← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6366

شرح المحرر في الحديث - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بالنسبة للحرمين مثلاً في الأماكن غير المفروشة، قد يقول قائل: لماذا لا يكون حكمها حكم المساجد يدخل فيها بالنعال ويصلى بالنعال؟ لأنها غير مفروشة ولا تتأثر، لا سيما الأماكن غير المفروشة، أما المفروش لا شك أنه يتأثر، وحينئذٍ يجتنب مثل هذا اتقاءً لإتلاف المال، يلزم عليه لو أن الناس دخلوا المساجد في نعالهم لزم من ذلك أن تغير الفرشاة باستمرار، بينما لو حفظت من هذا واكتفي بالقدم المجردة مكث الفرش سنين، أما الأماكن غير المفروشة فلا شك أن السنة أن يصلى فيها بالنعال، ولكن لو وجد تشويش مثل ما هو الآن، لو أحد دخل بنعليه في المسجد الحرام أنكر الناس عليه قاطبة، وقد يستدلون لهذا الإنكار بقول الله -جل وعلا-: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [(١٢) سورة طه] وهذا أقدس منه، فإذا أمر بخلع النعلين بالوادي المقدس فخلع النعلين في المسجد الحرام يعني من باب أولى لأنه أقدس؛ لأن العلة التقديس، وهذا أقدس هذا المكان، إذاً يكون من باب هاه؟ القياس الجلي، مفهوم الموافقة، نعم؟ والقياس هنا يتأتى أو لا يتأتى؟ يعني الوادي نُص عليه، والحرم مسجد كغيره من المساجد، فهل يلحق .. ؟ لا شك أنه مكان مقدس، لكن هل يلحق بالمساجد باعتباره مسجد؟ وسماه الله -جل وعلا- مسجداً ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [(١) سورة الإسراء] فهو مسجد، فهل يلحق بالمساجد من هذه الحيثية، أو يلحق بالوادي المقدس لأنه حرام ومقدس؟ والتحريم تقديس، كونه حراماً تقديس، فماذا نستعمل من أنواع الأقيسة هنا؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . صوتك ما هو بواضح ترى. طالب:. . . . . . . . .

стр. 247

مفهوم الموافقة؟ لا نحن نتردد بين أمرين، هل نلحقه بالمساجد باعتباره مسجد كما في نص القرآن؟ والمساجد يدخل فيها بالنعال ويصلى فيها بالنعال، وعرفنا أن الكلام في المكان غير المفروش، أما ما يترتب عليه تلف لمال كالفرشاة، أو مما يلصق به هذا الأذى والقذر، ونرى النظافة تعمل باستمرار في المسجد الحرام، فإذا وقع شيء في غير المفروش أمره سهل، وغسله وتنظيفه سهل، فهل نلحقه بالمساجد باعتباره مسجداً، أو نلحقه بالواد المقدس الذي أمر بخلع النعلين باعتباره حرام والتحريم يعني التقديس؟ نستعمل في هذا من أنواع الأقيسة قياس الشبه، إيش معنى قياس الشبه؟ يعني تردد فرع بين أصلين فيلحق بأقواهما شبهاً، كثير من الناس يمنع من الدخول، ويستنكر بشدة أن يدخل الإنسان بنعاله في المسجد الحرام، ويستدل بالآية: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [(١٢) سورة طه] فهل لاستدلاله وجه؟ ونقول: إنه به أشبه؟ أو نقول: إنه مسجد من المساجد يدخل فيه بالنعال كغيره من المساجد؟ ويصلى فيه بالنعال هذا إذا استثنينا القسم المفروش؛ لأن الفرش يتلفه النعال والخفاف، وإتلاف المال جاءت النصوص بمنعه، وذكرنا أيضاً وجوه منها: أن الأذى والقذر يثبت في الفرش أكثر مما يثبت على الأرض، أو على البلاط، وما أشبه ذلك، وأيضاً تبقى الرائحة ولو غسل، والناس يسجدون عليها، ويتأذون بالروائح الكريهة، حتى أنه وجد من الناس من يترك المساجد للرائحة التي تعلق بالفرشاة، بالفرش هذه، لكن هؤلاء ليسوا بعبرة، والطعن في حجاج بن أرطأة لما تخلف عن الصلاة في بعض الأوقات لما لاعتبار أنه يصلي بجنبه من فيه رائحة، أو لا يتنظف، أو ما أشبه ذلك، ورمي ما رمي به من الكبر بسبب ذلك، هذا ليس بمبرر، لكن أيضاً من قبلنا ومن قبل الطرف الثاني عليه أن يرعى حرمة حقوق المساجد، وأمر الناس ببناء المساجد في الدور وأن تطيب وتنظف، لا بد من هذا؛ لأنها أقدس البقاع، فهل شبه المسجد الحرام بالمساجد أقوى أو بالوادي أقوى؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 248

لا شك أن وجوه الشبه بالمساجد أقوى من وجه شبهٍ واحد بالوادي، شبهه بالوادي التقديس وهو التطهير، ووجوه الشبه مع المساجد أكثر من وجه، فهو في حكم المساجد، فعلى هذا لو كان المسجد الحرام، أو المسجد النبوي ما في فرشاة فيه تراب، والنبي ﵊ صلى في النعلين في المسجد النبوي، فعلى هذا حكمه حكم المساجد، والاستدلال بالوادي فيه ضعف. "أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم" وجاء الأمر بالصلاة في النعال مخالفة لليهود، فعلى هذا أقل الأحوال الاستحباب، فليحرص طالب العلم على أن يصلي في نعليه حيث لا إشكال ولا إثارة، يعني إذا صلى في بيته مثلاً نافلة، أو صلى مع مجموعة في سفر أو نزهة، أو ما أشبه ذلك يصلي في نعليه تطبيقاً للسنة. النبي ﵊ صلى بالنعلين، فأخبره جبريل بأن فيهما أذى، فخلعهما، وبنى على ما مضى من صلاته، فعلى هذا لو تذكر الإنسان أن في شيء مما يلبسه نجاسة، أثناء صلاته يكتفي بخلعه، ويبني على ما مضى، لكن إذا لم يتمكن من خلعه إلا بانكشاف العورة يقطع صلاته؛ لأن انكشاف العورة مبطل للصلاة على ما تقدم. ثم قال -رحمه الله تعالى-: "وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [(١٤٤) سورة البقرة] " كان يصلي نحو بيت المقدس، لما هاجر النبي ﵊ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، ثم تشوف النبي ﵊ إلى التحويل من جهة بيت المقدس إلى المسجد الحرام، فأمر بذلك، فنسخت القبلة الأولى.

стр. 249

﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ [(١٤٤) سورة البقرة] يعني قبل الهجرة كان النبي ﵊ يصلي، الصلاة فرضت قبل الهجرة، فكان يصلي في المسجد الحرام، ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فيتجه إلى بيت المقدس، ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، لما هاجر لا يتمكن من ذلك، لا يستطيع أن يجعل الكعبة مستحيل جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فصار يصلي إلى بيت المقدس هذه المدة، ثم بعد ذلك نسخ التوجه إلى بيت المقدس، وجاء الأمر: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [(١٤٤) سورة البقرة]. التشوف منه ﵊ إلى التحويل نزل الأمر تحقيقاً لهذه الرغبة، فكان يتشوف إلى أن تحول القبلة إلى بيت الله الحرام بعد أن أيس من إسلام أهل الكتاب، وإلا كان في أول الأمر يرغب في مشابهتهم تأليفاً لهم، ثم لما أيس منهم منع من المشابهة، كما في فرق الشعر، بل حرم مشابهتهم، وهذا كان من باب التأليف إلى أن ييأس، إلى أن يأس ﵊، وهكذا يقال مثلاً للدعاة أن يؤلفوا الناس في دعوتهم حتى يحصل اليأس، وهذا يقال أيضاً بالنسبة لأصحاب المعاصي والجرائم والمنكرات، الأصل الهجر، يعني يهجروا، لكن إذا كان التأليف وعدم الهجر أجدى، فالمسألة مسألة علاج، فإذا لم يُجد التأليف رجع إلى الأصل. فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [(١٤٤) سورة البقرة] اللام في ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ تأكيد، والنون أيضاً نون التأكيد، فاجتمع في ذلك أكثر من تأكيد ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ والفعل نوع إيش؟ الفعل؟ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾. طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 250

مضارع مبني، والمضارع قد يكون في الحال، وقد يكون في الاستقبال، فعطف عليه الأمر بالفاء مع أنه كان الأمر ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ يعني في المستقبل قد تكون المدة قريبة أو بعيدة، لكن فولي دل على أن الأمر جاء مباشرة بعد هذا الوعد ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [(١٤٤) سورة البقرة] يعني جهة المسجد الحرام، الشطر: الجهة، وبهذا يستدل الجمهور في مسألة الاستقبال أن الجهة كافية، ويؤيده ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) والشافعية يقولون: المتعين إصابة عين الكعبة، الجمهور يقولون: يكفي الشطر يعني الجهة، وعند الشافعية يتعين التوجه إلى عين الكعبة، وهل هذا بالإمكان لمن بعد عنها؟ ليس بالإمكان، بل هذا مما يستحيل، يستحيل أن تجزم بأن هذا الاتجاه متجه إلى عين الكعبة، بخلاف محرابه ﵊، لكن ما عداه من الأماكن يستحيل، وهذه مشقة عظيمة، فكيف يتنصل الشافعية من هذه المشقة؟ كيف يتنصلون من هذه المشقة؟ يعني لو أريد حقيقة الكلام لا شك أن هذا عنت، ولا يمكن أن يتحقق، ولا يمكن أيضاً لو كان متحققاً لا على سبيل القطع واليقين، يعني لو أن إنساناً اجتهد ووافق عين الكعبة، ما الذي يدله على أنه أصاب عينها؟ ما في ما يدل؛ لأنه ليس مؤيد بوحي، ما في ما يدله، إذاً هذا القول فيه عنت ومشقة، يتنصلون من هذا بأن يكتفوا في ذلك بغلبة الظن أنه أصاب عين الكعبة، وحينئذٍ يكون الخلاف لفظياً. ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [(١٤٤) سورة البقرة] شطر يستدل بهذا من يقول: إن المصلي ينظر تلقاء وجهه، والجمهور على أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده، والأخذ للقول الأول من الآية ظاهر أنه ينظر تلقاء وجهه، والجمهور على أنه ينظر إلى موضع سجوده؛ لأنه أخشع له، وأحفظ لنفسه من التشتيت حتى قال بعضهم: إنه يسن له إذا خشي التشتيت أن يغمض عينيه؛ لئلا يتشتت ذهنه فيجتمع، ولا شك أن النظر إلى موضع السجود يجمع القلب، وأما إغماض العينين فقد ذكر أنه فعل اليهود.

стр. 251

﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [(١٤٤) سورة البقرة] هنا آية قطعية نسخت التوجه إلى بيت المقدس، والتوجه إلى بيت المقدس ثبت بالسنة، لكنها سنة مقطوع بها، فقطعي ينسخ قطعي، سنة مقطوع بها، فالقطعي هنا نسخ القطعي. "فمر رجل من بني سلِمة" وسلمة بكسر اللام النسبة إليها سلَمي بفتح اللام، وهكذا في كل ما كسر ثانيه كالنمر يقال بالنسبة إليه: النمَري، جابر بن عبد الله السلَمي، ابن عبد البر النمَري، إذا كان الثاني مكسور يفتح؛ لئلا تتوالى الكسرات، وبعضهم يصر ويؤكد أن يقول: الملِكي، نسبة إلى الملك، ولا يقول: الملَكي وهذا خطأ، بل الصواب ملَكي، يقول: صاحب السمو الملَكي مثلاً، أو هذا شماغ ملكي، أو أي شيء ينسب إلى الملك يقال له: ملَكي كسلَمي ونمري. "فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر" وقد صلوا ركعة، وبقيت عليهم الأخرى "فنادى" وهم في الصلاة "ألا إن القبلة قد حولت، فمالوا كما هم نحو القبلة" هذا خبر واحد، وهو مخرج في الصحيح، مالوا كما هم، وتحولوا عن القبلة المقطوع بها إلى قبلة أخرى بخبر واحد، فعلى كلام الأصوليين الظني لا ينسخ القطعي، وكلام الجمهور السنة لا تنسخ القرآن، لكن هنا سنة نسخت سنة، يعني هذا ينقل "ألا أن القبلة قد حولت" خبر واحد نسخت به السنة القطعية، وعند الأكثر أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، والظن لا ينسخ القطعي، وهنا استداروا كما هم، مالوا كما هم نحو القبلة، هذا الخبر احتفت به القرينة، فأفاد القطع، والقرينة ما يعرفه الصحابة كلهم أن النبي ﵊ متشوف إلى تحويل القبلة، وأن الله -جل وعلا- يجيب ما يطلبه نبيه ﵊، فهذه قرينة كما قال أهل العلم تجعل الخبر الواحد يرتقي إلى إفادة القطعية، فالأصل في خبر الواحد عندهم أنه لا يفيد إلا الظن، يعني الاحتمال الراجح؛ لأن هذا الواحد أو المجموعة الذين لم يصلوا إلى حد التواتر هؤلاء وإن كانوا ثقات حفاظ إلا أن احتمال الخطأ وارد، وما دام احتمال النقيض وارداً فإن الخبر لا يرقى إلى إفادة القطعية.

стр. 252

المقصود أن الخبر الواحد إذا احتفت به قرينة يفيد القطع على القول المحرر في كلام شيخ الإسلام وابن القيم وابن رجب وابن حجر وجمع غفير من أهل العلم، أنه إذا احتفت به القرينة أفاد القطع، وهذا منه، وابن رجب قرر هذه المسألة بأوضح بيان في شرح البخاري. "فنادى ألا إن القبلة" ألا تنبيه، (إن) هذه حرف التوكيد مع النصب "القبلة قد حولت، فمالوا كما هم نحو القبلة" الذي يدل على معرفتهم بتشوف النبي ﵊ إلى التحويل إلى جهة القبلة، إلى جهة الكعبة هنا مثل هذا الحديث "ألا إن القبلة قد حولت" إلى أين؟ يعني ما استداروا إلى جهة الشرق أو الغرب أو الجنوب أو الشمال أو إلى أي جهة، أو استفهموا، هم يعرفون أن النبي ﵊ يريد ويحب ويتشوف إلى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فلما قيل لهم بعض الخبر فهموا الباقي، فهذا يؤيد ما عندهم من قرينة. "ألا إن القبلة قد حولت فمالوا كما هم" وجاء في بعض الروايات والقصة حصلت أكثر من مرة، فمسجد قباء في صلاة العصر، وبني سلمة في صلاة الفجر، استداروا كما هم، وقبلوا هذا الخبر لما احتف به من قرينة "فمالوا كما هم" يعني مثل وضعهم، كما كانوا عليه، الإمام يتقدمهم، والصف يلوونه "نحو القبلة" يعني جهة الكعبة. "رواه مسلم". "وعن عثمان الأخنسي عن المقبري عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وتكلم فيه أحمد، وقواه البخاري" وعلى كل حال المرجح تصحيحه.

стр. 253

((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) هذا من فضل الله -جل وعلا- على هذه الأمة، ومن يسر هذه الشريعة وسهولتها وسماحتها؛ لأن هذا الأمر في غاية الحرج والضيق لو لم يرد مثل هذا النص، لكن جاء الأمر بهذه السعة ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) وهذا خطاب لأهل المدينة، ومن كان على سمتها ممن تكون القبلة بالنسبة له ما بين المشرق والمغرب، كمن كان على أو في جهة الشمال كالمدينة بالنسبة لمكة، أو جهة الجنوب، يعني المدينة والشام بين المشرق والمغرب، واليمن وما والاها من جهة الجنوب أيضاً قبلتهم بين المشرق والمغرب، لكن أهل المشرق؟ أهل المشرق قبلتهم على هذا الحديث تكون بين الشمال والجنوب، ومثلهم من كان في جهة المغرب بالنسبة لمكة، فإن قبلته ما بين الشمال والجنوب. يذكرون عن ابن المبارك: "أن ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المشرق" كيف يكون بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المشرق؟ الكلام صحيح وإلا غير صحيح؟ يمكن توجيهه وإلا ما يمكن؟ هم وجهوه أهل العلم وجهوه، يعني يقصد بالمشرق جهة العراق وما والاها، ولا يقصد بذلك المشرق الواقع بالنسبة لمكة نصاً كنجد والبحرين، وما أشبهها نص، هذا لا يمكن أن يكون ما بين المشرق والمغرب قبلة بالنسبة لهم، ولا المغرب نصاً، لكن من كان في هذه الجهة يقال له: مشرق، وقبلته بين المشرق والمغرب، فلا يريد بذلك المشرق الذي هو مسامت إلى جهة الشرق بالنسبة لمكة، وإنما يريد من كان واقعاً في المشرق إلا أنه في جهة ليست مسامتة لمكة، وعلى هذا يترجح قول الجمهور بأن المراد في الاستقبال الجهة. والقبلة لها علامات يستدل بها المسافر، وإذا كان الانحراف يسيراً فالأمر فيه سعة، ولذا حينما نهى النبي ﵊ عن استقبال القبلة ببول أو غائط، لا يكفي في ذلك الانحراف اليسير الذي لا يؤثر في الصلاة، بل لا بد من انحراف كثير مؤثر في الصلاة لا يصح معه الاستقبال.

стр. 254

إذا صلى إلى غير القبلة، اجتهد وصلى إلى غير القبلة، بذل وسعه وهو من أهل النظر والاجتهاد في هذا أو أخبره ثقة إن كان ليس من أهل النظر بأنها هذه هي القبلة، ثم صلى، ثم تبين له أنه ليس على القبلة صلاته ليست على القبلة، أهل العلم يفرقون بين الصحاري والقفار والبلدان، يقولون: البلدان ليست محل اجتهاد؛ لأنه بإمكانه أن يذهب إلى مسجد وينظر المحراب، أو يستقصي الخبر من أهل البلد، أهل المعرفة والخبرة به، فيصل إلى اليقين، وأما من كان في البراري والقفار والصحاري وفي الأسفار فهذا يكفيه اجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد، أو خبر الثقة إن كان ليس من أهل الاجتهاد، ممن يعرف العلامات، وبعضهم يكلف المصلي ويلزمه بغير لازم، فيأمره إذا اشتبه عليه الأمر أن يصلي إلى جهات أربع، إلى الأربع الجهات، فيكون بذلك قد أصاب القبلة، نظير ما يقولون فيما إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة فإنه حينئذٍ يصلي بعدد النجسة ويزيد صلاة لتكون صلاته بثوب طاهر يقيناً، وهذا يصلي صلوات حتى يجزم بأنه أصاب القبلة، لكن لو قلنا بهذا هل نكتفي بأربع صلوات؟ نعم؟ ما نكتفي، إنما نقول له: صل في هذا المكان الذي يسعك مقدار ذراع، ثم انتقل إلى ذراع ثانٍ بجواره إلى أن تصلي على دائرة، وما قال بهذا أحد من أهل العلم، لكنه لا يحصل اليقين إلا بهذا، أما أن يصلي إلى أربع الجهات، نعم على هذه السعة في هذا الحديث قد يصيب. يقول: عندي لبس في حديث: ((لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا)) هل هذا لأهل المدينة؟ فكيف يكون هذا الحديث؟ هل نبول إلى جهة القبلة .... أم يحصل خلط عند بعض الناس في المراد بالقبلة؟ القبلة هي جهة الاستقبال في الصلاة، تجدون في نجد مثلاً يقولون: مكانه في القبلة، ويريدون بذلك الجهة الغربية، الجهة الغربية هي القبلة عندهم؛ لأنها قريبة منها، قريبة من هذا، فيحصل لبس، فإذا قيل: في جهة الغرب ولو كان في جدة، وقلنا: القبلة وطردنا ما كان عند أهل نجد مثلاً وقلنا: في جهة القبلة ونريد بذلك الغرب، اضطرب عندنا الأمر، فالقبلة بالنسبة لأهل جدة غير القبلة بالنسبة لأهل نجد.

стр. 255

وهنا يقول: حديث: ((ولكن شرقوا أو غربوا)) هذا خطاب أيضاً لأهل المدينة؛ لأنهم إذا شرقوا أو غربوا القبلة في جهة الجنوب بالنسبة لهم، وهو مثل هذا الحديث؛ لأن بعض النصوص تخرج خاصة يقصد بها البلد وفي معناه غيرهم، فينظر إلى الجهات الأخرى، فيكون ما بين الشمال والجنوب قبلة لأناس آخرين. واستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، لا تصح إلا به، ولذا أردف الحديث بقوله: "وعن عامر بن ربيعة قال: رأيت النبي ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به" متفق عليه، وفي رواية البخاري: "يومئ برأسه قبل أي وجه توجه، ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في المكتوبة". إذا تقرر أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة فهل يحرم من لا يتمكن من الاستقبال؟ إذا لم يستطع الاستقبال فلا شك أنه معذور كمريض مثلاً على سرير لا يستطيع أن يتحرك إلى جهة القبلة، والسرير أيضاً مربوط بكهرباء، وما أشبه ذلك لا يستطيع أن يحركه ولا يُحرك، مثل هذا يصلي على حسب حاله. في مثل هذه الصورة التي ذكرها المؤلف في حديث عامر بن ربيعة قال: "رأيت النبي ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به" هذا كما شرحته الرواية الأخرى في النافلة، يصلي حيث توجهت به راحلته، وعلى هذا تكون قبلته الجهة التي يتوجه إليها "رأيت النبي ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به" يعني المسافر من مكة إلى الرياض تكون قبلته إلى جهة الشرق، ومكة في ظهره، وكل مسافر منتقل من مكة تكون القبلة في ظهره، إما إلى جهة الشرق أو الغرب أو الجنوب أو الشمال، وما أشبه ذلك.

стр. 256

"في رواية البخاري: "يومئ برأسه قبل أي وجه توجه" هنا: "حيث توجهت به" وهنا "قبل أي وجه توجه" ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة، يعني المسافر لا يحرم من التنفل، وهذا من التيسير، من تيسير الله على عبادة، وفتح المجالات لهم أن يتطوعوا وهم في أسفارهم؛ لأنه قد لا يتيسر لهم مزاولة ما كانوا يزاولونه في حال الاستقرار ففتح لهم هذا الباب من أبواب التطوع، فيتنفلون على الراحلة، وهذا معلوم أنه في السفر، فهل الحضر حكمه .. ؟ أحياناً يكون الإنسان في السيارة، وفي مشوار طويل، لكنه داخل البلد، وبإمكانه أن يصلي، ويومئ برأسه ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، عمله ﵊ إنما هو في السفر، فهل يقاس عليه الحضر؟ لا سيما وأن الناس في هذه الأزمان يمضون أوقات طويلة، وقد يكون وقت الراتبة يفوت، فهل يتنفل في سيارته وفي مشواره إلى جهته التي يريد؟ يعني التوسيع في النفل قد يعطي شيء من السعة في هذا، وأن له أن يصلي، أو مثلاً جاء من سفر، ودخل البلد وضاق الوقت على الوتر، ويريد أن يصلي بجماعته في المسجد مثلاً، وإذا نزل ما تمكن من الوصول إلى المسجد قبل الإقامة، ودخل البلد ويحتاج إلى نصف ساعة مثلاً إلى أن يصل الحي الذي يريد، فهل يوتر وهو في السيارة أو لا؟ مثل ما قلنا: إذا خشي أن يفوت الوتر لا يوجد -إن شاء الله- ما يمنع من أن يوتر، وهو في السيارة حيث توجهت به استناداً إلى مثل هذا الخبر، والوتر يفعله النبي ﵊ على الراحلة، وهو من أقوى الأدلة بالنسبة لمن يقول بأن الوتر سنة مؤكدة وليس بواجب؛ لأنه يفعله على الراحلة، ولم يكن يصلي المكتوبة على الراحلة.

стр. 257

جهته وقبلته حيث توجهت به راحلته، فمادام على الجهة والخط والسمت الذي تسير به الراحلة إلى مقصده فصلاته صحيحة، لكن لو طرأ إليه أمر من الأمور فانحرف يميناً وشمالاً عن جهته التي يريد، هو ماشي في الطريق وإلى جهة اليمين أو الشمال محطة بنزين واحتاج إلى بنزين، أو احتاج إلى أن يشتري شيء، أو يشترى له شيء من محل الأغذية البقالة، وما أشبه ذلك، فانحرف يميناً أو شمالاً، هل نقول: إن جهته حيث توجهت به يعني إلى جهة قصده، ويكون بذلك قد انتقل من جهته إلى غيرها لأمر طارئ؟ هو ماشي على الخط، الخط واضح مستقيم إلى جهته، وهو يصلي فجأة نظر إلى الإنبير إنبير البنزين وجده نازل وهذه محطة عن جهة اليمين، وافترض أنها بعيدة كيلو مثلاً، وتغيرت جهته، هل نقول: إنها تغيرت قبلته أو لا؟ حيث توجهت به، وهنا قبل أي وجه توجه، هل نقول: إن المراد بالجهة هذه حيث توجهت به إلى مراده الأصلي، أو يدخل فيه ما يطرأ عليه؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . يعني لو أن إنساناً يصلي إلى جهة القبلة ثم طرأ له ما طرأ فغير اتجاهه، صلاته تبطل وإلا ما تبطل؟ تبطل، هذا دل الحديث على أن قبلته حيث توجهت به، فإذا انحرف يميناً أو شمالاً عن وجهته كما لو كان إلى جهة القبلة فانحرف عنها يميناً أو شمالاً، أو نقول: ما دامت القبلة الأصلية متعذرة فجميع الجهات بالنسبة إليه سواء، فلا يضر؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . تعذرت، متعذرة، فهل نقول: إن الجهات بالنسبة إليه سواء، فسواء اتجه يميناً أو شمالاً أو على الجهة التي توجه إليها؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . نعم؟ طالب:. . . . . . . . . الأصل أن قبلته الجهة التي توجه إليها، هو متجه من مكة إلى الرياض هذه قبلته، جهة الشرق، ثم طرأ له وهو يصلي أن يزور صديقاً له في بلد في جهة اليمين أو الشمال فانحرف، نقول: تغيرت القبلة بالنسبة له أو نقول: إن الجهات بالنسبة له سواء؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . ما يتطلبه الطريق أصالة هذا ما فيه إشكال، يعني الخط متعرج يروح يمين شمال هذه قبلته، هذه جهته، لكن غير هذه القبلة، غير هذه الوجهة حيث توجهت به غيّرها، نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 258

الآن عندنا القبلة الأصلية إلى جهة الكعبة وهذه بدل، فهل نقول: ما دام الجهة الأصلية ما تيسرت فالكل بالنسبة له سواء؟ أو نقول: ليس له إلا البدل الشرعي؟ يعني نظير ذلك عندنا الوضوء بالماء بدله التراب، التيمم بالتراب، لو قال: أنا ما عندي ماء، والتراب يلوث، وأنا عندي شيء أفضل من التراب لكن ليس بماء، ينظف، هل نقول: ما دام تعذر عنه الماء الأصلي، الطهارة الأصلية فالبقية بالنسبة له سواء، أو عنده البديل الشرعي؟ طالب:. . . . . . . . . التيمم بديل شرعي، والوجهة التي في ذهنه لما شرع في الصلاة هي البديل الشرعي بالنسبة للكعبة، وما يطرأ عليها بعد ذلك كما يطرأ على القبلة الأصلية، وقيل بهذا أنه لا يجوز له أن ينحرف يمين ولا شمال، قبلته حيثما توجهت به راحلته. والقول الآخر: أنه ما دام تعذرت القبلة الأصلية فجميع الجهات بالنسبة إليه سواء، وعلى القول الأول أنه يلزم البدل حيث توجهت به راحلته يعني وجهته الأصلية التي يريدها أنه لا بد أن ينهي الصلاة، أو يترك الانحراف يميناً أو شمالاً.

стр. 259

"رأيت النبي ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به" متفق عليه، وفي رواية البخاري "يومئ برأسه قبل أي وجه توجه" ويكون إيماؤه بالسجود أخفض من إيمائه بالركوع، وإذا كان على سيارة مثلاً، راكب سيارة ومتجه والطريق فيه سيارات أخرى، وفيه أخطار، وقد ينوبه أو ينتابه شيء يعرضه للخطر، ففي حال الركوع بالإمكان أن ينظر إلى جهته التي توجه إليها، وينظر ويتقي بذلك الخطر، وأما بالنسبة للسجود الذي هو أخفض من الركوع يعني هل يلزم في السجود أن يسجد على طبلون السيارة والركوع يكون أرفع فيعرض نفسه للخطر؟ أو نقول: يومئ بركوع يشعر بأنه خالف جهة الاعتدال، والسجود أخفض منه وإن لم يمنعه من النظر؟ المقصود أن يكون أخفض من الركوع، والركوع يكون مخالف لهيئة الاعتدال، ولذا بعضهم يرى أن الصلاة على السيارة خطر، وأنها ليست مثل الدابة، وليست مثل الراحلة، وإذا قلنا بأنه يكتفى بإيماء يختلف فيه كل حال عن غيرها فلا خطر في ذلك -إن شاء الله تعالى-، هذا بالنسبة لقائد السيارة، أما بالنسبة للراكب هذا ما عنده مشكلة، وكلما قربت الصلاة من الحقيقة من الأصل هذا هو المطلوب، يعني الراكع بإمكانه أن يسجد سجود قريب من الحقيقي، يعني قريب من الأصلي، فعلى هذا لا يجوز له أن يخل بهذا وهو يستطيعه. بالنسبة للاستقبال حال الاستفتاح، يعني جاء في الحديث أن النبي ﵊ استقبل القبلة يفتتح الصلاة، ثم بعد ذلك حيثما توجهت به، لكن هذا الحديث أقوى منه، ولم يذكر فيه الاستقبال، فهل نقول: إن هذا الحديث مقيد بالحديث الذي يدل على الاستقبال حال الاستفتاح، أو نقول: تلك صورة وهذه صورة وهذا أصح وأقرب إلى التيسير؟ لأنه قد يشق الاستقبال، والمسألة إنما حصل فيها هذا التخفيف من أجل التيسير على المكلفين، وتكليفهم بالاستقبال حال الاستفتاح فيه عسر ومشقة، لا سيما في بعض الأوقات في وقت زحام، يعني أنت في خط سريع وفي سيارات عن يمينك وشمالك كيف تستقبل؟ فالتكليف بالاستقبال على كل حال منافٍ لما شرع له هذا الحكم، وهو التطوع على الراحلة حيثما توجهت به.

стр. 260

"ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة" دل على أن الفرائض يحتاط لها أكثر مما يحتاط للنوافل، فالنوافل مبناها على التخفيف، ويحتاط الإنسان للمكتوبة بحيث يخرج من عهدتها بيقين، ويتساهل على ضوء ما جاء عن الشرع عن المبلغ عن الله -جل وعلا- ولا يزيد على ذلك؛ لئلا يدخل في حيز الابتداع، فالمكتوبة لا تصح من القادر إلا حال قيامه لا بد أن يصلي قائماً، ولذا جاء في حديث عمران بن حصين: ((صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً)) فعلقه بالاستطاعة، وجاء في الحديث الصحيح: ((صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم)) وهذا محمول على النافلة فتصح النافلة من قعود بخلاف الفريضة، هذا بالنسبة للمستطيع، والنبي ﵊ يختم صلاته أحياناً بالليل بركعتين وهو جالس، مع أنه يستطيع القيام، فدل على أن النافلة أخف من الفريضة في مثل هذا، والحمل على النافلة دل عليه سبب الورود، سبب ورود الحديث: ((صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم)) فسببه أن النبي ﵊ دخل المسجد والمدينة محمة، يعني فيها حمى، فوجدهم يصلون من قعود، فقال: ((صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم)) فتجشم الناس الصلاة قياماً، فدل على أنهم يستطيعون وهي نافلة؛ لأنه وجدهم يصلون، ولا يصلون الفريضة حتى يحضر ﵊، فالنافلة لا شك أنها في بعض الأحكام تختلف عن الفريضة، ويبقى ما عدا ذلك ما عدا الوارد على الأصل، يعني ما يتسامح الإنسان فيصلي النافلة على وجه غير مجزئ ويقول: هذه نافلة، أو يثبت نافلة بخبر لا يثبت ويقول: نتساهل في قبول الخبر لأنه في نافلة، في فضيلة من الفضائل، ولو كان في الفرائض شددنا، ففرق بين الكيفية وبين الثبوت، الثبوت يتعلق به السنة والابتداع، فإن كان الخبر ثابتاً صار العمل سنة، وإن كان غير ثابت فالعمل بدعة، وأما بالنسبة لما ثبت، ثبت أصل العبادة ثم تساهلنا في أداء هذه العبادة تبعاً لنص ورد كصلاة على الراحلة، أو الصلاة من قعود وما أشبه ذلك، فإننا حينئذٍ نكون متبعين لا مبتدعين، ففرق بين أن نثبت النافلة بخبر لا يثبت ونقول: نتساهل لأن النوافل يتساهل بها؛ لأننا ندخل في

стр. 261

هذا في حيز البدعة، نعمل بعمل شرعي نتدين به ولم يسبق له شرعية من كتاب ولا سنة هذه بدعة، ولا نقول: إن هذه نافلة نتساهل فيها، نعم تتساهل في كيفية أدائها إذا ثبتت بما ثبت، فالتساهل لا بد أن يكون له أصل. بعض الناس إذا صف للفريضة احتاط لها ولم يتحرك، وإذا صلى النافلة أداها على أي وجه وتساهل تساهل شديد، بحيث تكون صلاته كالعابث، هل هذا يسوغ أو لا يسوغ؟ هل نقول: إننا نتساهل في النافلة لأنها نافلة؟ وعلى كل حال هي ربح ورأس المال الفريضة، نحرص عليه ونفرط في النافلة؟ لا أبداً، لا بد أن تؤدى العبادة سواءً كانت نافلة أو فريضة على وجه شرعي، وإلا نكون بذلك قد ابتدعنا. ثم قال -رحمه الله تعالى-: "وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: "إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله ﷺ يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [(٢٣٨) سورة البقرة] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام" متفق عليه، وليس في البخاري: "ونهينا عن الكلام". "إن كنا" (إن) هذه مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن كما يقول أهل العلم، و "كنا لنتكلم" اللام للتأكيد، "لنتكلم في الصلاة" جنس الصلاة ويشمل الفريضة والنافلة، كانوا يتكلمون؛ لأن الكلام جائز في أول الأمر، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، الحاجة في تقسيم أهل العلم قسيم للضرورة، كما أنها قسيم للتحسين والكمال، فهل المراد بالحاجة في الحديث ما اصطلح عليه أهل العلم من التقسيم الثلاثي؟ كانوا يتكلمون بحاجة، يعني لا يتكلمون بأشياء تكميلي، تحسيني، وإذا تكلموا بالحاجة فالضرورة من باب أولى، وإذا نسخ الكلام من أجل الحاجة فينسخ الكلام من أجل التحسين من باب أولى، لكن لا يلزم منه نسخ الكلام في حال الضرورة، واضح الكلام وإلا ما هو بواضح؟ لأن عندنا الحاجة "يكلم أحدنا صاحبه بحاجته" قسيم للضرورة والتحسين والكمال، فالنسخ يتناول المنصوص عليه، ويتناول الأدنى من باب أولى، لكنه لا يتناول الأعلى، أو نقول: إن الحاجة أعم وأشمل من أن تكون ضرورة أو حاجة أو تكميل فينسخ الجميع؟ واضح يا الإخوان وإلا ما هو بواضح؟

стр. 262

"إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله ﷺ يكلم أحدنا صاحبه بحاجته" قلنا: العلماء ذكروا أن الحاجة قسيم للضرورة والتحسين، الكمال، فالضرورة ما لا تثبت بدونه الحياة، والحاجة تثبت بدونها الحياة، لكن مع المشقة، والتحسين لا أثر له في ذلك، لا مشقة في تركه، فهل المراد بالحاجة الحاجة الاصطلاحية أو أنها أعم من أن تكون الحاجة الاصطلاحية فتشمل الجميع؟ وعلى هذا النسخ هنا النسخ ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [(٢٣٨) سورة البقرة] يتناول الضرورة وإلا ما يتناولها؟ تكلم إنسان لإنقاذ غريق يتناول وإلا ما يتناول؟ إن قلنا: إن الحاجة أعم من أن تكون ضرورة قلنا: يتناول، فلا كلام، والمراد بالكلام المنسوخ كلام الناس. ((إن في الصلاة لشغلاً)) ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها كلام الناس)) وكانوا يتكلمون، يكلم أحدنا صاحبه، وهل يتناول الكلام بالذكر غير المقصود؟ وإنما الصلاة شرعت لذكر الله، فإذا كان غير مقصود الذكر هل يكون من كلام الله أو من كلام الناس؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . أيوه؟ طالب:. . . . . . . . . يعني لمصلحة الصلاة، لكن لو جاء شخص وهو يريده في هذا الوقت دخل عليه، فقال: ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [(٤٠) سورة طه] تكلم بالقرآن، لكن هل هو يقصد قرآن؟ هل هو يقصد الذكر؟ وهل مثل هذا الكلام من مصلحة الصلاة؟ فهل تبطل الصلاة به أو لا تبطل؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 263

"يكلم أحدنا صاحبه بحاجته" لو كبر للصلاة ونسي أن يقول لأهله: جهزوا الغداء، ثم قال: ﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾ [(٦٢) سورة الكهف] صلاة صحيحة وإلا غير صحيحة؟ لا يصلح فيها كلام الناس وهذا كلام من؟ كلام الله -جل وعلا-، لكن هل هو مقصود به كلام الله أو مقصود به مخاطبة الناس بما يتداولونه من كلام؟ ودخل الولد ويريد أن .. ، أو الأخ وما أشبه ذلك وهو يريد .. ، ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [(٤٠) سورة طه] وليس هذا لمصلحة الصلاة قطعاً، لكن لو كان لمصلحة الصلاة فتح على الإمام سبحان الله، سجد، سبحان الله قام، سبحان الله ركع، ما يدري ويش يسوي؟ يقال له: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [(٧٧) سورة الحج] مثلاً، فهل يلحق القرآن غير المقصود بكلام الناس؟ لأن هذا هو مراد المتكلم، أو نقول: إن عدوله من قوله: أحضروا الغداء أو جهزوا الغداء إلى لفظ قرآني عدوله من هذا إلى هذا يدل على أنه وإن كان القصد الأصلي غير القرآن لكنه أراد القرآن معه؛ لئلا تبطل صلاته؟ ترى مسائل كثيرة، وتحصل باستمرار فنحتاج إليها. "يكلم أحدنا صاحبه بحاجته" نسخ الكلام بالحاجة أي حاجة كانت، وتبقى الضرورة إنقاذ غريق، أو ما أشبه ذلك، كما سيأتي في باب الخشوع و"اقتلوا الأسودين" وما أشبه ذلك، يأتي مزيد تفصيل لهذا، لكن يبقى أن الضرورات تقدر بقدرها، فقد لا تدخل الضرورة إلا إذا طالت، فتقطع الصلاة ويستأنف، وأما ما كان من حاجة أو تحسين أو كمال فهو داخل في النسخ بلا شك، والكلام في الحاجة بالقرآن، بحاجته هو بالقرآن، بحيث لا يقصد بذلك التلاوة، هل نقول: إنه لم يقصد التلاوة؟ فحكمها حكم كلام الناس، أو نقول: إنه ما عدل عن كلامه العادي إلى اللفظ القرآني إلا لأنه يقصد أن يتكلم بالقرآن؟ ومسألة الكلام بالقرآن في غير الصلاة مثلاً يعني وجد في كتب الأدب كثير، وأن الأصمعي لقي امرأة لا تتكلم إلا بالقرآن، كلما سألها أجابت بآية، ولا شك أن مثل هذا امتهان للقرآن، والقرآن لم ينزل لأجل هذا، فهذا لا يجوز. الظاهر أن الإخوان ما هم مشاركين.

стр. 264

إذا كبر لراتبة الظهر مثلاً، وقال: ﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾ [(٦٢) سورة الكهف] يخاطب ولده، بدل من أن يقول: أحضر الغداء، قال: ﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾ [(٦٢) سورة الكهف] ويقول: أنا والله ما تكلمت بكلام الناس هذا كلام الله، يفرق بين ما كان لمصلحة الصلاة فلا أثر له على الصلاة، وما كان لا لمصلحة الصلاة فالمتجه أنه مثل كلام الناس؛ لأنه لا يريد بذلك كلام الله -جل وعلا-. "حتى نزلت: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ " جميعها، الصلوات الخمس " ﴿والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ [(٢٣٨) سورة البقرة] " على وجه الخصوص، وهذا من باب عطف الخاص على العام للاهتمام بشأن الخاص والعناية به، والصلاة الوسطى تقدم أن المرجح هي صلاة العصر. ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [(٢٣٨) سورة البقرة] (قوموا) الصلاة يقام لها، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [(٦) سورة المائدة]. ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [(٢٣٨) سورة البقرة] والقنوت له معان عديدة منها: السكوت، ومنها: الدعاء، ومنها: طول القيام، والسياق يدل على أن المراد بالقنوت السكوت؛ لأنه قال: "فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام" لما نزلت هذه الآية نزل تحريم الكلام في الصلاة، فمما يبطل الصلاة الكلام، الضحك، والأكل والشرب، كل هذه مبطلات. الإشارة المفهمة هل تلحق بالكلام أو لا تلحق به؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . نعم، يعني في صلاة الكسوف أشارت إلى السماء فقالت: آية، فأشارت برأسها: أن نعم، فهذه إشارات مفهمة لا تبطل بها الصلاة، لكن لو كثرت صار شخص يصلي وأمامه جمع من الصم ويشرح لهم درس كامل، وهو يصلي، نقول: إشارة مبطلة وإلا غير مبطلة؟ أما قلنا: إن الإشارة لا تبطل الصلاة هذه إشارات. طالب:. . . . . . . . .

стр. 265

ولذا لا نطلق أن نقول: الإشارة لا تبطل الصلاة، لكن الإشارة المحتاج إليها إذا قلت فيكون حكمها حكم الحركة، أما إذا كثرت قال: والله أنا أستغل الوقت أنا بصلي وأشير إلى ها الصم وأعلمهم مجموعة يكون في آخر المسجد وهم قدامه، ويشير لفلان وعلان ويشرح لهم درس كامل ويقول: ما يؤثر، هل يمكن جمع بين هذه الإشارات المفهمة بالنسبة لهم وبين إطالة القراءة؟ يقول: أنا أتهجد طويلاً طويلاً، أنا أقرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران بركعة وأدرس هؤلاء المساكين اللي جالسين بالإشارة، يتسنى له أن يقرأ ما يريد مع كثرة هذه الإشارات؟ حافظ ضابط متقن، لكن بعض الإشارات تتعلق بالفم واللسان، فهذه تقطع القراءة، ومع ذلك إذا كثرت هذه الإشارات أبطلت الصلاة، ولو كانت في الأصل معفو عنها، لكن الإشارة مرة مفهمة مثل إشارة عائشة للكسوف كسوف الشمس لا يؤثر -إن شاء الله تعالى-. "أمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام" مسألة الأمر بالسكوت هل هو نهي عن الكلام من باب قول العلماء: الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ "أمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام" ولذا ليس في البخاري: "نهينا عن الكلام" لأنه من لازم الأمر بالسكوت النهي عن الكلام، فالجمع بينهما إنما هو من باب التوكيد، وإلا أمر بالسكوت من لازمه النهي عن الكلام، والأمر بالشيء نهي عن ضده، يعني إذا لم يكن له إلا ضد واحد، أما إذا كان له أضداد يتناول جميع الأضداد أو ضد واحد ويبقى الباقي؟ تراجع هذه المسألة يا إخوان. ثم قال بعد ذلك: "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء في الصلاة)) " ((من نابه شيء في صلاته فليسبح)) يعني يقول: سبحان الله، والرجال يسبحون ينزهون الله -جل وعلا-، فإذا أخطأ الإمام يسبح الرجال، ويصفق النساء، والتصفيق يكون بضرب إحدى اليدين بالأخرى، سواءً كان ببطونها أو بظهورها، المقصود أنه الصوت الذي يحدث من ضرب إحدى اليدين بالأخرى.

стр. 266

التسبيح تنزيه للرجال وصوتهم لا مانع ولا أثر له في الصلاة في مثل هذه الحالة، بينما النساء .. ، وهذا من شدة الاحتياط للنساء الوارد في النصوص وإلا فالأصل أن المرأة كيف تعدل عن التسبيح وهو ذكر إلى التصفيق وهو في الأصل عبث؟ إلا لأن صوتها مؤثر في الرجال، وعلى هذا لو كانت المرأة بين نساء يصلين في مسجد، والمرأة الإمامة أخطأت، فهل نقول: إن العلة ارتفعت فترجع إلى الأصل وهو الذكر أو نقول: إن اللفظ يشمل جميع الحالات؟ نعم يشمل جميع الحالات. عرفنا أن الرجل الذي لا إشكال فيه يسبح، ويدخل فيه الصبيان؛ لأنهم في حكم الرجال في هذا يسبحون، ويفتحون على الإمام بالصوت، والمرأة وفي حكمها الصغيرة وإن كان الرجل في الغالب يطلق على المكلف الكبير، والمرأة إنما تكون لمن بلغت تسع فأكثر، لكن المقصود به الجنس، تصفق. الخنثى ماذا يصنع؟ والمقصود به المشكل، الخنثى المشكل يسبح وإلا يصفق؟ أو يجمع بينهما؟ أو لا يفعل شيئاً لأنه ليس برجل ولا أنثى؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . نعم؟ طالب:. . . . . . . . . أنت افترض أنه في مجموعة من الخناثى لا كثرهم الله في زاوية المسجد قيل لهم: أنتم لا تصلون مع الرجال ولا مع النساء صلوا في زاوية، فاخطأ الإمام، ويش يسوون؟ يصفق؟ أو نقول: يدخل في عموم ((من نابه شيء في صلاته فليسبح))؟ يدخل في ((من نابه)) ولم يخرج من ذلك إلا النساء وهذا ما يخرج، يدخل في عموم ((من نابه)) ماذا نقول؟ طالب:. . . . . . . . . يصفق تغليباً لجانب أو احتياطاً لجانب الحظر؟ يعني المرأة ممنوعة من التسبيح، وهل الرجل ممنوع من التصفيق؟ وهذا يجرنا إلى مسألة أخرى وهي حكم التصفيق خارج الصلاة، دعونا من الصلاة، في الصلاة يصبح الرجل، وتصفق المرأة، ولذا نص على ذلك: ((في الصلاة)) وماذا عن خارج الصلاة؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 267

﴿عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ [(٣٥) سورة الأنفال] فالمكاء الصفير، والتصدية التصفيق، بعض أهل العلم يقول: إن من أعجبه شيء يصفق، وكون الكفار صلاتهم عند البيت التصدية التصفيق هذا نقول: إنه فعله على جهة الإعجاب لا على جهة التعبد، قاله بعض من يعتد بقوله من أهل العلم، لكن هل لمثل هذا الكلام وجه؟ وأحاديث التشبه كثيرة، والتشبه في الظاهر يؤدي إلى التشبه في الباطن. أعياد المشركين هل يجوز مشابهتهم بها؟ قالوا: إذا صفق للإعجاب .. ، هناك ما يفعلونه على جهة التعبد، وهذا يفعله على جهة الإعجاب، الذي يصنع أعياد الكفار إنما يفعلها على جهة الإعجاب، وهذا من أعظم أبواب التشبه، نعم قد يكون المصفق معجب بأمر آخر غير عبادة الكفار، والذي يفعل هذه الأعياد إنما إعجابه بعبادتهم. أنت افترض أن شخص فعل عيد من أعياد اليهود والنصارى مكره، أو جامل، أو لمصلحة دنيوية، معهم في تجارة، وقالوا لهم: سووا عيد، وسوى معهم، وهو في قلبه يبغضهم ويبغض أعيادهم، يجوز وإلا ما يجوز؟ لا يجوز بحال، فالمشابهة ممنوعة على أي وجه كانت. ((التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء)) يعني منع النساء من التسبيح، وهذا يستدل به من يرى أن صوت المرأة عورة، وهذا قول معتبر عند جمع من أهل العلم، ولذا تمنع من الأذان، وتمنع من التلبية برفع الصوت، وتمنع من أمور كثيرة؛ لأن صوتها عورة، وآخرون يرون أن صوت المرأة ليس بعورة، وإنما نهي عن الخضوع فيه، فلا تخضعن بالقول، الخضوع فيه هو الممنوع، المثير، وبعض النساء صوتها خضوع شاءت أم أبت، لا تستطيع أن تتنصل عنه، فمثل هذا تمنع من مخاطبة الرجال لما يترتب على ذلك من الفتنة. "قال ابن شهاب: "وقد رأيت رجالاً من أهل العلم يسبحون ويشيرون" يسبحون إذا نابهم شيء، ويشيرون عند الحاجة إشارة مفهمة لا تكثر. "متفق عليه، ولم يقل البخاري: ((في الصلاة)) ولا ذكر قول ابن شهاب" وهذا من دقة المؤلف -رحمه الله تعالى- حيث يبين هذه الفروق. ثم قال:

стр. 268

"وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء" البكاء من خشية الله لا شك أنه دليل على خشوع وخضوع، والخشوع لب الصلاة، ودليل على استحضار لهذا العمل العظيم، وما يذكر فيه من أذكار وتلاوة، وما أشبه ذلك، فلا شك أنه كمال. "رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز" الأزيز: ما يسمع من الصوت المتدارك كأصوات غليان القدر وما أشبهه. "كأزيز المرجل" المراد به القدر الذي أرجل على النار، يعني نصب عليها، فإذا كان فيه شيء يطبخ لا شك أنه يتحرك. "كأزيز المرجل من البكاء" النبي ﵊ أخشى الناس وأتقاهم وأعلمهم بالله، فيحصل له مثل هذا، وكثير من الناس مع الأسف الشديد أنه يدخل الصلاة ويخرج منها وكأن شيئاً لم يكن، وحينئذٍ لا يخرج منها إلا بشيء يسير من أجرها، وقد يخرج منها ولا أجر له، ويخرج الإنسان من صلاته بربعها، بنصفها، بعشرها، كل هذا حسب ما يستحضره من صلاته، وليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل، كثير من الناس بل من طلبة العلم لا يعقل من صلاته إلا الشيء اليسير، والله المستعان. فهذه صفته ﵊، وصفة من يقتدي به ويتبعه بأن يكون لصدره أزيز فيه اضطراب، وفيه حركة كأزيز المرجل من البكاء لما يستحضر من عظمة من وقف بين يديه. وبعض الناس تجده لا يبكي إلا إذا سمع صوت القارئ، فلا يبكي في السجود ولا في غيره من حالات الصلاة، وهذا له وجه، لا شك أن القرآن مؤثر، لكن بعض الناس يبكي إذا كان الصوت صوت القارئ جميل ومؤثر، ولا يبكي إذا كان صوت القارئ خلاف ذلك، فهل بكاؤه من أجل القرآن أو من أجل الصوت؟ يعني تقرأ سورة الواقعة يقرأها شخص فيبكي، يقرأها آخر كأنها ليس بقرآن لا يتأثر به، فهل نقول: إن هذا الذي تأثر تأثر بالصوت المجرد أو تأثر بالقرآن أو تأثر بالقرآن المؤدى بهذا الصوت؟ لأنه لما قرأها الآخر ما كأنها قرآن عنده، ما تأثر بذلك إطلاقاً، وقرأها فلان من الناس فبكى وتأثر، مثل هذا البكاء نافع وإلا غير نافع؟ ينفع وإلا ما ينفع؟

стр. 269

فتح المصحف وقرأ الواقعة وكأنه يقرأ جريدة، وسمع قراءة فلان من الناس فبكى، وسمع قراءة فلان من الناس ما كأنه يقرأ، هل التأثر بالصوت أو بالقرآن المجرد، أو بالقرآن المؤدى بهذا الصوت؟ يعني ينفع وإلا ما ينفع؟ ينفع، ولذا أمرنا بتحسين الصوت، وبتزيين القرآن بأصواتنا، أمرنا بذلك ولولا أن له أثر وتأثير في السامع لما أمرنا بتزيينه، المسألة واحد ما يختلف، لكن يبقى أن القرآن مؤثر بذاته، وما يحصل من التأثر بالنسبة للصوت فهذا قدر زائد، ولهذا يلام من يسمع القرآن بصوت شخص متوسط الصوت ولا يتأثر يلام، لكن من تأثر أكثر مع تحسين الصوت لا شك أنه متأثر بالقرآن المؤدى بهذا الصوت؛ لأن بعض الناس يفرق يقول: الذي يتأثر بصوت فلان ولا يتأثر بصوت فلان والمقروء واحد هذا لم يتأثر بالقرآن، إنما تأثر بالصوت المجرد، نقول: لا يا أخي هذا الصوت لو قرئ به غير القرآن ما تأثر ولا أثر، فدل على أنه تأثر بالقرآن. بعض الناس يخرج من صلاته كما دخل، ولا أثر لها في حياته، ولا تنهاه عن فحشاء ولا منكر، ولو أديت على الوجه المشروع لنهته، ولترتبت عليها آثارها، ومع ذلك يزعم أن هذه الصلاة تكفر ذنوبه. يقول شيخ الإسلام ﵀: إن هذا الذي يخرج من صلاته بعشرها، أو ما يقرب من ذلك هذه الصلاة إن كفرت نفسها فيكفي، فعلى الإنسان أن يحرص أن تكفر ذنوبه أن يأتي بالعبادات المكفرات على الوجه المأمور به، وعلى الوجه المأثور عن النبي ﵊. "يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء" بعض الناس نسمعه سواءً كان إمام أو مأموم يتأثر ويبكي ويرفع صوته بالبكاء، هذا إذا كان مغلوب يعني لا يستطيع أن يتحكم بنفسه هذا لا يلام، وبعض الناس يتأثر تأثر آني، بمعنى أنه يقرأ القرآن، إمام يقرأ القرآن فيقرأ آية وعيد فيبكي، ومجرد ما يتجاوز هذه الآية يعود كما كان قبل قراءتها ما نوع هذا البكاء؟

стр. 270

البكاء المؤثر في القلب وفي النفس يستمر، ما ينتهي بسرعة، وعمر -رضي الله تعالى عنه- أحياناً يزار إذا قرأ في ورده، أو في حزبه من الليل شيء مؤثر وردد وبكى، وغيره كثير من السلف إذا تأثر وبكى في القرآن يزار من الغد، مريض، وبعضهم يقطع الصلاة، لا يستطيع إكمال الصلاة، ويستمر في بكائه، ونشاهد الآن ممن يسمع القرآن أو يقرأ القرآن يقرأ أول الآية فيبكي لأنه مؤثر، آخر الآية الصوت غير صافي، ثم الآية التي تليها كأن شيئاً لم يكن، فمثل هذا لا شك أن الذي يغلب على الظن أن تأثره بالقرآن ضعيف، وأثره ضعيف، وإلا لو كان تأثره حقيقي ما صار هذا وضعه، وفي صلاة التهجد في رمضان الماضي في المسجد الحرام صلى أمامي شخص فبكى بكاءً أزعج كل من حوله، بكاء شديد جداً جداً، يعني ما رأيت له نظيراً أزعج كل من حوله، فلما سلم الإمام من الصلاة قال لجاره: ما هذه؟ قال: هذه ثلاجة، يعني اللي يوضع فيها الشاي هذه، قال: لا يا أخي قل: ترمس، قال: لا، ثلاجة، ورفعت أصواتهم وكادوا أن يتضاربوا بالأيدي، أين التأثر بالقرآن؟ يعني هذه التصرفات تدل على أن القلوب مسلوبة يعني، يبكي بكاء شديد أزعج الناس بالبكاء في الصلاة، ومجرد ما سلم السلام عليكم ورحمة الله إيش هذه يا أخي؟ قال: ثلاجة، قال: ثلاجة وهي تحفظ الحار؟ قل: ترمس، قال: لا ثلاجة، قال: ترمس، قال: زمزمية واحد قدامهم، قال: لا يا أخي ما يوضع فيها زمزم ولا شيء، المهم وحصلت هوشة بينهم، فلا شك أن القلوب مسلوبة، يعني واللي خلفهم الآن اللي ما فعل شيء لا هذا ولا هذا ليس بأمثل منهم، والله المستعان، لكن يدل على أن القلوب مدخولة يعني، فيها شيء، أثرت عليها المكاسب، أثرت عليها المطاعم، رانت عليها الذنوب، فعلى الإنسان أن يسعى لإصلاح قلبه، والله المستعان.

стр. 271

"رواه أحمد وأبو داود والترمذي في الشمائل" الشمائل النبوية كتاب معروف، وهذا من شمائله ﵊ أنه يتأثر "وابن حبان والنسائي، وعنده: وقال: يعني يبكي، وقد وهم في هذا الحديث من قال: أخرجه مسلم. والله أعلم" هذه المسألة حقيقة تحتاج إلى وقفة طويلة وهي التأثر والبكاء، التأثر بالقرآن والبكاء في تلاوته لا شك أن هذا شأن الصالحين، وشأن من يستحضر، وبعضهم يزيده التأثر بالقرآن إلى حد يفقد فيه وعيه، إلى حد يصل إلى أن يموت، فهل هذا الكلام صحيح أو غير صحيح؟ النبي ﵊ يبكي، ولم يحصل له غشي، وما فقد وعيه، ولا مات أحد من الصحابة، فهل نقول: بأن هذا تصنع، ولم يمكن أن يحصل مثل هذا؛ لأنه لم يحصل لأكمل الخلق وأشرف الخلق، أو نقول: إنه يحصل وقد حصل لجمع من التابعين ومن بعدهم؟ يحصل وإلا ما يحصل؟ ابن سيرين كأنه ينكر هذا، ولذا ذكره عنه الذهبي في السير أنه يقول: إن من يحصل له مثل هذا التصرف يغمى عليه، يصيبه الغشي، وقد يصرح فيموت هذا ضعه على جدار، واقرأ القرآن إن سقط فهو صادق، يقول: يختبر، والذي يغلب على الظن أن ابن سيرين ما يصدق مثل هذه التصرفات، لكن ما المانع من تصديقها؟

стр. 272

إن كان المانع منها أنه لم يحصل للنبي ﵊ وهو أكمل الخلق فهذا موجه، النبي ﵊ أكمل الخلق، وأحضرهم تعظيماً لهذا القرآن، فهو يستحضر ذلك دائماً يستشعر عظمة هذا القرآن، ولا شك أن القرآن قوي وثقيل ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [(٥) سورة المزمل] لا شك أنه ثقيل، لكن هذا الثقيل نزل على قلب قوي يحتمل هذا الثقيل، فهو يستشعر هذه العظمة وهذا الثقل؛ لكن القلب قوي يتحمل، وكذلك صحابته -رضوان الله عليهم- فهم يستشعرون ثقل هذا القرآن وعظمة هذا القرآن بقلوب تحتمل، انتهى الجيل الأول عصر الصحابة، ثم جاء الجيل الثاني عصر التابعين، وما زال استحضار واستشعار عظمة القرآن موجودة، التابعون يستشعرن هذه العظمة وهذه القوة، لكن قلوبهم أضعف من قلوب الصحابة، من قلب النبي ﵊ وصحابته، فيحصل لهم ما يحصل ما في توازن، فحصل لهم ما حصل من هذا النوع، وقد وجد من هو أضعف من ذلك فمات مثلاً. قالوا: زرارة بن أوفى سمع القارئ في صلاة الصبح يقرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [(٨) سورة المدثر] فمات، في رواية: هو القارئ، والرواية الأخرى سمع الإمام، المقصود أنه سمع هذه الآية فمات. خلف بعد أولئك خلوف، القرآن في قوته والقلوب في ضعفها، لكن استشعار هذه العظمة، واستشعار هذه القوة انتهى، يعني كما هو حالنا الآن، سمعتم أحداً سمع القرآن ومات وإلا أغمي عليه؟ ما نسمع أبداً.

стр. 273

الآن قوله -جل وعلا-: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [(٨) سورة المدثر] هل هذه الآية تحرك شعرة عند طلاب العلم فضلاً عن العامة الذين لا يعرفون معناها؟ تحرك شعرة، والله أننا نمر بها ما كأنها قرآن، فالقرآن بقوته والقلوب على ضعفها، ومع ذلك استشعار هذه العظمة انتهى إلا ما شاء الله، التيئيس ما هو بوارد، لكن إلا ما شاء الله؛ لأننا نعايش هذه الأمور بأنفسنا ومن حولنا وما سمعنا أحداً حصل له شيء من هذا، أو مرض بسبب تلاوة آية، بل كثير من المصلين لا يشعر أنه يصلي حتى يبكي الإمام ينتبه أنه في الصلاة، أو يحصل خطأ وينبه الإمام عليه، وإلا الأمور ماشية بانسياب هو في أعماله وأشغاله وتدبيره لأموره، ومع ذلك الإمام ماشي والصلاة تنتهي والآمال كبيرة، والله -جل وعلا- فضله لا يحد، لكن مع سوء العمل ينبغي أن نخاف، لا نوسع الآمال، بل لا بد من تحسين العمل. قد يبكي الإنسان في الصلاة الإمام يبكي ومن معه يبكون من أجل القراءة وهو يبكي لأمر آخر، يتذكر مصيبة مثلاً هذا إن غلب على أمره وبكى من غير قصد هذا معذور، وقد يبكي لأمر شرعي، لكنه غير ما أبكى الإمام ومن مع الإمام، يعني نفترض أنه يصلي في المسجد الحرام في الدور الثاني، والناس يطوفون في ليالي العشر يطوف بعضهم في بعض فيستشعر الموقف العظيم فيبكي، والإمام يصلي يقرأ بالقرآن ويبكي، هذا يبكي على شيء وذاك يبكي على شيء، هذا تشريك، لكن هل هو تشريك محمود وإلا مذموم؟ نعم محمود بلا شك؛ لأن استشعار هذا الموقف والبكاء من أجله لا شك أنه شرعي، مؤثر في القلب، ويدل على قلب حي، لكن يبقى أن الإقبال على ما هو بصدده من الصلاة أولى. اللهم صل على محمد ... هذا يقول: أنا أنوي الذهاب إلى العمرة هذا العام -إن شاء الله تعالى- وهذه أول مرة لي، وأريد أن أعرف كيفية استلام الحجر الأسود، وإذا كان هناك زحام فكيفية الإشارة، فهل هي الإشارة باليدين أم بواحدة؟ وهل أشير وأنا صدري أمام الحجر، أم وأنا أطوف بجانبه؟

стр. 274

أولاً: بالنسبة للتقبيل في هذه الأيام ليس بمتيسر، لكن إن تيسر فالإنسان يضع فمه على الحجر من غير صوت، فإن لم يتيسر أشار إليه، إن استلمه بيده فهو البديل للتقبيل، إن لم يتيسر فليشر إليه بيده اليمنى، قائلاً: الله أكبر، ويكبر كلما حاذاه. هل يجوز أن أصلي المغرب والعشاء من أجل العمل؟ لا لا يجوز أن تجمع بين الصلاتين من أجل العمل، بل تصلي كل صلاة في وقتها. هل يجوز التسمية بأسماء الملائكة مثل جبريل؟ لا مانع منه -إن شاء الله تعالى-. يقول: في يوم العقد عندنا في عرفنا -هذا في الإمارات- يقوم الرجل بإلباس زوجته الشبكة أمام النساء هل يجوز؟ لا يجوز أن يوجد بين نساء أجانب، والشبكة لا شك أنها وافدة من الأعداء من الكفار فهي تقليد. هذه تقول: إن زوجها ينظر إلى القنوات الفضائية، وينظر إلى النساء، ونصحته ما يسمع لكلامي، علماً أن ظاهره الصلاة، ومحافظ على الصلاة في جماعة، وقلت له: إن لم تخرج هذه القنوات من البيت سأرحل عند أهلي، ولم يعرني أي اهتمام، هل أتركه وأخرج من المنزل؟ إذا خفت على نفسك من التأثر بهذه القنوات أو على ولدك فلا مانع من أن تخرجي وتتركيه، وإذا لم تخافي على نفسك فلا شك أن المحافظة على مثل هذا الزوج الذي يحافظ على الصلوات مع إدمان النصح والتوجيه أولى. قال النبي ﷺ : ((فليخرجن تفلات)) ما معنى هذا اللفظ؟ يعني غير متبرجات بلباس يكون فيه من الابتذال ما لا يصرف الأنظار إليها. وبينوا لنا ما هو الحجاب الشرعي الذي تخرج به؟ تخرج متحجبة مستترة بدون إبداء أي شيء من زينتها لا من بدنها ولا من لباسها المشتمل على الزينة. يقول: نشاهد البعض من الناس يقصر ثوبه ويطيل السروال، كذلك من يطيل الأكمام، فهل هذا داخل في الإسبال؟ أما إطالة السروال فهي داخلة في الإسبال الذي جاءت فيه النصوص، وأما إطالة الأكمام فكان كمه ﵊ إلى الرسغ، فإذا زاد على ذلك صار إسبال؛ لكنه لا يأخذ حكم إسبال الثوب والإزار، وما في حكمهما؛ لأنه لم يرد فيه وعيد. هل يجوز الترديد خلف الأذان المسجل؟ لا، لا يردد خلفه؛ لأن الرسول ﵊ يقول: ((إذا سمعتم المؤذن)) وهذا تسجيل ليس بمؤذن.

стр. 275

زادت الأسئلة. يقول: معي بعض الإخوة يستمعون لدرسكم، وأنا أترجم لهم الآن -هذا من البرازيل- ولهم بعض الأسئلة علماً أن منهم جدد. الأسئلة هي: في مكاني الذي أدرس لا أجد مكان لأصلي المغرب والعشاء، فهل يجوز أن أصلي في كنيسة موجودة في الجامعة؟ لا، لا تصلي في الكنيسة، إنما تصلي في أي مكان طاهر، ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)). وما هو الاختلاط المحرم؟ المراد به الاختلاط مع ما يثير الفتنة مع التبرج، وأما وجود الرجال والنساء في الأماكن العامة كالمساجد والأسواق فمع الاحتياط لكل من الطرفين، ومع أمن الفتنة فهي موجودة في أسواق المسلمين، لكن يجب أن تجتنب المرأة كل ما يثير الفتنة، والأصل بالنسبة للمرأة القرار في البيت، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [(٣٣) سورة الأحزاب] ولا تخرج إلا لحاجة، ومع ذلك تخرج تفلة لا تثير، لا تفتن ولا تُفتن. هل يجوز للكفار أن يدخلوا في المسجد، ويشاهدوا الصلاة؟ النبي ﵊ ربط ثمامة بن أثال وهو كافر قبل أن يسلم في المسجد، فإذا رجي إسلامه ليطلع على أحوال المسلمين وما بينهم من تراحم وتواد، وهو يشهد هذه الشريعة وغلب على الظن إسلامه فلا يمنع من الدخول. وإذا أرادوا أن يصلوا معنا هل نسمح؟ إذا أسلموا يصلون، وإن صلوا معكم فهم مسلمون حكماً. ما معنى الآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [(١٦) سورة التغابن]؟ الاستطاعة معروفة، الذي يستطيعه الإنسان ويقدر عليه عليه أن يفعله مما أمر به، والذي لا يستطيعه ولا يقدر عليه فهو فوق طاقته وليس بمطالب به. يقول: صليت خلف إمام جاهل، فكان حاله أنه لم يجهر في الصلاة الجهرية، فقال أحد المأمومين له: اجهر بالصلاة فما حكم قائل هذه العبارة لإمام كان جاهلاً بالحكم وجاهلاً أنه ما كان ينبغي له أن يسبح؟ ماذا يصنع؟ أولاً: الجهر في الصلاة الجهرية سنة، ما لم يكن عادة وديدن، فإنه يكون مبتدع، أما إذا لم يجهر وسُبح به هذا الأصل، وإن قيل له: اجهر من قبل جاهل لا يعرف الحكم فمعذور بجهله -إن شاء الله تعالى-. يقول: ما رأيكم في إحياء ليلة النصف من شعبان حيث أن بعض أئمة السلف مثل الإمام مكحول ورد أنه كان يحييها؟ فما هو الراجح في المسألة؟ جميع ما ورد في ليلة النصف من شعبان لا أصل له، ولا يثبت به عمل، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 276

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: المحرر – كتاب الصلاة (١٢) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا يقول: ما حكم المكاسرة في الأسواق بين المرأة والبائع؟ يقصد بالمكاسرة المماكسة، يعني محاولة الزبون تخفيض السعر. يقول: تذهب إلى السوق فيقول لك البائع: هذا بعشرة مثلاً، فتقول له: لما هذا كله قلل، ومن مثل هذا الكلام فهل هذا جائز؟ وهل تعتبر السلعة المبيوعة حلالاً أو حراماً؟ وأحياناً يقلل البائع من السعر تحت ضغط المشتري، وأحياناً يقلل من نفسه برضاه، فما حكم الحالتين؟

стр. 277

الأصل في هذه المسألة أن البائع يأخذ ربحاً مناسباً لا يزيد في السعر بحيث يظلم الناس ويشق عليهم، وإذا عرف أن الناس يبيعون بأسعار مناسبة متقاربة مقاربة، فإذا حصلت المماكسة بشيء يسير فإن هذا لا يضر، لكن الإشكال من الطرفين قد تجد صاحب سلعة يقول لك: بألف، وتذهب إلى محل ثاني في موقع آخر يقول لك: بمائة، فمثل هذا لا شك أنه لعب على الناس وخداع، وقد حضرت شخصاً معه أسطال من العسل ثلاثة فقال له الزبون: بكم؟ قال: الواحد بسبعمائة، والجميع بألفين، يعني نزل مائة، قال الزبون: من خمسة، بخمسة عشر ريالاً الثلاثة، فرق شاسع أضعاف مضاعفة، فماذا تتصورون؟ ما ذهب الزبون إلا بها بخمسة عشر ريالاً، وبعض الناس يبرر لنفسه مثل هذه الزيادة، ويقول: لو عرضتها بثمن بخس ما اشتريت؛ لأن الناس يستدلون على جودة السلعة بقيمتها، فلو تأتي المرأة إلى محل القماش مثلاً، ويقول صاحب القماش: المتر بعشرة ريالات، قالت: هذا رديء ما يصلح، لكن لما يقول: بثلاثمائة ريال تشتري يصير جيد، وهذا هو الحاصل في أسواق المسلمين مع الأسف، وقصص من هذا النوع كثيرة جداً، شخص جالس في محل جاءت امرأة قالت: كم المتر؟ قال: مائتين وخمسين، فقالت: لعله يصير بمائتين، وافق على المائتين، أخذت ثلاثة أمتار بستمائة ريال، الجالس هذا معه في الكيس نفس القماش من محل ثاني، قال: أنا أخذت ثلاثة أمتار بخمسة وأربعين ريال بدل ستمائة ريال، قال: أنت أخذت بخمسة عشر، تبي متر بعشرة من عندي، تبي بعشرة أعطيتك، لكن لو أقول لها: بعشرة، بخمسة عشر ما اشترت، لكن هل هذا مبرر لرفع السعر بها وظلم الناس بهذه الطريقة؟ هذا ليس مبرر أبداً، هذا أكل أموال الناس بالباطل، يعني عشرة أضعاف القيمة، وأهل العلم يعدون الثلث غبن ترد به السلعة، فمثل هذا موجود في أسواق المسلمين مع الأسف، وهذه حجته، لكن لو عرض السلعة بخمسة عشر، وقال المشتري: بأربعة عشر أو ثلاثة عشر وماكس بهذه الحدود ما في ما يمنع، والرسول ﵊ يقول لجابر: ((أتراني ماكستك لآخذ جملك)) المقصود أن المماكسة بالمعقول، التفاوت اليسير بين طلب البائع وطلب المشتري هذا مغتفر ويوجد يعني، وبعض الناس من المشترين من طبعه

стр. 278

المماكسة، يعني ما يصلح أن تقول له: هذا الكتاب بعشرين ريال مباشرة، هو مماكس مماكس، يعني لو تقول له: بريال، قال: اجدع، لو تقول له: بريال قال: لا، نزل، يصير طبع عنده، عادة جرى عليها، ولا تجود نفسه بأخذ السلعة بأول ما يذكر، فلا بد من ملاحظة هذا من البائع، فعليه أن يرفق بإخوانه المسلمين، وأيضاً المشتري لا يلح، وقد قال النبي ﵊: ((رحم الله امرأً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى)) فلا بد من تبادل مثل هذا الشعور بين المسلمين، أما أن يرفع المشتري عشرات الأضعاف، والبائع يرفع .. ، والمشتري يخفض أضعاف مضاعفة من قيمة السلعة، لا، لا، لا يصلح هذا ولا هذا. بالنسبة إذا كانت المماكسة من المرأة لا شك أن المرأة عليها من الستر والصيانة والاحتراز والاحتياط ما لا يوجد مثله على الرجل، فعليها أن تنظر في قيمة السلعة بقدر الحاجة، تكلم صاحب المحل إذا لم يوجد من يقضي لها حاجتها بكم هذا القماش؟ بصوت عادي لا خضوع فيه، فإذا قال: بعشرة إن أعجبها وإلا تنصرف؛ لأن الأخذ والرد مع الباعة لا شك أنه يفتح أبواب ومجال للشيطان، وإذا كثر الإمساس قل الإحساس، يعني يوجد نساء خراجات ولاجات في أحكام الرجال، برّزات يسمونها أهل العلم، ما الذي دعاهم إلى أن يقولوا مثل هذه العبارات في حق هؤلاء النسوة؟ من كثرة ما يرون، فعلى المرأة أن يكون خروجها من بيتها بقدر الحاجة، فإذا وجد من يكفيها فلا تخرج، إذا خرجت تخرج بالضوابط والحدود الشرعية، ثم بعد ذلك إذا كلمت إذا احتاجت الكلام مع الرجال فليكن الكلام من غير خضوع ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [(٣٢) سورة الأحزاب] وأيضاً بقدر الحاجة، وإن انصرفت عنه من غير مماكسة، وسألت المحل الآخر حتى تجد السعر المناسب فهو أولى. يقول: أحياناً يقلل البائع من السعر تحت ضغط المشتري؟ على المشتري أن يكون سمحاً كما أن على البائع أن يكون سمحاً، لكن إذا قلل بطوعه واختياره فالأمر لا يعدوه. وأحياناً يقلل من نفسه برضاً فما حكم الحالتين؟ البيع صحيح، لكن ينبغي أن يكون الطرفان على ما ذكر النبي ﵊ من السماحة والتيسير.

стр. 279

يقول: قال ابن القيم ﵀: "وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالساً تارة، وتارة يقرأ فيها جالساً، فإذا أراد أن يركع قام فركع، سؤالنا كيف يكون التوفيق بين هذا القول وبين الأثر الذي ثبت عن النبي ﷺ من قوله: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً))؟ هذا الأمر لا شك أن النبي ﵊ صلى الشفع بعده، فمثل ركعتين خفيفتين لا تؤثر في جعل الوتر في آخر الليل، وقل مثل هذا لو أوتر قبل أن ينام، كما أوصى النبي ﵊ أبا هريرة، أوصاني خليلي بثلاث: "وأن أوتر قبل أن أنام" فإذا انتبه من ليله وصلى ما كتب له، فإن هذا وإن كان قد خالف حديث: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) لأن هذا أمر إرشاد، وليس بأمر وجوب وإلزام، بدليل أن النبي ﵊ صلى بعده، فإذا قام من الليل وصلى ما كتب له شفعاً ولا يوتر، وبهذا يكون قد عمل بفعل النبي ﵊ وإن لم يكن آخر صلاته بالليل وتراً. يقول: ما حكم تغيير المكان بعد قضاء الفريضة وذلك لأداء السنة؟ هل ورد فيها فضل؟ ذكر البخاري -رحمه الله تعالى- قال: ويُذكر عن أبي هريرة: "لا يتطوع الإمام في مكانه" ولم يصح، فعلى هذا لم يثبت في تغيير المكان -مكان الفريضة- من أجل صلاة النافلة لم يثبت فيها شيء، لكن أهل العلم يستحبونه من باب أن هذه المواطن التي صلى فيها، المواضع المتعددة التي صلى فيها أنها تشهد له يوم القيامة من هذا الباب ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [(١٢) سورة يس] وهذا من آثارهم، فهم من هذه الحيثية يستحبون تغيير المكان، وإلا فالحديث لم يصح. يقول: نصحتم بألا يحفظ طالب العلم نظمين في علم واحد، فإذا أردت دراسة المصطلح، وكانت الحافظة قوية وتسعف، فأردت أن أحفظ الألفية، ولكن لا بد من التدرج، فكيف أصنع عند دراسة البيقونية في البداية واللؤلؤ المكنون وقصب السكر والمنظومات التي تكون دراستها قبل الألفية، أأستفيد من الشرح فقط وأفهمه ولا أتعرض لحفظ المتون اقتصاراً على الألفية فيما بعد أم كيف؟

стр. 280

هذا الذي تسعفه الحافظة، ويستطيع أن يميز بين هذه المنظومات عند الحاجة، وهذا ترى فيه شيء من الصعوبة، هذا الذي يستطيع لا مانع أن يحفظ، لكن عموم طلاب العلم يتشوشون، يحصل عندهم تشويش، إذا أراد أن يذكر بيتاً من الألفية تقدمه بيت من البيقونية، وإذا أراد بيت من البيقونية جاءه من نظم النخبة وهكذا، فلا يستطيع التمييز بينها بدقة، وهذا حصل لنا ولغيرنا، لكن الذي عنده من الحفظ، من الضبط والإتقان بحيث لا يختلط عليه الأمر، فهذا نور على نور، طيب، ينفع مثل هذا، لكن أنا أقول: في بداية الأمر من أراد أن يتدرج في علم المصطلح يقرأ البيقونية مع شروحها ويفهمها، ثم بعد ذلك يقرأ النخبة مع شروحها المطبوعة والمسجلة، ثم بعد ذلك اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير، كل هذه ما تكلف شيء ما تأخذ وقت، يعني البيقونية يمكن يفهمها في يوم أربعة وثلاثين بيت، والنخبة مع شرحها تحتاج إلى أسبوع مثلاً، وابن كثير يحتاج إلى عشرة أيام، ما تؤخر، ثم إذا فهم هذه المصاعد التي تجعله في مستوى حفظ الألفية وفهم الألفية يقتصر حفظه على الألفية، ألفية العراقي. يقول: ما حكم من ترك الركوع والطمأنينة عمداً؟ من ترك ركناً بطلت الركعة التي تركه منها، يقول أهل العلم: ومن شك في ترك ركن فكتركه، لما سجد شك هل ركع وإلا ما ركع؟ هذا كأنه لم يركع، فمثل هذا تبطل الركعة وتقوم مقامها الركعة التي تليها. يقول: هل يجمع الإنسان بين نوعين من دعاء الاستفتاح أم يكتفي بدعاء واحد؟ وهل للنوافل دعاء استفتاح أم ما ورد خاص بصلاة الليل؟ أما الجمع بين نوعين من أدعية الاستفتاح فقد ورد الجمع بين: ((سبحانك اللهم وبحمدك)) وجزء من حديث علي ﵁، لكن الأكثر على أنه لا يجمع بين اثنين، كما أنه لا يجمع بين تشهدين، وذكرنا بالأمس أن الاختلاف في صيغ دعاء الاستفتاح وصيغ التشهد أنه من اختلاف التنوع، وعلى هذا يستفتح في هذه الصلاة بكذا، ويستفتح في الصلاة الثانية بكذا وهكذا، ويستعمل جميع ما ورد، ويجعل ما ورد في صلاة الليل بالليل، وما ورد في صلاة النهار أو مطلقاً يجعله للفرائض وغيرها من النوافل.

стр. 281

يقول: هل يصح سنة الوضوء مع سنة الظهر القبلية أو سنة المغرب مثلاً؟ وهل يجوز لي أن أجمع بين نافلة وصلاة الاستخارة؟ التداخل هنا ممكن، يعني توضأ وصلى تحية المسجد تتداخل، توضأ وصلى راتبة الظهر القبلية تتداخل، ممكن تتداخل، ما في إشكال؛ لأن هذه نوافل، نعم؟ طالب: الأجر. الأجر إذا قصد يحصل -إن شاء الله تعالى-. وهل يجوز لي أن أجمع بين صلاة نافلة وصلاة الاستخارة؟ صلاة الاستخارة مقصودة لذاتها، ولما يجيء بعدها من دعاء، فالذي عندي أنها لا تدخل في غيرها. يقول: أشتكي من كثرة الأكل، وكما تعلمون أن كثرة الأكل مذموم، وحاولت كثيراً التقليل منه ولمدة طويلة، ولكن ما استطعت، يقول: وإن فعلت فكنت أقلل لفترة وجيزة لا تتجاوز الأسبوعين، ثم أعود إلى ما كنت عليه، فما نصيحتكم؟ الإشكال أن كثرة المأكولات التي وجدت في عصرنا ولم تكن موجودة قبلنا، والتفنن في إعداد الأطعمة يجعل الإنسان يسرف في الأكل، والمشكلة أن هذه الشكوى كثيرة يعني، أناس عاشوا مدد متطاولة على نمط من الأكل، ثم انفتحت الدنيا، وتنوعت المأكولات، وتمن الناس، ثم صاروا يأكلون ما لا يأكلونه قبل، ولا شك أن كثرة الأكل مذموم، ويعوق عن تحصيل مصالح عظيمة كما يقول أهل العلم: "البطنة تذهب الفطنة" ولهذا أثر على الحفظ، وأثر على العبادة، وأثر على اجتماع القلب، وكثرة الأكل من الصوارف والصواد التي تصد الإنسان عن الإقبال على الله -جل وعلا-، ومن أسباب غفلة القلب، من أسباب الغفلة. ذكر ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين أن كثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الخلطة، وكثرة الكلام، وكثرة الاستماع بما لا ينفع كل هذه تأثيرها على القلب كأنها فُرج أو فتحات يتنسم منها القلب المجتمع، يعني أنت تصور أنك وضعت طيب في مكان ومغلق محكم الإغلاق يحتفظ به مدة طويلة، لكن لو كثرة هذه الفتحات في هذا المكان يستمر هذا الطيب وإلا ما يستمر؟ هذه كأن القلب يتنفس من خلالها في تضييع ما جُمع، فعلى الإنسان أن يقلل من هذه الأمور. يقول: أنا أعمل وراتبي من حق من؟ أهو من حق الأم أم من حق الأب؟ فإن أبي يأخذه ولا يعطيني منه شيء؟

стр. 282

للأب أن يأخذ من مال ولده ما لا يضر به، أما ما يضر به فلا، فمال الولد والولد يملك ملك تام مستقر في مقابل عمله، لكن إن احتاج الأب أخذ منه ما لا يضره، وما يزيد عن حاجته الأصلية وحاجة زوجته وحاجة ولده، وحاجة خادمه إن وجد، فإذا زاد عن ذلك شيء ويحتاجه الأب، ولا يتضرر الولد بأخذه جاز له ذلك. هذا يقول: نرجو التنبيه على النساء حول إزعاج الأطفال؟ نعم حصل بالأمس إزعاج، فنرجو ألا يتكرر. الأمر الثاني: التنبيه على عدم وجود درس غداً العصر؟ ما في درس. يقول: وإن إطالة درس الأمس واليوم بدلاً منه. يعني أمس الدرس قريب من ساعتين إلا ربع، واليوم يكون مثله أو يزيد -إن شاء الله-، حسب ما ينشط له من قبل الطلاب؛ لأني أقرأ في وجوه بعض الطلاب التعب، البارحة لمست هذا، وبعض الإخوان قاموا، وعلى كل حال أنا واحد منكم ومثلكم، قد يتطرق .. ، يدب إلي التعب والملل أكثر منكم، لكن على الجميع أن يصبر ويحتسب، ومعروف أن هذا خلاف ما تهواه النفس، يعني بالإمكان أن يجلس الإنسان مع أقرانه وأحبابه، وواضع رجل على رجل، وهذه سالفة تروح وهذه قصة، وهذه نكتة وهذه كذا، ويمضي الليل بدون فائدة، لكن لا شك أن الجلوس في مثل هذا المكان لهذا الهدف الطيب لأخذ العلم قال الله وقال رسوله ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله)) وأهل العلم يقررون أن العلم الشرعي إنما هو لخدمة كتاب الله، ((ويتدارسونه بينهم إلا حفت الملائكة وغشيتهم الرحمة ... )) إلى آخره، المقصود أن مثل هذا يحتاج إلى أطر للنفس؛ لأنه خلاف ما تهواه النفس وتشتهيه. الأسئلة التي جاءت بالأمس واليوم يعني فيها كثرة، وتأخذ الوقت والوقت ضيق، فعلنا نكمل ما نستطيع إكماله من الأحاديث، إن بقي وقت للأسئلة وإلا ترجأ إلى وقت يكون أطول -إن شاء الله تعالى-. لأن هذا يقول: ما المرجح في مسألة الانتقال في النية من مساوٍ لمثله ... لأني شفت مساوٍ وسبق لساني. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في باب صفة الصلاة في الحديث الثالث:

стр. 283

"وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة" شرحنا هذا "قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض)) " تلاحظون في نصوص الكتاب والسنة جمع السماوات وإفراد الأرض ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [(١٦٤) سورة البقرة] السماوات سبع، جاء التنصيص عليها في القرآن، لكن الأرضين؟ ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [(١٢) سورة الطلاق] هل هو في العدد وإلا في إيش؟ يعني ما في نص قطعي يدل على أن الأرضين سبع، لكن في مثل حديث: ((لو أن السماوات السبع، والأرضين السبع في كفة)) ((لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة)) هذا دليل على أن الأرضين سبع ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [(١٢) سورة الطلاق] يستدل به على أن الأرضين سبع، ولذلك ما تجدون الجمع في مثل هذا ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [(٧٩) سورة الأنعام] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [(١٦٤) سورة البقرة] فتجمع السماوات، والأرض مفردة. من أهل العلم من يقول: تجمع السماوات تعظيماً لها، والأرض تفرد ويراد بها الجنس، جنس الأرضين، وهي دون السماوات في منزلة، ومنهم من يقول: إن السماوات تجمع للإفادة من السماوات السبع كلها، وأما الأرضين السبع فلا يستفاد إلا من الأرض التي عليها الناس، ما يستفيدون إلا من الأرض الأولى. وجاء عن ابن عباس: أن الأرضين السبع في كل واحدة منها مثل ما في الأرض التي نعيش عليها، الأرض الأولى، حتى أن فيها محمد كمحمدكم، وموسى كموساكم، وعيسى كعيساكم، يعني صورة طبق الأصل للأرض التي نعيش عليها، هذا يذكر عن ابن عباس بسند جيد، لكن ليس له ما يؤيده من كتاب ولا سنة، فلعله مما تلقي عن بني إسرائيل، مما لا يصدق ولا يكذب، لكن هل يتصور أن محمد ﵊ تكرر سبع مرات في كل أرض من الأرضين السبع؟ هذا يبعده المعقول، ولا يوجد ما يشهد له من المنقول.

стр. 284

((حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين)) والرواية الأخرى: ((وأنا أول المسلمين)) كما في الآية: ((اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي)) النفس أعم من أن تكون الذات التي هي الجسد أو الروح، فهو ظالم لنفسه لذاته المشتملة على الجسد والروح. ((واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً)) هذا يقوله النبي ﵊ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، تعليماً لأمته. ((فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) انتهينا من شرح هذا كله.

стр. 285

ثم بعد ذلك: ((واهدني لأحسن الأخلاق)) الخلق الحسن له شأن في الإسلام، وما وضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، والوصية النبوية لمن جاء يستوصي من النبي ﵊ قال له: ((لا تغضب)) قال: أوصني، قال: ((لا تغضب)) وذلكم لأن حسن الخلق يجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فتجد الإنسان الحسن الخلق محبوب عند الناس، مقبول بما يوجههم به، ويرشدهم إليه، بينما سيء الخلق ما يقبل منه شيء، ولذا جاء الأمر بأن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وسيء الخلق ما يعرف الحكمة، ولا يعرف الحسن من القول، فعلى الإنسان إن كان مجبولاً على حسن الخلق من الحلم والأناة والرفق أن يحمد الله -جل وعلا- على هذا الخلق، وإن كان مجبولاً على ضده أن يتخلق، والعلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، الإنسان إذا أطر نفسه على خلاف ما تشتهيه أعين على ذلك، ولذلك لما قال النبي ﵊: ((لا تغضب)) هل يستطيع الرجل أن يقول: لا أستطيع؟ ما يمكن، يعني بيدك وإن كنت يعني جبلت على الغضب لكن بالتدريج، تتحلم، وأكثر ما يعانيه المرضى من سوء الخلق؛ لأن الطبيب قد يحجب الإنسان عن الأكل، ويحجبه عن أشياء كثيرة، لكن إذا قال له: لا تغضب، وهو مجبول على سوء الخلق يعني مثلاً ضغط الدم مما يؤثر فيه أثر بالغ الغضب، فإذا قيل للمريض: لا تغضب، قال: أنا والله ما أستطيع، لازم أغضب، وأدنى شيء يثيرني، نقول: أنت إن كنت تريد الصحة فلا تغضب، وإن كنت تريد خير الدنيا والآخرة فاعمل بوصية النبي ﵊: ((لا تغضب)) فالحلم بالتحلم. ((واهدني لأحسن الأخلاق)) ((إن أقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً)) وما وضع في الميزان أثقل من حسن الخلق.
следующие страницы →