← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ومسلم (النكاح، باب: تحريم امتناعها من فراش زوجها). فإن استقامت فبها ونعمت. وإن تحقّق نشوزها، وأصرّت على إعراضها، هجرها في المضجع، لأن في الهجر أثراً ظاهراً في تأديبها. والمراد بالهجر: أن يهجر فراشها، فلا يضاجعها فيه. فإن صَلُحت فذاك، وإن تكرر نشوزها، وأصرّت على عصيانها، كان له أن يضربها ضرب تأديب غير مبرح، لا يجرح لحماً، ويكسر عظماً، ولا يضرب وجهاً ولا موضع مهلكة. وهذا الضرب إنما يُصار إليه إذا رجا صلاحها به، وغلب على ظنه أن تعود إلى رشدها. فإن علم أن الضرب لا يصلحها، بل يزيد في نفرتها، فإنه ينبغي ألا يضربها. ودليل هذه الأحكام التي ذكرناها قول الله : ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء: ٣٤]. فإن استحكم الخلاف بينهما، وتعذرت إزالته بواسطة الزوجين، ورُفعَ الأمر إلى الحاكم، وجب عليه أن يوسّط للإصلاح بينهما حكمين مسلمين عدلين عارفين بطرق الإصلاح. ويندب أن يكون أحدهما من أهل الزوج، والآخر من أهل الزوجة. وهذان الحَكَمان وكيلان للزوجين، فيشترط رضا كل من الزوجين بوكيله. فيشرع الحَكََمان في الصلح بين الزوجين، ويبذلان وسعهما للوصول إليه، فإن أفلحا فبها ونعمت، وإن أخفقا، وكّل الزوج حكمه بطلاقها، وقبول عوَضَ الخلع منها.

стр. 667

ووكّلت هي أيضاً حَكَمها ببذل العوَض، إن كانت رشيدة، وقبول الطلاق به. ويفرّق الحكمان بينهما إن رأياه صواباً. وإذا اختلف الحَكَمان، ولم يتوصلا إلى رأي واحد، بعث القاضي حَكَمين غيرهما حتى تجتمعا على شيء واحد. فإن لم يرضَ الزوجان ببعث الحكمين، ولم يتفقا على شيء أدّب القاضي الظالم منهما، واستوفى للمظلوم حقه، وعمل بشهادة الحكمين , قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ [النساء: ٣٤]. نشوز المرأة: وإذا كان الإجحاف والإعراض من قَبل الزوج: وذلك كأن منعها حقها في القسم، أو النفقة، أو أغلظ عليها بالقول، أو الفعل، وعظته وذكّرته بحقها عليه، بمثل قول الله ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء: ١٩]. وذكّرته بقول النبي ﷺ " خيرُكم خيركم لأهله وأنا خيرُكم لأهلي ". رواه الترمذي (المناقب، باب: في فضل أزواج النبي ﷺ ، رقم: ٣٨٢٩) عن عائشة ﵄. وقوله ﷺ : " استوصوا بالنساء خيراً ". رواه البخاري (النكاح، باب: الوصاة بالنساء، رقم: ٤٨٩٠، ومسلم (الرضاع، باب: الوصية بالنساء، رقم ١٤٦٨) عن أبي هريرة ﵁. وحذّرته من عواقب ظلمها، فإن صلح فذاك، وإن لم يصلح رفعت أمرها إلى القاضي ليستخلص لها حقها لأنه منصوب لردّ الحقوق إلى أصحابها، ولأنها لا يمكنها أن تأخذ حقها بنفسها.

стр. 668

ويجب على القاضي أن يلزمه بالقسم لها، وأداء حقوقها، وكفّ الظلم عنها. فإن ساء خلقه، وآذاها بضربها، أو بسبها بغير سبب نهاه القاضي عن ذلك، فإن عاد إليه، وطلبت الزوجة من القاضي تعزيره، عزره بما يراه سبيلاً إلى إصلاحه. فإن اشتد الخلاف أرسل حكمين كما سبق ليصلحا بينهما، أو يفرقا بينهما بطلقة إن عسر الإصلاح. قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٧].

стр. 669

العيوب التي يترتب عليها فسخ النكاح والآثار المترتبة على ذلك أولاً: العيوب: العيوب التي يثبت فيها فسخ الزواج قسمان: القسم الأول: عيوب تمنع من الدخول: كالجب، والعنّة في الزواج. والقرن، والرتق في الزوجة. والجب: قطع عضو التناسل عند الرجل. والعنّة: العجز عن الوطء في القُبُل خاصة، لعدم انتشار الذكر. والقرن: انسداد محل الجماع لدى المرأة بعظم. والرتق: انسداد محل الجماع لدى المرأة بلحم. القسم الثاني: عيوب لا تمنع الدخول، ولكنها أمراض مُنفرة، أو ضارّه، بحيث لا يمكن لا مقام معها إلا بضرر: كالجذام، والبرص، والجنون. والجذام: علّة يحمرّ منها العضو، ثم يسودّ، ثم ينقطع ويتناثر. والبرص: بياض شديد يبقع الجلد، ويذهب بدمويته. أقسام هذه العيوب بالنسبة للزوجين: هذه العيوب بالنسبة للزوجين على ثلاثة أقسام: ١ـ قسم مشترك بين الزوجين: وهو الجذام، والبرص، والجنون. ٢ـ قسم خاص في الزوجة: كالرتق والقرن.

стр. 670

٣ـ قسم خاص في الزواج: كالجبّ والعنّة. العيوب المشتركة: إذا وجد أحد الزوجين في الآخر جنوناً، أو جذاماً، أو برصاً، ثبت له الخيار في فسخ الزواج. سواء كان هو الآخر مصاباً به، أو لم يكن، لأن الإنسان يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه. دليل ثبوت الخيار بهذه العيوب: ودليل ثبوت الخيار بهذه العيوب ما رواه والبيهقي (٧/ ٢١٤) من رواية ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ تزوج امرأة من غفار، فلما أُدخلت عليه رأى بكشحها بياضاً، فقال: (البسي ثيابك، والحقي بأهلك). وقال لأهلها: (دلستم علي). [الكشح: الجنب. والمراد بالبياض: البرص. دلستم: أخفيتم العيب]. وروى الشافعي ﵀ عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه فرّق بين الزوجين للجذام، والبرص، والجنون. ومثل هذا لا يكون إلا عن توقيف عن رسول الله ﷺ وقد ثبت في الحديث الصحيح: " فِرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد ". البخاري (الطب، باب: الجذام، رقم: ٥٣٨٠). قال الشافعي رحمة الله تعالى في كتابه الأم: وأما الجذام والبرص، فإن كلا منهما يُعدي الزوج، ولا تكاد النفس أحد تطيب أن تجامع من هو فيه. العيوب في الزوجة: إذا وجد الزوج زوجته رتقاء، أو قرناء، ثبت له فسخ الزواج، لأن هذه العلة مانعة من مقصود الزواج، وهو الدخول بالزوجة.

стр. 671

العيوب في الزوج: إذا وجدت الزوجة زوجها مجبوباً، أو عنيناً ثبت لها حق فسخ الزواج. وقد حكى المارودي الإجماع على ثبوت الخيار بالجب والعنّة، لأنه يفوت بهما مقصود النكاح، كما قلنا بالرتق والقرن. حدوث العيب بعد عقد النكاح: إذا حدث شيء من العيوب السابقة بعد عقد النكاح في أيَّ من الزوجين، سواء كان ذلك بعد الدخول، أو قبله، وسواء أكان العيب مانعاً من الدخول كالجبّ والعنّة في الزوج، والرتق والقرن في الزوجة، أو غير مانع، كالجذام والبرص والجنون، فإنه يثبت حق الخيار في فسخ الزواج، كما لو كان العيب قديماً. لكن يستثنى من ذلك العنّة فقط، فإنها إذا حدثت بعد الدخول، فإنه يسقط حق الزوجة في فسخ الزواج، لحصول مقصود الزواج بالنسبة لها، وهو المهر، والوطء، وقد يتم ذلك قبل حدوث العنّة. إزالة العيب: إذا أمكن إزالة الرتق والقرن بنحو عملية جراحية، ورضيت بها الزوجة، فلا خيار للزوج حينئذ، لعدم وجود المقتضي للفسخ. وكذلك إذا زال الجنون والبرص والجذام بالتداوي، فإن حقّ الفسخ يسقط، لزوال ما يدعوا إليه. حق ولي الزوجة في فسخ النكاح: ولوليِّ المرأة حق فسخ نكاحها بكل عيب وجد في الزوج قبل عقد النكاح، سواء رضيت الزوجة بهذا الفسخ أو لم ترضَ، وذلك لما يلحق الوليَّ من العار من ذلك العيب.

стр. 672

وليس لوليِّ الزوجة حق الفسخ بعيب حادث بعد الدخول إذ لا عار عليه في العُرْف، بخلاف ذلك في الابتداء. وكذلك لا خيار للولي بعيب جب وعنّة حدثا مقارنين للعقد، لاختصاص الزوجة بالضرر، ورضاها به، ولا عار عليه في العُرْف. الفسخ على الفور: والخيار في فسخ النكاح بهذه العيوب إذا ثبتت إنما يكون على الفور، لأنه خيار عيب، يجب المسارعة إلى الإعراب عن عدم الرضا به. فتسرع الزوجة فوراً، ويسرع الزوج أيضاً , إلي الرفع إلى الحاكم، والمطالبة بفسخ النكاح. فلو علم أحدهما العيب بصاحبه، ثم سكت عنه سقط حقه في الفسخ، إلا إذا كان جاهلاً أن له حق الفسخ، فإنه لا يسقط حقه في الفسخ. الفسخ يحتاج إلى الرفع إلى القاضي: لا يستقل الزوج، أو الزوجة في فسخ النكاح بسبب عيب من العيوب المذكورة، بل لا بدّ من الرفع إلى القاضي، وطلب الفسخ عنده، فإذا تحقق العيب عنده حكم القاضي بفسخ الزواج. ضرب الأجل في العنّة: وإذا ثبت عند القاضي العنة في الزوج، ضرب له القاضي سنة قمرية، لاحتمال زوال العنة باختلاف الفصول، فإذا زال عيبه فذاك، وإلا فسخ النكاح. ودليل ذلك ما رواه والبيهقي (النكاح، باب: أجل العنين، رقم: ٧/ ٢٢٦) عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه قال في العنين: يؤجّل سنة، فإن قدر عليها، وإلا فرّق بينهما، ولها المهر، وعليها العدّة. كيف تثبت العنّة؟ سائر العيوب تثبت بالإقرار، أو إخبار الطبيب، أما العنّة، فلا تثبت

стр. 673

إلا بإقرار الزوج عند الحاكم. أو يمين الزوجة عند نكول الزوج عن اليمين، إذا طلب منه القاضي أن يحلف على عدم العنّة. ثانيا: ما يترتب على فسخ النكاح بهذه العيوب من الآثار: إذا تم فسخ الزواج من قبل الزوج، أو من قِبَل الزوجة، بسبب عيب من العيوب السابقة فلا يخلو أن يكون الفسخ قبل الدخول، أو بعده. ولا يخلو أن يكون العيب قد حدث قبل الدخول، أو بعده. أـ فإن كان الفسخ قبل الدخول سقط المهر، ولا متعة للزوجة، لأنه إن كان العيب بالزوج فهي الفاسخة، وعليه فلا شيء لها. وإن كان العيب بها فلا شيء أيضاً، لأن الفسخ إنما كان لسبب فيها، فكانت كأنها هي الفاسخة. ب ـ وإن كان الفسخ قد حصل بعد الدخول، لكن بعيب قارن للعقد، أو بعيب حادث بين العقد والدخول جهله الواطئ، فإنه يجب لها مهر المثل. ج ـ وإن كان الفسخ قد حصل بعد الدخول، والعيب إنما حدث أيضاً بعده، فإنه يجب للزوجة كامل المهر المسمى، لأن المهر قد استقر بالدخول قبل وجود سبب الخيار في الفسخ، فلا يغير. عدم رجوع الزوج بالمهر على من غره: ولا يرجع الزوج بالمهر على من غرّه من وليّ أو زوجة، لاستيفاء منفعة البضع المتقوم عليه بالعقد. وصورة التغرير: أن تسكت هي أو وليها عن بيان عيبها للزواج، ما دام العيب قد حدث قبل الدخول. والله أعلم

стр. 674

ثانياً: الطلاق وما يتعلق به وما يشبهه

стр. 675

الطلاق تعريف الطلاق: الطلاق في اللغة: الحلّ والانحلال. يقال: أطلقت الأسير: إذا حلَلْتَ إساره، وخلّيت عنه، وأطلقت الناقة من عقالها: أرسلتها ترعى حيث تشاء. ودابة طالق: مُرسلَة بلا قيد. والطلاق شرعاً: حلّ عقدة النكاح بلفظ الطلاق ونحوه. دليل مشروعية الطلاق: والأصل في مشروعية الطلاق: الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقول الله : ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وأما السنّة: فقول النبي ﷺ : " أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق ". [أبو داود: الطلاق، باب: في كراهية الطلاق، رقم: ٢١٧٨)، وابن ماجه: أول كتاب الطلاق، رقم: ٢٠١٨]. روى الترمذي (في أبواب الطلاق، باب: ما جاء في الرجل يسأله أبوه أن يطلّق زوجته، رقم: ١١٨٩)، وابن ماجه (في الطلاق، باب: الرجل يأمره أبوه بطلاق امرأته، رقم: (٢٠٨٨)، وأبو داود (في الأدب، باب: في برّ الوالدين، رقم: ٥١٣٨)، عن ابن عمر ﵄ قال:

стр. 676

كانت تحتي امرأة أحبّها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أبي أن أُطلقها، فأبيت، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: " يا عبد الله بن عمر، طلِّق امرأتك أما الإجماع: فقد اتفقت كلمة العلماء على مشروعيته، ولم يخالف منهم أحد. حكمة مشروعية الطلاق: الأصل في الزواج هو استمرار الحياة الزوجية بين الزوجين. وقد شرع الله أحكاماً كثيرة، وآداباً جمة للزواج، لاستمرار وضمان بقائه، ونمو العلاقة الزوجية بين الزوجين. غير أن هذه الآداب والأحكام قد لا تكون مرعيّة من قبل الزوجين أو احدهما: كأن لا يهتم الزوج بحُسْن الاختيار، أو بأن لا يلتزم الزوجان أو أحدهما آداب العشْرة حتى لا يبقى مجال لإصلاح، ولا وسيلة لتفاهم وتعايش بين الزوجين. فكن لا بدّ ـ والحالة هذه - من تشريع قانون احتياطي، يهرع إليه في مثل هذه الحالة، لحلّ عقدة الزواج على نحو لا تُهدر فيه حقوق أحد الطرفين، ما دامت أسباب التعايش قد باتت معدومة فيما بينهما. وقد قال الله : ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً حَكِيماً ً﴾ [النساء: ١٣٠]. فإن استعلمه الزوج وسيلة أخيرة عند مثل هذه الضرورة فذلك علاج ضروري، لا غِنى عنه، وإن جاء مُرّاً في كثير من الأحيان. وأما إن استعمله لتحقيق رعوناته، وتنفيذ أهوائه، فهو بالنسبة له أبغض الحلال إلى الله . والله تعالى يعلم المُصلح من المفسد، وإليه مرجع هذا وذاك. شرعة الطلاق من مفاخر الشريعة الإسلامية: ومن خلال ما ذكرنا يتأكد لنا أن مشروعية الطلاق على النحو الذي

стр. 677

نظمت الشريعة الإسلامية أحكامه ونتائجه، تُعدّ من مفاخر الشريعة الإسلامية، ويُعدّ من أكبر الأدلة على أن أحكام هذه الشريعة متسقة تمام الاتّساق مع الفطرة الإنسانية، والحاجات الطبيعية عند الإنسان. وقد تجلّت هذه الحقيقة عندما رأينا الأمم المختلفة، وهي تتراجع عمّا كانت تلزم نفسها به من حّرمة الطلاق، واعتبار عقد الزواج سجناً أبدياً، يقرن فيه الزوجان إلى بعضهما، كرها ذلك أو رضيا، وذلك بعد أن رأت هذه الأُمم أن هذا الحظر لا يقدّم للمجتمع إلا أسوأ النتائج، وأخطر مظاهر الإجرام، وبعد أن تنبهت إلى أن اقتران اثنين ببعضهما لا يمكن أن يتم بالإكراه، إلا إذا أُريد أن يكون الإكراه ينبوع تعاسة وشقاء للأُسرة كلها، أو بركان دمار وقتل وفتك. ولقد اهتمت الشريعة الإسلامية بإيجاد أسباب التفاهم، والوداد والتعايش المستمر بين الزوجين. ولكنها لم تعالج ذلك بربط جسد كل ِّمنهما بالآخر، وإنما عالجته بالتنبيه والإرشاد إلى الضمانات الإيجابية المختلفة التي تغذي الوداد بينهما، وتشبع أسباب التفاهم، وتطرد من بينهما موجبات المشاكسة والتنافر، ولقد كان من أهم هذه الضمانات التي أرشد إليها توفر الدين الصحيح في الزوجين، وقيام كلّ منهما بالواجبات المنوطة به، والتزام كلّ من الزوجين بالسلوك الأخلاقي السليم، على النحو الذي نظمته شرعة الله . هذه الضمانات هي التي تحمي بيت الزوجية عن أن يتهدم، وهي التي تجعل من شرعة الطلاق قانوناً موضوعاً على الرف، يستنجد به عند الضرورة، أي عندما يقصر أحد الزوجين عن تحقيق الضمانات والآداب التي شرعها الله تعالى حفاظاً على الحياة الزوجية، ورعاية للمودّة والألفة بين الزوجين. والدليل على هذا الذي نقول: أن حوادث الطلاق لا تكاد ترى لها

стр. 678

وجوداً في البيوت والأُسر الصالحة يتقيد أهلها بأحكام الإسلام وآدابه. وإنما تبصر، أو تسمع بأكثر هذه الحوادث في الأُسر المتحلِّلة من قيود الإسلام، الخارجة على نُظُمه وآدابه. أنواع الطلاق: الطلاق له ثلاث تقسيمات، باعتبارات مختلفة: فباعتبار وضوح اللفظ في الدلالة عليه، وعدم وضوحه ينقسم إلى: صريح وكناية. وباعتبار حال الزوجة، من طُهر وحيض، وكبر وصغر، ينقسم إلى: بدْعي، وسُنّي، وإلى ما لا يوصف بسنّي، ولا بِدعي. وباعتبار كونه على بدل من المال، وبدون بدل: ينقسم إلى خلع، وطلاق عادي. فلنشرح كلاًُ من هذه التقسيمات الثلاثة على حدة: التقسيم الأول: (الصريح، والكناية): إذا لاحظت الألفاظ التي تستعمل للدلالة على الطلاق وجدت أن هذه الألفاظ: إما أن تكون ذات دلالة قاطعة على الطلاق، بحيث لا تحتمل غيره، فهذه الألفاظ تسمى: صريحة. وإما أن تكون قاطعة في دلالتها، بحيث تحتمل غير الطلاق، فهذه الألفاظ تسمى: كناية. إذاً فالطلاق ينقسم إلى القسمين التاليين: ١ - صريح. ٢ - كناية. ١ـ فالطلاق الصريح: هو ما لا يحتمل ظاهر اللفظ إلا الطلاق، وألفاظه

стр. 679

ثلاثة: هي: الطلاق، والسراح، والفراق، وما اشتق من هذه الألفاظ. كقوله: أنتِ طالق، أو مسرّحة، أو طلّقتك، أو فارقتك، أو سرّحتك. وإنما كانت هذه الألفاظ صريحة في دلالتها على الطلاق لورودها في الشرع كثيراً، وتكرارها في القرآن الكريم بمعنى الطلاق. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وقال : ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨]. وقال : ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. ومن الصريح: ترجمة لفظ الطلاق بالعجمية ـ أي غير اللغة العربية ـ لشُهرة استعمال هذه اللغات عند أهلها، كشهوة استعمال العربية عند أهلها. ٢ـ والكناية: وهي كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره. وألفاظها كثيرة: كقوله: ـ أنت خلية: أي خالية مني. ـ أنت بريّة: أي منفصلة عني. ـ أنت بتّة: أي مقطوعة الوصلة عني. ـ الحقي بأهلك. ـ اذهبي حيث شئت. ـ اعزُبي: أي تباعدي عني. ـ اغرُبي: أي صيري غريبة عني. ـ حبلك على غاربك: أي خلّيت سبيلك، كما يخلّى البعير. والغارب: ما تقدم من الظهر، وارتفع من العنق. ـ أنت عليَّ حرام. فكلّ هذه الألفاظ ـ وغيرها كثير ـ تعتبر كناية في دلالتها على الطلاق، لاحتمالها الطلاق وغيره.

стр. 680

دليل استعمال ألفاظ الكناية في الطلاق: ودليل استعمال ألفاظ الكناية في الطلاق: ما رواه البخاري (في الطلاق، باب: من طلّق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، رقم: ٤٩٥٥) عن عائشة، ﵄ أن ابنه الجون، لما أُدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال: " لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك ". حكمُ كلّ من ألفاظ الصريح والكناية: إذا عرفت ما ذكر، فاعلم أن الطلاق بالألفاظ الصريحة يقع، سواء توفرت فيه نيّه الطلاق أم لا. لأن صراحة اللفظ، وقطعية دلالته على المعنى، يغنيان عن اشتراط النيّة، عند التلفظ به. أما ألفاظ الكناية ـ ولو اشتهرت على ألسنة الناس في الطلاق: كعليّ الحرام، وأنت عليّ حرام، فلا يقع الطلاق بها إلا إذا قصد بها الزوج الطلاق. فإذا قصد بها شيئاً آخر غير الطلاق، أو لم يقصد بها شيئاً، لم يقع بها شيء. ودليل ذلك ما رواه البخاري (في المغازي، باب: حديث كعب بن مالك ﵁ ... رقم: ٤١٥٦) ومسلم (في التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، رقم: ٢٧٦٩) في توبة كعب بن مالك ﵁ حينما تخلّف عن غزوة تبوك، فإن رسول الله ﷺ أمره أن يعتزل امرأته، فقال أُطلقها، أم ماذا؟ قال: بل اعتزلها، فلا تقربنّها، قال: فقلت لامرأتي: الحق بأهلك. فلما نزلت توبته رجعت زوجته إليه، ولم يؤمر بأن يعقد عليها من جديد. فدلّ ذلك على أن (الحقي بأهلك) لا يقع به الطلاق إلا بالنيّة

стр. 681

وحيث إن كعباً ﵁ لم ينو به الطلاق، فإنه لم يقع به شيء، ورجعت زوجته إليه. التقسيم الثاني (السنّي البدعي ,غيرهما): المرأة التي يقع عليها الطلاق لا تخلو من واحد من أحوال ثلاثة: الحالة الأولى: أن تكون المرأة طاهرة عن الحيض والنفاس، ولم يقربها زوجها في ذلك الطهر بعد. الحالة الثانية: أن تكون متلبسة ـ بعد دخول الزوج بها ـ بحيض أو نفاس، أو تكون في طُهر جامعها فيه زوجها. الحالة الثالثة: أن تكون صغيرة لم تَحِضْ بعد، أو آيسة تجاوزت سن المحيض، أو حاملاً ظهر حملها، أو غير مدخول بها بعد، أو طالبة للخلع. فإن وقع الطلاق في الحالة الأولى، سمي: (طلاقاً سنّياً). وإن وقع في الحالة الثانية سمي: (طلاقاً بدعياً). وإن وقع في الحالة الثالثة لم يكن: (سنياً، ولا بدعياً). فأقسام الطلاق بهذا الاعتبار إذاً ثلاثة: ١ـ طلاق سني. ٢ـ طلاق بدعي. ٣ـ طلاق لا يوصف بسنّي، ولا بدعي. حكم كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة: ١ـ الطلاق السني: إن الطلاق السني جائز وواقع، وهو الشكل المطابق للتعاليم الشرعية في كيفية الطلاق، إذا كان الزواج، ولابدّ مطلقاً، سواء أوْقَع الزوج طلقة واحدة، أم أوقع ثلاث طلقات مجتمعات. ولكن يسنّ أن يقتصر على طلقة، أو طلقتين في الطهر الواحد كي يتمكن من إرجاعها إذا ندم.

стр. 682

ودليل الطلاق السني: قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. أي في الوقت الذي يشرعن فيه في العدّة، وهو الطهر، إذ زمن الحيض لا يحسب من العدة. ٢ـ الطلاق البدعي: إن الطلاق البدعي محرم، ولكنه واقع، ويلزم وقوعه الإثم، لمخالفته للصورة المشروعة للطلاق التي وردت في قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ويسنّ له الرجعة، فقد روي البخاري (في أول كتاب الطلاق، رقم ٤٩٥٣)، ومسلم (في الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، رقم: ١٤٧١) عن عبدالله بن عمر ﵄ أنه طلّق امرأته، هي حائض، على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب ﵁ رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : " مُرْهُ فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلّق قبل يمسّ، فتلك العدّة التي أمر اله أن تطلقّ لها النساء ". أي بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي لاستقبال عدّتهن. والمعنى: ليتركها بعد الرجعة حتى تطهر، وعندئذ يوقع طلقة واحدة إذا شاء، فإذا حاضت ثم طهرت أوقع طلقه أُخرى إذا شاء، فإذا طهرت للمرة الثالثة فلينظر: إن شاء أمسكها بعد الرجعة، وإن شاء أوقع طلقة ثالثة، وتكون قد بانت بذلك منه. سبب تحريم الطلاق البدعي: وسبب تحريم الطلاق البدعي ما يستلزمه من الإضرار بالمرأة، إذ يطول بذلك أجل عدّتها، لأن حيضتها لا تحسب من العدّة. قال رسول الله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار ".

стр. 683

أخرجه مالك في الموطأ (الأقضية، باب: القضاء في المرفق، رقم: ٢/ ٧٤٥)، وابن ماجه في سننه (الأحكام، باب: مَن بني في حقه ما يضرّ بجاره، رقم: ١٨٨، ٢٣٤٠، ٢٣٤١). أما حرمة الطلاق في طهر جامع زوجته فيه: فلاحتمال الحمل فيه، وهو لا يرغب في تطليق الحامل، فيكون في ذلك الندم. ٣ـ الطلاق الذي لا يوصف بسنّة ولا بدعة: إن الطلاق الذي لا يوصف بسنّة ولا بدعة جائز، وواقع، وليس حراماً، إذ لا ضرر يلحق الزوجة بسببه، إذ الصغيرة والآيسة تعتدّان بالأشهر، فلا يلحقهما ضرر إطالة العدّة، وكذلك الحامل، فإن عدّتها على كل حال بوضع الحمل، وكذلك طالبة الخلع، لأن افتدائها نفسها من الزوج بالمال دليل على حاجتها إلى الخلاص منه، ورضاها بطول التربص. التقسيم الثالث: (الطلاق العادي والخلع). ١ـ الطلاق العادي: وهو الطلاق الذي يقع برغبة من الزوج، وهذا الطلاق ينطبق عليه الأحكام التي ذكرناها قبل. ٢ـ الخلع: وهو الطلاق الذي يقع برغبة من الزوجة وإصرار منها على ذلك، وقد شرع لذلك سبيل الخلع، وهو أن تفتدي نفسها من زوجها بشئ يتفقان عليه من مهرها تعطيه إياه. فالخلع إذا قسم من الطلاق: وهو كل فُرْقةٍ جرت على عوض تدفعه الزوجة للزوج. دليل مشروعية الخلع: ويستدل لمشروعية الخلع: بالكتاب، والسنّة. أما الكتاب: فقول الله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ البقرة: ٢٢٩].

стр. 684

وأما السنّة: فما رواه البخاري (في الطلاق، باب: الخلع وكيف الطلاق، رقم: ٤٩٧١) عن ابن عباس ﵄: أن امرأة ثابت بن قس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس، ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال النبي ﷺ : " أتردّين عليه حديقته " قالت: نعم. فقال رسول الله ﷺ : " اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة ". [لا أعتب عليه: لا أعيب عليه. أكره الكفر في الإسلام: أكره جحود حقوق الزوج وأنا مسلمة] أحكام الخلع: للخلع أحكام نلخصها فيما يلي: ١ـ الخلع جائز، ولا يقع إلا بعوَض مالي تفرضه الزوجة للزوج. ثم إن كان العَوَض في الخلع معلوماً مذكوراً في الخلع وجب ذلك العَوَض المعلَوم، وإن لم يكن مذكوراً على وجه التحديد صحّ الخلع، ووجب مهر المثل للزوج. أما إن استعمل الزوج لفظ الخلع، ولم ينص علي عوَض، ولم يخطر بباله العوض أيضاَ، فهو طلاق عاديّ جرى بلفظ الخلع كناية. أي فهو كنايات الطلاق، ويقع به الطلاق رجعياً. ٢ـ لا يقع الخلع من غير الزوجة الرشيدة، لأن غير الرشيدة لا تتمتع بأهلية الالتزام، فلا تملك التصرّف، فإن خالعها الزوج وقع طلاقاً رجعياً عادياً، ولا يثبت له به شيء من مهرها. ٣ـ إذا خالع الرجل امرأته، ملكت المرأة بذلك أمر نفسها، ولم يبق للزوج عليها من سلطان، فلا رجعة له عليها أثناء العدّة، كما هو الشأن ف الطلاق العادي، لأن الخلع طلاق بائن، إنما السبيل إلى ذلك عقد جديد تملك فيه المرأة كامل اختيارها، وبمهر جديد أيضاً.

стр. 685

٤ـ لا يلحق المرأة المُخالعة أي طلاق، أو ظهار، أو إيلاء ـ أثناء العدّة ـ من زوجها الذي خالعها، أي لا أثر لشيء من ذلك عليها، لأنها أصبحت بالخلع أجنبية عن الزوج، فلا يسرى إليها تطليق، ولا ظهار، ولا إيلاء. بخلاف المطلّقة طلاقاً عادياً رجعياً، فإن الزوج يملك أن يطلّقها طاقة ثانية، أو يظاهر منها أثناء العدة، ويسري أثر ذلك عليها. ٥ـ يجوز أن يُخالع الرجل زوجته في الحيض والطهر الذي جامعها فيه، ما دامت رشيدة. ذلك لأنها لا تتضرر بذلك، إذ الخلع إنما هو تحقيق لرغبتها في التخلّص من الزوج، فلا يرِد فيه ما يمكن إيراده على الطلاق العادي الذي يكون برغبة من الزوج، من الإضرار بالزوجة. ما يملكه الزوج من الطلقات: من المعلوم أن الطلاق حقُ للزوج في الأصل. ودليل ذلك قول الله : ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. والذي بيده عقدة النكاح إنما هو الزوج. غير أن الزوجة أيضاً تصبح صاحبة حق في ذلك، في حالات خاصة، من أهمها: ـ أن ينالها ضرر من الزوج. ـ أن يقصر في أداء شيء من حقوقها، ثم تعذّر إصلاح الأمر بينهما. فعندئذ يُوقع عنها القاضي طلقة بناءً على رغبتها. بعد هذا نقول: كَم هي الطلقات التي يملكها الزوج، ما دام هو صاحب هذا الحق في الأصل؟ لقد أجاب القرآن على ذلك، وقرر عدد الطلقات التي يملكها الزوج: قال الله : ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ

стр. 686

بِإِحْسَانٍ﴾. [البقرة: ٢٢٩]. ثم قال : ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. أي إن الزوج يملك أن يطلّق زوجته ثلاث تطليقات، اثنتان منهما رجعيتان، والثالثة تسريح لا رجعة بعده، إلا بشرط سنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. روى أبو داود (في الطلاق، باب: نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، رقم: ٢١٥٩)، والنسائي (في الطلاق، باب: نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث: رقم: ٦/ ٢١٢) عن ابن عباس ﵁ قال: إن الرجل كان إذا طلق امرأته، فهو أحقّ برجعتها، وإن طلّقها ثلاثاً، فَنَسخ ذلك، وقال: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي الطلاق الذي يملك الزوج فيه الرجعة مرتان فقط. ومن ثم فقد انعقد الإجماع على أن الزوج يملك ثلاث تطليقات، ثالثتها بائنة لا رجعة بعدها، إلا بما سنذكره من الشروط إن شاء الله تعالى. شروط صحة الطلاق ووقوعه: لابدّ لكي يملك الزوج ما ذكرنا من الطلقات، ولابد لكي يقع ذلك منه، من أن تتوفر في الزوج المطلِّق الشروط التالية: الشرط الأول: ثبوت عقد النكاح: فلا يقع طلاق الرجل من المرأة التي لم يعقد نكاحه عليها، ولا من التي سيعقد نكاحه عليها، سواء كان ذلك بأسلوب التنجيز، أو التعليق: كأن يقول لامرأة لم يعقد عليها: أنت طالق، أو يقول: إن تزوجتك فأنت طالق. ودليل ذلك من القرآن الكريم قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].

стр. 687

فقد علّق نتائج الطلاق وأحكامه على ثبوت النكاح أولاً. والدليل من السنة أيضاً: قول النبي ﷺ " لا طلاق قبلَ نكاح ". رواه الحاكم (في الطلاق، باب: لا طلاق لمن لم يملك، رقم: ٢/ ٢٠٥) وصححه. وروى أبو داود (الطلاق، باب: في الطلاق قبل النكاح، رقم: ٢١٩٠)، والترمذي (الطلاق، باب: ما جاء لا طلاق قبل نكاح، رقم: ١١٨١) عن عبدالله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا نذر لابن آدم فيما يملكُ، ولا عِتْقَ له فيما لا يملكُ، ولا طلاقَ له فيما لا يملكُ ". الشرط الثاني: تكامل الرشد: فالصبي والمجنون والنائم لا يقع طلاقهم. ودليل ذلك: ما رواه أبو داود (في الحدود، باب: في المجنون يسرق أو يصيب حدّا، رقم: ٤٤٠٣) وغيره عن على ﵁ قال: قال رسول الله ﵁: " رُفِع القلمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتِلم َ، وعن المجنون حتى يْعقِلَ " والاحتلام هو البلوغ والكبر. ويدخل في حكم هؤلاء الثلاثة: الساهي، والجاهل بمعنى الكلام الذي يقوله: ولكن لا تقبل دعواه أنه ساهٍ، أو جاهل بمعنى ما يقول إلا بقرينة أو بيِّنة. طلاق السكران: أما السكران، فإن سكر بدواء لا مندوحة له عن استعماله، وغاب من جرّائه عقله، أو أُكره على شرب مُسكِر، بالتهديد، أو صُبَّ المُسِكر في جوفه، فإن حكمه كالصبي والنائم والساهي، بجامع العذر في كلَّ. أما إن سكر متعدياً ـ أي عن قصد واختيار وبدون عذر ـ فإن طلاقه

стр. 688

يقع، ويعتبر كالرشيد حكماً، وعقوبة له على تعدّيه بشرب المُسكر، لأن السكران مكلّف، ولأنه بإجماع الصحابة مؤاخذ بما يتلفظ به حال سكره، من عبارات القذف، ونحوه. الشرط الثالث تكامل الاختيار: فلا يقع طلاق المكره. لكن مع مراعاة الشروط التالية في الإكراه: ١ـ أن يكون الإكراه بغير حق، فإن أُكره على الطلاق بحق ـ كأن كان مُضاراً لزوجته، فأكرهه الحاكم على تطليقها ـ فإن الطلاق يقع. ٢ـ أن يكون الإكراه معتمداً على التهديد له مباشرة، بما يحصل منه ضرر شديد: كالقتل، والقطع، والضرب المبرح، ومثله الضرب القليل والإيذاء البسيط بالنسبة لمن هو من ذوي الأقدار. ٣ـ وأن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به. ودليل ذلك قول النبي ﷺ : " لا طلاق ولا عتاق في إغْلاَقٍ ". رواه ابن ماجه (في الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، رقم: ٢٠٤٦) أي في إكراه، لأن المكره يغلق عليه أمره، وتصرّفه. وروى ابن ماجه (في الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، رقم: ٢٠٤٥) وغيره: أن النبي ﷺ قال: " إن الله وضع عن أُمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". أي وضع عنهم حكم ذلك، لا نفس هذه الأمور، لأنها واقعة. ٤ـ أن لا يصدر من الزوج المُكْرَه إلا القدر الذي أُكره عليه، فلو أُكره على الطلاق مرة، أو مطلقاً، فطلق طلقتين، أو ثلاثاً، وقع الطلاق. طلاق الهازل واللاعب: إذا تأملت في الشروط التي ذكرناها لوقوع المكره علمت أن

стр. 689

طلاق الهازل واللاعب واقع، إذا كان رشيداً بالغاً عاقلاً مختاراً، ولا يُعدّ لعبه وهزله عذراً في عدم وقوع الطلاق. ودليل ذلك: ما رواه الترمذي (في الطلاق، باب: ما جاء في الجدّ والهزل في الطلاق، رقم: ١١٨٤)، وأبو داود (في الطلاق، باب: في الطلاق على الهزل، رقم: ٢١٤٩)، وابن ماجه (في الطلاق، باب: من طلّق أو نكح أو راجع لاعباً، رقم: ٢٠٣٩) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث جدّهنّ جد، وهزلهنّ جد: النكاح، والطلاق، والرجعة ". الكيفيات المشروعة للطلاق: يمكن إيقاع الطلاق على كيفيات مختلفة: ـ كالجمع بين الطلقات بلفظ واحد، أو التفريق بينها. ـ أو إيقاع الطلاق منجزاً، أو معلقاً على شرط، أو مع استثناء. الكيفية الأولي للطلاق: واعلم أن الكيفية التي هي أفضل في الطلاق شرعاً، والمتفقة مع الحكمة من جعل الشّارع طلاق الرجل زوجته موزعاً على ثلاث مراحل، هي: أن يطلّق طلقة واحدة في طهر لم يجامع الرجل زوجته فيه، فإذا بدا له وندم أرجعها إليه أثناء العدّة. فإن عاودته الرغبة في الطلاق طلاقها طلّقة ثانية، وكان في يده بعد ذلك طلقة واحدة، تبين بها زوجته عنه بينونة كبرى، ولا ترجع إليه إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره نكاحاً شرعياً كاملاً، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وهذه الكيفية هي المفهومة من صريح قول الله : ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].

стр. 690

حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد: إذا لم يلتزم بالكيفية المفضلة للطلاق، فلا يعني أن الطلاق لا يقع، بل يقع كيفما كان، ما دامت الشروط التي تحدّثنا عنها مجتمعة في الشخص المطلق. وعلى ذلك، فلو جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد في وقت واحد، فقال: أنتِ طالق ثلاثاً، بانت منه بثلاث طلقات، كما لو نطق بهنّ متفرقات. ولا يعتبر ذلك محرماً، بل هو خلاف السنة، وجنوح عن الطريقة المفضلة. ودليل ذلك ما رواه الترمذي (الطلاق، باب: ما جاء في الرجل يطلق امرأته البتّة، رقم: ١١٧٧)، وأبو داود (في الطلاق، باب: في البتّة، رقم: ٢٢٠٨)، وابن ماجه (في الطلاق، باب: طلاق البتة رقم: ٢٠٥١١) أن ركانة طلّق زوجته البتَّة ـ أي قال لها أنت طالق البتّة ـ فقال له النبي ﷺ : ـ وقد سأله ركانة عن سبيل لرجعتها ـ (آلله ما أردت إلا واحدة). قال: الله ما أردت إلا واحدة فردّها إليه. فالحديث دليل على أن ركانة لو أراد بقوله (البتَّة) ثلاثاً لوقعن، ولما أذن له النبي ﷺ بردها، وإلا لم يكن لسؤاله وتحليفه له أيّ معنى. تعليق الطلاق بصفة أو شرط: كما يصح الطلاق ويقع منجزاً، فإنه يصحّ معلقاً. ومعنى تعليق الطلاق: أن يعلّق الزوج وقوع الطلاق على حدوث صفة، أو شرط، سواء مما قد تتلبس به الزوجة أو غيرها، كتعليقه طلاقها على قدوم غائب، أو على تصرّف معين قد تقوم به الزوجة أو غيرها. مثال تعليق طلاقها على صفة: أن يقول: أنت طالق عند قدوم أبيك،

стр. 691

أو أنت طالق في شهر رمضان فتطلق إذا قَدِم أبوها أو إذا دخل شهر رمضان. ومثال تعليقه بالشرط أن يقول لها: أنت طالق إن خرجت من الدار، أو أنت طالق إن دخل أخوك الدار، فتطلق إن هي خرجت من الدار، أو إن دخل أخوها الدار. ودليل صحة تعليق الطلاق على صفة أو شرط، ووقوعه إذا تحقق ذلك الشرط، أو تلك الصفة، قول النبي ﷺ : " المسلمون عند شروطهم ". رواه الحاكم (البيوع، باب: المسلمون على شروطهم والصلح جائز: ٢/ ٤٩. إذ يُفهم من الحديث أن الشروط التي يعلّق الإنسان عليها إبرام شيء تكون محل اعتبار وتقدير من الشارع، ما لم تكن تحرم حلالاً، أو تحلّ حراماً. الآثار التي يترتب على الطلاق المعلق: ويترتب على الطلاق المعلّق ما يلي: ١ـ عدم وقوع الطلاق ما دام الشيء الذي عُلق الطلاق به لم يحصل بعد. ٢ـ تظل الحياة الزوجية مستمرة بكامل أحكامها ومستلزماتها، ما دام الشرط المعلّق عليه لم يتحقق بعد، وإن كان حصوله على حكم المحقّق. كقوله: إذا جاء شهر رمضان فأنت طالق. ٣ـ يقع الطلاق بمجرد حصول الشرط الذي علّق الزوج الطلاق به، دون حاجة إلى أن ينطق نطقاً جديداً بالطلاق. الاستثناء في الطلاق: وكما يصحّ الطلاق المعلّق بصفة، أو شرط، كما ذكرنا يصحّ الطلاق الذي دخله الاستثناء.

стр. 692

والمقصود بالاستثناء في الطلاق: أن يجمع بلفظ واحد أكثر من طلقة واحدة، ثم يطرح بعضاً منها بأداة الاستثناء، وهي (إلاّ) بأن يقول: أنت طالق ثلاثاً، إلا طلقة واحدة، أو إلا طلقتين. وذلك لأن الاستثناء من المعدود أسلوب عربي متّبع، ومستعمل في كلّ من الكتاب والسنة، للتعبير عن المعاني، وضبط الكميات والأعداد. قال الله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ [العنكبوت: ١٤] لذلك جاز استعمال الاستثناء في التعبير عن الطلاق، وضبط عدد الطلقات المراد إيقاعها شروط صحة الاستثناء في الطلاق: يشترط لصحة الاستثناء في الطلاق مراعاة الشروط التالية: ١ـأن ينوي المطلّق إلحاق الاستثناء بكلامه قبل فراغه من النطق بالكلام الأصلي المستثنى منه. فلو أتمّ كلامه الأصلي، ثم طرأ على باله أن يستثني منه شيئاً، لم يصح الاستثناء، ووقع الطلاق كما يقتضيه كلامه الأصلي قبل تعليق الاستثناء به. ٢ـ أن يتصل لفظ الاستثناء بلفظ المستثنى منه عُرفاً. فلو فصل بينهما بفاصل زمني يعتبره العُرْف فاصلاً: كدقيقة مثلاً، بطل استثناؤه، ووقع الطلاق كما يقتضيه لفظ المستثنى منه. ٣ـ أن لا يكون الاستثناء مستغرقاً لكمية المستثنى منه: كأن يقول: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاث طلقات، فمثل هذا الاستثناء يعتبر لاغياً، ويستقر الحكم على ما يقتضيه لفظ المستثنى منه. وينبغي أن تعلم بعد هذا أن الاستثناء من الكلام المثبت يعتبر نفياً، وأن الاستثناء من الكلام المنفي يعتبر إثباتاً، لأن الاستثناء يعطي نقيض

стр. 693

الحكم الأصلي للمستثنى، فلو قال: ما طلّقتك إلا طلقتين، وقعت طلقتان. دليل صحة الاستثناء في الطلاق: ويستدل لصحة الاستثناء في الطلاق بقول النبي ﷺ : " مَن أعتق، أو طلّق واستثنى فله ثنياه: ". أي استثناؤه. ذكر ابن الأثير في النهاية مادة: (ثنا). تفويض الطلاق إلى الزوجة: يصحّ للزوج أن يفوِّض إيقاع الطلاق إلى زوجته، وهذا التفويض إنما هو بمثابة تمليك الطلاق لها. شروط وقوع طلاق التفويض: يشترط لوقوع هذا الطلاق الشروط التالية: ١ـ أن يكون الطلاق منجزاً، فلا يصحّ تعليقه على شيء: كإذا جاء الغد فطلَّقي نفسك. ٢ـ أن يكون الزوج المفوَّض مكلفاً، فلا يصحّ تفويض الصغير والمجنون. ٣ـ أن تكون الزوجة أيضاً مكلفة، فلا يصحّ تفويض صغيرة أو مجنونة. ٤ـ أن تُطلَّق نفسها على الفور، بعد تفويضها مباشرة، فلو أخّرت بقدر ما ينقطع به القبول من الإيجاب، لم يصحّ طلاقها. دليل جواز تفويض الطلاق إلى الزوجة: ويستدلّ على جواز ذلك، بأن النبي ﷺ خيّر نساءه من بين المقام معه، وبين مفارقته، وذلك لمّا نزل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨]. فلو لم يكن لاختيارهنَّ الفرقة لم يكن لتخييرهنّ معنى.

стр. 694

خاتمة في بعض مسائل الطلاق: ١ـ إذا تلفظ بالطلاق باللغة العربية رجل غير عربي، وهو لا يدري معناه، فإنه لا يقع طلاقه، لانتفاء قصده، ولو تلفظ به بلغته وقع، ولو لم ينوه إذا كان اللفظ الذي استعمله في الطلاق صريحاً في لغته، أي لا يحتمل إلا الطلاق، وإذا كان غير صريح اشترط لوقوع الطلاق النية، كما هو الشأن في اللغة العربية. ٢ـ قال رجل لزوجته: أنا منكِ طالق , فإن نوى تطليقها طلقت , وإن لم ينو لم تطلق , لأن اللفظ خرج عن الصراحة إلى الكناية , بإضافته إلى غير محله , فشرط فيه ما شرط في الكناية من قصد إيقاع الطلاق. ٣ـ قال رجل لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. فإن تخلل سكوت بين هذه الجمل بما يعد فاصلا عرفا، وقعت ثلاث طلقات، ولا يقبل قضاء قوله أردت التأكيد، لأنه خلاف الظاهر، وإن لم يتخلل هذه الجمل فاصل، فإن نوى التأكيد وقعت طلقة واحدة، فإن نوى الثلاث وقعت ثلاثاُ، وإن أطلق، ولم ينو شيئاً، وقعت أيضاً ثلاثاً. عملاً بظاهر اللفظ. ٤ـ إذا قال لزوجته: إن شاء الله فأنت طالق: لم تطلق إن قصد التعليق بمشيئة الله ، لأن المعلق عليه من مشيئة الله تعالى غير معلوم. فإن لم يقصد بالمشيئة التعليق، وإنما قصد بها التبرك، أو لم يقصد شيئاً، فإن الطلاق يقع. ٥ـ لو خاطبت الزوجة زوجها بمكروه، فقالت له يا سفيه، أو يا خسيس، فقال لها: إن كنتُ كما تقولين فأنت طالق. فإن قصد بذلك مكافأتها بإسماعها ما تكره، وإغاظتها بالطلاق كما أغاظته بالشتم، فإن الطلاق يقع، وإن لم يكن سفيهاً، ولا خسيساً. وكأنه قال: إن كنت بزعمك كذلك فأنت طالق.

стр. 695

أما إذا أراد تعليق الطلاق على وجود السفه والخسّة، أو أطلق، ولم يرد شيئاً اعتبرت الصفة المعلّق عليها كما هو سبيل التعليقات، فإن لم يكن سفيهاً أو خسيساً، لم يقع الطلاق، وإن كانت كذلك، وقع. والسفيه: هو من يستحق الحَجْر عليه لسوء تصرفه بأمواله. والخسيس: قيل هو: مَن باع دينه بدنياه. وقيل: هو مَن يتعاطى غير لائق به بخلاً. أحكام الرجعة اعلم أن الرجل إذا طلق زوجته، فلابدّ أن يقع الطلاق على واحد من الأحوال التالية: أولاً: أن يطلّقها قبل الدخول. ثانياً: أن يطلّقها على وجه المخالفة، سواء كان ذلك قبل الدخول أم بعده. ثالثاً: أن يطلّقها طلاقاً عادياً بعد الدخول طلقه، أو طلقتين. رابعاً: أن يطلّقها طلاقاً عادياً ثلاث تطليقات. هذه هي الكيفيات التي يمكن أن يقع عليها الطلاق، فلنشرح ما يترتب على كل حالة من أحكام الرجعة إذا أراد الزوج أن يراجع زوجته بعدها أولاً: إذا طلقها قبل أن يدخل بها: إذا طلّق الرجل زوجته قبل أن يدخل بها، بانت منه، ولم يجز له أن يراجعا، إذا لا يجب عليها أن تعتدّ منه، لصريح قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] لذلك ينتهي بها الطلاق إلى البينونة رأساً.

стр. 696

ثم إذا كان طلّقها في هذه الحالة طلقة واحدة، أو طلقتين، لم تحلّ له إلا بعقد ومهر جديدين، بناء على اختيارها ورضاها. وإن كان قد طلّقها ثلاث تطليقات، لم تحلّ له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، ويدخل بها الزوج الثاني، ثم يطلّقها، ثم تعتدّ منه، ثم يتزوجها هو بعقد ومهر جديدين. ثانياً: إذا خالعها على مال: إذا خالع الزوج زوجته (وقد مرّ بك بيان الخلع) بانت منه، ولم يجز له أن يراجعها بموجب العقد والمهر جديدين، كزوج جديد، سواء كان ذلك الخلع قبل الدخول بها، أو بعده. ثالثاً: إذا طلّقها بعد الدخول طلقة أو طلقتين: إذا طلّق الزوج زوجته بعد الدخول بها طلقة واحدة، أو طلقتين، جاز له أن يراجعها بموجب العقد والمهر الثابتين، بناءً على رغبته المنفردة، إذا كانت عدّتها لم تنقض بعد. ودليل ذلك صريح قول الله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً﴾ [البقرة: ٢٢٨]. والمراد بالردّ: الرجعة. وقال الله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فإن الإمساك بمعروف بعد الطلاق لا يكون إلا بناءً على الرجعة. ودليل ذلك من السنّة: ما رواه أبو داود (الطلاق، باب: في المراجعة، رقم: ٢٢٨٣) عن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ﵂، ثم راجعها. كيفية الرجعة: ويكفي لإرجاعها إلى عصمة نكاحه أن يقول: أرجعتك إلى عصمتي، وعقد نكاحي.

стр. 697

ويسنّ أن يشهد على كلامه هذا شاهدين. واستدلّ لهذا بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. فإن أرجعها عادت إليه بما بقي له من الطلاق، فإن كان قد طلّقها طلقة، بقيت له اثنان، وإن كان قد طلقها طلقتين، بقيت له طلقة واحدة فقط. فأما إذا لم يراجعها حتى انقضت عدّتها، فإنها تصبح بذلك بائنة منه، وعندئذ سبيل إليها إلا بعقد ومهر جديدين، باختيار منها، كزوج جديد. ودليل ذلك: قول الله ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. فلو كان حق الرجعة ثابتاً لزوجها الأول، لما أباح لها النكاح ممن تشاء من الأزواج. رابعاً: إذا طلقها ثلاث تطليقات: إذا طلق الزوج زوجته ثلاث تطليقات، سواء كنّ متفرقات، أم مجتمعات بلفظ واحد، وسواء كان الطلاق قبل الدخول، أو بعد الدخول، بانت منه الزوجة، ولم يعد له من سبيل إليها، سواء أثناء العدّة أو بعدها، إلا بعد اجتيازها خمس مراحل من الشروط: ١ـ أن تنقضي عدّتها من زوجها. ٢ـ أن يعقد نكاحها بعد انقضاء عدّتها على زوج غير الأول عقداً طبيعياً صحيحاً. ٣ـ أن يدخل بها هذا الزواج الثاني دخولاً حقيقياً. ٤ـ أن يطلّقها بعد ذلك. ٥ـ أن تنقضي عدّتها منه.

стр. 698

ثم إذا أراد بعد ذلك زوجها الأول أن يعود إليها كان له ذلك، لكن بناءً على رضاها، وبعقد ومهر جديدين. قال الله تعالى: ﴿َإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وروى البخاري (الشهادات، باب: شهادة المختبي، رقم: ٢٤٩٦)، ومسلم (في النكاح، باب: لا تحل المطلقة ثلاثاً لمطلّقها حتى تنكح ... .، رقم: ١٤٣٣) عن عائشة ﵂ قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني فأبتّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزَّبير، إنما معه مثل هُدْبة الثوب، فقال: (أتريدين أن ترجعي إلاّ رفاعة؟، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك). [أبتّ طلاقها: طلّقها ثلاثاً. هدبة الثوب: حاشيته، شبّهت به استرخاء ذكره، وأنه لا يقدر على الوطء. تذوقي عسيلته: هذا كناية عن الجماع. وعسيلة: قطعة صغيرة من العسل، شبّه لذة الجماع بلذة ذوق العسل]. الحكمة من توقف حل المطلقة ثلاثاً على هذه الشروط: ولعلّ الحكمة في إلزام المطلّقة بكل هذه الشروط التي ذكرنا لتحلّ لزوجها الأول هي: التنفير من الطلاق الثلاث، وحمل الأزواج بذلك على أن لا يتورطوا في الطلاق الثلاث. الخلاصة في الرجعة: اعلم أن المطلّقة بالنسبة لإمكان رجوعها إلى زوجها تسمى: (رجعية) إن طلِّقت طلقة واحدة أو طلقتين، بعد الدخول بها، وعدّتها لم تنقضِ بعد.

стр. 699

وحكمها: جواز مراجعة زوجها لها، بعقدها ومهرها السابقين وبموجب إرادته المنفردة (بائنة بينونة صغرى): وهي: ١ـ المطلّقة طلقة واحدة أو طلقتين قبل الدخول بها. ٢ـ المطلّقة طلقة واحدة أو طلقتين بعد الدخول بها، وقد انقضت عدّتها. ٣ـ المخالعة على بَدَلَ مالي، كما سبق بيانه. وحكمها: لا سبيل للزوج إليها إلا بعقد ومهر جديدين، وباختيارها ورضاها. (بائنة بينونة كبرى): وهي التي طلّقها زوجها ثلاث تطليقات، سواء قبل الدخول بها، أو بعده. وحكمها: لا تحلّ له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، على نحو ما قد سبق إيضاحه.

стр. 700

مشبهات الطلاق هنا ثلاث مسائل، تشبه في نتائجها الطلاق، أو هي قد تؤول إلى الطلاق. وهذه المسائل هي: الإيلاء، الظهار، اللعان. لذلك جمعناها إلى بعضها تحت هذا العنوان: (مشبّهات الطلاق) ثم لنشرح كلاً منها على حدة: أولاً ـ الإيلاء تعريف الإيلاء: الإيلاء في اللغة من الأليَّة، بمعنى اليمين. يقال: آلى فلان: أي أقسم، وعليه قول الله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ ... ﴾ [النور: ٢٢] أي لا يحلف. والإيلاء اصطلاحاً: فهو أن يقسم الزوج المالك لحق الطلاق ألاّ يجامع زوجته مطلقاً، أو مدة تزيد على أربعة أشهر. حكم الإيلاء: إذا أقسم الزوج على أن يجامع زوجته مطلقاً، أو مدة تزيد على أربعة أشهر، فهو مولٍ بذلك من زوجته. ويترتب على الزوج من الأحكام الشرعية ما يلي: يمهله الحاكم أربعة بدءاً من اليوم الذي أقسم فيه أن لا يطأ

стр. 701

زوجته، كفرصة يمكنه من الرجوع والتكفير عنها، أو من تطليقها إن لم يرد الرجوع والتفكير. فإذا انتهت الأشهر الأربعة، وهو ملتزم يمينه، فهو عندئذ مضار لزوجته، ويلزمه الحاكم بسبب ذلك ـ بناءً على طلب الزوجة ـ بأحد أمرين: ١ـ الرجوع عن يمينه، والاتصال بزوجته، ويكفّر عن يمينه، إن كان قد أقسم بالله، أو بعض صفاته، أو يأتي بما أقسم به إن كان قد حلف على أن يفعل عملاً، أو يتصدق بصدقة. ٢ـ أو الطلاق إن أبى إلا التمسك بيمينه. فإن أبى الزوج، ورفض سلوك أحد هذين السبيلين، أوقع القاضي عنه طلقة واحدة، لأنه حق توجه عليه لرفع الضرر عن الغير، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتطليق عليه. وتقع النيابة فيه، كقضاء الدين، وأداء الحقوق العينية. هذا إذا لم يكن بالزوج عذر يمنعه من الوطء، فأما إن كان عذر من مرض ونحوه، طولب بالرجوع عن إيلائه بلسانه، بأن يقول: إذا قدرت رجعت عن التزامي ويميني دليل أحكام الإيلاء: ودليل أحكام الإيلاء التي ذكرناها قول الله : ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٢٢٦﴾ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ ـ ٢٢٧]. [يؤلون: يحلفون. تربص: انتظار. فاؤوا: رجعوا عن الحلف إلى الوطء. عزموا الطلاق: أوقعوه]. وروى مالك رحمه الله تعالى في كتابه المؤطأ (الطلاق، باب: الإيلاء ٢/ ٥٥٦) عن علي ﵁ أنه كان يقول: إذا آلى الرجل من

стр. 702

امرأته، لم يقع عليه طلاق، وإن مضت الأربعة أشهر، حتى يوقف: فإما أن يطلّق، وإما أن يفيء. وروى ... مثل ذلك عن ابن عمر ﵄. ومثل هذا الحكم لا يقال من قبل الرأي، لذلك كان لهذا الحديث حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ . ثانياً ـ الظهار: تعريف الظهار: الظهار ـ لغة ـ مأخوذ من الظهر، لأن صورته الأصلية أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي. وتعريف الظهار في الاصطلاح: أن تشبّه الزوج زوجته في الحرمة بإحدى محارمه: كأمه، وأخته. وكان العرب في الجاهلية يعتبرون الظهار أسلوباً من أساليب الطلاق. ولكن الشريعة الإسلامية أعطته اعتباراً آخر، وبَنَت عليه أحكاماً أخرى غير الطلاق. حكم الظهار من حيث الحلّ والحرمة: الظهار حرام بإجماع المسلمين، وهو كبيرة من الكبائر، بدليل أن الله سماه منكراً من القول وزوراً، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة: ٢] ألفاظ الظهار: تنقسم الألفاظ التي تعتبر دالّة على الظهار إلى قسمين: صريح، وكناية. أما اللفظ الصريح: وهو الذي لا يحتمل غير الظهار ـ فهو أن يقول

стр. 703

لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي. أو أنت عندي - كظهر أُمي. فإذا تلفظ بهذا الكلام، فهو مظاهر من زوجته، سواء وجت نيّة ذلك لديه أم لم توجد، مادام ممّن يصحّ منهم الطلاق، أما دام رشيداً واعياً لمعنى ما يقول. أما اللفظ الكنائي ـ وهو ما يحتمل الظهار وغيره ـ فهو مثل أن يقول لزوجته: أنت عليّ كأمي وأختي، أو: أنت عندي مثل أمي وأختي. فإذا نطق بمثل هذه الألفاظ، فإنها تنصرف إلى المعنى الذي أراده عند التلفّظ بها. فإن كان قصد بها الظهار كان مظاهراً، وإن كان قصد بها تشبيه زوجته بأمه أو أخته في الكرامة والتقدير لم يكن مظاهراً، وليس عليه شئ أبداً. أحكام الظهار: إذا نطق الزوج بلفظ الظهار الصريح، أو بشيء من ألفاظه الكنائية، وأراد بذلك معنى الظهار، وهو تشبه الزوجة بمحارمه في الحرمة عليه، فإنه ينظر: ـ فإن أتبع كلامه هذا بالطلاق، فإن حكم الظهار يندرج في الطلاق، ولا يبقى له من أثر، إذ يأتي الطلاق بمثابة تفسير للفظ الظهار، فيلغو حكم الظهار، ويستقر الطلاق. ـ أما إن لم يتبع ذلك بالطلاق، ولم يحصل ما يقطع النكاح، فإنه يعتبر عائداً في كلامه، مخالفاً لما قاله، فإن عدم انفصاله عن زوجته، وقد شبّهها في الحرمة بمحاربة ـ يعتبر نقضاً منه لهذا التشبيه، ومخالفة لمقتضاه. وعندئذ تلزمه كفّارة، يُكلف بإخراجها على الفور. كفارة الظهار: وكفّارة الظهار مرتبة ـ حسب الإمكان ـ وفق ما يلي:

стр. 704

١ـ عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المُخلّة بالكسب والعمل، كالزمانة، أو فَقْد عضو، كرجْل مثلاً. ٢ـ فإن لم يكن رقيق كعصرنا اليوم، أو كان، ولكنه عجز عنه، فصيام شهرين قمريين متتابعين. ٣ـ فإن لم يستطيع الصوم، أو لم يستطيع الصبر على تتابع الصوم، لمرض، أو هرم، فإطعام ستين مسكيناً، لكل مسكين مدّ من غالب قوت البلد. دليل ترتيب الكفّارة: والدليل على هذا الترتيب في كفّارة الظهار ـ ما سيأتي في أحكام الظهار عامة ـ وما رواه الترمذي (الطلاق، باب: ما جاء في كفارة الظهار، رقم: ١٢٠٠) وغيره: أن سلمان بن صخر الأنصاري، أحد بني بياضة، جعل امرأته عليه كظهر أُمه، حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف من رمضان، وقع عليها ليلاً، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : " أعتق رقبة ". قال: لا أجدها، قال: " فصم شهرين متتابعين ". قال: لا أجد. فقال رسول الله ﷺ لفروة بن عمرو: " أعطه ذلك العرق " وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعاً، أو ستة عشر، إطعام ستين مسكيناً. كفارة الظهار تخرج فوراً: إن كفّارة الظهار يُطالب بها الزوج على الفور، أي إنه لا يحلّ له وطء زوجته قبل التفكير بأيّ الأنواع الثلاثة التي سبق ذكرها، فإذا وطىء زوجته قبل التفكير، فقد عصى، ولزمته الكفّارة، لأن الوطء قبل التفكير حرام. لقول الله : ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]. روى الترمذي (الطلاق، باب: ما جاء في المظاهر يواقع قبل أن يكفر، رقم: ١١٩٩)، وابن ماجه (الطلاق، باب: المظاهر يجامع قبل أن يكفر، رقم: ٢٠٦٥) وغيرهما عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً

стр. 705

أتى النبي ﷺ قد ظاهر من امرأته، فوقع عليها، فقال: يا رسول الله، إني قد ظاهرت من زوجتي، فوقعت عليها قبل أن أُكفّر، فقال: " وما حملك على ذلك، يرحمك الله "؟ يرحمك الله "؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: " فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به ". دليل أحكام الظهار عامة: ويستدل لأحكام الظهار جملة: بما جاء عن عائشة ﵂ أن امرأة أوس بن الصامت ﵂ جاءت تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سنّي وانقطع ولدي ظاهر مني، اللَّهمّ إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ رواه ابن ماجه (الطلاق، باب: الظهار، رقم: ٢٠٦٣)، وأبو داود (الطلاق، باب: في الظهار، رقم: ٢٢١٤)، والحاكم (في المستدرك: التفسير، تفسير سورة المجادلة: ٢/ ٤٨١) .. والآيات هي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٣﴾ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١ - ٤].
следующие страницы →