والواقع المشاهد أيضاً أكبر دليل على ذلك.
ثالثاً: إذا قامت الحياة الزوجية على أحد من الأساسين المذكورين، فلا بد أن يكون حق الطلاق بيدها، على سبيل المشاركة، أو الاستقلال. ذلك لأن القانون الاقتصادي والاجتماعي يقول: (مَن ينفق يشرف).
وقد علمت في باب الطلاق الحكمة الباهرة من كون الطلاق ـ في أعم الأحوال ـ حقا للزوج.
فمن أجل أن يكون كل من الزوجين عنصر إسعاد للآخر، ومن أجل أن يكون بيت الزوجية عامراً بالرعاية والتهذيب والأنس، ومن أجل أن تظل المرأة عزيزة يطلبها الرجال، ولا تصبح مهينة تلحق الرجال، وهو عنها مُعرض، أو لها مُخادع. من أجل ذلك كله كان الإنفاق على بيت الزوجية واجباً على الزوج دون الزوجة.
شروط وجوب نفقة الزوجة على الزوج:
إنما تجب نفقة الزوجة على الزوج بالشروط التالية:
أولاً: تمكين الزوجة نفسها من الزوج، بأن لا تمنعه من وجوه الاستمتاع المشروع بها. فلو منعته، ولو عن بعض ذلك فقط، لم تجب نفقتها على الزوج.
أما إن أرادها على وجه مُحرّم من الاستمتاع، كأن أراد أن يأتيها وهي في المحيض، فإن امتناعها لا يسقط حقّها في النفقة عليها.
ثانياً: أن تتبعه في المكان والبيت الذي يختاره، ويستقر فيه، ما لم يكن المكان أو البيت غير صالح للسكن، أو البقاء فيه شرعاً. فلو كان يقيم في بلدة لا يلحقها ضرر شرعي صحيح بالإقامة معه فيها، أو في بيت مستوف للشروط الشرعية المعتبرة، ولم تقبل بالإقامة معه فيها، أو في بيت مستوف للشروط الشرعية المعتبرة، ولم تقبل بالإقامة معه في تلك البلدة، أو ذلك المنزل، لم يكلّف بالإنفاق عليها، لأنها تُعدّ ناشزة حينئذ.
стр. 737
إذا توفرت هذه الشروط وجب على الزوج أن يقدّم للزوجة جميع النفقات التي تحتاجها، مما سيأتي تفصيله. وبذلك تعلم أن النفقة لا تجب على الزوج لمجرد العقد وحده.
النفقة على الزوجة تقدّر حسب حال الزوج:
اعلم أن النفقة على الزوجة مقدّرة، ولكنها تتفاوت كّماِّ ونوعاً، حسب تفاوت حال الزوج، في العسر والُيسر.
أما اختلاف حال الزوجة في ذلك فلا أثر له في هذا التفاوت.
ذلك لأن التفاوت إنما يخضع لنسبة الاستطاعة، وهي عائدة إلى حال المنفق، لا إلى حال المنفق عليه.
والدليل على هذا: قول الله : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق: ٧]
فقد جعل ميزان الإنفاق تابعاً إلى حالة الزوج سعة وضيقاً، لا إلى مستوى الزوجة ومكانتها. إذا عرفت هذا، فاعلم أن حالة الزوج تصنّف شرعاً ضمن ثلاث درجات:
١ـ درجة اليُسْر: (الغنى). ٢ـ درجة التوسط. ٣ـ درجة الفقر.
والعُرف العام هو المحكم في تحديد ما يكون الإنسان به موسراً، أو متوسط الحال، أو فقيراً.
أـ فأما الزوج الموسر، فيكلف من النفقة ما يلي:
أولاً: ما يساوي مد (حفنتين كبيرتين) كل يوم غالب قوت البلد التي هي فيها، مع تكلفة طحنه وخبزه، وما يتبع ذلك، أو يقدم ذلك خبزاً جاهزاً.
стр. 738
ثانياً: يقدم من الأدم ما اعتاده أهل تلك البلدة، وما يقدّمه عادة أمثاله من أهل اليُسْر والغنى.
وقد أطال الفقهاء في تفصيل ذلك، ولكن المدار فيه على كل حال إنما هو عرف أهل البلدة.
ثالثاً: الكسوة اللائقة بزوجات الموسرين في تلك البلدة، ويظهر أثر العُرف في الكسوة، في نوعها جودة ورداءة، أما العدد والكمية، فإنما يتبع ذلك الحاجة لا العُرْف. ويدخل في حكم الكسوة ما يتبعها من أثاث وفراش، وأدوات مطبخ ونحو ذلك.
واعلم أن دليل العُرْف في ذلك كله، هو قول الله : ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ب ـ أما الزوج المتوسط فيكلف من النفقة بما يلي:
أولاً: ما يساوي مدّاً ونصف مدّ من غالب قوت البلد التي هي فيه كل يوم.
مع مراعاة ما ذكرنا بالنسبة لحال الموسر.
ثانياً: الأدم الذي جرت به عادة أهل تلك البلدة بالنسبة لأوساط الناس، نوعاً وكماً.
ثالثاً: الكسوة اللائقة لزوجات أمثاله في ذلك المكان، وما يتبعها من بقية حاجات المنزل المختلفة.
ج ـ أما الزوج الفقير فيكلّف من النفقة بما يلي:
أولاً: ما يساوي مدّاً واحداً من غالب قوت البلد كل يوم.
ثانياً: الأدم الذي جرت به عادة الفقراء على اختلافه في تلك البلدة.
ثالثاً: الكسوة اللائقة لزوجات أمثاله في ذلك المكان.
стр. 739
ويستدل لمراعاة حال الزوج في كل ما سبق بما رواه أبو داود (النكاح، باب: في حق المرأة على زوجها، رقم ٢١٤٤) عن معاوية القشيري ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ما تقول في نسائنا. قال:: " أطعموهنّ مما تأكلون، واكسوهنّ مما تكتسون، ولا تضربوهنّ، ولا تقبِّحوهنّ.
مما يدخل في نفقة الزوجة إضافة لما سبق:
ويدخل في نفقة الزوجة على اختلاف حال الزوج إضافة لما سبق ما يلي:
أولاً: منزل مناسب لحال الزوج يسكن في زوجته، على أن تتوفر فيه الضرورات التي لابدّ منها.
ثانياً: كلّ ما لابدّ منه للنظافة والتنزه من الأدران والأوساخ، وأدوات الزينة، إذا كان الزوج طالباً منها أو تتزين له.
ثالثاً: الخادم إذا كانت الزوجة ممّن يخدم مثلها في بيت أبيها، سواء كان الزوج موسراً، أو متوسط الحال، أ, كان فقيراً، فيجب عليه أن يقدم لها مَن يخدمها بالقدر الذي تندفع به الحاجة.
وينبغي أن يكون هذا الخادم أُنثى، أو طفلاً مميزاً غير بالغ، أو محرماً لها. وأُجره هذا الخادم إنما هي على الزوج.
هل نفقة الزوجة تمليك أم تمكين؟
لقد عرفت الفرق بين التمليك والتمكين، عند حديثنا عن نفقة الأصول على الفروع، ونفقة الفروع على الأصول.
ونقول الآن:
إذا كانت الزوجة تأكل مع زوجها ـ كما هي الغالبة في أيامنا ـ وتسكن معه دون أن يتفقا على قدر معين من القوت والأدم، يلتزم به
стр. 740
الزوج، فهذه النفقة، تُعد من قبيل التمكين، لا التمليك، وتسقط بمضي الزمن.
ـ أما إذا كانت الزوجة قد اتفقت مع زوجها على قدر معين من النفقة يُجريه عليها، أو كان القاضي قد ألزمه بقدر معين من النفقة لها، فهي عندئذ مقدّرة، تطالب بها، حتى بعد مرور وقتها، لأنها تُعدّ ـ والحالة هذه ـ من قبيل التمليك، لا التمكين، ولها أن تعتاض عنها بما تحب.
أثر العُرْف في تقدير النفقة:
مما سبق تعلم أن القوت الأساسي الذي لابدّ منه في الطعام، لا أثر للعْرف في تقدير كميته.
وإنما هو محدّد ـ كما علمت ـ في سائر الظروف والأحوال:
بمدّين، للموسر.
ومدّ ونصف المدّ، للمتوسط.
ومدّ واحد، للفقير.
يقدّمه كل منهم لزوجته خبزاً، أو حبّاً مع تقديم كلفة طحنه وخبزه.
وذلك لأن قوت ضروري لا يتأثر باختلاف العُرْف.
أما ما زاد عليه من الأدم والكساء ونحوهما، فإنما يحدده العرف، أي العُرف السائد في تلك البلدة، في ذلك العصر، بشرط أن لا يكون العُرف مخالفاً لشيء من الأحكام الشرعية.
فلا أثر لعُرف يقضي بالبذخ والتبذير بالنسبة لبعض النفقات، أو بالنظر لبعض المناسبات، كما هو واقع، وكثير، ومرهق في هذه الأزمان.
ما يترتب على إعسار الزوج بالنفقة:
إذا أعسر الزوج، فإن كان إعبساره نزولاً عن درجة اليُسْر إلى الدرجة
стр. 741
الوسطى، أو إلى الدرجة الدنيا، وهي درجة الفقر، فلا يترتب على هذا الإعسار شيء، وتلزم بمتابعته، والرضا بحالته التي آل إليها أمره.
أما إذا أعسر الزوج حتى عن نفقة الدرجة الثالثة بكاملها، فللزوجة عندئذ أن تُطالب بفسخ النكاح.
وإذا طلبت ذلك وجب على القاضي أن يلبّي طلبها ويفرّق بينهما، ولكن يجب أن يكون ذلك، بعد عجز الزوج عن النفقة بثلاثة أيام على أقل تقدير، لكي يتحقق عجزه، إذ قد يكون العجز لعارض، ثم يزول.
روى الدارقطني (في النكاح، باب: المهر: ٣/ ٢٩٧) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته: " يفرّق بينهما ".
وإذا رضيت بالبقاء مع زوجها على عجزه، فلها أن تطلب فسخ النكاح بعد ذلك، لأن الضرر بعجز الزوج عن النفقة بتجدّد كل يوم، ولكل يوم حكم مستقل.
ولكن لا يجوز لها الفسخ إذا أعسر ببعض نفقة الدرجة الثالثة، كأن أعسر عن تقديم الأدم، لأنه تابع، وبالإمكان أن تقوم النفس بدونه، أو كأن عجز عن نفقة الخادم، لأن الخدمة من المكمِّلات التي يمكن للبدن أن يقوم بدونها.
أما إذا أعسر بمجموع نفقة هذه الدرجة، فعندئذ يحقّ لها أن تطلب الفسخ.
٥ـ نفقات أخرى:
هذا ويكلّف الإنسان بنفقات أخرى ـ غير ما ذكر ـ وذلك نحو ممتلكاته، التي يملكها:
أولاً نفقة البهائم:
تنقسم البهائم إلى الأصناف الثلاثة التالية:
стр. 742
١ـ بهائم مأكولة.
٢ـ بهائم محترمة غير مأكولة.
٣ـ بهائم غير محترمة.
الصنف الأول (البهائم المأكولة):
وهذا الصنف، كالأنعام ونحوها من كل ما هو مأكول، يخيّر مالكها بين أن يعلفها، ويسقيها، بما يحفظ عليها حياتها بشكل سوي، وبين أن يذبحها للأكل، أو أن يبيعها، أو يهبها للآخرين، فإن لم يذبح، أو لم يفعل شيئاً غير الذبح مما ذكر، فإنه يجبر على نفقتها من علف وسقي، بالقدر الكافي لحفظ حياتها، فإن لم يفعل أُجبر على بيعها، فإن لم يفعل بِيعت عليه غضباً.
الصنف الثاني (البهائم المحترمة غير المأكولة):
وهذه البهائم المحترمة، ككلب صيد غير عقور، وهرّة، وصقر، ونحل، ودود قز، ونحو ذلك، فإن مالكها يلزم ببيعها، فإن لم يفعل، أو لم يوجد مَن يشتريها، وجب عليه أن يدفعها لمن قد ينتفع بها، صوناً لها عن الهلاك.
الصنف الثالث (البهائم غير المحترمة):
وهذه البهائم غير المحترمة، كالكلب العقور، ومختلف الحيوانات المؤذية، فلا يلزم الإنسان بشيء مما ذكرنا نحوها، إذ لا حَرَج في قتلها ما دامت كذلك.
الدليل على نفقة الحيوانات المحترمة، والمأكولة:
ويستدل لذلك كله بحديث مسلم (البرَ والصلة والآدب، باب: تحريم تعذيب الهرة ونحوها ... ، رقم: ٢٦١٩) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " دخلت امرأة النار في هرّة، ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خَشَاش الأرض، حتى ماتت
стр. 743
هزلاً " وأخرجه البخاري (المساقاة، باب سقي الماء، رقم: ٢٢٣٦)، ومسلم (السلام، باب: تحريم قتل الهرة، رقم: ٢٢٤٢) والهرّة مثال لكل حيوان محترم، مأكولاً كان أو غير مأكول، ويخرج بذلك ما هو غير محترم، كالفواسق الخمس التي ذكرت في الحديث.
روى البخاري (الإحصار وجزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، رقم: ١٧٣٢)، ومسلم (الحج، باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب ... ، رقم: ١١٩٨) وغيرها عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: " خمس فواسق، يقتلن في الحلّ والحرم: الحيّة، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحُديَّا ".
[فواسق: الفاسق: الخارج عن الطاعة، وسميت هذه الدواب الخمس فواسق، لخروجها بالإيذاء والإفساد عن طريق معظم الدواب.
الغراب الأبقع: هو الذي في ظهره وبطنه بياض. الحُديّا: تصغير: الحدأة، وهو طائر خبيث، بله هو أخس الطير، يخطف الأفراخ، وصغار أولاد الكلاب].
ثانياً: نفقة الزروع والأشجار:
والمقصود بنفقة الزروع والأشجار، سقيها ورعايتها، فإن لم يكن بصاحبها رغبة في اقتلاعها، لعمارة، ونحوها، فإنه ينبغي عليه سقيها ورعايتها، لأن إهمالها يدخل في دائرة إضاعة المال، بدون مسوَّغ شرعي، وهو لا يجوز.
أما إذا كان يريد اقتلاع الشجر أو الزرع ليستفيد منهما، أو ليستفيد من الأرض في عمارة، أو نحوها، فإن له قطع الأشجار والزرع، أو إهمالها إلى أن ييبسا، لأن له في ذلك غرضاً شرعياً سليماً.
والله أعلم ..
стр. 744
رَابعاً: الحَصَاَنة وَأَحْكَامُهَا
стр. 745
الحَضَاَنة:
تعريف الحصانة:
الحصانة لغة: مأخوذة من الحِضْن، وهو الجنب، لأن الحاضنة من شأنها أن تردّ المحضون إلى جنبها.
والحضانة في اصطلاح الشريعة الإسلامية: هي حفظ مَن لا يستقل بأمر نفسه، ... وتربيته بمختلف وجوه التنمية والإصلاح، وتنتهي بالنسبة للصغير إلى سن التمييز.
أما رعايته بعد ذلك إلى سن البلوغ، فتسمى: كفالة، لا حضانة.
حكمة مشروعية الحضانة:
إن الحكمة من مشروعية الحضانة، إنما هي تنظيم المسؤوليات المتعلقة برعاية الصغار، وتربيتهم.
إذ ربما تفارق الزوجان، أو اختلفاً، أو تعاسرا فيما يتعلق بالنظر لتربية صغارهما.
فلو ترك الأمر لما ينتهي إليه شقاقهما، أو لما يقرره المتغلب من الطرفين في الخصومة، كان في ذلك ظلم كبير للصغار، وإهدار لمصلحتهم. وربما كان في ذلك رج بهم في أسباب الشقاء والهلاك.
لذلك كان لابدّ من وضع ضوابط تحدد أصناف المسؤولين عن
стр. 746
حضانة الصغار، ورعايتهم، وتصنفهم حسب الأولوية، بحيث لا تتأثر مصلحة الصغار، بأيّ شقاق، أو خلاف يقع بين أولياء أُمورهم.
من هو الأحق بالحضانة؟
إذا فارق الرجل زوجته، وكان له منها ولد، ذكر أو أنثى، وكان دون سن التمييز، فإن الأم أحق من الأدب بحضانته.
أسباب تقديم الأم في الحضانة على الأب:
إن الأم أحق بالحضانة من الأب، للأسباب التالية:
١ـ لوفور شفقتها، وصبرها على أعباء الرعاية والتربية.
٢ـ لأنها ألين بحضانة الأطفال، ورعايتهم، وأقدر على بذل ما يحتاجون إليه من العاطفة والحنو.
الدليل على حق الأُم في الحضانة:
والدليل على أن الحضانة من حق الأُم، وأن حقها مقدّم على حق الأب في ذلك: ما رواه أبو داود (الطلاق، باب: مَن أحقّ بالولد، رقم: ٢٢٧٦) عن عبدالله بن عمرو ﵁: أن رسول الله ﷺ ، جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا، كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحجري له حواءً، وإن أباه طلّقني، وأراد أن ينزعه منّي، فقال لها رسول الله ﷺ : " أنت أحق به ما لم تنكحي ".
[حواء: الحواء اسم للمكان الذي يحوي الشيء ويضمه].
مَن أحقّ بالحضانة بعد الأم؟
إذا لم توجد أم الطفل، أو وجدت، ولكنها رفضت أن تحضنه، كان الحق في الحضانة لمن بعد الأُم، وكانت الأفضلية لأم الأم. والمقصود بها: جدّة تدلي إلى الطفل بأنثى، تقدّم القربى، فالقربى.
ثم لأم الأب. ثم أُمهاتها، تقدم القربى فالقربى.
ثم للأخت الشقيقة. ثم للأخت من الأب. ثم للأخت من الأم.
стр. 747
ثم الخالة. ثم العمّة.
ثم بنات الأخ، ثم بنات الأُخت.
الحكمة في تقديم الإناث في الحضانة:
والحكمة في هذا التقديم للإناث في حق الحضانة هي ما قلناه في الأُم، فإن الإناث غالباً ما يكن ألين بحضانة الأطفال، ورعايتهم، وأصبر على مشاكلهم، وأقدر على بذل ما يحتاجون إليه من الحنو والعاطفة.
حضانة الرجال:
قلنا إن حق النساء في الحضانة مقدّم، لأنهن أليق بها، ولكن إذا لم يكن هناك امرأة قريبة للطفل، أو كانت، وأبت أن تحضنه، فهل ينتقل هذا الحق إلى الرجال؟ نعم ينتقل حق الحضانة إلى الرجال، فيقدّم منهم المحرم الوارث، على ترتيب الإرث، إلا الجد فإنه يقدّم على الإخوة، ثم الوارث غير المحرم، على ترتيب الإرث أيضاً. فيقدم:
الأب، ثم الجد، وإن علا.
ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، فابن الأخ لأب، ثم العمّ الشقيق، ثم العم لأب. ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب.
وإنما قدّم الأقرب فالأقرب في حق الحضانة، لأن الأقرب أوفر شفقة على الغالب من الأبعد، وأكثر حرصاً على حق الرعاية، وحُسن التربية؛ ومصلحة الصغار.
اجتماع الرجال والنساء من أقرباء الأطفال:
إذا اجتمع ذكور وإناث من أقارب الطفل، وتنازعوا في الحضانة، قدّمت:
الأم، لحديث أبي داود السابق، ولأنها ـ كما قلنا ـ أوفرهم شفقة على الطفل.
стр. 748
ثم أُمهات الأم، المدليات بإناث، كما ذكرنا، لأنهنّ في معنى الأم في الشفقة، تقدم القربى، فالقربى.
ثم يقدّم الأب، لأنه الأصل.
ثم الجدّة أُم الأب، ثم الجد أبو الأب.
ثم الأخت الشقيقة، ثم الأخ الشقيق، وهكذا.
فإذا استووا في القرب، وكانوا ذكوراً وإناثاً: كإخوة أشقاء وأخوات شقيقات، قدّم الإناث على الذكور، لما قلنا، من أن الحضانة بهنّ أليق، وهنّ لها أفضل.
وإن كانوا ذكوراً فقط، أو كنّ إناثاً فقط، وتنازعوا في الحضانة، أقرع بينهم، فأيّهم خرجت قرعته، سُلَّم إليه الطفل.
إلى متى تستمر الحضانة للطفل:
تستمر فترة الحضانة شرعاً إلى أن تتكامل في الطفل التمييز، والمقصود بالتمييز أن يستقل الطفل بشؤونه الخاصة، دون الحاجة إلى معونة أحد.
والمراد بشؤونه الخاصة: تناول الطعام والشراب، وقضاء الحاجة، والتنزّه من الأدران، والقيام بأعمال الطهارة، من وضوء ونحوه. وقد حدّد سن التمييز بسبع سنين، إذ يتكامل التمييز عنده غالباً. فإذا أتمّ الطفل السابعة من عمره، وكان مميزاً، فإن مدّة الحضانة تنتهي عند ذلك.
وتبدأ مرحلة أخرى من الرعاية تسمي: كفالة.
فإذا أتمّ الطفل، سن السابعة، وكان مميزاً، فإنه يخيّر إذ ذاك بين أبويه، فأيّهما اختار سلّم إليه.
ودليل ذلك: ما رواه الترمذي (الأحكام، باب: ما جاء في تخيير
стр. 749
الغلام بين أبويه إذا اقترفا، رقم ١٣٥٧) عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ خير غلاماً بين أبيه وأمه.
وفي رواية عند أبي داود (الطلاق، باب: مَن أحق بالولد، رقم: ٢٢٧٧) وغيره: أن امرأة جاءت، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني. فقال رسول الله ﷺ : " استهما عليه " فقال زوجها: من يحاقني في ولدي،
فقال النبي ﷺ " هذا أبوك، وهذه أُمك، فخذ بيد أيّهما شئت " فأخذ بيد أُمه، فانطلقت به.
[بئر أبي عنبة: بئر معين، والظاهر أنه كان في مكان بعيد. وهي تغني: أن ولدها قد كبر، وأصبح يستطيع القيام بما ينفعها، بعد أن قامت بتربيته، حيث كان صغيراً، لا ينفعها بشيء. استهما: أي اقترعا. يحاقني: يخاصمني].
ثم إن اختار المميز أباه، ففقد الأب، أو سقطت أهليته، نزل الجد منزلته، وإن علا، ومثله الأخ والعم، ومثلهما ابن العم عند فَقْد الأخ والعم، على الترتيب الذي ذكرناه سابقاً.
إلا أن تكون فتاة مُشتهاة، أو في سن المراهقة، فلا يجوز بقاؤها في كفالة ابن عمّها، فإن لم يكن غيره، وجي أن تكون عند امرأة موثوقة يعينها ابن العم.
حكمة تخيير الطفل بين أبويه عند بلوغه التمييز:
علمنا سبب تقديم حق الأم في الحضانة على الأب، كما علمنا السبب في انتهاء مدة الحضانة بتكامل التمييز عند الطفل، أو الطفلة، وذلك، لأن فترة ما قبل التمييز عند الطفل، أو الطفلة، وذلك، لأن فترة ما قبل التمييز، لا يستغني فيها الصغير عن رعاية الأم، ولا يكاد يقوم مقامها الأب، أو غيره من الرجال.
غير أن الكفالة، إنما هي رعاية عامة، قد يستوي في القدرة عليها
стр. 750
كلّ من الأب والأم، وذلك بسبب قدرة الطفل على أن يستقل بالكثير من شؤونه، وبسبب توفر الطاقة العقلية عنده في الجملة.
فناسب بعد هذا كله، أن يعطى الطفل الخيار بين أبويه، أو مَن يقوم مقامهما، يختار أيّهما شاء.
شروط الحضانة:
يشترط للحضانة أن يتوفر فيها الشروط التالية:
أولاً: العقل:
فلا حضانة لمجنون، أو مجنونة، ولو كان جنوناً متقطعاً، لأن الحضانة ولاية، وليس المجنون من أهل الولاية، إذ يتأتى منه الحفظ والرعاية، بل هو نفسه محتاج إلى الرعاية والحفظ.
ثانياً: الإسلام:
وذلك إذا كان المحضون مسلماً، ولو حكماً، بأن كان أحد أبويه مسلماً، فإنه يتبع أشرف الأبوين في الدين.
فلا تجوز حضانة الكافر للمسلم، ذلك لأن الحضانة، ولاية ـ كما قلنا ـ ولا ولاية للكافر على المسلم.
ولأن الكافر، ربما يفتن الصغير عن دينه، بشتى الوسائل والأساليب.
لكن إذا كان المحضون كافراً، كان لكلّ من المسلم والكافر حضانته.
ثالثاً: العفة والأمانة:
والمراد بالعفة والأمانة: أن لا يكون الحاضن فاسقاً، إذ الفاسق لا يلي، ولا يؤتمن على شيء، وإنما ينبغي أن يكون عدلاً ذا عفّة ودين.
ثم إن العدالة تثبت بالظاهر المشاهد، ولا يشترط لثبوتها شهادة وبيِّنات، إلا إذا وقع نزاع في أهلية الحاضن، وعدالته، فلا بدّ عندئذ من
стр. 751
ثبوت عدالته عند القاضي بناءً على الأدلة والبيِّنات.
رابعاً: الإقامة:
وذلك بأن يكون صاحب الحق في الحضانة مقيماً في بلد الطفل.
فلو سافرت الأم ـ وهي صاحبة الحق في حضانة طفلها ـ سفر حاجة:
كحج، وتجارة ونزهة ونحوها، لم تمكن من أخذ الطفل معها، وكان المقيم عنده أولى منها إلى أن تعود من السفر، فيسلّم الولد إلى جدته إلى أن تعود الأم.
أما السفر الذي يكون انتقالاً إلى بلدة أخرى، بدون قصد العودة، فإنه لا يستوجب سقوط حق الحضانة، إذا كان الطريق آمناً، وكانت البلدة التي تقصد الحاضن الاستيطان فيها آمنة أيضاً:
فإذا اضطر كل من الأبوين إلى السفر لحاجة، بقي حق الأُم، ولم يعد السفر عندئذ مانعاً من الحضانة:
خامساً: الخلو من زوج أجنبي:
فإذا تزوجت الأم سقط حقها في الحضانة، وإن لم يدخل بها الزوج بعد، أو رضي زوجها أن يدخل الولد داره.
والدليل على ذلك من السنة: فما رواه أبو داود (٢٢٧٦) وذكرناه سابقاً " أنت أحقّ به ما لم تنكحي " (١).
والدليل من المعقول على سقوط حق الأم في الحضانة إذا تزوجت، هو أن الأم إذا تزوجت شغلت عن ولدها بحق الزوج، فلا توجد ضمانة لرعاية شأن الطفل، والنظر في أمره
لكن يستثنى من ذلك حالتان:
стр. 752
الحالة الأولى: أن يتراضى والد الطفل مع زوج الأم أن يبقى الولد عند أمه، فإن ذلك يبقي حقّها في الحضانة، ويسقط حق الجدّة.
الحالة الثانية: أن يكون زوج الأُم الجديد قريباً للطفل، ممّن له حق حضانته، وإن كانت درجته بعيدة، فإن الأم في حضانة ولدها لا يسقط حينئذ إذا رضي زوجها بحضانته.
ذلك لأن له حقاً في رعايته، ولأن له من الشفقة عليه ما يحمله على التعاون مع أُمه على كفالته، والاهتمام بشأنه.
سادساً: الخلو من الأمراض الدائمة والعادات المؤثرة:
فلو كانت الأُم تعاني من مرض عضال: كالسل، والفالج، أو كانت عمياء، أو صّماء، لم يكن لها حق في حضانته، لأن من شأنها ما يشغلها عن القيام بحق الطفل.
ما يترتب على فَقْد شيء من شروط الحضانة:
إذا فُقِدَ شرط من هذه الشروط الستة التي ذكرناها لاستحقاق الحضانة، سقط حق الحاضنة، وانتقل هذا الحق من يليها، مَن جدة، ثم أخت، ثم خالة، وهكذا.
كيف يتم التأكد من فوات شرط من شروط الحضانة:
يعتمد في التأكد من فوات شرط من شروط الحضانة على واحد من الأمور الثلاثة التالية
الأمر الأول: إقرار الحاضنة:
فإذا أقرّت الأم بأنها متزوجة، أو أنها تعاني من مرض عضال دائم العلّة، سقط حقها في الحضانة.
الأمر الثاني: دعوى المعارض:
إذا ادّعى المعارض في الحضانة: أن الحاضنة فقدت شرطاً من
стр. 753
شروط الحضانة، وكانت دعواه تلك مصحوبة بالبيِّنات المعتمدة، فإن حقها في الحضانة يسقط عندئذ.
ثالثاً: تحقيق القاضي:
تحقيق القاضي، أو الحاكم، وذلك عندما يرتاب ويشكّ في توفر الشروط عند الحاضنة، فإذا ثبت لديه بموجب تحرياته فقدان شرط من شروط الحضانة، فإنه يسقط الحضانة عندئذ في الحضانة.
والله أعلم ... .
стр. 754
خامساً: الرضاع وأحكامه
стр. 755
الرضاع
تعريف الرضاع:
الرِّضاع، والرِّضاعة ـ بفتح الراء ويجوز كسرها فيهما ـ معناه في اللغة: اسم لمصّ الثدي وشرب لبنه.
والرضاع شرعاً: اسم لحصول لبن امرأة، أو ما حصل منه في معدة طفل، أو دماغه
دليل تشريع الرضاع:
إرضاع الولد من غير أُمه التي ولدته جائز شرعاً، ولقد كان أمراً معروفاً قبل الإسلام. ولما جاء في الإسلام أقرّه ولم يحرمه، لما فيه أحياناً من المصلحة، والحاجة الملجئة؛ كأن تموت أُم الطفل، مثلاً، أو يكون بها علّة تمنعها الإرضاع، فلا بدّ والحالة هذه من امرأة أخرى ترضعه حفاظاً على حياته.
دليل هذا الجواز:
ويستدل على جواز الإرضاع بقول الله : ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾
[الطلاق: ٦].
تعاسرتم: اختلفتم في إرضاع الولد، فسترضع الولد امرأة أخرى غير أمه.
стр. 756
وقوله : ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
هل الرضاع واجب على الأم أم هو حق لها؟
إن قلت: الرضاع واجب على الأم، كان معنى ذلك، أنها ملزمة بإرضاع طفلها، سواء رضيت بذلك، أو لم ترضَ، مادامت قادرة على الإرضاع، غير معذورة بأيّ سبب شرعي. وإن قلت: الرضاع حق للأم، كان معنى ذلك الأمر عائد إلى اختيارها.
فإن رغبت في الإرضاع لم يكن للزوج، ولا لغيره أن يصدّها عن حقها.
أما إن لم ترغب في إرضاعه، فإن الزوج يصبح عندئذ ملزماً بتدبر مُرضعة أخرى لطفله.
إذا عرفت الفرق بين الواجب عليها، والحق لها، فما هي علاقة الأُم بإرضاع ولدها؟.
هل هي علاقة حق لها؟ أم هي علاقة واجب عليها؟
المفتي به في مذهب الإمام الشافعي رحمة الله تعالى: أن الرضاع حق للأم، تطالب به عندما تشاء، وليس واجباً عليها.
فلا تلزم به إلا إذا لم يوجد مَن يقوم مقامها، فيصبح الإرضاع واجباً عليها للضرورة.
دليل أن الرضاع حق للأم وليس واجباً عليها:
ودليل كون الإرضاع حقا للأم، وليس واجباً عليها: قول الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:: ٢٣٣] مع قوله سبحانه تعالى: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. وقوله ﷻ : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
стр. 757
وبيان وجه الدليل في هذه الآيات على أن الإرضاع حق للأم وليس واجباً عليها: أن الله ، عندما قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ احتمل أن يكون المعنى: الوالدات يلزمن بإرضاع أولادهن.
ولو قال : وعلى الوالدات إرضاع أولادهنّ: لسقط الاحتمال الثاني، وتعين الاحتمال الأول. فلما قرأنا قول الله ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ ترجح المعنى الثاني في الآية الأولى، وهو كان الرضاع حقاً لها. إذ لو كان واجباً عليها، لما قال : ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. ولما كان من سبيل إلى التعاسر والاختلاف مع الزوج، ولما كان لها الامتناع عن الإرضاع.
ولما قرأنا قول الله : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ازداد المعنى الثاني للآية رجحاناً، بل تعين ذلك المعنى، لأن الرضاع لو كان واجباً على الأم، لما استحقّت عليه أجراً، إذ لا أجر على واجب، فلما أمر بإعطائهنّ الأجر على الرضاع إن طلبنه، دلّ ذلك على أنهنّ مخيّرات في الإرضاع، لا مجبرات عليه.
والخلاصة:
أن الرضاع حق للأم تجاب إليها، إن طالبت به. وليس واجباً عليها، فلا تلزم به إن رفضته، إلا إن تعينت له، فعندئذ يجب عليها للضرورة.
ما يترتب على كون الرضاع حقاً لا واجباً:
لعلك أدركت مما أوضحنا، الأمور التي تترتب على كون الرضاع مجرد حق للأم، وأنه ليس واجباً عليها.
وهذه الأمور، تتلخص فيما يلي:
أولاً: لا يجوز للزوج إجبار زوجته على إرضاع طفلها، فإن أجبرها،
стр. 758
فلم تستجب لإجباره وأمره، فهي ليست بعاصية، ولا تُعدّ ناشزة.
يستثنى من ذلك، ما لو لم يكن ثَمة من يصلح لإرضاع الطفل غيرها. فإن الضرورة عندئذ تقضي بقسرها على الإرضاع، وهي المحافظة على حياة الطفل.
ثانياً:
يجب على الزوج أن يعطي زوجته الأجر حسب العُرف، على ما تقوم من إرضاع الطفل، إذا طلبت على ذلك أجراً.
فإن لم تطالب بالأجر ـ كما هو السائد في أعراف الناس اليوم ـ لم يلزم الزوج بدفع الأجر، وسقط حقها في المطالبة، إن كانت تبرعت به وأظهرت له عدم الرغبة فيه.
ما يترتب على الرضاع من القرابة:
إذا أرضعت المرأة طفلاً أجنبياً عنها، صار الطفل ابنها بالرضاع، وصار زوجها صاحب اللبن أباً لذلك الطفل، وترتب على هذا الرضاع الأمور التالية:
أولاً: يحرم على الرضيع التزوج ممّن أرضعته، ومن كل أنسبائها اللائي يحرم عليه التزوج منهنّ لو كانت أُمه من النسب.
فيدخل في هذا التحريم:
-أُخت مرضعته، لأنها خالته من الرضاعة.
-وبنت مرضعته، لأنها أُخته من الرضاعة.
-وبنات أولاد مرضعته، ذُكوراً كانوا أو إناثاً، لأنهنّ بنات إخوته، أو بنات أخواته من الرضاعة.
-أم مرضعته، لأنها جدّته من الرضاعة.
وكذلك يحرم على هذا الرضيع التزويج من هؤلاء أنفسهم، إذا كانوا أنسباء والده من الرضاعة، وهو زوج المرضعة، صاحب اللبن.
стр. 759
فتحرم عليه:
-أُخت والده من الرضاعة، لأنها عمّة الرضيع.
-وبنت والده من الرضاعة، ولو من زوجة أخرى، لأنها أُخت هذا الرضيع.
-وبنات أولاد أبيه من الرضاعة، ذكوراً كانوا أم إناثاً، لأنهنّ بنات أخوة الرضيع أو بنات أخواته.
-وأم أبيه من الرضاعة، لأنها جدّة الرضيع.
ثانياً: يحرم على المرضع، وعلى هؤلاء الأنسباء للمرضع جميعاً التزويج من الرضيع، كما أوضحنا، والتزويج من فروعه، لأنك لو قدّرت أمومة المرضعة للطفل أُمومة نسب، كان هؤلاء الأنسباء محرّمات عليه فكذلك أُمومة الرضاع.
فكما لا يتزوج الرضيع من بنت مرضعته، لأنها أخته من الرضاع، فكذلك لا يتزوج ابن الرضيع منها لأنها عمّته من الرضاعة. وهكذا إلى آخرة.
ثالثاً: يجوز للمرضع، وأنسبائها اللائي عدّدنا أسماءهنّ التزوج من حواشي الرضيع: كأخيه، ومن أصوله، كأبيه، وكعمّه، لأنهم أجانب عن المرضع وأنسبائها.
الدليل على حرمة الرضاع:
الأصل في كل ما ذكرنا: القرآن، والسنّة:
أما القرآن الكريم: فقول الله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾
[النساء: ٢٣]
وأما السنّة: فقول النبي ﷺ : فيما رواه البخاري (٢٥٥٣) ومسلم (٤١٤٤) عن عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : " إن الرضاعة تُحرِّم ما يَحرُم من الولادة ".
стр. 760
وفي رواية عند البخاري (الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب ... ، رقم: ٢٥٠٢) ومسلم (الرضاع، باب: تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، رقم: ١٤٤٧) عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ في بنت حمزة ﵁: " لا تحلّ لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة ".
فقد دلّت الآية على أن المرضع تصبح بسبب الرضاعة أُمّاً للرضيع، وأن ابنتها، تصبح أُختاً له.
وأما الحديثان فقد أوضحنا النتائج المترتبة على ذلك، وهي: أن أُمومة الرضاع بمنزلة أُمومة النسب.
فكلّ مَن تحرم على الولد من أقارب أمه وأخته نسبياً، تحرم عليه من أقارب أمه أو أخته رضاعاً.
شروط الرضاع المحّرم:
لا يعتبر الرضاع موجباً للقرابة، ومحرماً للزواج، إلا إذا يؤثر فيه الشرطان التاليان:
الشرط الأول: أن يكون الرضيع لم يتم سنتين من عمره عند الرضاع. فإن أرضعته بعد أن تجاوز الستين من العمر، لم يُؤثر هذا الرضاع في التحريم، ولم يُفد في القرابة شيئاً.
ودليل ذلك قول الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقول الله : ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤].
[والفصال: هو الفطام، لأنه يفصل فيه الرضيع عن أُمه].
ويستدل لذلك من السنّة أيضاً: بما رواه الدارقطني (الرضاع ٤/ ١٧٤) قال رسول الله ﷺ : " لا رضاعَ إلا ما كان في الحَوْليْن ".
стр. 761
وروى الترمذي (الرضاع، باب: ما جاء [ما ذكر] أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر ... .، رقم: ١١٥٢) عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا يُحرِّم من الرضاعة إلا فتقَ الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام ".
فتق الأمعاء: شقها وسلك فيها. في الثدي: في الثدي، في زمن الرضاع، قبل الفطام. والفطام يكون في تمام الحولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]
وروى البخاري (النكاح، باب: مَن قال لا رضاع بعد حولين ... .، رقم: ٤٨١٤)، ومسلم (الرضاع، باب: إن الرضاعة من المجاعة، رقم: ١٤٥٥) عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها رجل، فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: أنه أخي، فقال: (انظرن من إ خوانكن، إنما الراضعة من المجاعة).
أي تحرم الرضاعة إذا كانت في الزمن الذي يجوع فيه الطفل لفقدها، ويشبع بها، وهذا لا يكون إلا للصغير.
الشرط الثاني: أن ترضعه خمس رضعات متفرقات.
وتعتبر الرضاعة منفصلة، أو غير منفصلة عن الأخرى بالعُرف. فلو قطع الطفل الرضاع إعراضاً وشبعاً، كان ذلك رضعة مستقلة، ولو قطعه للهو، مثلاً، وعاد في الحال، أو تحول من ثدي إلى ثدي، عُدّ ذلك رضعة واحدة.
دليل هذا الحكم: والدليل على ذلك: ما رواه مسلم (الرضاع، باب: التحريم بخمس رضعات، رقم: ١٤٥٢) عن عائشة ﵂: كان فيما نزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يقرأ من القرآن.
стр. 762
أي إن نسخها كان متأخراً، حتى إنه توفي ﷺ ، وبعض الناس مازال يتلوها قرآناً، لأنه لم يبلغه النسخ بعد.
وروى مسلم (الرضاع، باب: في المصّة والمصّتان، رقم: ١٤٥١) عن أم الفضل ﵂: أن نبي الله ﷺ قال: " لا تحرم الرضعة أو الرضعتان، أو المصّة أو المصّتان ".
ما يترتب على قرابة الرضاع من أحكام:
يترتب على القرابة الناشئة من الرضاع حكمان اثنان:
١ـ حكم يتعلق بالحُرمة. ٢ـ حكم يتعلق بالحل.
أما الحرمة: فتتعلق بالنكاح.
وأما الحل: فيتعلق بالخلوة والنظر.
فإذا نشأت قرابة الرضاع بين طرفين، كان لهذه القرابة من التأثير على حرمة النكاح مثل ما لقرابة النسب، ويتفرع عنها كل ما يتفرع عن قرابة النسب من الآثار. فأُمك وإن عَلَت، وبنتك وإن سَفلت، وأُختك لأبويك، أو لأحدهما، وعمتك وإن بعدت، وبنت الأخ لأبوين، أو لأحدهما، وبنت الأخت لأبوين، أو لأحدهما، محرّمات عليك بسبب هذه القرابة التي جاءت عن طريق النسب.
فإن تولدت هذه القرابات عن طريق الرضاع، ترتب عليها أيضاً التحريم دون أيّ فرق بينهما.
وقد مضى بيان ذلك فلا نعيده.
وتتفرع عن قرابة النسب حُرمة المصاهرة، كما هو معلوم. فأم الزوجة نسباً تحرم على صهرها، الذي هو زوج ابنتها.
وكذلك بنت الزوجة نسباً، وزوجة الأب نسباً، وزوجة الابن نسباً.
стр. 763
كلهنّ يحرمن على الزوج في المثال الأول، وعلى الابن في المثال الثاني، وعلى الأب في المثال الثالث. والسبب هو المصاهرة.
فإذا نشأت هذه القرابات نفسها من رضاع، أورثت الحكم ذاته، بالنسبة للمصاهرة.
أي فأم الزوجة من رضاع تحرم على الزوج.
وبنتها من رضاع تحرم عليه أيضاً.
وزوجة أبيك من رضاع، وزوجة ابنك من رضاع محرّمتان عليك.
والسبب المصاهرة التي ترتبت على قرابة الرضاع. واعلم أن دليل ذلك كله: هو قول النبي ﷺ السابق (١): " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ".
رواه البخاري (٢٥٠٢)، ومسلم (١٤٤٧) عن ابن عباس ﵄.
هذا ما يتعلق بأثر التحريم المترتب على قرابة الرضاع.
أما ما يتعلق بأثر الحل:
فبيان ذلك: أن كل ما يحّل بينك وبين قريبة لك نسباً ممّن مضى ذكرهم، يحلّ بينك وبين مَن بينك وبينها رضاعة: فيحلّ بينهما النظر، كما يحلّ ذلك بين الأخ والأخت من النسب، وتحلّ بينهما الخلوة المحّرمة بين الأجنبيين، ويحلّ لها أن تسافر معه فوق ثلاث ليالٍ.
غير أن هذا الحكم لا يسوغ نظر القريب رضاعة إليها بشهوة، أو نظرها إليه كذلك.
لأن هذا النظر محّرم حتى بين أقارب النسب.
стр. 764
ولذلك فقد كره متأخرو الفقهاء إرضاع المرأة لغير طفلها بدون ضرورة وحاجة.
كما أنهم كرهوا اختلاط الذكور والإناث الذي جمعتهم قرابة الرضاع، وذلك بسبب ما قد يتوصل به إلى شرور ومحّرمات مختلفة، لضعف الوازع الديني، ولعدم وجود الوازع الفطري الذي يكون بين القريب والقريبة.
стр. 765
سادساً: ثبوت النسب
стр. 766
النَّسَبُ
تمهيد:
النسب: القرابة. والنسب أساس هام لأحكام كثيرة متنوعة:
كالإرث، والنكاح حلاَّ وحرمة، والولاية، والوصية، وغير ذلك. من أجل ذلك كان لابدّ من بيان الدلائل التي يثبت بها النسب، وضبطها بما لا يدع مجالاً لريبة، أو اضطراب في طريق إثباتها. فكيف يثبت النسب بين شخصين ثبوتاً ِشرعياً، تترتب بموجبه الأحكام الشرعية المتعلقة به؟.
مثبتات النسب: يثبت النسب شرعاً بواحد من الموجبات التالية:
الأول: الشهادة: ويشترط في الشهادة رجلان ممّن توافرت فيهم شروط صحة الشهادة تحملاً وأداء، وقد مّرت هذه الشروط في النكاح، فلا يثبت النسب بشهادة النساء، ولا بشهادة رجل وامرأتين، لأن النسب فرع من النكاح، والنكاح مما لا يطّلع عليه في الغالب إلا الرجال. فلا تقبل شهادة النساء فيه.
الثاني: الإقرار: وذلك بأن يقرّ الرجل أنه والد زيد مثلاً، أو أن يقرّ زيد بأنه ابن ذلك الرجل
شروط صحة الإقرار:
وإنما يعتبر هذا الكلام من كلَّ منهما، ويعُدّ إقراراً، إذا توفرت في الشروط التالية:
стр. 767
١ـ أن لا يكذب هذا الإقرار الحسنَُ، وذلك بأن يكونا في سن يمكن أن يكون هذا الابن من ذلك الأب.
فلو كان في سن لا يتصور أن يكون منه، كأن كان مساوياً له في السن لم يصحّ هذا الإقرار، ولم يثبت به نسب، لتكذيب الحسّن له.
٢ـ أن لا يكذب هذا الإقرار الشرعُ. وتكذيب الشرع له: أن الولد المستلحق بالإقرار معروف النسب من غير المقَّر، لأن النسب الثابت من شخص لا ينقل إلى غيره بالإقرار، سواء صدّقة المستلحق أم غيره.
٣ـ أن يصدّق المستحلقُ المقرٌَ، إن كان هذا المستلحق أهلاً للتصديق، بأن يكون مكلفاً، لأن له حقاً في نسبه، وهو أعرف به من غيره.
٤ـ أن لا يجّر المقر بهذا الإقرار نفعاً إلى نفسه، أو يدفع عنها به ضرراً، فإن استلزم واحداً منهما، لم يُعد يسمى كلامه إقراراً، بل هو ادّعاء، ولا يقبل الادعاء إلا إذا ثبت ببينه من شهادة ونحوها.
مثال ذلك:
أن يقول عن شاب مات عن ثروة من المال: إنه ابني، فلا يقبل كلامه، ولا يعتبر إقراراً، ولا شهادة، لأن الإقرار من شأنه أن يجرّ مَغْرماً، أو مسؤولية على المقرّ.
ولأن الشهادة إنما تعتبر حيث لا تستلزم نفعاً للشاهد، ولا تدفع عنه ضرراً.
ودليل ذلك ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه لا تجوز شهادة الظِّنين.
الترمذي (الشهادات، باب: ما جاء فيمن لا تجوز شهادته، رقم: ٢٢٩٩).
والظنِّين: المتهم. والجارّ إلى نفسه نفعاً، والدافع عنها ضرراً متهمان.
стр. 768
وإنما يدخل هذا الكلام عندئذ في الاّدعاء، والاّدعاء لا يقبل إلا إذا عزّرته البيَّنة المعتبرة شرعاً.
ومنها: أن يشهد شاهدان عدلان بصدق كلامه.
الثالث: الاستفاضة: وصورة الاستفاضة: أن ينتسب الشخص إلى رجل، أو قبيلة، والناس في تلك البلدة ينسبونه إلى ذلك الشخص، أو تلك القبيلة، دون وجود مخالف، ودون أن يُحدّ ذلك في فترة قصيرة من الزمن.
فهذه الاستفاضة تنزل منزلة الشهادة الصحيحة، وتعتبر دليلاً شرعياً على صحة الأمر.
بشرط أن يكون الناس ـ الذين استفاض عنهم وبينهم ذلك ـ قد بلغوا من الكثرة مبلغاً، يحيل العقل اتفاقهم على الكذب.
والسبب في تنزيل الاستفاضة في ثبوت النسب منزلة الشهادة الصحيحة: أن النسب من الأمور الثابتة المستمرة مع توالي الأجيال، فإذا طالت مدتها عَسُرَ إقامة البيَّنة على ابتدائها، فمسّت الحاجة إلى إثباتها بالاستفاضة.
وقد كان الصحابة ﵃ ينتسبون عند رسول الله ﷺ إلى قبائلهم، وأجدادهم، فما كان ـ ﷺ ـ يطالبهم بالشهود الذي يثبتون النكاح رؤية بالعين. بل كان يكتفي باستفاضة الخير بين الناس، دون وجود مخالف. وكانت الأحكام تبنى على ذلك.
ثبوت الرضاعة:
لقد علمت سابقاً أن الرضاعة لها حكم النسب في التحريم. فكذلك لها حكم النسب في طرق الثبوت. فتثبت الرضاعة من المثبتات الثلاثة السابقة:
الشهادة، الإقرار، الاستفاضة.
стр. 769
غير أن شهود الرضاعة، لا يشترط فيهم أن يكونوا ذكوراً، كشهود النسب.
بل تجوز في الرضاع شهادة النساء فقط، لأن الرضاعة مما يغلب أن تطلع عليها النساء
وبناءً على ذلك، فالشهادة المقبولة في ثبوت الرضاع هي:
أـ شهادة رجلين عدلين.
ب ـ شهادة رجل عدل، وامرأتين عادلتين.
ج ـ شهادة أربع نسوة عادلات.
الأحكام المتعلقة بالنسب:
إذا عرفت ما تقدم، فاعلم أن هناك أحكاماً كثيرة تترتب على ثبوت النسب بين شخصين
نذكر منها ما يلي:
أولاً: أحكام النكاح حلاًّ وحرمة
ثانياً: أحكام الفقه، وتنسيق المسؤوليات المتعلقة بها.
ثالثاً: الولاية ودرجاتها.
رابعاً: الميراث، وتوزيع الأنصباء، وتنسيق درجات الوارثين.
خامساً: الوصية وأحكامها من صحة وبطلان، فإن كثيراً من أسباب ذلك إنما يعود إلى النسب، وإلى معرفة: هل الموصى له وارث، أو غير موروث.
هذا عرض مختصر لأهم الأحكام المترتبة على ثبوت النسب. ومثل النسب في بعض هذه الأحكام الرضاع.
أما مجال تفصيل هذه الأحكام، فإن لكلِّ منا باباً خاصاً به، بعض هذه الأبواب قد مرّ ذكرها، وبعضها يأتي بحثه إن شاء الله تعالى، وإننا نحيل إليه تفصيل القول في ذلك، والله أعلم.
стр. 770
سَابعًا: أَحْكَامُ اللّقِيط
стр. 771
اللّقِيطُ
تعريف اللقيط:
اللقيط: على وزن فعيل، بمعنى مفعول: كقتيل بمعنى مقتول.
واللقيط، والملقوط، والمنبوذ: أسماء تطلق على الطفل الموجود مطروحاً في شارع ونحوه، وليس ثَمّة من يَدّعيه.
الأدلة على تشريع أخذ اللقيط:
الأصل في التقاطه وأخذه، وتشريع أحكامه دلائل عامة كثيرة في القرآن والسنة:
أما القرآن: فقول اله : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. وقوله : ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقوله ﷻ في النفس البشرية: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٣٢].
وأما السنّة: فما رواه مسلم (الذِكْر والدعاء والتوبة، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن .. ، رقم: ٢٦٩٩) وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَن يسّر على معُسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومَن ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ".
стр. 772
وروى البخاري (الأدب، باب: فضل مَن يعول يتيماً، رقم: ٥٦٧٩) عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا " وأشار بإصبعيه: السبّابة والوسطى إشارة إلى شدّة القرب بينهما.
وروى الترمذي (البّر والصلة، باب: ما جاء في رحمة الناس، رقم: ١٩٢٣) وغيره عن جرير بن عبدالله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن لا يرحمِ الناس لا يرحمْه الله ".
حكم أخذ اللقيط:
إذا وجد لقيط بقارعة الطريق، ولا كافل معلوم له، فأخذه وتربيته وكفالته، فرض على الكفاية، على كلّ مَن وجده.
فإذا أهمل، وبقي في مكانه الذي وجد فيه، أثم جميع أهل تلك البلدة، أو المنطقة، أو القرية الذي عملوا بوجوده.
وإذا التقطه أحدهم، واهتم بتربيته، والنظر في شأنه، ارتفع الإثم عن الجميع.
ودليل ذلك قول الله : ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٣٢] وقتل النفس كما يكون بالاعتداء الإيجابي على حياتها، فإنه يكون بمنع المسعفات عنها، مع قدرته على ذلك.
الإشهاد على أخذ اللقيط:
ومَن وجد طفلاً مطروحاً في مكان، وأخذه ليكفله ويربيّه، وجب عليه أن يشهد على التقاطه، وأخذه، حفاظاً على حريته، ونسبه، ويجب الإشهاد أيضاً على ما معه من مال، إن وجد الملتقط معه مالاً. دفعاً للتهمة، وضماناً لحقّ اللقيط في ماله، ولو كان الملتقط عدلاً أميناً
стр. 773
شروط بقاء اللقيط مع ملتقطه:
كان ما ذكرنا سابقاً هو حكم أخذ اللقيط، وقد علمت أنه فرض كفاية على جميع المسلمين حيث وجد اللقيط، دون قيد أو شرط.
فإذا أخذ اللقيط واحد من الناس أياً كان، فقد ارتفع بذلك الفرض الكفائي عن سائرهم.
إلا أنه لا يجوز إبقاء اللقيط عند هذا الذي التقطه إلا بشروط أربعة:
الشرط الأول: الإسلام: فلا يقّر اللقيط عند الكافر، إلا إذا كان اللقيط محكوماً بكفره، كأن عرف بطريقة ما أن أبويه كافران، فلا مانع عندئذ من إبقائه عنده.
الشرط الثاني: العدالة: فلا يجوز إبقاء اللقيط عند مَن عُرف بالفسق، ويعطى لمن ثبتت عدالته وأمانته.
الشرط الثالث: الرشد: فلو التقطه غير رشيد، بأن كان دون سن الرشد، انتزع منه. ومنه السفيه الذي طرأ عليه السفه بعد الرشد، إذا كان محجوراً عليه، فلا يجوز إقرار اللقيط عنده.
الشرط الرابع: الإقامة: فلو عزم الملتقط على السفر به إلى مكان ما، وجب انتزاعه منه، إذ لا يؤمن أن يسترقّه، أو يغدر به.
وإنما يراعي هذه الشروط، ويُبقى أو ينتزع اللقيط على أساسها القاضي أو الحاكم وليّ له.
فلابدّ أن يكون هو المُحكَّم في ولاية الملتقط، والنظر في صلاحيته لذلك.
نفقات اللقيط:
إذا أخذ أحد اللقيط، وأُقر في يده، لتوفر الشروط التي ذكرناها فيه، فإنه ينظر:
стр. 774
١ـ فإما أن يكون في حوزة اللقيط مال.
٢ـ أو ليس في حوزته مال.
فإن وجد في حوزته مال، اعتبر هذا المال ملكاً له، لأنه صاحب اليد عليه، ولا يوجد منازع فيه، وأنفق عليه من ماله. وعندئذ ينفق الحاكم عليه من ذلك المال، وذلك بأن يأذن للملتقط الذي يرعى شأنه، بأن يصرف منه على مصالحه، واحتياجاته. فلو استقل الملتقط بالإنفاق على اللقيط من ذلك المال، دون إذن للحاكم، أو القاضي، ضمن ذلك المال، وكلِّف برد قدره إلى حوزة الطفل.
كما لو كان لليتيم وديعة عند الولي، فصرف الوليّ الوديعة عليه بدون إذن الحاكم، فإنه يضمنها، ويكلّف بإعادة مثلها، أو قيمتها إلى حوزة اليتيم.
وإنما توقف صرف هذا المال على إذن الحاكم، لأن ولاية المال لا تثبت لقريب، غير الأب والجد، فضلاً عن الأجنبي الذي لا تربطه بالطفل أي قرابة.
ولما كان الحاكم هو الوليّ المطلق لكل مَن لا وليّ له، كان هو المرجع في التصرفات المختلفة بماله.
فإما أن ينفق هو عليه مباشرة، أو يأذن بالإنفاق منه للملتقط الذي استحق الولاية عليه.
نفقة اللقيط في بيت المال إن لم يكن لديه مال:
وإن لم يوجد في حوزة اللقيط مال، فنفقة، وجوباً في بيت مال المسلمين، من سهم المصالح العامة، لأن بيت المال مرصود لذلك.
وقد روي: أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار الصحابة في نفقة اللقيط، فأجمعوا على أنها في بيت المال.
стр. 775
ويدخل اللقيط ـ إذا لم يكن له مال ـ في عموم قول النبي ﷺ : " من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلا فإلي ". وفي رواية: " ومن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني، فأنا مولاه ".
رواه البخاري (الاستقراض، باب: الصلاة على مَن ترك ديناً، رقم: ٢٢٦٨ـ٢٢٦٩)، ومسلم (الفرائض، باب: من ترك مالاً فلورثته، رقم: ١٦١٩) عن أبي هريرة ﵁.
[والمراد بالكل: العيال الفقراء. ضياعاً: ضائعاً ليس له شيء. فإلّي: أنا أعوله وأُنفق عليه].
هل يرجع الحاكم بالنفقة على اللقيط إذا كبر؟
هذا، ولا يرجع الحاكم بهذه النفقة التي أنفقها على اللقيط من بيت مال المسلمين، عند كبر اللقيط وغناه، لأنه هذه النفق لا تُصرف عليه ديناً، بل استحقاقاً، كما ينفق الزوج على زوجته، والوالد على أولاده ".
حكم النفقة على اللقيط إذا لم يكن في بيت المال مال:
وإذا لم يكن في بيت مال المسلمين ما يكفي لنفقات اللقيط، لكثرة اللقطاء مثلاً، أو لوجود مصارف أهم من الإنفاق على اللقطاء، وجب على الحاكم أن يستقرض من الأغنياء، على ذمة الدولة، ما يكفي لسدّ حاجات اللقيط، ويسدّد القرض لأصحابه عند اليسر.
الاهتمام باللقيط:
لاحظت من خلال الأحكام التي ذكرناها، أن الشّارع ﷻ ، يضع مسؤولية رعاية اللقطاء، وتربيتهم والعناية بهم في أعلى درجات الخطورة والأهمية.
فالمسلمون كلهم آثمون إن ضُيع بينهم لقيط واحد.
والدولة آثمة أيضاً، إن هي أهملت النظر في أمره، ولم تعوضَّه عن رعاية الوالد، وحنان الأم، بالقدر الممكن، ويفرض الدَّين على الدولة أن