما في حال الاختيار فلا يمكن أن يولى في حال الاختيار إلا من تتوافر فيه الشروط.

стр. 1498

"قال: هذا عبد الله بن عمر وصدق، وهو أعلم بالله منه، فقال: بذلك أمرنا رسول الله ﷺ " يعني أمرنا أن نصوم بالرؤية: ((صوموا لرؤيته)) هذا خطاب متجه لكل من يتأتى منه السماع والفهم ورد الجواب، ممن بوشر بهذا الخطاب من الصحابة، وممن يأتي بعدهم إلى قيام الساعة، هذا خطاب للأمة، ولا يعني أنه متجه إلى كل فرد فرد من أفراد الأمة بأن يتراءوا الهلال ويروه جميعاً، والذي لا يراه لا يصوم، لا ((صوموا لرؤيته)) يعني لرؤيتكم إياه، والرؤية تثبت بمن يثبت خبره، وشهر الصيام شهر العبادة من أمور الآخرة بينما الشهور الأخرى شأنها من شئون الدنيا، تترتب عليها أمور دنيوية، فدخولها وخروجها بشهادة، وأما رمضان فدخوله بخبر؛ لأنه عبادة تثبت بسائر الأخبار كالرواية، ولذا يقبل فيها الواحد على ما سيأتي، وتقبل فيها المرأة، ويقبل فيها العبد؛ لأنها رواية، كما تصح رواية المرأة، وتقبل رواية العبد، أما بقية الشهور فالآثار المترتبة عليها أمور دنيوية، ديون، حلول الديون، وما أشبه ذلك كلها لا بد فيها من شهادات كما تثبت الديون بالشهادات، لا بد من شاهدي عدل دخولاً وخروجاً، أما دخول رمضان فباعتباره عبادة من العبادات فيكفي فيه خبر من يثبت الخبر بقوله، وهو العدل الضابط، يعني الثقة. رواه أبو داود وهذا لفظه، والدارقطني وقال: هذا إسناد صحيح متصل.

стр. 1499

"وعن أبي بكر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر ﵄ قال: "تراءى الناس الهلال" هذا أمر يهم الجميع، فينبغي أن يهتم به الجميع، بعض الناس كأن الأمر لا يعنيه، نعم إذا عرف من نفسه أنه سواءً تراءى أو لم يتراءى لا فرق لضعف في بصره، هذا ما فيه إشكال، لكن الذي لديه أهلية ويمكن أن يرى الهلال هذا الأمر يهمه كما يهم سائر الأمة، فعليه أن يتراءى مع الناس، ولذلك قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته" ابن عمر فقط "فصام وأمر الناس بصيامه" واحد، لماذا؟ لأنه عبادة تثبت كسائر الأخبار، يعني هل يشترط العدد في الرواية؟ حديث: الأعمال بالنيات ما رواه إلا عمر بن الخطاب ﵁ مع أنه مجمع على صحته، ومجمع على مقتضاه، وهو اشتراط النية في جميع ما يتقرب به إلى الله -جل وعلا-، هذا خبر، ما يتعلق في عبادات الناس يكفي فيه واحد؛ لأن هذه ديانة، والإنسان مؤتمن على دينه، والمسألة مفترضة في ثقة، أما غير الثقة فإنه لا يقبل. "تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه" رواه أبو داود وابن حبان والحاكم، وقال: على شرط مسلم. وعن ابن عمر عن حفصة ...

стр. 1500

قبل ذلك: مسألة الرؤية وأنها معلقة بالرؤية البصرية على ما تقدم بيانه، ولا نكلف فوق ذلك، ولا نعتمد على حساب ولا فلك ولا غير ذلك، وقد جاءت النصوص الصحيحة الصريحة القطعية بأن المقدمات الشرعية نتائجها شرعية ((صوموا لرؤيته)) رآه واحد من المسلمين فصاموا، لو اجتمع أهل الفلك كلهم وقالوا: إن الهلال لم يولد، قلنا: مقدمتنا شرعية ((صوموا لرؤيته)) وقد ثبتت رؤيته، مقدمتنا شرعية نتيجتنا شرعية، حكم الحاكم بشاهدي عدل وتعديلهما بواسطة المزكين، وحكم بأن الحق لفلان شرعاً الحق لفلان، المقدمة شرعية والحكم صحيح، ولو تبين خطأه فيما بعد؛ لأنه ما دامت المقدمة شرعية فالنتيجة شرعية، يعني ما رأينا الهلال فأكملنا شعبان ثلاثين فتبين فيما بعد أن شعبان تسعة وعشرين، فلما صمنا ثمانية وعشرين يوم رئي هلال شوال، تكون مقدمتنا شرعية ولا ضير ولا حرج، ولا أدنى حرج فيما صنعنا، اللهم إلا إذا كان هذا نتج من تقصير في الترائي، أما إذا تراءاه الناس فلم يروه، فلا نكلف أكثر من هذا، والحاكم لا يكلف أن يحكم بأكثر من شاهدي عدل، فإذا حكم بأن الحق لفلان، وفي الواقع أن الحق لفلان، المؤيد بالوحي ﵊ يقول: ((إنما أنا بشر أحكم على نحو ما أسمع)) فالحكم صحيح والحاكم مأجور أصاب أو أخطأ، فالنتيجة شرعية ما دامت المقدمة شرعية، لو شهد ثلاثة على رجل بالزنا، وكلهم أثبتوا ذلك، وأقسموا على ذلك بأنهم رأوه بأعينهم، وكلامهم مطابق للواقع، هل نقول: هؤلاء صادقون أم كاذبون؟ نعم؟ ﴿فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [(١٣) سورة النور] ولو رأوه بأعينهم، لماذا؟ لأن المقدمة شرعية ما تم النصاب، فالنتيجة شرعية، هم كذبة ولو رأوه بأعينهم، فلا نكلف أكثر مما نستطيع، فالشرع رتب نتائج على مقدمات، فإذا وجدت هذه المقدمات الشرعية فالنتائج بلا محالة شرعية، ولو لم تطابق الواقع؛ ولا نقول: كم مرة جربنا وطلع الشهر ثمانية وعشرين، إذاً الرؤية لا تنضبط، تنضبط، ولا نكلف أكثر من ذلك ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)) هذا خطاب لكل من يصح توجيه الخطاب إليه من الأمة.

стр. 1501

طيب ((صوموا لرؤيته)) رآه شخص في بلد من البلدان وهو ثقة، لكن ما رأى القاضي أن الشروط تنطبق عليه فرد شهادته، يصوم وإلا ما يصوم؟ هو رآه مؤكداً؟ طالب:. . . . . . . . . يصوم وإلا ما يصوم؟ يعني مثلما اختلفتم أنتم اختلف أهل العلم. طالب:. . . . . . . . . عندك دليل؟ عندك دليل؟ طالب: رآه. رآه، عندك دليل، الصوم حينما يصوم الناس، والفطر حينما يفطر الناس، يعني افترض أنه رأى هلال شوال يعيد والناس صائمين؟ نفسها ((أفطروا لرؤيته)) نفس الدليل، المسألة خلافية بين أهل العلم، منهم من يرى أنه مكلف في نفسه برؤيته هو، مكلف برؤيته، فإذا رآه عليه أن يصوم، وإذا رآه عليه أن يفطر؛ لعموم: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)) ومنهم من يقول: لا، لا يشذ على الناس، ما دام ردت شهادته فرؤيته غير شرعية، وإن كان متحققاً منها فالصوم يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس. طيب رآه في بلد بعيد، ثم قدم إلى بلد لم ير فيه الهلال في ذلك اليوم، كما حصل في قصة كريب حينما قدم من الشام وهو في صحيح مسلم رأوا الهلال ليلة الجمعة، وفي المدينة ما رئي الهلال إلا ليلة السبت، قدم كريب فلما أكمل ثلاثين قال: أفطروا، فإننا رأينا الهلال، معاوية والناس رأوا الهلال ليلة الجمعة، فقال ابن عباس: لا، لا نصوم حتى نراه، ولا نفطر حتى نراه، نحن ما رأيناه إلا ليلة السبت، فإذا لم نره في هذه الليلة أكملنا العدة ثلاثين، وهذا دليل على اختلاف المطالع، فالشام مطالعه تختلف عن مطالع المدينة، وما في المشرق يختلف عما في المغرب، وكذلك سائر الأقاليم والأقطار، فلكل إقليم مطلعه، لكل إقليم مطلعه الذي يختص به، فقد يرى في اليمن ولا يرى في الشام والعكس. المقصود أن اختلاف المطالع أمر متيقن، ومقطوع به، ودليله مع الواقع قصة كريب المخرجة في صحيح مسلم. ثبتت رؤية الهلال في الشام ليلة الجمعة، لكنه في المدينة ما رئي إلا ليلة السبت، ما قال ابن عباس: إننا ما رأيناه وهو في الحقيقة طالع، فنكتفي بتسعة وعشرين؛ لأنه رئي الهلال، واليوم يوم العيد قطعاً، لا، المطالع تختلف، فرؤية أهل الشام لأهل الشام، ورؤية أهل المدينة لأهل المدينة. طالب:. . . . . . . . .

стр. 1502

هي دولة إسلامية واحدة، المدينة تبع معاوية. من أهل العلم من يرى أنه إذا رئي الهلال، رآه من تصح مخاطبته بصوموا لرؤيته، رآه هذا الشخص الثقة في أي بلد، وفي أي صقع، وفي أي قطر من أقطار الأرض، فإن الناس جميعهم يلزمهم الصوم، وهذا معروف عند الحنابلة وغيرهم، لزم الناس كلهم الصوم، في المشرق والمغرب، في المدينة والشام وغيرها، ابن عباس لما رفض الإفطار بخبر كريب، هو ما كذب كريب، ما كذب كريب، صدق كريب، وأنهم رأوه في الشام، لكن في المدينة نختلف عنكم، "قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ " يعني كيف يقول قائل: إنه يلزم الناس كلهم الصوم والقصة صحيحة يعني هل يخفى على الحنابلة هذه القصة وهي في صحيح مسلم؟ ما يخفى عليهم، لكن قول ابن عباس: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ يحتمل أنه أمرهم بأمر خاص يتعلق باختلاف المطالع، وأنه أمرهم بأمر عام وهو قوله: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)) فيكون هذا بناءً على فهم ابن عباس من هذا الحديث، فلا يكون ملزماً، الاحتجاج ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ نعم، يعني قد يقول قائل: كيف يسوغ مثل هذا القول مع قصة كريب مع ابن عباس، وابن عباس يقول: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ؟ يعني هل أمرهم بأمر خاص يتعلق باختلاف المطالع أنكم إذا رأيتموه في بلد لا يلزم بقية البلدان الصوم حتى يروه، أو أنه أمرهم بقوله: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)) ولذا القول الثاني له حظ من النظر، يعني ما هو بخطأ قطعاً؛ لأن هذا مبني على فهم ابن عباس، وعلى ما عند ابن عباس من أمر، هل عنده أمر خاص، أو عنده أمر عام ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)) وهذا الحديث يحتمل القولين. طالب:. . . . . . . . .

стр. 1503

احتمال أن يكون عند ابن عباس خبر خاص يتعلق بالمطالع سمعه من النبي ﵊، وطبق عليه ما حصل من قول كريب، ويحتمل أن يكون هذا فهم فهمه ابن عباس من عموم حديث: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)) ولذلك تجدون الفتوى وهي من أناس أهل أثر، ما يقال: والله يقلدون مذهب وإلا غيره، لا، الشيخ ابن باز ما يرى مانع من أن يلزم الناس كلهم بالصوم في جميع الأقطار، وأن البلدان يصومون تبعاً لولاتهم وعلمائهم، كل على حسب فهمه، ولا تضييق في هذه المسألة لأنها مسألة قديمة، ومبنية على فهم لابن عباس ﵁. القصة صحيحة ما فيها إشكال، لكن يبقى النظر في قوله: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، هل هو بأمر خاص يتعلق باختلاف المطالع، فنقول حينئذٍ: القول الثاني لا وجه له، لكن ما بينه ابن عباس فيحتمل أن الأمر الذي أشار إليه ابن عباس هو ما جاء في قوله: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)). وعن ابن عمر عن حفصة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له)). قبل الفجر معلوم أن الصيام يبدأ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهنا قبل الفجر العلماء يقررون أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، هل يتم الصيام من طلوع الفجر دون إمساك جزء يسير من الليل؟ نعم؟ هل يتم استيعاب غسل الوجه إلا بغسل جزء يسير من الرأس؟ لا يتم هذا إلا بهذا، يمثلون لهذه القاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يمثلون بهاتين المسألتين، لا يتم استيعاب جميع النهار من طلوع الفجر إلا بإمساك جزء من الليل، وكذلك غسل الوجه لا يتم استيعابه إلا بغسل جزء من الرأس. ((من لم يبيت الصيام قبل الفجر)) يعني ينوي الصيام قبل الفجر ((فلا صيام له)) لماذا؟ لأن الصيام عبادة، والعبادة من شرط صحتها النية، فلا صيام إلا بنية. طالب:. . . . . . . . . يأتي، ((من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له)) لأن النية شرط لجميع العبادات والصيام عبادة.

стр. 1504

"رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي، والترمذي، وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قولَه" يعني من قوله موقوفاً عليه، وهو أصح، ولا مانع أن يذكره ابن عمر عن أخته حفصة ترفعه إلى النبي ﷺ ثم بعد ذلك يفتي به من قوله، ويتظافر على ذلك المرفوع والموقوف. وقال النسائي: والصواب عندنا أنه موقوف، ولا يمنع أن يكون سند الموقوف أصح وأنظف من أن يكون المرفوع أيضاً صحيحاً. وقال البيهقي: قد اختلف على الزهري في إسناده وفي رفعه، وعبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه، وهو من الثقات الأثبات. يعني فيقبل منه الرفع. ما تقدم من تبييت النية من الليل هذا الأصل فيه العموم ((من لم يبيت الصيام)) الصيام جنس يشم الفرض والنفل، لكن خرج النفل بحديث عائشة. وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال: ((هل عندكم شيء؟ )) دخل الضحى، قال: ((هل عندكم شيء؟ )) فقلنا لا، قال: فإني إذاً صائم، ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي إلينا حيس فقال: أرنيه دعيني أنظر إليه، ((فلقد أصبحت صائماً)) ثم أكل. وفي هذا يقول أهل العلم: المتطوع أمير نفسه، يعني إن شاء أتم، وإن شاء أفطر، مع أن المسألة عند أهل العلم يختلفون فيمن أفطر بعد أن عزم على صيام النفل من غير عذر، منهم من يلزمه بالقضاء كالمالكية والشافعية، ومنهم من يقول: هو أمير نفسه. سلمان عزم على أبي الدرداء أن يفطر، وقال له: إن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، فقال النبي ﵊ لما أخبر قال: ((صدق سلمان)) فأفطر أبو الدرداء.

стр. 1505

هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، يعني من الضحى، هو ما أكل في أول النهار، لا يقول قائل: أنا والله صليت الفجر وتصبحت بسبع تمرات، ثم لما جاء وقت الفطور يقول: هل عندكم شيء؟ لا، هذا خلاص انتهى، هذا مفطر من الأصل، لكن إذا كان ممسك من قبل طلوع الفجر ثم ما وجد شيء يصح صومه النفل والنية تنعطف، وأجره من انعقاد النية أو من طلوع الفجر؟ نعم؟ فضل الله واسع، ما دام الصيام صحيح، ومعتد به من طلوع الفجر ولو لم تصحبه نية فلا يمنع أن يكون أجره من طلوع الفجر. من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر. الركعة الأولى في الوقت وهي أداء، لكن الثانية بالنسبة لصلاة الصبح قضاء وإلا أداء؟ ويش معنى أدرك؟ أدرك الوقت، من أهل العلم من يقول: حتى الركعة الثانية أداء، ما دام في الخبر الصحيح أدرك، فكيف نقول: نوصل لها في غير الوقت؟ على كل حال مثل هذه الأمور مدارها على النصوص. " ((هل عندكم شيء؟ )) فقلنا: لا، فقال: ((إني إذاً صائم)) ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي إلينا حيس" تمر مخلوط بسمن ودقيق وأقط، هذا يسمونه حيس "فقال: ((أرينيه، فلقد أصبحت صائماً)) فأكل" فلا مانع أن يفطر المتطوع، لا مانع من أن يفطر المتطوع. في الحديث الأول، في الجملة الأولى من الحديث: ((هل عندكم شيء؟ )) فقلنا: لا، فقال: ((إني إذاً صائم)) يعني لو كان عندهم شيء أفطر، طيب لو قالوا: عندنا شيء فنوى الإفطار ثم ذهبوا فلم يجدوا شيئاً، هل له أن يقول: إني صائم؟ هل عندكم شيء؟ قالوا: نعم، راحوا بيجيبوا شيء من المستودع ما وجدوا، نوى الإفطار، بيأكل إذا أحضروا، فما وجدوا شيء، هاه. طالب:. . . . . . . . . لأن عندنا صورتين: الصورة الأولى ما عندهم شيء استمر صائم، وفي قرارة نفسه أنه يأكل لو كان عندهم شيء فهو فطر معلق. الصورة الثانية: صائم وعندهم شيء وأكل، هذا ما فيه إشكال، قال: هل عندكم شيء؟ قالوا: نعم، نوى الإفطار، ذهبوا لإحضاره ما وجدوا شيء، فعاد إلى نيته، أو نقول: من نوى الإفطار أفطر كما يقول أهل العلم؟ يقولون: من نوى الإفطار أفطر. طالب:. . . . . . . . . كيف؟

стр. 1506

طالب:. . . . . . . . . لو ما أكل، ومن نوى الإفطار أفطر، خلاص شوف كلام أهل العلم، يقولون: ومن نوى الإفطار أفطر، يعني عزم على الإفطار. طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . والنفل، خلاص نوى الأكل، أكل، يعني هو صائم، خلونا على مذهب من يقول: إن الحجامة تفطر، جاءه من يقول له: إن هناك شخص يحتاج إلى التبرع بالدم، يحتاجون إلى لتر، فذهب إلى المستشفى عازماً على التبرع، ثم لما وصل المستشفى قالوا: استغنينا، وهذا مبني على مسألة الحجامة هل تفطر أو لا تفطر؟ وسيأتي الكلام فيها، قالوا: استغنينا، يعود صائم وإلا نقول: نوى الإفطار؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . ما معنى قول أهل العلم: من نوى الإفطار أفطر؟ عازم هذا رائح، ركب السيارة عشرين كيلو يبي يتبرع، هاه؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . المقصود أن هذا كلام أهل العلم: "من نوى الإفطار أفطر" فهل يخرج بذلك بمجرد النية؟ نوى قطع صلاته، هو يصلي نوى قطع الصلاة وما قطعها، تبطل وإلا ما تبطل؟ هاه؟ طالب:. . . . . . . . . من قال: لا؟ يتوضأ غسل وجهه ويديه ونوى قطع الوضوء يكمل وإلا يستأنف؟ يستأنف؛ لأن قطع العبادة وجد في أثنائها، لكن لو تم وضوؤه وغسل رجليه، ثم حاول نقض الوضوء فعجز، ينتقض وضوؤه وإلا لا؟ ما ينتقض؛ لأنه فرغ من العبادة، لو نوى الإفطار بعد غروب الشمس، يقول: أنا صمت اليوم، والله الظاهر أني ما أنا بحاجة لصيام هذا اليوم، نوى أن يقطع صيامه الذي انتهى، هذا ما ينقطع صيامه، لكن في أثناء العبادة النية مؤثرة في أثناء العبادة. وفي لفظ: قال طلحة -وهو ابن يحيى-: فحدثت مجاهداً بهذا الحديث، فقال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها. رواه مسلم. استلم الراتب وقال: هذه خمسمائة ريال من الراتب صدقة، وقبل أن يستلمها المتصدَق عليه رجع في صدقته، يلزمه إخراجها وإلا ما يلزمه؟ ما يلزمه، إلا إذا اقترن ذلك بالعهد، قدم من الرياض مريداً العمرة وقبل أن يحرم رجع، يلزمه وإلا ما يلزمه؟ ما يلزمه، لكن بعد دخوله وشروعه في العبادة يلزمه الإتمام، لا سيما المناسك.

стр. 1507

وعن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تسحروا فإن في السحور بركة)) متفق عليهما. ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)) كان اليهود يؤخرون ويتابعهم بعض المبتدعة الذين يؤخرون الفطر حتى تشتبك النجوم. الله -جل وعلا- كريم، ويحب أن يبادر الإنسان بالأكل من نعمه وفضله إذا حان وقتها، فكونك تؤخر لا يخلو إما أن يكون من باب الاحتياط للعبادة والقدر الزائد على ما شرع الله -جل وعلا- فهذا لا إشكال في دخوله في هذا الحديث: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)) يعني ما لم يشابهوا اليهود في تأخير الفطر حتى تشتبك النجوم، وبعض من ينتسب إلى القبلة يفعل هذا حذو القذة بالقذة، قد يقول قائل: إن النبي ﵊ واصل وواصل بأصحابه، وقال: ((من كان منكم مواصلاً فليواصل إلى السحر)) يلزمه على ذلك تأخير الفطور، ويبقى مع ذلك أن الناس لا يزالون بخير وهو الفضل أن يفطر الإنسان بعد غروب الشمس مباشرة، وسيأتي ما في الوصال من كلام. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تسحروا فإن في السحور بركة)). السحور: هي أكلة ما قبل الإمساك، ويسن تأخيره، كما يسن تعجيل الفطر؛ للاستعانة به على الصيام، وهو طعام مبارك ((تسحروا فإن في السحور بركة)) وكثير من الناس اليوم ممن ابتلي بالسهر تجده يؤخر طعام العشاء إلى منتصف الليل ثم يستغني به عن السحور فيحرم هذه البركة. متفق عليهما. وعن سلمان بن عامر الضبي ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وهذا لفظه، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال: على شرط البخاري.

стр. 1508

وقال: على شرط البخاري هل هذا الكلام صحيح؟ الحديث مضعف عند جمع من أهل العلم، الذي يروي الحديث عن سليمان بن عامر الضبي امرأة اسمها الرباب بنت صليع، هذه لا تعرف، هذه لا تعرف فكيف يقول الحاكم: على شرط البخاري؟ هل خرج البخاري للرباب هذه التي لا تعرف؟ فليس الأمر كما قال، بل الحديث مضعف بها، وهو من قوله ﵊، وأمره ﵊ ضعيف، لكنه ثابت من فعله ﵊ من حديث أنس قال: كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء، هذا ثابت عنه ﵊ من فعله، وأما بالنسبة للأمر فليفطر فلا يصح، بل هو ضعيف، نظيره ثبوت الشيء بفعله لا بقوله له نظائر، ثبت عنه ﵊ أنه كان يضطجع بعد ركعتي الصبح، والأمر بالاضطجاع من قوله ﵊ شاذ، أخطأ فيه عبد الواحد بن زياد، ونظيره أيضاً الجلوس بعد صلاة الصبح حتى تنتشر الشمس من فعله ﵊ ثابت، ومن قوله ﵊ والوعد المرتب على ذلك لا يسلم من ضعف، فقد يثبت الخبر من فعله ثم يتوهم بعض الرواة أنه يأمر به ما دام يفعله هو يأمر به، فيهم بعض الرواة ويرويه من قوله، وهذا له عدة أمثلها، ومنها:

стр. 1509

حديث الباب النبي ﵊ كان يفطر على رطبات، فإن لم تكن أفطر على تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء، وأما قوله: ((فليفطر على تمر)) فهذا ضعيف؛ لأن فيه الرباب بنت صليع، وهي لا تعرف، المقصود أنه من فعله ﵊ ثابت، ويبقى أنه من قوله لا يثبت، قد يقول بعضهم كما نقول: إن الموقوف يشهد للمرفوع، والمرسل يشهد للموصول، لماذا لا يشهد القول على ضعفه للفعل؟ نعم، القول يختلف عن الفعل، القول مقرون بلام الأمر، فيترتب عليه أن هذا مأمور به، ومجرد الفعل لا يقتضي الأمر، قد يكون تركه خلاف الأولى، لا يقتضي تحريماً ولا كراهة، فمدلول هذا غير مدلول هذا، ففيه حينئذٍ خلف، مثل الأمر بالاضطجاع، ((إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه)) مع أنه ثبت أنه اضطجع، وفرق بين أن يأمر بالشيء وبين أن يفعله ﵊ مجرداً. طالب:. . . . . . . . . ويش هو؟ طالب:. . . . . . . . . فيه كلام لأهل العلم، مضعف عند جمع من أهل العلم. طالب:. . . . . . . . . لا أقول: ضعيف، لكنه مضعف، ويرجى الثواب يرجى من الله -جل وعلا-. يقول: فطور التمر سنة ... رسول الله سنه ... فاز بالأجر من يحلي منه سنه. سُنة، سَنه، سِنه، هذا مثلث، هاه؟ طالب:. . . . . . . . . فطور التمر سُنة ... رسول الله سنه ... فاز بالأجر من يحلي منه سنه ويش الفرق بينهن؟ سُنة مثل سِنه؟ مثلها؟ يقول: أنا من دولة تعتمد في صومها وفطرها على الحساب الفلكي فهل أصوم وأفطر مع دولة أخرى تعتمد الرؤية حتى ولو خالفت أهل بلدي؟ وماذا أفعل لتفادي الحرج عند صيامي وأهلي مفطرون؟

стр. 1510

على كل حال مثل هذه الأمور هذه مشكلة ومعضلة، ويعاني منها كثير من المسلمين في البلدان التي تحكم بغير ما أنزل الله، الأقليات يعانون معاناة شديدة في كثير من القضايا الشرعية، وقد يعاني منها من هم بين أهليهم وبين ذويهم، في مجتمع أهله مسلمون، ومع ذلك يلزمون بمقدمات غير شرعية في عبادات عظيمة مثل الصيام ومثل الحج وغير ذلك، وقد يجبرون على دفع الزكوات فتصرف في غير مصارفها، هذه الأمور حقيقة هذا خلل كبير عند المسلمين في كثير من الأقطار، فعلى المسلم أن يتحرى في عبادته لله -جل وعلا- ما يوافق الشرع. يقول: هل الخطاب في: ((صوموا لرؤيته)) لأهل الزمان أم لأهل المكان؟ لكل من يتجه له الخطاب هذا هو الأصل، نعم لكل من يتجه له الخطاب هذا هو الأصل فيه، ولا يمكن أن يوجه إلى المسلمين فرداً فرداً؛ لأنه لا يلزم أن يراه جميع الناس، وإنما يثبت برؤية بعض الناس الذين يلزم العمل بخبرهم. بعض الناس يقول في حديث: ((إننا أمة أمية لا نقرأ ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا)) الشهر تسع وعشرون، يقول: إن هذا الخطاب بالنسبة لأهل زمانه ﵊ حينما كانت الأمية غالبة، وبعد أن تعلم الناس وعرفوا من العلوم ما يعينهم على الرؤية بالحساب وبالآلات وما أشبه ذلك؟ نقول: هذا الكلام ليس بصحيح، النبي ﵊ بعث لهذه الأمة من وقته ﵊ إلى قيام الساعة. لو فرض القول باختلاف المطالع فكيف تكون ليلة القدر ليست ليلة واحدة في الوتر من العشر الأواخر من رمضان؟
следующие страницы →