Полный текст (1 678 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
إلى الله تعالى بالصدقة، فيتبع شرطه في النظر كما يتبع في المصارف وغيرها. فإن جعل الولاية لفلان، فإن مات فلفلان، جاز تحقيقاً لرغبته في النظر على وقفه.
وقد كان عمر ﵁ يلي أمر صدقته، ثم جعله لحفصة بنته ﵂ تليه ما عاشت، ثم يليه أولو الرأي من أهلها. رواه أبو داود (٢٨٧٩) في
(الوصايا)، باب (ما جاء في الرجل يوقف الوقف) وإن لم يشترط الواقف النظر على الوقف لأحد، فالنظر عندئذ للقاضي، لأن له النظر العام، فكان أولى بالنظر في الوقف.
شروط الوالي على الوقف:
للناظر في الوقف شروط، حتى يصح أن يكون ناظراً، وهذه الشروط
هي:
١ - العدالة، وهي الاستقامة في أمور الدين، وشرطت العدالة في الناظر، لأن النظر ولاية، والولاية لا تصح من غير عدل.
٢ - الكفاية، والمراد بها قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما هو ناظر عليه، واهتداؤه إلى محاسن أوجه التصرف.
فإذا اختلّ في الناظر أحد هذين الشرطين نزع الحاكم الوقف منه، ووليه هو بنفسه، أو يوليه مَن أراد.
فإن زال اختلاله، وتحققت فيه شروط الولاية من جديد عاد إليه النظر على الوقف إن كان مشروطاً نظره في الوقت، منصوصاً عليه بعينه من قبل الواقف نفسه.
ولا يتصرف الناظر إلا في وجوه المصلحة، والاحتياط، لأنه ينظر في مصالح الغير، فأشبه وليّ اليتيم.
وظيفة الناظر على الوقف:
للناظر على الوقف وظيفة نُجمِلها فيما يلي:
стр. 807
أالقيام بشؤون الوقف من عمارة، وإجارة وتحصيل غلّة، وقسمتها على مستحقيها، وحفظ الأصول والغلاّت على الاحتياط، لأنه المعهود في مثله. وهذا التصرف إنما يتولاّه الناظر إذا أطلق الواقف له النظر، أو فوّضه في جميع الأمور، فإذا فوّض إليه النظر في بعض هذه الأمر لم يتعدّه اتباعاً لشرط الواقف، شأنه في ذلك شأن الوكيل يتصرف في حدود ما وُكِّل به.
ب إذا شرط الواقف النظر لاثنين لم يستقل أحدهما بالتصرّف، ما لم ينصّ عليه، فإن نصّ عليه جاز له التصرّف.
أُجرة الناظر على الوقف:
إذا شرط الواقف للناظر شيئاً من الريع جاز، وكان له أخذه، فإن لم يذكر الواقف للناظر أجرة، فلا أجرة له.
فلو رفع الناظر الأمور إلى الحاكم، وطالب أن يقرِّر له أُجرة، جاز للحاكم أن يقرِّر له الأجرة التي يراها مناسبة لعمله، وهذا إذا لم يجد متبرعاً يقوم بالنظر على الوقف من غير أجر، وللناظر أن يأكل من ثمرة الموقوف بالمعروف، كما قال عمر ﵁: (لا جُناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف).
اختلاف الناظر والموقوف عليهم في النفقة:
إذا ادّعى الناظر على الوقف صرف الريع إلى مستحقِّيه، فأنكروا ذلك، فإن كانوا معيِّنين، فالقول قولهم، ولهم مطالبته بالحساب، وإن كان الموقوف عليهم غير معينين، فللحاكم مطالبته بالحساب، ويصَّدق في قدر ما أنفق عند الاحتمال، فإن اتهمه الحاكم حلّفه.
عزل الناظر:
يُعزل الناظر بزوال أهليته كما مرّ، وينعزل أيضاً بالإضافة إلى ذلك بعزل الواقف له، ويصحّ الواقف له، ويصحّ له عندئذ تولية غيره مكانه، وذلك أن الناظر وكيل،
стр. 808
وللموكِّل عزل الوكيل متى شاء، إلا أن يشرط الواقف نظره حال الوقف، فلا يجوز له عزله، ولو لمصلحة، لأنه لا تغيير لما شرطه حال العقد، كما لو وقف على أولاده الفقراء، فلا يجوز تبديلهم بالأغنياء. لأنه كما قلنا لا تغيير لما شرطه في العقد.
بعض مسائل الوقف:
١ - لو قال الواقف في وقفه: وقفت هذه الدار على أولادي، وأولاد أولادي، استحقّ الوقف جميعهم، وقسم منافعه بينهم بالسوية، لا فرق بين ذكر وأنثى، وبين ولد وولد ولد، لأن الواو لمطلق الجمع، لا للترتيب، كما هو الصحيح عند علماء الأصول.
٢ - لو قال: وقفت هذه الدار على أولادي، فإنه لا يدخل أولاد الأولاد في الوقف، لأنه لا يقع عليهم اسم الولد حقيقة، هذا إذا كان له أولاد، وأولاد أولاد، أما إذا لم يكن له إلا أولاد أولاد، فإنهم يدخلون في اللفظ، ويستحقّون الوقف، لوجود القرينة، وصيانة لكلام المكلّف عن الإلغاء.
٣ - لو قال هذه الحديقة وَقْف على ذريتي، أو نسلي، أو عقبي: دخل فيه أولاد البنات، وأولاد الأولاد، قريبهم وبعيدهم، وذكرهم وأنثاهم، لأن اللفظ يشملهم.
٤ - لو قال: وقَفْتُ أموالي على فقراء قرابتي، دخل كل من اجتمع في النسب مع الواقف، من فقراء قرابته، سواء كان قريباً أم بعيداً، ذَكَرَاً أم أنثى، وارثاً أو غير وارث، محرماً أو غير محرم.
٥ - الصفة المتقدمة على جمل معطوفة تعتبر في الكل، كما لو قال: وقفت هذه الأرض على محتاجي أولادي، وأحفادي، وإخوتي، فصفة الحاجة مشروطة فيهم جميعاً، وكذلك الصفة المتأخرة عليها، كما لو قال، وقفْتُ هذه الدار على أولادي، وأحفادي، وإخوتي الفقراء.
стр. 809
٦ - لقد عُرف الوقف على القرابة والأولاد والأحفاد والذرية بالوقف الذري أو الأهلي.
كما عرف الوقف على المصالح والجهات، كالمساجد والمدارس، والعلماء والفقراء بالوقف الخيري.
стр. 810
الوقف
من مفاخر المسلمين ومآثرهم الحميدة
الوقف قربة من القربات، وعبادة من العبادات، والوقف يدل على صدق إيمان الواقف، ورغبته في الخير، وحرصه على مصالح المسلمين، وحبّة لهم ولأجيالهم المتعاقبة. ومنافعهم المتلاحقة. ولقد ضرب المسلمون منذ عصر النبي ﷺ أعظم الأمثلة في ميادين الوقف، فوقفوا أوقافاً لا تُحصى، وسبّلوا أموالاً لا تُعدّ، شملت أوقافهم جوانب كثيرة من جوانب الخير، ونواحي المعروف، ومرافق الحياة: مدارس، مساجد، مشافي، أراضي، مباني، آبار، مكاتب، سلاح على الذراري، على الفقراء، على المجاهدين، على العلماء، وغير هذا كثير.
فما تركوا ناحية من نواحي الحياة إلا وقفوا لها وقفاً، وما من حاجة من حاجات المجتمع إلا حبسوا لها أموالاً، ونظرة سريعة في ربوع العالم الإسلامي تنبئك عن أوقافهم التي وقفوها، وأموالهم التي حبسوها في سبيل الله ﵎، اشترك في ذلك حاكمهم ومحكومهم، قوّادهم وجنودهم، تجّارهم وصنّاعهم، ورجالهم ونساؤهم، حتى غدا في كل بلد من بلدان المسلمين أوقاف يقدَّر ريعها بمئات الملايين، وأصبح لهذه الأوقاف في كل قطر أقطارهم وزارة، تدير تلك الأموال، وتقوم عليها، وهناك آلاف من الأُسر تعيش من ثمرات هذه الأوقاف وغلاّتها وهناك أيضاً مرافق كثيرة، ومصالح عديدة، استمرت ونَمَت في أحضان هذه الأوقاف، وفي
стр. 811
ربوع خيراتها. فجزي الله أولئك الصالحين خيراً، وأجزل لهم الأجر والمثوبة. والأمر المؤسف والمُحزن، أن الرغبة في أيامنا، منذ أزمان قريبة قد قلت عند كثير من المسلمين في الوقف، وشحّت نفوس كثيرين منهم في مثل هذه الصدقات الجارية، والمَبَرَّات النافعة.
وهذا مظهر مُحزن، إن دلّ على شئ فإنما يدل على قلّة الرغبة في الأجر والثواب، وضعف الإيمان بالآخرة ونعيمها، وشدة الحب للدنيا وشهواتها، وانشغال الناس بهذه الفانية، وتفضيلها على الآخرة ونعيمها، حتى صدق فينا قول الله تعالى ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: ١٦]. وكأننا لم نسمع قوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧]. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 812
الوصية
стр. 813
تعريف الوصية:
الوصية في اللغة: الإيصال، مأخوذة من: وصيت الشئ أصيه إذا وصلته
والوصية، والإيصاء في اللغة بمعنى واحد، تقول: أوصيت لفلان بكذا، أو أوصيت إلى فلان بكذا، بمعنى عهدت إليه.
وتكون الوصية اسم مفعول بمعنى المُوصى به، ومنه قول الله تعالى:
﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا﴾ [النساء: ١٢]. وتكون مصدراً بمعنى: الإيصاء، ومنه قول الله : ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
لكن الفقهاء فرقوا بين اللفظين، فقالوا: إن معنى أوصيت إليه: عهدت إليه بالإشراف على شؤون القاصرين مثلاً. وخصّوا هذا بالوصاية والإيصاء. ومعنى أوصيت له: تبرّعت له وملِّكته مالاً وغيره. وخصّوه بالوصية.
والوصية شرعاً: تبرّع بحق مضاف لما بعد الموت. وسمي هذا التبرع بالوصية، لأن المُوصي قد وصل به خير عُقْباه بخير دنياه.
стр. 814
الفرق بين الوصية وبين أنواع التمليك الأخرى:
يتبيَّن من تعريف الوصية، وبين غيرها من أنواع التمليك الأخرى، إذ إن التمليك في الوصية مضاف إلى ما بعد الموت، بينما هو في العقود الأخرى كالهبة مثلاً تمليك في حال الحياة.
دليل مشروعية الوصية:
الوصية مشروعة ويدل على مشروعيتها الكتاب الكريم، والسنّة النبوية الشريفة، وعمل الصحابة ﵃، وإجماع علماء المسلمين.
- أما الكتاب فقول الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
[كتب: فرض. خيراً: مالاً. بالمعروف: بالعدل، الذي ليس فيه ظلم للورثة].
وقوله ﵎: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١].
وقوله عز من قائل: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].
- أما السنّة فأحاديث عدّة:
منها ما رواه البخاري (٢٥٨٧) في كتاب (الوصايا)، باب (الوصايا، وقول النبي ﷺ : " وصية الرجل مكتوبة عنده ")، ومسلم (١٦٢٧) في أول كتاب الوصية، عن عبدالله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال:
" ما حق امرئ مسلم، له شئ يوصى فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ".
[ما حق: لا ينبغي له، وليس من حقه. إذ الحزم والاحتياط أن تكون
стр. 815
وصيته مكتوبة عنده، لأنه لا يدري متى يأتيه الموت، فيحول بينه وبين ما يريد].
ومن السنّة أيضاً ما رواه ابن ماجه (٢٧٠٠) في (الوصايا)، باب
(الحث على الوصية)، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
" المحروم من حُرم الوصية "، وقال ﵊: " من ماتَ على وصية مات على سبيل وسُنَّة ومات على تُقَىً وشهادة، ومات مغفوراً له " رواه ابن ماجه (٢٧٠١) في (الوصايا)، باب (الحث على الوصية).
- أما الصحابة ﵃، فقد كانوا يوصون ببعض أموالهم تقرباً الله تعالى.
أخرج عبد الرزاق بسند صحيح: أن أنساً ﵁ قال: (كانوا - أي الصحابة - يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أوصى به فلان بن فلان، أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢].
- أما الإجماع، فقد انعقد إجماع فقهاء المسلمين منذ عصر الصحابة ﵃ على جواز الوصية، ولم يؤثر عن أحد منهم منعها.
الصدقة في حال الحياة أفضل من الوصية:
الصدقة المُنجزة في حال الحياة، أفضل، وأكثر ثواباً، وأعظم أجراً من تلك الصدقة التي يتصدّق بها الإنسان بعد موته، وهي الوصية، لأن الصدقة في الحياة، أسبق في تحصيل الأجر والثواب، وأكثر دلالة على صدق المؤمن في إيمانه، ورغبته في الخير والإحسان، وحبه لهما.
стр. 816
قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال ﵎: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠]
روى البخاري (١٣٥٣) في (الزكاة)، باب (أيّ الصدقة أفضل .. )، ومسلم (١٠٣٢) في (الزكاة)، باب (أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح)، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: " أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغني، ولا تمهل حتى، إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان ".
[شحيح: أي من شأنك الشح، وهو البخل مع الحرص. بلغت الحلقوم: قاربت الروح الحلق، والمراد شعرت بقرب الموت. لفلان كذا: أي أخذت توصي وتتصدق. وقد كان لفلان: أي أصبح مالك ملكاً لغيرك، وهم الورثة].
وروى الترمذي (٢١٢٤) في (الوصايا)، باب (ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت)، عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يُهدي إذا شبع ".
حكمة مشروعية الوصية:
مقتضى القواعد الشرعية أن تكون الوصية غير جائزة، لأنها مضافة إلى زمن قد انقطع فيه حق الموصي في ماله، إذ الموت مُزيل للمُلك، ولكن الشرع الحكيم أجاز الوصية، لما فيها من مصلحة للموصي، ولأقربائه وللمجتمع، أما مصلحة الموصي، فهي ما يناله من الأجر والثواب على وصيته، والذكر الحسن الجميل بعد مماته.
وأما مصلحة أقربائه فإن الغالب في الوصايا أن تكون للأقرباء الذين لا يرثون بموجب نظام الإرث في الشريعة الإسلامية، فيستحقون بالوصية قدراً من المال، وهم - غالباً - ممُن يحتاجون إليه.
стр. 817
وأما مصلحة المجتمع، فإن الوصية باب من أبواب الإنفاق في وجوه الخير العامة، كالمساجد والمدارس والمكتبات، والمستشفيات وغيرها، وفي الجهات العامة كذلك كالفقراء، والأيتام والعلماء.
وبهذا كانت الوصية من قوانين التكافل الاجتماعي في نظام الإسلام، ولا يخفى ما في ذلك من خير وفائدة.
حكم الوصية:
كانت الوصية في أول الإسلام واجبة بكل المال للوالدين والأقربين.
وذلك بدليل قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
[كتب: فرض. خيراً: مالاً].
لكن هذا الوجوب نسخ، بآيات المواريث، وبالنسّبة أيضاً، وبقي استحبابها في وجوه الخير، في الثلث فما دونه لغير الوارث.
روى أبو داود (٢٨٦٩) في (الوصايا)، باب (ما جاء في نسخ الوصية للوالدين والأقربين)، والترمذي (٢١١٨) في (الوصايا)، باب: رقم ٢، عن عبدالله بن عباس ﵄ قال: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ فكانت الوصية كذلك، حتى نسختها آية المواريث.
وروى عمرو بن خارجة ﵁ أن النبي ﷺ ، خطب على ناقته، وأنا تحت جرَانها، وهي تقصع بجرتها، وإن لعابها يسيل بين كتفي، فسمعته يقول: " إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)، والولد للفراش، وللعاهر الحجر ".
رواه الترمذي (٢١٢٢) في (الوصايا)، باب (ما جاء لا وصية لوارث)، ورواه النسائي (٦/ ٢٤٧) في (الوصايا)، باب (إبطال الوصية للوارث).
стр. 818
[جرانها: باطن عنقها مما يلي الأرض. بجرتها: ما تخرجه من بطنها لتجتره. تقصع: تمضغه بشدة. العاهر: الزاني. وإنما قال: له الحجر، لأنه لا شئ له في الولد. أو أنه يرجم بالحجر].
وروى أبو أمامة الباهلي ﵁، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث ".
أخرجه أبو داود (٢٨٧٠) في (الوصايا)، باب (ما جاء في الوصية للوارث)
أحكام أخرى للوصية:
قلنا: إن الوصية مندوبة في وجوه الخير، ولغير وارث، لكنها قد يعتريها أحوال أخرى تُخرِجها عن الندب إلى:
أ- الوجوب:
فتجنب الوصية فيما إذا كان الإنسان حق شرعي لله تعالى، كزكاة وحج، وخشي أن يضيع إن لم يوص به. وكذلك حق لآدمي، كوديعة ودين، إذا لم يعلم بذلك من يثبت هذا الحق بقوله.
ب- الحرمة:
وتحرم الوصية إذا كانت بما حرّم الشرع فعله، كالوصية بخمر، أو إنفاق في مشاريع مؤذية للأخلاق العامة، وهذه الوصية مع حرمتها باطلة، لا تنفذ.
ومن الوصية المحرمة، الوصية بقصد الإضرار بالورثة، ومنعهم من أخذ نصيبهم المقدر لهم شرعاً.
وقد نهى الله ﵎ عن الإضرار بالوصية، فقال عز من قائل:
﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢].
روى أبو هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " إن الرجل
стр. 819
ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار، ثم قرأ أبو هريرة: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ".
وتمام الآيتين: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴿١٢﴾ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٢: ١٣].
أخرجه أبو داود (٢٨٦٧) في (الوصايا)، باب (الإضرار في الوصية).
ج- الإباحة:
وهي الوصية لصديق، أو لغني لم يوصفا بالعلم أو الصلاح، فإن نوى في الوصية إليهما البر والصلة كانت الوصية مندوبة، لما فيها من معنى الطاعة
د- الكراهة:
وتكره الوصية، إذا كان الموصي قليل المال، وكان له ورثة فقراء يحتاجون إلى المال، كما تكره لأهل الفسق والمعاصي، إذا غلب على ظن الموصي أنهم يستعينون بها على معاصيهم.
أركان الوصية ، وشروط كل ركن:
للوصية أربعة أركان، وهي:
الموصى، والموصى له، والموصي به، الصيغة.
ولكل ركن من هذه الأركان شروط، لا بدّ من تحققها، وإليك بيان ذلك:
شروط الموصي:
تصحّ الوصية ممّن اجتمعت فيه الشروط التالية:
стр. 820
أالعقل، وهو شرط لا بد منه، وخاصة في الهبات والتبرعات، فلا تصح الوصية من مجنون ومعتوه، ولا من مغمى عليه، ولا من سكران غير متعد بسكره، لفقد هؤلاء العقل الذي هو مناط التكليف، ففقدوا بذلك أهلية التبرع.
ب- البلوغ، وهو مناط التكليف كما قلنا، وعليه فلا تصح الوصية من صبي، ولو كان مميزاً، لأنه ليس أهلاً للتبرع.
ج- الاختبار، فلا تصح من مكره، لأن الوصية تبرّع بحق، فلا بدّ فيه من رضا المتبرع واختباره.
د - الحرية، فلا تصح وصية من رقيق، قنا كان، أم مدبراً، أم مكاتباً، لأن الرقيق ليس بمالك، بل هو وما معه مُلك لسيده.
والشرع جعل الوصية حيث التوارث، والرقيق لا يورث، فلا يدخل في الأمر بالوصية.
وبناءً على ما ذكر من شروط في الموصي، فإنه تصح وصية:
١ - الكافر، لأنه أهل للتبرع.
٢ - المحجور عليه بسفه، لصحة عبارته، واحتياجه للثواب بعد موته.
شروط الموصي له:
الموصي له قسمان: معين، وغير معين.
ولكل منهما شروط تخصه:
شروط الموصي له المعيَّن:
يشترط في الموصى له المعين الشروط التالية:
أأن يكون ممن يتصور له الملك عند موت الموصي، فلا تصح الوصية ليمت، ولا الدابة، لأن الميت ليس أهلاً للملك، وكذلك الدابة، هذا إذا لم يفصل الوصية للدابة، فلو فصَّلها، بأن أوصى بالصرف على
стр. 821
علفها صحت الوصية، وتكون عندئذ لمالكها، لأن علفها عليه، ويُلزم بصرف الوصية على علف الدابة، رعاية لغرض الموصي.
بناءً على ما ذكر، فإنه تصح الوصية لحمل موجود عند الوصية، وتنفذ إن انفصل عن أمه حياً حياة مستقرة لأقل من ستة أشهر، لأنها أقل مدة الحمل.
ب- عدم المعصية، فلا تصح لكافر بعبد مسلم، ولا بمصحف أيضاً، كما لا تجوز الوصية لأهل الحرب بسلاح أو مال لوجود المعصية في كل ذلك.
ج- أن يكون معيناً، فلا تصح الوصية لأحد هذين الرجلين، لأن الموصي له مجهول، والجهالة تمنع من تسليم الموصي به إلى الموصي له، فلا تفيد الوصية.
د- أن يكون موجوداً عند الوصية فلا تصح لحمل سيوجد، ولا لمسجد سيبني.
ومما يلحق بالوصية لمعين الوصية لعمارة مسجد، إنشاءً وترميماً، أو لمصالحه.
وفي معنى المسجد المدرسة، والرباط، والمستشفى، لأن في ذلك قربة، ولهذه الأشياء شخصية اعتبارية، فالوصية لها مثل الوقف عليها.
ولو أطلق لفظ الوصية، بأن قال: أوصيت لهذا المسجد، ولم يذكر عمارة ولا غيرها من مصالحه، صحت الوصية، وصرفت لمصالح المسجد، لأن العرف يقضي بذلك.
ومن خلال ما ذكر من الشروط يتبين أنه تصح الوصية للقاتل، لأنها تمليك بعقد فأشبه الهبة. وكذلك تصح لوارث إن أجاز باقي الورثة، كما سيأتي
стр. 822
شروط الموصي له غير المعين:
يشترط في الوصية لغير المعين، كجهة من الجهات العامة مثل الفقراء والعلماء، والمساجد والمدارس، أن لا تكون الوصية لجهة معصية، أو مكروه، فلا تصحّ الوصية لإقامة معبد لغير المسلمين، أو بناء ملهى تضيع فيه أوقاتهم، ويتلهون فيه عن مصالحهم، وأداء واجباتهم.
ومن الجهات العامة التي تجوز الوصية لها الجهات التالية:
أفي سبيل الله، فلو قال: أوصيت بثلث مالي في سبيل الله، صحّت وصيته، لأن النفقة في سبيل الله قربة، وتُصرف هذه الوصية إلى الغزاة من أهل الزكاة، الوارد ذكرهم في قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠].
لأن هذا الاسم قد ثبت لهم في عرف الشرع فيحمل عليهم.
ب العلماء، فلو أوصى بمائة ألف من ماله إلى العلماء، صحت وصيته أيضاً، لأن العلماء أهل للملك، والنفقة عليهم قربة في ميزان الشرع، لكن هذه الوصية تصرف إلى علماء الشرع الإسلامي، من تفسير، وحديث، وفقه، وأصول فقه، وعقيدة، وغير ذلك من علوم الدين، لاشتهار لفظ العلماء عرفاً بهؤلاء، فلا يعطي من هذه الوصية الأدباء والمهندسون والأطباء، وأمثالهم من علماء المواد الدنيوية، عملاً بالعرف كما قلنا، فإذا تغير العرف، وأصبحت كلمة: (العلماء) يراد بها عند عموم الناس، كل متعلم يحمل إجازة في فن من فنون العلم، فإن الوصية للعلماء تصرف عندئذ لجميع العلماء على اختلاف علومهم.
ج- الفقراء، ويدخل معهم المساكين، وكذلك لو أوصى للمساكين، فإنه يدخل معهم الفقراء، ويجوز الاكتفاء بإعطاء ثلاثة منهم، لأنه أقل الجمع.
د- آل البيت، فلو قال أوصيت بثلث مالي لآل بيت رسول الله ﷺ ، فإنه
стр. 823
يعطي من الوصية من كان من بني هاشم، وبني المطلب، ويجوز الاكتفاء بإعطاء ثلاثة منهم أيضاً.
هـ - الأقارب ويدخل فيه كل قرابة للموصي من جهة الأب، وجهة الأم، ولا يدخل معهم من يرث من القرابة.
والحج والعمرة: فلو قال: أوصيت بمائة ألف من مالي للحج والعمرة، فإن الوصية تصح، لأن الحج والعمرة قربة، ويعطي من هذا المال من يحج ويعتمر.
وكذلك لو أوصى أن يحج عنه، فإن وصيته تصح ويحج عنه من بلده، أو من الميقات، كما قيده بوصيته، فإن أطلق ولم يعين مكاناً، فإنه يحج عنه من الميقات، حملاً على أقل الدرجات، ولأن الغالب من عمل الناس الحج من الميقات، فإذا تغير هذا الغالب، وتبدل هذا العرف، فإن الحج يكون من بلد الموصي عملاً بهذا العرف الطارئ، كما هو الحال في أيامنا.
شروط الموصي به:
وللموصي به شروط إذا تحققت صحت الوصية، وإذا لم تتحقق، لغت، وهذه الشروط هي:
أأن يكون الموصي به مما يحل الانتفاع به، فلا تصح الوصية بما يحرم الانتفاع به، كآلة لهو، وقمار.
ب- أن يكون قابلاً للنقل، فلا يصح الوصية بالقصاص، ولا بحق الشفعة، لأنها لا تقبل النقل، لأن مستحقها لا يمكن من نقلها.
وبناءً على الشرطين السابقين، فإن الوصية تصح في الأمور التالية:
أتصح الوصية بالمال المجهول، كالحمل في البطن، واللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم، لأن الوارث يخلف المورث في هذه الأشياء، فكذلك الموصي له، ولأن الوصية تحتمل الجهالة.
стр. 824
ب- تصح الوصية بالشئ المعدوم عند الوصية، كأن يوصي بثمرة ستحدث، أو حمل سيكون، لأن الوصية احتمل فيها وجوه من الغرر، رفقاً بالناس، وتوسعة عليهم، فتصح بالمعدوم، كما تصح بالمجهول، ولأن المعدود يصح تملكه بعقد السلم، والمساقاة والإجارة، فكذلك الوصية.
ج- تصح الوصية بالمبهم، كأن يقول: أوصيت بأحد ثوبي، لن الوصية تحتمل الجهالة، فلا يؤثر فيها الإبهام، ويعينه الوارث.
د- تصح الوصية بالمنافع وحدها مؤقتة ومؤبدة، لأنها أموال مقابلة بالأعواض، كالأعيان، كما أنه تصح الوصية بالأعيان وحدها دون المنافع لإمكان صيرورة المنافع إلى بإجارة، أو إعارة، أو إباحة، أو نحو ذلك، وعلى هذا تصح الوصية بالعين لواحد، وبالمنفعة لآخر. كأن يوصي برقبة داره لزيد، وبسكناها لخالد.
هـ- تصح الوصية بنجاسة يحل الانتفاع بها ككلب معلم، وزبل، وخمر محترمة، وهي ما عُصرت بقصد الخلية، لثبوت الاختصاص فيها وانتقالها بالإرث.
شروط الصيغة:
وللصيغة في الوصية شروط أيضاً نذكرها فيما يلي:
أأن يكون الوصية بلفظ صريح، أو كناية.
فالصريح: كأوصيت له ألف، أو ادفعوا له بعد موتي ألفاً، أو أعطوه بعد موتي، أو هو له بعد موتي، واللفظ الصريح تنعقد به الوصية وتصح بمجرد اللفظ، ولا يقبل قول القائل إنه لم ينو به الوصية.
ومثل هذا الإشارة المفهومة من الأخرس.
والكناية لا بد من النية، ومع اللفظ، لا حتمال اللفظ غير
стр. 825
الوصية، فيحدد المراد من اللفظ بالنية. ومن الكناية: كتابي هذا لزيد. والكتابة من الناطق كناية تنعقد بها الوصية مع النية، كما في البيع.
ب-قبول الموصي له، إن كانت الوصية لمعين، فإن كانت الوصية لجهة عامة، كالفقراء، أو العلماء، لم يشترط القبول، لتعذره، وتلزم عندئذ بموت الموصي.
ج- أن يكون قبول الموصي له بعد موت الموصي، فلا عبرة بقوله أو ردِّه في حياة الموصي، إذ لا حق له قبل الموت، فأشبه إسقاط حق الشفعة قبل البيع.
وبناءً على هذا، فإنه يصح للموصي له - إن قبل الوصية في الحياة الموصي - الردّ بعد موته، وكذلك له القبول بعد موته، إن كان ردّ الوصية في حياته، لأن العبرة في القبول والرد أن يكون بعد الموت الموصي، كما قدمنا.
وعلى هذا إذا مات الموصي له قبل موت الموصي بطلت الوصية، لأنها قبل موت الموصي غير لازمة، فإن مات الموصي له بعد موت الموصي، ولكن قبول الوصية، صحّت الوصية، وقام ورثته مقامه في القبول، أو الرد، لأنهم فرعه، فيقومون مقامه في ذلك.
حدود الوصية:
أينبغي للموصي، ويطلب منه ندباً ألا يزيد وصيته عن ثلث ماله، عملاً بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع، من وجع أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله، بلغني ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: " لا " قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: " لا "، الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك ".
стр. 826
هذا لفظ مسلم (١٦٢٨) في (كتاب الوصايا)، باب (الوصية بالثلث)، ورواه البخاري (٢٥٩١) بمثله في (كتاب الوصايا)، باب (أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس).
[أشفيت منه: أشرفت عليه. أن تذر: أن تترك. يتكففون الناس: يسألون ما بأكف الناس، أو يسألون الناس بأكفّهم].
لكن الموصي لو خالف وصية رسول الله ﷺ ، وأوصى بأكثر من ثلث ماله، فما حكم هذه الوصية؟
قال الشافعية: الوصية بأكثر من الثلث مكروهة شرعاً، ولكنها صحيحة، بيد أن الزيادة على الثلث لا تنفذ إلا بإجازة الورثة، فإن ردوا هذه الزيادة، بطلت، بالإجماع، لأن هذا القدر الزائد على الثلث حقهم، وإن أجازوه نفذت الوصية، إمضاء لتصرف الموصي بالزيادة.
أما إذا لم يكن للموصي ورثة، وأوصى بأكثر من الثلث، فالوصية بالزائد على الثلث لغو، لأنه حق المسلمين، فلا مُجيز له.
ولذلك قالوا: يستحب أن تنقص الوصية عن الثلث المال أخذاً من قوله ﵊، في الحديث السابق: " الثلث والثلث كثير "، وأخذاً أيضاً من التعليل الوارد فيه: " إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ".
ب- يعتبر المال عند الموت الموصي، لا عند وصيته، لأن الوصية تمليك بعد الموت.
فلو أوصى بألف ليرة، وكان ماله عند الوصية ثلاثة آلاف، إلا أنه لم يبق معه عند الموت إلا ألفان، ثبتت الوصية في ثلث الألفين، وتوقف الباقي على إجازة الورثة، فإن أجازوه نفذ، وإن ردّوه بطل.
ج- يعتبر ثلث المال وفاء الديون المتعلقة بمال الميت، أو بذمته.
стр. 827
فلو أوصى بثلث ماله، فإنما تنفذ الوصية من ثلث ما بقي له بعد وفاء ديونه.
قال الله تعالى في شأن الميراث ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾
[النساء: ١١]. والدين مقدّم على الوصية بالإجماع. فلو كان عليه دين مستغرق كل ماله، لم تنفذ وصيته في شئ من ماله.
إذا كان للموصي وصايا وتبرعات في مرض موته تزيد على ثلث ماله، ولم يجز الورثة الزائد، روعي في إخراجها الترتيب التالي:
١ - إذا كان بعض هذه التبرعات منجزاً، وبعضها معلقاً، قدم المنجز على المعلق، لأن المنجز لازم لا يمكن الرجوع عنه، بخلاف المعلّق، فلو وقف داراً بألف ليرة، وأوصى بعد موته بألف ليرة، وكانت تركته عند الموت ثلاثة آلاف، قدم الوقف، ولغت الوصية، إلا أن يجيزها الورثة، لأن التبرع في مرض الموت يعتبر من ثلث التركة.
٢ - إذا كانت تبرعاته كلها متعلقة بما بعد الموت، وكانت تزيد عن الثلث، ولم يجز الورثة تلك الزيادة، قسط الثلث بين الجميع على حسب مقاديرهم.
فلو أوصى لزيد بمائة، ولخالد بخمسين، ولعمرو بخمسين وكان ثلث ماله مائة، أعطى زيد خمسين، وأعطى خالد خمساً وعشرين، وكذلك عمرو خمساً وعشرين.
٣ - إذا اجتمعت في مرض الموت تبرعات منجزة، كوقف، وصدقة، وكان مجموعها يزيد على ثلث المال، قدم الأول فالأول منها، حتى يتم ثلث المال، وتقديم الأول على الثاني، لقوته، لأنه لا يفتقر إلى إجارة الورثة.
٤ - إذا اجتمعت تبرعات منجزة في مرض الموت، وكانت دفعة واحدة،
стр. 828
قسط بينها ثلث التركة بالقيمة، لعدم استحقاق تقديم بعضها على بعض
الوصية للوارث:
أ- الأصل في الوصية أن تكون لغير وارث، لأن المقصود بها القربة، وتحصيل الثواب، واستدراك ما فات حال الحياة، والوارث قد أخذ نصيبه من التركة.
إلا أن الموصي، قد يخالف ذلك، ويوصي لوارث من ورثته، فما هو حكم هذه الوصية؟
الأظهر في مذهب الشافعي أن الوصية جائزة، ولكنها لا تنفذ في حق هذا الوارث، إلا إذا أجازها الورثة الآخرون، فتكون إجازتهم تنفيذاً لوصية الموصي
وهذا الحكم مستفاد من قوله ﷺ : " إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث ".
رواه الترمذي (٢١٤١) في (كتاب الوصايا)، باب (ما جاء لا وصية لوارث)، ورواه أبو داود (٢٨٧٠) أيضاً، كلاهما عن أبي أمامة ﵁.
وروى الدارقطني (٤/ ١٥٢) عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تجوزُ وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة ".
وكذلك قاسوا الوصية للوارث، على الوصية للأجنبي بالزائد على الثلث. وقد قلنا هناك: إن الزيادة على الثلث موقوفة على إجارة الورثة، هنا كذلك.
ب- لا عبرة لقبول الورثة وردهم - إذا ما أوصى إلى أحد ورثته - في حياة الموصي، إذ لا استحقاق لهم في حياة الموصي بشئ من التركة. كما أنه لا استحقاق للموصي له أيضاً.
стр. 829
فلمن قبل من الورثة بالوصية للوارث في حال حياته، أن يرجع عن ذلك بعد موت الموصي، ولمن رد في حياته، أن يقبل بعد موته.
ج- العبرة بكون الموصي له وارثاً وقت الموت، لا وقت الوصية، فلو أوصى لأخيه، ولم يكن له ولد عند الوصية، ثم ولد له ولد قبل أن يموت، صحت الوصية ونفذت، لأنها تبينت أنها لغير وارث، لوجود الولد للموصي عند الموت، والولد كما هو معلوم يحجب الإخوة إذا كان ذكراً.
د- إذا أجاز الوصية للوارث بعض الورثة وردّها بعضهم بعد الموت، كان لكل منهم حكمه، فتردّ الوصية في حصة من رد، وتنفّذ في حصة من أجاز، وذلك على مقدار حصصهم من التركة.
هـ - في معنى الوصية للوارث، والوقف عليه، والهبة له، وإبراؤه من دين عليه لمورثة، فإن ذلك كله يحتاج إلى إجازة الورثة، بعد موت المورث، إذا كان ذلك التصرف من الموصي للوارث إنما تم في مرض الموت.
الرجوع عن الوصية:
الوصية من العقود الجائزة، وليست من العقود اللازمة، كعقد البيع، وعقد النكاح، وبناءً على هذا، فإنَّه يصح للموصي أن يرجع عن وصيته، جميعها، كما يصحّ له أن يرجع عن بعضها، ويحق لع أيضاً أن يعدّل فيها، ويدخل عليها شروطاً، وقيوداً، لأن المال الذي أوصى به، لم يخرج من ملكه، ما دام على قيد الحياة، فله حرية التصرف فيه كما يشاء.
كيف يكون الرجوع عن الوصية ؟
يصح الرجوع عن الوصية باللفظ الذي يدل على ذلك، مثل أن يقول: نقضت الوصية، أو أبطلتها، أو رجعت عنها، أو فسختها، أو هي لورثتي.
стр. 830
كما يكون الرجوع بالوصية بتصرف في الموصي به يشعر بإبطال الوصية، والإعراض عنها، وذلك: كأن يبيع الموصي به، أو يجعله صداقاً، أو يهبه لأحد ويدفعه إليه، أو يرهنه بدين ويسلمه للمرتَهن، كل هذه التصرفات في الوصية تعني، إلغائها، والرجوع عنها، وذلك لزوال ملكه في بعض هذه التصرفات عن عيون الوصية، وتعريض الموصي به للبيع في البعض الآخر، كما في حالة الرهن، وبناءً على ما سبق نقول:
١ - لو أوصى بحنطة معينة، ثم خلطها بحنطة أخرى، اعتبر هذا رجوعاً عن الوصية، لتعذر تسليم الموصي به بعدما أحدثَه من الخلط.
٢ - إذا أوصى بصاع حنطة من صبرة، ثم خلطها بأجود منها، عد هذا منه رجوعاً عن الوصية، لأنه أحداث بالخلط زيادة، لم يرض بتسليمها، ولا يمكن تسليمها بغير هذه الزيادة.
٣ - إذا أوصى بصاع حنطة من صُبرة ثم خلطها بمثلها فلا يُعدّ هذا رجوعاً عن الوصية، لأنه لم يحدث تغييراً، وكذلك إذا خلطها بأردأ منها، لأنه مثل إحداث عيب في الموصي به، فلا يضرّ.
٤ - إذا أوصى بحنطة فطحنها أو بذرها، أو أوصى بدقيق فعجنه، أو بقطن فغزله، أو بغزل فنسجه، أو بثياب فخاطها، أو بعرصة فبناها، أو غرسها، عُدّ جميع ذلك رجوعاً عن الوصية، وذلك لأمرين:
أحدهما: زوال الاسم قبل استحقاق الموصي له الوصية، فكان كتلف الموصي به.
ثانيهما: الإشعار بالإعراض عن الوصية، في هذه التصرفات وأمثالها.
стр. 831
الإيصَاء
تعريف الإيصاء:
قلنا فيما سبق عند بحثنا عن تعريف الوصي ة، قلنا: إن الوصية، والإيصاء بمعنى واحد، لكن الفقهاء خصّوا الإيصاء، بموضوع الإشراف على شؤون القاصرين مثلاً.
وعليه فالإيصاء: أن يعهد الرجل قبل موته إلى مَن يثق به بالإشراف على أولاده، وتنفيذ وصيته، وقضاء ديونه، وردّ ودائعه، ونحو ذلك.
تعريف الوصي:
ومما سبق يتبّين معنى الوصيّ، فإنه هو الشخص الذي يقوم بالإشراف على شؤون الأولاد، وردّ الودائع وقضاء الديون، نيابة عن الميت، وذلك بتكليف منه.
حكم الإيصاء:
الأصل في الإيصاء أنه مندوب إليه، لكنه قد يعتريه ما يجعله واجباً.
قال الأذرعي: (يظهر أنه يجب على الآباء الوصية في أمر الأطفال - إذا لم يكن لهم جد أهل للولاية - إلى ثقة كاف وجيه، إذا وجده، وغلب على ظنه أنه إن ترك الوصية استولى على ماله خائن، من قاض، أو غيره من الظلمة، إذ قد يجب عليه حفظ مال ولده من الضياع).
стр. 832
وقال الباجوري في حاشيته: (الإيصاء المذكور سنة، إلا في قضاء حق عجز عنه حالاً، وليس به شهود، فإنه يجب حينئذ، لأن ترك الإيصاء به يؤدي إلى ضياعه).
مما ذكر يتبين أن الإيصاء واجب فيما إذا كان على الموصي، أو له، حقوق يغلب على الظن أنها تضيع إذا لم يعهد بأمر كشفهما، وإظهار أمرها إلى من يقوم مقامه.
وكذلك إذا خيف على الأولاد الصغار الضياع، أو التعرّض للضرر، فإنه يجب على أبيهم الإيصاء إلى مَن يثق به ليُشرف على شؤونهم، ويرعى مصالحهم.
أما إذا لم يكن شئ مما سبق، فإن الإيصاء يبقى أمراً مندوباً، وعملاً مستحباً.
حكمة مشروعية الإيصاء:
الحكمة من تشريع الإيصاء، الحاجة إليه، وتحقيق مصالح للناس فيه.
فقد يشرف الإنسان على الموت، وبينه وبين الناس علاقات مادية، كودائع، وعواري، وقد يكون عليه ديون يحتاج لمن يشرف على وفائها بعد موته، وقد يكون له أولاد قاصرون ليس لهم القدرة على التصرّف بشؤون المال فاقتضت المصلحة أن يُنصب إنسان له كفاية في هذه الأمور ليشرف على ذلك كله، فكان من ذلك أن شرّع الإسلام الإيصاء، وحثّ عليه، ورغب فيه.
شروط الوصي:
قلنا: إن الموصي هو ذلك الإنسان الذي يُعهد إليه بثبوت التصرّف بعد وفاة الموصي، ولكي يستطيع هذا الوصي أن يقوم بما كُلِّف به على أحسن وجه، كان لا بدّ فيه من الشروط التالية:
стр. 833
أ- أن يكون مكلفاً: أي بالغاً عاقلاً، لأن غير البالغ العاقل يستحق مَن يلي بأمره، ويقوم على شؤونه، فكيف يصحّ توليه، ليلى أمر غيره؟!
ب أن يكون حراً، لأن الرقيق لا يتصرف في مال أبيه، فلا يصلح وصياً يتصرف في مال غيره، ولو أذنَ له سيده.
ج- مسلماً، وذلك في الولاية على مسلم، فلا يَصحّ الإيصاء إلى كافر، ليلى أمور المسلمين، لأنه متّهم، ولم يجعل الله له ولاية عليهم.
وقال : ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١].
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: ١١٨].
[بطانة: أولياء يتدخلون في شؤونكم. وبطانة الرجل: خاصته وأهله. لا يألونكم خبالاً: لا يقصِِّرون في إفسادكم، والخبال: الفساد].
لكن يصح الإيصاء من ذميّ إلى ذميّ، وكذلك من ذميّ إلى مسلم.
د- أن يكون عدلاً، لا ينغمس في كبائر الذنوب، ولا يصرّ على صغائرها، وتكفي فيه العدالة الظاهرة، أي أن يكون ظاهر حاله هكذا. فلا يصحّ الإيصاء إلى فاسق، لأن الوصاية ولاية وائتمان، والفاسق غير مؤتمن. .
هـ- أهلاً للتصرف بالموصي به، وقادراً عليه فلا يصح الإيصاء إلى سفيه، أو مريض، أو هرم، أو مختل، أو ذي غفلة، إذا لا مصلحة في تولية من هذه حاله.
هذا ويؤخذ من الشروط السابقة في الوصي، أنه يجوز الإيصاء إلى:
أالأعمى، لأنه يمكنه التوكيل، فيما يتمكّن من معرفته بنفسه.
стр. 834
ب- المرأة، لأنها صالحة للتصرّف.
وقد أوصى عمر بن الخطاب ﵁ عند وفاته إلى ابنته حفصة ﵂. رواه أبو داود (٢٧٨٩) في (الوصايا)، باب (ما جاء في الرجل يوقف الوقف) بل هي أولى من غيرها في الوصاية إذا اجتمعت فيها شروط الوصي، لوفور شفقتها على أولادها.
أحكام تتعلق بالوصي والإيصاء:
هناك مجموعة من الأحكام تتعلق بالوصي والإيصاء. ونذكرها في العجالة التالية:
أليس للوصي إيصاء إلى غيره، لأن الموصي اختاره هو، ولم يرض بتصرف غيره، وهذا إذا أطلق الموصي الإيصاء، أو نصّ على عدم التوكيل، أما إذا أذنَ له بذلك، فإنه لا يُمنع منه.
ب يجوز في الإيصاء التوقيت والتعليق، فو قال: أوصيت إلى فلان إلى بلوغ ابني، أو إلى قدوم أخي، جاز ذلك، وكذلك لو قال: إذا متّ فقد أوصيت إليك، فإنه يجوز، لأن الإيصاء يحتمل الجهالة والأخطار، كالوصية، ولأن الإيصاء مثل الإمارة، وقد أمّر النبي ﷺ : زيد بن حارثة ﵁ في غزوة مؤتة وقال: إن أصيب زيد، فجعفر، وإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة.
رواه البخاري (٤٠١٣) في (المغازي)، باب (غزوة مؤتة).
ج- لو أوصى إلى اثنين، ولم يجعل لكل واحد منهما الانفراد بالتصرّف، بل شرط اجتماعهما فيه، أو أطلق، فقال: أوصيت إلى زيد وعمرو، لم يكن لأحدهما أن ينفرد بالتصرّف وحده، عملاً بالشرط في الأول، واحتياطاً في الثاني، ولكن لو صرّح الموصي عند الإيصاء بانفراد كل منهما بالتصرّف، كأن قال: أوصيت على كل منكما، أو كل واحد منكما وصي، جاز لكل واحد منهما أن يتصرف وحده منفرداً عن صاحبه، لوجود الإذن في ذلك من الموصي.
стр. 835
د- عقد الإيصاء عقد جائز من كلا الطرفين، فللوصي أن يعزل نفسه عن الإيصاء متى شاء، كالوكالة، إذ هو وكيل عن الموصي، لكن هذا العزل يصحّ إذ لم يتعين عليه القيام بالوصية، ولم يغلب على ظنه، تلف مال الموصي عليهم، باستيلاء ظالم من قاض وغيره على مالهم. فإذا خاف شيئاً من ذلك لم يجز له أن يعزل نفسه، ولا ينفذ عزله، رعاية لمصالح الأيتام، ودفعاً للخطر عنهم، أو عن أموالهم.
هـ - يشترط في الوصاية بأمر الأطفال أن تكون ممن له ولاية عليهم، كالأب والجد.
ولا يجوز للأب نصب وصي على الأطفال والجدّ حيّ بصفة الولاية، لأن ولايته ثابتة شرعاً، فليس له نقل الولاية عنه، كولاية التزويج.
وإذا بلغ الطفل، ونازع الوصي في الإنفاق، وادعى أنه أسرف فيه، صدق الوصي بيمينه، لأنه مؤتمن.
ولو نازعه دفع المال إليه بعد البلوغ، صُدِّق الولد بيمينه، وذلك لمفهوم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾ [النساء: ٦]، ولأنه لا يشق على الوصي أن يقيم البينة على أداء المال إلى الولد. والله أعلم.
стр. 836
الفرائض
стр. 837
علم الفرائض
تعريف علم الفرائض:
العلم: هو إدراك الشئ على ما هو عليه في الواقع.
ويطلق العلم كذلك على حكم الذهن الجازم المطابق للواقع. كما يطلق أيضاً على القواعد المدوَّنة، والفنون المبيّنة.
الفرائض: جمع فريضة، بمعنى مفروضة: أي مقدَّرة وذلك لما فيها من السهام المقدّرة شرعاً
الفرض: لغة التقدير. ومنه قول الله ﵎: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾
[البقرة: ٢٣٧]. أي نصف ما قدرتم.
والفرض شرعاً: نصيب مقدر في الشرع للوارث.
وعلم الفرائض: شرعاً: هو فقه المواريث، وعلم الحساب الموصل لمعرفة ما يخص كل ذي حق من التركة. وقيل هو: علم بقواعد فقهية وحسابية يعرف بها نصيب كل وارث من التركة.
ويقال لعلم الفرائض: علم المواريث. جمع ميراث، ويقال: تراث، وإرث، وهو اسم لما يورث عن الميت، مأخوذ من قولهم: ورث فلان غيره، إذا ناله شئ من تركته، أو خلفه في أمر من الأمور بعد وفاته، ومنه
стр. 838
قول الله ﵎: ﴿وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. ولا شك أن الوارث يخلف المتوفى في ملك أمواله.
مشروعية الإرث:
لا شك أن الإرث مشروع في الإسلام، ومقرر بنص القرآن والسنة، وإجماع الأمة، ولا شك أيضاً أن من أنكر مشروعيته فهو كافر مرتد عن الإسلام. قال الله تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ [النساء: ٧]
وآيات المواريث معروفة، وواضحة في تقرير مشروعية الإرث.
وأحاديث المصطفى أيضاً كثيرة في نفس الموضوع، ومنها قوله ﵊: " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقى فلأولى رجل ذكر ".
رواه البخاري (٦٣٥١) في (الفرائض)، باب (ميراث الولد من أبيه وأمه)، ورواه مسلم (١٦١٥) في (الفرائض)، باب (ألحقوا الفرائض بأهلها). ومنها أيضاً قوله ﵊: " تعلموا الفرائض وعلموها الناس " رواه الحاكم (٤/ ٣٣٣) في (كتاب الفرائض)، باب (تعلموا الفرائض وعلموه الناس).
والإجماع منعقد على تشريع الإرث، لم يخالف في ذلك أحد من المسلمين
مكانة علم الفرائض في الدين:
تحتل أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية مكاناً بارزاً، لأنها جزء كبير من نظام الإسلام في المال، وتكاد تكون الكثيرة الغالبة من أحكامه واردة في القرآن الكريم. حتى قال بعضهم: علم الفرائض أفضل العلوم، أي بعد علم أصول الدين، وهو علم التوحيد، وما يتعلق به من معرفة العقيدة الإسلامية.
стр. 839
الترغيب في تعلم علم الفرائض وتعليمه:
لقد حث النبي المصطفى ﷺ المسلمين على تعلم علم المواريث، ورغبهم فيه، وحذر من إهماله والإعراض عنه.
روى الحاكم (٤/ ٣٣٣) وصححه في (كتاب الفرائض)، باب
(تعلموا الفرائض وعلموه الناس) من حديث ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: " تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن هذا العلم سيقبض، وتظهر الفتنُ، حتى يختلف الرجلان في الفريضة، فلا يجدون من يفصل بينهما ".
وروى ابن ماجه (٢٧١٩) بسند حسن في (كتاب الفرائض)، باب
(الحث على تعلم الفرائض) عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " تعلموا الفرائض فإنها من دينكم، وإنها نصف العلم، وإنه أول علم ينزع من أمتي ".
قيل: إنه نصف العلم، باعتبار أن للإنسان حالتين:
حالة حياة، وحالة موت، فحالة الحياة تتعلق بالصلاة، والزكاة وغيرهما، وحالة الموت تتعلق بقسمة التركة، والوصايا وغيرهما.
عناية الصحابة والفقهاء بعلم المواريث:
لقد تتابعت عناية الصحابة رضوان الله عليهم بعلم الفرائض تعلّماً وتعليماً، حتى قال عمر بن الخطاب ﵁: (تعلموا الفرائض فإنها من دينكم)
وقد اشتهر بين الصحابة رجال أتقنوا هذا العلم، وفاقوا فيه غيرهم، كعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، عبدالله بن مسعود، وزيد بن ثابت، ﵃ جميعاً، وقد شهد النبي ﷺ لزيد بن ثابت بالتقدم بهذا العلم، والتفوق فيه. فقال: (أفرضكم زيد بن ثابت) رواه الترمذي
стр. 840
(٣٧٩٤) في
(المناقب)، ورواه ابن ماجه (١٥٤) أيضاً في المقدمة، باب (فضائل أصحاب رسول الله ﷺ )، ورواه أحمد في مسنده (٣/ ٢٨١).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: (من يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت).
وروي عن عبدالله بن عمر ﵄ أنه قال يوم موت زيد:
(اليوم مات عالم المدينة).
وحَذَا التابعون ﵃ حذو الصحابة في إكبار هذا العلم، والإقبال عليه، وتعلمه وتعليمه، واشتهر من بينهم الفقهاء السبعة المعروفون رحمهم الله تعالى، وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن حارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود.
ومن بعد هؤلاء كثير من علماء أتباع التابعين ومن بعدهم. فرحم الله الجميع وأسكنهم فسيح جنّاته، ووفقنا للسير على نهجهم، والأخذ بهديهم.
حكمة تشريع الميراث:
إن لتشريع الميراث، وتوزيع تركة الميت بين ورثته حكماً واضحة جلية، نذكر منها:
أإرضاء فطرة الإنسان، فلقد فطر الإنسان، وخلق فيه حب الولد الذي يرى فيه زينة حياته، وامتداد عمره، ومظهر بقائه، فلذلك تراه يكدّ ويتعب من أجل ولده، وبهذا الجدّ والعمل تنتعش الحياة، ويكثر فيها الخير، ولو حرم الدين الميراث لزوت رغبة العمل في كيان الإنسان، وضاقت نفسه، وأظلمت حياته، ورأى أن جهده ضائع، وثمرة عمله سوف تذهب - ربما - إلى مَن لا يحب. وفي هذا ما يناقض فطرته التي فطرة الله عليه، ويذهب بسعادته.
قال تعالى ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
стр. 841
[الكهف: ٤٦]، وقال
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤].
ب تحقيق التكافل الاجتماعي في دائرة الأسرة، وذلك بما يأتيهم من المال عن طريق الميراث، وفي هذا ما فيه من المصلحة.
ج - صلة الرحم بعد انقطاع أجل المورث، وذلك بما يكون لأقرباء الميت كأخيه، وغيرهما من نصيب في المال الموروث.
استمداد علم الفرائض:
يستمد علم الفرائض أصوله، وأدلته وأحكامه من أربعة مصادر، وهي: القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، واجتهاد الصحابة ﵃.
غاية علم الفرائض:
إن الغاية من علم الفرائض: معرفة ما يخصّ كل وارث من التَرِكَة.
موضوع علم الفرائض:
إن موضوع علم الفرائض هي التركة.
تعريف التركة:
التركة: هي جميع ما يخلفه الميت بعد موته، من أموال منقولة، كالذهب والفضة وسائر النقود والأثاث، أو غير منقولة كالأراضي والدور وغيرها. فجميع ذلك داخل في مفهوم التركة، ويجب إعطاؤه لمن يستحقه.
وجوب العمل بأحكام المواريث:
نظام الميراث نظام شرعي ثابت بنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، شأنه في ذلك شأن أحكام الصلاة والزكاة، والمعاملات، والحدود. يجب تطبيقه، والعمل به، ولا يجوز تغييره، والخروج عليه، مهما تطاول
стр. 842
الزمن، وامتدت الأيام، فهو تشريع من حكيم حميد، روعي فيه المصلحة الخاصة والعامة. ومهما ظن الناس بأفكارهم خيراً، فتشريع الله خير لهم، وأنفع.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٣﴾ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء ١٣ - ١٤]، وقال جل شأنه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾
[الأحزاب: ٣٦].
الحقوق المتعلقة بتركة الميت:
يتعلق بتركة الميت خمسة حقوق، مرتب بعضها على بعض، وهذه الحقوق هي:
١ - الديون المتعلقة بأعيان من التركة، قبل الوفاة: مثل الرهن، فمن رهن شيئاً وسلمه، ولم يترك غيره، ثم مات، فدين المرتهن مقدم على كل شئ، حتى تجهيز الميت وتكفينه.
وكذلك، من اشترى شيئاً، ولم يقبضه ولم يدفع ثمنه، ثم مات، فالبائع أحق به من تجهيز الميت وتكفينه. ومثل البيع والرهن، حق الزكاة، أي المال الذي وجبت فيه الزكاة، لأنه كالمرهون بالزكاة. فيقدم على مؤن التجهيز.
٢ - تجهيز الميت: فإن تجهيزه مقدم على بقية الديون، وعلى إنفاذ الوصية، وعلى حق الورثة، لأنه من الأشياء الضرورية، التي تتعلق بحق الميت كإنسان له كرامته لتحتم مواراته في لحده.
والتجهيز المطلوب هو كل ما ينفق على الميت منذ وفاته إلى أن
стр. 843
يوارى في لحده، من غير سرف ولا تقتير، ضمن دائرة الأمور المشروعة.
ويُلحق بتجهيز الميت، تجهيز من تلزمه نفقته من زوجة وولد، فلو ماتت زوجته قبل موته بدقائق، أو مات ولده الصغير كذلك، وجب أن يكفنا ويجهزا من ماله، كما كان يجب أن ينفق عليهما في حال حياتهما.
فإن كان الميت فقيراً، لا يملك ما يجهز به، فنفقة تجهيزه على من عليه نفقته في حال الحياة، كما قلنا في الصغير، والزوجة، فإن تعذر ذلك، ففي بيت مال المسلمين، فإن تعذر، فعلى أغنياء المسلمين.
٣ - الديون المتعلقة في ذمة الميت: فإنها مؤخرة عن مؤن التجهيز، ومقدمة على الوصية، وحق الورثة، سواء كانت هذه الديون من حق الله تعالى، كالزكاة، والنذور والكفارات، أو كانت من حقوق العباد، مثل القرض، وغيره.
غير أن حق الله تعالى مقدم في الوفاء على حق العباد.
٤ - الوصية من ثلث ما يقي من ماله: وهي مؤخرة عن الدين بالإجماع، ومقدمه على حق الورثة.
وتقديمها في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، لا يدل على وجوب تقديمها على الدين، بل قدمت للعناية بها، وحث الورثة على إنفاذها، لأنها مظنة التساهل من قبل الورثة، باعتبارها تبرعاً من مورثهم، قد يرون فيها مزاحمة لحقهم في الميراث.
روى الترمذي (٢١٢٣) في (الوصايا)، باب (ما جاء يبدأ بالدين
стр. 844
قبل الوصية)، عن علي ﵁، أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدين.
٥ - الإرث: وهو آخر الحقوق المتعلقة بالتركة، ويقسم بين أفراد الورثة حسب أنصبائهم.
شروط الإرث:
للإرث أربعة شروط:
١ - تحقق موت المورث، أو إلحاقه بالموتى تقديراً، وذلك كجنين انفصل ميتاً في حياة أمه، أو بعد موتها، بجناية على أمه، موجبة للغرة، فيقدر أن الجنين كان حياً قبل الجناية، ويقدر أيضاً أن الموت قد عرض له بالجنابة على أمه، لتورث عنه الغرة.
أو إلحاق المورث بالموتى، حكماً، كما في حكم القاضي بموت المفقود اجتهاداً.
[والغرة: عبد، أو أمه. والغرة في الأصل: بياض في الوجه].
٢ - تحقق حياة الوارث بعد موت مورثه، ولو لحظة.
٣ - معرفة إدلاء الوارث للميت، بقرابة، أو النكاح، أو ولاء.
٤ - الجهة المقتضية للإرث تفصيلاً، وهذا يختص بالقاضي، فلا تقبل شهادة الإرث مطلقاً، كقول الشاهد للقاضي: هذا وارث. بل لا بد في شهادته من بيان الجهة التي اقتضت إرثه منه. ولا يكفي أيضاً قول الشاهد: هذا ابن عمه، بل لا بد من العلم بالقرب والدرجة التي اجتمعا فيها.
أركان الإرث:
أركان الإرث ثلاثة:
١ - المورِّث، وهو الميت الذي يستحق غيره أن يرثه.
стр. 845
٢ - الوارث: وهو مَن ينتمي إلى الميت بسبب من أسباب الإرث الآتي بيانها
٣ - الموروث: وهي الترِكَة التي يخلِّفها الميت بعد موته.
أسباب الميراث:
تعريف السبب:
السبب في اللغة: ما يتوصل به إلى غيره، واصطلاحاً: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدم العدم لذاته.
تعريف الميراث:
الميراث، والإرث بمعنى واحد، وهو لغة: البقاء، وانتقال الشئ من قوم إلى قوم آخرين، وهو مصدر ورث الشئ وراثة، وميراثاً، وإرثاً.
ويستعمل الإرث بمعنى الموروث، والتراث، وهو لغة: الأصل والبقية، ومنه قول الله : ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ [الفجر: ١٩].
وقول رسول الله ﷺ : " ابقوا على مشاعركم، فإنكم على إرث أبيكم إبراهيم ". أي على أصله، وبقية من دينه.
رواه أبو داود (١٩١٩) في (المناسك)، باب (موضع الوقوف بعرفة)، والترمذي (٨٨٣) في (الحج)، باب (الوقوف بعرفات والدعاء بها)، والنسائي (٥/ ٢٥٥) في الحج، باب (رفع اليدين في الدعاء بعرفة)، وابن ماجه (٣٠١١) في (المناسك)، باب (الموقف بعرفات).
والإرث شرعاً: حقا قابل للتجزي يثبت لمستحقه بعد موت من كان له ذلك، لقرابة بينهما، أو نحوها: كالزوجية والولاء.
وأسباب الميراث أربعة:
١ - النسب: وهو القرابة، ويرث به الأبوان ومن أدلى بهما، كالأخوة والأخوات، وبنو الإخوة الأشقاء، أو لأب.
следующие страницы →