← Акыда

Акыда · id 6389

تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل

الباقلاني

Полный текст (536 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بعض من دَعَاهُ وعرفه وَقَالَ الله ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَلم يرد أَن حكام الْمُسلمين كفار إِذا تركُوا الحكم بِمَا أنزل الله وَإِنَّمَا أَرَادَ بعض من لم يحكم بِمَا أنزل الله وَقَالَ الشَّاعِر (وَمن لَا يذد عَن حَوْضه بسلاحه ... يهدم وَمن لَا يظلم النَّاس يظلم) وَلم يرد أَن كل من لَا يظلم النَّاس يظلم لِأَن الله لَا يظلم النَّاس وَلَا يجوز أَن يظلم وَلَا كل من كَانَ غير ذائد عَن حَوْضه بسلاحه هدم وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فقد بَطل التَّعَلُّق بِظَاهِر هَذِه الْآي مَعَ جَوَاز احتمالها وَكَذَلِكَ الْجَواب إِن تعلقوا بقوله تَعَالَى ﴿وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ وَبِمَا جرى مجْرَاه قيل لَهُم يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بعض الْفجار دون سَائِرهمْ وعورضوا بقوله ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم﴾ وَأعظم الْبر التَّوْحِيد وَالْإِيمَان الَّذِي لَا يحصل الْإِنْسَان بارا مُطيعًا إِلَّا بِوُجُودِهِ وَقيل لَهُم قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ وَلَا أضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَلَيْسَ فِي

стр. 387

الطَّاعَات حَسَنَة أكبر من الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله وتصديق مَا جَاءَ بِهِ من عِنْده وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك وَجب تَفْوِيض أَمر عصاة أهل الْملَّة إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَصْحِيح غفرانه لَهُم وَترك الْقطع بعقابهم وَإِيجَاب القَوْل بِأَنَّهُ لَا يخلد فِي النَّار مِنْهُم أحد وَإِن أدخلها مَعَ أَنا لَو صرنا إِلَى ظَاهر مُقْتَضى الْقُرْآن لوَجَبَ أَن لَا يدْخل النَّار إِلَّا كَافِرًا قَالَ الله ﴿وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ وَقَالَ ﴿فأنذرتكم نَارا تلظى لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ وَقَالَ ﴿وَأما من أُوتِيَ كِتَابه بِشمَالِهِ فَيَقُول يَا لَيْتَني لم أوت كِتَابيه وَلم أدر﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فِي سلسلة ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا فاسلكوه إِنَّه كَانَ لَا يُؤمن بِاللَّه الْعَظِيم﴾ وَقَالَ ﴿وَأَصْحَاب الشمَال مَا أَصْحَاب الشمَال فِي سموم وحميم وظل من يحموم لَا بَارِد وَلَا كريم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَكَانُوا يصرون على الْحِنْث الْعَظِيم﴾ يُرِيد الشّرك ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أئذا متْنا وَكُنَّا تُرَابا وعظاما أئنا لمبعوثون﴾ فَأوجب النَّار لمن يُنكر الْبَعْث وَيكفر بِاللَّه وبرسله وَلَا يُؤمن بهم وَلَيْسَ فِي فساق أهل الْملَّة من هَذَا وَصفه فَإِن لم يجب الْمصير

стр. 388

إِلَى عُمُوم هَذِه الْآيَات لم يجب الْمصير إِلَى عُمُوم الظَّوَاهِر الَّتِي تلوها فصح مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ من جَوَاز الْعَفو عَن فساق أهل ملتنا مَسْأَلَة فَإِن قَالَ قَائِل أفليس الله قد أوجب عَدَاوَة الْفَاسِق والتبرؤ مِنْهُ ولعنه وأمرنا بِأَن لَا تأخذنا رأفة بِهِ وأمرنا بالنكال بِهِ فَقَالَ ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ مَعَ قَوْله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ فَكيف يجوز أَن يكون صَاحب الْكَبِيرَة مُؤمنا وَالْمُؤمن مَرْحُوم وَولي لله تَعَالَى قيل لَهُ لسنا نقُول إِن الْفَاسِق عَدو لله وَلَا إِن الله لَعنه إِلَّا بشريطة أَن يكون فِي معلومه أَنه يعذبه وَأَن يكون أَرَادَ ذَلِك وقصده وَإنَّهُ مَتى لم يكن ذَلِك كَذَلِك وَكَانَ الْمَعْلُوم من حَاله أَنه يثيبه وَيغْفر لَهُ ويشفع فِيهِ نبيه فَإِنَّهُ غير مَلْعُون وَلَا عَدو لله وَلَا مِمَّن حكم بعقابه لِأَن الْعَدَاوَة والبغض من الله إِنَّمَا هِيَ إِرَادَته لعذاب من علم أَنه يعذبه على مَا بَينا فِي بَاب الصِّفَات

стр. 389

وَهَذَا كَمَا تعبدنا بلعن من ظهر مِنْهُ كلمة الْكفْر فِي دَار الْحَرْب وَالْحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عَدو لله بشريطة أَن كَانَ مُعْتَقدًا للكفر وَكَانَ ظَاهره كباطنه وكما أَمر عنْدكُمْ بلعن من أظهر الْفسق وذمه والبراءة مِنْهُ إِذا لم تعلم تَوْبَته بشريطة أَن لَا يكون قد تَابَ وَنَدم وَكَذَلِكَ تعبدنا الله بلعن شُهُود الزِّنَى والبراءة مِنْهُم إِذا اخْتلفت شَهَادَتهم وَقصر عَددهمْ وَالْحكم بفسقهم إِن كَانُوا عِنْد الله كذبه لَا على الْإِطْلَاق وَكَذَلِكَ قر أمرنَا بموالاة من أظهر لنا الْإِيمَان وتوليه بشريطة أَن يكون عِنْد الله مُعْتَقدًا لذَلِك وَإِذا كَانَ هَكَذَا بَطل مَا قُلْتُمْ لِأَن الله تَعَالَى إِن كَانَ قد علم أَنه سيغفر لِلْفَاسِقِ الملي ويشفع فِيهِ نبيه فَلَيْسَ بملعون عِنْده وَلَا عَدو لَهُ فَأَما إِن كَانَ فِي الْمَعْلُوم أَنه سيعاقبه فَإِن معنى عَدَاوَة الله لَهُ أَنه أَرَادَ عِقَابه على ذَنبه وَهُوَ أَيْضا موَالٍ لَهُ على إيمَانه لِأَنَّهُ مُرِيد لإثباته وَلَيْسَ بمستحيل أَن يُرِيد الله عِقَاب الْفَاسِق فِي وَقت وإثابته فِي وَقت آخر كَمَا أَنه لَيْسَ بمحال أَن يُرِيد الْإِنْسَان عِقَاب وَلَده على ذَنبه فيريد أَيْضا تبجيله وإثابته على عمله الْجَمِيل وَحسن طَاعَته فِيمَا فِيهِ وَإِنَّمَا تمْتَنع وتتضاد الْعَدَاوَة وَالْولَايَة من وَجه وَاحِد وعَلى عمل وَاحِد وَقد

стр. 390

قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا﴾ وَقَالَ ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ وَقد بَينا فِيمَا سلف أَن الْفَاسِق الملي مُؤمن بِمَا يُغني عَن إِعَادَته فَوَجَبَ أَن يكون وليا لله تَعَالَى بإيمانه وَبِمَا مَعَه من طاعاته والتقرب إِلَيْهِ وَقَوله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ فَالْمُرَاد بِهِ إِرَادَته لإثابتهم على إِيمَانهم فِي الْآخِرَة وطاعاتهم لَهُ لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يثيبهم على الْإِيمَان وإرادته أَيْضا إِرَادَة للْحكم عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بِأَحْكَام الْمُؤمنِينَ من المناكحة والموارثة وعيادة مريضهم ودفنهم فِي مَقَابِر الْمُسلمين وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بقوله تَعَالَى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ أَنه رَحِيم بهم فِي كل شَيْء إِلَّا مَا علم أَنه يجازيهم عَلَيْهِ من ذنوبهم فَبَطل مَا قَالُوهُ وَأما الْفَاسِق من الْمُؤمنِينَ فَلَا يجوز أَن يكون معاديا لله بمعصيته مَعَ إِقْرَاره بِوُجُودِهِ وإيمانه بربه وتصديقه لَهُ لِأَن الْعَدَاوَة لله متضمنة للكفر بِهِ وَقد يُمكن أَن يكون الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا تعبدنا بذم الْفَاسِق ولعنه وَجلده وقطعه محنة لَهُ ليثيبه على ذَلِك فِي الْآخِرَة كَمَا أَمر بجلد التائب وقطعه محنة لَهُ ليثيبه على ذَلِك فِي الْمعَاد بل فَلَا جِهَة لَهُم فِي ذمّ الْفَاسِق وَحده فَإِن قَالُوا لَو كَانَ مَعَ الْفَاسِق إِيمَان يسْتَحق بِهِ الثَّوَاب والتعظيم فِي

стр. 391

الْآخِرَة لأزال عَنهُ الْحَد فِي الدُّنْيَا فَلَمَّا لم يزل ذَلِك عَنهُ بَطل مَا قُلْتُمْ قيل لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك ثمَّ يُقَال لَهُم وَلَو كَانَ مَعَ التائب الْمُنِيب مَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثَّوَاب فِي الْآخِرَة لَاسْتَحَقَّ بِهِ إِزَالَة الْعقَاب وَالْحُدُود فِي الدُّنْيَا فَلَمَّا كَانَ التائب عندنَا وَعِنْدهم مَقْطُوعًا ومحدودا مَعَ تَوْبَته بَطل أَن يكون من أهل التَّعْظِيم وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة فَإِن قَالُوا إِنَّمَا لم تزل التَّوْبَة قطع التائب وَحده وتعمل فِي إحباطه لأجل أَن قطعه وَإِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِ لَيْسَ بعقاب وإهانة وَإِنَّمَا هُوَ محنة من الله لَهُ وَلَيْسَ يجب أَن تُؤثر التَّوْبَة فِي إِزَالَة المحن الَّتِي لَيست بنكال وَلَا عِقَاب قيل لَهُم وَكَذَلِكَ قطع الْمُؤمن الموحد الْمُصدق لله وَلِرَسُولِهِ لَيْسَ بعقاب وَلَا نكال وَإِنَّمَا هُوَ امتحان من الله وَإِنَّمَا المُرَاد بقوله ﴿نكالا من الله﴾ إِن كَانَا مستحلين للزنى وَمِمَّنْ قد حكم بعقابهما فِي الْآخِرَة فَلذَلِك لم يزل إيمَانه وولايته قطعه وَحده ثمَّ يُقَال لَهُم لَو لم يكن مَعَ الْمُؤمن مَا يسْتَحق بِهِ ثَوابًا فِي الْآخِرَة لبطلت موارثته ومناكحته وَحرمت زيارته وعيادة مريضه وَدَفنه فِي مَقَابِر الْمُسلمين فَلَمَّا لم يزل ذَلِك علمنَا أَنه من أهل الثَّوَاب فِي الْآخِرَة فَإِن قَالُوا جَمِيع هَذَا لَيْسَ يدل على أَن الْمَفْعُول بِهِ مَا وصفتم من أهل الثَّوَاب لِأَن جَمِيع هَذِه الْأَحْكَام تجرى على الْمُنَافِقين وَلَيْسوا بهَا مثابين

стр. 392

قيل لَهُم وَكَذَلِكَ مَدْحنَا للْمُؤْمِنين وتوليهم وَحسن الثَّنَاء عَلَيْهِم لَيْسَ بِثَوَاب لأننا نَفْعل ذَلِك أجمع بالمنافقين مَتى أظهرُوا لنا الْإِيمَان وَلَيْسَ ذَلِك بِثَوَاب وَلَا دلَالَة على حُصُول الثَّوَاب فِي الْآخِرَة وَإِن هم قَالُوا لَو جَازَ أَن نعادي الْفَاسِق ونذمه ونلعنه بشريطة أَن يكون مِمَّن يُعَاقب فِي الْآخِرَة لجَاز أَن يعاديه الله ويلعنه على هَذِه الشريطة يُقَال لَهُم وَلَو جَازَ أَن نلعن نَحن شُهُود الزِّنَى ونبرأ مِنْهُم بشريطة أَن كَانُوا كاذبين لجَاز أَن يلعنهم الله ويعاديهم على هَذِه الشريطة فَإِن لم يجب هَذَا لم يجب مَا قُلْتُمْ وَالسَّبَب المفرق بَين لعننا وعداوتنا بشريطة يجوز أَن تكون وَيجوز أَن لَا تكون وَامْتِنَاع لعن الْبَارِي لَهُم بشريطة لأننا نَحن لَا نعلم عواقب أُمُورهم والباري سُبْحَانَهُ عَالم بذلك فَلم يجز عَلَيْهِ لعنهم والعداوة لَهُم بشريطة وَإِن جَازَ وَصَحَّ ذَلِك فِينَا مَسْأَلَة وَإِن قَالُوا الدَّلِيل على خُلُود الْفَاسِق الملي فِي جَهَنَّم أَنه قد ثَبت أَنه مُسْتَحقّ للعقاب وَثَبت أَن مَا يسْتَحقّهُ من ذَلِك دَائِم كَمَا أَنه مُسْتَحقّ للذم دَائِما مَا لم يتب فَوَجَبَ أَنه غير مثاب يُقَال لَهُم وَمَا أنكرتم أَن يكون الْفَاسِق غير معاقب بالنَّار بِهَذِهِ الْعلَّة

стр. 393

بِعَينهَا لِأَنَّهُ قد ثَبت أَنه مُسْتَحقّ لثواب دَائِم على إيمَانه وطاعته كَمَا أَنه مُسْتَحقّ لمدح دَائِم فَوَجَبَ أَنه غير معاقب بالنَّار فَإِن قَالُوا لَو كَانَ مُسْتَحقّا للثَّواب لم يلعن وَلم يهن فِي الدُّنْيَا ولزالت عَنهُ الْحُدُود قيل لَهُم هَذِه الْحُدُود لَيست بعقاب وَإِنَّمَا هِيَ امتحان ثمَّ يُقَال لَهُم وَلَو لم يسْتَحق الْفَاسِق بِطَاعَتِهِ الثَّوَاب لم يسْتَحق المناكحة والموارثة والدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين فَإِن قَالُوا هَذِه الْأُمُور لَيست بِثَوَاب قيل لَهُم وَالْحُدُود لَيست بعقاب لِأَنَّهَا جَارِيَة على التائب الْوَلِيّ وَكَذَلِكَ ذمنا وبغضنا لَيْسَ بعقاب لِأَنَّهُ جَار على شُهُود الزِّنَى إِذا اخْتلفت شَهَادَتهم وَنقص عَددهمْ وَإِن كَانُوا صَادِقين أبرارا عِنْد الله وَلَا فصل فِي شَيْء من ذَلِك بَاب الْكَلَام فِي الشَّفَاعَة وَمِمَّا يدل على جَوَاز الغفران لعصاة أهل الْملَّة مَا ورد من الْأَخْبَار

стр. 394

الثَّابِتَة المتظاهرة فِي إِثْبَات شَفَاعَة الرَّسُول ﷺ وَآله فِي أهل الْكَبَائِر نَحْو قَوْله ﷺ (ادخرت شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي) وَقد روى خبر الشَّفَاعَة عَن النَّبِي ﷺ وَآله عدَّة مِنْهُم أنس بن مَالك وَجَابِر بن عبد الله وَرَوَاهُ حُذَيْفَة عَن أبي بكر الصّديق ﵁ عَن النَّبِي ﷺ وروى معبد بن هِلَال وثابت الْبنانِيّ ذَلِك فِي خبر طَوِيل عَن أنس بن مَالك وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ وَآله وَسلم قَالَ أنس بن مَالك سَمِعت مُحَمَّدًا ﷺ وَآله

стр. 395

وَسلم يَقُول (إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة ماج النَّاس بَعضهم فِي بعض فَيُؤتى آدم فَيُقَال لَهُ يَا آدم اشفع فِي ذريتك فَيَقُول لست لَهَا وَلَكِن عَلَيْكُم بإبراهيم فَإِنَّهُ خَلِيل الرَّحْمَن فَيُؤتى إِبْرَاهِيم فَيُقَال لَهُ مثل ذَلِك فَيَقُول لست لَهَا وَلَكِن عَلَيْكُم بمُوسَى فَإِنَّهُ كليم الرَّحْمَن فَيُؤتى مُوسَى فَيَقُول لست لَهَا وَلَكِن عَلَيْكُم بِعِيسَى فَإِنَّهُ روح الله وكلمته قَالَ فَيُؤتى عِيسَى فَيَقُول لست لَهَا وَلَكِن عَلَيْكُم بِمُحَمد فأوتى فَأَقُول أَنا لَهَا فأنطلق فَأَسْتَأْذِن على رَبِّي فَيُؤذن لي عَلَيْهِ فأقوم بَين يَدَيْهِ فيلهمني محامده فأحمده بِتِلْكَ المحامد ثمَّ أخر سَاجِدا فَيُقَال لي يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل تسمع وسل تعط وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب أمتِي أمتِي فَيُقَال لي انْطلق فَمن كَانَ فِي قلبه إِمَّا قَالَ مِثْقَال ذرة أَو مِثْقَال شعيرَة من إِيمَان فَأخْرجهُ مِنْهَا قَالَ فَأخْرجهُ ثمَّ أَعُود فأحمده بِتِلْكَ المحامد وَأخر سَاجِدا فَيُقَال لي يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل تسمع وسل تعط وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب أمتِي أمتِي فَيُقَال لي انْطلق فَمن كَانَ فِي قلبه مِثْقَال خردلة من إِيمَان فَأخْرجهُ مِنْهَا قَالَ فأنطلق فأفعل ذَلِك ثمَّ أَحْمَده بِتِلْكَ المحامد ثمَّ أخر سَاجِدا فَيُقَال لي يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل تسمع وسل تعطه وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب أمتِي أمتِي فَيُقَال انْطلق فَمن كَانَ فِي قلبه

стр. 396

أدنى من مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من إِيمَان فَأخْرجهُ من النَّار ثَلَاث مَرَّات) وَزَاد الْحسن الْبَصْرِيّ فِي هَذِه الرِّوَايَة عَن أنس ابْن مَالك وَثَلَاثَة وَعشْرين رجلا قَالَ حَدثنِي أنس أَنه قَالَ فأقوم الرَّابِعَة فأحمده بِتِلْكَ المحامد ثمَّ أخر سَاجِدا قَالَ فَيُقَال لي ارْفَعْ رَأسك وَقل تسمع وسل تعطه وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب ائْذَنْ لي فِيمَن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله فَيُقَال لي لَيْسَ لَك ذَلِك وَلَكِن وَعِزَّتِي وكبريائي وعظمتي لأخْرجَن مِنْهَا من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْأَخْبَار فِي الشَّفَاعَة أَكثر من أَن يُؤْتى عَلَيْهَا وَهِي كلهَا متواترة متوافية على خُرُوج الْمُوَحِّدين من النَّار بشفاعة الرَّسُول ﷺ وَآله وَإِن اخْتلفت ألفاظها فَفِي بَعْضهَا أَنهم يخرجُون بعد مَا امتحشوا فِيهِ وصاروا فحما وَفِي خبر أَنهم يخرجُون مِنْهَا ضبائر ضبائر فيلقون فِي نهر الْحَيَاة فينبتون كَمَا تنْبت الطراثيث والحبة فِي جميل السَّيْل وَأَنَّهُمْ يدْخلُونَ الْجنَّة مَكْتُوبًا على جباههم الجنميون

стр. 397

وَفِي خبر آخر عُتَقَاء الله من النَّار وَأَن آخر من يخرج من النَّار رجل يَقُول فِي النَّار يَا حنان يَا منان وَقد أطبق سلف الْأمة على تَسْلِيم هَذِه الرِّوَايَة وصحتها مَعَ ظُهُورهَا وانتشارها وَالْعلم بِأَنَّهَا مروية من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَو كَانَت مِمَّا لم تقم الْحجَّة بهَا لطعن طَاعن فِيهَا بِدفع الْعقل والسمع لَهَا على مَا يَقُوله الْمُعْتَزلَة ولكانت الصَّحَابَة أعلم بذلك وَأَشد تسرعا إِلَى إنكارها وَلَو كَانُوا قد فعلوا ذَلِك أَو بَعضهم لظهر ذَلِك وانتشر ولتوفرت الدَّوَاعِي على إذاعته وإبدائه حَتَّى ينْقل نقل مثله وَيحل الْعلم بِهِ مَحل الْعلم بِخَبَر الشَّفَاعَة لِأَن هَذِه الْعَادة ثابته فِي الْأَخْبَار وَفِي الْعلم بِفساد ذَلِك دَلِيل على ثُبُوت خبر الشَّفَاعَة وَبطلَان قَول الْمُعْتَزلَة إِن الغفران بَاطِل بِالْعقلِ وَمُوجب لتكذيب السّمع وَغير ذَلِك مِمَّا يَدعُونَهُ مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا هَذِه الْأَحَادِيث مُعَارضَة بِمِثْلِهَا فروى الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لَا تنَال شَفَاعَتِي أهل الْكَبَائِر من أمتِي) فَوَجَبَ إطراحها يُقَال لَهُم هَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكرتموها غير مَعْرُوفَة وَلَا ثَابِتَة عِنْد أهل النَّقْل فَلَا يجب أَن يدْفع بهَا مَا قد علمنَا نَحن وَأَنْتُم أَنه مَرْوِيّ

стр. 398

ثمَّ يُقَال لَهُم لَو سلمت روايتكم لوَجَبَ حملهَا مَعَ الْأَخْبَار الَّتِي رويناها على ضرب من الْبناء والتأويل حَتَّى لَا يدْفع من السّنَن شَيْء يُمكن اسْتِعْمَالهَا وتصحيحها كَمَا يصنع ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَذَا يَوْم لَا ينطقون﴾ وَقَوله ﴿وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون﴾ فَنَقُول قَوْله لَا تنَال شَفَاعَتِي أهل الْكَبَائِر من أمتِي أَرَادَ بذلك أَن كَانَت الْكَبَائِر الْوَاقِعَة مِنْهُم ردة بعد إِسْلَام أَو كفرا بعد إِيمَان بِدلَالَة الْأَخْبَار الْأُخَر الَّتِي فِيهَا إِخْرَاج أهل الْإِيمَان بِشَفَاعَتِهِ فَلَا يكون لذَلِك مُعَارضا فَإِن قَالُوا قَوْله لَا تنَال شَفَاعَتِي أهل الْكَبَائِر من أمتِي يمْنَع تأويلكم هَذَا لِأَنَّهُ حكم بِأَنَّهُم من أمته وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنهم قوم مُسلمُونَ قيل لَهُم يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بقوله أمتِي الَّذين كَانُوا من أمتِي ثمَّ ارْتَدُّوا وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ أهل قَرْني وعصري الَّذين بعثت فيهم فَلَا تعلق لَهُم فِي ذَلِك

стр. 399

مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا أفليس قد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ وَآله أَنه قَالَ (من تحسى سما فَقتل نَفسه فَهُوَ يتحساه فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا) وَرُوِيَ مثله فِيمَن قتل نَفسه بحديدة وَمن تردى من جبل وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ (لَا يدْخل الْجنَّة مدمن خمر وَلَا عَاق لوَالِديهِ) وَهَذِه الْأَخْبَار مُعَارضَة لأخبار الشَّفَاعَة قيل لَهُم لَو ثبتَتْ هَذِه الْأَخْبَار كثبوت خبر الشَّفَاعَة لم تكن متعارضة بل يجب أَن يكون قَوْله من تحسى سما فَقتل نَفسه وَمن أدمن الْخمر وَمن عق وَالِديهِ وتردى من جبل وَقتل نَفسه بحديدة ينْصَرف إِلَى من فعل ذَلِك أجمع على وَجه الاستحلال وَتَكْذيب الْخَبَر والتوقيف على تَحْرِيمه لِأَن ذَلِك لَا يَقع على جِهَة التَّكْذِيب مِمَّن يسْتَحق الشَّفَاعَة مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا أفليس الرَّسُول ﷺ عنْدكُمْ لَا يشفع إِلَّا فِي مُؤمن وَقد وَردت الرِّوَايَات بِأَن السَّارِق لَا يسرق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن فَكيف

стр. 400

يشفع الرَّسُول ﷺ وَآله فِيمَن لَيْسَ بِمُؤْمِن وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ (لَيْسَ منا من بَات بطينا وجاره خميص وَمن غَشنَا فَلَيْسَ منا) فَكيف تحصل الشَّفَاعَة لمن لَيْسَ من أهل مِلَّته يُقَال لَهُم هَذِه الْأَخْبَار أَيْضا مُحْتَملَة لوجوه إِذا صرفت إِلَيْهَا لم تكن مُعَارضَة لخَبر الشَّفَاعَة فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن) إِذا فعلا ذَلِك مستحلين للزنى وَالسَّرِقَة ومكذبين بتحريمهما وَلَا شَفَاعَة لمن زنى مستحلا لذَلِك وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك أَنه لَيْسَ بِمُؤْمِن كالمؤمن الَّذِي لم يكن مِنْهُ زنى وَلَا سَرقَة فِي الْبر وَالطَّهَارَة والسلامة من الذُّنُوب وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك إِنَّمَا خرج على مَذْهَب التَّغْلِيظ وَالْمُبَالغَة فِي الزّجر على سَبِيل قَوْله (لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد) وَكَذَلِكَ قَوْله (من غَشنَا فَلَيْسَ منا) و (لَيْسَ منا من بَات بطينا وجاره خميصا)

стр. 401

وَإِذا حملت هَذِه الْأَخْبَار على هَذَا التَّأْوِيل بَطل التَّعَارُض وَقد روى أَبُو الدَّرْدَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة) قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله وَإِن زنى وَإِن سرق وَأَنه ردد ذَلِك عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ لَهُ فِي الثَّانِيَة أَو الثَّالِثَة نعم وَإِن رغم أنف أبي الدَّرْدَاء) وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَجب حمل هَذِه الْأَخْبَار على الْبناء وَالتَّرْتِيب كَمَا يجب ذَلِك فِي آي الْقُرْآن المتعارضة الظَّوَاهِر فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾ قيل لَهُم مَعْنَاهُ وَلَا يشفعون إِلَّا لمن رَضِي الله سُبْحَانَهُ أَن يشفعوا وَأذن فِيهِ وَلم يرد بذلك أَنهم لَا يشفعون إِلَّا لمن رَضِي عمله لِأَن من رَضِي الله سَائِر عمله لَا يحْتَاج إِلَى الشَّفَاعَة وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون أَرَادَ أَنهم لَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى عمله الَّذِي هُوَ غير ذَنبه الَّذِي يسْتَوْجب بِهِ الْعقَاب فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يشفعون إِلَّا لمن مَعَه عمل مرتضى وَالْفَاسِق مَعَه طاعات وبر وَقرب وتصديق وتوحيد وَذَلِكَ أجمع مرتضى مِنْهُ وَإِنَّمَا تدل هَذِه الْآيَة على أَنه لَا شَفَاعَة لكَافِر لِأَن الْكَافِر لَا طَاعَة مَعَه

стр. 402

مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿مَا للظالمين من حميم وَلَا شَفِيع يطاع﴾ قيل لَهُم معنى ذَلِك أَنه لَا شَفَاعَة للظالمين بالْكفْر والشرك الَّذين لَا طَاعَة مَعَهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ وَلم يرد أهل التَّوْحِيد كَمَا أَنه لم يرد عنْدكُمْ أهل الصَّغَائِر الْوَاقِعَة مِنْهُم مَعَ مجانبة الْكَبَائِر فَلَا تعلق لَهُم فِي ذَلِك مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿لَا يفتر عَنْهُم وهم فِيهِ مبلسون﴾ و ﴿وَلَا يُخَفف عَنْهُم من عَذَابهَا﴾ و ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ قيل لَهُم جَمِيع هَذِه الْآيَات وَمَا كَانَ بمعناها يُرَاد بهَا أهل الْكفْر والجحد والتكذيب وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين﴾ لِأَن الله تَعَالَى خبر عَنْهُم أَنهم قَالُوا ﴿لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدّين﴾ وَلم يعن بِهَذَا الْوَعيد أحدا من أهل الْإِسْلَام والتصديق

стр. 403

مَسْأَلَة فَإِن قَالَ قَائِل مِنْهُم مَا أنكرتم أَن تكون شَفَاعَة الرَّسُول ﷺ وشفاعة الْمَلَائِكَة مُسْتَحقَّة للْمُؤْمِنين على وَجه الثَّوَاب لَهُم وَالْجَزَاء على أَعْمَالهم وطاعاتهم وتوبتهم لِأَن الله تَعَالَى أخبر بذلك فَقَالَ الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله يسبحون بِحَمْد رَبهم ويؤمنون بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذين آمنُوا رَبنَا وسعت كل شَيْء رَحْمَة وعلما فَاغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك وقهم عَذَاب الْجَحِيم رَبنَا وادخلهم جنَّات عدن الَّتِي وعدتهم وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم وذرياتهم فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن ذَلِك على وَجه الثَّوَاب لَهُم يُقَال لَهُم مَتى أخبر الله سُبْحَانَهُ بذلك وَلَيْسَ فِي الْآيَة أَكثر من أَن الْمَلَائِكَة يَسْتَغْفِرُونَ لَهُم فَقَط ثمَّ يُقَال لَهُم لَو كَانَ اسْتِغْفَار الرَّسُول وَالْمَلَائِكَة وشفاعتهم إِلَى الله سُبْحَانَهُ ثَوابًا على أَعْمَالهم وَالرَّسُول وَالْمَلَائِكَة هم الفاعلون الْخَالِقُونَ لكلامهم وطلبهم وشفاعتهم عنْدكُمْ لكانوا هم المثيبين للْمُؤْمِنين التائبين بِهَذِهِ الشَّفَاعَة لِأَن فَاعل الثَّوَاب مثيب كَمَا أَن فَاعل الْعقَاب معاقب وفاعل الْأَلَم والتفضل مؤلم متفضل فَلَمَّا أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة لَا يثيبون الطائعين لله على طاعاتهم لَهُ سُبْحَانَهُ وَأَن الله هُوَ

стр. 404

المثيب على ذَلِك دون كل أحد بَطل مَا توهمتم ثمَّ يُقَال لَهُم لَو سلمنَا لكم أَن الشَّفَاعَة مُسْتَحقَّة بِالْإِيمَان لم يدل ذَلِك على أَنَّهَا لَيست بشفاعة فِي غفران الذُّنُوب لِأَن الْإِيمَان بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَالتَّوْبَة من الْكفْر يسْتَحق بِهِ الثَّوَاب عنْدكُمْ فَيجوز أَيْضا أَن يسْتَحق بِهِ شَفَاعَة النَّبِي ﷺ فِي ذنوبهم الَّتِي قارنت الْإِيمَان فَمَا الَّذِي يدْفع ذَلِك فَإِن قَالُوا لِأَنَّهُ أخبر عَنْهُم أَنهم يَقُولُونَ ﴿فَاغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك﴾ والمصر لَيْسَ بتائب قيل لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون أَرَادَ بقوله للَّذين تَابُوا من كفرهم وطعنهم على النَّبِيين وَدين الْمُسلمين وَاتبعُوا سَبيله سُبْحَانَهُ واعتقدوا توحيده وتصديق رسله وَالْإِقْرَار بِمَا جَاءَ من عِنْده فَهَل تَجِدُونَ لهَذَا مدفعا وَلَو كَانَت الْمَلَائِكَة لَا تشفع إِلَّا لمُؤْمِن تَقِيّ تائب مقلع متنسك لَا سَبِيل وَلَا حجَّة عَلَيْهِ لم يكن لشفاعتها معنى إِلَّا الرَّغْبَة إِلَى الله فِي أَن لَا يَظْلمه وَلَا يجوز عَلَيْهِ وَلَا يسفه بعقابه لِأَن عِقَاب من هَذِه سَبيله ظلم وسفه على أصولهم والأنبياء وَالْمَلَائِكَة أجل عِنْد الله وَأعظم قدرا من أَن ترغب إِلَيْهِ فِي أَن لَا يظلم عباده وَلَا يجوز فِي حكمه وَيُمكن أَيْضا على أصولنا أَن يكون معنى قَوْله فَاغْفِر للَّذين

стр. 405

تَابُوا) أَي تفضل عَلَيْهِم بِقبُول تَوْبَتهمْ فَاغْفِر لَهُم لِأَن قبُول التَّوْبَة تفضل من الله لَهُ أَن يَفْعَله وَله أَن لَا يَفْعَله وَهَذَا التَّأْوِيل غير مطرد على أصُول الْمُعْتَزلَة لِأَنَّهَا توجب قبُول التَّوْبَة على الله وتظلمه وتجوزه فِي ردهَا وَترك قبُولهَا وَالْعِقَاب على مَا هِيَ توبه مِنْهُ فَلَا يسوغ لَهُم مَعَ ذَلِك مثل تأويلنا فصل وَقد افْتَرَقت الْمُعْتَزلَة فريقين فَأنْكر فريق مِنْهُم الشَّفَاعَة جملَة وَحمل نَفسه على جحد الْأَخْبَار ورد الْقُرْآن وَقَالَ الْفَرِيق الآخر إِن للأنبياء وَالْمَلَائِكَة شَفَاعَة إِلَّا أَنَّهَا تشفع لثَلَاثَة فرق من النَّاس الْمُؤمنِينَ ففريق من أهل الشَّفَاعَة هم أَصْحَاب الصَّغَائِر الَّذين واقعوها مَعَ مجانبة الْكَبَائِر والفريق الآخر أَصْحَاب الْكَبَائِر الَّذين تَابُوا مِنْهَا وندموا عَلَيْهَا والفريق الآخر هم الْمُؤْمِنُونَ الَّذين لَا ذَنْب لَهُم أصلا فَتكون شَفَاعَة الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة فيهم شَفَاعَة فِي الزِّيَادَة لَهُم من النَّعيم على قدر مَا يسْتَحقُّونَ بأعمالهم فَأَما الشَّفَاعَة فِي صَاحب كَبِيرَة إِذا مَاتَ مصرا عَلَيْهَا فَإِنَّهَا بَاطِلَة فَيُقَال لَهُم أما الشَّفَاعَة لِلْفَرِيقَيْنِ الْأَوَّلين لَا معنى لَهَا لِأَنَّهَا شَفَاعَة إِلَى الله فِي أَن لَا يظلم وَلَا يجور على عباده بعقاب غير مُسْتَحقّ

стр. 406

لِأَن صَاحب الصَّغِيرَة غير مُسْتَحقّ للعذاب إِذا فعلهَا مَعَ مجانبة الْكَبَائِر عنْدكُمْ وعَلى أصولكم وَكَذَلِكَ التائب من الْكَبِيرَة قد أَزَال عَن نَفسه الْعقَاب بتوبته وَصَارَ عِقَابه عَلَيْهَا مَعَ التَّوْبَة ظلما قبيحا فَلَا معنى للشفاعة فِيمَن هَذِه حَاله فَأَما الشَّفَاعَة للسالم من كل الذُّنُوب فِي أَن يُزَاد على قدر مَا يسْتَحقّهُ فَإِنَّهَا خلاف الشَّفَاعَة المروية عَن النَّبِي وَلِأَن ذَلِك لم يذكر فِي شَيْء من الْأَخْبَار وَكَذَلِكَ هِيَ مُخَالفَة لِلْقُرْآنِ لِأَن الشَّفَاعَة الَّتِي ذكرهَا الله سُبْحَانَهُ عَن الْمَلَائِكَة إِنَّمَا هِيَ شَفَاعَة فِي الغفران للَّذين تَابُوا من الْكفْر وَالظُّلم لِأَن يقيهم السَّيِّئَات وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الزِّيَادَة فِي النَّعيم وَلَوْلَا العناد والميل إِلَى سَبِيل الضَّالّين ووساوس المردة وَالشَّيَاطِين لم يعدلُوا عَن إِثْبَات الشَّفَاعَة الْمَذْكُورَة فِي نَص الْكتاب والمأثورة فِي الْأَخْبَار إِلَى الترهات وَطَرِيق التأويلات وتلفيق الْجَهْل والضلالات وَيُقَال لَهُم لَيْسَ الْكَلَام بَين الْأمة فِي الزِّيَادَة على قدر الثَّوَاب وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي الشَّفَاعَة الَّتِي جَاءَت بهَا الْأَخْبَار وَالْقُرْآن فَهَل لَهَا عنْدكُمْ معنى أم لَا فَإِن قَالُوا لَا صَارُوا إِلَى جحد الْقُرْآن وَالرِّوَايَات وسألناهم على حد مَا تقدم

стр. 407

وَإِن أثبتوها وتأولوها على بعض مَا تقدم كلمناهم بِمَا سلف وَلَا جَوَاب لَهُم عَن شَيْء مِنْهُ مَسْأَلَة لَهُم هَذَا الْبَاب فَإِن قَالُوا خبرونا عَمَّن حلف بِالطَّلَاق أَنه يعْمل عملا ينَال بِهِ شَفَاعَة الرَّسُول ﷺ مَا الَّذِي يجب عَلَيْهِ أَن يعْمل أتأمرونه بِعَمَل الْمعاصِي أَو بِمَاذَا تأمرونه يُقَال لَهُم لَا بل نأمره أَن يُطِيع الله سُبْحَانَهُ حَتَّى ينَال شَفَاعَة الرَّسُول ﷺ فِي الزِّيَادَة على قدر عمله على مَا ارتضيتموه فِي أَقسَام الشَّفَاعَة وَفِي ذَلِك سُقُوط سؤالكم وَكَذَلِكَ الْجَواب إِن قَالُوا حلف أَن يعْمل عملا يصير بِهِ من أهل الشَّفَاعَة ثمَّ يُقَال لَهُم الَّذِي يجب عندنَا على هَذَا الْإِنْسَان أَن يستديم الْإِيمَان ويتمسك بِفعل الْخَيْر والطاعات لِأَنَّهُ بذلك عندنَا ينَال الشَّفَاعَة دون ذنُوبه لِأَن لَهُ أذْنب وَلم يتب مَعَ ذَلِك ويؤمن لم ينل الشَّفَاعَة فَالَّذِي بِهِ تثبت لَهُ الشَّفَاعَة بره وإيمانه كَمَا أَن الَّذِي بِهِ تثبت لزيد شَفَاعَة صديقه ووليه إِنَّمَا هُوَ صداقته وسالف الْجَمِيل مِنْهُ وَلَيْسَ هُوَ نفس الذَّنب وَالْجِنَايَة عَلَيْهِ وَهَذَا مَعْلُوم بِمَا يُغني عَن الْحجَّاج والإكثار

стр. 408

مَسْأَلَة وَإِن سَأَلُوا عَمَّن حلف أَنه يفعل مَا يسْتَحق أَو يسْتَوْجب بِهِ شَفَاعَة النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ إِن عَنى بِالِاسْتِحْقَاقِ والاستيجاب النّيل لَهَا والكون من أَهلهَا أمرناه بِمَا سلف من طَاعَة الله وَإِن عَنى بِهِ الِاسْتِحْقَاق على الله أَو على رَسُوله واعتقد ذَلِك فَلَا مخرج لَهُ عَن يَمِينه لقِيَام الدّلَالَة على أَنه لَا يجوز أَن يسْتَحق على الله وَلَا على رَسُوله وَمَلَائِكَته الشَّفَاعَة بِشَيْء من الْأَعْمَال مَسْأَلَة وَإِن قَالُوا فَمَا تَقولُونَ فِيمَن حلف أَن يفعل فعلا يجوز أَن يشفع لَهُ فِيمَا اسْتحق عَلَيْهِ من الْعقَاب قيل لَهُم هَذَا لَا نأمره بِشَيْء من معاصي الله تَعَالَى فَإِن ابْتُلِيَ بِشَيْء من ذَلِك فقد زَالَ عَنهُ حكم الْيَمين كَمَا أَنكُمْ لَا تأمرونه بِفعل الصَّغِير من الذُّنُوب فَإِن ابْتُلِيَ بِشَيْء من ذَلِك زَالَ عَنهُ حكم الْيَمين ثمَّ يُقَال لَهُم فَمَا تَقولُونَ أَنْتُم فِيمَن أحب أَن يكون من التوابين والمستغفرين لما سمع الله يثني على التوابين والمستغفرين فَحلف أَن يعْمل عملا تصح تَوْبَته واستغفاره مِنْهُ فَإِن قَالُوا نأمره بِفعل الْخَيْر وَالْبر

стр. 409

قيل لَهُم وَكَيف تصح تَوْبَته واستغفاره من فعل الْخَيْر وتقربه بالندم عَلَيْهِ وَهَذَا مَا لَا يَقُوله مُسلم وَإِن قَالُوا نأمره بِفعل بعض معاصي الله سُبْحَانَهُ خَرجُوا من الْإِجْمَاع واستجازوا مَا حظره الله لِأَن الْأَمر بالعصيان عصيان وَإِن قَالُوا لَا نأمره بِفعل الْمعْصِيَة لَكِن إِن ابْتُلِيَ بِشَيْء من ذَلِك قُلْنَا لَهُ قد فعلت مَا يَصح استغفارك وتوبتك مِنْهُ وَزَالَ حكم الْيَمين عَنْك أجِيبُوا بِمثل ذَلِك فِيمَا سألونا عَنهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق بَاب الْكَلَام فِي الْإِمَامَة وَذكر جمل من أَحْكَام الْأَخْبَار وَمِمَّا يدل على فَسَاد النَّص وَصِحَّة الِاخْتِيَار قَالَ أدام الله تأييده قد كُنَّا أملينا مُخْتَصرا فِي الْإِمَامَة جَعَلْنَاهُ

стр. 410

مدخلًا إِلَى كتاب مَنَاقِب الْأَئِمَّة وَنقض المطاعن على سلف الْأمة اختصرنا

стр. 411

الْعبارَة فِيهِ وأوضحنا مَعَانِيه وَلم يخل بِمَعْنى يحْتَاج إِلَيْهِ فِي فُصُول مِنْهُ فَرَأَيْنَا أَن ننقل تِلْكَ الْفُصُول على وَجههَا إِلَى هَذَا الْكتاب ونزيد فِي بَعْضهَا وننقص من بعض طلبا لسرعة الْفَرَاغ من ملتمس أَطَالَ الله بَقَاءَهُ فَنَقُول إِن أصل هَذَا الْبَاب الَّذِي بمعرفته يتَوَصَّل إِلَى علم الصَّوَاب مِنْهُ هُوَ الْوُقُوف على جملَة أَقسَام الْأَخْبَار وَمَا يُوجب الْعلم مِنْهَا اضطرارا وَمَا يقْتَصر عَن ذَلِك مِمَّا يعلم نظرا واستدلالا وَلَا سَبِيل إِلَى الْعلم بِصِحَّتِهِ مِمَّا يُمكن أَن يكون صدقا وَيُمكن أَن يكون كذبا وَمَا يُوجب الْعَمَل دون الْعلم من هَذِه الْأَخْبَار وَمَا قد قطع الدَّلِيل على بُطْلَانه وَكذب ناقليه مِنْهَا بَاب القَوْل فِي معنى الْخَبَر إِن قَالَ قَائِل مَا معنى وصفكم للشَّيْء بِأَنَّهُ خبر قيل لَهُ معنى ذَلِك أَنه مَا يَصح أَن يدْخلهُ الصدْق أَو الْكَذِب

стр. 412

لِأَنَّهُ مَتى أمكن دُخُول الصدْق أَو الْكَذِب فِيهِ كَانَ خَبرا وَمَتى لم يُمكن ذَلِك فِيهِ خرج عَن أَن يكون خَبرا وَبِهَذَا الِاخْتِصَاص فَارق الْخَبَر مَا لَيْسَ بِخَبَر من الْكَلَام وَسَائِر الذوات الَّتِي لَيست بِخَبَر بَاب الْكَلَام فِي أَقسَام الْأَخْبَار فَإِن قَالَ قَائِل فعلى كم وَجه تَنْقَسِم الْأَخْبَار قيل لَهُ على ثَلَاثَة أضْرب فَضرب مِنْهَا خبر عَن وَاجِب وَهُوَ كل خبر عَن أَمر ثَابت قَضَت الضرورات ودرك الْحَواس على إثابته وَقَامَت الْأَدِلَّة على ذَلِك من أمره نَحْو الْخَبَر عَن حُضُور مَا ندركه ونشاهده بحواسنا وَالْخَبَر عَن امْتنَاع اجْتِمَاع الضدين وَكَون الْجِسْم فِي مكانين مَعًا وأمثال ذَلِك مِمَّا يعلم فَسَاده بضرورات الْعُقُول وَالْخَبَر عَن حدث الْعَالم وَإِثْبَات محدثه وَأَنه على مَا يجب كَونه عَلَيْهِ من صِفَات وَصِحَّة أَعْلَام رسله وَمَا جرى مجْرى ذَلِك من كل أَمر ثَبت الْعلم بِصِحَّتِهِ اسْتِدْلَالا ونظرا وَهَذَا مَا لَا يَقع أبدا إِلَّا صدقا من قديم ومحدث وَمُؤمن وَكَافِر وَعدل وفاسق وَجَمَاعَة وآحاد لثُبُوت مخبره وَصِحَّته وَكَيف تصرفت بالمخبرين عَنهُ الْحَال وَالضَّرْب الثَّانِي خبر عَن محَال مُمْتَنع إِمَّا بقضية الْحَواس

стр. 413

والضرورات أَو بِمَا قَامَ عَلَيْهِ من الْحجَج والدلالات نَحْو الْخَبَر عَن عدم مَا نشاهده وَكَونه على خلاف صفة مَا ندركه عَلَيْهِ وَالْخَبَر عَن قيام الْأَمْوَات وقلب الْعَصَا حيات وانقلاب دجلة ذَهَبا فِي وقتنا هَذَا وَالْخَبَر عَن وجود الضدين فِي مَحل وَاحِد وَكَون الْجِسْم فِي مكانين وَمَا جرى مجْرى ذَلِك من الْمُمْتَنع الْمَعْلُوم بُطْلَانه وإحالته بقضايا الْحَواس وموضوع الْعَادَات وأوائل الْعُقُول والضرورات وَهَذَا الْخَبَر لَا يَقع أبدا إِلَّا كذبا مِمَّن وَقع مِنْهُ لثُبُوت الْعلم بِبُطْلَان مخبره وتناوله لَهُ على غير مَا هُوَ بِهِ وَلَيْسَ يجوز أَن يَقع هَذَا الْخَبَر من الْقَدِيم وَلَا من نَبِي وَلَا مِمَّن خبر نَبِي عَنهُ أَنه لَا يكذب وَلَا من قوم يثبت بهم التَّوَاتُر وَيعلم صدقهم اضطرارا إِذا نقلوا عَن مُشَاهدَة من غير قهر وإجبار وَأَسْبَاب يظْهر عَلَيْهِم الحَدِيث بهَا لِأَن الْكَذِب لَا يجوز على من ذَكرْنَاهُ فِيمَا هَذِه حَاله وَنَحْو الْخَبَر عَن حُدُوث الْقَدِيم وَقدم الْمُحدث وَإِبْطَال المعجزات وَغير ذَلِك مِمَّا يدل الدَّلِيل على ثُبُوته وَأَن الْخَبَر قد تنَاوله على خلاف مَا هُوَ بِهِ وَهَذَا الْخَبَر لَا يَقع أَيْضا من الله وَلَا من رَسُوله وَلَا

стр. 414

مِمَّن أخبر أَنه لَا يكذب فِي خَبره وَقد يجوز أَن يَقع من قوم لَو خبروا عَن مُشَاهدَة لحجوا وَعلم صدقهم ضَرُورَة بِشُبْهَة تدخل عَلَيْهِم لأَنهم غير عَالمين بِمَا خبروا فضلا عَن أَن يَكُونُوا إِلَيْهِ مضطرين وَالضَّرْب الثَّالِث من الْأَخْبَار خبر عَن مُمكن فِي الْعقل كَونه ومجيء التَّعَبُّد بِهِ نَحْو الْإِخْبَار عَن مَجِيء الْمَطَر بِالْبَلَدِ الْفُلَانِيّ وَمَوْت رئيسهم وَرخّص سعرهم وَعَن كَون زيد فِي دَاره وَخُرُوجه عَنْهَا وَنَحْو الْإِخْبَار عَن الرَّسُول ﷺ على إِمَام بعده وعَلى حج وصلوات وعبادات أَكثر من المتعبد بهَا فِي الشَّرِيعَة وأمثال ذَلِك مِمَّا يُمكن أَن يكون صدقا وَيُمكن أَن يكون كذبا وَمَا هَذِه حَاله مَوْقُوف على مَا يُوجب الدَّلِيل من أمره فَإِن قَامَ الدَّلِيل على أَنه صدق قطع بِهِ وَإِن قَامَ على أَنه كذب قطع بِبُطْلَانِهِ وَكذب ناقله وَإِن عدم دَلِيل صِحَّته وَدَلِيل فَسَاده وَجب الْوَقْف فِي أمره وتجويز كَونه صدقا وَكَونه كذبا وَإِذا وَقع الْخَبَر على الْمُمكن كَونه من الله وَمن رَسُوله وَمِمَّنْ أخبر عَنهُ أَنه لَا يكذب فِي خَبره وَمن جمَاعَة أسندوا مَا أخبروا عَنهُ إِلَى مشاهدتهم ليثبت

стр. 415

التَّوَاتُر بمثلهم قطع بصدقهم وَكَذَلِكَ كل خبر عَن جَائِز قَامَ الدَّلِيل على صدق نقلته وَهَذِه جملَة من القَوْل فِي تَفْسِير الْأَخْبَار مقنعة بَاب الْكَلَام فِي إِثْبَات التَّوَاتُر واستحالة الْكَذِب على أَهله إِن قَالَ قَائِل مَا الدَّلِيل على اسْتِحَالَة الْكَذِب على الْعدَد الَّذين يثبت بهم التَّوَاتُر قيل لَهُ مَا قدمنَا عِنْد القَوْل فِي نقل أَعْلَام الرُّسُل وَهُوَ أَن الْعَادة لم تجر باجتماع مثل عدد أهل التَّوَاتُر على نقل كذب عَن مُشَاهدَة وَلَا على كتمان مَا هم عالمون بِهِ من غير ظُهُور الحَدِيث بِهِ بَينهم وَالْإِقْرَار إِذا خلوا بِأَنَّهُم كتموا وتشاعروا لعِلَّة دعتهم إِلَى ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يسْتَمر بهم ترك ذَلِك والخوض فِيهِ والْحَدِيث بِهِ زَمَانا طَويلا أَو الْأَبَد حَتَّى لَا يعلم فِي حَالهم أَنهم قد افتعلوا وَإِن جَازَ ذَلِك على الْوَاحِد والاثنين مِنْهُم كَمَا أَنه لم تجر الْعَادة باجتماع مثلهم على التشويه بِأَنْفسِهِم والتعالج لتشويه وُجُوههم وكشف سوآتهم وعوراتهم وَطَلَاق نِسَائِهِم وَالْخُرُوج

стр. 416

من دِيَارهمْ وشخوص أجمعهم إِلَى بلد كرمان وشيراز وبلد الصين وَاحْتِمَال هول الْبَحْر وَغير ذَلِك من المتاجر والصنائع لما جعلهم الله عَلَيْهِ من تفرق الدَّوَاعِي وَاخْتِلَاف الهمم والأعراض فَمن أَرَادَ أَن يُجِيز الْكَذِب على جَمِيعهم عِنْد الِاجْتِمَاع لجَوَاز ذَلِك على آحادهم عِنْد الِانْفِرَاد فَهُوَ كمن جوز عَلَيْهِم جَمِيع الَّذِي وَصفنَا مَعَ اجْتِمَاعهم لجَوَاز ذَلِك على آحادهم عِنْد الِانْفِرَاد وكل ذَلِك محَال مَعْلُوم امْتِنَاعه وتعذره فِي الْعَالم فَإِن قَالَ قَائِل مَا الدَّلِيل على أَن الْعلم بمخبر خبر من ذكرْتُمْ يَقع اضطرارا قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أننا نجد أَنْفُسنَا عَالِمَة بِمَا يخبرون عَنهُ على حد مَا نجدها عَالِمَة بِمَا تُدْرِكهُ من حواسنا وَمَا نجده من أَنْفُسنَا مِمَّا لَا يمكننا الشَّك فِيهِ وَلِأَنَّهُ قد شاركنا فِي الْعلم بِهِ النِّسَاء والعامة والمتنقصون الَّذين لَيْسُوا من أهل النّظر فَثَبت أَن الْعلم بذلك ضَرُورَة على مَا قُلْنَاهُ

стр. 417

بَاب آخر فِي صِفَات أهل التَّوَاتُر فَإِن قَالَ قَائِل هَل يجب أَن يكون لأهل التَّوَاتُر صِفَات لَا بُد من كَونهم عَلَيْهَا قيل لَهُ أجل فَإِن قَالَ وَمَا هِيَ قيل لَهُ مِنْهَا أَنه يجب أَن يَكُونُوا عَالمين بِمَا ينقلونه علم ضَرُورَة وَاقعا عَن مُشَاهدَة أَو سَماع أَو مخترع فِي النَّفس من غير نظر واستدلال وَإِلَّا لم يَقع الْعلم بخبرهم وَكَذَلِكَ مَا لم يجب أَن يَقع الْعلم بِخَبَر كَافَّة الْمُسلمين لمن خالفهم بِحَدَث الْأَجْسَام وَإِثْبَات صانعها وَكَون الْقُرْآن معجزا وَغير ذَلِك من الْأَخْبَار عَن صِحَة الْأُمُور الْمَعْلُوم ثُبُوتهَا عِنْدهم من جِهَة الِاسْتِدْلَال لِأَن الله تَعَالَى لم يجر الْعَادة بِفعل الْعلم بالمخبر عَنهُ إِذا علمه المخبرون عَنهُ من هَذِه الطَّرِيقَة ولأنا إِنَّمَا نخبر عَن اسْتِدْلَال وَاقع لنا بِهِ الْعلم فَمن عرفه وَاسْتَعْملهُ ورتبه فِي مَوْضِعه عرف من ذَلِك مَا عَرفْنَاهُ وَمن صدف عَنهُ وَأعْرض عَن تَأمله لم يعرف صِحَة مَا عَنهُ خبرنَا وَمن صفاتهم أَن يَكُونُوا عددا يزِيدُونَ على الْوَاحِد والاثنين وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة وكل عدد أمرنَا الله بالاستدلال على صدق الْمخبر بِهِ كالشاهد الْوَاحِد وَمن أمرنَا بِالِاجْتِهَادِ فِي عدالتهم وَتَأمل أَحْوَالهم لِأَنَّهُ لَو علم تَعَالَى أَن

стр. 418

خبر الْوَاحِد يُوجب علم الِاضْطِرَار وَأَنه سيفعل ذَلِك عِنْد خَبره لما أمرنَا بالاستدلال على صدق أَخْبَار الرُّسُل خَاصَّة مَعَ عدالتهم وارتفاع أقدارهم وَشدَّة تنزههم عَن الْكَذِب وتجنبهم لَهُ وَكَذَلِكَ لَو علم أَن الِاثْنَيْنِ أَو الرجل والمرأتين وَالْأَرْبَعَة إِذا شهدُوا بِالزِّنَا وَقع الْعلم بخبرهم إِذا كَانُوا صَادِقين لم يتعبدوا بِالِاجْتِهَادِ فِي عدالتهم وَقبُول شَهَادَتهم إِذا كَانُوا عندنَا على هَذِه الصّفة وردهَا إِذا كَانُوا فساقا لأننا إِنَّمَا نستدل ونجتهد إِذا لم نعلم بِصدق الْمخبر فَأَما إِذا علم صدقهم ضَرُورَة فَلَا وَجه للنَّظَر وَالِاسْتِدْلَال على مَا نَحن إِلَى الْعلم بِصِحَّتِهِ مضطرون فَوَجَبَ أَن من صِفَات أهل التَّوَاتُر تجَاوز عَددهمْ لعدة من أمرنَا بِالِاجْتِهَادِ فِي شَهَادَتهم وَيَكْفِي فِي ذَلِك على أصولنا أَن نقُول وَيجب أَن يَكُونُوا عددا يتجاوزون عدَّة من جرت الْعَادة بألا يعقل الْعلم بِصدق خبرهم ضَرُورَة دون ذكر الْأَرْبَعَة وَالِاجْتِهَاد فِي الْعَدَالَة وَمن صفاتهم أَن يَكُونُوا عددا كل من خبر عَن مُشَاهدَة وَكَانَ فِي الْكَثْرَة وَالْعدَد كهم وَقع الْعلم بخبرهم ضَرُورَة وَمن صفاتهم إِذا كَانُوا خلفاء لسلف ولسلفهم سلف أَن يكون أول خبرهم كآخره ووسط ناقليه كطرفيه فِي أَنهم قوم بهم يثبت التَّوَاتُر وَيَقَع الْعلم بصدقهم إِذا نقلوا عَن مُشَاهدَة

стр. 419

هَذِه الصِّفَات الَّتِي يجب لُزُومهَا لأهل التَّوَاتُر دون مَا يغلط قوم من أهل النّظر بِذكرِهِ من اخْتِلَاف الديانَات والملل وتفرق الأوطان وتباعد الديار وَاخْتِلَاف الْأَنْسَاب وتغاير الْأَسْبَاب وَأَن يَكُونُوا فِي دَار ذلة وَأَن تُؤْخَذ مِنْهُم جِزْيَة إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يذكرُونَهُ من الْأَوْصَاف لِأَنَّهُ قد يَقع الْعلم بِخَبَر أهل مِلَّة وَاحِدَة وَبني أَب وَاحِد وَأهل بقاع متجاورة وبلدة وَاحِدَة وَيَقَع الْعلم بخبرهم وَإِن لم يَكُونُوا فِي دَار ذلة وَلم تُؤْخَذ مِنْهُم جِزْيَة كَمَا وَقع لنا الْعلم الْبلدَانِ وَغَيرهَا من الْأُمُور بِنَقْل من لَيْسَ فِي دَار ذلة وَلَا من يُعْطي الْجِزْيَة بَاب آخر فِي خبر الْوَاحِد فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا معنى وصفكم للْخَبَر بِأَنَّهُ خبر قيل لَهُ أما حَقِيقَة هَذِه الْإِضَافَة فِي اللُّغَة فَإِنَّهُ خبر وَاحِد وَأَن الرَّاوِي لَهُ وَاحِد فَقَط لَا اثْنَان وَلَا أَكثر من ذَلِك غير أَن الْفُقَهَاء والمتكلمين قد تواضعوا على تَسْمِيَة كل خبر قصر عَن إِيجَاب الْعلم بِأَنَّهُ خبر وَاحِد وَسَوَاء عِنْدهم رَوَاهُ الْوَاحِد أَو الْجَمَاعَة الَّتِي تزيد على الْوَاحِد وَهَذَا الْخَبَر لَا يُوجب الْعلم على مَا وصفناه أَولا وَلَكِن يُوجب الْعَمَل

стр. 420

إِن كَانَ ناقله عدلا وَلم يُعَارضهُ مَا هُوَ أقوى مِنْهُ على حد مَا نَذْهَب إِلَيْهِ مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره بَاب الْكَلَام فِي إبِْطَال النَّص وَتَصْحِيح الِاخْتِيَار إِن سَأَلَ سَائل فَقَالَ مَا الدَّلِيل على مَا تذهبون إِلَيْهِ من الِاخْتِيَار للْأمة وَإِبْطَال النَّص على إِمَام بِعَيْنِه قيل لَهُ الدَّلِيل على هَذَا أَنه إِذا فسد النَّص صَحَّ الِاخْتِيَار لِأَن الْأمة متفقة على أَنه لَيْسَ طَرِيق إِثْبَات الْإِمَامَة إِلَّا هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ وَمَتى فسد أَحدهمَا صَحَّ الآخر وَالَّذِي يدل على إبِْطَال النَّص أَنه لَو نَص النَّبِي ﷺ على إِمَام بِعَيْنِه وَفرض طَاعَته على الْأمة دون غَيره وَقَالَ لَهُم هَذَا خليفتي وَالْإِمَام من بعدِي فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا لَكَانَ لَا يَخْلُو أَن يكون قَالَ ذَلِك وفرضه بِمحضر من الصَّحَابَة أَو الْجُمْهُور مِنْهُم أَو بِحَضْرَة الْوَاحِد والاثنين وَمن لَا يُوجب خَبره الْعلم فَإِن كَانَ قد أعلن ذَلِك وأظهره وَقَالَهُ قولا ذائعا فيهم وَجب أَن ينْقل ذَلِك نقل مثله مِمَّا شاع وذاع من نَحْو الصَّلَوَات وَفرض الْحَج وَالصِّيَام وَغَيرهمَا من الْعِبَادَات الَّتِي لَا اخْتِلَاف بَين الْأمة فِي أَنَّهَا مَشْرُوعَة مَفْرُوضَة فِي دين النَّبِي ﷺ وَلَا سِيمَا إِن كَانَ فرض الْإِمَامَة من الْفَرَائِض الْعَامَّة اللَّازِمَة لكل أحد فِي عينه وَكَانَ النَّص من النَّبِي ﷺ أمرا عَظِيما وخطرا جسيما لَا ينكتم مثله وَلَا يسْتَتر عَن النَّاس علمه مَعَ الْعلم بِأَن الْأمة قد نقلت بأسرها تَوْلِيَة النَّبِي ﷺ الإمرة لزيد بن حَارِثَة ولأسامة بن زيد وَعبد الله بن

стр. 421

رَوَاحَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَلأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَعَمْرو بن حزم وَغير هَؤُلَاءِ من أمرائه وقضاته حَتَّى لم يذهب علمه على أحد من أهل الْعلم وَالْأَخْبَار وَالنَّص مِنْهُ على إِمَام على صفة مَا تدعيه الشِّيعَة من التَّصْرِيح والإظهار أعظم وأخطر من تَوْلِيَة الْأُمَرَاء والقضاة وتوفر الدَّوَاعِي على نقلة أَكثر وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَجب لَو كَانَ الْأَمر على مَا قَالُوهُ أَن يغلب نقل النَّص من الكافة على كِتْمَانه وَأَن يظْهر وينقله خلف عَن سلف إِلَى وقتنا هَذَا نقلا شَائِعا ذائعا يكون أول نقلته ووسطهم وَآخرهمْ سَوَاء فِي أَنهم جَمِيعًا حجَّة يجب الْعلم عِنْد

стр. 422

نقلهم وَلَو كَانَ ذَلِك كَذَلِك لوَجَبَ أَن يعلم ضَرُورَة صدق الشِّيعَة فِيمَا نَقله من النَّص وَألا يُوجد لَهُم مُخَالف من الْأمة يُوفي على عَددهمْ يُنكر النَّص ويجحد علمه كَمَا لم يُوجد فِيهَا من يُنكر فرض الصَّلَاة وَالصِّيَام وإمرة أُسَامَة بن زيد وَزيد بن حَارِثَة وَفِي الْعلم بِبُطْلَان هَذَا وَوُجُود أَنْفُسنَا غير مضطرة بِهِ وَلَا عَالِمَة بِهِ وَعلمنَا بِأَن جُمْهُور الْأمة والسواد الْأَعْظَم مِنْهَا يُنكر ذَلِك ويجحده وَيبرأ من الدَّائِن بِهِ ورأينا أَكثر الْقَائِلين بِفضل عَليّ ﵇ من الزيدية ومعتزلة البغاديين وَغَيرهم يُنكر النَّص عَلَيْهِ ويجحده مَعَ تفضيله عليا على غَيره وَزَوَال التُّهْمَة عَنهُ فِي بَابه أوضح دَلِيل على سُقُوط مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وبطلانه فَإِن قَالُوا وَلم قُلْتُمْ إِن مَا هَذِه سَبيله من النَّقْل يُوجب علم الِاضْطِرَار قيل لَهُم قد بَينا ذَلِك فِيمَا قبل بِمَا يغنى عَن رده وَإِذا لم ينْقل خبر الشِّيعَة نقل مثله مِمَّا وَقع شَائِعا ذائعا فِي الأَصْل وَلَا وَجب الْعلم بِهِ كوجوب نظيرة مِمَّا يعم فَرْضه والبلوى بِهِ وَلَا اترفعت الشكوك والشبه فِيهِ كارتفاعها عَن نَظِيره وَمَا جرى مجْرَاه من تأمير النَّبِي ﷺ لمن أمره وَعقد الْقَضَاء لمن عقده بل مَا يَدعُونَهُ فَوق هَذَا الْبَاب وَلَا حصل علم ذَلِك لأكْثر الشِّيعَة والزيدية المفضلين لعَلي ﵇ على غَيره من الْأَئِمَّة والمختصين علما بفضائله ومناقبه والمبرئين من التُّهْمَة فِي بَابه عِنْد الْفَرِيقَيْنِ وَلَا وَجب علمنَا بِمَا قَالُوهُ ضَرُورَة وَلَا حصل أَيْضا علمه لمن لَيْسَ من أَهله مَعَ بَحثه عَنهُ مِمَّن يُخَالف الْأمة كحصول علم الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِمِقْدَار فرض صلواتنا وصيامنا عِنْد تلقيهم لنا وسماعهم لأخبارنا وَجب الْقَضَاء على إبِْطَال خبرهم عَن النَّص بِأَكْثَرَ الْأَدِلَّة

стр. 423

الدَّالَّة على فَسَاد الْأَخْبَار وَهَذَا بَين لمن نصح نَفسه وَإِن كَانَ الرَّسُول ﷺ إِنَّمَا نَص عَلَيْهِ النَّص الَّذِي يَدعُونَهُ بِمحضر من الْوَاحِد والاثنين وَمن يجوز الْكَذِب والسهو عَلَيْهِ وَلم يذع ذَلِك ويشعه فَلَا سَبِيل إِذا لنا إِلَى الْعلم وَالْقطع على أَن النَّبِي ﷺ نَص على رجل بِعَيْنِه وألزم فرض طَاعَته دون غَيره إِذْ كَانَ إِنَّمَا نقل ذَلِك فِي الأَصْل عَن الرَّسُول ﷺ من لَا يجب الْعلم بصدقه وَمن يجوز دُخُول الْغَلَط والسهو عَلَيْهِ وَكُنَّا نَحن وَأَنْتُم قد اتفقنا على أَن أَخْبَار الْآحَاد لَا توجب علم الِاضْطِرَار وَإِن كَانَ الآخذون عَنْهُم مِمَّن عَددهمْ كعدد الْقطر والرمل فَلم يقارن أَيْضا خبر ذَلِك الْوَاحِد عَن النَّبِي ﷺ مَا يدل على صدقه بِأَن يخبر الله تَعَالَى عَن ذَلِك الْوَاحِد فِي نَص كِتَابه أَنه لَا يكذب فِي شَيْء من أخباره أَو يخبر بذلك الرَّسُول ﷺ من أمره أَو تجمع الْأمة على تلقي خَبره بِالْقبُولِ والمصير إِلَى الْعلم بِمُوجبِه وَالْقطع عَلَيْهِ وَلَا كَانَت الْعُقُول دَالَّة على وجوب النَّص من الله وَرَسُوله على ذَلِك الرجل بِعَيْنِه ومقتضية لصدق المخبرين عَن النَّص عَلَيْهِ وَلَا ادّعى ذَلِك الْوَاحِد والآحاد على سَائِر الْأمة أَو على من لَا يجوز عَلَيْهِ فِيهَا الْكَذِب والافتعال والإمساك عَن إِنْكَار كذب يدعى عَلَيْهِم أَنهم حَضَرُوا نَص النَّبِي ﷺ على من ادعِي النَّص عَلَيْهِ وسمعوه كَمَا سَمعه فَإِذا قد عري خبر الْوَاحِد عَن النَّص عَن كل شَيْء يدل على صدق أَخْبَار الْآحَاد فَوَجَبَ أَلا نقطع بذلك وَلَا نصير إِلَى علمه بِخَبَر الْوَاحِد وعَلى أَنه لَو كَانَ النَّص قد رَوَاهُ وَاحِد وآحاد عَن النَّبِي ﷺ فِي صدر الْأمة وَادّعى مَعَ روايتهم حضورهم لَهُ وسماعهم فَالْوَاجِب أَن يَقع لنا الْعلم ضَرُورَة بِأَن هَذَا الْأَمر الخطير والشأن الْعَظِيم قد ادَّعَاهُ وَرَوَاهُ راو فِي صدر الْإِسْلَام وَأَنه قد اسْتشْهد عَلَيْهِ وأيده بِدَعْوَاهُ حُضُور الْقَوْم لَهُ وسماعهم إِيَّاه لِأَن توفر الدَّوَاعِي على نقل ذَلِك لَو كَانَ صَحِيحا أَشد من توفرها على نقل خلاف الْأَنْصَار فِي الْإِمَامَة وَقَول قَائِلهَا أَنا جذيلها المحكك وعذيقها

стр. 424

المرجب وَنقل رِوَايَة من روى قَول النَّبِي ﷺ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) وَأَن مُحَمَّدًا ﷺ رأى ربه بعيني رَأسه

стр. 425

وَخلاف من خَالف فِيهِ إِلَى نَظَائِر ذَلِك مِمَّا رَوَاهُ وَقَالَهُ الْآحَاد وَظهر واشتهر ظُهُور مثله على مَا جرت الْعَادة بِمثل رِوَايَة الْآحَاد فِي الصَّدْر الأول للنَّص من النَّبِي ﷺ على إِمَام بِعَيْنِه لَا بُد أَن تتلقاه الْأَئِمَّة بِالْقبُولِ أَو برده بأسرها أَو يُنكره بَعْضهَا ويصححه الْآخرُونَ مِنْهَا وَيَقَع التشاجر بَينهم فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ يجوز إغفاله وَقلة الإحفال بِهِ وَترك الْبَحْث والتأمل لروايته وَحَال رَاوِيه بل كَانَ يجب أَن نعلم ضَرُورَة أَن هَذَا قد ادعِي فِي صدر الْإِسْلَام وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِبَعْض الِاحْتِجَاج وَكَيف جرى أَمر الْأمة فِي قبُوله أَو رده أَو الِاخْتِلَاف فِيهِ وَألا يرد ذَلِك ورودا خَاصّا تفتعله الشِّيعَة بَينهم وتضيفه إِلَى عمار والمقداد وَغَيرهم من أَصْحَابه ويمنون أنفسهم الأباطيل فِيهِ بل يجب أَن تعلمه الْعَذْرَاء فِي خدرها من الْمُسلمين وَمن لَيْسَ من أهل الْإِسْلَام أَيْضا من أهل السّير وكل ذَلِك يدل على بطلَان دَعْوَى من ادّعى مِنْهُم أَن النَّص نَقله وَاحِد وآحاد فِي الأَصْل فَإِن قَالَ مِنْهُم قَائِل فاجعلوا خبر الشِّيعَة عَن النَّص بِمَنْزِلَة أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي تَعْمَلُونَ بهَا فِي الشَّرِيعَة وَإِن لم تقطعوا على صِحَّتهَا وَخبر الشِّيعَة عَن
следующие страницы →