← Акыда

Акыда · id 6389

تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل

الباقلاني

Полный текст (536 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الَّذِي أوقع الْحصار لِأَنَّهُ لَو لم يَفْعَله لم يَقع الغلاء يُقَال لَهُم لَيْسَ الْأَمر كَمَا ظننتم لأَنهم لَو لم يطبعوا طبعا يَحْتَاجُونَ مَعَه إِلَى الْمَأْكُول والمشروب لم يمس أطعمتهم شَيْء من الغلاء فَعلم أَنه وَاقع من فعل من طبعهم على الْحَاجة إِلَى الْغذَاء وَلَوْلَا طبعه لَهُم كَذَلِك مَا احتاجوا إِلَيْهِ وَهَذَا أولى وَأَحْرَى وَمَعَ أَنه لَو خلق الزّهْد فيهم عَن الاغتذاء وإيثار الْمَوْت لما اشْتَروا مَا عِنْدهم وَإِن قل بِقَلِيل وَلَا كثير وعَلى أَنه لَو وَجب أَن يكون غلاء الأسعار من السُّلْطَان الَّذِي يُوقع الْحصار وَيحمل النَّاس ويجبرهم على تسعير الطَّعَام وَلِأَنَّهُ لَو لم يفعل ذَلِك لم يَقع الغلاء على قَوْلهم لوَجَبَ إِذا مَاتُوا جوعا عِنْد الْحصار أَن يكون هُوَ أماتهم وَفعل مَوْتهمْ وَإِذا رفع ذَلِك عَنْهُم وأمدهم بالميرة فَحَيوا بِأَكْل مَا يحملهُ إِلَيْهِم لوَجَبَ أَن يكون هُوَ أحياهم فَدلَّ مَا وصفناه على أَن جَمِيع هَذِه الأسعار من الله تَعَالَى بَاب القَوْل فِي الْآجَال فَإِن قَالَ قَائِل فخبرونا عَن الْمَقْتُول أيموت بأجله الْمَحْكُوم لَهُ بِهِ أم هُوَ مَقْطُوع عَلَيْهِ أَجله

стр. 352

قيل لَهُ بل يَمُوت بأجله الْمَقْدُور فَإِن قَالَ وَمَا الْحجَّة فِي ذَلِك قيل لَهُ قَوْله ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَأجل الْمَوْت هُوَ وَقت الْمَوْت كَمَا أَن أجل الدّين هُوَ وَقت حُلُوله وكل شَيْء وَقت بِهِ فَهُوَ أجل لَهُ وَأجل الْإِنْسَان هُوَ الْوَقْت الَّذِي يعلم الله أَنه يَمُوت فِيهِ لَا محَالة وَهُوَ وَقت لَا يجوز تَأْخِير مَوته عَنهُ لَا من حَيْثُ إِنَّه لَيْسَ بمقدور تَأْخِيره وَجل حَيَاته هُوَ مُدَّة الزَّمَان الَّذِي علم الله أَنه يحيا إِلَيْهِ لَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ وَلَا الانتقاص مِنْهُ وَقد قَالَ كثير من الْمُعْتَزلَة إِلَّا من شَذَّ مِنْهُم إِن الْمَقْتُول مَاتَ بِغَيْر أَجله الَّذِي ضرب لَهُ وَإنَّهُ لَو لم يقتل لحيي وَهَذَا غلط عندنَا لِأَن الْمَقْتُول لم يمت من أجل قتل غَيره لَهُ بل

стр. 353

من أجل مَا فعله الله سُبْحَانَهُ من الْمَوْت الَّذِي وجد بِهِ وَلَيْسَ يجوز أَن يُقَال فِيمَا لم يمت الْإِنْسَان من أَجله لَو لم يكن لحيي لِأَن الْقَتْل لَيْسَ بضد للحياة وَلَا بدل مِنْهَا فَيُقَال لَهُ إِنَّه لَو لم يكن لحيي الْمَقْتُول وَلِأَن فِي ذَلِك دفع مَا تلوناه من التَّنْزِيل وَقد قَالَ قوم مِنْهُم يجوز أَن يحيا لَو لم يقتل وَيجوز أَن لَا يحيا وَأَن يكون ذَلِك الْوَقْت وَقت مَوته فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل كَانَ جَائِزا فِي قدرَة الله تَعَالَى أَن يبقي من أَمَاتَهُ ابْن عشْرين سنة إِلَى ثَلَاثِينَ سنة أَو مَا هُوَ أَكثر مِنْهَا قيل لَهُ أجل لَو بقاه لبقي وَإِن كَانَ لَا يفعل ذَلِك كَانَ الْمَعْلُوم عَن حَاله أَنه يميته ابْن عشْرين سنة وَلنْ يجوز ترك فعل مَا فِي الْمَعْلُوم أَنه يفعل وَإِن كَانَ مَقْدُورًا تَركه على أَنه لَو ترك لَكَانَ السَّابِق فِي الْمَعْلُوم أَنه يتْرك فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون أَجله ثَلَاثِينَ سنة لِأَنَّهُ لَو لم يمته لبقي إِلَى ذَلِك الْوَقْت قيل لَهُ لَا يجب ذَلِك لِأَن أجل الْإِنْسَان وَقت مَوته على مَا بَينا وَلَيْسَ يجوز أَن يكون مَا لم يبْق إِلَيْهِ مِمَّا كَانَ يَصح فِي الْعقل أَن

стр. 354

تمتد حَيَاته إِلَيْهِ أَََجَلًا لَهُ إِن كَانَ الْمَعْلُوم من حَاله أَنه يخترم دونه كَمَا لَا يجوز أَن تكون جَهَنَّم دَار الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَسَائِر الْمُؤمنِينَ لِأَنَّهُ جَائِز فِي الْعقل أَن يدخلوها لَو كفرُوا وَأَن تكون الْجنَّة دَار الفراعنة والكفرة على أَنهم لَو آمنُوا لسكنوها وكما لَا يجب أَن تكون الْمَرْأَة الَّتِي يعلم الله أَن الْإِنْسَان لَو بَقِي لتزوج بهَا زَوْجَة لَهُ على معنى أَنه لَو بَقِي وَتَزَوجهَا لكَانَتْ زَوْجَة لَهُ فَكَذَلِك لَا يجوز أَن يكون مَا لم يبْق إِلَيْهِ من الْأَوْقَات أَََجَلًا لَهُ لِأَنَّهُ لَو لم يمت لصَحَّ أَن يبْقى إِلَيْهِ بَاب الْهدى والإضلال فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِن الله يهدي الْمُؤمنِينَ ويضل الْكَافرين قيل لَهُ أجل

стр. 355

فَإِن قَالَ وَمَا معنى هدايته للْمُؤْمِنين قيل لَهُ قد يهْدِيهم بِأَن يخلق هدَاهُم وينور بِالْإِيمَان قُلُوبهم وَقد يهْدِيهم أَيْضا بِأَن يشْرَح صُدُورهمْ ويتولى توفيقهم لَهُ وإعانتهم عَلَيْهِ وتسهيله لَهُم السَّبِيل إِلَيْهِ كل ذَلِك هِدَايَة مِنْهُ لَهُم وَقد يهْدِيهم أَيْضا فِي الْآخِرَة إِلَى الثَّوَاب وَطَرِيق الْجنَّة وَذَلِكَ هدى لَهُم من فعله فَإِن قَالَ فَمَا معنى إضلاله الْكَافرين قيل لَهُ قد أضلهم بِأَن يخلق ضلالهم قبيحا فَاسِدا وَقد مر

стр. 356

بَيَان ذَلِك سالفا وَقد يضلهم بترك توفيقهم وتضييق صُدُورهمْ وإعدام قدرهم على الاهتداء وَقد يضلهم عَن الثَّوَاب وَطَرِيق الْجنَّة فِي الْآخِرَة كل ذَلِك إضلال لَهُم فَإِن قَالُوا وَمَا الدَّلِيل على مَا قلتهم قيل لَهُم يدل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿ويضل الله الظَّالِمين﴾ فَأخْبر أَنه يضل وَيهْدِي وَوصف نَفسه بذلك فَإِن قَالَ قَائِل مَا أنكرتم أَن لَا يكون معنى الإضلال مِنْهُ وَالْهِدَايَة أَكثر من الحكم وَالتَّسْمِيَة كَمَا يَقُول النَّاس قد ضلل فلَان فلَانا وَقد عدله وَقد سرق فلَان فلَانا لَا على معنى أَنه جعله ضَالًّا فَاسِقًا سَارِقا وَفعل لَهُ مَا من أَجله يكون كَذَلِك من السّرقَة والضلال وَالْعَدَالَة قيل لَهُ لَو كَانَ ذَلِك على مَا قلته لم يكن لله على الْمُؤمنِينَ فِي هدايته لَهُم إِلَّا مَا لبَعْضهِم على بعض لأَنا قد يُسَمِّي بَعْضنَا بَعْضًا بالهداية ويخص بَعْضنَا بَعْضًا بِهَذِهِ التَّسْمِيَة وَكَذَلِكَ كَانَ يجب أَن يكون إضلال بَعْضنَا بَعْضًا كإضلال الله الظَّالِمين وَهَذَا خلاف مَا اتّفق عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ لِأَن الله قد امتن على الْمُؤمنِينَ بهدايته لَهُم فَقَالَ يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم

стр. 357

بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين) فَلَو كَانَت هدايته لَهُم هِيَ الحكم وَالتَّسْمِيَة لكانوا قد منوا على أنفسهم بِهَذِهِ الْمِنَّة ولكان رَسُول الله ﷺ قد من بهَا عَلَيْهِم كمن الله إِذْ قد سماهم بذلك وَحكم لَهُم بِهِ وَهَذَا خلاف الْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ لَو كَانَت هدايته لَهُم الَّتِي من بهَا عَلَيْهِم هِيَ دَعوته إيَّاهُم وَبَيَانه لَهُم لَكَانَ بَعضهم قد من على بعض بِهَذِهِ الْمِنَّة لِأَنَّهُ قد يَدْعُو بَعضهم بَعْضًا وَيبين بَعضهم لبَعض كَمَا يَدْعُو الله وَهَذَا أَيْضا خلاف الِاتِّفَاق وعَلى أَنه لَو كَانَت الْهِدَايَة والإضلال من الله تَعَالَى بِمَعْنى مَا وصفتم لَكَانَ إِبْلِيس قد أضلّ الْأَنْبِيَاء وَسَائِر الْمُؤمنِينَ إِذْ كَانَ قد دعاهم إِلَى الضلال وَسَمَّاهُمْ ضَالِّينَ وَحكم لَهُم بذلك ولكان النَّبِي ﷺ والمؤمنون قد أَضَلُّوا الْكَافرين أَجْمَعِينَ إِذْ كَانُوا قد سموهم كَافِرين وحكموا لَهُم بِحكم الضَّالّين وَفِي إِجْمَاع الْأمة على خلاف هَذَا دَلِيل على سُقُوط مَا قُلْتُمْ بَاب الْقَوْم فِي اللطف فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِن فِي قدرَة الله تَعَالَى لطفا لَو لطف بِهِ لسَائِر من يعلم أَنه يَمُوت كَافِرًا لآمن

стр. 358

قيل لَهُ أجل هُوَ على ذَلِك قَادر فَإِن قَالَ وَلم قُلْتُمْ ذَلِك قيل لَهُ لِأَنَّهُ قَادر على أَن يقدرهم على الْإِيمَان كَمَا صَحَّ أَن يقدر على ذَلِك أمثالهم وكما صَحَّ أَن يقدرهم على ضِدّه من الْكفْر والضلال فَلَو فعل فيهم الْقُدْرَة على الْإِيمَان لوجد إِيمَانهم لَا محَالة لما بَينا من قبل من وجوب كَون الْفِعْل فِي حَال وجود الْقُدْرَة عَلَيْهِ واستحالة تقدمها لَهُ ووجودها مَعَ عَدمه فصح بذلك مَا قُلْنَاهُ وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون﴾ وَقَوله ﴿وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ لبغوا فِي الأَرْض وَلَكِن ينزل بِقدر مَا يَشَاء﴾ فخبر أَنه يقدر على مَا لَو

стр. 359

فعله بهم لضلوا وَكَفرُوا فَيجب أَيْضا أَن يكون قَادِرًا على مَا لَو فعله بهم لآمنوا واهتدوا فصل وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ فَوَجَبَ أَنه قَادر على مَا لَو فعله بهم لآمنوا واهتدوا فَإِن قَالُوا أَرَادَ بذلك أَنه يقدر على فعل لَو فعله بهم لآمنوا كرها قيل لَهُم وَكَذَلِكَ إِنَّمَا أخبر أَنه يقدر على بسط الرزق لَو فعله بالخلق لضلوا كرها لَا طَوْعًا وَلَا خلاص لَهُم من ذَلِك فَإِن قَالُوا أفليس قد قَالَ ﴿وَلَئِن أتيت الَّذين أُوتُوا الْكتاب بِكُل آيَة مَا تبعوا قبلتك وَمَا أَنْت بتابع قبلتهم﴾ فخبر أَنهم لَا يتبعُون قبلته قيل لَهُم إِنَّمَا خبر أَن النَّبِي ﷺ لَو أَتَاهُم بِكُل آيَة مَا تبعوا قبلته وَلم يخبر أَنه لَو أَتَاهُم هُوَ بِالْآيَاتِ مَا تبعوا قبلته أَو أَتَاهُم غَيره ﷺ بِالْآيَاتِ لما آمنُوا فَلَا حجَّة فِي هَذَا الظَّاهِر

стр. 360

فصل فَإِن قَالَ قَائِل أفليس قد قَالَ الله تَعَالَى وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا مَا كَانُوا ليؤمنوا قيل لَهُم قد اسْتثْنى فِي آخر الْآيَة بقوله ﴿إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَبَطل مَا قُلْتُمْ وعَلى أَنه أخبر أَنهم لَا يُؤمنُونَ أبدا عِنْد هَذِه الْآيَات الَّتِي هِيَ إِنْزَال الْمَلَائِكَة وَتكلم الْمَوْتَى وَحشر كل شَيْء قبلا وَلم يقل لَيْسَ فِي الْمَقْدُور فعل شَيْء يُؤمنُونَ عِنْده فقد يُمكن أَن يكون فِي الْمَعْلُوم أَنه لَو فعل بهم غير هَذِه الْآيَات لآمنوا فَبَطل مَا قَالُوهُ بَاب الْكَلَام فِي التَّعْدِيل والتجوير فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل يجوز أَن يؤلم الله تَعَالَى الْأَطْفَال من غير

стр. 361

عوض وَأَن يَأْمر بِذبح الْحَيَوَان وإيلامه لَا لنفع يصل إِلَيْهِم وَأَن يسخر بعض الْحَيَوَان لبَعض وَأَن يفعل الْعقَاب الدَّائِم على الأجرام المنقطعة وَأَن يُكَلف عباده مَا لَا يُطِيقُونَ وَأَن يخلق فيهم مَا يعذبهم عَلَيْهِ وَغير ذَلِك من الْأُمُور قيل لَهُ أجل ذَلِك عدل من فعله جَائِز مستحسن فِي حكمته فَإِن قَالَ فَكيف جَازَ ذَلِك مِنْهُ وَحسن مَعَ قبح ذَلِك أجمع منا

стр. 362

قيل لَهُ إِن ذَلِك إِنَّمَا قبح منا وَصَارَ جورا من فعلنَا لأجل نهي مَالك الْأَعْيَان والأشياء لنا عَن فعله فلولا تقبيحه لذَلِك وَنَهْيه عَنهُ لما قبح منا وَقد أوضحنا ذَلِك فِيمَا سلف لما قُلْنَا إِن ذَلِك لَيْسَ بقبيح فِي الْعقل لنَفسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يجب أَن يشْتَرك فِي علمه جَمِيع العاقلين ولكان يجب إِذا كَانَ الْأَلَم الْمَوْجُود على هَذِه السَّبِيل قبيحا لكَونه ألما على هَذِه الصّفة أَن لَا يشركهُ فِي كَونه قبيحا إِلَّا مَا كَانَ ألما هَذِه صفته وَذَلِكَ بَاطِل بِاتِّفَاق وَكَذَلِكَ القَوْل فِي كل ضرب من ضروب الْقَبِيح والباري هُوَ الْمَالِك القاهر الَّذِي الْأَشْيَاء لَهُ وَفِي قَبضته لَا آمُر عَلَيْهِ وَلَا مُبِيح وَلَا حاظر فَلم يجب أَن يقبح جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من فعله قِيَاسا على قبحه منا فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون كل إيلام لَا نفع للمؤلم فِيهِ فِي عَاجل وَلَا آجل وَلَا هُوَ مُسْتَحقّ ظلما فِي الْعقل وقبيحا لنَفسِهِ قُلْنَا من قبل مَا بَينا أَولا من أَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لعلمنا قبح الضَّرَر الْجَارِي هَذَا المجرى اضطرارا وَفِي كوننا غير مضطرين إِلَى مَا وصفت

стр. 363

دَلِيل على سُقُوط هَذَا السُّؤَال وَلِأَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ قبح هَذَا الضَّرَر من كل من وجد مِنْهُ وَكَانَ لَا مُعْتَبر باخْتلَاف فاعليه وتباين محَالة أَلا ترى أَن الْحَرَكَة الَّتِي تكون حَرَكَة لنَفسهَا يجب أَن تكون أبدا حَرَكَة حَيْثُ وجدت وَهَذَا يُوجب أَن يكون الْكَلْب والسبع وَسَائِر الْحَيَوَان الَّذِي لَا يعقل ظَالِما رَاكِبًا للقبيح مُسْتَحقّا للذم والتأنيب وَأَن يكون عَاصِيا فَاسِقًا بإيلامه للْغَيْر على هَذِه السَّبِيل وَفِي الِاتِّفَاق على فَسَاد ذَلِك دَلِيل على سُقُوط مَا سَأَلت عَنهُ وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر على مَا وصفت لم يكن الْجَهْل وَالْكذب قبيحين لِأَنَّهُمَا ليسَا بألم هَذِه سَبيله وَقد بَينا من قبل أَن الحكم الْعقلِيّ الْوَاجِب لعِلَّة ولوجه مَخْصُوص لَا يجوز ثُبُوته لبَعض من هُوَ حكم لَهُ بِغَيْر تِلْكَ الْعلَّة وَذَاكَ الْوَجْه لِأَن ذَلِك نقض للعلل وَإِبْطَال لَهَا فَبَطل بذلك مَا قلت فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل يَصح على قَوْلكُم هَذَا أَن يؤلم الله سُبْحَانَهُ سَائِر النَّبِيين وينعم سَائِر الْكَفَرَة والعاصين من جِهَة الْعقل قبل وُرُود السّمع قيل لَهُ أجل لَهُ ذَلِك وَلَو فعله لَكَانَ جَائِزا مِنْهُ غير مستنكر من فعله فَإِن قَالَ فَمَا الَّذِي يؤمنكم من تعذيبه الْمُؤمنِينَ وتنعيمه الْكَافرين

стр. 364

قيل لَهُ يؤمننا من ذَلِك تَوْقِيف النَّبِي وَإِجْمَاع الْمُسلمين على أَنه لَا يفعل ذَلِك وعَلى أَنه قد أخبر أَخْبَارًا علمُوا قَصده بِهِ ضَرُورَة إِلَى أَن ذَلِك لَا يكون وَلَوْلَا هَذَا التَّوْقِيف وَالْخَبَر لأجزنا مَا سَأَلت عَنهُ فَإِن قَالَ وَهل يجوز وُقُوع الْكَذِب مِنْهُ وَالْأَمر بِهِ وبسائر الْمعاصِي قيل لَهُ أما الْكَذِب فَلَا يجوز عَلَيْهِ لَا لِأَنَّهُ يستقبح مِنْهُ فَحسب وَلَكِن لِأَن الْوَصْف لَهُ بِأَنَّهُ صَادِق من صِفَات نَفسه وَمن كَانَ صدقه من صِفَات نَفسه اسْتَحَالَ عَلَيْهِ الْكَذِب كَمَا أَن من كَانَ الْوَصْف لَهُ بِأَنَّهُ قَادر عَالم من صِفَات النَّفس اسْتَحَالَ أَن يعجز أَو يجهل وَلَيْسَ وَجه إِحَالَة هَذِه الْأُمُور عَلَيْهِ لأجل الْقبْح فَقَط لَكِن لاستحالتها عَلَيْهِ بأدلة الْعُقُول فَأَما قَوْلك هَل يجوز أَن يَأْمر بِالْمَعَاصِي وَالْكذب فَإِن ذَلِك جَائِز على معنى أَنه لَو أَمر بهَا لَكَانَ أمره بهَا قَدِيما ولكانت تكون طاعات مستحسنات بَدَلا من كَونهَا معاصي إِذْ كَانَ الْعِصْيَان إِنَّمَا يصير عصيانا بِالنَّهْي لَا لجنسه وَنَفسه وَقد أمرنَا بِالْكَذِبِ فِي بعض الْمَوَاضِع وأبيح للخائف فِي دَار الْحَرْب على نَفسه الْكَذِب فَبَان بِجَمِيعِ مَا قُلْنَاهُ صِحَة مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب

стр. 365

بَاب القَوْل فِي معنى الدّين فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا معنى الدّين عنْدكُمْ قيل لَهُ معنى الدّين يتَصَرَّف على وُجُوه مِنْهَا الدّين بِمَعْنى الْجَزَاء وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ وَمِنْه قَول الشَّاعِر (وَاعْلَم وأيقن أَن ملكك زائل ... وَاعْلَم بِأَن كَمَا تدين تدان) يُرِيد كَمَا تفعل يفعل بك وَقد يكون بِمَعْنى الحكم كَقَوْلِه ﴿مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك﴾ أَي فِي حكمه وَقد يكون الدّين بِمَعْنى الدينونة بالمذاهب والملل وَمِنْه قَوْلهم فلَان يدين بِالْإِسْلَامِ أَو الْيَهُودِيَّة أَي إِنَّه يتدين بذلك على معنى أَنه يعْتَقد وينطوي عَلَيْهِ ويتقرب بِهِ وَالدّين أَيْضا بِمَعْنى الانقياد والاستسلام لله من ذَلِك قَوْله ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ يُرِيد دين الْحق لَا على أَن الْيَهُودِيَّة لَا تسمى دينا فِي اللُّغَة وَغَيرهَا من الْأَدْيَان

стр. 366

بَاب الْكَلَام فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام والأسماء وَالْأَحْكَام بَاب القَوْل فِي معنى الْإِيمَان فَإِن قَالَ قَائِل خبرونا مَا الْإِيمَان عنْدكُمْ

стр. 367

قُلْنَا الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِاللَّه تَعَالَى وَهُوَ الْعلم والتصديق يُوجد بِالْقَلْبِ فَإِن قَالَ وَمَا الدَّلِيل على مَا قُلْتُمْ قيل لَهُ إِجْمَاع أهل اللُّغَة قاطبة على أَن الْإِيمَان فِي اللُّغَة قبل نزُول الْقُرْآن وبعثة النَّبِي ﷺ هُوَ التَّصْدِيق لَا يعْرفُونَ فِي لغتهم إِيمَانًا غير ذَلِك وَيدل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا وَلَو كُنَّا صَادِقين﴾ أَي مَا أَنْت بمصدق لنا وَمِنْه قَوْلهم فلَان يُؤمن بالشفاعة وَفُلَان لَا يُؤمن بِعَذَاب الْقَبْر أَي لَا يصدق بذلك فَوَجَبَ أَن

стр. 368

يكون الْإِيمَان فِي الشَّرِيعَة هُوَ الْإِيمَان الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة لِأَن الله مَا غير لِسَان الْعَرَب وَلَا قلبه وَلَو فعل ذَلِك لتواترت الْأَخْبَار بِفِعْلِهِ وتوفرت دواعي الْأمة على نَقله ولغلب إِظْهَاره وإشهاره على طيه وكتمانه وَفِي علمنَا بِأَنَّهُ لم يفعل ذَلِك بل أقرّ أَسمَاء الْأَشْيَاء والتخاطب بأسره على مَا كَانَ فِيهَا دَلِيل على أَن الْإِيمَان فِي الشَّرْع هُوَ الْإِيمَان اللّغَوِيّ وَمِمَّا يدل على ذَلِك ويبنيه قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ فخبر أَنه أنزل الْقُرْآن بلغَة الْقَوْم وسمى الْأَشْيَاء بتسمياتهم فَلَا وَجه للعدول بِهَذِهِ الْآيَات عَن ظواهرها بِغَيْر حجَّة وسيما مَعَ قَوْلهم بِالْعُمُومِ وَحُصُول التَّوْقِيف على أَن الْخطاب نزل بلغتهم فَدلَّ مَا قُلْنَاهُ على أَن الْإِيمَان هُوَ مَا وصفناه دون مَا سواهُ من سَائِر الطَّاعَات من النَّوَافِل والمفروضات بَاب القَوْل فِي معنى الْإِسْلَام فَإِن قَالَ قَائِل مَا الْإِسْلَام عنْدكُمْ

стр. 369

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 370

قيل لَهُ الْإِسْلَام هُوَ الانقياد والاستسلام وكل طَاعَة انْقَادَ العَبْد بهَا لرَبه تَعَالَى واستسلم فِيهَا لأَمره فَهِيَ إِسْلَام وَالْإِيمَان خصْلَة من خِصَال الْإِسْلَام وكل إِيمَان إِسْلَام وَلَيْسَ كل إِسْلَام إِيمَانًا فَإِن قَالَ فَلم قُلْتُمْ ذَلِك وَأَن معنى الْإِسْلَام هُوَ مَا وصفتم قيل لَهُ لأجل قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا﴾ فنفى عَنْهُم الْإِيمَان وَأثبت لَهُم الْإِسْلَام وَإِنَّمَا أَرَادَ بِمَا أثْبته الانقياد والاستسلام وَمِنْه قَوْله ﴿لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام﴾ وكل من استسلم لشَيْء فقد أسلم وَإِن كَانَ أَكثر مَا يسْتَعْمل ذَلِك فِي المستسلم لله ولنبيه ﷺ بَاب القَوْل فِي معنى الْكفْر إِن قَالَ قَائِل وَمَا الْكفْر عنْدكُمْ

стр. 371

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .

стр. 372

قيل لَهُ هُوَ ضد الْإِيمَان وَهُوَ الْجَهْل بِاللَّه والتكذيب بِهِ السَّاتِر لقلب الْإِنْسَان عَن الْعلم بِهِ فَهُوَ كالمغطي للقلب عَن معرفَة الْحق وَمِنْه قَول الشَّاعِر فِي لَيْلَة كفر النُّجُوم غمامها أَي غطاها وَمِنْه قَوْلهم زيد متكفر بسلاحه وَمِنْه سمي مغطي الزَّرْع كَافِرًا وَقد يكون الْكفْر بِمَعْنى التَّكْذِيب والجحد وَالْإِنْكَار وَمِنْه قَوْلهم كفرني حَقي أَي جحدني وَلَيْسَ فِي الْمعاصِي كفر غير مَا ذَكرْنَاهُ وَإِن جَازَ أَن يُسمى أَحْيَانًا مَا جعل علما على الْكفْر كفرا نَحْو عبَادَة الأفلاك والنيران وَاسْتِحْلَال الْمُحرمَات وَقتل الْأَنْبِيَاء وَمَا جرى مجْرى ذَلِك مِمَّا ورد بِهِ التَّوْقِيف وَصَحَّ الْإِجْمَاع على أَنه لَا يَقع إِلَّا من كَافِر بِاللَّه مكذب لَهُ وجاحد لَهُ

стр. 373

بَاب القَوْل فِي تَسْمِيَة الْفَاسِق الملي مُؤمنا فَإِن قَالَ قَائِل فخبروني عَن الْفَاسِق الملي هَل تسمونه مُؤمنا بإيمانه

стр. 374

الَّذِي فِيهِ وَهل تَقولُونَ إِن فسقه لَا يضاد إيمَانه قيل لَهُ أجل فَإِن قَالَ فَلم قُلْتُمْ إِن الْفسق الَّذِي لَيْسَ بِجَهْل بِاللَّه لَا يضاد الْإِيمَان

стр. 375

قيل لَهُ لِأَن الشَّيْئَيْنِ إِنَّمَا يتضادان فِي مَحل وَاحِد وَقد علمنَا أَن مَا يُوجد بالجوارح لَا يجوز أَن يَنْفِي علما وَتَصْدِيقًا يُوجد بِالْقَلْبِ فَثَبت أَنه غير مضاد للْعلم بِاللَّه والتصديق لَهُ وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه قد يعزم على مَعْصِيّة الرَّسُول ﷺ بِقَلْبِه من لَا يَنْفِي عزمه على ذَلِك معرفَة النَّبِي ﷺ وتصديقه لَهُ وَكَذَلِكَ حكم القَوْل فِي الْعَزْم على مَعْصِيّة الله وَأَنه غير مضاد لمعرفته وَالْعلم بِهِ والتصديق لَهُ هُوَ الْإِيمَان لَا غير فصح بذلك اجْتِمَاع الْفسق الَّذِي لَيْسَ بِكفْر مَعَ الْإِيمَان وأنهما غير متضادين فَإِن قَالَ وَلم قُلْتُمْ إِنَّه يجب أَن يُسمى الْفَاسِق الملي بِمَا فِيهِ من الْإِيمَان مُؤمنا قيل لَهُ لِأَن أهل اللُّغَة إِنَّمَا يشتقون هَذَا الِاسْم للمسمى بِهِ من وجود الْإِيمَان بِهِ فَلَمَّا كَانَ الْإِيمَان مَوْجُودا بالفاسق الَّذِي وَصفنَا حَاله وَجب أَن يُسمى مُؤمنا كَمَا أَنه لما لم يضاد مَا فِيهِ من الْإِيمَان فسقه الَّذِي لَيْسَ بِكفْر وَجب أَن يُسمى بِهِ فَاسِقًا وَأهل اللُّغَة متفقون على أَن اجْتِمَاع الوصفين الْمُخْتَلِفين لَا يُوجب منع اشتقاق الْأَسْمَاء مِنْهُمَا وَمن أَحدهمَا فَوَجَبَ بذلك مَا قُلْنَاهُ فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون حكم اللُّغَة مَا ذكرْتُمْ غير

стр. 376

أَن الله تَعَالَى عظم زجر الْفَاسِق وَالْمُبَالغَة فِي عُقُوبَته بِأَن حرمه التَّسْمِيَة بإيمانه وَجعل تَسْمِيَة الْمُؤمن مُؤمنا علما على اسْتِحْقَاقه ضربا عَظِيما من الثَّوَاب وَكَذَلِكَ جعل تَسْمِيَة الْفَاسِق فَاسِقًا من أَسمَاء الدّين علما لاستحقاقه ضربا من الْعقَاب الْعَظِيم وَأَن يكون حكم هَذِه الْأَسْمَاء فِي الشَّرِيعَة مَنْقُولًا عَن حكم اللُّغَة قيل لَهُ هَذِه دَعْوَى لَا شُبْهَة فِي سُقُوطهَا وَلَو جَازَ لمدع أَن يَدعِي ذَلِك لجَاز لآخر أَن يَدعِي أَن الله تَعَالَى لما عظم شَأْن الْإِيمَان وَبَالغ فِي التَّرْغِيب فِي فَضله وَجب سُقُوط التَّسْمِيَة بِمَا قارنه من الْفسق لما أَرَادَهُ من تَغْلِيب حكم الْإِيمَان على الْفسق وَجعله مِمَّا يَعْلُو وَلَا يعلى وَقصد بِهِ إِلَى الدّلَالَة على اسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَهَذَا يُوجب أَن يكون الْفَاسِق هُوَ الْكَافِر فَقَط وَأَن من سواهُ فَلَيْسَ بفاسق وَلَا يُسمى بذلك فَإِن لم يجب هَذَا لم يجب مَا قَالُوهُ وَلِأَن فِي هَذِه الدَّعْوَى تَصْحِيح تغير الْأَسْمَاء عَن طَريقَة اللُّغَة وَدفع مَا تلوناه من التَّنْزِيل وَقد أبنا فَسَاد مَا يُوجب ذَلِك من الْأَقَاوِيل فِيمَا قبل بَاب القَوْل فِي الْوَعْد والوعيد فَإِن قَالَ قَائِل خبرونا عَن جَمِيع الْكَفَرَة والعصاة بضروب

стр. 377

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 378

الْمعاصِي هَل كَانَ جَائِزا فِي الْعقل أَن يغْفر الله لجميعهم قيل لَهُ أجل لَو قسم جَمِيعهم للجنة لجَاز وَلم يكن مَا وجد من كفرهم وعصيانهم دَلِيلا على أَنه يؤلمهم بالنَّار لَا محَالة لِأَن إيلام الله تَعَالَى لمن يؤلمه لَيْسَ يُوجد مِنْهُ لعِلَّة لولاها لم يُوجد بل جعل الله تَعَالَى أَفعَال الْعباد دَلِيلا على مَا قسمه لَهُم وَيدل على ذَلِك أَن الْعقَاب حق لَهُ يجوز لَهُ أَخذه وَتَركه فَوَجَبَ أَن يكون جَارِيا مجْرى التفضل بإنعام غير مُسْتَحقّ ولأنا قد علمنَا جَمِيعًا حسن ترك عُقُوبَة الذَّنب مِمَّن اسْتَحَقَّه بِجِنَايَة عَلَيْهِ وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ وَغَيرهم أَيْضا على حسن الْعَفو والصفح عَن

стр. 379

عُقُوبَة الذَّنب وعَلى مدح من لَا يتم مَا يتوعد بِهِ وتعظيمه ومدحه بِالْعَفو عَن فعله قَالَ كَعْب بن زُهَيْر (نبئت أَن رَسُول الله أوعدني ... وَالْعَفو عِنْد رَسُول الله مأمول) وأنشده للنَّبِي ﷺ فَلم يُنكره وَلَا أحد من الْمُسلمين وَقَالَ آخر (وَإِنِّي إِذا أوعدته أَو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي) وَقَالَ آخر فِي ذمّ من يَفِي بوعيده أبدا وَلَيْسَ الصفح من سجيته (كَأَن فُؤَادِي بَين أظفار طَائِر ... من الْخَوْف فِي جو السَّمَاء مُعَلّق) (حذار امرىء قد كنت أعلم أَنه ... مَتى مَا يعد من نَفسه الشَّرّ يصدق) فذمه على الْوَفَاء بالوعيد وَلَا خلاف بَين أهل اللُّغَة أَن الْعَفو عَن الذَّنب بعد تقدم الْوَعيد لَا يُوجب ذمّ المتوعد وَلَا جعل خَبره كذبا وَكَيف لَا يحسن من الله الْعَفو عَن الذَّنب وَقد أمرنَا بِهِ وحضنا عَلَيْهِ ومدح من هُوَ من شَأْنه وَقد أجمع الْكل على أَن مَا أَمر بِهِ وحض عَلَيْهِ ومدح

стр. 380

فَاعله فَلَيْسَ بقبيح قَالَ الله تَعَالَى ﴿والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي الواهبين لما استحقوه بِمَا جني عَلَيْهِم وَقَالَ ﴿وَأَن تعفوا أقرب للتقوى﴾ وَقَالَ ﴿وَإِن تعفوا وتصفحوا وتغفروا﴾ وَكَيف لَا تجوز هبة الْحق لمن يملك أَخذه وَتَركه فَدلَّ جَمِيع مَا وصفناه على صِحَة عَفْو الله تَعَالَى عَن سَائِر المذنبين وَجَوَاز ذَلِك مِنْهُ لَو لم يرد الْخَبَر بِأَنَّهُ لَا بُد أَن يُعَاقب بَعضهم فَإِن قَالَ فَمَا يؤمنكم أَن يغْفر الله لسَائِر الْكَفَرَة أَو لبَعْضهِم وَإِن كَانَ قد قدم وعيده لَهُم بالنَّار قيل لَهُ يُؤمن من ذَلِك تَوْقِيف النَّبِي ﷺ وَإِجْمَاع الْمُسلمين الَّذين لَا يجوز عَلَيْهِم الْخَطَأ أَن الله لَا يغْفر لَهُم وَلَا لأحد مِنْهُم لِأَن الْأمة بأسرها نقلت عَن شَاهد النَّبِي ﷺ وهم حجَّة وَأهل تَوَاتر أَنهم علمُوا من دينه ضَرُورَة أَن جَمِيع الْكفَّار فِي النَّار خَالِدين فِيهَا وَعرفُوا قَصده إِلَى إستغراق الْوَعيد لجميعهم وإرادته لكلهم وَأَن الله يفعل ذَلِك بسائرهم وَلَوْلَا هَذَا الْإِجْمَاع والتوقيف الَّذِي اضطررنا إِلَيْهِ لجَاز الْعَفو عَمَّا سَأَلت عَنهُ

стр. 381

فَإِن قَالَ قَائِل وَكَيف يكون هَذَا إِجْمَاعًا من الْأمة وَقد زعم قوم من الْمُتَكَلِّمين بِأَن مقلده الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيرهم من أهل الْكفْر لَيْسُوا فِي النَّار قيل لَهُ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا أَنْكَرُوا أَن يكون الْمُقَلّد كَافِرًا لشُبْهَة دخلت عَلَيْهِم وَلم يزعموا أَن الْمُقَلّد كَافِر وَأَنه مَعَ ذَلِك لَيْسَ فِي النَّار وَالْعلم بِأَن الْمُقَلّد كَافِرًا أَو غير كَافِر طَرِيقه النّظر دون التَّوْقِيف وَالْخَبَر فَإِن قَالَ فَمَا تَقولُونَ فِي مذنبي أهل مِلَّة الْإِسْلَام هَل يجوز الْعَفو عَنْهُم حَتَّى لَا يُعَاقب الْفَاسِق بِمَا كَانَ من ظلمه لنَفسِهِ أَو غَيره قيل لَهُ نعم فَإِن قَالَ فَمَا الدَّلِيل على ذَلِك قيل لَهُ مَا قدمْنَاهُ من حسن الْعَفو من الله وَمن غَيره وَإِن لم يرد تَوْقِيف اضطرنا إِلَيْهِ على تَعْذِيب سَائِرهمْ وَمَعَ أَن الله تَعَالَى قد بَين ذَلِك فِي نَص كِتَابه فَقَالَ ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فاستثنى من الْمعاصِي الَّتِي يجوز أَن يغفرها الشّرك فألحقت الْأمة بِهِ مَا كَانَ بمثابته من ضروب الْكفْر والشرك وَقَالَ ﴿إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا﴾ فَلم يخرج من

стр. 382

ذَلِك إِلَّا الْكفْر والشرك وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ والكبائر هَا هُنَا الْكفْر بِدَلِيل قَوْله ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ والسيئات الَّتِي يغفرها هِيَ مَا دون الشّرك وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تقنطوا من رَحْمَة الله﴾ فِي نَظَائِر لهَذِهِ الْآيَات يطول تعدادها وَهِي كُله فِيمَن لَيْسَ بِكَافِر وَلَا مُشْرك فَلَمَّا كَانَ الملي الْفَاسِق لَيْسَ بِكَافِر وَلَا مُشْرك من قَوْلنَا وَقَول الْمُعْتَزلَة ثَبت أَنه مِمَّن يجوز أَن يغْفر لَهُ وَإِن مَاتَ مصرا إِذا كَانَ التائب لَا عيب عَلَيْهِ وَلَا مَعَه عِنْدهم شَيْء يحْتَاج مَعَه إِلَى غفران وَقد دللنا قبل هَذَا على أَن مَعْصِيّة الله بِغَيْر الْكفْر والتكذيب لَا تضَاد مَعْرفَته الَّتِي هِيَ الْإِيمَان بِهِ وَكَذَلِكَ مَعْصِيّة غَيره لَا تَنْفِي الْعلم بالمعصي فَوَجَبَ أَن يكون العَاصِي مُؤمنا بِاللَّه وَالْمُؤمن لَا يكون كَافِرًا وَلَا مُشْركًا بَاب القَوْل فِي الْخُصُوص والعموم فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا معنى قَوْله تَعَالَى وَالَّذين كسبوا

стр. 383

السَّيِّئَات جَزَاء سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وترهقهم ذلة مَا لَهُم من الله من عَاصِم كَأَنَّمَا أغشيت وُجُوههم قطعا من اللَّيْل مظلما أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ) وَقَوله تَعَالَى وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِنَّهُ لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ وَمَا ورد بِمَعْنى هَذِه الْآيَات قيل لَهُ المُرَاد بذلك العَاصِي الْكَافِر الَّذِي لَا إِيمَان وَلَا حَسَنَة

стр. 384

مَعَه لِأَن الله تَعَالَى قد بَين فِي آيَات أخر أَنه يدْخل الْمُؤمنِينَ جنته وَمن أَتَى بحسنة جازاه بِعشر أَمْثَالهَا وَأَنه يُعْطِيهِ خيرا مِنْهَا ويؤمنه من الْفَزع الْأَكْبَر وَمن فزع يَوْمئِذٍ وَأَنه لَا يضيع عمل عَامل من ذكر أَو أُنْثَى ويجازي بِالْحَسَنَة وَيَعْفُو عَن السَّيئَة وَأَن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات قَالَ تَعَالَى ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا وهم من فزع يَوْمئِذٍ آمنون﴾ وَلَيْسَ فِي الْحَسَنَات أكبر وَلَا أعظم شَأْنًا من الْإِيمَان الَّذِي يحبط الْكفْر ويزيل عِقَابه وَقَالَ ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونعيم﴾ و (إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونهر) وَقَالَ يَا عبَادي لَا خوف عَلَيْكُم الْيَوْم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ وَقَالَ تَعَالَى إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات فخبر أَن الْحَسَنَات تبطل السَّيِّئَات وَتذهب بهَا وَلَا شَيْء من الْحَسَنَات أولى أَن يكون كَذَلِك من الْإِيمَان الَّذِي يذهب بالْكفْر ويمحوه وَقَالَ ﴿أَنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ وَقَالَ ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ وَإِذا كَانَ الْفَاسِق الملي مُؤمنا على مَا بَيناهُ وَكَانَ مَعَه حَسَنَات أكبرها الْإِيمَان وَكَانَت لَهُ أَعمال لَا تضيع عَلَيْهِ وَجب أَنه

стр. 385

مِمَّن لم يرد بالخلود فِي جَهَنَّم وَأَن يرتب ذَلِك ترتيبا لَا يجوز مَعَه نقض بعض الْآيَات بَعْضًا فَإِن قَالَ إِنَّمَا أَرَادَ بقوله ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا﴾ إِذا لم يقتل نفسا مُؤمنَة وَلم يعْص وَلم يَتَعَدَّ حُدُوده قيل لَهُ لَا بل أَرَادَ بالوعيد على قتل النَّفس المؤمنة وتعدي حُدُوده وَفعل مَعْصِيَته من لم يكن مِنْهُ إِيمَان وَلَا حَسَنَة وهم الْكفَّار وَهَذَا أولى فَإِن قَالَ قَوْله من ورد مورد الشَّرْط وَالْجَزَاء وَهَذَا يُوجب استغراق المجازين قيل لَهُ فَقل لأجل هَذَا بِعَيْنِه إِن من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا وَإنَّهُ يُعْطي خيرا مِنْهَا وَهُوَ من فزع يَوْم الْقِيَامَة آمن لأجل قَوْله ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا﴾ فَإِن قَالَ إِن صَاحب الْكَبِيرَة لَا يُسمى محسنا قيل لَهُ وَالْمُؤمن الموحد الْمُصدق لله وَلِرَسُولِهِ لَا يُسمى عَاصِيا مُتَعَدِّيا لحدوده وكل ذَلِك خُرُوج عَن اللُّغَة وَمَعَ أَن قَوْله من يصلح للْعُمُوم وللخصوص وَهُوَ معرض لَهما لِأَن الْقَائِل يَقُول جَاءَنِي من دَعوته وَكلمت من عَرفته وَهُوَ يُرِيد الْوَاحِد مِنْهُم الَّذِي عرفه وَدعَاهُ وَهُوَ

стр. 386

بعض من دَعَاهُ وعرفه وَقَالَ الله ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَلم يرد أَن حكام الْمُسلمين كفار إِذا تركُوا الحكم بِمَا أنزل الله وَإِنَّمَا أَرَادَ بعض من لم يحكم بِمَا أنزل الله وَقَالَ الشَّاعِر (وَمن لَا يذد عَن حَوْضه بسلاحه ... يهدم وَمن لَا يظلم النَّاس يظلم) وَلم يرد أَن كل من لَا يظلم النَّاس يظلم لِأَن الله لَا يظلم النَّاس وَلَا يجوز أَن يظلم وَلَا كل من كَانَ غير ذائد عَن حَوْضه بسلاحه هدم وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فقد بَطل التَّعَلُّق بِظَاهِر هَذِه الْآي مَعَ جَوَاز احتمالها وَكَذَلِكَ الْجَواب إِن تعلقوا بقوله تَعَالَى ﴿وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ وَبِمَا جرى مجْرَاه قيل لَهُم يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بعض الْفجار دون سَائِرهمْ وعورضوا بقوله ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم﴾ وَأعظم الْبر التَّوْحِيد وَالْإِيمَان الَّذِي لَا يحصل الْإِنْسَان بارا مُطيعًا إِلَّا بِوُجُودِهِ وَقيل لَهُم قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ وَلَا أضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَلَيْسَ فِي

стр. 387

الطَّاعَات حَسَنَة أكبر من الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله وتصديق مَا جَاءَ بِهِ من عِنْده وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك وَجب تَفْوِيض أَمر عصاة أهل الْملَّة إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَصْحِيح غفرانه لَهُم وَترك الْقطع بعقابهم وَإِيجَاب القَوْل بِأَنَّهُ لَا يخلد فِي النَّار مِنْهُم أحد وَإِن أدخلها مَعَ أَنا لَو صرنا إِلَى ظَاهر مُقْتَضى الْقُرْآن لوَجَبَ أَن لَا يدْخل النَّار إِلَّا كَافِرًا قَالَ الله ﴿وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ وَقَالَ ﴿فأنذرتكم نَارا تلظى لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ وَقَالَ ﴿وَأما من أُوتِيَ كِتَابه بِشمَالِهِ فَيَقُول يَا لَيْتَني لم أوت كِتَابيه وَلم أدر﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فِي سلسلة ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا فاسلكوه إِنَّه كَانَ لَا يُؤمن بِاللَّه الْعَظِيم﴾ وَقَالَ ﴿وَأَصْحَاب الشمَال مَا أَصْحَاب الشمَال فِي سموم وحميم وظل من يحموم لَا بَارِد وَلَا كريم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَكَانُوا يصرون على الْحِنْث الْعَظِيم﴾ يُرِيد الشّرك ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أئذا متْنا وَكُنَّا تُرَابا وعظاما أئنا لمبعوثون﴾ فَأوجب النَّار لمن يُنكر الْبَعْث وَيكفر بِاللَّه وبرسله وَلَا يُؤمن بهم وَلَيْسَ فِي فساق أهل الْملَّة من هَذَا وَصفه فَإِن لم يجب الْمصير

стр. 388

إِلَى عُمُوم هَذِه الْآيَات لم يجب الْمصير إِلَى عُمُوم الظَّوَاهِر الَّتِي تلوها فصح مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ من جَوَاز الْعَفو عَن فساق أهل ملتنا مَسْأَلَة فَإِن قَالَ قَائِل أفليس الله قد أوجب عَدَاوَة الْفَاسِق والتبرؤ مِنْهُ ولعنه وأمرنا بِأَن لَا تأخذنا رأفة بِهِ وأمرنا بالنكال بِهِ فَقَالَ ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ مَعَ قَوْله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ فَكيف يجوز أَن يكون صَاحب الْكَبِيرَة مُؤمنا وَالْمُؤمن مَرْحُوم وَولي لله تَعَالَى قيل لَهُ لسنا نقُول إِن الْفَاسِق عَدو لله وَلَا إِن الله لَعنه إِلَّا بشريطة أَن يكون فِي معلومه أَنه يعذبه وَأَن يكون أَرَادَ ذَلِك وقصده وَإنَّهُ مَتى لم يكن ذَلِك كَذَلِك وَكَانَ الْمَعْلُوم من حَاله أَنه يثيبه وَيغْفر لَهُ ويشفع فِيهِ نبيه فَإِنَّهُ غير مَلْعُون وَلَا عَدو لله وَلَا مِمَّن حكم بعقابه لِأَن الْعَدَاوَة والبغض من الله إِنَّمَا هِيَ إِرَادَته لعذاب من علم أَنه يعذبه على مَا بَينا فِي بَاب الصِّفَات

стр. 389

وَهَذَا كَمَا تعبدنا بلعن من ظهر مِنْهُ كلمة الْكفْر فِي دَار الْحَرْب وَالْحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عَدو لله بشريطة أَن كَانَ مُعْتَقدًا للكفر وَكَانَ ظَاهره كباطنه وكما أَمر عنْدكُمْ بلعن من أظهر الْفسق وذمه والبراءة مِنْهُ إِذا لم تعلم تَوْبَته بشريطة أَن لَا يكون قد تَابَ وَنَدم وَكَذَلِكَ تعبدنا الله بلعن شُهُود الزِّنَى والبراءة مِنْهُم إِذا اخْتلفت شَهَادَتهم وَقصر عَددهمْ وَالْحكم بفسقهم إِن كَانُوا عِنْد الله كذبه لَا على الْإِطْلَاق وَكَذَلِكَ قر أمرنَا بموالاة من أظهر لنا الْإِيمَان وتوليه بشريطة أَن يكون عِنْد الله مُعْتَقدًا لذَلِك وَإِذا كَانَ هَكَذَا بَطل مَا قُلْتُمْ لِأَن الله تَعَالَى إِن كَانَ قد علم أَنه سيغفر لِلْفَاسِقِ الملي ويشفع فِيهِ نبيه فَلَيْسَ بملعون عِنْده وَلَا عَدو لَهُ فَأَما إِن كَانَ فِي الْمَعْلُوم أَنه سيعاقبه فَإِن معنى عَدَاوَة الله لَهُ أَنه أَرَادَ عِقَابه على ذَنبه وَهُوَ أَيْضا موَالٍ لَهُ على إيمَانه لِأَنَّهُ مُرِيد لإثباته وَلَيْسَ بمستحيل أَن يُرِيد الله عِقَاب الْفَاسِق فِي وَقت وإثابته فِي وَقت آخر كَمَا أَنه لَيْسَ بمحال أَن يُرِيد الْإِنْسَان عِقَاب وَلَده على ذَنبه فيريد أَيْضا تبجيله وإثابته على عمله الْجَمِيل وَحسن طَاعَته فِيمَا فِيهِ وَإِنَّمَا تمْتَنع وتتضاد الْعَدَاوَة وَالْولَايَة من وَجه وَاحِد وعَلى عمل وَاحِد وَقد

стр. 390

قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا﴾ وَقَالَ ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ وَقد بَينا فِيمَا سلف أَن الْفَاسِق الملي مُؤمن بِمَا يُغني عَن إِعَادَته فَوَجَبَ أَن يكون وليا لله تَعَالَى بإيمانه وَبِمَا مَعَه من طاعاته والتقرب إِلَيْهِ وَقَوله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ فَالْمُرَاد بِهِ إِرَادَته لإثابتهم على إِيمَانهم فِي الْآخِرَة وطاعاتهم لَهُ لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يثيبهم على الْإِيمَان وإرادته أَيْضا إِرَادَة للْحكم عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بِأَحْكَام الْمُؤمنِينَ من المناكحة والموارثة وعيادة مريضهم ودفنهم فِي مَقَابِر الْمُسلمين وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بقوله تَعَالَى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ أَنه رَحِيم بهم فِي كل شَيْء إِلَّا مَا علم أَنه يجازيهم عَلَيْهِ من ذنوبهم فَبَطل مَا قَالُوهُ وَأما الْفَاسِق من الْمُؤمنِينَ فَلَا يجوز أَن يكون معاديا لله بمعصيته مَعَ إِقْرَاره بِوُجُودِهِ وإيمانه بربه وتصديقه لَهُ لِأَن الْعَدَاوَة لله متضمنة للكفر بِهِ وَقد يُمكن أَن يكون الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا تعبدنا بذم الْفَاسِق ولعنه وَجلده وقطعه محنة لَهُ ليثيبه على ذَلِك فِي الْآخِرَة كَمَا أَمر بجلد التائب وقطعه محنة لَهُ ليثيبه على ذَلِك فِي الْمعَاد بل فَلَا جِهَة لَهُم فِي ذمّ الْفَاسِق وَحده فَإِن قَالُوا لَو كَانَ مَعَ الْفَاسِق إِيمَان يسْتَحق بِهِ الثَّوَاب والتعظيم فِي
следующие страницы →