Полный текст (1 678 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
اللّقِيطُ
تعريف اللقيط:
اللقيط: على وزن فعيل، بمعنى مفعول: كقتيل بمعنى مقتول.
واللقيط، والملقوط، والمنبوذ: أسماء تطلق على الطفل الموجود مطروحاً في شارع ونحوه، وليس ثَمّة من يَدّعيه.
الأدلة على تشريع أخذ اللقيط:
الأصل في التقاطه وأخذه، وتشريع أحكامه دلائل عامة كثيرة في القرآن والسنة:
أما القرآن: فقول اله : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. وقوله : ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقوله ﷻ في النفس البشرية: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٣٢].
وأما السنّة: فما رواه مسلم (الذِكْر والدعاء والتوبة، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن .. ، رقم: ٢٦٩٩) وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَن يسّر على معُسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومَن ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ".
стр. 772
وروى البخاري (الأدب، باب: فضل مَن يعول يتيماً، رقم: ٥٦٧٩) عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا " وأشار بإصبعيه: السبّابة والوسطى إشارة إلى شدّة القرب بينهما.
وروى الترمذي (البّر والصلة، باب: ما جاء في رحمة الناس، رقم: ١٩٢٣) وغيره عن جرير بن عبدالله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن لا يرحمِ الناس لا يرحمْه الله ".
حكم أخذ اللقيط:
إذا وجد لقيط بقارعة الطريق، ولا كافل معلوم له، فأخذه وتربيته وكفالته، فرض على الكفاية، على كلّ مَن وجده.
فإذا أهمل، وبقي في مكانه الذي وجد فيه، أثم جميع أهل تلك البلدة، أو المنطقة، أو القرية الذي عملوا بوجوده.
وإذا التقطه أحدهم، واهتم بتربيته، والنظر في شأنه، ارتفع الإثم عن الجميع.
ودليل ذلك قول الله : ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٣٢] وقتل النفس كما يكون بالاعتداء الإيجابي على حياتها، فإنه يكون بمنع المسعفات عنها، مع قدرته على ذلك.
الإشهاد على أخذ اللقيط:
ومَن وجد طفلاً مطروحاً في مكان، وأخذه ليكفله ويربيّه، وجب عليه أن يشهد على التقاطه، وأخذه، حفاظاً على حريته، ونسبه، ويجب الإشهاد أيضاً على ما معه من مال، إن وجد الملتقط معه مالاً. دفعاً للتهمة، وضماناً لحقّ اللقيط في ماله، ولو كان الملتقط عدلاً أميناً
стр. 773
شروط بقاء اللقيط مع ملتقطه:
كان ما ذكرنا سابقاً هو حكم أخذ اللقيط، وقد علمت أنه فرض كفاية على جميع المسلمين حيث وجد اللقيط، دون قيد أو شرط.
فإذا أخذ اللقيط واحد من الناس أياً كان، فقد ارتفع بذلك الفرض الكفائي عن سائرهم.
إلا أنه لا يجوز إبقاء اللقيط عند هذا الذي التقطه إلا بشروط أربعة:
الشرط الأول: الإسلام: فلا يقّر اللقيط عند الكافر، إلا إذا كان اللقيط محكوماً بكفره، كأن عرف بطريقة ما أن أبويه كافران، فلا مانع عندئذ من إبقائه عنده.
الشرط الثاني: العدالة: فلا يجوز إبقاء اللقيط عند مَن عُرف بالفسق، ويعطى لمن ثبتت عدالته وأمانته.
الشرط الثالث: الرشد: فلو التقطه غير رشيد، بأن كان دون سن الرشد، انتزع منه. ومنه السفيه الذي طرأ عليه السفه بعد الرشد، إذا كان محجوراً عليه، فلا يجوز إقرار اللقيط عنده.
الشرط الرابع: الإقامة: فلو عزم الملتقط على السفر به إلى مكان ما، وجب انتزاعه منه، إذ لا يؤمن أن يسترقّه، أو يغدر به.
وإنما يراعي هذه الشروط، ويُبقى أو ينتزع اللقيط على أساسها القاضي أو الحاكم وليّ له.
فلابدّ أن يكون هو المُحكَّم في ولاية الملتقط، والنظر في صلاحيته لذلك.
نفقات اللقيط:
إذا أخذ أحد اللقيط، وأُقر في يده، لتوفر الشروط التي ذكرناها فيه، فإنه ينظر:
стр. 774
١ـ فإما أن يكون في حوزة اللقيط مال.
٢ـ أو ليس في حوزته مال.
فإن وجد في حوزته مال، اعتبر هذا المال ملكاً له، لأنه صاحب اليد عليه، ولا يوجد منازع فيه، وأنفق عليه من ماله. وعندئذ ينفق الحاكم عليه من ذلك المال، وذلك بأن يأذن للملتقط الذي يرعى شأنه، بأن يصرف منه على مصالحه، واحتياجاته. فلو استقل الملتقط بالإنفاق على اللقيط من ذلك المال، دون إذن للحاكم، أو القاضي، ضمن ذلك المال، وكلِّف برد قدره إلى حوزة الطفل.
كما لو كان لليتيم وديعة عند الولي، فصرف الوليّ الوديعة عليه بدون إذن الحاكم، فإنه يضمنها، ويكلّف بإعادة مثلها، أو قيمتها إلى حوزة اليتيم.
وإنما توقف صرف هذا المال على إذن الحاكم، لأن ولاية المال لا تثبت لقريب، غير الأب والجد، فضلاً عن الأجنبي الذي لا تربطه بالطفل أي قرابة.
ولما كان الحاكم هو الوليّ المطلق لكل مَن لا وليّ له، كان هو المرجع في التصرفات المختلفة بماله.
فإما أن ينفق هو عليه مباشرة، أو يأذن بالإنفاق منه للملتقط الذي استحق الولاية عليه.
نفقة اللقيط في بيت المال إن لم يكن لديه مال:
وإن لم يوجد في حوزة اللقيط مال، فنفقة، وجوباً في بيت مال المسلمين، من سهم المصالح العامة، لأن بيت المال مرصود لذلك.
وقد روي: أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار الصحابة في نفقة اللقيط، فأجمعوا على أنها في بيت المال.
стр. 775
ويدخل اللقيط ـ إذا لم يكن له مال ـ في عموم قول النبي ﷺ : " من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلا فإلي ". وفي رواية: " ومن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني، فأنا مولاه ".
رواه البخاري (الاستقراض، باب: الصلاة على مَن ترك ديناً، رقم: ٢٢٦٨ـ٢٢٦٩)، ومسلم (الفرائض، باب: من ترك مالاً فلورثته، رقم: ١٦١٩) عن أبي هريرة ﵁.
[والمراد بالكل: العيال الفقراء. ضياعاً: ضائعاً ليس له شيء. فإلّي: أنا أعوله وأُنفق عليه].
هل يرجع الحاكم بالنفقة على اللقيط إذا كبر؟
هذا، ولا يرجع الحاكم بهذه النفقة التي أنفقها على اللقيط من بيت مال المسلمين، عند كبر اللقيط وغناه، لأنه هذه النفق لا تُصرف عليه ديناً، بل استحقاقاً، كما ينفق الزوج على زوجته، والوالد على أولاده ".
حكم النفقة على اللقيط إذا لم يكن في بيت المال مال:
وإذا لم يكن في بيت مال المسلمين ما يكفي لنفقات اللقيط، لكثرة اللقطاء مثلاً، أو لوجود مصارف أهم من الإنفاق على اللقطاء، وجب على الحاكم أن يستقرض من الأغنياء، على ذمة الدولة، ما يكفي لسدّ حاجات اللقيط، ويسدّد القرض لأصحابه عند اليسر.
الاهتمام باللقيط:
لاحظت من خلال الأحكام التي ذكرناها، أن الشّارع ﷻ ، يضع مسؤولية رعاية اللقطاء، وتربيتهم والعناية بهم في أعلى درجات الخطورة والأهمية.
فالمسلمون كلهم آثمون إن ضُيع بينهم لقيط واحد.
والدولة آثمة أيضاً، إن هي أهملت النظر في أمره، ولم تعوضَّه عن رعاية الوالد، وحنان الأم، بالقدر الممكن، ويفرض الدَّين على الدولة أن
стр. 776
تستقرض من أغنياء المسلمين، إن هي أعسرت، ولم تجد سبيلاً للإنفاق عليه.
تربية اللقيط لا تسوّغ تبنَيه:
هذا الترغيب في تربية اللقيط، والاهتمام به لا يسوّغ تبنّيه، واختلاقَ نسب بين اللقيط، وأي رجل أو امرأة من الناس، مربياً كان أو غيره.
لقد فصل الشّارع بين الأمرين فصلاً حاسماً:
أما الرعاية، والعناية، والتربية، فكل ذلك واجب، ومصدر ذلك الأخوة الإسلامية، والرحم الإنساني. وأما التبني، وهو ما نعبر عنه: باختلاق النسب، فمحرم باطل. لأن مصدر النسب ولادة أو نكاح، وليس بين اللقيط ومن يريد أن يتبناه شيء من ذلك.
ولأن البنّوة لها حق في الميراث، وعليها واجب في ذلك، ولها حق في الإنفاق، وعليها واجب في ذلك.
ولأنها أساس في تحريم النكاح، وحلّ النظر والخلوة والاختلاط. فإذا قيس التبني عليها، وجاز اعتبار اللقيط ابناً لمن تبناه، كان في ذلك ظلم لمن سيشركهم في ميراثهم، وظلم له ولورثته الحقيقيين عندما يتقاسم أقاربه المزيفون ميراثه من دونهم، أو يشاركونهم فيه.
وكان في ذلك ظلم للخُلق والفضيلة عندما يفرض قانون الأخوة بينه وبين من ليست أختاً له بحال، أن يخالطها مخالطة الشقيق، وهو أجنبي عنها، ويمنع حقّه في الزواج منها، وهي غير محّرمة عليه.
من أجل ذلك كله حرّم الله تعالى التبنّي، الذي هو اختلاق نسب غير موجود، ثم إعطاؤه جميع الحقوق والأحكام الثابتة لرابطة النسب.
وشرّع الدين ما يُعني عن التبنّي , ويحقّق مصلحة اللقيط، وهو مبدأ الرعاية والعناية، والتربية له.
стр. 777
وحمل المسلمين في ذلك أخطر المسؤوليات، وأهمها.
دليل حُرمة التبنّي:
ويدّل على حُرمة التبنّي، قول الله : ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴿٤﴾ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب: ٤ـ٥].
انحراف وعود إلى الجاهلية:
هذا ولقد عاد الناس أدراجهم إلى الجاهلية، فنجد بعض أولئك الذين لم يولد لهم يذهبون إلى دور اللقطاء، فيختارون لقيطاً يدعونه ولداً، ويثبتون نسبه لهم في السجلات المدنية، فيقعون في معصية الله ويرتكبون أسوء ما نهى الله عنه من تحليل الحرام وتحريم الحلال، إذ يخالفون صريح القرآن وصحيح السنّة في تحريم التبني ومنعه، بل إن ما يفعله هؤلاء أشد مما كان يفعله أهل الجاهلية لأن أولئك كانا يعلنون أن هذا متبنى وليس بولد حقيقي، بينما هؤلاء الناس يطمسون الحقيقة ويدّعون أنه ولد حقيقي لهم، وبهذا يُدخلون على الأسرة من ليس منها، فيخالط هذا الدعي النساء الأجنبيات في الأسرة المدعية على أنهنّ محارم له، ويمنع من الزواج منهنّ على أساس ذلك، ينما هنّ حلال له، وإنما يحرم عليه مخالطتهنّ العيش معهنّ كمحارم.
وأيضاً بسببه يُحرم من الميراث مستحقّه، ويأخذ هو مال غيره بالباطل، وما إلى ذلك من مفاسد يقع فيا هؤلاء الجهّال العصاة، عن سوء قصد أو بدون قصد، فيقعون في غضب الله تعالى، ويستحقون شديد عقابه يوم القيامة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
والله تعالى المسؤول أن يسدّد خطانا لما فيه مرضاته، والحمد لله ربّ العالمين.
стр. 778
الفقه المنهجي
على مذهب الإمام الشافعي
رحمهُ الله تعالى
الجُزء الخامس
في الوقف والوصية والفرائض
الدكتوُر مُصطفى الخِنْ ... الدّكتور مُصطفى البُغا
علي الشْربجَي
دار القلم
دمشق
стр. 779
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، حمداً يوافي نِعمة، ويكافئ مزيده، لك الحمد، سبحانك، لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد نبيّ الهدى والرحمة، وعلى آله، وأصحابه، ومَن تبعهم، وسلِّم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين.
وبعد،،،
فهذا هو الجزء الخامس في سلسلة: الفقه المنهجي، على مذهب الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، رسمنا فيه، أحكام الوقف، والوصية، والمواريث
وقد رغبنا أن يكون ذلك بأسلوب سهل مبسط، وقفنا فيه عند أٌمهات الأحكام والمسائل من غير افتراض ولا تطويل.
وقرنَّا الأحكام بأدلتها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وأرشدنا إلى مواضع تلك الأدلة في مصادرها، تيسيراً لمن أراد الرجوع إليها، والوقف عليها. فقد جاء بحمد الله هذا الكتاب - كسابقيه - وافياً بما توخَّينا، وملمَّاً بما أردنا.
ولا ندَّعي أننا بلغنا الكمال، فدون ذلك خَرْط القَتاد، ولكن حسبنا أنّا
стр. 780
بذلنا في سبيل ذلك جهداً، ونسأل الله أن يتقبله منّا، ويثبتنا عليه، وينفع به طلاب علوم الدين، وسائر المسلمين.
غير أننا في أبحاث الفرائض، زدنا في التبسيط، وأسهبنا في التعبير، وعُدْنا للأحكام بأكثر من أسلوب، لأن هذا الفن، لصعوبته، قد أعرض عنه كثير من المتعلمين، وأهمله في زماننا عامّة المتفقِّهين، فأردنا بكثرة الردّ تسهيلَه، وبتلوين العبارات تقريبه.
وعليه فنحن نستمح القارئين عذراً إن وجدوا فيه بعض الإسهاب والتطويل، وضايقهم كثرة الإعادة والتكرار، فعذرنا ما ذكرنا. والله حسبنا ونِعمَ الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
المؤلفون
стр. 781
الوَقْفُ
стр. 782
الوَقْفُ
تعريف الوقف:
الوقف - ويُجمع على وقوف، وأوقاف -: هو في اللغة: الحبس، تقول: وقفت كذا إذا حبسته. ولا تقول: أوقفته إلا في لغة رديئة. وهذا على عكس حبس، فإن الفصيح فيه أن تقول: أحبست كذا، ولا تقول: حبسته إلا في لغة رديئة. والوقف شرعاً: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود.
وهذه القيود في هذا التعريف سوف تستبين لك وأنت تقرأ فقرات هذا البحث إن شاء الله تعالى.
دليل مشروعيه الوقف:
الوقف مشروع، بل هو قُربة، وأمر مرغَّب فيه شرعاً، ولقد قامت أدلة الكتاب والسنّة على تقريره، وبيان مشروعيته:
- أما الكتاب، فقول الله ﵎: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. [آل عمران: ٩٢].
فإن أبا طلحة ﵁ لما سمع هذه الآية الكريمة رغب في الوقف، وأتى النبي ﷺ يستشيره.
روى البخاري (٦٠٧) في (كتاب الوصايا)، باب (مَن تصدَّق إلى
стр. 783
وكيله ثم ردّ الوكيل إليه)، عن أنس ﵁ قال: لمّا نزلت: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ .. ﴾ جاء أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، يقول الله ﵎ في كتابه: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحبَّ أموالي إلى بَيْرَحاءُ - قال: وكانت حديقة كان رسول الله ﷺ يدخلها ويستظل بها، ويشرب من مائها - فهي إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، أرجو بِرَّهُ وذُخْرَهُ، فَضَعْها أيْ رَسولَ الله حَيث أراكَ اللهُ، فقال رسول الله ﷺ : " بخ أبا طلحة، وذلك مال رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين ". فتصدَّقَ به أبو طلحةَ على ذوي رحِمِهِ، قال: وكان منهم: أبي وحسانُ.
[بخْ: بوزن بل، كلمة تقال عند المدح والرضا بالشئ، وتُكرِّر للمبالغة، فيقال: بخْ بخْ، فإن وصلت خفضت ونوِّنت، فقلت: بخ بخ].
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٥].
فلفظ ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ عام يشمل وجوه الخير كلها، ومنها الوقف.
- وأما السنّة، فأحاديث كثيرة، منها:
ما رواه مسلم (١٦٣١) في (كتاب الوصية)، باب (ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته)، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ".
والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف. والولد الصالح، هو القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد.
ومنها ما رواه البخاري (٢٥٨٦) في (كتاب الشروط)، باب
(الشروط في الوقف)، ومسلم (١٦٣٢) في (كتاب الوصية)، باب
(الوقف)، عن ابن عمر ﵄، أن عمر بن الخطاب ﵁، أصاب أرضاً
стр. 784
بخيبر، فأتى النبيَّ ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إنَّي أصبتُ أرْضَاً بخيبر، لم أُصب مالا قط أنفسَ عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: " إن شئْت حبست أصْلَها وتصدَّقت بها ". قال: فتصدق بها عمر: أنه لا يُباُع ولا يوهب ولا يُورَثُ، وتصدقَ بها في الفقراء، وفي القُرْبى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، ولا جُناحَ على من وَلِيَها أن يأكلَ منها بالمعروف، ويُطعَمَ غيرَ متموِّل.
قال ابن سيرين ﵀: غير متأثل مالاً.
[أصاب أرضا: أخذها وصارت إليه بالقَسْم حين فُتحت خيبر، وقسمت أرضها.
يستأمره: يستشيره.
أنفس: أجود، والنفيس: الجيد.
حبَّست: وقفت.
في الرقاب: تحرير العبيد.
لا جناح: لا إثم.
ولِيَهَا: قام بأمرها.
غير متمول: غير مدخر للمال.
غير متأثل: غير جامع للمال. وكل شئ له أصل قديم، أو جمع حتى يصير له أصل، فهو مؤثل].
والمشهور أن وقف عمر ﵁ هذا كان هو أول وقف في
الإسلام.
وقد اشتهر الوقف بين الصحابة وانتشر، حتى قال جابر ﵁: ما بقى أحد من أصحاب رسول الله ﷺ له مقدرة إلا وقف. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: بلغني أن ثمانين صحابياً من الأنصار تصدّقوا بصدقات محرمات. والشافعي ﵀ يطلق هذا التعبير (صدقات محرمات) على الوقف.
стр. 785
حكمة مشروعية الوقف:
قلنا فيما سبق: إن الوقف مشروع، بل هو قُربة يُثاب عليها المؤمن، لذلك كان هناك من غير شك فوائد وحِكَم كثيرة لتشريع الوقف، نلمح منها:
١ - فتح باب التقرّب إلى الله تعالى في تسبيل المال في سبيل الله وتحصيل المزيد من الأجر والثواب، فليس شئ أحبَّ إلى قلب المؤمن، من عمل خير يزلفه إلى الله تعالى، ويزيده حّباً منه.
٢ - تحقيق رغبة الإنسان المؤمن، وهو يبرهن على إظهار عبوديته لله تعالى، وحبّه له، فمحبة الله تعالى لا تظهر واضحة إلا في مجال العمل والتطبيق. قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
٣ - تحقيق رغبة المؤمن أيضاً في بقاء الخير جارياً بعد وفاته، ووصول الثواب منهمراً إليه، وهو في قبره، حين ينقطع عمله من الدنيا، ولا يبقى له إلا ما حسبه ووقفه في سبيل الله حال حياته، أو كان سبباً في وجوده من ولد صالح، أو علم يُنتفع به.
٤ - تحقيق كثير من المصالح الإسلامية، فإن أموال الأوقاف إذا أُحسن التصرّف فيها كان لها أثر كبير وفوائد جمّة في تحقيق كثير من مصالح المسلمين: كبناء المساجد، والمدارس، وإحياء العلم، وإقامة الشعائر مثل الأذان والإمامة، وغيرها من المصالح والشعائر.
٥ - سدّ حاجة كثير من الفقراء والمساكين والأيتام وأبناء السبيل، والذين أقعدتهم بعض الظروف عن كسب حاجاتهم. فإن في أموال الأوقاف ما يقوم بسدّ حاجاتهم، وتطييب قلوبهم. والله أعلم ..
أركان الوقف:
للوقف أربعة أركان، وهي:
стр. 786
الواقف، والموقوف، والموقوف عليه، والصيغة. ولكل ركن من هذه الأركان الأربعة شروط، فإذا تحققت هذه الشروط، فإذا تحققت هذه الشروط كان الوقف على أكمل وجه، وهذه هي الشروط كل ركن:
١ - شروط الواقف:
يشترط في الواقف حتى يصحّ وقفه شرعاً الشروط التالية:
أصحة عبارته، وذلك بأن يكون حّراً بالغاً عاقلاً، فلا يصحّ وقف الرقيق، لأنه لا ملك له بل هو وماله لسيده، وكذلك لا يصح وقف الصبي والمجنون، ولو كان الوقف بمباشرة أوليائهم، فلو وقف الصبي - ولو ميِّزاً - شيئاً، وكذلك المجنون، كان الوقف باطلاً، ولو أجاز ذلك وليّهما، لأن الصبي والمجنون لا عبارة لهما شرعاً، فلا يصحّ الوقف منهما، ولا يجوز للوليّ التبرّع بشئ من أموالهما.
ب أهليّة التبّرع، فلا يصح الوقف من المحجور عليه بسفه، أو فلس، لأن هؤلاء ممنوعون من التصرّف بأموالهم، فلا يصح منهم التبرّع، ولا يجوز أن تسلّم إليهم أموالهم.
أما السفيه فلمصلحته، أما المفلس فلمصلحة غُرمائه.
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء: ٥].
[السفهاء: جمع سفيه، وهو هنا من لا يحسن التصرّف في ماله. وأصل السفه الخفّة].
وقد فسر الشافعي رحمه الله تعالى السفيه بالمبذر الذي ينفق ماله في المحرَّمات.
ومعنى قوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ أي جعل الله في تلك الأموال صَلاَحَ معاشكم.
стр. 787
وأضاف المال إلى الأولياء - وإن كانت في الحقيقة أموال السفهاء - لأنها بأيديهم، وهم الناظرون فيها. والقيام، والقوام: ما يقيمك. يقال: فلان قيام أهله، وقِوَام بيته، أي هو الذي يقيم شأنه، ويصلحه.
روى الحاكم (٢/ ٥٨) في (البيوع)، باب (الرهن محلوب ومركوب)، ورواه الدارقطني وغيره أيضاً، عن كعب بن مالك: أن كانَ عَليه، فقسمه بين غرمائه، فأصابهم خَمسة أسْبَاع حقوقهم، فقال لهم النبي ﷺ : " ليس لكم إلا ذلك ".
ج- الاختيار، فلا يصحّ وقف المكره، لأن الاختبار شرط من شروط التكليف
وقف المريض مرض الموت:
المريض إذا كان في حالة من المرض يغلب فيها الهلاك، وتُفضي على الموت غالباً، فإنه لا يجوز وقفه فيما زاد على ثلث ماله، رعاية لحق الورثة في التركة، أما في الثلث فما دونه، فإنه يجوز وقفه رعاية لمصلحته، في الحصول الأجر والثواب له بعد موته. دلّ على ذلك ما رواه البخاري (١٢٣٣) في (كتاب الجنائز)، باب (رثي النبيُّ ﷺ سعد بن خَوْلة)، ومسلم (١٦٢٨) في (كتاب الوصية)، باب (الوصية بالثلث)، عن سعد بن أبي وقّاص ﵁ قال: كانَ رسول الله ﷺ يَعودُني عام حَجَّةَ الوَداع، منْ وَجَع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدَّق بثلثي مالي، قال: " لا "، فقلت: بالشطر، فقال: " لا " ثم قال: " الثلث، والثلثُ كبير، أو كثير، إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ".
[الشطر: النصف.
عالة: فقراء.
стр. 788
يتكففون: يسألون بأكُفِّهم، أو يطلبون ما في أكفّ الناس].
وقف الكافر:
قال علماء الشافعية: يصحّ وقف الكافر ولو لمسجد، وإن لم يعتقده قُربة، اعتباراً باعتقادنا، ولأنه من أهل التبّرع، ومثل هذه التبرعات لا تحتاج في صحتها إلى نيّة، والنيّة معلوم أن شرطها الإسلام. والكافر يُثاب على نفقاته وصدقاته في الدنيا، أما في الآخرة فلا حظّ له بشئ من الثواب.
روى مسلم (٢٨٠٨) في (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم)، باب
(جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا)، عن أنس بن مالك ﵁ قال: رسول الله ﷺ : " إن الله لا يَظلمُ مؤمنا حَسنةً، يعطي بها في الدنيا، ويُجزَى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها الله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُجزى بها ".
[أفضى إلى الآخرة: صار إليها].
٢ - شروط الموقوف:
وللموقوف شروط نذكرها فيما يلي:
أ - أن يكون الموقوف عيناً معيَّنة، فلا يصح وقف المنافع وحدها دون أعيانها، سواء كانت هذه المنافع مؤقتة، كأن سكنى داره سنة، أم كانت مؤبدة، كأن وقفها أبداً، وذلك أن الرقبة هي الأصل، والمنفعة فرع، والفرع يتبع الأصل، فما دام الأصل باقياً على ملك الواقف كانت المنفعة كذلك باقية على ملكه، فلا تنفصل وحدها بالوقف.
وكذلك لا يصح الوقف إذا لم يكن العين الموقوفة معيَّنة، فلو أنه وقف إحدى دارَية، أو إحدى سيّارتَيه من غير تعيين للموقوف، فإن
стр. 789
هذا الوقف غير صحيح لعدم بيان العين الموقوفة، وكان قوله هذا أشبه بالعبث، لا بالجدّ.
ب-أن يكون الموقوف مملوكاً للواقف ملكاً يقبل النقل، ويحصل منه فائدة، أو منفعة.
وعلى هذا لا يصحّ أن يقف الإنسان شيئاً لا يملكه، لأن في الوقف نقلاً لملكية الموقوف من حَوْزة المالك. وما لا يملكه كيف تُنقل ملكيته منه. لذلك كان وقْفُ ما لا يملك لا غياً.
ومن هذا القبيل عدم صحة أن يقف الإنسان الحرّ نفسه، لأن رقبته ليست مملوكة له، حتى يخرجها بالوقف عن ملكه، بل ملكيتها لله تعالى.
وكذلك لا يصحّ وقف حمل الدواب وحدها دون أُمهاتها، لأن الحمل وحده لا يصحّ نقل ملكيته ما دام في بطن أُمه، نعم إذا وُقفت الأُم صحّ وقف الحمل تبعاً لها.
وكذلك يجب أن يكون الموقوف ذا منفعة تُرجى وفائدة تُقصد، فلو أنه وقف أرضاً لا تصلح لزرع أو بناء، أو ثياباً ممزقة لا تنفع في شئ، فإن هذا الوقف غير صحيح، لأن مقصود الوقف حصول المنفعة، وهذا لا فائدة منه لا منفعة فيه.
ج- دوام الانتفاع بالموقوف، فلا يجوز وقف الطعام ونحوه ممّا لا تكون فائدته إلا باستهلاك عينه.
والمقصود بدوام الانتفاع بالموقوف الدوام النسبي لا الأبدي، أي إنه يبقى مدة يصحّ الاستئجار فيها، أي تقابل تلك المنفعة بأُجرة، فلو وقف سيارة، أو دابّة صحّ هذا الوقف وإن كانت السيارة لا تبقى منفعتها أبداً، بل قد يصيبها التلف والعطب، وكذلك الدابة. هذا، ولا
стр. 790
يشترط الانتفاع بالموقوف حالاً، بل يُكتفى بالانتفاع به ولو مالاً، فلو وقف دابة صغيرة صحّ الوقف، لأنه يمكن الانتفاع بها في المال.
د- أن تكون منفعة الموقوف مباحة، لا حُرمة فيها، وعليه فلا يصحّ وقف ما كانت منافعه محرّمة كآلات اللهو، وما أشبهها، لأن الوقف قُربة والمعصية تنافيه.
وقف إمام المسلمين وخليفتهم
من بيت مال المسلمين
ولقد أجاز علماء الشافعية لإمام المسلمين وخليفتهم أن يقف شيئاً من أرض بيت مال المسلمين، إذا رأى في ذلك مصلحة لهم، واستثنوا هذا من شرط ملكية الواقف للوقف، فإن الخلفية لا يملك أموال بيت مال المسلمين، ومع ذلك صحَّحوا وقفه هذا، واستدلوا لذلك بوقف عمر بن الخطاب ﵁ سواد العراق. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في " الروضة ": (لو رأى الإمام وقف أرض الغنيمة، كما فعل عمر ﵁، جاز إذا استطاب قلوب الغانمين في النزول عنها بِعوضَ أو بغيره).
وقف العقارات
يجوز وقف العقارات من أرض، أو دور، أو متاجر أو آبار، أو عيون ماء: أيّاً كانت تلك الأرض، أو تلك الدور، والمتاجر والآبار والعيون، ما دامت صالحة للانتفاع بها حالاً، أو مآلاً.
دلّ على ذلك الكتاب والسنّة، وعمل الصحابة ﵃، فقد سبق أن نقلنا ما قاله جابر ﵁: (ما بقى أحد من أصحاب رسول الله ﷺ له مقدرة إلا وقف)، وقول الشافعي رحمه الله تعالى: (بلغني أن ثمانين صحابياً من الأنصار تصدَّقوا بصدقات محرمات)، أي وقفوا أوقافاً.
ومعلوم أن أكثر ما كانوا يقفونه إنما هو الأراضي، والدور، والآبار.
стр. 791
وقف الأموال المنقولة
وكذلك يصحّ وقف الأموال لمنقولة: كالدواب، والسيارات، والآت الحرب، والثياب، والفرش، والأواني، والكتب النافعة.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (٢٦٩٨) في (الجهاد)، باب (مَن احتبس فرساً)، والنسائي (٦/ ٢٢٥) في (الخيل)، باب (علف الخيل)، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن احْتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإن شِعَبَةُ ورية وروْثه وبوله في ميزانه يوم القيامة ".
[احتبس: وقف].
وروى البخاري (١٣٩٩) في (كتاب الزكاة)، باب (قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ ........... وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾، ومسلم (٩٨٧) في (كتاب الزكاة)، باب (تقديم الزكاة ومنعها)، عن أبي هريرة ﵁: (وأما خالد، فإنكم تظلمون خالداً، فقد احتبس أدراعه وأعتدة في سبيل الله).
[احتبس: وقف. أدراعه: جمع درع، وهو الزرد. أعتده: جمع عتاد، وهو ما أعدّه الرجل من السلاح والدواب، والآت الحرب].
وقف المشاع
المشاع هو الشئ المملوك المختلط بغيره بحيث لا يتميَّز بعضه عن بعض
والمشاع أيضاً يصحّ وقفه، سواء كان من المنقولات، أم من العقارات، سواء وقف الشخص الواحد جزءاً شائعاً، أم وقف الجماعة أجزاء شائعة، لا فرق بين هذا وذاك، فكل جائز شرعاً.
ودليل ذلك ما رواه النسائي (٦/ ٢٣٠، ٢٣١) في (الاحتباس)، باب
(كيف يكتب المحتبس)، عن ابن عمر ﵄: قال عمر
стр. 792
رضي الله عنه للنبي ﷺ : إن المائة السهم التي لي بخيبر لم أصب مالاً قط أعجب إلى منها قد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي ﷺ : " احبس أصلها وسبل ثمرتها ".
وروى البخاري (٢٦١٩) في (كتاب الوصايا)، باب (إذا أوقف جماعة أرضاً مشاعاً فهو جائز)، عن أنس ﵁ قال: أمر النبي ﷺ ببناء المسجد، فقال: " يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا "، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.
[ثامنوني بحائطكم: ساوموني ببستانكم وخذوا ثمنه].
قال الخطيب الشَّربيني في كتابه " مغنى المحتاج، إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج " للإمام النووي رحمه الله تعالى: (واتفقت الأمة في الأعصار على وقف الحُصر والقناديل في المساجد من غير نكير).
٣ - شروط الموقوف عليه:
الموقوف عليه قسمان:
معَّين، واحداً فأكثر.
غير معَّين، كالوقف على الجهات، كالفقراء مثلاً. ولكل قسم منهما شروط.
شروط الموقوف عليه المعَّين
إذا كان الموقوف عليه معيناً، واحداً فأكثر، اشترط فيه الشرط التالي:
إمكان تمليكه عند الوقف عليه، وذلك بأن يكون موجوداً في واقع الحال.
فلا يصحّ الوقف على ولد له، والواقع أنه ليس له ولد. وكذلك لو وقف على الفقراء من أولاد فلان، ولا فقير فيهم عند الوقف، فإن هذا الوقف غير صحيح. ولا يصحّ الوقف أيضاً على جنين، ولا على ميت، ولا
стр. 793
على دابة، ولا على دار. وغير ذلك مما لا يتصور صحة تملكهم في حال الوقف عليهم.
وعليه فلا يصحّ وقف المصحف وكتب العلم الشرعية على غير مسلم لعدم جواز تمليكه إيّاها. ولا يصحُ وقف من الواقف على نفسه أصالة، لعدم الفائدة في ذلك، لأنه من باب تحصيل الحاصل، فهو ملكه قبل الوقف، ولم يحدث بعد الوقف شئ جديد.
الوقف على الكافر
أجاز علماء الشافعية والوقف على كافر إذا كان ذمياً معيّناً ما دام الواقف لا يقصد بوقفه عليه معصية، وذلك لأن الصدقة تجوز على الذمِّي، فكذلك الوقف جائز عليه.
فإذا لوحظ عند الوقف عليه مراعاة معصية، كما لو وقف على خادم كنيسة لخدمته الكنيسة، فإن هذا الوقف غير صحيح، وذلك لمنافاة المعصية المشروعية الوقف.
والمُعاهَد والمستأمن في صحة الوقف عليهما كالذميّ، وما داما حالِّيْن في ديار المسلمين، سارية عليهما عهودهم.
أما الكافر الحربي والمرتد، فلا يصحّ الوقف عليهما، لأنهما ما داما كذلك، فلا دوام لهما، ولا يُقرِّان على كفرهما، والوقف صَدَقَة جارية فكما لا يصحّ وقف ما لا دوام له، لا يصح أيضاً الوقف على من لا دوام له. فقد ورد الشرع بقتالهما وقتلهما.
روى البخاري (٢٥) في (كتاب الإيمان)، باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم)، ومسلم (٢٢) في (كتاب الإيمان)، باب (الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله)، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، قال: رسول الله ﷺ : " أمرت أن أُقاتلَ الناس حَتَّى يشهدُوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ مُحمداً رسولُ
стр. 794
الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتُوا الزكاة، فإذا فَعلُوا ذلك عَصَمُوا مّني دماءهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله ".
[عصموا مني دماءهم: حفظوها وحقنوها. إلا بحق الإسلام: أي إلا إذا فعلوا ما يستوجب عقوبة مالية أو بدنّية في الإسلام، فإنهم يؤاخذون بذلك قصاصاً. وحسابهم على الله: أي فيما يتعلق بسرائرهم، وما يضمرون].
وروى البخاري (٢٧٩٥) في (كتاب الجهاد)، باب (لا يعذَّب بعذاب الله)، والترمذي (١٤٥٨) في (كتاب الحدود)، باب (ما جاء في المرتد)، وغيرهما، عن عكرمة ﵁: أن النبي ﷺ قال: " مَن بدّل دينه فاقتلوه"
شروط الموقوف عليه غير المعين:
يشترط في الموقوف عليه غير المعين: كالفقراء، والمساجد والمدارس وغيرها، حتى يكون الوقف عليه صحيحاً شرعاً شرط واحد، وهو:
أن لا يكون في ذلك الوقف وقف على معصية من المعاصي، لأن الوقف عندئذ إنما يكون إعانة على فعل المعاصي، وتثبيتاً لوجودها، والوقف إنما شُرِّع للتقرب إلى الله تعالى، فهو والمعصية إذاً ضدّان لا يجتمعان.
وبناءً على ما سبق، فإنه لا يصحّ وقف يكون ريعه لمعابد الكفّار، كالكنائس والبيعّ، ولا على خدمتها، وفرشها وقناديلها، ولا على تأسيسها أو ترميمها، وغير ذلك مما يتعلق بها.
ومثل هذا وقف السلاح على أصحاب الفتن وقّطاع الطرق، فإن ذلك لا يجوز أيضاً، لأن فيه الإعانة على المعاصي، كما سبق أن ذكرنا.
يتضح مما سبق أن الوقف على الفقراء، والعلماء والقرّاء
стр. 795
والمجاهدين، والكعبة والمساجد والمدارس والثغور، والمستشفيات، وتكفين الموتى، كل ذلك جائز شرعاً، بل هو قربة مستحبة، دعا الدين إليها، ووعد بالثواب عليها، ودليل ذلك عموم تلك الأدلة التي دلّت على مشروعية الوقف، والترغيب فيه، وقد مرّ ذكرها.
الوقف على الأغنياء
هذا ويجوز شرعاً الوقف على الأغنياء لأن الصدقة تجوز عليهم، وليس في الوقف عليهم معصية لله تعالى، وكذلك فالوقف، تمليك، وهم أهل لهذا التمليك.
حدّ الفقر والغني:
لو وقف إنسان داراً، وقال فيه: وقفتها ليكون ريعها للفقراء، أو الأغنياء، فمَن هو الفقير الذي يتناوله اللفظ، ومن هو الغني أيضاً؟
الفقير:
قالوا في تحديد الفقير في الوقف: إنه الفقير في الزكاة، فما صحّت له الزكاة لفقره، صحّ له الوقف لفقره أيضاً، وما لا فلا.
وعليه يجوز صرف الوقف على المساكين، وهم أحسن حالاً من الفقراء لجواز صرف الزكاة إليهم، ولا يجوز صرف الوقف إلى زوجة فقيرة لها زوج يَمُوْنها وينفق عليها، ولا على أولاد مكفيِّين بنفقة أبيهم، لأن الزكاة لا يجوز صرفها إليهم.
الغنيّ:
قالوا في تحديده: إنه مَن تحرم عليه الزكاة، إما لملكه، أو لقوّته وكسبه، أو كفايته بنفقة غيره.
الوقف على سبيل الخير، أو سبيل الله
لو قال الواقف في وقفة: وقفت أرضي ليكون ريعها في سبيل البِّر أو الخير، أو الثواب، فمن يستحق ريع هذا الوقف؟
стр. 796
وجوابه: أن الذي يستحق ريع هذا الوقف إنما هم أقرباء الواقف، فإن لم يوجدوا، فأهل الزكاة ما عدا العاملين والمؤلّفة قلوبهم.
أما لو قال: في سبيل الله، فإنما يستحق ذلك الريع الغزاة الذين هم " أهل الزكاة
فإن جمع في وقفه بين سبيل الله وسبيل البر وسبيل الثواب، كان ثلث هذا الوقف للغزاة، وثلثه لأقرباء الواقف، والثلث الأخير لأصناف الزكاة ماعدا العاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم.
الوقف على زخرفة المساجد
وعمارة القبور
قال الفقهاء: لا يصحّ الوقف على تزويق المسجد أو نقشه، ولا على عمارة القبور، لأن الموتى صائرون إلى البلى فلا يليق بهم العمارة، ولا يجوز إضاعة المال وإتلافه في غير منفعة.
أين هذا الذي قاله العلماء، مما يفعله عّوام المسلمين اليوم، وربما أقرّهم على ذلك علماؤهم، أو سكتوا عليهم؟!.
فكم جمعوا أموالاً، من الفقراء والأغنياء، ومن غلاّت الأوقاف، أو هبات الناس ليزوّقوا مسجداً، أو ينقشوا فيه جداراً أو قُبَّة، أو يضخِّموا فيه محراباً أو منبراً، جاهلين أو متجاهلين أن ذلك سرف ممقوت، وإضاعة مال في افتتان قلوب الناس في صلاتهم، وشغل أفكارهم بهذه الزخارف عن عباداتهم!! كأنهم لم يقرؤوا قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. ومن أين يأتي الخشوع، وبين يدي المصلى وفي قبلته وعن يمينه وشماله من الزخارف والنقوش ما يأخذ بقلبه ولُبّه؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومثل هذا السَرَف في المساجد السرف أيضاً في عمارة القبور،
стр. 797
وتسنيمها وتجصيصها، وبناء القباب والقناطر عليها، حتى ليخيَّل إليك أنها قصور وليست بقبور، وكأن أصحابها أحياء ينعمون بتلك المباني!!.
إن بعض الناس لينفقون من أموالهم على بناء قبورهم، ويوصون أن تُجعل لهم قبور ضخمة فخمة يُوضعون فيها بعد موتهم، فهذه وصايا باطلة شرعاً، وأوقاف لاغية. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في متن " المنهاج ": (ويكره تجصيص القبور والبناء والكتابة عليه، ولو بني في مقبرة مُسَبَّلة هُدم).
قال الخطيب الشربيني في " مغني المحتاج ": (يهدم البناء لأنه يضيق على الناس، ولا فرق بين أن يبني قبة أو بيتاً أو مسجداً أو غير ذلك).
وقف الكفّار على معابدهم
قلنا فيما سبق: لا يجوز وقف المسلم مالاً على الكنيسة ونحوها، لوجود المعصية في ذلك.
وهنا نقول: لا نجوِّز للذمِّي أيضاً أن يقف لكنيسة أو معبد من معابدهم، عملاً بشرعنا واعتقادنا، هذا حين يترافعون إلينا، ويطلبون منّا بيان الحكم في ذلك، فإننا نقضي ببطلان أوقافهم على تلك الكنائس والبِيَع.
أما إذا لم يترافعوا إلينا، ولم يستفتونا في ذلك فإننا لا نتعرّض لهم، ونتركهم وما يدينون به.
أما ما وقفوه قبل بعثة النبي ﷺ على كنائسهم القديمة، فلا نُبطله، بل نقرّه حيث نقرّها.
٤ - صيغة الوقف:
(١) تعريف الصيغة:
الصيغة: هي اللفظ المشعر بالمقصود، أما ما يقوم مقام اللفظ،
стр. 798
كإشارة الأخرس المفهمة، أو كتابته. ولا بدّ من الصيغة لصحة الوقف وإنشائه
(٢) أقسام الصيغة:
الصيغة قسمان:
أ - صريحة: وهي التي لا تحتمل إلا المعنى المراد، مثل أن يقول وقفت داري على الفقراء، أو هي موقوفة عليهم، أو يقول: حبستها لهم، أو سبّلتها لهم.
ومثل هذه الألفاظ الصريحة الواضحة في الدلالة على المقصود لا تحتاج إلى نيّة لصحة الوقف، شأنها شأن كل لفظ صريح في العقود، بل يكفي فيها النطق بها.
ب كناية: وهي اللفظ الذي يحتمل مع المعنى المراد غيره، كأن يقول: مالي صدقة على الفقراء، أو حرمته لهم، أو أبّدته عليهم، وهكذا.
ومن كناية أيضاً كتابة الناطق.
والكناية لا بدّ فيها من النّية مع اللفظ، شأنها شأن كل ألفاظ الكناية في العقود، حتى تنشأ العقود صحيحة.
(٣) شروط صيغة الوقف:
لصيغة الوقف - صريحة كانت، أم كناية - شروط نذكرها فيما يلي:
أ - أن تكون لفظاً من ناطق يشعر بالمراد، أو كتابة من أخرس مُفصحة عن المقصود.
ب-أن تكون الصيغة خالية من التوقيف، فإن قال: وقفت أرضي على طلاب العلم سنة، بَطُلَ الوقف، لعدم صحة هذه الصيغة، لوجود التوقيف فيها، وذلك لأن مقتضى الوقف التأبيد، والتوقيت يُنافيه.
стр. 799
ما يُستثنى من شرط التوقيت:
لقد استثنى العلماء من هذا الشرط - شرط التوقيت - المساجد، والرُبُط والمقابر، وما يجري مجراها مما يشبه تحرير الرقاب، ويضاهيه، فحكموا بصحة الوقف، على التأبيد، وألغْوا الشرط. رغبة في تصحيح الصيغة ما أمكن. فلو قال: وقفت أرضي هذه مسجداً، أو مقبرة أو رباطاً سنة، صحّ الوقف مؤبداً وأُلغي الوقت.
ج- بيان مصرف الوقف، فلو قال وقفت، أو سبّلت كذا ولم يبيّن المصرف لم ينعقد الوقف، لعدم معرفة الجهة التي وقف عليها.
د- عدم التعليق، فإن الوقف عقد يقتضي الملك في الحال، فلا يصحّ تعليقه على شرط.
فإذا قال. وقفت داري على الفقراء إذا جاء زيد، وسبّلت سيارتي لهم إن رضيت زوجتي، فالوقف باطل، لمنافاة مقتضى العقد لمثل هذه الشروط كما سبق أن قلنا. ويستثنى من هذا الشرط أيضاً ما يشبه تحرير الرقاب كما سبق وذكرنا. فلو قال إذا جاء رمضان فقد وقفت داري مسجداً، وصحّ الوقف.
هـ - الإلزام، فلا يصح فيه خيار شرط له، أو لغيره، وكذلك خيار المجلس. فلو قال: وقفت دابتي على الفقراء، ولي الخيار ثلاثة أيام، أو لي خَيار بيعها متى شئت، بطل هذا الوقف لعدم تنجيز الوقف في الحال حسب مقتضى الوقف.
اشتراط قبول الموقوف عليه المعَّين الوقف:
إذا كان الوقف على معين، مثل أن يقف داراً على خالد مثلاً، اشترط لصحة هذا الوقف قبول الموقوف عليه المعيّن الوقف، ويجب أن يكون هذا القبول متصلاً بالإيجاب، وهو قول الواقف: وقفت داري هذه على خالد. فإذا قبل خالد بهذا الوقف صحّ، وإذا ردّه بَطل.
стр. 800
أما إذا كان الوقف على غير معين: كالوقف على الفقراء، أو على المسجد، فلا يشترط لصحة هذا الوقف القبول، لتعذّر ذلك.
انتفاع الواقف من وقفه:
ليس للواقف أن ينتفع بشئ من وقفه - كما سبق وقلنا: ليس له أن يقف على نفسه - لأن الوقف إخراج لملكية الموقوف من ملك الواقف، وكذلك منافعه، ولكن العلماء استْثَنْوا من هذا، ما لو وقف مُلكه مسجداً أو مقبرة، أو بئراً، فله أن يكون كباقي المسلمين في الانتفاع من هذا الموقوف. وعليه يصحّ له أن يصلّي في ذلك المسجد الذي وقفه، وأن يشب من ماء تلك البئر، وأن يُدفن في المقبرة أيضاً.
ودليل هذا حديث عثمان ﵁، قال: إن النبي ﷺ قدم المدينة، وليس بها ماء يستعذب، غير بئر رُومة، فقال: " من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة " فاشتريتها من صلب مالي.
رواه الترمذي (٣٧٠٤) بسند حسن، في (المناقف)، باب (مناقب عثمان)، ورواه النسائي (٦/ ٢٣٥) في (الأحباس)، باب (وقف المساجد)، ورواه البخاري (٢٦٢٦) تعليقاً في (كتاب الوصايا)، باب (إذا وقف أرضاً أو بئراً، أو اشترط لنفسه مثل دِلاء المسلمين).
وبئر رومة: كانت ليهودي في المدينة يبيع ماءها للمسلمين، كل قربة بدرهم، فاشتراها عثمان ﵁، ووقفها على المسلمين، على أن له أن يشرب منها، كما يشربون.
لزوم الوقف، وما يترتب عليه من أحكام:
الوقف من العقود اللازمة، التي يترتب عليها آثارها بمجرد إنشاء العقد الصحيح، وليس هو كالوصية، فإنها عقد جائز.
ويترتب على لزوم عقد الوقف الأحكام التالية:
стр. 801
أعدم ثبوت الخيار في عقد الوقف، فإذا وقف صحيحاً، فليس له خيار مجلس، كما أنه ليس له خيار شرط أيضاً.
ب انتقال ملكية الموقوف إلى الله ، فلا يحق للمالك الأصلي التصرّف في الوقف على سبيل الملكية لا بيع ولا هبة، ولا غير ذلك.
ج- انتقال حق الانتفاع بالوقف إلى الجهة التي كان لها الوقف، خاصّة كانت، ... أو عامّة.
ملكية الموقوف:
إذا وقف الواقف عيناً، عقاراً، أو سيارة، أو سلاحاً، أو غير ذلك انتقل مُلك رقبة الموقوف إلى الله تعالى، فلا يكون الموقوف للواقف، ولا للموقوف عليه.
منافع الموقوف:
منافع العين الموقوفة مُلك للموقوف عليه إذا كان الموقوف عليه معيَّناً، وله أن يستوفي هذه المنافع بنفسه، أو بغيره، بإعارة وإجارة.
ويملك أيضاً فوائد الوقف الحاصلة بعده، كثمر الأشجار الموقوفة عليه وصوف ولبن وأولاد الدواب الموقوفة عليه أيضاً.
أما إذا كان الموقوف عليه غير معين، وإنما هو جهة من الجهات كالفقراء مثلاً، فإنهم لا يملكون منفعة الموقوف، بل يملكون حق الانتفاع بها.
التصرّف بالموقوف:
لا يجوز التصرّف برقية العين الموقوفة بيعاً أو شراءً أو إرثاً، لا من قبل الواقف، ولا من قبل الموقوف عليه، معيناً كان الموقوف عليه، أو غير معين، بل تبقى على ملكية الله ﵎، تصرف منافعها إلى مَن وُقفت عليه، ويعمل بها ما أمكن بما نصّ عليه الواقف.
стр. 802
دلّ على ذلك وقْف عمر بن الخطاب ﵁ فإنه نصّ في وقفه:
(أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث) رواه البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم
(١٦٣٢).
نفقة الموقوف:
إذا كان للموقوف نفقة يحتاجها: كطعام الدواب، أو ترميم المباني، أو إصلاح الآلات، فإن هذه النفقة على الوقف تكون من حيث شرطها الواقف من ماله، أو من مال الوقف، فإن لم يشترط الواقف شيئاً كانت النفقة من غلاّت الوقف إن كان له غلّة، فإن لم يكن للموقوف غلّة، أو تعطّلت منافعه، فالنفقة تَجِبْ في بيت مال المسلمين، لأنه مرصود لمصالحهم، وفي النفقة على الموقوف مصلحة لهم.
هلاك الموقوف والأحكام المتعلقة به:
قد يهلك الموقوف، فتتعلق به عند هلاكه أحكام، تختلف باختلاف العين الموقوفة الهالكة، وباختلاف نوعية الهلاك، وهذه الأحكام هي:
أإذا كان الموقوف بهيمة غير مأكولة فماتت اختصّ بجلدها الموقوف عليه، لأنه أولى به من غيره، فإن دُبغ الجلد عاد وقفاً عليه ينتفع به، ولا يجوز له بيعه حفظاً على مقصد الواقف ما أمكن.
ب إذا كان الموقوف بهيمة مأكولة، وقطع الموقوف عليه بأنها ستموت من شئ نزل بها جاز ذبحها للضرورة، ويُباع لحمها ويُشترى به دابة من جنسها وتوقف مكانها، وقيل يُترك أمر لحمها للحاكم يفعل فيه ما يراه مصلحة.
ج- إذا أُتلفت العين الموقوفة، فإن على مُتلفها ضمان قيمتها، وذلك كأن أتلفها أحد تعدِّياً، لم يملك الموقوف عليه قيمة العين الموقوفة التالفة، بل يُشتري بالقيمة عين مماثلة لها، وتصبح وقفاً مكانها، وذلك مراعاة لغرض الواقف من استمرار الثواب، وتعلّق حق البطن الثاني وما
стр. 803
بعده بها، فإن تعذّر شراء عين كاملة، فبعض عين، لأنه أقرب إلى مقصود الواقف، فإن تعذّر شراء البعض، فإن الموقوف يعود إلى أقرب الناس إلى الواقف، وأما إذا تلفت العين الموقوفة من غير ضمان، أو تلفت بنفسها، فقد انتهى الوقف بزوال العين الموقوفة.
د- إذا تعطّلت منفعة العين الموقوفة بسبب غير مضمون، كأن وقف أشجاراً فجفّت، أو قلعها الريح أو السَّيْل، ولم يمكن إعادتها إلى مغرسها قبل جفافها، لم ينقطع الوقف، بل تبقى موقوفة ينتفع بها جذوعاً بإجارة ونحوها، إدامة للوقف في عينها، ولا تُباع ولا تُوهب، فإن لم يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاكها بإحراق ونحوه جاز للوقوف عليه ذلك، إلا أنه لا يجوز بيعها ولا هبتها.
هـ - إذا كان الموقوف حُصُر مسجد ونحوها فبليت، أو جذوعاً فانكسرت، ولم تصلح إلا للإحراق جاز بيعها، لئلا تضيع، أو يضيق المكان بها من غير فائدة، وتحصيل مال يسير من ثمنها يعود إلى الوقف أولى من ضياعها، وعلى هذا، فإن ثمنها يُصرف في مصالح المسجد، ويقدم شراء مثيل للتالف إن أمكن
أما إذا صلحت لغير الإحراق، لم يجز بيعها، محافظة على استيفاء عينها، تمشياً مع غرض الواقف.
وإذا انهدم مسجد وتعذّرت إعادته لم يجز بيعه بحال، لإمكان إعادته في وقت ما، فإن كان لهذا المسجد غلّة تُصرف على مصالحه، فإن توقعنا عوده حفظت غلّته، وإن لم نتوقع عوده جار صرف غلّته إلى أقرب المساجد إليه.
ز- إذا خيف على مسجد جاز للحاكم نقضه، وبنى بحجارته مسجداً آخر، ولا يبني بحجارته وأنقاضه شيئاً آخر مراعاة لغرض الواقف.
وبناؤه قريباً من المسجد المنقوض أولى.
стр. 804
ح- ولو وقف أحد مالاً على قنطرة منصوبة على واد، فانخرق الوادي وتعطلت القنطرة، واحتاج الناس إلى قنطرة أخرى، جاز نقل تلك القنطرة إلى محل الحاجة، استبقاءً لمقصود الواقف ما أمكن.
موت الموقوف عليه:
أإذا مات الموقوف عليه، فإن عيِّن الواقف مصرفاً آخر غير ذلك الشخص الذي مات ينتقل إليه الوقف عند موته، انتقل إلى الذي عيِّنه، وذلك كأن يقول الواقف: وقفت هذه الدار، أو السيارة على ولدي، ثم على الفقراء. وإن لم يعيِّن مصرفاً آخر ينتقل إليه الوقف بقي الموقوف وقفاً، وصرف إلى أقرب الناس للواقف يوم موت الموقوف عليه الأول.
ب إذا وقف على شخصين، ثم الفقراء: كأن قال وقفت أرضي على زيد وعمر، ثم الفقراء، فمات أحدهما ذهب نصيبه من الوقف إلى الشخص الآخر، لأن الواقف شرط انتقال الوقف إلى الفقراء بموت الشخصين، ولم يوجد ذلك.
ج- إذا وقف شخصين، وفصَّل بأن قال: وقفت على كل واحد منهما نصف هذه الدار، ثم على الفقراء، فهو وقفان، فلا ينتقل نصيب أحدهما إلى الآخر، بل ينتقل إلى الفقراء.
حكم الوقف ابتداءً ودواماً:
للوقف من حيث الابتداء والدوام أحكام متنوعة أهمها:
أإذا كان الوقف على موجود إلا إنه منقطع الآخر، وذلك مثل قوله:
وقفت هذه المكتبة على أولادي، أو على زيد، ثم نسله، ولم يزد على ذلك، صحّ الوقف، لأن مقصود الوقف القربة والدوام، فإذا بَّين مصرفه ابتداء سهَل إدامته على سبيل الخير، فإذا انقرض المذكور بقي وقفاً، ويصرف الوقف إلى أقرب الناس للواقف يوم انقراض المذكور، لأن الصدقة على الأقارب من أفضل القربات، فإن الصدقة على
стр. 805
الأقارب، صدقة وصلة، كما جاء في حديث: رواه الترمذي (٦٥٨) بسند حسن في (كتاب الزكاة)، باب (ما جاء في الصدقة على ذي القرابة) والنسائي ٨ (٥/ ٩٢) في (الزكاة)، (باب الصدقة على الأقارب)، وابن ماجه (١٨٤٤) في (الزكاة)، باب (فضل الصدقة)، كلهم عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة ". ويختصّ الوقف عندئذ بفقراء قرابة الرحم، لا الإرث، فيقدم ابن بنت على ابن عم.
ب إذا كان الوقف منقطع الأول، كأن قال الواقف: هذه الدار على مَن سيولد لي، ثم على الفقراء، بطل هذا الوقف في الأول، لعدم إمكان تمليكه في الحال، كما مرّ بيانه، وبطل في الثاني، لأنه مرتب على الأول.
ج- إذا كان الوقف منقطع الوسط، كأن قال الواقف: وقفت هذا المتجر على أولاد خالد، ثم على رجل، ثم على الفقراء، صحّ هذا الوقف، لوجود المصرف في الحال، والمآل، ويصرف بعد أولاد خالد إلى الفقراء، لا لأقرب الناس إلى الواقف، لعدم معرفة أمد الانقطاع.
الولاية على الموقوف:
لا بدّ في الوقف من ناظر ينظر في أمره، ويقوم على مصالحه، والمحافظة عليه، وإنفاق موارده في الجهات التي نصّ عليها الواقف.
أحقّ الناس بالولاية على الوقف:
أحقّ الناس بالولاية على الموقوف هو من يعيّنه الواقف نفسه.
فإن شرط النظر على الوقف لنفسه، كان له النظر عليه، وكان أولى الناس به، وإن شرطه لغيره واحداً كان أو أكثر اتُبع شرطه، سواء فوّض الناظر بهذا النظر على الوقف حال حياته، أم أوصى له به، لأنه المتقرِّب
стр. 806
إلى الله تعالى بالصدقة، فيتبع شرطه في النظر كما يتبع في المصارف وغيرها. فإن جعل الولاية لفلان، فإن مات فلفلان، جاز تحقيقاً لرغبته في النظر على وقفه.
وقد كان عمر ﵁ يلي أمر صدقته، ثم جعله لحفصة بنته ﵂ تليه ما عاشت، ثم يليه أولو الرأي من أهلها. رواه أبو داود (٢٨٧٩) في
(الوصايا)، باب (ما جاء في الرجل يوقف الوقف) وإن لم يشترط الواقف النظر على الوقف لأحد، فالنظر عندئذ للقاضي، لأن له النظر العام، فكان أولى بالنظر في الوقف.
شروط الوالي على الوقف:
للناظر في الوقف شروط، حتى يصح أن يكون ناظراً، وهذه الشروط
هي:
١ - العدالة، وهي الاستقامة في أمور الدين، وشرطت العدالة في الناظر، لأن النظر ولاية، والولاية لا تصح من غير عدل.
٢ - الكفاية، والمراد بها قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما هو ناظر عليه، واهتداؤه إلى محاسن أوجه التصرف.
فإذا اختلّ في الناظر أحد هذين الشرطين نزع الحاكم الوقف منه، ووليه هو بنفسه، أو يوليه مَن أراد.
فإن زال اختلاله، وتحققت فيه شروط الولاية من جديد عاد إليه النظر على الوقف إن كان مشروطاً نظره في الوقت، منصوصاً عليه بعينه من قبل الواقف نفسه.
ولا يتصرف الناظر إلا في وجوه المصلحة، والاحتياط، لأنه ينظر في مصالح الغير، فأشبه وليّ اليتيم.
وظيفة الناظر على الوقف:
للناظر على الوقف وظيفة نُجمِلها فيما يلي:
стр. 807
أالقيام بشؤون الوقف من عمارة، وإجارة وتحصيل غلّة، وقسمتها على مستحقيها، وحفظ الأصول والغلاّت على الاحتياط، لأنه المعهود في مثله. وهذا التصرف إنما يتولاّه الناظر إذا أطلق الواقف له النظر، أو فوّضه في جميع الأمور، فإذا فوّض إليه النظر في بعض هذه الأمر لم يتعدّه اتباعاً لشرط الواقف، شأنه في ذلك شأن الوكيل يتصرف في حدود ما وُكِّل به.
ب إذا شرط الواقف النظر لاثنين لم يستقل أحدهما بالتصرّف، ما لم ينصّ عليه، فإن نصّ عليه جاز له التصرّف.
أُجرة الناظر على الوقف:
إذا شرط الواقف للناظر شيئاً من الريع جاز، وكان له أخذه، فإن لم يذكر الواقف للناظر أجرة، فلا أجرة له.
فلو رفع الناظر الأمور إلى الحاكم، وطالب أن يقرِّر له أُجرة، جاز للحاكم أن يقرِّر له الأجرة التي يراها مناسبة لعمله، وهذا إذا لم يجد متبرعاً يقوم بالنظر على الوقف من غير أجر، وللناظر أن يأكل من ثمرة الموقوف بالمعروف، كما قال عمر ﵁: (لا جُناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف).
اختلاف الناظر والموقوف عليهم في النفقة:
إذا ادّعى الناظر على الوقف صرف الريع إلى مستحقِّيه، فأنكروا ذلك، فإن كانوا معيِّنين، فالقول قولهم، ولهم مطالبته بالحساب، وإن كان الموقوف عليهم غير معينين، فللحاكم مطالبته بالحساب، ويصَّدق في قدر ما أنفق عند الاحتمال، فإن اتهمه الحاكم حلّفه.
عزل الناظر:
يُعزل الناظر بزوال أهليته كما مرّ، وينعزل أيضاً بالإضافة إلى ذلك بعزل الواقف له، ويصحّ الواقف له، ويصحّ له عندئذ تولية غيره مكانه، وذلك أن الناظر وكيل،
стр. 808
وللموكِّل عزل الوكيل متى شاء، إلا أن يشرط الواقف نظره حال الوقف، فلا يجوز له عزله، ولو لمصلحة، لأنه لا تغيير لما شرطه حال العقد، كما لو وقف على أولاده الفقراء، فلا يجوز تبديلهم بالأغنياء. لأنه كما قلنا لا تغيير لما شرطه في العقد.
بعض مسائل الوقف:
١ - لو قال الواقف في وقفه: وقفت هذه الدار على أولادي، وأولاد أولادي، استحقّ الوقف جميعهم، وقسم منافعه بينهم بالسوية، لا فرق بين ذكر وأنثى، وبين ولد وولد ولد، لأن الواو لمطلق الجمع، لا للترتيب، كما هو الصحيح عند علماء الأصول.
٢ - لو قال: وقفت هذه الدار على أولادي، فإنه لا يدخل أولاد الأولاد في الوقف، لأنه لا يقع عليهم اسم الولد حقيقة، هذا إذا كان له أولاد، وأولاد أولاد، أما إذا لم يكن له إلا أولاد أولاد، فإنهم يدخلون في اللفظ، ويستحقّون الوقف، لوجود القرينة، وصيانة لكلام المكلّف عن الإلغاء.
٣ - لو قال هذه الحديقة وَقْف على ذريتي، أو نسلي، أو عقبي: دخل فيه أولاد البنات، وأولاد الأولاد، قريبهم وبعيدهم، وذكرهم وأنثاهم، لأن اللفظ يشملهم.
٤ - لو قال: وقَفْتُ أموالي على فقراء قرابتي، دخل كل من اجتمع في النسب مع الواقف، من فقراء قرابته، سواء كان قريباً أم بعيداً، ذَكَرَاً أم أنثى، وارثاً أو غير وارث، محرماً أو غير محرم.
٥ - الصفة المتقدمة على جمل معطوفة تعتبر في الكل، كما لو قال: وقفت هذه الأرض على محتاجي أولادي، وأحفادي، وإخوتي، فصفة الحاجة مشروطة فيهم جميعاً، وكذلك الصفة المتأخرة عليها، كما لو قال، وقفْتُ هذه الدار على أولادي، وأحفادي، وإخوتي الفقراء.
стр. 809
٦ - لقد عُرف الوقف على القرابة والأولاد والأحفاد والذرية بالوقف الذري أو الأهلي.
كما عرف الوقف على المصالح والجهات، كالمساجد والمدارس، والعلماء والفقراء بالوقف الخيري.
стр. 810
الوقف
من مفاخر المسلمين ومآثرهم الحميدة
الوقف قربة من القربات، وعبادة من العبادات، والوقف يدل على صدق إيمان الواقف، ورغبته في الخير، وحرصه على مصالح المسلمين، وحبّة لهم ولأجيالهم المتعاقبة. ومنافعهم المتلاحقة. ولقد ضرب المسلمون منذ عصر النبي ﷺ أعظم الأمثلة في ميادين الوقف، فوقفوا أوقافاً لا تُحصى، وسبّلوا أموالاً لا تُعدّ، شملت أوقافهم جوانب كثيرة من جوانب الخير، ونواحي المعروف، ومرافق الحياة: مدارس، مساجد، مشافي، أراضي، مباني، آبار، مكاتب، سلاح على الذراري، على الفقراء، على المجاهدين، على العلماء، وغير هذا كثير.
فما تركوا ناحية من نواحي الحياة إلا وقفوا لها وقفاً، وما من حاجة من حاجات المجتمع إلا حبسوا لها أموالاً، ونظرة سريعة في ربوع العالم الإسلامي تنبئك عن أوقافهم التي وقفوها، وأموالهم التي حبسوها في سبيل الله ﵎، اشترك في ذلك حاكمهم ومحكومهم، قوّادهم وجنودهم، تجّارهم وصنّاعهم، ورجالهم ونساؤهم، حتى غدا في كل بلد من بلدان المسلمين أوقاف يقدَّر ريعها بمئات الملايين، وأصبح لهذه الأوقاف في كل قطر أقطارهم وزارة، تدير تلك الأموال، وتقوم عليها، وهناك آلاف من الأُسر تعيش من ثمرات هذه الأوقاف وغلاّتها وهناك أيضاً مرافق كثيرة، ومصالح عديدة، استمرت ونَمَت في أحضان هذه الأوقاف، وفي
следующие страницы →