← Акыда

Акыда · id 6389

تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل

الباقلاني

Полный текст (536 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَأما مَا يدل على فَسَاد ذَلِك على قَوْلهم فَهُوَ أَنه إِذا قدر على الْمُتَوَلد بقدرة تُوجد مَعَه صحت الْقُدْرَة على الْمَوْجُود فِي حَال وجوده وَذَلِكَ بَاطِل عِنْدهم وَخرجت هَذِه الْحَوَادِث أَيْضا عَن أَن تكون مُتَوَلّدَة وَلَحِقت بِالْمُبَاشرَةِ من الْأَفْعَال إِذا لم يكن هَا هُنَا دَلِيل يلجىء إِلَى حَاجَتهَا إِلَى الْأَسْبَاب مَعَ وجود الْقُدْرَة عَلَيْهَا وكما أَنه لَا تحْتَاج عِنْدهم فِي حَال وجودهَا إِلَى قدرَة عَلَيْهَا فَكَذَلِك لَا تحْتَاج إِلَى سَبَب يولدها وَلَو لم تحتج إِلَى الْأَسْبَاب لصَحَّ أَن أحرك الْجِسْم وَإِن لم أفعل سَببا لتحريكه ولوجب أَن أسْكنهُ إِذا لم أحركه وَذَلِكَ بَاطِل وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فقد فسد كَون الْقَادِر منا قَادِرًا على هَذِه الْحَوَادِث بقدرة تُوجد مَعهَا أَو قبلهَا فَإِذا فسد ذَلِك بَطل أَن تكون أفعالا للْعَبد إِذا كَانَ لَا بُد من كَونه قَادِرًا على مَا هُوَ فعل لَهُ وَهَذَا يبطل مَا قَالُوهُ بطلانا ظَاهرا ثمَّ يُقَال لَهُم مَا الدَّلِيل على أَن هَذِه الْحَوَادِث أَفعَال للعباد فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على ذَلِك أَنا نجدها وَاقعَة عِنْد وجود هَذِه الْأَسْبَاب وبمقدار قصد العَبْد إِلَيْهَا وبحسب قدرته عَلَيْهَا وَكَونهَا تَابِعَة فِي الْوُجُود لأسبابها لِأَن الْإِنْسَان إِذا أَرَادَ الْيَسِير من إيلام غَيره وحركته دفعا يَسِيرا وضربه ضربا رَفِيقًا وَإِذا أَرَادَ الْكثير من إيلامه وتحريكه ضَرْبَة الضَّرْب الشَّديد فَكَانَ عِنْد ذَلِك الْأَلَم الْكثير وَإِذا قصد إِلَى ذهَاب الْحجر فِي جِهَة مِنْهُ دَفعه فِي تِلْكَ وَلم يَدْفَعهُ فِي غَيرهَا وكل هَذَا يدل على

стр. 317

أَن هَذِه الْحَوَادِث فعل للْعَبد الْفَاعِل لما يكون عِنْده من هَذِه الْأُمُور يُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك وَمَا دليلكم عَلَيْهِ فَفِي نفس هَذَا خالفناكم فَلَا تَجِدُونَ فِيهِ مُتَعَلقا سوى الدَّعْوَى ثمَّ يُقَال لَهُم فَيجب على مَوْضُوع اعتلالكم لَو أجْرى الله الْعَادة بِفعل سُكُون الْحَبل وَحبس الْحجر فِي مكانهما عِنْد مباينة يَد الْإِنْسَان لَهما وَترك اعْتِمَاده عَلَيْهِمَا وَفعل تحريكهما وخروجهما عَن الْمَكَان عِنْد مماسة يَد الْإِنْسَان لَهما واعتماده عَلَيْهِمَا حَتَّى يحبس الْحجر فِي مَكَانَهُ ويسكنه كلما فَارقه العَبْد وباينه ويخرجه عَن الْمَكَان وَيفْعل ذَهَابه كلما ماسه وَاعْتمد عَلَيْهِ وَقصد حَبسه فِي الْمَكَان أَن يكون ذهَاب الْحجر عَن الْمَكَان وحركته متولدا عَن مباينة يَده لَهُ وَترك اعْتِمَاده عَلَيْهِ وذهابه وَخُرُوجه عَن الْمَكَان متولدا عَن مماسة يَده لَهُ واعتماده عَلَيْهِ فِي جِهَة الْمَكَان وقصده إِلَى حَبسه فِيهِ إِذا فعل الله ذَلِك أبدا على وتيرة وَاحِدَة وأجرى بِهِ الْعَادة لِأَن ذَلِك مَقْدُور عندنَا وعندكم وَكَذَلِكَ لَو أجْرى الْعَادة بِأَن يفعل الْأَلَم الشَّديد الْعَظِيم عِنْد الضَّرْب الْيَسِير وَلَا يفعل الْأَلَم الْعَظِيم الْكثير عِنْد شَدِيد الضَّرْب بل يفعل مَا يُنَافِيهِ من اللَّذَّات لوَجَبَ أَن يكون يسير الضَّرْب مولدا لعَظيم الْأَلَم وشديده مولدا ليسيره وَلَو أجْرى الْعَادة بِأَن يفعل اجْتِمَاع أَجزَاء الْكَوْن ومجاورتها عِنْد الزجة وتفرق أَبْعَاضه ومباينتها عِنْد إِمْسَاكه الرفيق فِي الْيَد

стр. 318

وحبسه لوَجَبَ أَن يكون الْكسر متولدا عَن حَبسه فِي الْيَد وَالصِّحَّة والاجتماع والمجاورة متولدا عَن دَفعه وزجه إِذا أجْرى الْعَادة بِأَن يَجْعَل ذَلِك على وتيرة وَاحِدَة فَإِن مروا على هَذَا تجاهلوا وَتركُوا قَوْلهم وَإِن أَبوهُ وَقَالُوا لَو أجْرى الْعَادة بِفعل ذَلِك لم تكن هَذِه الْأَسْبَاب مولدة لما سَأَلْتُم عَنهُ أبطلوا دليلهم إبطالا ظَاهرا وَإِن قَالُوا هَذَا مِمَّا لَا يجوز أَن يَفْعَله الله لِأَن فِيهِ لَو فعله إفسادا للأدلة قيل لَهُم هَذَا جهل عَظِيم مِنْكُم لِأَنَّهُ لَو كَانَ مَا ذكرتموه دَلِيلا عقليا صَحِيحا لم يجز فَسَاده بِفعل من الْأَفْعَال يخرج إِلَى الْوُجُود كَمَا أَنه لَا يجوز إِفْسَاد دلَالَة تعاقب الْأَعْرَاض على الْأَجْسَام على حدوثها بِفعل يخرج إِلَى الْوُجُود وكل مَا جَوَّزنَا فَسَاده يَوْمًا مَا من الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة خرج عَن أَن يكون دَلِيلا ثمَّ يُقَال لَهُم وَيجب على اعتلالكم هَذَا أَن يكون حُدُوث الْمَوْت عِنْد ضرب الْعُنُق واللذة عِنْد الحكة واللون عِنْد الضَّرْب وَالْبَيَاض والصلابة فِي الدبس عِنْد سَوْطه وَالصِّحَّة عِنْد الشد والجبر

стр. 319

وحدوث النَّمَاء عِنْد السَّقْي والتسميد فعلا لضارب الْعُنُق وفاعل الحكة وسائط الدبس ومسقي الزَّرْع ومسمده وَكَذَلِكَ الشِّبَع والري والإسكار يجب أَن يكون فعلا للآكل والشارب فَإِن مروا على هَذَا أجمع تركُوا قَوْلهم لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُم من يجمع بَين جَمِيع هَذِه الْأَقَاوِيل وَإِن أَبوهُ أَو شَيْئا مِنْهُ نقضوا اعتلالهم نقضا ظَاهرا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق بَاب الْكَلَام فِي خلق الْأَفْعَال إِن قَالَ قَائِل لم قُلْتُمْ إِن الْبَارِي خَالق لجَمِيع أَفعَال الْعباد

стр. 320

قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك من جِهَة الْعُقُول أَنه تَعَالَى قَادر على جَمِيع الْأَجْنَاس الَّتِي يكتسبها الْعباد فَإِذا ثَبت من قَوْلنَا جَمِيعًا أَنه قَادر على فعل مثل مَا يكتسبه الْعباد على الْوَجْه الَّذِي يُوجد عَلَيْهِ كسبهم وَجب أَنه قَادر على نفس كسبهم لِأَنَّهُ لَو لم يقدر عَلَيْهِ مَعَ قدرته على مثله لوَجَبَ عَجزه عَنهُ واستحالة قدرته على مثله فَثَبت بذلك أَن أَفعَال الْخلق مقدورة لَهُ فَإِذا وجدت كَانَت أفعالا لَهُ لِأَن الْقَادِر على الْفِعْل إِنَّمَا يكون فَاعِلا لَهُ إِذا حصل مقدوره مَوْجُودا وَلَيْسَ يحصل الْمَقْدُور مَفْعُولا إِلَّا لِخُرُوجِهِ إِلَى الْوُجُود فَقَط فَدلَّ مَا قُلْنَاهُ على خلق الْأَفْعَال وَمِمَّا يدل أَيْضا على خلق أَعمال الْعباد علمنَا بوقوعها على أَحْكَام وأوصاف وحقائق لَا يعلمهَا الْعباد من نَحْو كَونهَا أعراضا وأجناسا مُخْتَلفَة وأدلة على مَا هِيَ أَدِلَّة عَلَيْهِ وموجودة على صفة دون صفة مَعَ الْعلم بجحد كثير مِنْهُم للأعراض وإنكار الْأَدِلَّة عَلَيْهَا وَالْجهل بحقائق مَا وَقعت عَلَيْهِ الْأَفْعَال وَالصِّفَات الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ يجوز أَن يخلقها على الْحَقَائِق وَالْأَحْكَام والأوصاف الَّتِي قدمنَا ذكرهَا الساهي عَنْهَا وَالْجَاهِل بحقائقها وَمن لَيْسَ بقاصد إِلَى إيجادها لِأَن ذَلِك لَو جَازَ لجَاز وُقُوع جَمِيع الْمَخْلُوقَات من فَاعل هَذِه سَبيله ولاستغنى جَمِيعهَا عَن أَن يكون فاعلها عَالما قَاصِدا كَمَا أَنه لَو جَازَ وُقُوع بَعْضهَا من غير فَاعل لجَاز ذَلِك فِي جَمِيعهَا وَهَذَا يُوجب بطلَان دلَالَة شَيْء من الْخلق على علم فَاعله وقصده تَعَالَى عَن ذَلِك فَثَبت أَن الْخَالِق لضروب الْأَفْعَال هُوَ الله الْعَالم بحقائقها والقاصد إِلَى إيجادها

стр. 321

وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَيْضا من الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فَأخْبر أَنه خَالق لنَفس عَملنَا كَمَا قَالَ ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ فأوقع الْجَزَاء على نفس أَعْمَالهم فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن يكون أَرَادَ أَنه خلق الْأَصْنَام الَّتِي عمِلُوا فِيهَا قيل لَهُم الْأَصْنَام أجسام والأجسام لَا يجوز أَن تكون أعمالا للعباد على الْحَقِيقَة فَإِن قَالُوا أَلَيْسَ قد قَالَ تَعَالَى ﴿تلقف مَا يأفكون﴾ وَهِي لم تلقف إفكهم قيل لَهُم أجل لِأَن الله تَعَالَى مَا ذكر إفكهم بل ذكر مأفوكهم لِأَن مَا يأفكون هُوَ المأفوك كَمَا أَن مَا يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويضربون هُوَ الْمَأْكُول والمشروب والمضروب وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿أتعبدون مَا تنحتون﴾ لم يعرض تَعَالَى فِيهِ لذكر النحت وَإِنَّمَا ذكر المنحوت لِأَن مَا ينحتون هُوَ منحوتهم لَا نحتهم فَبَطل تعلقهم وتعليلهم وَيدل على ذَلِك أَيْضا من الْقُرْآن قَوْله ﴿وقدرنا فِيهَا السّير سِيرُوا فِيهَا ليَالِي وأياما آمِنين﴾ وَالتَّقْدِير مِنْهُ هُوَ خلق الشَّيْء

стр. 322

وَجعله على مِقْدَار مَا وإيقاعه بِحَسب قَصده وإرادته وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن آيَاته خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم﴾ يُرِيد تَعَالَى باخْتلَاف الألسن عِنْد كَافَّة أهل التَّأْوِيل اخْتِلَاف اللُّغَات وَالْكَلَام بالألسن وَلم يرد اخْتِلَاف مقاديرها لِأَنَّهُ يبطل معنى تَخْصِيص اخْتِلَاف الألسن بِكَوْنِهِ آيَة لَهُ فَلَمَّا كَانَ كلامنا الْمُخْتَلف من آيَاته وَجب أَن يكون خلقا لَهُ تَعَالَى وَيدل ذَلِك أَيْضا على قَوْله تَعَالَى ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾ يَقُول تَعَالَى كَيفَ لَا أعلم مَا تسرونه وتخفونه من القَوْل وَأَنا الْخَالِق لَهُ لِأَن خلقه لموْضِع القَوْل لَا يدل عندنَا وَعِنْدهم على الْعلم بِمَا فعل فِيهِ كَمَا لَا يدل عِنْدهم بِنَاء الدَّار وَعمل الطوب على علم فَاعله بِمَا أودعهُ غَيره وَجعله فِيهِ وَالله تَعَالَى جعل كَونه خَالِقًا دَلِيلا على علمه فَيجب أَن يكون إِنَّمَا عَنى خلقه نفس القَوْل دون خلقه مَكَانَهُ وموضعه وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿هَل من خَالق غير الله يرزقكم من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ فَفِي أَن يكون خَالِقًا غَيره كَمَا نفى إِلَهًا غَيره فِي قَوْله ﴿من إِلَه غير الله يأتيكم بلَيْل تسكنون فِيهِ﴾

стр. 323

فَإِن قَالُوا إِنَّمَا نفى خَالِقًا غَيره يرْزق من السَّمَاء وَالْأَرْض قيل لَهُم وَكَذَلِكَ إِنَّمَا نفى إِلَهًا غَيره يَأْتِي بلَيْل تسكنون فِيهِ فَإِن مروا على هَذَا فارقوا الدّين وَإِن أَبوهُ أَبينَا تأويلهم وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يدعونَ من دون الله لَا يخلقون شَيْئا وهم يخلقون﴾ وَقد عبدت الْإِنْس الْمَلَائِكَة وَقد نفى الله تَعَالَى أَن يَكُونُوا خالقين لشَيْء على وَجه وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله تَعَالَى أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم فَحكم تَعَالَى بشرك من ادّعى أَنه يخلق كخلقه وَمن أثبت ذَلِك لأحد من خلقه فَلَو كَانَ الْعباد يخلقون كَلَامهم وحركاتهم وسكونهم إرادتهم وعلومهم وَهَذِه الْأَجْنَاس أجمع كخلقه وَمن جنس مَا يوجده لكانوا قد خلقُوا كخلقه وصنعوا كصنعه ولتشابه على الْخلق خلقه وخلقهم تَعَالَى عَن ذَلِك ذكر شبه لَهُم ونقضها قد قَالُوا لَو كَانَت أفعالنا خلقا لله لكَانَتْ مقدورة لنا وَله وَلَو كَانَ ذَلِك كَذَلِك لجَاز أَن نفعلها وَيَتْرُكهَا هُوَ أَو نتركها ويفعلها فَيكون الشَّيْء الْوَاحِد مَفْعُولا متروكا

стр. 324

قيل لَهُم هَذَا بَاطِل لِأَن الْإِنْسَان لَا يقدر على الْفِعْل إِلَّا فِي حَال وجوده فَلَا يجوز أَن يتْركهُ فِي حَال قد وجد فِيهَا وَلَا يجوز أَيْضا أَن يتْركهُ الله فِي تِلْكَ الْحَال لِأَنَّهُ هُوَ الموجد لعَينه دون العَبْد الَّذِي يكسبه فَلَو تَركه لم يكن مَوْجُودا فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على أَن أفعالنا خلق لنا كَونهَا وَاقعَة بِحَسب قصودنا وإرادتنا وامتناعنا مِنْهَا إِذا شِئْنَا قيل لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون الله هُوَ الْخَالِق لَهَا والخالق لقصودكم إِلَيْهَا وَهُوَ التارك لخلقها فِي حَال انصرافكم عَنْهَا وإعراضكم عَن الْقَصْد إِلَى اكتسابها فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك مُتَعَلقا فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على أَنه لَا يجوز أَن تكون أفعالنا خلقا لله تَعَالَى أَنه لَو كَانَ هُوَ الْخَالِق لَهَا لم يَصح أمره بهَا وَنَهْيه عَن بَعْضهَا وإثابته على الْحسن الْجَمِيل مِنْهَا وعقابه على الْقَبِيح من جُمْلَتهَا قيل لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك وَجها ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن لَا يكون الله تَعَالَى آمرا لأحد من خلقه بِخلق شَيْء من الْأَفْعَال وَلَا ناهيا لَهُ عَن ذَلِك وَلَا مثيبا لأحد على أَن خلق شَيْئا وَلَا معاقبا لَهُ على ذَلِك لِأَن الْخلق مُسْتَحِيل من العَبْد وَأَن يكون إِنَّمَا أَمر باكتساب مَا خلقه وَنهى عَن ذَلِك وأثاب وعاقب وذم ومدح ووعد وتوعد على أَن اكْتسب العَبْد مَا نهى عَنهُ وَأمر بِهِ فَقَط بل مَا أنكرتم أَن يكون إِنَّمَا جعل هَذِه الْأَفْعَال علما على إثابة من أحب إثابته وعقاب من أحب عِقَابه فَقَط

стр. 325

فَإِن قَالُوا لَا نعقل معنى قَوْلكُم اكْتسب الْفِعْل حَتَّى نعقل الْأَمر بِهِ وَالنَّهْي عَنهُ قيل لَهُم معنى الْكسْب أَنه تصرف فِي الْفِعْل بقدرة تقارنه فِي مَحَله فتجعله بِخِلَاف صفة الضَّرُورَة من حَرَكَة الفالج وَغَيرهَا وكل ذِي حس سليم يفرق بَين حَرَكَة يَده على طَرِيق الِاخْتِيَار وَبَين حَرَكَة الارتعاش من الفالج وَبَين اخْتِيَار الْمَشْي والإقبال والإدبار وَبَين الْجَرّ والسحب وَالدَّفْع وَهَذِه الصّفة المعقولة للْفِعْل حسا هِيَ معنى كَونه كسبا فَلَا معنى لدعواكم أَن مَا نقُوله غير مَعْقُول فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على أَن الله غير خَالق لأفعال الْعباد أَن مِنْهَا الظُّلم والجور وَالْفساد فَلَو كَانَ خَالِقًا لَهَا لَكَانَ بِخلق الظُّلم والجور والسفه ظَالِما جائرا سَفِيها فَلَمَّا لم يجز ذَلِك صَحَّ مَا قُلْنَاهُ يُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ إِن هَذَا وَاجِب وَمَا دليلكم عَلَيْهِ فَإِن قَالُوا لِأَن فَاعل الظُّلم منا ظَالِم وفاعل الْجَوْز منا جَائِر قيل لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون فَاعل الظُّلم والجور منا ظَالِما جائرا لِأَنَّهُ مَنْهِيّ عَنهُ وفاعل لَهُ فِي نَفسه ولنفسه وَالْقَدِيم تَعَالَى يخلق الظُّلم والجور والسفه جورا وظلما وسفها لغيره لَا لنَفسِهِ وَلَا فِي نَفسه وَهُوَ

стр. 326

تَعَالَى غير مَأْخُوذ بذلك وَلَا مطَالب بِتَرْكِهِ وَلَا مُخَالف بِفِعْلِهِ أَمر من يلْزمه طَاعَته والانقياد لَهُ فَبَطل مَا قُلْتُمْ ثمَّ يُقَال لَهُم إِن وَجب أَن يكون الْبَارِي بِفعل الظُّلم ظَالِما قِيَاسا على الشَّاهِد وَجب أَن يكون بِفعل الْإِرَادَة لغيره مرِيدا وبفعل فَسَاد الزَّرْع وَدم الْحيض الَّذِي هُوَ أدّى كَمَا أخبرنَا مرِيدا مُؤْذِيًا مُفْسِدا لِأَن فَاعل الْإِرَادَة والأذى وَالْفساد منا مُفسد مؤذ مُرِيد فَإِن مروا على ذَلِك فارقوا الدّين وَإِن أَبوهُ لَعَلَّه مَا تركُوا التَّعَلُّق بالوجود وَيُقَال لَهُم فَيجب على اعتلالكم أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ بخلقه حَرَكَة غَيره وَمَوته وحياته وَعلمه وجهله وَصِحَّته وسقمه وجنونه وهوسه ولونه وضرورته متحركا متلونا وَحيا وَمَيتًا ومضطرا وصحيحا وسقيما فَإِن مروا على ذَلِك فارقوا الدّين وَإِن أَبوهُ تركُوا اعتلالهم وَيُقَال لَهُم قَوْلنَا ظَالِم وجائر إِنَّمَا أَخذ فِي اللُّغَة من جَار وظلم وَلم يُؤْخَذ من فعل الْجور وَالظُّلم كَمَا أَن قَوْلنَا ضَارب ومتلون ومتحرك إِنَّمَا أَخذ من قَوْلنَا تحرّك وَضرب وتلون لَا من خلق الْحَرَكَة وَالضَّرْب واللون وَفعل ذَلِك فَكَمَا جَازَ أَن يخلق الْحَرَكَة واللون وَالضَّرْب من لَيْسَ بضارب متلون متحرك جَازَ أَيْضا أَن يخلق الظُّلم والجور من لَيْسَ بظالم وَلَا جَائِر وَلَا جَوَاب عَن ذَلِك

стр. 327

بَاب ذكر آيَات من الْقُرْآن يحْتَج بهَا الْقَدَرِيَّة فِي أَن الْعباد يخلقون أفعالهم وَإِن استدلوا بقوله تَعَالَى ﴿وتخلقون إفكا﴾ فَالْجَوَاب عَنهُ أَنه تَعَالَى عَنى إِنَّكُم تختلقون كذبا أَي تتخرصون وتكذبون كذبا فالخلق يكون بِمَعْنى الْكَذِب والاختلاق وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿إِن هَذَا إِلَّا اخْتِلَاق﴾ و ﴿إِن هَذَا إِلَّا خلق الْأَوَّلين﴾ يعنون كذبهمْ وَقَوْلهمْ هَذَا حَدِيث مَخْلُوق يُرِيدُونَ بِهِ هَذَا الْمَعْنى وَإِن استدلوا بقوله ﴿وَإِذ تخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير بإذني﴾ فَالْمُرَاد بذلك إِنَّك تقدر بقلبك وتصور بِيَدِك والخلق يكون بِمَعْنى تَقْدِير الْقلب وفكرته وَيكون مَعْنَاهُ تَصْوِير الْيَد وحركاتها واعتماداتها الَّتِي يخلق عِنْده أشكال مَا ماسته الْيَد وباشرته وَنحن لَا ننكر أَن يكون عِيسَى ﵇ مفكرا بِقَلْبِه ومحركا ليده وجوارحه حركات وفكرا يخلق الله عِنْده اجْتِمَاع المصدورات من الْأَجْسَام

стр. 328

قَالَ الشَّاعِر زُهَيْر (ولأنت تفري مَا خلقت ... وَبَعض الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفري) يَعْنِي تمْضِي مَا قدرت وَمِنْهُم من يقدر ثمَّ لَا يمْضِي وَقَالَ آخر (وَلَا ينيط بأيدي الْخَالِقِينَ وَلَا ... أَيدي الخوالق إِلَّا جيد الْأدم) يُرِيد أَيدي المقدرين للأدم بِأَيْدِيهِم وَقُلُوبهمْ وَإِن استدلوا بقوله تَعَالَى ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ فَالْجَوَاب عَنهُ أَنه تَعَالَى عَنى وَهُوَ أعلم أحسن المقدرين تَقْديرا وَأحسن المصورين تصويرا يَقُول إِن تَصْوِيره ألطف وَأحسن من تصويرهم وَإِن تَقْدِيره الَّتِي هِيَ إِرَادَته وقصده أصوب من تقديرهم وارتيائهم وَيحْتَمل أَن يكون الله تَعَالَى لما ذكر نَفسه مَعَ غَيره الَّذِي لَيْسَ بخالق سماهم باسمه مجَازًا واتساعا كَمَا قَالُوا عدل العمرين يعنون أَبَا بكر وَعمر وكما قَالُوا الأسودان يعنون المَاء وَالتَّمْر وكما قَالَ الشَّاعِر (أَخذنَا بآفاق السَّمَاء عَلَيْكُم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع) يَعْنِي الشَّمْس وَالْقَمَر فَكَذَلِك قَوْله الْخَالِقِينَ والخالق مِنْهُم وَاحِد

стр. 329

فَإِن قَالُوا الْألف الَّذِي فِي قَوْله أحسن ألف مُبَالغَة لَا يدْخل فِي مثل هَذَا الْكَلَام إِلَّا للاشتراك وإيقاع التَّفَاضُل فِي الْوَصْف قيل لَهُم الأَصْل فِي هَذِه الْألف كَمَا زعمتم إِلَّا أَنَّهَا قد تَجِيء للإفراد بِالْوَصْفِ وَتَكْذيب دَعْوَى من ادّعى مُشَاركَة مَا لَيْسَ لَهُ الْوَصْف لما هُوَ لَهُ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿آللَّهُ خير أما يشركُونَ﴾ على وَجه التَّكْذِيب لدعواهم الْخَيْر فِيمَا يشركُونَ بِهِ وَقَول حسان بن ثَابت (أتهجوه وَلَيْسَت لَهُ بند ... فشركما لخيركما الْفِدَاء) يَعْنِي إِن كَانَ فِي هجاء النَّبِي ﷺ خير على مَا ادَّعَاهُ وَكَذَلِكَ قَول الفرزدق (إِن الَّذِي رفع السَّمَاء بنى لنا ... بَيْتا دعائمه أعز وأطول) يُرِيد إِن كَانَ بَيت جرير عَزِيزًا طَويلا على مَا يَدعِيهِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي عنْدكُمْ وَفِي اعتقادكم وظنونكم أَن ابْتِدَاء الشَّيْء على كل فَاعل أَهْون عَلَيْهِ من إِعَادَته فَكَذَلِك

стр. 330

قَالَ ﴿وَله الْمثل الْأَعْلَى﴾ فَكَذَلِك لما علم الله أَن قوما ادعوا مَعَ الله خلقا غَيره مِنْكُم وَمِمَّنْ سلف من إخْوَانكُمْ قَالَ ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ الَّذِي ادّعى المبطلون أَنهم يخلقون فَسقط مَا توهموه فَإِن قَالُوا أفليس قد قَالَ الله تَعَالَى الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه فَكيف يكون الْقَبِيح من خلقه وَلَيْسَ بِحسن قيل لَهُم لَيْسَ أحسن من معنى حسن بسبيل وَإِنَّمَا معنى أحسن أَنه يحسن وَيعلم كَيفَ يخلق كَمَا يُقَال فلَان يحسن الظُّلم وَيحسن السَّفه وَيحسن فعل الْخَيْر والجميل أَي يعلم كَيفَ يفعل ويعرفه وَلَيْسَ معنى قَوْلهم يحسن الْقَبِيح والسفه أَنه يَجْعَل ذَلِك حسنا فَبَطل مَا قُلْتُمْ فَإِن قَالُوا أفليس قد قَالَ الله وَمَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا ذَلِك ظن الَّذين كفرُوا وَقَالَ ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وَالْبَاطِل من أَفعَال الْعباد لَيْسَ بِحَق قيل لَهُم معنى ذَلِك أَنه مَا خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَهُوَ لَا يُرِيد إثابة الْمُتَّقِينَ الطائعين وَلَا مجاراة المسيئين المذنبين والكافرين على مَا يتوهمه من زعم أَنه لَا حشر وَلَا نشر وَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب فَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك ظن الَّذين كفرُوا فويل للَّذين كفرُوا من النَّار﴾ يَعْنِي من إنكارهم الثَّوَاب وَالْجَزَاء وَالْعِقَاب

стр. 331

وَقَوله ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي أَنه مَا خلق ذَلِك إِلَّا بقوله وَكَلَامه الَّذِي هُوَ الْحق وَيُمكن أَن يكون عَنى إِنِّي مَا خلقتهما ظَالِما لخلقهما وَلَا تجاوزت بفعلهما أَمر آمُر وَلَا زجر زاجر وَيحْتَمل أَن يكون عني إِنِّي مَا خلقتهما وكلفت أهلهما إِلَّا وَأَنا مُرِيد لإثابة الطائعين وعقوبة العاصين مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا أفليس قد قَالَ الله ﴿مَا ترى فِي خلق الرَّحْمَن من تفَاوت﴾ فيكف يجوز أَن يكون خَالِقًا للكفر والقبائح وَهِي أَفعَال فَاسِدَة مُتَفَاوِتَة يُقَال لَهُم إِن الله تَعَالَى خبر أَنه لَا يرى فِي خلق السَّمَوَات من تفَاوت لِأَنَّهُ قَالَ ﴿خلق سبع سماوات طباقا﴾ يَعْنِي بَعْضهَا فَوق بعض ﴿مَا ترى فِي خلق الرَّحْمَن من تفَاوت﴾ يَعْنِي السَّمَوَات وَالْأَرْض ثمَّ قَالَ ﴿فَارْجِع الْبَصَر﴾ يَعْنِي فِي السَّمَاء ﴿هَل ترى من فطور﴾ يَعْنِي من صدوع وشقوق يُرِيد الْإِخْبَار عَن إتقان فعلهَا وَعَجِيب صنعها وَالْكفْر لَا فطور فِيهِ وَلَا شقوق وَلَوْلَا الْجَهْل مَا تعلقوا بِمثل هَذَا التَّأْوِيل مَسْأَلَة فَإِن قاولوا فَمَا معنى قَول الله تَعَالَى أَن الله بَرِيء من

стр. 332

الْمُشْركين) وتبرئة من شركهم قيل لَهُم إِن الله تَعَالَى لم يعرض فِي هَذِه الْآيَة لذكر الشّرك بتول لَهُ وَلَا تبرو مِنْهُ وَإِنَّمَا قَالَ ﴿بَرَاءَة من الله وَرَسُوله إِلَى الَّذين عاهدتم من الْمُشْركين﴾ إِلَى قَوْله أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين وَرَسُوله يَعْنِي من العهود والمواثيق الَّتِي كَانَت بَينهم وَبَين رَسُوله ﷺ ثمَّ قَالَ ﴿إِلَّا الَّذين عاهدتم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ فَيجب على تأويلهم أَلا يكون قد برىء من شرك الَّذين عَاهَدُوا مِنْهُم وَهَذَا جهل من قَائِله وَيُقَال لَهُم فَيجب على تأويلكم أَن تكون بَرَاءَة الرَّسُول مِنْهُم بَرَاءَة من خلق فعلهم وَهَذَا جهل لَا يَقُوله أحد فَدلَّ ذَلِك على أَن التَّأْوِيل مَا ذَكرْنَاهُ ثمَّ يُقَال لَهُم فَيجب أَن يدل قَوْله تَعَالَى ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا﴾ على أَنه متول لخلق برهم وَإِيمَانهمْ فَإِن مروا على هَذَا تركُوا دينهم وَقَالُوا بِالْحَقِّ وَإِن أَبَوا هَذَا التَّأْوِيل أبطلوا استدلالهم وتعلقهم مَسْأَلَة وَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله يلوون ألسنتهم بِالْكتاب

стр. 333

لتحسبوه من الْكتاب وَمَا هُوَ من الْكتاب وَيَقُولُونَ هُوَ من عِنْد الله وَمَا هُوَ من عِنْد الله) قيل لَهُم معنى ذَلِك أَنهم كذبُوا التَّوْرَاة وحرفوها وكتموا صفة النَّبِي ﷺ وَآله والبشارة بِهِ وَادعوا أَن الله ﵎ كَذَلِك أنزل التَّوْرَاة وتعبدهم أَن يقولوه فَأنْكر الله ذَلِك وَقَالَ وَمَا هُوَ من عِنْد الله أَي لم أنزل التَّوْرَاة كَذَلِك وَلَا تعبدتهم بالإخبار بِمَا أخبروا بِهِ وَلم تكن المناظرة فِي خلق الْأَفْعَال فَيكون للجهال فِي ذَلِك مُتَعَلق مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا من عمل الشَّيْطَان فَكيف لم يقل هَذَا من عمل الرَّحْمَن قيل لَهُم لَا خلاف بَين الْأمة أَن وكز مُوسَى القبطي لَيْسَ من عمل الشَّيْطَان وخلقه فَلَا تعلق لكم فِي الظَّاهِر وَإِنَّمَا أَرَادَ ﵇ أَنه من جنس الشَّرّ الَّذِي يَفْعَله الشَّيْطَان وَأَنه من دين الشَّيْطَان وَمِمَّا يَأْمر بِهِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ وَأَنه لَيْسَ من دين الرَّحْمَن وَلَا مِمَّا تعبد بِهِ ودعا إِلَيْهِ وَضمن الثَّوَاب عَلَيْهِ وَلم يرد إِخْرَاج الْبَارِي عَن الْخلق وَإِثْبَات شريك لَهُ فِيهِ من شَيْطَان أَو غَيره لِأَن هَذَا شرك من قَائِله وَهُوَ نَبِي يجل

стр. 334

عَن هَذِه الصّفة وَهَذَا هُوَ معنى قَول أبي بكر الصّديق وَابْن مَسْعُود وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة وَإِن يكن خطأ فَمن الشَّيْطَان مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا ليطاع بِإِذن الله﴾ قيل لَهُم معنى ذَلِك إِلَّا ليطيعه من فِي الْمَعْلُوم أَنه يُطِيع وينقاد دون من علم أَنه لَا يُطِيع وَلَا ينقاد وَيُمكن أَن يكون التَّأْوِيل فِي ذَلِك إِلَّا ليأمر بِطَاعَتِهِ والانقياد لَهُ فَيكون معنى إِلَّا ليطاع إِلَّا ليأمر بِطَاعَتِهِ جَمِيع الْمُكَلّفين لَا لتقع الطَّاعَة من جَمِيعهم مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ قيل لَهُم أَرَادَ بعض الْجِنّ وَالْإِنْس وهم الَّذين علم أَنهم يعبدونه لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ أَي إِنَّه خلق لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس فَإِن قَالُوا معنى ذَلِك إِنَّا سنذرأ

стр. 335

قيل لَهُم وَقَوله ﴿إِلَّا ليطاع بِإِذن الله﴾ يَعْنِي فِي الْآخِرَة وَقَوله ﴿ليعبدون﴾ يَعْنِي فِي الْمعَاد وَإِن عِبَادَته وَالِاعْتِرَاف بِهِ والتصديق لَهُ يَقع فِي الْآخِرَة اضطرارا وَإِن كَانَ من جنس الطَّاعَة إِذا وَقع اخْتِيَارا وَيُمكن أَيْضا أَن يكون المُرَاد بقوله ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ أَي مَا خلقتهمْ إِلَّا لآمرهم بعبادتي وَيكون الْمَقْصُود بِالْأَمر بِالْعبَادَة من بلغ حد التَّكْلِيف من عقلاء الْجِنّ وَالْإِنْس دون غَيرهم فَسمى الْأَمر بِالْعبَادَة عبَادَة لما بَينهمَا من التَّعَلُّق وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ بِبَعِيد فِي التَّأْوِيل مَسْأَلَة وَإِن سَأَلُوا فَقَالُوا مَا معنى قَوْله ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى﴾ قيل لَهُم معنى ذَلِك أَن قوما من أَصْحَاب ثَمُود آمنُوا فاهتدوا ثمَّ ارْتَدُّوا عَن الْإِيمَان وَكَفرُوا وَاسْتَحَبُّوا الْعَمى على الْهدى وَيُمكن أَن يكون أَرَادَ أَنه هدى فريقا من ثَمُود فاستحب فريق مِنْهُم آخر الْعَمى على الْهدى لِأَن الله تَعَالَى أخبر أَنهم فريقان فَقَالَ عز من قَائِل ﴿وَلَقَد أرسلنَا إِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا أَن اعبدوا الله فَإِذا هم فريقان يختصمون﴾

стр. 336

مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان﴾ فَكيف يكون خَالِقًا لمحبة الْكَافرين لكفرهم يُقَال لَهُم هَذَا خطاب من الله تَعَالَى للْمُؤْمِنين المستحبين الرَّاشِدين كَمَا وصفتهم الله وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الْكَافرين وَسَائِر الْمُكَلّفين مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وهم لم يَفْعَلُوا عنْدكُمْ شَيْئا قيل لَهُم معنى ذَلِك أَنهم يسْأَلُون عَمَّا يَكْسِبُونَ وَلَا يسْأَل هُوَ تَعَالَى عَمَّا يخلق لِأَنَّهُ لَا آمُر فَوْقه وَلَا تَكْلِيف عَلَيْهِ فِيمَا يخلق وَعَلَيْهِم الْأَمر والتكليف فِيمَا يَكْسِبُونَ مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا وَكَيف يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ خَالِقًا لمعاصي الْعباد وسيئاتهم وَقد قَالَ ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ فَالله يتعالى أَن تكون السَّيئَة من عِنْده يُقَال لَهُم أول مَا فِي هَذَا أَنه يجب على مَوْضُوع تعلقكم بِالْآيَةِ أَن

стр. 337

يكون خَالِقًا للطاعات والحسنات من أَفعَال الْعباد لإضافتها إِلَى نَفسه وَهَذَا مَا تَكْرَهُونَ ثمَّ يُقَال لَهُم هَذِه الْآيَة دلَالَة على فَسَاد قَوْلكُم لِأَنَّهَا إِنْكَار عَلَيْكُم وعَلى من دَان بدينكم وَذَلِكَ أَن الْقَوْم كَانُوا يضيفون الْحَسَنَات إِلَى الله تَعَالَى ويضيفون السَّيِّئَات إِلَى أنفسهم وَكَانُوا إِذا أَصَابَهُم الرخَاء وَالْخَيْر أضافوه إِلَى الله وبرأوا الرَّسُول مِنْهُ وَإِذا أَصَابَهُم الجدب والشدة أضافوا ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ وَقَالُوا هَذَا مِنْهُ وبشؤوم طَائِره فَأنْكر الله تَعَالَى ذَلِك من قَوْلهم فَقَالَ على سَبِيل التَّعَجُّب من قَوْلهم والتفنيد لَهُم ﴿إِن تصبهم حَسَنَة يَقُولُوا هَذِه من عِنْد الله وَإِن تصبهم سَيِّئَة يَقُولُوا هَذِه من عنْدك﴾ ثمَّ قَالَ ردا لَهُم ﴿قل كل من عِنْد الله فَمَا لهَؤُلَاء الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ تَعَجبا من قَوْلهم هَذَا وَفِي هَذَا الْكَلَام حذف لَا بُد مِنْهُ وَتَقْدِير الْكَلَام يَقُولُونَ ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ فَحذف يَقُولُونَ اقتصادا على شَاهد الْحَال وَمَفْهُوم الْخطاب وَالْعلم بِسَبَب إِنْزَال هَذَا الْكَلَام وَهُوَ جَار مجْرى قَوْله عز

стр. 338

وَجل ﴿ويتفكرون فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا﴾ أَي يَقُولُونَ مَا خلقت هَذَا بَاطِلا وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم﴾ أَي يَقُولُونَ أخرجُوا أَنفسكُم وَقَوله تَعَالَى ﴿فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ﴾ أَي يُقَال لَهُم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ وَمَتى لم يقدر هَذَا الْحَذف بَطل الْكَلَام وَمَعْنَاهُ وَمِمَّا يدل على صِحَة هَذَا التَّأْوِيل الَّذِي ذَكرْنَاهُ إِضَافَة الله تَعَالَى السَّيئَة والحسنة اللَّتَيْنِ ذكرهمَا إِلَى نَفسه دون النَّبِي ﷺ وإخبارهم بِأَن الْحَسَنَة والسيئة نازلتان بهم وَلَا يجوز أَن يكون النَّبِي ﷺ خَالِقًا لما أضافوه من السَّيِّئَات والحسنات عِنْد أحد من الْأمة وَلَا أَن يكون الله خَالِقًا لحسناتهم الَّتِي اكتسبوها عِنْد الْمُعْتَزلَة فصح بذلك مَا قُلْنَاهُ فِي تَأْوِيل الْآيَة مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَإِذا قُلْتُمْ إِن الله تَعَالَى خلق شتم نَفسه وَشتم رسله وبغض من أبْغض من عباده لَهُ ولرسله وسبه لَهما فَمَا أنكرتم أَن

стр. 339

يكون الله تَعَالَى أَهلا للشتم والعداوة وَالْبَعْض ومستحقا لذَلِك قيل لَهُم لَا يجب ذَلِك كَمَا لَا يجب عندنَا وعندكم إِذا خلق سُبْحَانَهُ الْقُدْرَة على شَتمه وَشتم رسله والبغض لَهُ وَلَهُم أَن يكون هُوَ تَعَالَى وَرُسُله أَهلا للشتم والعداوة والبغض لَهُ وَلَهُم أَن يكون هُوَ تَعَالَى وَرُسُله أَهلا للشتم والعداوة والبغض وكما لَا يجب إِذا خلق الْجُنُون والإقدار والإتيان أَن يكون أَهلا لما خلقه وَإِذا خلق عَذَاب الْكَافرين ومحن الممتحنين أَن يكون أَهلا لِأَن يعذب ويمتحن تَعَالَى عَن ذَلِك وكما لَا يجب عنْدكُمْ إِذا خلق الْإِنْسَان الطَّاهِر الْوَالِدين شتم نَفسه وأبويه وَخلق قتل نَفسه أَن يكون أَهلا لِأَن يشْتم وَأَن يشْتم أَبَوَاهُ وَأَن يكون مُسْتَحقّا للشتم لَهُ وَلَهُمَا ولقتل نَفسه وَلَيْسَ كل فَاعل لشَيْء يجب كَونه مُسْتَحقّا لَهُ وَأهلا لَهُ فَسقط مَا قلتموه وَيُقَال لَهُم فَيجب أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ خَالِقًا لحب المحبين لَهُ وَلِرَسُولِهِ وثنائهم عَلَيْهِمَا ومدحهم لَهما لِأَنَّهُمَا أهلان لذَلِك فَإِن لم يجب ذَلِك لم يجب مَا قُلْتُمْ فَإِن قَالُوا وَإِذا قُلْتُمْ إِن الله تَعَالَى يضل عَن الدّين فَلم لَا يجوز أَن يظْهر المعجزات على أَيدي الْكَذَّابين ليضل عَن الدّين قيل لَهُم لِأَن فِي فعله لذَلِك إِيجَاب تعجيزه عَن أَن يدلنا على صدق

стр. 340

الصَّادِقين وَالْفرق بَينهم وَبَين الْكَذَّابين وَلَيْسَ ذَلِك وَاجِبا فِي خلق غَيره من الضَّلَالَة فَإِن قَالُوا فَإِذا أجزتم فعل الْقَدِيم لجَمِيع مَا يقبح منا وَإِن لم يقبح ذَلِك مِنْهُ فأجيزوا عَلَيْهِ الْكَذِب فِي خَبره وَلَا يكون ذَلِك مِنْهُ قبيحا قُلْنَا إِنَّمَا نحيل عَلَيْهِ كَمَا نحيل عَلَيْهِ الْعَجز والسهو لقِيَام الدَّلِيل على أَنه لم يزل متكلما قَادِرًا صَادِقا لَا لقبح ذَلِك مِنْهُ فَبَطل مَا ظننتم بَاب فِي وجوب تسميتهم قدرية فَإِن قَالُوا فَلم سميتمونا قدرية قيل لَهُم لإدعائكم لأنفسكم الْكَذِب الَّذِي لَا أصل لَهُ من خلق أَعمالكُم وتقديرها والتفرد بملكها وَالْقُدْرَة

стр. 341

عَلَيْهَا دون ربكُم وَهَذَا اسْم وضع فِي الشَّرِيعَة لذم من قَالَ بِالْكَذِبِ فِي

стр. 342

خلق الْأَفْعَال خَاصَّة ودان بِغَيْر الْحق فَلَمَّا كَانَ مَا قدمْنَاهُ من الْأَدِلَّة على خلق الْأَفْعَال قد أبطل دعواكم وَجب أَن تَكُونُوا أَحَق النَّاس بِهَذَا الِاسْم وَقَوْلهمْ بعد ذَلِك إِنَّهُم ينفون الْقدر عَن رَبهم وإننا نَحن نثبته فَيجب أَن نَكُون أولى بِهَذِهِ التَّسْمِيَة تمويه مِنْهُم لأَنهم ينفون تَقْدِير الْأَعْمَال وخلقها عَن رَبهم ويثبتون ذَلِك لأَنْفُسِهِمْ وهم كاذبون مبطلون فِي هَذِه الدَّعْوَى فلزمهم هم اسْم الذَّم لادعائهم غير الْحق فَإِن قَالُوا فالباري سُبْحَانَهُ قد أثبت الْخلق وَالتَّقْدِير لنَفسِهِ واثبتموه أَنْتُم لَهُ فَيجب أَن تَكُونُوا بذلك قدرية قيل لَهُم لَا يجب مَا قُلْتُمْ لِأَن الله تَعَالَى صَادِق محق فِي إِثْبَات الْخلق وَالتَّقْدِير لنَفسِهِ وَكَذَلِكَ نَحن صَادِقُونَ محقون فِي إِضَافَة ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى فَلم يلْزمنَا اسْم الذَّم وَأَنْتُم مبطلون فِي دعواكم لهَذِهِ الْأُمُور فَإِن قَالُوا فَأنْتم تكثرون ذكر الْقدر وَالْقَوْل بِأَن كل شَيْء قَضَاء وَقدر فَيجب لُزُوم هَذَا الِاسْم لكم قيل لَهُم نَحن محقون فِي هَذَا القَوْل وَلَا يلْزم المحق اسْم

стр. 343

الذَّم وَأَنْتُم تكثرون ذكر تقديركم لأفعالكم وتفردكم بملكها وخلقها وتكذبون وتفترون فِي هَذِه الدَّعْوَى فَوَجَبَ لُزُوم الِاسْم لكم على أَنه لَو سُئِلَ جَمِيع الْفرق وَعَامة النَّاس وخاصتهم عَن الْقَدَرِيَّة لم يرشدوا إِلَّا إِلَيْكُم دون كل فرقة من فرق الْأمة وَجُمْلَة هَذَا القَوْل أَن قدريا نِسْبَة إِلَى القَوْل بِالْبَاطِلِ فِي الْقدر وَالْقدر يكون بِمَعْنى الْقَضَاء وَيكون بِمَعْنى جعل الشَّيْء على قدر مَا وَقد يُقَال قدر وَقدر مخفف ومثقل وَالْعرب تَقول قدرت الشَّيْء وَقدرته قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الْهلَال (فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ ثَلَاثِينَ) أَي قدرُوا وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ وتثقيلها جَائِز وَكَذَلِكَ قَوْله فَسَأَلت أَوديَة بِقَدرِهَا وَلَو خففت لَكَانَ ذَلِك جَائِزا شَائِعا وَالْعرب تَقول قدر الله وَقدر الله قَالَ الشَّاعِر (كل شَيْء حَتَّى أَخِيك مَتَاع ... وبقدر تفرق واجتماع)

стр. 344

وَقَالَ آخر (وَمَا صب رجْلي فِي حَدِيد مجاشع ... مَعَ الْقدر إِلَّا حَاجَة لَا أريدها) يَعْنِي بِالْقدرِ الْقُدْرَة وكل من قَالَ فِي الْقدر قولا بَاطِلا لزمَه اسْم قدري لِأَنَّهُ وضع لذم الْمُبْطل بَاب القَوْل فِي أَن الله قضى الْمعاصِي وقدرها قبيحة على مَا خلقهَا فَإِن قَالَ قَائِل أفتقولون إِن الله تَعَالَى قضى الْمعاصِي وقدرها كَمَا أَنه خلقهَا وأوجدها

стр. 345

قيل لَهُ أجل نقُول ذَلِك على معنى أَنه خلق الْعِصْيَان وَجعله على حسب قَصده وَلَا نقُول إِنَّه قضى بذلك بِمَعْنى أَنه أَمر بِهِ مَسْأَلَة فَإِن قيل فعلى كم وَجه يَنْقَسِم الْقَضَاء قيل لَهُ على وُجُوه مِنْهَا الْقَضَاء بِمَعْنى الْخلق قَالَ الله تَعَالَى ﴿فقضاهن سبع سماوات فِي يَوْمَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلقهنَّ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قضينا عَلَيْهِ الْمَوْت﴾ يَعْنِي خلقناه وأوجدناه بِهِ وَقد يكون الْقَضَاء بِمَعْنى الْإِخْبَار وَالْكِتَابَة والإعلام وَكَذَلِكَ الْقدر قَالَ الله وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدون فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ أَي أعلمناهم ذَلِك وأخبرناهم بِهِ وَقَالَ فِي الْقدر بِمَعْنى التَّقْدِير ﴿وَقدر فِيهَا أقواتها﴾ وَالْقدر أَيْضا بِمَعْنى الْخلق وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿قدر فهدى﴾ وَقد يكون الْقَضَاء بِمَعْنى الْأَمر قَالَ الله ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ أَي أَمر رَبك

стр. 346

وَقد يكون الْقَضَاء بِمَعْنى الحكم والإلزام وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم قضى القَاضِي على فلَان بِكَذَا أَي حكم عَلَيْهِ بِهِ وحتمه فَنَقُول إِنَّه قضى الْمعاصِي وقدرها على كل هَذِه الْوُجُوه إِلَّا على معنى أَنه فَرضهَا وَأمر بهَا وحتم على الْعباد أَن يفعلوها بَاب فَإِن قَالَ فالقضاء عنْدكُمْ هُوَ الْمقْضِي أَو غَيره قيل لَهُ هُوَ على ضَرْبَيْنِ فالقضاء بِمَعْنى الْخلق هُوَ الْمقْضِي لِأَن الْخلق هُوَ الْمَخْلُوق وَالْقَضَاء الَّذِي هُوَ الْإِلْزَام والإعلام وَالْكِتَابَة غير الْمقْضِي لِأَن الْأَمر غير الْمَأْمُور وَالْخَبَر غير الْمخبر عَنهُ إِذا لم يكن خَبرا عَن نَفسه أَو عَمَّا يَسْتَحِيل مُفَارقَته لَهُ على بعض وُجُوه المفارقات الْمُقْتَضِيَة للغيرية وَكَذَلِكَ الْكِتَابَة غير الْمَكْتُوب بَاب فَإِن قَالُوا أفترضون بِقَضَاء الله وَقدره قيل لَهُم نرضى بِقَضَاء الله الَّذِي هُوَ خلقه الَّذِي أمرنَا أَن نريده ونرضاه وَلَا نرضى من ذَلِك مَا نَهَانَا أَن نرضى بِهِ وَلَا نتقدم بَين يَدَيْهِ وَلَا نعترض على حكمه وَجَوَاب آخر وَهُوَ أننا نقُول إِنَّا نرضى بِقَضَاء الله فِي الْجُمْلَة على كل حَال

стр. 347

فَإِن قَالُوا أفترضون الْكفْر والمعاصي الَّتِي هِيَ قَضَاء الله قيل لَهُم نَحن نطلق الرضى بِالْقضَاءِ فِي الْجُمْلَة وَلَا نطلقه فِي التَّفْصِيل لموْضِع الْإِبْهَام كَمَا يَقُول الْمُسلمُونَ كَافَّة على الْجُمْلَة الْأَشْيَاء لله وَلَا يَقُولُونَ على التَّفْصِيل الْوَلَد لله والصاحبة وَالزَّوْجَة وَالشَّرِيك لَهُ وكما نقُول الْخلق يفنون ويبيدون ويبطلون وَلَا نقُول حجج الله تفنى وَتبطل وتبيد فِي نَظَائِر هَذَا من القَوْل الَّذِي يُطلق من وَجه وَيمْنَع من وَجه ثمَّ يُقَال لَهُم أوليس قد قضى الله تَعَالَى موت النَّبِي ﷺ وَعجز الْمُسلمين والإقدار على غزوهم وَهدم ثغورهم وَسبي نِسَائِهِم وَقضى إِعَانَة الفراعنة وَالشَّيَاطِين وَسَائِر الْكَافرين وتعاونهم واستظهارهم على الْمُسلمين فَإِن قَالُوا أجل قيل لَهُم أفترضون بذلك أجمع فَإِن قَالُوا نعم قيل لَهُم مثله فِيمَا سَأَلُوهُ عَنهُ وخرقوا الْإِجْمَاع بركوب هَذَا الْإِطْلَاق وَإِن قَالُوا لَا قيل لَهُم مثله فِيمَا سألونا عَنهُ

стр. 348

بَاب القَوْل فِي الأرزاق فَإِن قَالُوا أفتقولون إِن الله يرْزق الْحَلَال وَالْحرَام قيل لَهُم أجل وَقد دلّ على ذَلِك بقوله ﴿الله الَّذِي خَلقكُم ثمَّ رزقكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فَلَمَّا كَانَ مُنْفَردا بالخلق والإماتة

стр. 349

والإحياء كَانَ مُنْفَردا بتولي الأرزاق فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْلكُم إِنَّه يرْزق الْحَرَام قيل لَهُم تَأْوِيل ذَلِك أَن يَجعله غذَاء للأبدان وقواما للأجسام لَا على معنى التَّمْلِيك وَالْإِبَاحَة لتنَاوله لِأَن ذَلِك مِمَّا قد أجمع الْمُسلمُونَ على خِلَافه وَهُوَ تَعَالَى رَازِق الْحَلَال على الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن يكون معنى الرزق هُوَ معنى التَّمْلِيك قيل لَهُم أَنْكَرْنَا ذَلِك لإِجْمَاع الْأمة على أَن الطِّفْل مَرْزُوق لما يرتضعه من ثدي أمه وعَلى أَن الْبَهَائِم من ولد النعم مرزوقة لما تتغذى بِهِ من لَبنهَا وَكَذَلِكَ هِيَ كلهَا مرزوقة لما ترتعيه من حشائش الأَرْض ونباتها وَأَن الْبَهِيمَة والطفل لَا يملكَانِ ذَلِك مَعَ كَونه رزقا لَهما لأَنهم متفقون على أَن لبن سَائِر النعم ملك لِرَبِّهَا دون سخالها فَبَطل مَا سَأَلْتُم عَنهُ وعَلى أَنه لَو كَانَ الرزق هُوَ التَّمْلِيك وَالْملك عِنْدهم بِمَعْنى الْقُدْرَة لَكَانَ الْبَارِي مملكا لِلْحَرَامِ من حَيْثُ كَانَ مُقَدرا على تنَاوله وعَلى أَن يكون رازقا لَهُ بِهَذَا الْمَعْنى وَلَا مهرب لَهُم من ذَلِك

стр. 350

بَاب القَوْل فِي الأسعار فَإِن قَالُوا فخبرونا عَن الأسعار غلائها ورخصها من قبل من هُوَ قيل لَهُم من قبل الله تَعَالَى الَّذِي يخلق الرغائب فِي شِرَائِهِ ويوفر الدَّوَاعِي على احتكاره لَا لقلَّة وَلَا لِكَثْرَة وَلِأَنَّهُ طبع الْخلق على حَاجتهم إِلَى تنَاول الأغذية الَّتِي لَوْلَا حَاجتهم إِلَيْهَا لم يكترث بهَا وَلَا فكر فِيهَا فَإِن قَالُوا أفليس لَو حاصر بعض السلاطين أهل حصن أَو بلد وَقطع الْميرَة عَنْهُم لغلت أسعارهم وَقل مَا فِي أَيْديهم ولصلح أَن يُقَال إِن السُّلْطَان أغْلى أسعارهم قيل لَهُم قد يَقع الغلاء عِنْد مثل هَذَا الْحصار وَلَكِن يُقَال إِن السُّلْطَان أغْلى أسعارهم مجَازًا واتساعا كَمَا يُقَال قد أماتهم السُّلْطَان جوعا وضرا وهزلا وَقد قَتلهمْ بالحصار وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة لم يفعل بهم موتا وَلَا قتلا وَإِنَّمَا فعل أفعالا أحدث الله عِنْدهَا مَوْتهمْ وهلاكهم وَإِن نسب الْمَوْت والهلاك إِلَى السُّلْطَان مجَازًا فَإِن قَالُوا فَيجب أَن يكون الغلاء الْحَادِث وَاقعا عَن فعل السُّلْطَان

стр. 351

الَّذِي أوقع الْحصار لِأَنَّهُ لَو لم يَفْعَله لم يَقع الغلاء يُقَال لَهُم لَيْسَ الْأَمر كَمَا ظننتم لأَنهم لَو لم يطبعوا طبعا يَحْتَاجُونَ مَعَه إِلَى الْمَأْكُول والمشروب لم يمس أطعمتهم شَيْء من الغلاء فَعلم أَنه وَاقع من فعل من طبعهم على الْحَاجة إِلَى الْغذَاء وَلَوْلَا طبعه لَهُم كَذَلِك مَا احتاجوا إِلَيْهِ وَهَذَا أولى وَأَحْرَى وَمَعَ أَنه لَو خلق الزّهْد فيهم عَن الاغتذاء وإيثار الْمَوْت لما اشْتَروا مَا عِنْدهم وَإِن قل بِقَلِيل وَلَا كثير وعَلى أَنه لَو وَجب أَن يكون غلاء الأسعار من السُّلْطَان الَّذِي يُوقع الْحصار وَيحمل النَّاس ويجبرهم على تسعير الطَّعَام وَلِأَنَّهُ لَو لم يفعل ذَلِك لم يَقع الغلاء على قَوْلهم لوَجَبَ إِذا مَاتُوا جوعا عِنْد الْحصار أَن يكون هُوَ أماتهم وَفعل مَوْتهمْ وَإِذا رفع ذَلِك عَنْهُم وأمدهم بالميرة فَحَيوا بِأَكْل مَا يحملهُ إِلَيْهِم لوَجَبَ أَن يكون هُوَ أحياهم فَدلَّ مَا وصفناه على أَن جَمِيع هَذِه الأسعار من الله تَعَالَى بَاب القَوْل فِي الْآجَال فَإِن قَالَ قَائِل فخبرونا عَن الْمَقْتُول أيموت بأجله الْمَحْكُوم لَهُ بِهِ أم هُوَ مَقْطُوع عَلَيْهِ أَجله

стр. 352

قيل لَهُ بل يَمُوت بأجله الْمَقْدُور فَإِن قَالَ وَمَا الْحجَّة فِي ذَلِك قيل لَهُ قَوْله ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَأجل الْمَوْت هُوَ وَقت الْمَوْت كَمَا أَن أجل الدّين هُوَ وَقت حُلُوله وكل شَيْء وَقت بِهِ فَهُوَ أجل لَهُ وَأجل الْإِنْسَان هُوَ الْوَقْت الَّذِي يعلم الله أَنه يَمُوت فِيهِ لَا محَالة وَهُوَ وَقت لَا يجوز تَأْخِير مَوته عَنهُ لَا من حَيْثُ إِنَّه لَيْسَ بمقدور تَأْخِيره وَجل حَيَاته هُوَ مُدَّة الزَّمَان الَّذِي علم الله أَنه يحيا إِلَيْهِ لَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ وَلَا الانتقاص مِنْهُ وَقد قَالَ كثير من الْمُعْتَزلَة إِلَّا من شَذَّ مِنْهُم إِن الْمَقْتُول مَاتَ بِغَيْر أَجله الَّذِي ضرب لَهُ وَإنَّهُ لَو لم يقتل لحيي وَهَذَا غلط عندنَا لِأَن الْمَقْتُول لم يمت من أجل قتل غَيره لَهُ بل

стр. 353

من أجل مَا فعله الله سُبْحَانَهُ من الْمَوْت الَّذِي وجد بِهِ وَلَيْسَ يجوز أَن يُقَال فِيمَا لم يمت الْإِنْسَان من أَجله لَو لم يكن لحيي لِأَن الْقَتْل لَيْسَ بضد للحياة وَلَا بدل مِنْهَا فَيُقَال لَهُ إِنَّه لَو لم يكن لحيي الْمَقْتُول وَلِأَن فِي ذَلِك دفع مَا تلوناه من التَّنْزِيل وَقد قَالَ قوم مِنْهُم يجوز أَن يحيا لَو لم يقتل وَيجوز أَن لَا يحيا وَأَن يكون ذَلِك الْوَقْت وَقت مَوته فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل كَانَ جَائِزا فِي قدرَة الله تَعَالَى أَن يبقي من أَمَاتَهُ ابْن عشْرين سنة إِلَى ثَلَاثِينَ سنة أَو مَا هُوَ أَكثر مِنْهَا قيل لَهُ أجل لَو بقاه لبقي وَإِن كَانَ لَا يفعل ذَلِك كَانَ الْمَعْلُوم عَن حَاله أَنه يميته ابْن عشْرين سنة وَلنْ يجوز ترك فعل مَا فِي الْمَعْلُوم أَنه يفعل وَإِن كَانَ مَقْدُورًا تَركه على أَنه لَو ترك لَكَانَ السَّابِق فِي الْمَعْلُوم أَنه يتْرك فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون أَجله ثَلَاثِينَ سنة لِأَنَّهُ لَو لم يمته لبقي إِلَى ذَلِك الْوَقْت قيل لَهُ لَا يجب ذَلِك لِأَن أجل الْإِنْسَان وَقت مَوته على مَا بَينا وَلَيْسَ يجوز أَن يكون مَا لم يبْق إِلَيْهِ مِمَّا كَانَ يَصح فِي الْعقل أَن

стр. 354

تمتد حَيَاته إِلَيْهِ أَََجَلًا لَهُ إِن كَانَ الْمَعْلُوم من حَاله أَنه يخترم دونه كَمَا لَا يجوز أَن تكون جَهَنَّم دَار الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَسَائِر الْمُؤمنِينَ لِأَنَّهُ جَائِز فِي الْعقل أَن يدخلوها لَو كفرُوا وَأَن تكون الْجنَّة دَار الفراعنة والكفرة على أَنهم لَو آمنُوا لسكنوها وكما لَا يجب أَن تكون الْمَرْأَة الَّتِي يعلم الله أَن الْإِنْسَان لَو بَقِي لتزوج بهَا زَوْجَة لَهُ على معنى أَنه لَو بَقِي وَتَزَوجهَا لكَانَتْ زَوْجَة لَهُ فَكَذَلِك لَا يجوز أَن يكون مَا لم يبْق إِلَيْهِ من الْأَوْقَات أَََجَلًا لَهُ لِأَنَّهُ لَو لم يمت لصَحَّ أَن يبْقى إِلَيْهِ بَاب الْهدى والإضلال فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِن الله يهدي الْمُؤمنِينَ ويضل الْكَافرين قيل لَهُ أجل

стр. 355

فَإِن قَالَ وَمَا معنى هدايته للْمُؤْمِنين قيل لَهُ قد يهْدِيهم بِأَن يخلق هدَاهُم وينور بِالْإِيمَان قُلُوبهم وَقد يهْدِيهم أَيْضا بِأَن يشْرَح صُدُورهمْ ويتولى توفيقهم لَهُ وإعانتهم عَلَيْهِ وتسهيله لَهُم السَّبِيل إِلَيْهِ كل ذَلِك هِدَايَة مِنْهُ لَهُم وَقد يهْدِيهم أَيْضا فِي الْآخِرَة إِلَى الثَّوَاب وَطَرِيق الْجنَّة وَذَلِكَ هدى لَهُم من فعله فَإِن قَالَ فَمَا معنى إضلاله الْكَافرين قيل لَهُ قد أضلهم بِأَن يخلق ضلالهم قبيحا فَاسِدا وَقد مر
следующие страницы →