Полный текст (1 701 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
يقول: هل يصح سنة الوضوء مع سنة الظهر القبلية أو سنة المغرب مثلاً؟ وهل يجوز لي أن أجمع بين نافلة وصلاة الاستخارة؟
التداخل هنا ممكن، يعني توضأ وصلى تحية المسجد تتداخل، توضأ وصلى راتبة الظهر القبلية تتداخل، ممكن تتداخل، ما في إشكال؛ لأن هذه نوافل، نعم؟
طالب: الأجر.
الأجر إذا قصد يحصل -إن شاء الله تعالى-.
وهل يجوز لي أن أجمع بين صلاة نافلة وصلاة الاستخارة؟
صلاة الاستخارة مقصودة لذاتها، ولما يجيء بعدها من دعاء، فالذي عندي أنها لا تدخل في غيرها.
يقول: أشتكي من كثرة الأكل، وكما تعلمون أن كثرة الأكل مذموم، وحاولت كثيراً التقليل منه ولمدة طويلة، ولكن ما استطعت، يقول: وإن فعلت فكنت أقلل لفترة وجيزة لا تتجاوز الأسبوعين، ثم أعود إلى ما كنت عليه، فما نصيحتكم؟
الإشكال أن كثرة المأكولات التي وجدت في عصرنا ولم تكن موجودة قبلنا، والتفنن في إعداد الأطعمة يجعل الإنسان يسرف في الأكل، والمشكلة أن هذه الشكوى كثيرة يعني، أناس عاشوا مدد متطاولة على نمط من الأكل، ثم انفتحت الدنيا، وتنوعت المأكولات، وتمن الناس، ثم صاروا يأكلون ما لا يأكلونه قبل، ولا شك أن كثرة الأكل مذموم، ويعوق عن تحصيل مصالح عظيمة كما يقول أهل العلم: "البطنة تذهب الفطنة" ولهذا أثر على الحفظ، وأثر على العبادة، وأثر على اجتماع القلب، وكثرة الأكل من الصوارف والصواد التي تصد الإنسان عن الإقبال على الله -جل وعلا-، ومن أسباب غفلة القلب، من أسباب الغفلة.
ذكر ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين أن كثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الخلطة، وكثرة الكلام، وكثرة الاستماع بما لا ينفع كل هذه تأثيرها على القلب كأنها فُرج أو فتحات يتنسم منها القلب المجتمع، يعني أنت تصور أنك وضعت طيب في مكان ومغلق محكم الإغلاق يحتفظ به مدة طويلة، لكن لو كثرة هذه الفتحات في هذا المكان يستمر هذا الطيب وإلا ما يستمر؟ هذه كأن القلب يتنفس من خلالها في تضييع ما جُمع، فعلى الإنسان أن يقلل من هذه الأمور.
يقول: أنا أعمل وراتبي من حق من؟ أهو من حق الأم أم من حق الأب؟ فإن أبي يأخذه ولا يعطيني منه شيء؟
стр. 282
للأب أن يأخذ من مال ولده ما لا يضر به، أما ما يضر به فلا، فمال الولد والولد يملك ملك تام مستقر في مقابل عمله، لكن إن احتاج الأب أخذ منه ما لا يضره، وما يزيد عن حاجته الأصلية وحاجة زوجته وحاجة ولده، وحاجة خادمه إن وجد، فإذا زاد عن ذلك شيء ويحتاجه الأب، ولا يتضرر الولد بأخذه جاز له ذلك.
هذا يقول: نرجو التنبيه على النساء حول إزعاج الأطفال؟
نعم حصل بالأمس إزعاج، فنرجو ألا يتكرر.
الأمر الثاني: التنبيه على عدم وجود درس غداً العصر؟
ما في درس.
يقول: وإن إطالة درس الأمس واليوم بدلاً منه.
يعني أمس الدرس قريب من ساعتين إلا ربع، واليوم يكون مثله أو يزيد -إن شاء الله-، حسب ما ينشط له من قبل الطلاب؛ لأني أقرأ في وجوه بعض الطلاب التعب، البارحة لمست هذا، وبعض الإخوان قاموا، وعلى كل حال أنا واحد منكم ومثلكم، قد يتطرق .. ، يدب إلي التعب والملل أكثر منكم، لكن على الجميع أن يصبر ويحتسب، ومعروف أن هذا خلاف ما تهواه النفس، يعني بالإمكان أن يجلس الإنسان مع أقرانه وأحبابه، وواضع رجل على رجل، وهذه سالفة تروح وهذه قصة، وهذه نكتة وهذه كذا، ويمضي الليل بدون فائدة، لكن لا شك أن الجلوس في مثل هذا المكان لهذا الهدف الطيب لأخذ العلم قال الله وقال رسوله ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله)) وأهل العلم يقررون أن العلم الشرعي إنما هو لخدمة كتاب الله، ((ويتدارسونه بينهم إلا حفت الملائكة وغشيتهم الرحمة ... )) إلى آخره، المقصود أن مثل هذا يحتاج إلى أطر للنفس؛ لأنه خلاف ما تهواه النفس وتشتهيه.
الأسئلة التي جاءت بالأمس واليوم يعني فيها كثرة، وتأخذ الوقت والوقت ضيق، فعلنا نكمل ما نستطيع إكماله من الأحاديث، إن بقي وقت للأسئلة وإلا ترجأ إلى وقت يكون أطول -إن شاء الله تعالى-.
لأن هذا يقول: ما المرجح في مسألة الانتقال في النية من مساوٍ لمثله ...
لأني شفت مساوٍ وسبق لساني.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في باب صفة الصلاة في الحديث الثالث:
стр. 283
"وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة" شرحنا هذا "قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض)) " تلاحظون في نصوص الكتاب والسنة جمع السماوات وإفراد الأرض ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [(١٦٤) سورة البقرة] السماوات سبع، جاء التنصيص عليها في القرآن، لكن الأرضين؟ ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [(١٢) سورة الطلاق] هل هو في العدد وإلا في إيش؟ يعني ما في نص قطعي يدل على أن الأرضين سبع، لكن في مثل حديث: ((لو أن السماوات السبع، والأرضين السبع في كفة)) ((لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة)) هذا دليل على أن الأرضين سبع ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [(١٢) سورة الطلاق] يستدل به على أن الأرضين سبع، ولذلك ما تجدون الجمع في مثل هذا ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [(٧٩) سورة الأنعام] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [(١٦٤) سورة البقرة] فتجمع السماوات، والأرض مفردة.
من أهل العلم من يقول: تجمع السماوات تعظيماً لها، والأرض تفرد ويراد بها الجنس، جنس الأرضين، وهي دون السماوات في منزلة، ومنهم من يقول: إن السماوات تجمع للإفادة من السماوات السبع كلها، وأما الأرضين السبع فلا يستفاد إلا من الأرض التي عليها الناس، ما يستفيدون إلا من الأرض الأولى.
وجاء عن ابن عباس: أن الأرضين السبع في كل واحدة منها مثل ما في الأرض التي نعيش عليها، الأرض الأولى، حتى أن فيها محمد كمحمدكم، وموسى كموساكم، وعيسى كعيساكم، يعني صورة طبق الأصل للأرض التي نعيش عليها، هذا يذكر عن ابن عباس بسند جيد، لكن ليس له ما يؤيده من كتاب ولا سنة، فلعله مما تلقي عن بني إسرائيل، مما لا يصدق ولا يكذب، لكن هل يتصور أن محمد ﵊ تكرر سبع مرات في كل أرض من الأرضين السبع؟ هذا يبعده المعقول، ولا يوجد ما يشهد له من المنقول.
стр. 284
((حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين)) والرواية الأخرى: ((وأنا أول المسلمين)) كما في الآية: ((اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي)) النفس أعم من أن تكون الذات التي هي الجسد أو الروح، فهو ظالم لنفسه لذاته المشتملة على الجسد والروح.
((واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً)) هذا يقوله النبي ﵊ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، تعليماً لأمته.
((فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) انتهينا من شرح هذا كله.
стр. 285
ثم بعد ذلك: ((واهدني لأحسن الأخلاق)) الخلق الحسن له شأن في الإسلام، وما وضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، والوصية النبوية لمن جاء يستوصي من النبي ﵊ قال له: ((لا تغضب)) قال: أوصني، قال: ((لا تغضب)) وذلكم لأن حسن الخلق يجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فتجد الإنسان الحسن الخلق محبوب عند الناس، مقبول بما يوجههم به، ويرشدهم إليه، بينما سيء الخلق ما يقبل منه شيء، ولذا جاء الأمر بأن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وسيء الخلق ما يعرف الحكمة، ولا يعرف الحسن من القول، فعلى الإنسان إن كان مجبولاً على حسن الخلق من الحلم والأناة والرفق أن يحمد الله -جل وعلا- على هذا الخلق، وإن كان مجبولاً على ضده أن يتخلق، والعلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، الإنسان إذا أطر نفسه على خلاف ما تشتهيه أعين على ذلك، ولذلك لما قال النبي ﵊: ((لا تغضب)) هل يستطيع الرجل أن يقول: لا أستطيع؟ ما يمكن، يعني بيدك وإن كنت يعني جبلت على الغضب لكن بالتدريج، تتحلم، وأكثر ما يعانيه المرضى من سوء الخلق؛ لأن الطبيب قد يحجب الإنسان عن الأكل، ويحجبه عن أشياء كثيرة، لكن إذا قال له: لا تغضب، وهو مجبول على سوء الخلق يعني مثلاً ضغط الدم مما يؤثر فيه أثر بالغ الغضب، فإذا قيل للمريض: لا تغضب، قال: أنا والله ما أستطيع، لازم أغضب، وأدنى شيء يثيرني، نقول: أنت إن كنت تريد الصحة فلا تغضب، وإن كنت تريد خير الدنيا والآخرة فاعمل بوصية النبي ﵊: ((لا تغضب)) فالحلم بالتحلم.
((واهدني لأحسن الأخلاق)) ((إن أقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً)) وما وضع في الميزان أثقل من حسن الخلق.
стр. 286
((لا يهدي لأحسنها إلا أنت)) من بيده الهداية؟ الله -جل وعلا-، هداية القبول والتوفيق بيد الله -جل وعلا-، أما هداية الدلالة والإرشاد فهي بيد محمد ﵊ وغيره من الأنبياء وأتباعهم إلى قيام الساعة، يدلون الناس على الخير ويهدونهم إليه، لكن القبول والتوفيق من الله -جل وعلا-، وقد يكون بعض الناس سبب في هداية الشخص لأحسن الأخلاق، تجدون بعض الناس بالمصاحبة تجدوه خلقه سيء، ثم إذا صحب شخصاً خلقه حسن تأثر به والعكس، لو كان الخلق حسن ثم صحب شخص سيء الخلق تأثر به، حتى البهائم تؤثر، الغلظة والجفاء في الفدادين رعاة الإبل؛ لأن الإبل مجبولة على الجفاء، فيتأثر صحابها بها، بينما راعي الغنم يتأثر بها في الهدوء واللين وحسن الخلق، إذا كانت البهائم تؤثر فكيف بالجليس الصالح؟!
يعني بعضهم يقول: إذا كانت الإبل جبلت على هذا، والغنم جبلت على .. ، وهذا استنباط، مجرد استنباط، ويطرحوه للنقاش، جبلت على اللين، يعني الغنم ليست كالإبل وهذا واضح، يقول: هل نقيس على هذا مثلاً السيارات الكبيرة تجعل صاحبها سيء الخلق مثلاً، السيارات الصغيرة يعني أخف منها أو شيء من هذا؟ الظاهر أن هذا ما له أثر؛ لأن الشيء الذي يؤثر ما جبلت عليه، السيارات الكبيرة يمكن أنها جبلت على الرفق أكثر من الصغيرة؛ لأن ما في طبلونها من السرعة إلا شيء ما يجعل الإنسان يطيش ويتهور مثل السيارات الصغيرة، بعض الناس يستروح يقول: إن الشاحنات الترلات مثل الإبل، كبار فتأخذ حكمها، ما يظهر هذا، والواقع يشهد أن بعض السيارات الصغيرة بأيدي هؤلاء الشباب الطائشين يمشون سرعة هائلة، ويؤذون الناس بقيادتهم أكثر من أصحاب السيارات الكبيرة، وعلى كل حال هذا مجرد استرواح وطرحه للنقاش ما يمنع أن يطرح.
((واصرف عني سيئها)) يعني الإنسان مع كونه يروض نفسه على حسن الخلق، وترك سيء الأخلاق، ومع ذلك يستعين بالله -جل وعلا-، وأهل العلم يوصون الشخص إذا كان كثير الغضب، وعنده شيء من سوء الخلق عليه أن يتمرن ويتخلق، ومع ذلك يكثر من الاستغفار، وهذا يذكر عن حذيفة ﵁.
стр. 287
((واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت)) يعني لا يملك صرف سيء الأخلاق إلا الله -جل وعلا-، وعلى الإنسان أن يكثر من دعاء موسى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [(٢٥ - ٢٦) سورة طه] شرح الصدر مهم، وهناك وسائل تعين وأسباب تعين على شرح الصدر، وقد بينها ابن القيم في مناسبات من كتبه، وابن رجب أيضاً تكلم عنها، فعلينا أن نحرص عليها.
((لبيك وسعديك)) لبيك تثنية لبى، وأصلها بالنون لبين، وحذفت النون للإضافة.
نوناً تلي الإعراب أو تنويناً ... مما تضيف احذف كطور سينا
فالنون حذفت للإضافة ومعنى ((لبيك)) من لبى بالمكان أي أقام به، فيكون المعنى حينئذٍ: أنا مقيم على طاعتك، وإجابة أمرك، إقامة بعد إقامة؛ لأن لبيك تثنية، وسعديك كذلك، إسعاداً بعد إسعاد لأوامرك، واجتناب نواهيك، أو سعادة بعد سعادة تحصل لي بامتثال أوامرك، واجتناب نواهيك.
((والخير كله في يديك)) خزائن الأمور كلها بيد الله -جل وعلا-، الخير كله بيد الله -جل وعلا-، والمحتاج يأتي إلى التاجر والتاجر عنده خير، والمراد بالخير المال ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] يعني مال، هذا التاجر عنده خير؛ لأن عنده مال، فيأتي الفقير ويدفع له ما يدفع به حاجته، ويأتيه آخر فلا يعطيه شيئاً، هل نقول: إن هذا التاجر أعطى ومنع، أو أن الله -جل وعلا- هو المعطي وهو المانع؟ الله -جل وعلا- هو المعطي وهو المانع، هو الذي أعطى زيد ومنع عمرو، وأما التاجر فهو وسيلة وسبب في إيصال هذا الخير إلى هذا المعطى، وسبب في حرمان من مُنع، والمعطي هو الله -جل وعلا-، والنبي ﵊ يقول: ((إنما أنا قاسم والله المعطي)) وأما الخلق فهم أسباب يجري الله على أيديهم ما ينفع، وقد يجري على أيديهم ما يضر.
стр. 288
((والخير كله في يديك)) وفي هذا إثبات لليدين لله -جل وعلا-، على ما يليق بجلاله وعظمته ((والشر ليس إليك)) يعني الشر لا ينسب إليك، إما على سبيل الاستقلال دون أن يضاف الخير إليه، ويكون هذا من باب الأدب ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [(١٠) سورة الجن] أريد بني للمجهول ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [(١٠) سورة الجن] أضيف إلى الله -جل وعلا-، فمن حسن الأسلوب والأدب ألا يضاف الشر إليه، وحينئذٍ لا يقال: يا خالق العقارب والحيات مثلاً تدعو ربك في سجودك يا خالق العقارب والحيات، نعم هو خالق العقارب والحيات، لكن هل مثل هذا مما يخص به الرب -جل وعلا-؟ يعني من باب الأدب في الأسلوب؟ ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [(١٠) سورة الجن] لما ذكر الشر بني الفعل للمجهول، ولما ذكر الخير أظهر الفاعل، وهو الرب -جل وعلا-، وهذا من باب تحسين وتلطيف الأسلوب والأدب في الأسلوب، وإلا الله -جل وعلا- خلقكم وما تعملون، وفي أعمالكم ما هو خير، وفي أعمالكم ما هو شر، يعني شخص لدغته حية فمات من الذي قدر عليه هذه المصيبة؟ نعم الرب -جل وعلا-، الرب -جل وعلا- هو الذي قدر عليه هذه المصيبة، وهي شر بالنسبة لهذا الشخص إلا أنها لا يمكن أن يقال: في أفعال الله -جل وعلا- ما هو شر محض، ما يمكن، لا يمكن أن يقال: هذا شر محض، قد يقول قائل مثلاً: لماذا تخلق العقارب والحيات؟ ولماذا .. ؟ ملك من الملوك شك في الحكمة من خلق الذباب، قال: ما الفائدة من خلق الذباب؟ فجالس واحد من جلسائه قال: ليذل الله به الجبابرة، تطرده عن وجهك ويرجع، وأصل التسمية من ذُب فآب، يعني طرد ورجع، وما يذر الجبابرة إلا مثل هذه الحشرات الصغيرة التي يظن أنه مسيطر على أعاظم الأمور، ثم تبتليه هذه الذبابة، ليس فيها شر محض، إنما فيها خير وفيها شر، يلدغ الإنسان فيحمد الله -جل وعلا- ويسترجع فترفع منازله، وتكفر سيئاته هذا خير عظيم، تلدغه حية فيموت ويكون الله -جل وعلا- قد حجبه عن شر، ولذلكم الخيرة فيما يختار الله -جل وعلا-.
стр. 289
((أنا بك وإليك)) يعني وجودي وقوامي وقوتي بك، يعني مستعيناً بك، وكائنة بك، يعني بسببك، وإليك مرجعي ومآلي.
((تباركت وتعاليت)) التبارك، تبارك بهذه الصيغة لا تجوز إلا لله -جل وعلا-، والبركة هي ما يوجده الله -جل وعلا- في بعض أفعاله ومخلوقاته، فمن المخلوقات ما فيه بركة، ومنها ما ليس فيه بركة، وأظهر البركة الحسية في محمد ﵊، وهو أعظم الناس بركة، والله -جل وعلا- ﵎ وتعاظم، لا يجوز أن يقال: تبارك زيد، أو تبارك علينا، كما يقوله بعض العامة، لكن قد يكون في الإنسان بركة لما يرى من أثره في الناس، هذه بركة تعدت، والله -جل وعلا- هو الموجد لهذه البركة، ولذا لا يجوز التبرك بالمخلوقين؛ لأن هذه البركة لا تتعدى بنفسها، البركة خاصة بمن جعل الله -جل وعلا- فيه البركة الحسية وهو النبي ﵊، فلا يتبرك بغيره، ولا بآثار غيره، وبعض الناس مفتون بهذه البدعة، يتمسح بالجمادات التي لا تنفع ولا تضر، يعني باب من حديد صنعه الصانع، وباعه على شخص، لا يدري أيجعله باباً لمسجد أو باب لحمام، ثم يأتي من يأتي من يتمسح بهذا الباب، وأنتم تشاهدون في الحرم من يتمسح ويتبرك -نسأل الله العافية- يطلب البركة من غير الله -جل وعلا-.
وامرأة من بعض الجهات تتمسح بالمقام، قلنا: هذا حديد لا ينفع ولا يضر، فقالت: عندكم ما ينفع لكن عندنا ينفع -نسأل الله العافية-، والله بالحرف تقول هذا الكلام، عندنا ينفع، يعني دينكم غير ديننا؟! إن كان ديننا واحد فالذي في ديننا أن مثل هذا لا ينفع، وإن كان لكم دين آخر فابحثوا عن مكان آخر، والله المستعان.
((تباركت وتعاليت)) من العلو، والله -جل وعلا- يثبت له العلو المطلق بأنواعه، علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، فهو عال على خلقه، بائن منهم، مستوٍ على عرشه.
((أستغفرك وأتوب إليك)) السين والتاء للطب، يعني أطلب المغفرة منك يا رب، وأتوب إليك، والمغفرة من الغفر وهو الستر، والمراد بذلك ستر الذنوب، ويكون سترها بمحوها، وأتوب إليك، وأرجع إليك مما اقترفت من ذنوب ومعاصي.
стр. 290
"وإذا ركع قال: ((اللهم لك ركعت، وبك آمنت)) " لك ركعت ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [(١٦٢) سورة الأنعام] الصلاة لله -جل وعلا- فأجزاؤها له، ومنها الركوع ((اللهم لك ركعت)) هذا جزء من الصلاة التي هي لله رب العالمين.
((وبك آمنت)) يعني لا بغيرك، والإيمان عند أهل السنة قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، هذه أجزاؤه الثلاثة: قول وعمل واعتقاد.
((ولك أسلمت)) آمنت وأسلمت، نحتاج إلى أن نقول: أسلمت مع قولنا: آمنت؟ لأن الإسلام يدخل في الإيمان، نحتاج إلى أن نقول: بك آمنت ولك أسلمت؟ ما يكفي أن نقول: بك آمنت ويدخل فيه الإسلام؟ أهل العلم يقررون أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، وهنا اجتمعا إذاً يفترقان، فالإسلام غير الإيمان هنا، ويحمل الإيمان على العقائد، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويحمل الإسلام على أعمال الجوارح، كما في حديث جبريل ﵇ حينما سأل النبي ﵊ عن الإسلام والإيمان والإحسان.
((خشع لك سمعي وبصري)) الخشوع والخضوع ويكون كل منهما في القول والجوارح، ومن أهل العلم كصاحب القاموس من يفرق بينهما، بأن يكون الخشوع باللسان والخضوع للجوارح، لكن يرد عليه بقوله -جل وعلا-: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [(٣٢) سورة الأحزاب] فدل على أن الخضوع أيضاً يكون بالقول.
((خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي)) يعني جميع أطرافي خشعت لله -جل وعلا-، والخشوع سواءً كان خشوع السمع أو خشوع البصر أو خشوع المخ والعظم والعصب مطلوب لا سيما في الصلاة، والجمهور على أن الخشوع سنة، تصح الصلاة بدونه، لكن هو لب الصلاة وخلاصتها، وأوجبه جمع من أهل العلم كابن القيم وابن رجب، وقبلهما الغزالي في الإحياء، وأطال الكلام عليه، ما الذي دعا الجمهور أن يقولوا: إن الخشوع سنة؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 291
عمل قلبي، ومع ذلك الذي لا يذهب من صلاته إلا بعشرها؛ لأن المراد بالخشوع حضور القلب، وبقدر حضور القلب يدرك من صلاته ما يدرك، فإذا لم يخشع في صلاته ولم يذهب من أجرها إلا بالعشر هل نقول: الصلاة صحيحة وإلا باطلة؟ صحيحة، لكن الأجر المرتب عليها قل بقدر حضور القلب، فإذا كان حضور القلب بنسبة تسعة إلى عشرة، والصلاة صحيحة يعني شريطة أن يأتي بالشروط والأركان والواجبات، نعم إذا جاء بهذه ولم يحضر قلبه، يعني لم يخشع فيها الخشوع المطلوب في الصلاة بحيث لم يستحضر منها إلا لم يعقل منها إلا العشر، ولا قال النبي ﵊: إن صلاته باطلة، وإنما قال: ((ليس له من صلاته إلا ما عقل)) والباطلة لا ثواب فيها أصلاً، والذي له عشرها صلاته صحيحة؛ لأن الباطلة لا أجر فيها، فأهل العلم ينظرون إلى هذه المسألة من هذه الزاوية، يقولون: الذي لا يستحضر من صلاته إلا العشر هذا خاشع وإلا غير خاشع؟ نعم؟
في الغالب ليس بخاشع، ليش خاشع وهو ما ذهب إلا بعشر الأجر؟ يعني ما استحضر من صلاته إلا العشر، ومع ذلك صلاته صحيحة ومجزئة ومسقطة عن الطلب، وإن كان أجرها وأثرها المرتب عليها قليل، ومع الأسف أن كثير من المسلمين يصلي بأقل من هذه النسبة، ومنهم من يصلي بهذه النسبة، ومنهم من يصلي بأعلى بأعظم، ولذلك لا تجدون الأثر المرتب على الصلاة موجود في حياة المسلم ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ [(٤٥) سورة العنكبوت] تجد المسلم يصلي ويسرق، يصلي ويكذب، يصلي ويغتاب، يصلي ويفعل، وين الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ الصلاة المراد بها الصلاة التي تؤدى على مراد الله ومراد رسوله ﵊، فيها الإخلاص التام لله -جل وعلا-، وفيها المتابعة التامة للنبي ﵊، فإذا حصل هذان الوصفان ترتبت الآثار، وما دام ما يخرج من الصلاة إلا بعشر أجرها، والصلوات الخمس كفارات لما بينهن، لكن هل يتصور أن الصلاة التي لم يخرج منها صاحبها إلا بالعشر بالربع تكفر ما بينها وبين الصلاة الأخرى؟ شيخ الإسلام يقول: هذه إن كفرت نفسها بركة، يكفي، والله المستعان.
стр. 292
على كل حال على الإنسان أن يستحضر مثل هذه الأمور، ويخشع في صلاته، وبجميع أطرافه، يعني هل يتصور أن القلب يخشع والأطراف تتحرك؟ نعم؟ لا القلب الملك، هو الذي يدبر هذه الأطراف، لو خشع حقيقة ما تحركت الأطراف، ويذكر عن عمر ﵁ أنه رأى رجلاً يعبث بلحيته، فقال: لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه، ويذكر في المرفوع لكنه لا يصح، المقصود أن مثل هذا الأمر على طالب العلم أن ينتبه له، ويكون قدوة وأسوة للناس.
طالب: ما التلازم بين الطمأنينة والخشوع؟
بينهما ارتباط من جهة باعتبار أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، إذا فقدت فقد معها الخشوع من باب أولى، لكن قد يطمئن ولا يخشع، نعم قد يطمئن وقلبه سارح؛ لأن الطمأنينة إنما هي في الأفعال.
"وإذا رفع قال: ((اللهم ربنا لك الحمد)) " وقد يقول: ربنا لك الحمد بدون اللهم، وقد يجمع بين اللهم والواو فيقول: اللهم ربنا ولك الحمد، وقد يقول: ربنا ولك الحمد بدون اللهم، فالصيغ أربع.
((اللهم ربنا ولك الحمد)) وهذه ثابتة في البخاري وغيره، وإن نفاها ابن القيم؛ لكنها في الصحيح.
((اللهم ربنا لك الحمد)) كما هنا ((ربنا لك الحمد)) دون اللهم والواو و ((ربنا ولك الحمد)) دون اللهم، وهي أربع صيغ، ويقولها كل مصلٍ، ربنا ولك الحمد يقولها كل مصلٍ، وأما سمع الله لمن حمده التي تقال قبلها، فإنما يقولها الإمام والمنفرد، ولا يقولها المأموم، المأموم يقول: اللهم ربنا ولك الحمد، ويقولوها الإمام أيضاً، ويقولها المنفرد، وسيأتي تفصيل هذا في الأحاديث اللاحقة -إن شاء الله تعالى- خلافاً للشافعية الذين يقولون: إنه يجمع بينهما كل مصلٍ؛ لأن النبي ﵊ قال: سمع الله لمن حمد ربنا ولك الحمد، وهو القدوة وهو الأسوة، لكنه قدوة باعتباره إمام في هذه الصورة، لأنه يأتي في الحديث: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)) فوظيفة الإمام قول سمع الله لمن حمده، وأيضاً يقول: ربنا ولك الحمد مع المأمومين، كما أنه ((إذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين)) والإمام يقول: آمين، أما المأموم فلا يقول: سمع الله لمن حمده.
стр. 293
ومنهم -من أهل العلم- من يرى أن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده ولا يقول: ربنا ولك الحمد، والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد ولا يقول: سمع الله لمن حمده، لكن عرفنا أنه يجمع بينهما الإمام والمنفرد، ويقول الإمام: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده، وسيأتي مزيد بسط لهذه -إن شاء الله تعالى-.
((ملء السماوات، وملء الأرض)) يعني مثل ما تقدم السماوات جمع، والأرض مفرد ((وملء ما بينهما)) يعني لو قدر أن الحمد جسم فإنه حمد عظيم، عظيم كبير الحجم جداً، يملأ السماوات ويملأ الأرض، ويملأ ما بينهما.
((وملء ما شئت من شيء بعد)) يعني مما نعرفه ومما لا نعرفه كالكرسي والعرش مثلاً، يملأ كل شيء هذا الحمد.
"وإذا سجد قال: ((اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت)) " مثل ما تقدم أن السجود كالركوع جزء من الصلاة التي هي لله -جل وعلا-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [(١٦٢) سورة الأنعام] والسجود جزء منها، فالصلاة لله، والسجود أيضاً لله -جل وعلا- لا يجوز أن يصرف لغيره كالصلاة، يعني لا يجوز أن يصلي لأحد، ولا يجوز أن يركع لأحد، ولا يجوز أن يسجد لأحد، يعني من سجد لغير الله -جل وعلا- أشرك الشرك الأكبر، من ركع لغير الله -جل وعلا- فقد أشرك الشرك الأكبر، كمن صلى لغير الله -جل وعلا-.
((اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت)) يعني كما تقدم.
((سجد وجهي للذي خلقه وصوره)) يعني ما سجد إلا الوجه؟ أو ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم))؟ سجد الوجه، سجدت اليدان، سجدت الركبتان، سجدت أطراف القدمين، كلها ملامسة للأرض، لكن باعتبار أن الوجه أشرف ما في الإنسان اقتصر عليه، فإذا سجد الأشرف تبعه ما دونه.
((سجد وجهي للذي خلقه وصوره)) وهو الله -جل وعلا-، فتبارك الله أحسن الخالقين.
стр. 294
((وشق سمعه وبصره)) السمع أضيف إلى الوجه، والبصر أضيف إلى الوجه، ولذا العينان تغسلان مع الوجه، لكن هل السمع لما أضيف إلى الوجه من الوجه؟ الأذنان من الوجه أو من الرأس؟ العينان من الوجه بلا شك لكن الأذنان؟ استدل بهذا الحديث من قال: إن الأذنين من الوجه، تغسلان مثل ما يغسل الوجه؛ لأنه قال: ((وشق سمعه)) سمع إيش؟ لأنه قال: ((سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه)) يعني سمع الوجه، الإضافة هنا للوجه، يعني الاستدلال من هذا الحديث ظاهر؛ لكن هل يراد يعني لما سجد الوجه الذي هو أشرف ما في الإنسان قد تكون الإضافة والنسبة للمجاورة، يعني النسبة في الأصل أنها حقيقية، لكن قد تكون النسبة للمجاورة، والأذنان مجاورتان للوجه فنسبتا إليه، وتجدون في نسب كثير من الرواة فلان بن فلان الخياط مثلاً، وإذا بحثت ما وجدته خياط، لكن كان يجلس عند الخياطين، فالنسبة مجاورة، ليست نسبة حقيقية، فلان كذا ينسب إلى قبيلة من القبائل، نزل عندهم وجاورهم فنسب إليهم، فالمجاورة ينسب إليها، فالنسبة تكون لأدنى مناسبة ((لأنتن صواحب يوسف)) يقوله لبعض أمهات المؤمنين الرسول ﵊، ما علاقتهن بيوسف لينسبن إلى صحبته؟ لأدنى مناسبة، صدر منهن فعل يشبه من وجه ما صدر من النسوة صواحب يوسف.
المقصود أن النسبة قد تكون للمجاورة، ومنها قوله: ((وشق سمعه وبصره)).
((تبارك الله أحسن الخالقين)).
стр. 295
"ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: ((اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت)) " يعني ما تقدم من ذنوبي، وما سلف منها في أول عمري، ((وما أخرت)) يعني ما تأخر منها، وما وجد منها في آخر عمري، وليس معنى هذا الذنوب المتأخرة عن هذه الدعوة، يعني إذا قلت هذا الكلام في صلاة العشاء ((اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت)) هل معنى ما قدمت ما صدر قبل هذه الصلاة، وما أخرت ما يأتي بعد هذه الصلاة؟ يعني تستغفر من ذنب لم يحدث، أو تستغفر لذنوبك المتقدمة والمتأخرة يعني القديمة والجديدة؟ إذا قيل مثلاً: هذا قول جمع من العلماء المتقدمين والمتأخرين، هل معنى هذا أن المتأخرين ما بعد جو؟ هل يلزم منه العلماء ما بعد .. ؟ لا أبداً، ما يقول أحد هذا، إنما هم ممن عاش في الزمن القديم، وممن تأخر وجوده إلى الزمن المتأخر، فحينما تقول: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، اغفر لي يعني ذنب وقع يحتاج إلى دعاء مغفرة، فالذنوب المتقدمة والمتأخرة كلها واقعة.
ومنهم من يقول: إن المراد بالذنوب المتقدمة ما حصل وتقدم على هذه الصلاة، والذنوب المتأخرة ما يأتي بعد هذه الصلاة، يعني إن حصل مني ذنب فاغفره لي ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [(٢) سورة الفتح] فالمتقدم ((أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والآتية)) فمن هذا يعني يكفر الذنوب التي حصلت بالفعل، وما لم يحصل من الذنوب إن حصل، يكون بهذا الشرط، وهذا له وجه.
((اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت)) وما أسررت يعني ما عملته خفية، وما أعلنت يعني ما أظهرته وعملته علناً، وما أسرفت يعني ما زدت فيه على القدر المطلوب شرعاً.
((وما أنت أعلم به مني)) لأن الإنسان قد يعمل السيئة والخطيئة ويعرف أنه عملها، فيستغفر منها، وقد يقع في معاصي لا يشعر بها، ولا يعلمها، وقد يظنها حسنات، فهذا مما الله -جل وعلا- أعلم به من العبد ((وما أنت أعلم به مني)) قد يشرك الإنسان شركاً يعرفه، وشرك يخفى عليه، وكفارة ذلك أن يقول: ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)).
стр. 296
((وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت)) الله -جل وعلا- بيده أزمة الأمور كلها.
تقدم زيد في الأعمال الصالحة وتأخر عمرو، من الذي قدم زيد ومن الذي أخر عمر؟ الله -جل وعلا-، تقدم في بعض الأوصاف وتأخر هذا في بعض الأوصاف، المقدم والمؤخر هو الله -جل وعلا-، أيضاً تقدم هذا في وفاته، تقدم في وجوده، تأخر في وفاته إلى آخره، كل هذا بيد الله -جل وعلا-، لا يستطيع الإنسان أن يتصرف في شيء من هذا " ((أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت)) رواه مسلم".
يقول ابن حجر: في رواية له أن ذلك في صلاة الليل، وهذا أشرنا إليه في درس الأمس، وقال الصنعاني: لم نجده في مسلم، يعني ما نص مسلم أن هذا في صلاة الليل، وإنما ساق مسلم حديث علي هذا في قيام الليل، ويكفي هذا؛ لأن مسلم دقيق في وضع الأحاديث، حينما وضع الحديث بين أحاديث قيام الليل دل على أن هذا الكلام إنما يقال في صلاة الليل.
وقد نقل الحافظ في التلخيص عن الشافعي وابن خزيمة أنه يقال في المكتوبة، وهو أيضاً عند ابن حبان أنه في الصلاة المكتوبة، ولا مانع أن يقال في الصلاة المكتوبة، ويقال في صلاة الليل، ومع ذلك يقوله غير الإمام؛ لأن فيه طول، فقد يشق على المأمومين، ويقوله الإمام الذي يعرف من رغبة المأمومين في الإطالة ما يعرف.
ثم بعد ذلك قال:
"وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر" كبر تكبيرة الإحرام، وتقدم أنها ركن عند الجمهور وعند الحنفية شرط، وعرفنا فائدة الخلاف.
"إذا قام في الليل كبر قائلاً: الله أكبر، ثم يقول بعد ذلك: ((سبحانك اللهم وبحمدك)) " سبحان مصدر سبح يسبح تسبيحاً وسبحان مثل غفران، والمعنى التسبيح التنزيه، يعني أنزه الرب -جل وعلا- عن كل ما لا يليق به، ((وبحمدك)) الواو هذه عاطفة، والتقدير وبحمدك سبحتك، سبحانك وبحمدك سبحتك، كما قال الزجاج، فهي عاطفة تكون الواو حينئذٍ عاطفة.
((وتبارك اسمك)) يعني البركة في اسمك في ذكره، يعني والاسم مفرد مضاف، مفرد مضاف اسمك، وإذا أضيف المفرد دل على إيش؟ العموم، فالمراد هنا جميع أسماء الله -جل وعلا- مباركة.
стр. 297
((وتعالى جدك)) تعالى يعني تعاظم قدرك، وتعالى جدك، والجد يأتي بمعنى العظمة، ويأتي أيضاً بمعنى القدر، ويأتي بمعنى الحظ والنصيب، وقال بعض المفسرين في تفسير سورة الجن في قول الله -جل وعلا-: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [(٣) سورة الجن] قال بعض المفسرين: إن هؤلاء الجن جهلة، يعني أول يدخلون في الإسلام الآن ما يعرفون شيء عن الإسلام، وظنوا أن للرب جداً، تعالى الله عن هذا القول، ووصفوا هذا الجد، الجد الذي هو أبو الأب، قال بعض المفسرين: إنهم جهال، لا يعرفون عن الله -جل وعلا- ما يقتضي تعظيمه عن مثل هذا الوصف، أنهم ظنوا أن له جداً كغيره، تعالى الله عما يقولون، أو عما قيل، لكن هذا القول ليس بشيء، لماذا؟ لأن القرآن نزل مؤيداً له، وبحضرة النبي ﵊ ما أنكر النبي ﵊ فكيف يسوغ مثل هذا الكلام؟! هذا وجد في كتب التفسير، لكن كيف يسوغ بحضرة النبي ﵊ يقول مثل هذا الكلام ولا ينكره! وينزل القرآن بذكره من غير تفنيد؟ هذا لا يمكن، هذا قول لا حظ له من النظر.
((ولا إله غيرك)) يعني لا معبود بحق سواك يا الله، وإن عبد معه غيره، لكنه ليس بحق، معبودات باطلة ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [(٩٨) سورة الأنبياء].
"ثم يقول: ((الله أكبر كبيراً)) " يعني بعد دعاء الاستفتاح هذا يقول: الله أكبر كبيراً، وجاء عن ابن مسعود أيضاً ((والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً)) لكن هذا المعروف عن ابن مسعود في تكبيرات صلاة العيد لا في هذا الموضع.
على كل حال هذا موجود في حديث أبي سعيد، وحديث أبي سعيد فيه كلام لأهل العلم نذكر شيئاً منه عند كلام المؤلف.
"ثم يقول: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم)) " لماذا؟ لأنه يريد أن يقرأ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ [(٩٨) سورة النحل] هذا الأمر يشمل القراءة في الصلاة وخارج الصلاة.
((أعوذ بالله السميع العليم)) أعوذ يعني التجئ وأعتصم بالله -جل وعلا- ((السميع العليم)) الموصوف بهاتين الصفتين، والمسمى بهذين الاسمين السمع والعلم.
стр. 298
((من الشيطان الرجيم)) الشيطان إما من شطن إذا بعُد، أو من شاط إذا احترق ((الرجيم)) والمقصود به إبليس اللعين، ومن يتبعه من شياطين الإنس والجن؛ لأن (أل) جنسية هذه، الرجيم المرجوم.
((من همزه ونفخه ونفثه)) من همزه الهمز هو من الكيد كما يقول بعض أهل العلم، أو أنه هاه؟ إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
الصرع، نعم الصرع.
((ونفخه)) النفخ والنفث النفخ بلا ريق، والنفث مع الريق، لكنه دون التفل، ويراد بذلك الوسوسة والسحر والشعر والأمور التي تجري على ألسنة الشياطين، وفي أفعالهم يستعاذ بالله من الشيطان، وجميع أفعاله المؤثرة على الإنسان بقدرة الله -جل وعلا-.
منهم من يقول: الهمز الموتة وقد .. ، الشيطان يصرع الإنسان وقد يزيد في ذلك فيقتله، حصل هذا لبعض أهل العلم في التراجم، يذكرون أن الشياطين أو الجن قتلوه، وقد جاء في وفاة سعد بن عبادة أنه بال في جحر فقتله الشياطين.
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ... رميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده
والقصة معروفة فيها ضعف، على كل حال يستعاذ من الشياطين، والاستعاذة مطلوبة قبل قراءة القرآن، والصيغة الواردة ما جاء في هذا الحديث وغيره: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم)) ولو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [(٩٨) سورة النحل] ما فيه السميع العليم، يعني من قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم امتثل الأمر، ومن زاد السميع العليم فله ذلك؛ لأنها جاءت بها بعض النصوص ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [(٢٠٠) سورة الأعراف] نعم فإذا زاد السميع العليم لا بأس -إن شاء الله تعالى-، وإن اقتصر على أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفاه.
"رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي، وهذا لفظه من رواية جعفر بن سليمان، وقد احتج به مسلم عن علي بن علي الرفاعي، وقد وثقه ابن معين وأبو زرعة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد".
стр. 299
"وقال الترمذي: وقد تكلم في إسناده، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي" علي بن علي معروف بإيش؟ بالعبادة، رجل عابد، رجل صالح، وهذا النوع من الرواة الذين يصرفون جل أوقاتهم للعبادة لا بد أن يقع في حديثهم ما يقع؛ لأنهم يغفلون عن تحفظ الأحاديث بالعمل، ينصرفون إلى .. ، وكثير هذا في العباد، لكن لا يؤثر على العابد الذي عنده قوة حافظة، يتذكر بها ما شاء متى شاء، لكن مع ذلك من الناس من حافظته أقل، لكنه يكثر المراجعة، ويديم النظر في مروياته، هذا يضبط ويتقن، إذا غفل عن ذلك، إذا غفل إلى العبادة مثلاً لا شك أنه على حساب العلم، لكن على هذا ينبغي أن يكون العالم وطالب العلم عنده شيء من التوازن، لا يصرف جهده إلى العبادة فينصرف عن العلم، ولا يصرف جهده إلى العلم بحيث ينسى العبادة، فيكون عنده شيء من التوازن، فتُكلم في علي بن علي من أجل هذا.
стр. 300
كان يحيى بن سعيد القطان يتكلم في علي بن علي، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث، وقال أبو داود: هذا الحديث يقولون هو عن علي بن علي عن الحسن -رحمه الله تعالى- يعني حينما يقال: ﵀ وهو رجل متكلم فيه يدل على أنه يستحق أن يترحم عليه، لماذا؟ لأن عنده من العبادة ما عنده، ولذلك تجدون بعض الناس مثلاً النووي مثلاً قد يكون الراوي ضعيف، وإذا ترجم به أشاد به لأنه عابد؛ لأن كل إنسان ينظر إلى الناس مما يميل إليه، تجد هذا الراوي تكلم عليه ابن حجر، ويتكلم عليه النووي، النووي ينظر إليه من زاوية العمل، وابن حجر ينظر إليه من زاوية العلم، فتجد لو كان من أعبد الناس وعنده شيء من الضعف ابن حجر يشير إلى أنه عابد، لكن ما يشيد به مثلما يشيد به النووي، بينما لو كان حافظ من الحفاظ ومنزلته في العبادة أقل تجد النووي يشير إلى أنه حافظ مجرد إشارة ويمشي، فكل إنسان ينظر إلى هذه الأمور حسب ميله، يعني هذا الظاهر يعني لو تقرأ في تراجم الرواة عند النووي غير ما تقرأ لابن حجر، ابن حجر ينظر إليه من حيث الضبط والحفظ والإتقان، يعني من حيث ما يثبت حديثه ويضعفه، النووي لا، الرجل عابد يقدر لأمثال هؤلاء هذه العبادة عنده، فيشيد بهم، فحينما يقول: الرجل متكلم فيه، يقولون: هو عن علي بن علي -رحمه الله تعالى-، فالناس يساقون إلى الدعاء لمثل هذا، ولا شك أن العالم العابد الناس تثق به ثقة مطلقة، وتجري الدعوات على ألسنتهم شعروا أو لم يشعروا، وعمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة أخذ من بني أمية من أقاربه ومعارفه ما منحوه، وما أقطعوا من أراضي ممن منحهم من قبله، فجاء شخص إلى من بعد عمر بن عبد العزيز هشام؟ نعم؟ فقال: سليمان الذي قبل عمر بن عبد العزيز أعطاني أرضاً، فجاء عمر بن عبد العزيز ﵀ فأخذها، قال: يا أخي الذي أعطاك الأرض ما قلت: ﵀، والذي أخذها تقول: ﵀؟ قال: ويش بيدي الناس كلهم تقول هذا، كلهم يقولون هذا، فلا بد أن يجري الله -جل وعلا- على ألسنة الناس من الثناء لمن يستحق الثناء شاءوا أم أبوا، والله المستعان، والناس شهداء الله في أرضه.
стр. 301
"قال: الوهم من جعفر" يعني ليس من علي بن علي، إنما هو من جعفر بن سليمان، وعلى كل حال الحديث له طرق تجعله مقبولاً.
ثم قال:
"وعن عبدة أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" حديث أبي سعيد ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر، ثم يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)) يعني الاستفتاح بهذا اللفظ وارد عن النبي ﵊ مرفوعاً من حديث أبي سعيد، ووارد من قول عمر ﵁، أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
الموقوف على عمر ذكره مسلم في صحيحه، والمرفوع عرفنا ما فيه من الكلام، المرفوع فيه كلام لأهل العلم، مضعف بسبب ما قيل في علي بن علي، وفيه وهم أيضاً من قبل نعم؟ جعفر بن سليمان، وحديث عمر يرويه عبدة أن عمر، يرويه عبدة لا يرويه عن عمر، إنما عبدة يقول: أن عمر ﵁ كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" هذا ينبني على كون عبدة أدرك عمر أو لم يدركه؟ إن كان أدرك عمر فهو يحكي قصة أدركها، وإن كان لم يدرك عمر فهو يحكي قصة لم يدركها، وعلى كل حال الخبر في صحيح مسلم.
يقول: "ذكره مسلم في صحيحه لأنه سمعه مع غيره" يعني عبدة سمعه مع غيره، المقصود أن عمر كان يجهر بها ويعلمها الناس، فلكثرة من يرويها عن عمر مسلم -رحمه الله تعالى- لكثرة من يرويها عن عمر، واستفاضة هذا اللفظ عن عمر اكتفى الإمام مسلم بهذه الاستفاضة عن تطبيق الشرط، وإلا فعبدة لم يدرك عمر، ولم يسمع منه، إنما رآه رؤية، مجرد رؤية لا يثبت بها اتصال.
وليس هو على شرطه؛ لأن شرط مسلم المعاصرة، وهو بسنة أو سنتين هذا معاصر لمن مات بعد ذلك مباشرة؟ لا تكفي مثل هذه المعاصرة، إنما المعاصرة مع إمكان السماع، وهنا السماع غير محتمل، نعم رآه رؤية.
يقول: "وليس هو على شرطه، فإن عبدة بن أبي لبابة لم يدرك عمر، بل ولم يسمع من ابنه إنما رآه رؤية" كذا عندكم؟
стр. 302
طالب: رواه رواية.
لا هين سهل هذا، يقول: " فإن عبدة بن أبي لبابة لم يدرك عمر، بل ولم يسمع من ابنه، إنما رآه رؤية".
طالب:. . . . . . . . .
لا لا، هي رآه رؤية، ما نقول: رواه رواية، سهل هذا، ما هو الإشكال هنا، الذي لم يدرك الابن عبد الله بن عمر يقال: إنه لم يدرك عمر؟ الذي لم يسمع من عبد الله بن عمر يقال: إنه لم يدرك عمر، وقد عاش عبد الله بن عمر بعد أبيه خمسين سنة؟ نحتاج إلى أن نقول: إنه لم يدرك عمر؟ نحتاج؟ ما نحتاج؛ لأن هنا مفاوز، والذي ينص عليه ما يحتاج إليه، يعني مما يحتمله السياق، ولذا في نيل الأوطار يقول: "وعبدة لا يعرف له سماع من عمر، وإنما سمع من عبد الله بن عمر، ويقال: رأى عمر رؤية" يعني الذي رأى عمر يشك في سماعه من ابن عمر؟ نعم؟ لأن ابن عمر عاش بعد أبيه خمسين سنة، فلا يشك في سماعه منه، وعنكم يقول: "فإن عبدة بن أبي لبابة لم يدرك عمر، بل ولم يسمع من ابنه" يعني إذا قلنا: لم يسمع من ابن عمر فمن باب أولى لم يسمع من أبيه ولم يدركه، إنما رآه رؤية، يعني رأى عمر رؤية، والرؤية لا يثبت بها اتصال، ولا تثبت بها المعاصرة، ولذلك صغار الصحابة مثل محمد بن أبي بكر لا يقال له: صحابي؛ لأنه لما توفي النبي ﵊ صغير جداً، عمره ثلاثة أشهر وأيام.
"وقد روى الدارقطني بإسناده عن الأسود عن عمر أنه كان يقول هؤلاء الكلمات، وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن استفتاح الصلاة، فقال: نذهب فيه إلى حديث عمر" قال المروزي من أصحاب الإمام أحمد: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن استفتاح الصلاة، فقال: نذهب فيه إلى حديث عمر؛ لأن عمر جهر به على المنبر، وعلمه الصحابة، فيرجحه الإمام أحمد "وقد روي فيه من وجوه ليست بذاك" يعني روي فيه مرفوع من وجوه ليست بذاك القوي، يعني فيها ضعف، أما الموقوف على عمر فصحيح.
هذا نوع من أنواع الاستفتاح، ونوع الذي جاء في حديث علي، ونوع جاء في حديث أبي هريرة: "أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي ... )) إلى آخره.
стр. 303
أنواع الاستفتاحات محفوظة عن النبي ﵊، فعلى طالب العلم أن يحفظها، يحفظ ما ثبت منها، ويقول هذا أحياناً، ويقول هذا أحياناً، ويقول ما جاء في صلاة الليل في صلاة الليل، وما لم يذكر فيه صلاة الليل يقال في الصلوات كلها.
"وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير"
يستفتح يعني يبتدئ الصلاة بالتكبير، فيقول: الله أكبر، وهذه التكبيرة هي تكبيرة الإحرام التي هي ركن من أركان الصلاة، لا تنعقد إلا بها، وعلى هذا لا يوجد أي كلام من أجل الصلاة قبل التكبير، يقصد إلى مصلاه ويقول: الله أكبر، ولا يتكلم بكلام قبل هذا، لا يقول: نويت أن أصلي صلاة كذا أربع ركعات، فرض الوقت، خلف الإمام، أو مثل ما يقال من الألفاظ المبتدعة وهذه لم تثبت، ولم تذكر عن النبي ﵊ ولا عن صحابته ولا عن التابعين، لا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف، بل هي بدعة، فالنية القصد، مجرد القصد هذه نية.
стр. 304
"يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءةَ بالحمدُ لله رب العالمين" الحمدُ مرفوع على الحكاية، يعني ويستفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، يستدل بهذا من لا يرى الاستفتاح ولا يرى التعوذ ولا البسملة، الله أكبر الحمد لله رب العالمين؛ لأن الحديث: "يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين" وهذا معروف عند المالكية أنه لا استفتاح، ولا تعوذ، ولا بسملة، والجمهور يرون الاستفتاح، وقد دلت الأدلة الصحيحة الثابتة عن النبي ﵊ أنه يقول بين التكبير والقراءة دعاء الاستفتاح، ويتعوذ ويسمي، طيب ماذا عن هذا الحديث: "يستفتح القراءة"؟ فهل دعاء الاستفتاح قراءة؟ دعاء الاستفتاح ليس بقراءة، فهو يستفتح القراءة وإذا كان يستفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين لا منافاة بين أن يوجد الاستفتاح قبل القراءة، والقراءة إنما تفتتح بالحمد، يوجد الاستفتاح ويوجد التعوذ من أجل القراءة، يوجد الاستفتاح؛ لأنه ليس بقراءة، فلا ينفيه هذا الحديث، ويوجد التعوذ الذي هو من أجل القراءة عند إرادة القراءة، كما ثبت في الآية والأحاديث، ويبسمل، ويكون المراد بالحمد لله رب العالمين هذه الجملة علم على هذه السورة، يعني اسم الفاتحة: الحمد لله رب العالمين بما فيها البسملة عند من يقول بأن البسملة آية من آيات الفاتحة كالشافعي على الخلاف بين أهل العلم، هل البسملة آية من الفاتحة أو ليست بآية؟ هل هي آية من كل سورة أو ليست بآية من أي سورة؟ أو آية واحدة نزلت للفصل بين السور؟ خلاف بين أهل العلم.
والبسملة بعض آية من سورة النمل إجماعاً، وليست بآية في أول التوبة إجماعاً أيضاً، وما عدا ذلك من السور خلاف، منهم من يقول: إنها آية من كل سورة، ومنهم من يقول: هي آية من سورة الفاتحة فقط، ومنهم من يقول: هي آية في القرآن كله نزلت للفصل بين السور.
стр. 305
فالذي يقول: إن البسملة آية من الفاتحة نعم يفتتح القرآن بسورة الحمد بما فيها البسملة، والذي يقول: إنها ليست بآية من الفاتحة يقول: حكمها حكم الاستعاذة، فالاستفتاح ليس بقرآن ولا بقراءة، يستفتح القراءة بالحمد فلا ينفي أن يستفتح، يتعوذ لإرادة القراءة كما أمر، والبسملة أيضاً ثبتت أنه كان يبسمل قبل السور، المقصود أن مثل هذا لا ينفي الاستفتاح ولا التعوذ ولا البسملة؛ لأنه ورد نصوص مفسرة مفصلة تبين أنه ﵊ كان يستفتح ويتعوذ ويبسمل قبل قراءة الفاتحة.
"وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه" يشخص رأسه يعني يرفع رأسه، يعني لا يرفع رأسه هكذا، لم يشخص رأسه ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [(٤٢) سورة إبراهيم] يعني ترتفع، ولم يصوبه، يخفض رأسه، بل يكون الرأس بمستوى الظهر، لا يشخصه بمعنى يرفعه، ولا يصوبه يعني يخفضه، ومنه قيل للمطر: الصيب، لماذا؟ لأنه ينزل في الأرض ((اللهم اجعله صيباً نافعاً)) يعني نازلاً ينفع الأرض -إن شاء الله تعالى-.
"ولم يصوبه، ولكن بين ذلك" يعني يكون باستواء الظهر "وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً" يعني لا بد من الطمأنينة في هذا الركن، وحتى يعود كل فقار إلى مكانه على ما تقدم "وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالساً" وفي هذا رد على من لا يرى الطمأنينة في هذين الركنين، وفصلنا هذا بالأمس.
стр. 306
"وكان يقول في كل ركعتين التحية" التحية هل المراد بها السلام عليكم؟ ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ﴾ [(٨٦) سورة النساء] تحية أهل الإسلام، تحية أهل الجنة إيش؟ السلام عليكم، هل يقول: السلام عليكم؟ إذا صلى ركعتين قال: السلام عليكم؟ ما المراد بالتحية هنا؟ التحيات "وكان يقول في كل ركعتين التحية" قد يقولها بعد ركعة، قد يقول التحية بعد ركعة، لكن الغالب أن الصلاة لا تقل عن ركعتين، فإذا كانت من ركعتين، أو أربع بين كل ركعتين، بعد كل ركعتين تحية، إذا كانت ثنائية أو رباعية كان بين كل ركعتين تحية، لكن إذا كانت ركعة واحدة، والصلاة قد تكون ركعة كالوتر مثلاً يقول فيها التحية، إذا كانت ثلاثية يقول بعد الركعتين التحية، ويقول بعد الثالثة التحية، فالحديث خرج مخرج الغالب.
"وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى" وكان يفرش رجله اليسرى فيجلس عليها، وينصب رجله اليمنى "وكان ينهى عن عقبة الشيطان" فسرت عقبة الشيطان بأن يلصق إليتيه على الأرض، وينصب ساقيه وفخذيه، ويرسل يديه على الأرض، يعني كما يفعل الكلب، وهذا هو الإقعاء المنهي عنه.
"وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع" هكذا على الأرض وهو ساجد، الذراعين، يجعل الذراعين على الأرض، هذا منهي عنه، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وجاء تفسيره بالكلب أيضاً، وكان يختم الصلاة بالتسليم، يفتتحها بالتكبير، ويختتمها بالتسليم، فالتكبير ركن، تكبيرة الإحرام، وكذلك التسليم ركن على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به عند الجمهور خلافاً للحنفية أنه إذا فرغ من التشهد فقد تمت صلاته كما في حديث ابن مسعود ويأتي شرحه -إن شاء الله تعالى-.
"رواه مسلم".
стр. 307
"وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) " يعني فلا يتقدم عليه ولا يفتأت عليه، ولا يتأخر عنه تأخراً بيناً ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) ليقتدى به، ويفعل مثل أفعاله ((ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا)) إذا كبر للإحرام أو غيرها من تكبيرات الانتقال كبروا، والمقصود إذا فرغ من التكبير فكبروا، ولا يوافق في التكبير يكون تكبير الإمام مع تكبير المأموم، لا، إنما يكبر الإمام، فإذا فرغ من التكبير يكبر المأموم.
((وإذا ركع فاركعوا)) إذا شرع في الركوع فاركعوا، إذا شرع في الركوع وليس المراد بالشروع الهوي، لا، يعني بدأ بالركوع فعلاً ((فاركعوا)) وعرفنا أنه إذا كبر فكبروا يعني فرغ، وإذا ركع شرع، وإذا قام إلى الصلاة أراد القيام وهكذا، فالفعل الماضي يأتي للفراغ من الفعل، والشروع فيه، وإرادة الفعل.
((وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده)) الإمام يقول: سمع الله لمن حمده ((فقولوا: اللهم ربنا)) يعني عندكم مكرر اللهم اللهم؟
طالب: لا واحدة، واحدة يا شيخ.
يعني ما في الثانية بين قوسين؟
طالب: لا لا، واحدة فقط بين قوسين.
اللهم اللهم، كتب مرتين، هذا خطأ قطعاً.
((اللهم ربنا لك الحمد)) وعرفنا الصيغ الواردة في هذه الجملة، اللهم ربنا ولك الحمد، اللهم ربنا لك الحمد كما هنا، اللهم ربنا ولك الحمد كما في البخاري، وهي التي قال ابن القيم: إنه لم يثبت الجمع بين اللهم والواو، ويستدرك عليه وليس بمعصوم، ربنا ولك الحمد، ربنا لك الحمد.
((وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً)) هذا الأصل، صل قائماً، يقوله النبي ﵊ لعمران بن حصين: ((صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)) القيام مع القدرة ركن من أركان الصلاة المفروضة، لا تصح الصلاة من قعود بالنسبة للقادر على القيام، أما بالنسبة للنافلة فتصح النافلة، لكن ليس له من الأجر إلا النصف.
стр. 308
وعرفنا أن النص ((صلى قائماً فصلوا قياماً)) هذا يشمل الفرض والنفل ((صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً)) يشمل الفرض والنفل، لكن قوله ﵊: ((صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم)) محمول على النافلة، وحديث عمران بن حصين محمول على الفريضة.
النبي ﵊ كما عند البيهقي دخل المسجد والمدينة محمة، فوجدهم يصلون من قعود، فقال النبي ﵊: ((صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم)) فتجشم الناس الصلاة قياماً، فدل على أنها نافلة؛ لأنهم ما يصلون قبل حضوره الفريضة، ودل على أنه بالنسبة للقادر على القيام تصح صلاته، لكن على النصف نعم؛ لأنهم تجشموا القيام فقاموا أما العاجز عن القيام أجره كامل في الفريضة والنافلة.
((وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) متفق عليه، واللفظ لمسلم.
القيام مع القدرة ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به، والنبي ﵊ جاء وأبو بكر يصلي بالناس، فجلس عن يساره، وأكمل الصلاة جالساً ﵊، وهم من قيام، كيف نوفق بين حديث مرض النبي ﵊ وقد صلى قاعداً وهم قيام وهذا الحديث: ((وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون))؟ وأجمعون تأكيد للواو في صلوا، وجاء أجمعين منصوب على الحال، حال كونكم أجمعين، أي مجتمعين.
((صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) وصلى في مرض موته ﵊ قاعداً وهم من قيام، فمن أهل العلم من يرى أن مثل هذا النص منسوخ، منسوخ بما حصل منه ﵊ في آخر عمره، فقد صلى قاعداً وهم يصلون قياماً، والآخر ينسخ المتقدم هذا قول الأكثر، مالك ما يرى صحة الإمامة خلف القاعدة، لا من قيام ولا من قعود، هذا قول المالكية، صلاة المأموم خلف القاعد باطلة فيبحث عن غيره.
الحنفية والشافعية يقولون: تصح إمامة القاعد، لكن يصلي القادر على القيام من المأمومين قياماً، وهذا الحديث منسوخ.
стр. 309
الحنابلة يقولون: لا، الحديث محكم، كيف نوفق بين هذا الحديث وبين صلاته في مرضه ﵊ قاعد والمأمومين من قيام؟ قالوا: نحمل هذا الحديث على حالة، وهي: إذا ما صلى إمام الحي، إذا افتتح، إذا ابتدأ إمام الحي الصلاة قاعداً، إذا صلى إمام الحي، إذا ابتدأ إمام الحي الصلاة قاعداً لعلة يرجى برؤها فإنهم يصلون خلفه من قعود، إمام الحي وتبدأ الصلاة؛ لأن الصلاة في مرضه ﵊ ابتدأت من قعود وإلا من قيام؟
طالب: من قيام.
من قيام؛ لأن الذي صلى بهم أول الأمر أبو بكر قائم، فالصلاة ابتدأت من قيام، والحديث لا يشمله هذا، يحمل على ما إذا ابتدأت من قعود، وأن يكون الإمام إمام الحي، أما إذا ابتدأها غيره من قعود فلا يصلى وراءه، يبحث عن غيره، أو يصلون خلفه قياماً، إذا ابتدأ إمام الحي الصلاة من قعود لعلة يرجى برؤها، نأتي بشخص مقعد ونقدمه بيننا أمامنا يعني ميئوس منه مقعد، أو أقطع الرجلين يجلس يصلي جالساً، نأتي بمثل هذا لنترخص به ونصلي من قعود! لا، مثل هذا إن صلى لميزة واضحة لا نصلي من قيام، والأصل أن مثل هذا لا يصلي؛ لئلا يقع الناس في الحرج ((كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم)) الصلاة خلف القاعد من قيام فيها مشابهة لفارس والروم، فمثل هذا لا يصلي، لكن إن كانت له مزية تجعله يؤم الناس لفضله وعلمه وإمامته يصلي بالناس، يصلون من قيام؛ لأن العلة لا يرجى برؤها، فإذا ابتدأ الإمام -إمام الحي- الصلاة من قعود لعلة يرجى برؤها فإنهم يصلون خلفه من قعود ((وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) أما إذا افتتحت الصلاة من قيام فلا.
إذا كان الإمام غير إمام الحي فلا، إذا كانت العلة لا يرجى برؤها فلا، وبهذا يوفق بين النصين، مذهب الحنفية والشافعية الحديث منسوخ، فالقاعد لا يجوز له أن يقعد .. ، ومذهب المالكية يقولون: القاعد لا يصلى خلفه، والحنابلة يقولون بهذه القيود، يصلي الناس جلوس مثل الإمام، وإذا اختل شرط من هذه الشروط فإنهم يصلون من قيام، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 310
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: المحرر – كتاب الصلاة (١٣)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سم.
بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً، وقال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود" متفق عليه.
وللبخاري عن نافع أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ .
وعن مالك بن الحويرث ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده" فعل مثل ذلك. رواه مسلم، وفي رواية له: "حتى يحاذي بهما فروع أذنيه".
وروى عن وائل بن حجر أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر وضعهما حيال أذنيه، ثم التحف ثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما ثم كبر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه".
وروى ابن خزيمة في صحيحه عن وائل بن حجر قال: "صليت مع رسول الله ﷺ ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره".
يكفي، بركة، حسبك.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في صفة الصلاة.
يقول ﵀:
стр. 311
"وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة" يعني مع تكبيرة الإحرام، يرفع يديه حذو يعني مقابل منكبيه، تثنية منكب، وهو مجتمع رأس العضد مع الكتف، يرفعهما حذو منكبيه، وهذه السنة متفق عليها بين الأئمة رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام قول عامة أهل العلم، لم يخالف فيها أحد من الأئمة المعتبرين في هذا الموضع، وخالف بعضهم في المواضع اللاحقة، فالأئمة الأربعة كلهم على رفع اليدين في هذا الموضع، وأما بالنسبة للموضعين مع الركوع والرفع منه فيقول بهذا بقية الأئمة عدا الحنفية، وفي الموضع الرابع إذا قام من الركعتين وهو قول الشافعية، ولا يقول به الحنابلة على ما سيأتي.
стр. 312
"كان يرفع يديه حذو منكبيه" في الرواية أو الحديث الآخر يقول: "حتى يحاذي بهما فروع أذنيه" "حذو منكبيه" يعني مقابل منكبيه، مقابل مجتمع العضد مع الكتف، والرواية الأخرى إلى فروع أذنيه، فمنهم من يقول: إن المصلي مخير، إما أن يرفع ويبالغ في الرفع إلى فروع الأذنين، أو يخفض قليلاً إلى أن يساوي أو يحاذي المنكبين، ومنهم من يقول: إنه منتهى الرفع إلى فروع الأذنين، بمعنى أن أطراف الأصابع تحاذي فروع الأذنين، وظهور الكفين تحاذي المنكبين، وأنتم ترون المصلين مع الأسف بما فيهم ممن ينتسب إلى طلب العلم يتساهل في هذه السنة الثابتة عن النبي ﵊ ثبوتاً قطعياً، يتساهل فيها إما أن لا يرفع أو يرفع رفعاً يشبه العبث مجرد تحريك لليدين، لا يحاذي بهما ولا سرته، بس مجرد تحريك هكذا، وهذا لا يكفي، هذا عبث هذا، فلا بد من معرفة السنة ليتم الاقتداء والامتثال ((صلوا ما رأيتموني أصلي)) ثم بعد ذلك لا بد من تطبيق السنة، ولا بد من فقه لهذا التطبيق، نجد بعض طلاب العلم يتساهل في تطبيق السنة، ويعرف السنن، لكنه لا يحرص على التطبيق، وقد يوجد من هو متخصص في السنة، ويعلم السنة، ومع ذلك يتساهل في التطبيق، الرسول ﵊ هو الأسوة وهو القدوة، وقد أمرنا أن نصلي كما وصف لنا، كما وصفت لنا صلاته ﵊، والصلاة إذا لم تؤدَ على الوجه الشرعي امتثالاً لقوله ﵊: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فإنها لا تؤدي الثمرة المرتبة عليها، ولا تحصل الآثار المترتبة عليها، كثير من المسلمين يصلي، لكن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر؛ لماذا؟ لأنه لا يأتي بها على الوجه الشرعي، في الحركات الظاهرة المقدور عليها، فكيف بالأعمال الباطنة التي قد يعجز عنها كثير من الناس، ويشكو منها كثير من المصلين، تجده إذا أراد أن يرفع يديه حرك يديه مجرد تحريك، هذا ليس بشيء، هذا عبث هذا، النبي ﵊ يرفع يديه حذو منكبيه، وسمعنا الروايات الأخرى، وستأتي إلى فروع أذنيه، فلا يكفي أي رفع، بل لا بد من الرفع على الصفة والوجه الشرعي.
стр. 313
"إذا افتتح الصلاة" يعني إذا كبر تكبيرة الإحرام، يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، الأصل أن يكون الرفع مقترن بالتكبير؛ لأنه علامة عليه وإشارة، يستدل بها من لا يسمع التكبير، فيشترك في رؤية الإمام وسماع الإمام وتضافر على الدخول في الصلاة أكثر من دليل، يستدل به المصلي المقتدي بإمامه، فالذي يسمع يسمع التكبير، والذي لا يسمع يرى رفع اليدين وهكذا، فالأصل أن يكون الرفع مقترن بالتكبير، يبدأ معه بداية ونهاية، لكن إن قدمه قليلاً، أو تأخر قليلاً هذا لا يضر عند أهل العلم، لكن مع ذلك الأصل أن الرفع علامة على التكبير، تكبيرة الإحرام التي هي ركن من أركان الصلاة على ما تقدم عند الجمهور، وأشرنا سابقاً إلى أن تكبيرة الإحرام عند الحنفية شرط من شروط الصلاة، وعرفنا الفوائد المرتبة على الخلاف.
"وإذا كبر للركوع" هذا هو الموضع الثاني من مواضع رفع اليدين في الصلاة، إذا كبر للركوع رفع يديه، "وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك" وصفة الرفع في الركوع والرفع منه غير مبينة في الحديث، ما فيه: وإذا كبر للركوع رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، والظاهر أنه إحالة على الصفة السابقة، ولا تحتاج إلى ذكر، يكفي ذكر الكيفية في موضع واحد، ويحال عليه المواضع الأخرى، فيكون الرفع في جميع المواضع حذو منكبيه، ويكرر العابث الذي يحرك يديه مجرد حركة هذا العبث في هذه المواضع، وبعض الناس لا يرفع بهذه السنة رأساً مع أنه لا إشكال عنده في ثبوتها، ولا في مشروعيتها، وتجده يصلي كأن الأمر لا يعنيه.
هذه المواضع الثلاثة عرفنا أن الحنفية يقولون بالموضع الأول، والأئمة الثلاثة يقولون في الموضعين أيضاً، فيجمع لهم ثلاثة مواضع، والشافعية يقولون بالموضع الرابع الآتي في الخبر الذي يليه.
стр. 314
رفع اليدين سنة عند جماهير أهل العلم، ونقل على ذلك الإجماع، نقله النووي وغيره، مع أنه نُقل الوجوب بالنسبة للرفع مع تكبيرة الإحرام النووي نقل الإجماع على أنه سنة، ونقل الوجوب عن الحميدي شيخ البخاري وعن السياري من أئمة الشافعية، فالنووي نقل الإجماع ونقل الوجوب، نقل الإجماع على الاستحباب، ونقل الوجوب عن بعضهم، أحمد بن سيار السياري من أئمة الشافعية، نقل قوله النووي في شرح المهذب، وفي شرح مسلم، مع أنه نقل الإجماع على الاستحباب، فهل في هذا تعارض بين نقله الإجماع ونقله القول بالوجوب؟ لأنه هو النقل الخلاف، نقل الإجماع ثم نقل الخلاف؟ أو أن القائل بالوجوب قائل بالاستحباب وزيادة؟ فكأن الجماع على المشروعية، يعني هل يؤثر القول بالوجوب على القول بالاستحباب لكي نجمع بين القولين، ولا نقول: إن النووي اضطرب في هذا؟ أو نقول: إن المخالف جاء بعد أن انعقد الإجماع فلا عبرة بقوله فكأنه لم يعتبره؟ هذا موجود في كلامه في صفحة واحدة كلام النووي.
طالب:. . . . . . . . .
كيف اتفاق؟
طالب:. . . . . . . . .
لا لا، النووي رأيه رأي الجمهور في أن الإجماع اتفاق جميع المجتهدين، يعني ما هو مثل ابن جرير الطبري يرى أن الإجماع قول الأكثر، لا، قوله معروف أنه يرى أن الإجماع قول الكل، فهل يؤثر قول من قال بالوجوب على الإجماع على الاستحباب؟ أو نقول: إن القول بالوجوب استحباب وزيادة لا يؤثر عليه؟ كأنه قال: أجمعوا على المشروعية، والمشروعية يندرج فيها الوجوب والاستحباب، أو نقول: إن هذا من تساهل النووي في نقل الإجماع؟ أو نقول: إن هذا خلاف حادث بعد أن اتفق الأئمة على الاستحباب فلا عبرة به كأنه لم يوجد؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 315
يعني الاستحباب أعم من أن يكون الاستحباب الاصطلاحي، نعم أعم من أن يكون الاستحباب الاصطلاحي منهم من قال هذا، أن الاستحباب لا ينافي الوجوب؛ لأنه استحباب وزيادة، وعلى كل حال النووي له من هذا مسائل عديدة ينقل الإجماع ثم ينقل الخلاف، يعني نقل الإجماع على أن صلاة الكسوف سنة، مع أن أبا عوانة في صحيحه قال: باب وجوب صلاة الكسوف، قد يقول قائل: إن النووي لم يستحضر كلام أبي عوانة، لكن هنا استحضر المخالف، ونقل الإجماع على استحباب عيادة المريض مع أن البخاري في صحيحه يقول: باب وجوب عيادة المريض، يعني إذا قلنا: إنه غاب عنه قول أبي عوانة فإننا لا نتصور أن يغيب عنه ما ترجم به الإمام البخاري من وجوب عيادة المريض، وعلى كل حال النووي له مواطن من هذا النوع، وهذا من تساهله ﵀، من تساهله في نقل الإجماع.
"وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك" يعني كذلك تشمل الرفع وصفة الرفع، رفعهما كذلك أيضاً.
"وقال: سمع الله لمن حمد ربنا ولك الحمد" إذا رفع من الركوع الرسول ﵊ يجمع بين الذكرين، سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وهذا في حق الإمام والمنفرد ظاهر، في حق الإمام والمنفرد في الجمع بين الذكرين ظاهر، لكن المأموم ماذا عنه هل يجمع بينهما؟ بمعنى أنه إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، يقول المأموم: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد كما كان النبي ﵊ يفعل؟ بهذا قال الشافعية، والأكثر على أنه إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده قال المأموم: ربنا ولك الحمد، فالإمام يجمع بينهما، والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد.
стр. 316
وفي الحديث السابق: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)) فدل على أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، وهذا مما يختص به الإمام، وأفعاله ﵊ في الصلاة وغيرها وهو الأصل أنه هو القدوة وهو الأسوة، لكن قد يفعل الفعل باعتباره مكلف من المكلفين ﵊، فيقتدي به جميع المكلفين، ويفعل الأمر باعتباره إمام، فيقتدي به الأئمة فقط، الرسول ﵊ حينما دخل المسجد لصلاة الجمعة وصعد المنبر هل يقتدي به المأمومون فيجلسون بدون صلاة؟ يعني ما ثبت أن النبي ﵊ صلى حينما دخل لصلاة الجمعة قبل الصلاة، وأمر الداخل ((قم فصلِ ركعتين)) فعله باعتباره إمام يقتدي به الأئمة في هذا، فأفعال النبي ﵊ لها عدة اعتبارات: منها: ما يقتدي به الجميع، ومنها ما يقتدي به الأئمة، ومنها ما يقتدي به القضاة مثلاً، ومنها ما يقتدي به الحكام، فلا يلزم أن يكون ﵊ .. ، وكل موضع له ما يدل له، والأصل الاقتداء، لكن إذا وجد ما يعارض مثل ما عندنا فننزل مثل هذه الصورة على الأئمة، كما صنع ﵊ حينما دخل المسجد لصلاة الجمعة، صعد المنبر ما عرف أنه صلى ركعتين، وأمر الداخل أن يصلي ركعتين، يعني هل لقائل أن يقول: لا تصلِ ركعتين لأن النبي ﵊ ما صلى ركعتين، نعم نقول للإمام: لا تصلِ ركعتين، ثم بعد ذلك إذا أردنا الاستطراد فهل الدرس مثل خطبة الجمعة؟ يعني الشيخ يدخل المسجد ويأتي إلى الكرسي ويلقي الدرس ولا يصلي ركعتين، أو يختلف الحكم؟ هذه محل نظر يعني، تحتاج إلى نظر.
"وقال: سمع الله لمن حمده" فيه إثبات السمع لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، كسائر صفاته الثابتة في الكتاب والسنة.
"ربنا ولك الحمد" هذه صيغة من الصيغ الأربع، وكلها ثابتة: ربنا ولك الحمد، بالواو دون اللهم، وثبت الجمع بينهما في صحيح البخاري، وإن نفاه ابن القيم في زاد المعاد، اللهم ربنا ولك الحمد، والصيغة الثالثة: ربنا لك الحمد، بدون الواو وبدون اللهم، والصيغة الرابعة تمام القسمة، اللهم ربنا لك الحمد، باللهم دون الواو.
стр. 317
"وكان لا يفعل ذلك في السجود" يعني لا يرفع يديه إذا هوى للسجود، إذا هوى للسجود لا يرفع يديه، وبهذه الجملة الثابتة في الصحيحين حكم على حديث: "كان يرفع يديه مع كل خفض ورفع" بالشذوذ؛ لمخالفته لهذه الرواية المتفق عليها، كان يرفع يديه مع كل خفض ورفع، وقالوا: اللفظ المحفوظ: "كان يكبر مع كل خفض ورفع" مع أن منهم من أثبتها كالشيخ أحمد شاكر، يقول: الرواية صحيحة وثابتة، وكان يفعل ذلك أحياناً، لكن قوله: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" لا شك أنه أصح وأكثر، فهي مقدمة، والرواية الثانية محكوم عليها بالشذوذ.
"وكان لا يفعل ذلك في السجود" في الرواية الأخرى: "إذا هوى للسجود" متفق عليه.
"وللبخاري عن نافع أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه" إذا قام من التشهد الأول وإذا قام، وننتبه للفظة: قام من الركعتين رفع يديه، وهذا هو الموضع الرابع ويقول به الشافعية، وهو ثابت في الصحيح.
"ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ " ومعلوم أن هذا لا يقول به الحنابلة، مع ثبوته في الصحيح؛ لماذا؟ لأن الإمام أحمد ﵀ يرى أن هذا الحديث موقوف على ابن عمر، البخاري -رحمه الله تعالى- ترجح عنده الرفع إلى النبي ﵊، والإمام أحمد ترجح عنده الوقف على ابن عمر، فماذا يصنع طالب العلم في مثل هذا الاختلاف بين هذين الإمامين العظيمين؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 318
المثبت مقدم على النافي، هذه ليست قاعدة مطردة؛ لأنه إذا كان مع النافي زيادة علم خفيت على المثبت مع أن الأصل أن المثبت معه زيادة العلم، فإذا كان مع النافي أيضاً زيادة على ما عند المثبت بأن يكون علم ما عند المثبت من زيادة، وعنده علم بنفيها، فإنه يقدم النافي، يعني لو أن شخصاً، أو إماماً من الأئمة، أو من علماء الجرح جرح راوياً بأنه قتل فلاناً، نعم هذا مثبت، والثاني وثقه؛ لأنه لم يقتل فلاناً، نقول: المثبت مقدم على النافي، لكن إذا قال المثبت: قتله يوم الخميس، وقال النافي: صلى بجوار المدعى قتله يوم الجمعة، صار معه زيادة أكثر من المثبت، فهذه القاعدة نعم يحكم بها أهل العلم، لكنها ليست مطردة.
الإمام أحمد ﵀ يرى أن الخبر موقوف على ابن عمر، والإمام البخاري حكم برفعها، الأئمة معروف قولهم في مثل هذا الاختلاف بين الرفع والوقف، منهم من يحكم للرفع مطلقاً، ويقول: إنها زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ويطلقون هذا القول، وهذا معروف في قواعد المتأخرين، ومنهم من يحكم بالوقف لأنه المتيقن، والرفع مشكوك فيه؛ والصواب عند أهل العلم أنه لا هذا ولا هذا، لا يحكم بحكم مطرد، وإنما العمل في مثل هذا بالقرائن، لكن ليس هذا لآحاد المتعلمين، إنما هو للمتمكنين، الذين يعرفون القرائن، ويعرفون كيف يحكمون بها.
المقصود أن هذا الخلاف من هذين الإمامين الترجيح بالنسبة لطالب العلم في مثل هذا دونه خرط القتاد؛ لأن طالب العلم ما عنده أكثر من أن البخاري أثبت الرفع والإمام أحمد نفى، أثبت الوقف، ليس عنده أكثر من هذا، طالب العلم، فالحنبلي المقتدي بالإمام أحمد المقلد يقول أهل العلم: يلزمه قبول قوله، والذي يتبع الأئمة ولديه حظ من النظر يستطيع أن يرجع بين الأقوال، ليس بملزم بقول أحمد، ولا بقول غيره، إنما يعمل بما يترجح عنده إذا كان أهلاً للنظر.
في مثل هذا الخلاف هل نستطيع أن ننصب الخلاف هنا كسائر المسائل بين هذين الإمامين، أو نقول: إن المسألة محسومة؟ هذه مسألة تعرضنا لها مراراً، يعني إذا وجد خلاف بين البخاري وأحمد، خلاف بين البخاري وأبي حاتم، خلاف بين مسلم وأبي زرعة وهكذا.
стр. 319
نقول: إذا كان خلاف البخاري أو مسلم خارج الصحيحين فهما إمامان من الأئمة كغيرهم، يعني لو أن البخاري أثبت الرفع فيما نقله عنه الترمذي في سننه، قلنا: ندان، البخاري وأحمد رجح بينهما، ولك أن ترجح قول أحمد، ولك أن ترجح قول البخاري، لكن ما دام الترجيح في صحيح البخاري الذي تلقته الأمة بالقبول يكون حينئذٍ ليس محل للنظر، نرجح ما في صحيح البخاري على كل أحد كائناً من كان، يعني فرق بين أن يرجح البخاري فيما ينقل عنه خارج الصحيح، وبين ما دونه في الصحيح الذي تلقته الأمة بالقبول، واكتسب القطعية من هذا التلقي، ولو كان قول البخاري مما نقل عنه، نقله عنه الترمذي أو غيره، قلنا: إمامان، والنظر جارٍ بين الأئمة، ونرجح بين أقوالهم، لكن ما دام الترجيح في صحيح البخاري فالمسألة كما قيل: قطعت جهيزة قول كل خطيب، خلاص ما دام في البخاري ليس لنا نظر، ولا بد من صيانة الصحيحين بقدر الإمكان، فالمرجح في هذا الرفع، ونقول: ترفع اليدان في الصلاة في أربعة مواضع، عند تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع منه، وإذا قام من الركعتين، وقوله: وإذا قام من الركعتين رفع يديه، نستحضر ما رددناه مراراً من أن الفعل الماضي يطلق ويراد به الفراغ من الفعل، كما هو الأصل، يطلق ويراد به الشروع، يطلق ويراد به إرادة الفعل، فقوله: "وإذا قام من الركعتين رفع يديه" هل نقول على الأصل: إنه إذا قام فرغ من القيام فلا يرفع يديه حتى يستوي قائماً، أو نقول: شرع في القيام فيرفع يديه مع الانتقال، يرفع يديه أثناء القيام، أو نقول: إذا أراد القيام فيرفع يديه قبل أن يقوم وهو جالس ثم يقوم؟ واللفظ محتمل، لكن الأصل في الفعل أنه إذا فرغ ولا نحتاج إلى التأويلين الآخرين إلا إذا وجدنا معارض، فهل يوجد معارض لهذا؟ لأنكم ترون وسمعتم عن بعض الأئمة أن اليدين ترفع أثناء الجلوس، ثم يقوم، ما رأيتم هذا؟ لا موجود، كله بناءً على هذه الاحتمالات، يعني التكبيرة للقيام هي تكبيرة انتقال، الأصل أن التكبير الصوت يواكب ويتمشى مع الحركة مثل الركوع والرفع منه، مثل السجود والرفع منه، هذا الأصل، والرفع للدلالة علامة على هذا الانتقال، فالقول الثاني له وجه كسائر مواطن الرفع أنه أثناء
стр. 320
الانتقال، والفعل يقتضي أنه إذا قام، إذا استتم قائماً رفع يديه، وهذا هو الأصل في الفعل الماضي، الفعل الماضي أنه إذا فرغ من الفعل رفع يديه، والاحتمالان الآخران يحتاج إليهما متى؟ عند التعارض، إذا دخل الخلاء هل يذكر الله إذا دخل الخلاء؟ وجد المعارض، فحمل على إرادة الدخول، ((إذا ركع فاركعوا)) هل نستطيع أن نقول: اركعوا إذا أراد الركوع قبل أن يركع؟ لا، هل نستطيع أن نقول: إذا فرغ من الركوع اركعوا؟ إذا فرغ من الركوع، يعني قام منه فرغ منه وقام منه؟ لا، تفوت الركعة، إذاً إذا شرع في الركوع اركعوا.
ومثل هذا يحتاج إلى التأمل والنظر في كل نص بعينه، وهنا لا معارض لإجراء الفعل الماضي على أصله، وحينئذٍ يكون الرفع إذا قام من الركعتين، يعني إذا استتم قائماً، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم يقول: لو قلنا بالوقف على ابن عمر وهو صحابي مؤتسي صحابي معروف بحرصه على السنة هل نقول: إنه موقوف بمعنى أنه لا يثبت عن النبي ﵊ بوجه من الوجوه؟ أو نقول: إن هذا موقوف، لكنه في عبادة توقيفية لا يمكن أن يفعله ابن عمر من تلقاء نفسه؟ لو لم ترد صفة صلاة النبي ﵊ إلا عن ابن عمر لقلنا: له حكم الرفع، لكن نقلت صلاته ﵊ من جمع من الصحابة، ولم يذكروا هذا، فهذه تعد مخالفة عند أهل العلم فيكون له حكم الرفع، كما كان يرفع يديه يعني ابن عمر في تكبيرات الجنازة، يقال: هذا موقوف عن ابن عمر، وكثير من أهل العلم لا يعمل به؛ لأنه موقوف، وهو معارض بكلام ابن عباس ﵄، وإن كان المرجح عندي صنيع ابن عمر؛ لأنه له ما يؤيده من المرفوع، وإن كان ضعيفاً.
طالب:. . . . . . . . .
لا، يأخذون بقول إمامهم، خلاص ما يراه مرفوع ما عمل به.
طالب:. . . . . . . . .
أصول إمامهم، لكن إذا ترك الإمام هذا الأصل يفعلونه هم؟ لا ما يفعلونه.
"ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ ".
ثم قال ﵀:
следующие страницы →