Полный текст (1 678 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
زوجته، كفرصة يمكنه من الرجوع والتكفير عنها، أو من تطليقها إن لم يرد الرجوع والتفكير.
فإذا انتهت الأشهر الأربعة، وهو ملتزم يمينه، فهو عندئذ مضار لزوجته، ويلزمه الحاكم بسبب ذلك ـ بناءً على طلب الزوجة ـ بأحد أمرين:
١ـ الرجوع عن يمينه، والاتصال بزوجته، ويكفّر عن يمينه، إن كان قد أقسم بالله، أو بعض صفاته، أو يأتي بما أقسم به إن كان قد حلف على أن يفعل عملاً، أو يتصدق بصدقة.
٢ـ أو الطلاق إن أبى إلا التمسك بيمينه.
فإن أبى الزوج، ورفض سلوك أحد هذين السبيلين، أوقع القاضي عنه طلقة واحدة، لأنه حق توجه عليه لرفع الضرر عن الغير، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتطليق عليه. وتقع النيابة فيه، كقضاء الدين، وأداء الحقوق العينية.
هذا إذا لم يكن بالزوج عذر يمنعه من الوطء، فأما إن كان عذر من مرض ونحوه، طولب بالرجوع عن إيلائه بلسانه، بأن يقول: إذا قدرت رجعت عن التزامي ويميني
دليل أحكام الإيلاء:
ودليل أحكام الإيلاء التي ذكرناها قول الله : ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٢٢٦﴾ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٢٦ ـ ٢٢٧].
[يؤلون: يحلفون. تربص: انتظار. فاؤوا: رجعوا عن الحلف إلى الوطء. عزموا الطلاق: أوقعوه].
وروى مالك رحمه الله تعالى في كتابه المؤطأ (الطلاق، باب: الإيلاء ٢/ ٥٥٦) عن علي ﵁ أنه كان يقول: إذا آلى الرجل من
стр. 702
امرأته، لم يقع عليه طلاق، وإن مضت الأربعة أشهر، حتى يوقف: فإما أن يطلّق، وإما أن يفيء.
وروى ... مثل ذلك عن ابن عمر ﵄.
ومثل هذا الحكم لا يقال من قبل الرأي، لذلك كان لهذا الحديث حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ .
ثانياً ـ الظهار:
تعريف الظهار:
الظهار ـ لغة ـ مأخوذ من الظهر، لأن صورته الأصلية أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي.
وتعريف الظهار في الاصطلاح: أن تشبّه الزوج زوجته في الحرمة بإحدى محارمه: كأمه، وأخته.
وكان العرب في الجاهلية يعتبرون الظهار أسلوباً من أساليب الطلاق. ولكن الشريعة الإسلامية أعطته اعتباراً آخر، وبَنَت عليه أحكاماً أخرى غير الطلاق.
حكم الظهار من حيث الحلّ والحرمة:
الظهار حرام بإجماع المسلمين، وهو كبيرة من الكبائر، بدليل أن الله سماه منكراً من القول وزوراً، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة: ٢]
ألفاظ الظهار:
تنقسم الألفاظ التي تعتبر دالّة على الظهار إلى قسمين: صريح، وكناية.
أما اللفظ الصريح: وهو الذي لا يحتمل غير الظهار ـ فهو أن يقول
стр. 703
لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي. أو أنت عندي - كظهر أُمي. فإذا تلفظ بهذا الكلام، فهو مظاهر من زوجته، سواء وجت نيّة ذلك لديه أم لم توجد، مادام ممّن يصحّ منهم الطلاق، أما دام رشيداً واعياً لمعنى ما يقول.
أما اللفظ الكنائي ـ وهو ما يحتمل الظهار وغيره ـ فهو مثل أن يقول لزوجته: أنت عليّ كأمي وأختي، أو: أنت عندي مثل أمي وأختي.
فإذا نطق بمثل هذه الألفاظ، فإنها تنصرف إلى المعنى الذي أراده عند التلفّظ بها.
فإن كان قصد بها الظهار كان مظاهراً، وإن كان قصد بها تشبيه زوجته بأمه أو أخته في الكرامة والتقدير لم يكن مظاهراً، وليس عليه شئ أبداً.
أحكام الظهار:
إذا نطق الزوج بلفظ الظهار الصريح، أو بشيء من ألفاظه الكنائية، وأراد بذلك معنى الظهار، وهو تشبه الزوجة بمحارمه في الحرمة عليه، فإنه ينظر:
ـ فإن أتبع كلامه هذا بالطلاق، فإن حكم الظهار يندرج في الطلاق، ولا يبقى له من أثر، إذ يأتي الطلاق بمثابة تفسير للفظ الظهار، فيلغو حكم الظهار، ويستقر الطلاق.
ـ أما إن لم يتبع ذلك بالطلاق، ولم يحصل ما يقطع النكاح، فإنه يعتبر عائداً في كلامه، مخالفاً لما قاله، فإن عدم انفصاله عن زوجته، وقد شبّهها في الحرمة بمحاربة ـ يعتبر نقضاً منه لهذا التشبيه، ومخالفة لمقتضاه. وعندئذ تلزمه كفّارة، يُكلف بإخراجها على الفور.
كفارة الظهار:
وكفّارة الظهار مرتبة ـ حسب الإمكان ـ وفق ما يلي:
стр. 704
١ـ عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المُخلّة بالكسب والعمل، كالزمانة، أو فَقْد عضو، كرجْل مثلاً.
٢ـ فإن لم يكن رقيق كعصرنا اليوم، أو كان، ولكنه عجز عنه، فصيام شهرين قمريين متتابعين.
٣ـ فإن لم يستطيع الصوم، أو لم يستطيع الصبر على تتابع الصوم، لمرض، أو هرم، فإطعام ستين مسكيناً، لكل مسكين مدّ من غالب قوت البلد.
دليل ترتيب الكفّارة:
والدليل على هذا الترتيب في كفّارة الظهار ـ ما سيأتي في أحكام الظهار عامة ـ وما رواه الترمذي (الطلاق، باب: ما جاء في كفارة الظهار، رقم: ١٢٠٠) وغيره: أن سلمان بن صخر الأنصاري، أحد بني بياضة، جعل امرأته عليه كظهر أُمه، حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف من رمضان، وقع عليها ليلاً، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : " أعتق رقبة ". قال: لا أجدها، قال: " فصم شهرين متتابعين ". قال: لا أجد. فقال رسول الله ﷺ لفروة بن عمرو: " أعطه ذلك العرق " وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعاً، أو ستة عشر، إطعام ستين مسكيناً.
كفارة الظهار تخرج فوراً:
إن كفّارة الظهار يُطالب بها الزوج على الفور، أي إنه لا يحلّ له وطء زوجته قبل التفكير بأيّ الأنواع الثلاثة التي سبق ذكرها، فإذا وطىء زوجته قبل التفكير، فقد عصى، ولزمته الكفّارة، لأن الوطء قبل التفكير حرام. لقول الله : ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾
[المجادلة: ٣].
روى الترمذي (الطلاق، باب: ما جاء في المظاهر يواقع قبل أن يكفر، رقم: ١١٩٩)، وابن ماجه (الطلاق، باب: المظاهر يجامع قبل أن يكفر، رقم: ٢٠٦٥) وغيرهما عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً
стр. 705
أتى النبي ﷺ قد ظاهر من امرأته، فوقع عليها، فقال: يا رسول الله، إني قد ظاهرت من زوجتي، فوقعت عليها قبل أن أُكفّر، فقال: " وما حملك على ذلك، يرحمك الله "؟ يرحمك الله "؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: " فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به ".
دليل أحكام الظهار عامة:
ويستدل لأحكام الظهار جملة: بما جاء عن عائشة ﵂ أن امرأة أوس بن الصامت ﵂ جاءت تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سنّي وانقطع ولدي ظاهر مني، اللَّهمّ إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾
رواه ابن ماجه (الطلاق، باب: الظهار، رقم: ٢٠٦٣)، وأبو داود (الطلاق، باب: في الظهار، رقم: ٢٢١٤)، والحاكم (في المستدرك: التفسير، تفسير سورة المجادلة: ٢/ ٤٨١) ..
والآيات هي:
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٣﴾ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١ - ٤].
стр. 706
ثالثاً ـ اللعان
تعريف اللعان:
اللعان ـ لغة ـ مصدر لاعن، وهو الطرد، والإبعاد.
منه: لعنه الله، أي طرده وأبعده.
وسمي بذلك لبعد الزوجين كلّ منهما عن الآخر.
وأما اللعان شرعاً: فهو كلمات معينة، جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطّخ فراشة، وألحق العار به.
وسمي لعاناً، لاشتمال هذه الكلمات على لفظ اللعن، ولأن كلا من المتلاعنين يبتعد عن الآخر باللعان.
الحكمة من مشروعية اللعان:
أعلم أن حكم اللعان جاء مخالفاً لما يقتضيه عموم حكم القذف، من استحقاق القاذف الحدّ، وبراءة المقذوف حكماً مما قد رماه به القاذف.
فما هي حكمة هذه المخالفة؟ ولماذا لم تنطبق أحكام القذف على مَن جاء بقذف زوجته بالفاحشة؟
والجواب: أن غير الزوج بالنسبة لزوجته غير مضطر إلى أن يرمي أحداً من الناس بالفاحشة، صادقاً كان في ذلك أم كاذباً.
بل الأدب الإسلامي يقضي بأن يستر المسلم ما قد ينكشف له من عيوب الآخرين، ويكتفي بالنصح لهم، في ستر ونَجْوة من الناس.
أما الزوج بالنسبة لزوجته، فإنه يشبه أن يكون مضطراً إلى الكشف عن حقيقتها، وواقع أمرها في ارتكاب الفاحشة، لأن ارتكابها ذلك تلطيخ لفراشه، وإلحاق للعار به. وهو عذر شرعي يعطيه حق الانفصال عنها.
ولو انفصل عنها بطلاق لاستلزم ذلك أن يقع في ظلم آخر يلحقه
стр. 707
بنفسه، وهو الحكم لها بكامل المهر، دون أن تستحق شيئاً منه بسبب سوء سلوكها.
لذلك كان لابدّ ـ لإنصافه ـ من أن يشرع حكم خاص بهذه الحالة، يضمن بقاء كل من الزوجين في كنف العدالة، دون أن يذهب واحد منهما ضحّية لظلم الآخر.
وكان هذا الحكم هو: حكم اللعان، الذي سنقف على موجز لتفاصيله.
وبهذا تدرك الحكمة من أن قذف الزوج لزوجته، إذا جاء على النحو الذي رسمته الشريعة الإسلامية، لا يستوجب حدّاً أبد له، فإن القاذف إنما يُحدّ لاتهامه بالكذب من جانب، ولعدم اهتمامه بستر حال المسلمين من جانب آخر.
أما الزوج فإنه يبعد جداً أ، يقذف زوجته كاذباً، لم يلحقه بسبب هذا الكذب من العار، وسوء السمعة، وهو معذور في أن لا يستر حال زوجته، لأن ستره لها إلحاق للعار به، وهو إسقاط لمروءته وحُسن سيرته بين الناس.
حكم قذف الزوجة:
القذف: هو أن يرمي زوجته بالزنى، وللزوج الحق في أن يرميها بذلك إذا علم زناها، أو ظنه ظناً مؤكداً: كظهور زناها بفلان من الناس، مع رؤيتهما في خلوة منفردين. هذا الحكم ـ وهو إباحة رمي الزوجة بالزنى ـ إذا لم يكن هناك ولد، أما إذا كان هناك ولد، والزوج يعلم أنه ليس منه، فإنه والحالة هذه يجب عليه أن يرمي زوجته، وينفي الولد عن نفسه، لأن ترك نفسي الولد عن نفسه يتضمن استلحاقه، واستلحاق من ليس منه حرام، كحرمة نفي مَن هو منه، لكن كيف يعلم أن هذا الولد ليس منه.
طريق العلم بذلك أن يكون لم يطأ زوجته، أو أن زوجته قد أتت
стр. 708
بالولد لدون ستة أشهر من الوطء، التي هي أقل مدة الحمل، أو ولدته لأكثر من أربع سنين من الوطء، التي هي أكثر مدة الحمل، ففي هذه الحالات يثبت أن الولد ليس من هذا الزوج، وعندئذ يجب نفيه عن نفسه، لئلا يلحق به.
كيفية لعان الزوج:
إذا رمى الرجل زوجته بالزنى فعليه حدّ القذف، إلا أن يقيم البيّنة، والبيّنة أربعة شهداء، بما فيهم الزوج.
وهذا هو الحكم العام لمقتضى القذف، وقد قال النبي ﷺ لهلال بن أُمية ﵁ لما قذف امرأته عند النبي ﷺ : " البينّة أو حدّ في ظهرك " فقال هلال: والذي نعثك بالحق إني صادق، فَلْينزلنّ الله ما يبرئ ظهري من الحدّ.
وقد نزل حكم اللعان، فكان السبيل الذي يدرأ به الزوج عن نفسه حدّ القذف، إذا قذف زوجته بالزنى، فكيف تكون الملاعنة إذاً؟
الملاعنة: أن يقول الزوج عند الحاكم أمام جَمْع من الناس، يسنّ أن يكونوا من وُجهائهم، وصالحيهم، وأن يكون ذلك في المسجد، فوق مكان مرتفع، كمنبر وغيره، يقول
أشهد بالله إنني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنى، وأن هذا الولد
(إن كان لها ولد، أو حمل) من الزنى وليس منّي.
يقول ذلك أربع مرات، يشير في كل مرة بيده إلى زوجته، إن كانت حاضرة.
ثم يقول في المرة الخامسة: بعد أن يعظه الحاكم، ويحذّره من الكذب، يقول: وعلىّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين.
стр. 709
دليل هذا اللعان:
ويستدلّ على تشريع اللعان بالنسبة للزوج يقول الله :
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٦﴾ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٦ - ٧]
ويستدل من السنة بما رواه البخاري (الطلاق، باب: التلاعن في المسجد، رقم: ٥٠٠٣) ومسلم (أول كتاب اللعان، رقم: ١٤٢٩) عن سهل بن سعد ﵁: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله. أرأيتَ رجلاً وجد من امرأته رجلاً، أيقتله، أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذُكرَ في القرآن من أمر المتلاعنين، فقال النبي ﷺ : " قد قضى الله فيك وفي امرأتك ". قال فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد.
وفي رواية: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ .
الأحكام التي تترتب على لعان الزوج:
إذا لاعَنَ الزوج زوجته، على الكيفية التي ذكرناها، ترتب على ذلك خمسة أحكام:
١ـ سقوط حدّ القذف عن الزوج.
٢ـ وجوب حدّ الزنى على الزوجة، إلا أن تلاعن هي أيضاً.
٣ـ زوال الفراش، أي انقطاع النكاح بينهما.
٤ـ نفي الولد، وانقطاع نسبه عن الزوج إن نفاه في لعانه، وإلحاقه بالزوجة.
٥ـ حُرمة كلّ من الزوجين على الآخر إلى الأبد.
روى البخاري (الطلاق، باب: يلحق الولد بالملاعنة، رقم: ٥٥٥٩)، ومسلم (في اللعان، رقم: ١٤٩٤) عن ابن عمر رضي الله
стр. 710
عنهما: أن النبي ﷺ لاعَنَ بين رجل وامرأته، فانتفى مَن ولدها، ففرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة.
وروى أبو داود (الطلاق، باب: في اللعان، رقم: ٢٢٥٠) عن سهل بن سعد ﵁ قال: مضت السنّة بعدُ في المتلاعنين أن يفرّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً.
كيفية لعان الزوجة:
كما أن لعان الزوج هو السبيل الذي يدرأ عنه حدّ القذف، فإن لعان الزوجة هو السبيل الذي يدرأ عنها حدّ الزنى، الذي يتعلق بها بسبب لعان الزوج.
إما كيفية لعان الزوجة، فهو أن تقول:
أشهد بالله أن فلاناً من الكاذبين فيما رماني به من الزنى. تقول ذلك أربع مرات، ثم تقول في المرة الخامسة: وعلىّ غضب الله إن كان من الصادقين. فإذا قالت ذلك سقط عنها حدّ الزنى
دليل لعان الزوجة:
والدليل على ذلك قول الله : ﴿وَيَدْرَأُ ﴿٧﴾ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٨﴾ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٨ـ٩].
من أهم شرائط اللعان:
١ـ أن يتقدم القذف على اللعان.
٢ـ أن يتقدم لعان الزوج على لعان الزوجة.
٣ـ أن يلتزم كل من الزوج والزوجة نصّ الكلمات التي ذكرناها، فلو أبدل أحد الزوجين لفظ الشهادة بغيرها: كالحلف، أو القسم، أو أبدل لفظ
стр. 711
الغضب باللعن، أو العكس، لم يصحّ اللعان. لأن ألفاظ اللعان وردت بنصّها في صريح كتاب الله ، فيجب المحافظة عليها في صيغة الملاعنة.
٤ـ أن يكون بين الشهادات الخمس التي يشهدها كل من الزوجين موالاة وتتابع، فلا يجوز أن يقع ما يعدّ في العُرف فاصلاً بينهما.
٥ـ يجب على الحاكم أن ينصح كلاً من الزوجين، ويحذره الكذب ومغبّته، وأن يقول لهما: حسابكما على الله، أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب.
روى الترمذي (الطلاق، باب: ما جاء في اللعان، رقم: ١٢٠٢) عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ دعا الرجل، فتلا عليه الآيات، ووعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها.
ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحق ما صدق.
قال فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات إنه لمن الصادقين، والخامسة إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم فرّق بينهما.
وفي رواية عند البخاري (الطلاق، باب: قول الإمام للمتلاعنين: أحدكما كاذب ... .، رقم: ٥٠٠٦) قال النبي ﷺ لهما " حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها ".
وروى البخاري (الطلاق، باب: يبدأ الرجل بالتلاعن، رقم: ٥٠٠١) عن ابن عباس ﵄: أن هلال بن أمّية قذف امرأته، فجاء
стр. 712
فشهد، والنبي ﷺ يقول: " إن الله أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب ".
وروى أبو داود (الطلاق، باب: التغليظ في الانتفاء، رقم ٢٢٦٣) وغيره عن أبي هريرة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية المتلاعبين: " أيّما امرأة أدخلت على قوم مَن ليس منهم، فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته. وأيما رجل جحد ولده، وهو ينظر إليه احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين ".
نسأل الله تعالى اللطف في الدنيا والآخرة.
стр. 713
العدَّة
تعريف العدة:
العدّة ـ لغة ـ اسم مصدر عدّ يعدّ، أما المصدر: فهو (عدّ) والعدّة: مأخوذة من العدد، لاشتمالها عليه، من الأقراء، والأشهر.
والعدة اصطلاحاً: اسم لمدة معينة تتربصها المرأة، تعبداً لله ، أو تفجعاً على زوج، أو تأكداّ من براءة الرحم.
دليل مشروعية العدة:
لقد ثبتت مشروعية العدّة بعدد من آيات القرآن الكريم، وبكثير من أحاديث النبي ﷺ وانعقد إجماع الأمة على مشروعيتها.
وسيأتي ـ أثناء البحث ـ الكثير من أدلة الكتاب والسنّة التي تفصل أحكام العدّة وتبيِّنها، وتدل على مشروعيتها.
الحكمة من مشروعية العدة:
ـ أما المتوفى عنها زوجها، فقد شرعت العدة في حقها، للمعاني التالية:
أولاً: للوفاء بحق زوجها الراحل، فإن ما قد فرضه الله عليها من التقدير والوفاء وحُسن المعاملة له، لا يتناسب مع إعراضها عنه بمجرد وفاته، ورحيله عنها.
ثانياً: للتعويض عن العُرْف الجاهلي، الذي كان يفرض على الزوجة
стр. 714
إذا مات زوجها أن تحبس نفسها في وكر مظلم عاماً كاملاً، وأن تضمخ نفسها خلال ذلك بالسواد، وتلبس البشع المستقذر من ثيابها.
ذلك لأن القضاء على عادة متطرفة في المجتمع، لا يتم إلا إذا ملىء مكان تلك العادة بمبدأ معتدل سليم، يحقّق محاسن العادة الأولى دون أن يجرّ على الناس شيئاً من مساوئها.
ـ وأما المفارقة بفسخ أو طلاق:
فإن كانت الزوجة من ذوات الحيض، أو كانت حاملاً: فإن الحكمة من وجوب العدّة في حقها: ضبط الأنساب، وحفظ المسؤوليات، والتأكد من براءة الرحم، والأمر في ذلك واضح.
أما إن كانت الزوجة صغيرة، أو آيسة لا تحيض، فالحكمة من وجوب العدّة عليها تظهر فيما يلي.
١ـ المعنى التعبدي، الذي يتضمن الانصياع لأمر الله ، وهذا في الحقيقة معنى جدير بالوقوف عنده، وهو يتناول العدّة بكل أنواعها.
٢ـ تفخيم أمر النكاح، وإعطاؤه الأهمية الشرعية التي تناسبه. وواضح أنه لا يتناسب مع شيء من هذا التفخيم والأهمية أن تتحول الزوجة في اليوم التالي من فراقها إلى زوج آخر، وإن كانت صغيرة، أو آيسة مقطوعاً ببراءة رحمها من الحمل من زوجها. إن هذه السرعة في التنقل تُذيب أهمية النكاح، وهيبته أمام الأنظار، وتثير في النفس والخيال شأن السفاح وصورته، وكيف تنتقل البغي من شخص إلى آخر دون أي انتظار
٣ـ مزيد من الحيطة للتأكد من براءة الرحم، إذ لا يؤمن عدم وقوع أحوال ووقائع شاذة عن القانون والعُرْف الطبيعي، بين كل حين وآخر من الزمن.
стр. 715
أنواع العدّة:
تنقسم العدّة التي تلزم بها المرأة إلى قسمين:
١ـ عدة وفاة.
٢ـ وعدة فراق.
أولاً: عدّة الوفاة:
أما عدّة الوفاة، فهي التي تجب على من مات عنها زوجها:
أـ فإن كانت حاملاً منه أثناء الوفاة فعدّتها تنتهي بوضع الحمل، طالت المدة أو قصرت.
ب ـ وإن كانت المرأة غير حامل، أو كانت حاملاً بحمل لا يمكن أن يكون من زوجها المتوفى عنها، كأن يكون زوجها غير بالغ، أو ثبت غيابه عنها منذ أكثر من أربع سنوات، فعدّتها تنتهي بنهاية أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء دخل بها الزوج، أو لم يدخل.
دليل ذلك:
والدليل على ما ذكر قول الله : ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وقوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
[يتربصن: ينتظرن. بلغن أجلهنّ: انقضت عدّتهنّ ومدّتهنّ المذكورة. فلا جناح: لا خرج ولا إثم. فيما فعلن في أنفسهنّ: أي من التزين، والتعرّض للخطاب، وللزواج. بالمعروف: بالوجه الذي يقرّه الشرع، ولا ينكره].
فالآية الثانية من الآيتين عامّة تشمل المرأة الحامل وغيرها، أما الأولى منهما فقد أخرجت من ذلك العموم النساء الحوامل، وجعلت لهنّ
стр. 716
حكماً خاصاً بهنّ، فكان هذا هو دليل التفريق بين عدّة المرأة التي توفي عنها زوجها وهي حامل منه، وبين عدّة المرأة التي توفي عنها زوجها وهي غير حامل.
والدليل من السنة أن الحامل تنتهي عدّتها بوضع الحمل: ما رواه البخاري (الطلاق، باب: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ ... . ﴾، رقم: ٥٠١٤) عن المسور بن مخرمة ﵁: أن سُبيْعة الأسلمية ﵂ نُفسَتْ بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النبي ﷺ فاستأذنه أن تنكح، فأذن لها، فنكحت. [نفست: ولدت].
ثانياً: عدة الفراق:
وأما عدّة الفراق فهي التي تجب على المرأة التي فارقت زوجها، بفسخ أو طلاق، بعد وطئها:
أـ فإن كانت حاملاً فعدّتها تنتهي بوضع الحمل. ودليل ذلك عموم قول الله :
﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
ب ـ وإن كانت حامل، وهي من ذوات الحيض، فعدّتها بمرور ثلاثة أطهار من بعد الفراق.
ودليل ذلك قول الله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
ج ـ وإن كانت لا ترى حيضاً: بأن كانت صغيرة، أو آيسة، أي متجاوزة سن الحيض ذلك قول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن
стр. 717
نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].
[واللائي لم يحضن: الصغيرات، فعدّتُهنّ أيضاً ثلاثة أشهر. إن ارتبتم: شككتم في حكمهنّ، ولم تعرفوا كيف يعتدن].
المطلّقة قبل الدخول بها:
أما المرأة التي فارقها زوجها بفسخ، أو طلاق، قبل الدخول بها، فلا يجب عليها أن تلتزم بأيّ عدّة.
ودليل ذلك قول الله ّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩].
أحكام العدة وما تفرضه من التزامات:
هناك أحكام والتزامات تفرضها العدّة، وسنبيّنها فيما يلي:
أولاً عدّة الطلاق:
إذا كانت المرأة معتدّة من زوجها عدّة طلاق، فإما أن يكون طلاقها: رجعياً، أو بائناً
الأول: فإن كانت معتدّة من طلاق رجعي ترتب على عدّتها الأحكام التالية:
أـ وجوب المسكن لها مع الزوج، والأفضل أن يكون مسكن طلاقها، إن كان لائقاً بها، ولم يمنع منه مانع شرعي، ونحوه.
ب ـ وجوب النفقة لها بسائر أصنافها: من مؤنة، وكسوة، وغير ذلك، سواء كانت حاملاً، أو حائلاً، وذلك لبقاء سلطان الزوج عليها، وانحباسها تحت حكمه، حيث يمكنه أن يرجعها ما دامت في العدّة.
ج ـ يجب عليها ملازمة مسكنها، فلا تفارقه إلا لضرورة. ودليل هذه
стр. 718
الأحكام الثلاثة قول الله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وقال الله تعالى:
﴿َا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١].
د ـ يحرّم عليها التعرّض لخطبة الرجال، إذ هي لا تزال حبيسة على زوجها، وهو الأحقّ والأولى من سائر الرجال. قال الله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً﴾ [البقرة: ٢٢٨].
الثاني:
إن كانت معتدّة بفراق بائن، وهي عندئذ: إما أن تكون حاملاً، وإما أن تكون حائلاً، أي غير حامل:
فإن كانت حاملاً: ترتب على ذلك الأحكام التالية:
أـ وجوب المسكن لها على الزوج، ودليل ذلك قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]. والآية هذه عامّة في المطلّقة الرجعية والبائنة.
ب - النفقة بأنواعها المختلفة، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦)
ج - ملازمة البيت الذي تعتدّ فيه، فلا تخرج منه إلا لحاجة، كأن تحتاج إلى طعام ونحوه، أو تحتاج إلى بيع متاع لها تتكسب منه، وليس ثمة مَن يقوم مقامها في ذلك، أو كانت موظفة في عمل، ولا يسمح لها بالبقاء في بيتها مدة عدّتها، أو كانت تضطر - إزالة لوحشتها - أن تسمر عند جارة لها، فلا يحرم خروجها من بيتها لمثل ذلك.
стр. 719
أما دليل المنع من الخروج لغير حاجة، فقول الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١)
أما دليل جواز الخروج للحاجة: فما رواه مسلم (الطلاق، باب: جواز خروج المعتدّة البائن .. لحاجتها، رقم: ١٤٨٣) عن جابر ﵁ قال: طلّقت خالتي، فأرادت أن تجُدَّ نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﵁ فقال: " بلى اخرجي، فجُدّي نخلك، فإنك عسى أن تَصَدَّقَي، أو تفعلي معروفاً ".
وإن كانت حائلاً: ترتب كل ما ذكر في الفقرة السابقة، إلا النفقة بأنواعها المختلفة من مؤنة، وملبس، وغير ذلك. فلا تثبت لها، وإنما يجب لها المسكن، وتجب عليها ملازمته.
ودليل ذلك: ما رواه أبو داود (الطلاق، باب: في نفقة المبتوتة، رقم: (٢٢٩) في قصة فاطمة بنت قيس، حين طلّقها زوجها تطليقة كانت بقيت لها: أن النبي ﷺ قال لها: " لا نفقة لك إلا أن تكوي حاملاً
ثانياً: عدّة الوفاة:
وإن كانت المرأة معتدّة من وفاة، وجبت في حقّها الأحكام التالية:
أـ الإحداد على الزوج: بأن تمتنع عن مظاهر الزينة والطيب، فلا تلبس ثياباً ذات ألوان زاهية، ولا تكتحل، ولا تستعمل شيئاً من الأصباغ، ولا تتزين بشيء من الحلي: ذهباً أو فضة، أو غيرهما، فإن فعلت شيئاً من ذلك فهي آثمة.
ودليل ذلك: قول النبي ﷺ : " لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً ".
رواه البخاري (الطلاق، باب: تحدُ المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، رقم: ٥٠٢٤)، ومسلم (الطلاق، باب: وجوب الإحداد
стр. 720
في عدّة الوفاة رقم: ١٤٨٦ـ ١٤٨٩) عن أُم حبيبة ﵂.
دلّ هذا الحديث على حرمة إحداد المرأة على غير الزوج، ووجوبها على الزوج أربعة أشهر وعشرة أيام. ورخّص ﷺ في إظهار الحزن، وأمر بالتعزية خلال ثلاثة أيام فقط، لأن النفوس لا تستطيع فيها الصبر، وإخفاء الحزن.
وروى البخاري (الحيض، باب: الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض، رقم ٣٠٧) ومسلم (الجنائز، باب: نهي النساء عن اتباع الجنائز، رقم: ٩٣٨) عن أُم عطية الأنصارية، ﵂ قالت: كنا نُنهى أن نحدّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس ثوباً مصبوغاً، إلا ثوب عَصْب، وقد رخص لنا عند الطهر، إذا اغتسلت إحدانا من محيضها، في نُبْذة من كست أظفار، وكنا ننهى عن اتّباع الجنائز.
[ثوباً مصبوغاً: مما يعدّ لبسه زينة في العادة. ثوب عَصْب: نوع من الثياب، تشدّ خيوطها، وتصبغ قبل نسجها. نبذة: قطعة صغيرة كُسْت أظفار: نوع من الطيب].
ب ـ يجب عليها ملازمة بيتها الذي تعتدّ فيه، فلا تخرج إلا لحاجة، كالتي ذكرناها بالنسبة للمعتدّة من الطلاق.
روى الترمذي (الطلاق، باب: أين تعتدّ المتوفى عنها زوجها، رقم: ١٢٠٤) وأبو داود (الطلاق، باب: في المتوفى عنها تنتقل، رقم: ٢٣٠٠) وغيرهما، عن زينب بنت كعب بن عجرة: أن الفُريْعة بنت مالك بن سنان ـ وهي أُخت أبي سعيد الخدري ﵁ أخبرتها أنها جاءت رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدْرة، وأن زوجها خرج في طلب أعبد له أبَقُوا، حتى إذا كان بطوف القدوم لحقهم، فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى
стр. 721
أهلي، فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملكه، ولا نفقة. قالت: فقال رسول الله ﷺ : " نعم ". قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة (أو في المسجد) ناداني رسول الله ـ أو أمر بي فنوديت له ـ فقال: زوجني. قال: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً.
قالت: فلما كان عثمان ﵁، أرسل إلي فسألنيّ عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضى به.
أما ما يتصوره كثير من العوّام من أنه لا يجوز للمعتدّة أن تكلم أحداً، وأن أحداً من الناس لا يجوز أن يسمع صوتها، فلا أصل له، وإنما حكمه أثناء العدة وخارج العدة سواء.
خلاصة في أحكام العدة:
والحاصل أن جميع أنواع العدّة تخضع لقدر مشترك من الحكم، وهو:
ـ حُرمة الخروج من المسكن الذي تعتدّ فيه المرأة إلا لحاجة. ثم تختصّ المعتدّة بالوفاة بحكم مستقل، وهو: وجوب الإحداد على الزوج، وذلك بأن تمتنع عن الطيب والزينة، على نحو ما قدّمنا.
كما تختصّ المعتدّة بالطلاق الرجعي مطلقاً، والطلاق البائن إن كانت حاملاً بوجوب المسكن، وجميع أنواع النفقة لها.
وتختصّ المعتدّة بالطلاق البائن - إن لم تكن حاملاً - بوجوب المسكن فقط، دون سائر أنواع النفقات ..
خاتمة:
ونختم هذا البحث ببيان أمر هام، ألا وهو حُرمة إحداد النساء على
стр. 722
مَن عدا الزوج من أقاربهنّ، نساءً وذكوراً، وهو إحداد بشع يتخذ شكلاً من أشكال الجاهلية العتيقة، حيث تلزم المرأة التي توفي لها قريب أو قريبة لبس السواد، أو ما يشبهه، إعلاناً عن حزنها، وتتجنب حضور الأماكن العامة، والظهور في مواسم الأفراح ومناسباتها، وتظل على ذلك عاماً، أو يزيد، وربما كانت نفسها خلال أكثر العام لا تنطوي على أيّ حزن أو كرب، ولكنها تتصنع ذلك أمام أبصار الناس، وتتكلفه، وتتباهى به أمامهم.
إن هذا الالتزام ليس إلا معارضة صريحة وحادة لأمر رسول الله ﷺ في حديثة الواضح الصحيح: " لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً ".
رواه البخاري (الطلاق، باب: تحدُّ المتوف عنها زوجها.، رقم: ٥٠٢٤) ومسلم
(الطلاق، باب: وجوب الإحداد في عدّة الوفاة، رقم: (١٤٨٦ـ ١٤٩٨) عن أم حبيبة ﵂.
وقد روى البخاري ومسلم، عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على زينب بنت جحش ﵄ حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: والله ما لي في الطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً " (البخاري ومسلم المواضع السابقة).
ولا فرق في هذا الحكم بين هذا التصنّع المتكلَّف الممجوج الذي تلتزمه النساء فيما بينهنّ، وما يفعله الرجال من التزام شعارات الحزن، في ربطة العنق، ونحوها، وهو تقليد أجنبي بشع مغموس في الحُرمة والإثم.
نسأل الله تعالى أن يحقّقنا بمعنى العبودية الخالصة له، وأن يلبسنا كسوة الرضى بحكمه، والتجمّل بشرعه، وهدي نبيّه، ﵊.
стр. 723
ثالثاً: النفقات وما يتعلق بها
стр. 724
النفقات
تعرف النفقات:
النفقات: جمع نفقه، والنفقة لغة: مأخوذة من الإنفاق.
وهو في الأصل بمعنى الإخراج، والنفاد، ولا يستعمل الإنفاق إلا في الخير.
والنفقة اصطلاحاً: كلُّ ما يحتاجه الإنسان، من طعام وشراب، وكسوة ومسكن.
وسمي نفقة، لأنه ينفد ويزول، في سبيل هذه الحاجات.
أنواع النفقات:
للنفقات أنواع خمسة نذكرها فيما يلي:
١ـ نفقة الإنسان على نفسه.
٢ـ نفقة الفروع على الأصول.
٣ـ نفقة الأصول على الفروع.
٤ـ نفقة الزوجة على الزوج.
٥ـ نفقات أخرى.
ولنبدأ بشرح أحكام كل نوع من هذه الأنواع على هذا الترتيب.
стр. 725
١ـ نفقة الإنسان على نفسه:
إن أدنى ما يجب على الإنسان من الإنفاق أن يبدأ بنفسه، إذا قدر على ذلك، وهي مقدمة على نفقة غيرة.
وتشمل هذه النفقة كل ما يحتاجه المرء من مسكن، ولباس، وطعام، وشراب، وغير ذلك.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (الأحكام، باب: بيع الإمام على الناس أموالهم وضياعهم، رقم: ٦٧٦٣)، ومسلم (الزكاة، باب: الابتداء في النفقة بالنفس ... .، رقم: ٩٩٧) وغيره عن جابر ﵁ قال: أعتق رجل من بني عُذْرَة عبدّ له عن دُبُر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ . فقال: " ألك ما غيره". فقال: لا. فقال: ﷺ : " مَن يشتريه مني "؟ فاشتراه نُعيم بن عبدالله العدوي ﵁ بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: " ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فَلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا ".
يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك.
معنى قوله: " عن دُبُر " أي علق عتقه بموته، فقال: أنت حر يوم أموت.
٢ـ نفقة الفروع على الأصول:
يجب على الوالد ـ وإن علا ـ نفقة ولده، وإن سفل.
فالأب مكلف بالإنفاق ـ على اختلاف أنواع النفقة ـ على أولاده ذكوراً وإناثاً، فإن لم يكن لهم أب، كلَّف بالإنفاق عليهم الجد أبو الأب القريب، ثم الذي يليه.
стр. 726
ودليل ذلك من الكتاب قول الله : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]
فإيجاب الأُجرة على الزوج لرضاعة أولاده، يقتضي إيجاب مؤونتهم المباشرة من باب أولى. وقال الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
فإن نسبة الولد إلى أبيه بلام الاختصاص، وهي (له) تقتضي مسؤولية صاحب الاختصاص، وهو الأب، عن نفقة ولده ومؤونته. وكذلك وجوب نفقة المُرضِعة للوليد وكسوتها تدلّ على وجوب نفقة الولد وكسوته من باب أولى كما علمت.
وأما دليل ذلك من السنّة: فما رواه البخاري (النفقات، باب: إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ.، رقم: ٥٠٤٩)، ومسلم (الأقضية، باب: قضية هند، رقم: ١٧١٤) عن عائشة ﵂، أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم، فقال، " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ".
يقصد: خذي من مال أبي سفيان.
هذا، ويلحق الأحفاد بالأولاد بجامع النسبة والحاجة في كل.
شروط وجوب نفقة الفروع على الأصول:
ويشترط لوجوب نفقة الفروع على الأصول تحقّق الشروط التالية:
أولاً: أن يكون الأصل موسراً بما يزيد عن قوت نفسه، وقوت زوجته مدّة يوم وليلة.
فلو كان الذي يملكه لا يكفي - خلال هذه المدة - غير نفسه هو، أو
стр. 727
غير نفسه وزوجته، لم يكن مكلفاً بالإنفاق على فروعة.
ودليل ذلك قوله ﷺ : " ابدأ بنفسك ".
رواه مسلم (الزكاة، باب: الابتداء في النفقة بالنفس ... ، رقم ٩٩٧).
ثانياً: أن يكون الفرع فقيراً، ويشترط مع فقره، واحد من الأوصاف الثلاثة:
١ـ فقر، وصغر.
٢ـ فقر، وزمانة.
٣ـ فقر، وجنون.
فالصغير الفقير يكلّف أبوه، بالإنفاق عليه، فإن لم يكن أبوه فجده.
وكذلك الفقير الزمن، وهو العاجز عن العمل.
وكذلك الفقير المجنون.
والمقصود بالفقر: العجز عن الاكتساب.
فلو كان الولد صحيحاً بالغاً، قادراً على الاكتساب، لم تجب نفقته على أبيه، وإن لم يكن مكتسباً بالفعل.
فإن عاقه عن الاكتساب اشتغال بالعلم مثلاُ، فإنه ينظر:
فإن كان العلم متعلقاً بواجباته الشخصية: كأمور العقيدة، والعبادة، فذلك يُعدّ عجزاً عن الكسب، وتجب نفقته على أبيه.
أما إن كان العلم الذي يشتغل به من العلوم الكفائية التي يحتاج إليها المجتمع، كالطب، والصناعة، وغيرهما، فلا يخرج الولد بالاشتغال بها عن كونه قادراً على الكسب، والأب عندئذ مخيّر: بين أن يمكِّنه من العكوف على ذلك العلم الذي يشتغل به وينفق عليه، وبين أن يقطع عنه النفقة، ويلجئه بذلك إلى الكسب والعمل:
стр. 728
مقدار النفقة:
ليس لهذه النفقة حدّ تقدّر به إلا الكفاية، والكفاية تكون حسب العُرْف، ضمن طاقة المنفق، قال الله : ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق: ٧]
هل تصير هذه النفقة ديناً على الأصل إذا فات وقتها:
لا تصير نفقة الفروع بمضي الزمان ديناً على المنفق، لأنها مواساة من الأصل لفرعه، فهي ليست تمليكاً لحق معين، ولكنها تمكين له بدافع صلة القربى.
أي يتناول حاجته من النفقة، فإذا مرّت الحاجة، ولم يشأ أن يسّدها بما قد مكّنة الأصل منه، تعففاً، أو نسياناً، أو غير ذلك، فإن ذمّة أبيه لا يعقل أن تنشغل بدين لولده مقابل الحاجة التي تعفّف ولده عنها، أو شغل عنها، أو نسيها حتى فات وقتها.
هذا هو الأصل، وهو الحكم، عندما تكون الأمور بين الأولاد وأبيهم جارية على سَننها الطبيعي.
فأما إذا وقع خلاف، تدخل القاضي بسببه فيما بينهم، وفرض القاضي على الأب نفقة معينة، أو أذِنَ للأولاد أن يستقرضوا على ذمّة أبيهم ديناً معيناً من المال، أو القدر الذي يحتاجون إليه، فإن هذه النفقة تصبح ديناً بذمة الوالد، إذا فات وقتها، ولا تسقط بمضي الزمن، لأنها قد آلت، بحكم القاضي، إلى تمليك، بعد أن كانت مجرد مواساة وتمكين.
٣ـ نفقة الأصول على الفروع:
كما تجب نفقة الفروع على أصولهم بالأدلة والشروط التي أوضحناها.
كذلك تجب نفقة الأصول ـ أي الأب والأم، والجدّ والجدّة، وإن
стр. 729
علاَ كل منهما ـ على فروعهم، بناءً على الأدلة التالية، وطبقاً للشروط التي سنذكرها.
الأدلة على وجوب هذه النفقة:
ويستدل لوجوب النفقة على الأصول، بأدلة من الكتاب والسنّة، والقياس:
ـ أما من الكتاب: فقول الله : ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: ١٥] وقوله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: ٢٣].
والمعروف الذي يقدّمه الولد لوالديه، والإحسان الذي يحسنه إليهما، لا يكون إلاّ بنهوض الولد بمسؤولية نفقتهما عند الاحتياج.
ـ وأما من السنّة: فما رواه أبو داود (البيوع والإجارات، باب: في الرجل يأكل من مال ولده، رقم: (٣٥٢٨) والترمذي (الأحكام، باب: الوالد يأخذ من مال ولده، رقم:
(١٣٥٨) وغيرهما، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه ". وقال ﷺ : " أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم ".
رواه أبو داود (البيوع والإجازات، باب: في الرجل يأكل من مال ولده، رقم: ٣٥٣٠).
وروى النسائي (الزكاة، باب: أيّتهما اليد العليا: ٥/ ٦١) عن طارق المحاربي ﵁ قال: قَدِمت المدينة، فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب الناس، وهو يقول: " يد المُعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أُمك وأباك، وأُختك وأخاك، ثم أدناك أدناك ".
وروى أبو داود (الأدب، باب: في برِّ الوالدين، رقم: ٥١٤٠) عن
стр. 730
كليب بن منفعة عن جده ﵁: أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، مَن أبر؟ قال: " أُمك وأباك، وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب، ورحم موصولة ".
ـ أما دليل القياس والاجتهاد: فقياس الأصول على الفروع، إذ كما وجبت نفقة الفروع ـ عند العجز ـ على الأصول كذلك تجب نفقة الأصول عند العجز على الفروع، بجامع شيوع البعضية بينهما، وهي أساس القرابة التي هي ثابتة الأصول والفروع.
شروط وجوب نفقة الأصول على الفروع:
أولاً: أن يكون الفرع موسراً بما يزيد عن الضروري من نفقته، ونفقة زوجته، يومه وليلته، فلو كان الذي عنده من النفقة لا يكفي لأكثر من حاجته، وحاجة زوجته، مدة يوم وليلة، لم يكلّف الإنفاق على أبيه وأُمه، لأن نفقة الفقير لا تجب على فقير مثله، فإن أيسر بجزء من نفقتهما الضرورية تقدم بها إليهما، فإن ضاقت عنهما قدّم أمه على أبيه، ذلك لأن ما لا يدرك كله لا ينبغي أن يترك كله.
ثانياً: أن يكون الأصل فقيراً، والمراد بالفقر هنا: أن لا يكتسب ما يسدّ حاجته الضرورية، سواء كان قادراً على الكسب، أم لا. بخلاف ما مرّ الزمانة، أو الجنون، أي مع صفة العجز.
والفرق بينهما: أن الأصل لا يقبح منه تكليف الفرع القادر على الاكتساب.
ولكن الفرع يقبح منه أن يكلف أصله ـ الذي طالما اكتسب وجدّ من أجله ـ بالاكتساب، ولا سيما مع كبر السن.
ثالثاً: أن لا تكون الأم مكفيّة بنفقة زوجها فعلاً، أو حكماً. ومعنى
стр. 731
هذا الشرط: أن نفقة الأُم تجب على ولدها في حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون والده عاجزاً عن الإنفاق عليها.
الحالة الثانية: أن يكون والده متوفى، وهي خليّة على الزوج. وقدرتها على النكاح لا يلغي هذا الواجب أي يجب على ولدها أن ينفق عليها حتى ولو كان ثمّة كفء يتقدم بطلب الزواج منها.
كما أن معنى هذا الشرط أن نفقتها تسقط في حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون والده قادراً على الإنفاق عليها.
الحالة الثانية: أن تكون متزوجة من غير أبيه، سواء كان زوجها موسراً بنفقتها، أو مسعراً بها.
فإذا طالبت الأم في حالة إعسار زوجها بالفسخ، وفسخ النكاح، وجب حينئذ أن ينفق عليها ابنها.
لا تتأثر نفقة الفروع والأصول باختلاف الدين:
إذا لاحظت هذه الشروط، سواء ما شرط منها لنفقة الأصول على الفروع، وما شرط منها لنفقة الفروع على الأصول، أدركت أن وحدة الدين بين الأصول والفروع لا تعتبر شرطاً لوجوب هذه النفقة.
إذاً فإن وجوب هذه النفقة من الأصل والفرع، ومن الفرع للأصل لا يتأثر باختلاف الدين].
فيكلف الولد المسلم بالإنفاق على والديه غير المسلمين، ويكلُف الوالد المسلم بالإنفاق على أولاده غير المسلمين، إذا تحققت باقي الشروط التي ذكرناها.
ولكن يستثنى من ذلك المرتد، فلا تجري النفقة عليه، سواء كان أصلاً للمنفق، أو فرعاً له.
стр. 732
ودليل جواز النفقة على الأصل، ولو كان مشركاً: ما رواه البخاري (الأب، باب: صلة الوالد المشرك، رقم: ٥٦٣٣)، ومسلم (الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين ... ، رقم: ١٠٠٣) وغيره عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: قدمت عليّ أُمي، وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهَدَهُم، فاستفتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، قدمت عليّ أمي، وهي راغبة، أفأصلُ أمي؟ قال: " نعم، صِلِي أُمك ".
[وهي راغبة: أي راغبة بالصلة، أو راغبة عن الإسلام. في عهد قريش: أي ما بين صلح الحديبية وفتح مكة].
مقدار نفقة الأصول على الفروع:
هذه النفقة أيضا ليست مقّدرة بحد معين، وإنما هي مقدرة بالعرف المتبع.
وهي أيضاً لا تصبح ديناً في ذمة الفرع إذا مرّ وقتها، ولم يتمتع الأصل بها. إلا إذا وقع خلاف بين الأصل والفرع، ففرض القاضي بموجبه جراية معينة على الفرع، فإنها تصبح حينئذ ـ كما قلنا سالفاً ـ ديناً في ذمته بمرور الوقت.
ترتيب الأصول والفروع في الإنفاق:
إذا كان الوالدين فقيرين، وكان لهما فروع، واستووا في القُرب، أنفقوا عليهما، لأن عّلة إيجاب النفقة تشملهم جميعاً. وتكون حصة الأُنثى من النفقة كنصف حصة الذكر، كالإرث. وإن اختلفوا في درجة القُرب، كابن، وابن ابن، فإن النفقة إنما تجب على الأقرب، وارثاً كان أو غير وارث، ذَكَراً كان أو أُنثى، لأن القُرْب أولى بالاعتبار.
ومَن كان فقيراً، وله أبوان موسران فنفقته على الأب، لأنه هو
стр. 733
المكلف بالإنفاق على ولده الصغير، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
وأما نفقة على الكبير الفقير، فاستصحاباً لما كان في الصغر. ومن كان فقيراً، وله أًصل وفرع غنيّان، قدم الفرع في وجوب النفقة، وإن بعد، لأن عصوبة الفرع أقوى من عصوبة الأصل، وهو أولى بالقيام بشأن أبيه، لعظم حرمته.
وإذا تعدّد المحتاجون من أُصول وفروع وغيرهم، وكان ما يفضل عن حاجته لا يتسع لنفقة جميعهم، فإنه يقدّم بعضهم على بعض وفق الترتيب التالي:
يقدم بعد نفسه:
أـ زوجته، لأن نفقتها آكد، فإنها لا تسقط بمضي الزمان، بخلاف نفقة الأصول والفروع، فإنها تسقط بمضي الوقت، كما ذكرنا سابقاً.
ب ـ ولده الصغير، ومثله البالغ المجنون، وذلك لشدّة عجزهما عن الكسب.
ج ـ الأُم، لعجزها أيضاً، ولتأكيد حقها بالحمل والوضع، والإرضاع والتربية.
د ـ الأب، لعظيم فضله أيضاً.
هـ ـ الابن الكبير الفقير، لقربه من أبيه، وللقرب مزية فضيلة.
وـ الجد وإن علا، لأن حرمته من حرمة الأب، وهو أصل تجب رعاية حقوقه.
٤ـ نفقة الزوجة على الزوج:
تجب نفقة الزوجة على الزوج بالإجماع، بشرط معينة سنذكرها، فيما بعد.
стр. 734
دليل وجوب هذه النفقة على الزوج:
ويستدل لوجوب نفقة الزوجة على الزوج: بالكتاب، والسنّة.
أما دليل الكتاب: فقول الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
فقد دلّت هذه الآية على أن الزوج هو المسئول عن النفقة. وقوله الله :
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
والمولود له في الآية هو الزوج، والضميري في ﴿رِزْقُهُنَّ﴾ عائد إلى الوالدات، وهن الزوجات.
والمعنى إذاً: وعلى الأزواج تَجِب نفقة الزوجات.
وأما دليل السنة: فما رواه مسلم (الحج، باب: حجة النبي ﷺ ، رقم: ١٢١٨) عن جابر ﵁ في حديث حجة الوداع الطويل:
قال رسول الله ﷺ : " فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله ".
الحكمة من إيجاب نفقة الزوجة على الزوج:
إن الحياة الزوجية لابُدّ أن تنهض على أحد أُسس ثلاثة:
الأساس الأول: أن يتولى الزوج الإشراف على بيت الزوجية، وأن يكون هو المسئول عن النفقة على الزوجة والأولاد.
стр. 735
الأساس الثاني: أن تتولى الزوجة ذلك كله بدلاً من الزوج.
الأساس الثالث: أن يتعاون الزوجان في النهوض بالمسئوليات المادية، وتقديم النفقة.
فما الذي يحدث لو استبعدنا الأساس الأول: الذي هو حكم الشريعة الإسلامية، واستعضنا عنه بأحد الأساسين الثاني، أو الثالث؟.
تحدث عندئذ مجموعة النتائج التالية:
الأول: لابد أن ينعكس ذلك على المهر أيضاً.
فأما أن تتقدم المرأة بالمهر كله إلى الرجل، أو أن يلزما بالاشتراك في تقديمه.
ومن النتائج الحتمية لهذا الواقع أن تتحول المرأة، فتصبح طالبة للزوج بعد أن شرّفها الله ، فجعلها مطلوبة. ذلك لأن الذي يتقدم بالمال يكون هو الطالب لمن يأخذ المال. وإذا أصبحت الزوجة هي الساعية بحثاً عن زوجها، فإنها لن تعثر على الزوج الذي تستطيع أن تركن إليه، حتى تسقط السقطات المتتالية، بخِداع الرجال، وأكاذيبهم عليها.
ثانياً: لابدّ أن تتجه المرأة هي الأخرى إلى سبل الكدح، والعمل من أجل الرزق، وأن تناكب الرجال سعياً وراء الأعمال المختلفة.
وإذا فعلت المرأة ذلك، أصبحت ـ لا محالة ـ عرضة للسوء والانحراف.
والواقع المشاهد أكبر دليل على ذلك.
كما أن البيت يعوزه عندئذ مَن يدبر شأنه، ويرعى حاله، ويربي صغاره، إذ يصبح عندئذ فارغاً موحشاً، ومصدراً للفوضى، والقلق والاضطراب بدلاً من أن يكون موئلا للسعادة، ومنبعاً للأنس وملجأ للراحة والاستجمام.
стр. 736
والواقع المشاهد أيضاً أكبر دليل على ذلك.
ثالثاً: إذا قامت الحياة الزوجية على أحد من الأساسين المذكورين، فلا بد أن يكون حق الطلاق بيدها، على سبيل المشاركة، أو الاستقلال. ذلك لأن القانون الاقتصادي والاجتماعي يقول: (مَن ينفق يشرف).
وقد علمت في باب الطلاق الحكمة الباهرة من كون الطلاق ـ في أعم الأحوال ـ حقا للزوج.
فمن أجل أن يكون كل من الزوجين عنصر إسعاد للآخر، ومن أجل أن يكون بيت الزوجية عامراً بالرعاية والتهذيب والأنس، ومن أجل أن تظل المرأة عزيزة يطلبها الرجال، ولا تصبح مهينة تلحق الرجال، وهو عنها مُعرض، أو لها مُخادع. من أجل ذلك كله كان الإنفاق على بيت الزوجية واجباً على الزوج دون الزوجة.
شروط وجوب نفقة الزوجة على الزوج:
إنما تجب نفقة الزوجة على الزوج بالشروط التالية:
أولاً: تمكين الزوجة نفسها من الزوج، بأن لا تمنعه من وجوه الاستمتاع المشروع بها. فلو منعته، ولو عن بعض ذلك فقط، لم تجب نفقتها على الزوج.
أما إن أرادها على وجه مُحرّم من الاستمتاع، كأن أراد أن يأتيها وهي في المحيض، فإن امتناعها لا يسقط حقّها في النفقة عليها.
ثانياً: أن تتبعه في المكان والبيت الذي يختاره، ويستقر فيه، ما لم يكن المكان أو البيت غير صالح للسكن، أو البقاء فيه شرعاً. فلو كان يقيم في بلدة لا يلحقها ضرر شرعي صحيح بالإقامة معه فيها، أو في بيت مستوف للشروط الشرعية المعتبرة، ولم تقبل بالإقامة معه فيها، أو في بيت مستوف للشروط الشرعية المعتبرة، ولم تقبل بالإقامة معه في تلك البلدة، أو ذلك المنزل، لم يكلّف بالإنفاق عليها، لأنها تُعدّ ناشزة حينئذ.
стр. 737
إذا توفرت هذه الشروط وجب على الزوج أن يقدّم للزوجة جميع النفقات التي تحتاجها، مما سيأتي تفصيله. وبذلك تعلم أن النفقة لا تجب على الزوج لمجرد العقد وحده.
النفقة على الزوجة تقدّر حسب حال الزوج:
اعلم أن النفقة على الزوجة مقدّرة، ولكنها تتفاوت كّماِّ ونوعاً، حسب تفاوت حال الزوج، في العسر والُيسر.
أما اختلاف حال الزوجة في ذلك فلا أثر له في هذا التفاوت.
ذلك لأن التفاوت إنما يخضع لنسبة الاستطاعة، وهي عائدة إلى حال المنفق، لا إلى حال المنفق عليه.
والدليل على هذا: قول الله : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق: ٧]
فقد جعل ميزان الإنفاق تابعاً إلى حالة الزوج سعة وضيقاً، لا إلى مستوى الزوجة ومكانتها. إذا عرفت هذا، فاعلم أن حالة الزوج تصنّف شرعاً ضمن ثلاث درجات:
١ـ درجة اليُسْر: (الغنى). ٢ـ درجة التوسط. ٣ـ درجة الفقر.
والعُرف العام هو المحكم في تحديد ما يكون الإنسان به موسراً، أو متوسط الحال، أو فقيراً.
أـ فأما الزوج الموسر، فيكلف من النفقة ما يلي:
أولاً: ما يساوي مد (حفنتين كبيرتين) كل يوم غالب قوت البلد التي هي فيها، مع تكلفة طحنه وخبزه، وما يتبع ذلك، أو يقدم ذلك خبزاً جاهزاً.
стр. 738
ثانياً: يقدم من الأدم ما اعتاده أهل تلك البلدة، وما يقدّمه عادة أمثاله من أهل اليُسْر والغنى.
وقد أطال الفقهاء في تفصيل ذلك، ولكن المدار فيه على كل حال إنما هو عرف أهل البلدة.
ثالثاً: الكسوة اللائقة بزوجات الموسرين في تلك البلدة، ويظهر أثر العُرف في الكسوة، في نوعها جودة ورداءة، أما العدد والكمية، فإنما يتبع ذلك الحاجة لا العُرْف. ويدخل في حكم الكسوة ما يتبعها من أثاث وفراش، وأدوات مطبخ ونحو ذلك.
واعلم أن دليل العُرْف في ذلك كله، هو قول الله : ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ب ـ أما الزوج المتوسط فيكلف من النفقة بما يلي:
أولاً: ما يساوي مدّاً ونصف مدّ من غالب قوت البلد التي هي فيه كل يوم.
مع مراعاة ما ذكرنا بالنسبة لحال الموسر.
ثانياً: الأدم الذي جرت به عادة أهل تلك البلدة بالنسبة لأوساط الناس، نوعاً وكماً.
ثالثاً: الكسوة اللائقة لزوجات أمثاله في ذلك المكان، وما يتبعها من بقية حاجات المنزل المختلفة.
ج ـ أما الزوج الفقير فيكلّف من النفقة بما يلي:
أولاً: ما يساوي مدّاً واحداً من غالب قوت البلد كل يوم.
ثانياً: الأدم الذي جرت به عادة الفقراء على اختلافه في تلك البلدة.
ثالثاً: الكسوة اللائقة لزوجات أمثاله في ذلك المكان.
стр. 739
ويستدل لمراعاة حال الزوج في كل ما سبق بما رواه أبو داود (النكاح، باب: في حق المرأة على زوجها، رقم ٢١٤٤) عن معاوية القشيري ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ما تقول في نسائنا. قال:: " أطعموهنّ مما تأكلون، واكسوهنّ مما تكتسون، ولا تضربوهنّ، ولا تقبِّحوهنّ.
مما يدخل في نفقة الزوجة إضافة لما سبق:
ويدخل في نفقة الزوجة على اختلاف حال الزوج إضافة لما سبق ما يلي:
أولاً: منزل مناسب لحال الزوج يسكن في زوجته، على أن تتوفر فيه الضرورات التي لابدّ منها.
ثانياً: كلّ ما لابدّ منه للنظافة والتنزه من الأدران والأوساخ، وأدوات الزينة، إذا كان الزوج طالباً منها أو تتزين له.
ثالثاً: الخادم إذا كانت الزوجة ممّن يخدم مثلها في بيت أبيها، سواء كان الزوج موسراً، أو متوسط الحال، أ, كان فقيراً، فيجب عليه أن يقدم لها مَن يخدمها بالقدر الذي تندفع به الحاجة.
وينبغي أن يكون هذا الخادم أُنثى، أو طفلاً مميزاً غير بالغ، أو محرماً لها. وأُجره هذا الخادم إنما هي على الزوج.
هل نفقة الزوجة تمليك أم تمكين؟
لقد عرفت الفرق بين التمليك والتمكين، عند حديثنا عن نفقة الأصول على الفروع، ونفقة الفروع على الأصول.
ونقول الآن:
إذا كانت الزوجة تأكل مع زوجها ـ كما هي الغالبة في أيامنا ـ وتسكن معه دون أن يتفقا على قدر معين من القوت والأدم، يلتزم به
стр. 740
الزوج، فهذه النفقة، تُعد من قبيل التمكين، لا التمليك، وتسقط بمضي الزمن.
ـ أما إذا كانت الزوجة قد اتفقت مع زوجها على قدر معين من النفقة يُجريه عليها، أو كان القاضي قد ألزمه بقدر معين من النفقة لها، فهي عندئذ مقدّرة، تطالب بها، حتى بعد مرور وقتها، لأنها تُعدّ ـ والحالة هذه ـ من قبيل التمليك، لا التمكين، ولها أن تعتاض عنها بما تحب.
أثر العُرْف في تقدير النفقة:
مما سبق تعلم أن القوت الأساسي الذي لابدّ منه في الطعام، لا أثر للعْرف في تقدير كميته.
وإنما هو محدّد ـ كما علمت ـ في سائر الظروف والأحوال:
بمدّين، للموسر.
ومدّ ونصف المدّ، للمتوسط.
ومدّ واحد، للفقير.
يقدّمه كل منهم لزوجته خبزاً، أو حبّاً مع تقديم كلفة طحنه وخبزه.
وذلك لأن قوت ضروري لا يتأثر باختلاف العُرْف.
أما ما زاد عليه من الأدم والكساء ونحوهما، فإنما يحدده العرف، أي العُرف السائد في تلك البلدة، في ذلك العصر، بشرط أن لا يكون العُرف مخالفاً لشيء من الأحكام الشرعية.
فلا أثر لعُرف يقضي بالبذخ والتبذير بالنسبة لبعض النفقات، أو بالنظر لبعض المناسبات، كما هو واقع، وكثير، ومرهق في هذه الأزمان.
ما يترتب على إعسار الزوج بالنفقة:
إذا أعسر الزوج، فإن كان إعبساره نزولاً عن درجة اليُسْر إلى الدرجة
следующие страницы →