← Акыда

Акыда · id 6394

فتاوى مهمة لعموم الأمة

ابن باز

Полный текст (160 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الْوِقَايَة من الْعين ٢٧ - وَسُئِلَ فضيلته هَل الْعين تصيب الْإِنْسَان وَكَيف تعالج وَهل التَّحَرُّز مِنْهَا يُنَافِي التَّوَكُّل فَأجَاب بقوله رَأينَا فِي الْعين أَنَّهَا حق ثَابت شرعا وحسا قَالَ الله تَعَالَى وَإِن يكَاد الَّذين كفرُوا ليزلقونك بِأَبْصَارِهِمْ (١) قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره فِي تَفْسِيرهَا أَي يعينوك بِأَبْصَارِهِمْ وَيَقُول النَّبِي ﷺ الْعين حق وَلَو كَانَ شَيْء سَابق الْقدر سبقت الْعين وَإِذا استغسلتم فَاغْسِلُوا رَوَاهُ مُسلم وَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن ماجة أَن عَامر بن ربيعَة مر بسهل بن حنيف وَهُوَ يغْتَسل فَقَالَ لم أر كَالْيَوْمِ وَلَا جلد مخبأة فَمَا لبث أَن لبط بِهِ فَأتي بِهِ رَسُول الله ﷺ فَقيل لَهُ أدْرك سهلا صَرِيعًا فَقَالَ من تتهمون قَالُوا عَامر بن ربيعَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ علام يقتل أحدكُم أَخَاهُ إِذا

стр. 107

رأى أحدكُم من أَخِيه مَا يُعجبهُ فَليدع لَهُ بِالْبركَةِ ثمَّ دَعَا بِمَاء فَأمر عَامِرًا أَن يتَوَضَّأ فَيغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين وركبتيه وداخلة إزَاره وَأمره أَن يصب عَلَيْهِ وَفِي لفظ يكفأ الْإِنَاء من خَلفه وَالْوَاقِع شَاهد بذلك وَلَا يُمكن إِنْكَاره الْمَجْمُوع الثمين ١١٣٥ الرقى والتمائم ٢٨ - مَا الْجمع بَين حَدِيث إِن الرقى والتمائم والتولة شرك وَحَدِيث من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن ينفع أَخَاهُ فَلْيفْعَل سُؤال عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الرقى والتمائم والتولة شرك وَعَن جَابر ﵁ قَالَ كَانَ لي خَال يرقى من الْقرب فَنهى رَسُول الله ﷺ عَن الرقى قَالَ فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّك نهيت عَن الرقى وَأَنا أرقى من الْعَقْرَب فَقَالَ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن ينفع أَخَاهُ فَلْيفْعَل مَا هُوَ الْجمع بَين أَحَادِيث الْمَنْع وَالْجَوَاز فِي مَوْضُوع

стр. 108

الرقى وَمَا حكم تَعْلِيق الرقى من الْقُرْآن على صدر المبتلي عبد الرحمن س ف الرياض الْجَواب الرقى الْمنْهِي عَنْهَا هِيَ الرقى الَّتِي فِيهَا شرك أَو توسل بِغَيْر الله أَو أَلْفَاظ مَجْهُولَة لايعرف مَعْنَاهَا أما الرقى السليمة من ذَلِك فَهِيَ مَشْرُوعَة وَمن أعظم أَسبَاب الشِّفَاء لقَوْل النَّبِي ﷺ لَا بَأْس بالرقى مَا لم تكن شركا وَقَوله ﷺ من اسْتَطَاعَ أَن ينفع أَخَاهُ فلينفعه خرجهما مُسلم فِي صَحِيحه وَقَالَ ﷺ لَا رقية إِلَّا من عين أَو حمة وَمَعْنَاهُ لَا رقية أولى وأشفى من الرّقية من هذَيْن الْأَمريْنِ وَقد رقى النَّبِي ﷺ ورقى أما تَعْلِيق الرقى على المرضى أَو الْأَطْفَال فَذَلِك لَا يجوز وَتسَمى الرقى الْمُعَلقَة التمائم وَتسَمى الحروز والجوامع وَالصَّوَاب فِيهَا أَنَّهَا مُحرمَة وَمن أَنْوَاع الشّرك لقَوْل النَّبِي ﷺ من تعلق تَمِيمَة فَلَا أتم الله لَهُ وَمن تعلق ودعة فَلَا ودع الله لَهُ وَقَوله ﷺ تعلق تَمِيمَة فقد أشرك وَقَوله ﷺ إِن الرقى والتمائم والتولة شرك وَاخْتلف الْعلمَاء فِي التمائم إِذا كَانَت من الْقُرْآن أَو من الدَّعْوَات

стр. 109

الْمُبَاحَة هَل هِيَ مُحرمَة أم لَا وَالصَّوَاب تَحْرِيمهَا لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا عُمُوم الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فَإِنَّهَا تعم التمائم من الْقُرْآن وَغير الْقُرْآن وَالْوَجْه الثَّانِي سد ذَرِيعَة الشّرك فَإِنَّهَا إِذا أبيحت التمائم من الْقُرْآن اخْتلطت بالتمائم الْأُخْرَى واشتبه الْأَمر وَانْفَتح بَاب الشّرك بتعليق التمائم كلهَا وَمَعْلُوم أَن سد الذرائع المفضية إِلَى الشّرك والمعاصي من أعظم الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة وَالله ولي التَّوْفِيق كتاب الدعْوَة ٢٠ الرّقية الشَّرْعِيَّة والغير شَرْعِيَّة ٢٩ - سُؤال عندنَا فِي السودَان بعض من النَّاس يعْرفُونَ بالمشايخ يَكْتُبُونَ المحاية للنَّاس إِذا مرض الشَّخْص أَو أَصَابَهُ سحر أَو غير ذَلِك من الْأُمُور الخرافية مَا حكم من يتعامل مَعَهم وَمَا حكم عَمَلهم هَذَا الْفَتْوَى إِن الرّقية على الْمَرِيض الْمُصَاب بِسحر أَو بِغَيْرِهِ من

стр. 110

الْمَرَض لَا بَأْس بهَا إِن كَانَت من الْقُرْآن أَو من الْأَدْعِيَة الْمُبَاحَة فقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يرقى أَصْحَابه وَمن جملَة مَا يرقاهم بِهِ رَبنَا الله الَّذِي فِي السَّمَاء تقدس اسْمك أَمرك فِي السَّمَاء وَالْأَرْض كَمَا رحمتك فِي السَّمَاء فَاجْعَلْ رحمتك فِي الأَرْض أنزل رَحْمَة من رحمتك واشف من شفائك على هَذَا الوجع فَيبرأ وَمن الْأَدْعِيَة الْمَشْرُوعَة بِسم الله أرقيك من كل دَاء يُؤْذِيك من شَرّ كل نفس أَو عين حَاسِد الله يشفيك بِسم الله أرقيك وَمِنْهَا أَن يضع الْإِنْسَان يَده على الْأَلَم الَّذِي يؤلمه من بدنه فَيَقُول أعوذ بِاللَّه وعزته من شَرّ مَا أجد وأحاذر إِلَى غير ذَلِك مِمَّا ذكره أهل الْعلم من الْأَحَادِيث الْوَارِدَة عَن الرَّسُول ﷺ وَأما كِتَابه الْآيَات والأذكار وتعليقها فقد اخْتلف أهل الْعلم فِي ذَلِك فَمنهمْ من أجَازه وَمِنْهُم من مَنعه وَالْأَقْرَب الْمَنْع من ذَلِك لِأَن هَذَا لم يرد عَن النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا الْوَارِد أَن يقْرَأ على الْمَرِيض أما أَن تعلق الْآيَات أَو الْأَدْعِيَة على

стр. 111

الْمَرِيض فِي عُنُقه أَو يَده أَو تَحت وسادته وَمَا أشبه ذَلِك فَإِن ذَلِك من الْأُمُور الممنوعة على القَوْل الرَّاجِح لعدم وُرُودهَا وكل إِنْسَان يَجْعَل من الْأُمُور سَببا لأمر آخر بِغَيْر إِذن من الشَّرْع فَإِن عمله هَذَا يعد نوعا من الشّرك لِأَنَّهُ إِثْبَات سَبَب لم يَجعله الله سَببا هَذَا بفطع النّظر عَن حَال هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ فَلَا نَدْرِي فَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ من المشعوذين الَّذِي يَكْتُبُونَ أَشْيَاء مُنكرَة وَأَشْيَاء مُحرمَة فَإِن ذَلِك لَا شكّ فِي تَحْرِيمه وَلِهَذَا قَالَ أهل الْعلم لَا بَأْس بالرقى بِشَرْط أَن تكون مَعْلُومَة مفهومة خَالِيَة من الشّرك فتاوي الشَّيْخ ابْن عثيمين ١١٣٩ مَا حكم مُوالَاة الْكفَّار ٣٠ - مَا حكم مُوالَاة الْكفَّار الْفَتْوَى مُوالَاة الْكفَّار بالمودة والمناصرة واتخاذهم بطانة حرَام مَنْهِيّ عَنْهَا بِنَصّ الْقُرْآن الْكَرِيم قَالَ الله تَعَالَى لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله

стр. 112

(المجادلة ٢٢) وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هزوا وَلَعِبًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَالْكفَّار أَوْلِيَاء وَاتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين (الْمَائِدَة ٥٧) وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين (الْمَائِدَة ٥١) وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا (آل عمرَان ١١٨) وَأخْبر أَنه إِذا لم يكن الْمُؤْمِنُونَ بغضهم أَوْلِيَاء بعض وَالَّذين كفرُوا بَعضهم أَوْلِيَاء بعض ويتميز هَؤُلَاءِ عَن هَؤُلَاءِ فَإِنَّهَا تكون فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير وَلَا يَنْبَغِي أبدا أَن يَثِق الْمُؤمن بِغَيْر الْمُؤمن مهما أظهر من الْمَوَدَّة وَأبْدى من النصح فَإِن الله تَعَالَى يَقُول عَنْهُم ودوا لَو تكفرون كَمَا كفرُوا فتكونون سَوَاء (النِّسَاء ٨٩) وَيَقُول سُبْحَانَهُ لنَبيه وَلنْ ترْضى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تتبع ملتهم (الْبَقَرَة ١٢٠) وَالْوَاجِب على الْمُؤمن أَن يعْتَمد على الله فِي تَنْفِيذ

стр. 113

شَرعه وَألا تَأْخُذهُ فِيهِ لومة لائم وَألا يخَاف من أعدائه فقد قَالَ الله تَعَالَى إِنَّمَا ذَلِكُم الشَّيْطَان يخوف أولياءه فَلَا تخافوهم وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين (آل عمرَان ١٧٥) وَقَالَ تَعَالَى فترى الَّذين فِي قُلُوبهم مرض يُسَارِعُونَ فيهم يَقُولُونَ نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح أَو أَمر من عِنْده فيصبحوا على مَا أَسرُّوا فِي أنفسهم نادمين (الْمَائِدَة ٥٢) وَقَالَ سُبْحَانَهُ يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ الله إِن الله عليم حَكِيم (التَّوْبَة ٢٨) وَالله الْمُوفق فتاوي الشَّيْخ ابْن عثيمين ١١١٠ وجوب عَدَاوَة اليهو وَالْمُشْرِكين وَغَيرهم من الْكفَّار ٣١ - الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله وعَلى آله وَصَحبه وَمن اهْتَدَى بهداه أما بعد فقد نشرت بعض الصُّحُف الْمَحَلِّيَّة عَن بعض النَّاس أَنه قَالَ (إننا لَا نَكُنْ

стр. 114

العداء للْيَهُود واليهودية وإننا نحترم جَمِيع الْأَدْيَان السماوية) وَذَلِكَ فِي معرض حَدِيثه عَن الْوَضع فِي الشرق الْأَوْسَط بعد الْعدوان الْيَهُودِيّ على الْعَرَب وَلما كَانَ هَذَا الْكَلَام فِي شَأْن الْيَهُود واليهودية يُخَالف صَرِيح الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة المطهرة وَيُخَالف العقيدة الإسلامية وَهُوَ تَصْرِيح يخْشَى أَن يغتر بِهِ بعض النَّاس رَأَيْت التَّنْبِيه على مَا جَاءَ فِيهِ من الْخَطَأ نصحا لله ولعباده فَأَقُول قد دلّ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْمُسلمين أَنه يجب على الْمُسلمين أَن يعادوا الْكَافرين من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْمُشْركين وَأَن يحذروا مَوَدَّتهمْ واتخاذهم أَوْلِيَاء كَمَا أخبر الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْمُبين الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد أَن الْيَهُود وَالْمُشْرِكين هم أَشد النَّاس عَدَاوَة للْمُؤْمِنين قَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة وَقد كفرُوا بِمَا جَاءَكُم من الْحق (١) إِلَى قَوْله سُبْحَانَهُ قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ

стр. 115

قَالُوا لقومهم إِنَّا برءوا مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم العدواة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده (١) وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين (٢) وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُم وَإِخْوَانكُمْ أَوْلِيَاء إِن استحبوا الْكفْر على الْإِيمَان وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ (٣) وَقَالَ فِي شَأْن الْيَهُود ترى كثيرا مِنْهُم يتولون الَّذين كفرُوا لبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ وَلَو كَانُوا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالنَّبِيّ وَمَا أنزل إِلَيْهِ مَا اتخذوهم أَوْلِيَاء وكلن كثيرا مِنْهُم فَاسِقُونَ لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا (٤)

стр. 116

الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم (١) الْآيَة والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَهِي تدل دلَالَة صَرِيحَة على وجوب بغض الْكفَّار من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْمُشْركين وعَلى وجوب معاداتهم حَتَّى يُؤمنُوا بِاللَّه وَحده وتدل أَيْضا على تَحْرِيم مَوَدَّتهمْ وموالاتهم وَذَلِكَ يَعْنِي بغضهم والحذر من مكائدهم وَمَا ذَاك إِلَّا لكفرهم بِاللَّه وعدائهم لدينِهِ ومعاداتهم لأوليائه وكيدهم لِلْإِسْلَامِ وَأَهله كَمَا قَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا ودوا مَا عنتم قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر قد بَينا لكم الأيات إِن كُنْتُم تعقلون هَا أَنْتُم أولاء تحبونهم وَلَا يحبونكم وتؤمنون بِالْكتاب كُله وَإِذا لقوكم قَالُوا آمنا وَإِذا خلوا عضوا عَلَيْكُم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور إِن تمسسكم حَسَنَة تسؤهم وَإِن

стр. 117

تصبكم سَيِّئَة يفروحوا بهَا وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا إِن الله يما يعْملُونَ مُحِيط (١) فَفِي هَذِه الْآيَات الكريمات حث الْمُؤمنِينَ على بغض الْكَافرين ومعاداتهم فِي الله سُبْحَانَهُ من وُجُوه كَثِيرَة والتحذير من اتخاذهم بطانة وَالتَّصْرِيح بِأَنَّهُم لَا يقصرون فِي إِيصَال الشَّرّ إِلَيْنَا وَهَذَا هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى لَا يألونكم خبالا (٢) والخبال هُوَ الْفساد والتخريب وَصرح سُبْحَانَهُ أَنهم يودون عنتنا والعنت الْمَشَقَّة وأوضح سُبْحَانَهُ أَن الْبغضَاء قد بَدَت من أَفْوَاههم وَذَلِكَ فِيمَا ينطقون بِهِ من الْكَلَام لمن تأمه وتعقله وَمَا تخفي صدروهم أكبر من الحقد والبغضاء وَنِيَّة السوء لنا أكبر مِمَّا يظهرونه ثمَّ ذكر أَن هَؤُلَاءِ الْكفَّار قد يتظاهرون بِالْإِسْلَامِ نفَاقًا ليدركوا مقاصدهم الخبيثة وَإِذا خلوا إِلَى شياطينهم عضوا على الْمُسلمين الأنامل من الغيظ ثمَّ ذكر أَن الْحَسَنَات الَّتِي تحصل لنا من الْعِزّ والتمكين والنصر على الْأَعْدَاء وَنَحْو ذَلِك

стр. 118

تسوءهم وَأَن مَا حصل لنا من السوء كالهزيمة والأمراض وَنَحْو ذَلِك يسرهم وَمَا ذَلِك إِلَّا لشدَّة عداوتهم وبغضهم لنا ولديننا ومواقف الْيَهُود من الْإِسْلَام وَرَسُول الْإِسْلَام وَأهل الْإِسْلَام كلهَا تشهد لما دلّت عَلَيْهِ الْآيَات الكريمات من شدَّة عداوتهم للْمُسلمين وَالْوَاقِع من الْيَهُود فِي عصرنا هَذَا وَفِي عصر النُّبُوَّة وَفِيمَا بَينهمَا من أكبر الشواهد على ذَلِك وَهَكَذَا مَا وَقع من النَّصَارَى وَغَيرهم من سَائِر الْكَفَرَة من الكيد لِلْإِسْلَامِ ومحاربة أَهله وبذل الجهود المتواصلة فِي التشكيك فِيهِ والتنفير مِنْهُ والتلبيس على متبعيه وإنفاق الْأَمْوَال الضخمة على المبشرين بالنصرانية والدعاة إِلَيْهَا كل ذَلِك يدل على مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَات الكريمات من وجوب بغض الْكفَّار جَمِيعًا والحذر مِنْهُم وَمن مكائدهم وَمن اتخاذهم بطانة فَالْوَاجِب على أهل الْإِسْلَام أَن ينتبهوا لهَذِهِ الْأُمُور الْعَظِيمَة وَأَن يعادوا ويبغضوا من أَمرهم الله بمعاداته وبغضه من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا بِاللَّه وَحده ويلتزموا بِدِينِهِ الَّذِي بعث بِهِ نبيه مُحَمَّدًا ﷺ وَبِذَلِك

стр. 119

يحققون اتباعهم مِلَّة أَبِيهِم إِبْرَاهِيم وَدين مُحَمَّد ﷺ الَّذِي أوضحه الله فِي الْآيَة السَّابِقَة وَهِي قَوْله قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا برءاؤا مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده (١) وَقَوله تَعَالَى وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَقَومه إِنَّنِي بُرَآء مِمَّا تَعْبدُونَ إِلَّا الَّذِي فطرني فَإِنَّهُ سيهدين (٢) وَقَوله يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هزوا وَلَعِبًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَالْكفَّار أَوْلِيَاء وَاتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين (٣) والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَفِي قَوْله تَعَالَى لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا (٤) دلَالَة ظَاهِرَة على أَن جَمِيع الْكفَّار كلهم أَعدَاء للْمُؤْمِنين بِاللَّه سُبْحَانَهُ وبرسوله

стр. 120

مُحَمَّد ﷺ وَلَكِن الْيَهُود وَالْمُشْرِكين عباد الْأَوْثَان أَشَّدهم عَدَاوَة للْمُؤْمِنين وَفِي ذَلِك إغراء من الله سُبْحَانَهُ للْمُؤْمِنين على معادات الْكفَّار وَالْمُشْرِكين عُمُوما وعَلى تَخْصِيص الْيَهُود وَالْمُشْرِكين بمزيد من الْعَدَاوَة فِي مُقَابل شدَّة عداوتهم لنا وَذَلِكَ يُوجب مزِيد من الحذر من كيدهم وعداوتهم ثمَّ إِن الله سُبْحَانَهُ مَعَ أمره للْمُؤْمِنين بمعادات الْكَافرين أوجب على الْمُسلمين الْعدْل فِي أعدائهم فَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يجرمنكم شنئان قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى (١) فَأمر سُبْحَانَهُ الْمُؤمنِينَ أَن يقومُوا بِالْعَدْلِ مَعَ جَمِيع خصومهم ونهاهم أَن يحملهم بغض قوم على ترك الْعدْل فيهم وَأخْبر أَن الْعدْل مَعَ الْعَدو وَالصديق هُوَ أقرب للتقوى وَالْمعْنَى أَن الْعدْل فِي جَمِيع النَّاس من الْأَوْلِيَاء والأعداء هُوَ أقرب إِلَى اتقاء غضب الله وعذابه وَقَالَ إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي

стр. 121

يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ (١) وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة من أجمع الْآيَات فِي الْأَمر بِكُل خير وَالنَّهْي عَن كل شَرّ وَلِهَذَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ لما بعث عبد الله بن رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ إِلَى خَيْبَر ليخرص على الْيَهُود ثَمَرَة النّخل وَكَانَ النَّبِي ﷺ قد عاملهم على نخيلها وأرضها بِنصْف ثَمَرَة النّخل وَالزَّرْع فخرص عَلَيْهِم عبد الله ثَمَرَة النّخل فَقَالُوا لَهُ إِن هَذَا الْخرص فِيهِ ظلم فَقَالَ لَهُم عبد الله ﵁ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم لأبغض إِلَيّ من عدتكم من القردة والخنازير وَإنَّهُ لن يحملني بغضي لكم وحبي لرَسُول الله ﷺ على أَن أظلمكم فَقَالَ الْيَهُود بِهَذَا قَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض فالعدل وَاجِب فِي حق الْقَرِيب والبعيد وَالصديق والبغيض وَلَكِن ذَلِك لَا يمْنَع من بغض أَعدَاء الله ومعاداتهم ومحبة أَوْلِيَاء الله الْمُؤمنِينَ وموالاتهم عملا بالأدلة الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة وَالله الْمُسْتَعَان أما قَول الْكَاتِب (وإننا نحترم جَمِيع الْأَدْيَان السماوية) فَهَذَا حق وَلَكِن يَنْبَغِي أَن يعلم القارىء أَن الْأَدْيَان السماوية قد

стр. 122

دَخلهَا من التحريف والتغيير مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله سُبْحَانَهُ مَا عدا دين الْإِسْلَام الَّذِي بعث الله بِهِ نبيه وخليله وَخيرته من خلقَة نَبينَا وإمامنا وَسَيِّدنَا مُحَمَّد بن عبد الله ﷺ فقد حماه الله وَحفظه من التَّغْيِير والتبديل وَذَلِكَ بحفظه لكتابه الْعَزِيز وَسنة رَسُوله الْأمين عَلَيْهِ من ربه أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم حَيْثُ قَالَ الله إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون (١) فقد حفظ الله الدّين وصانه من مَكَائِد الْأَعْدَاء بجهابذة نقاد أُمَنَاء ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وَكذب المفترين وَتَأْويل الْجَاهِلين فَلَا يقدم أحد على تَغْيِير أَو تَبْدِيل إِلَّا فضحه الله وأبطل كَيده أما الْأَدْيَان الْأُخْرَى فَلم يضمن حفظهَا سُبْحَانَهُ بل استحفظ عَلَيْهَا بعض عباده فَلم يستطيعوا حفظهَا فَدَخلَهَا من التَّغْيِير والتحريف مَا الله بِهِ عليم كَمَا قَالَ إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا والربانيون والأحبار بِمَا

стр. 123

استحفظوا من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء (١) وَقَالَ يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم وَمن الَّذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك يحرفُونَ الْكَلم من بعد موَاضعه (٢) الْآيَة وَقَالَ فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ (٣) وَقَالَ تَعَالَى وَإِن مِنْهُم لفريقا يلوون ألسنتهم بِالْكتاب لتحسبوه من الْكتاب وَمَا هُوَ من الْكتاب وَيَقُولُونَ هُوَ من عِنْد الله وَمَا هُوَ من عِنْد الله وَيَقُولُونَ على الله الْكَذِب وهم يعلمُونَ (٤) والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة أما مَا كَانَ من الْأَدْيَان السماوية السَّابِقَة سليمَة من التَّغْيِير والتبديل فقد نسخه الله

стр. 124

ببعث رَسُول الله ﷺ وإنزاله الْقُرْآن الْكَرِيم فَإِن الله سُبْحَانَهُ أرسل رَسُوله مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى النَّاس كَافَّة وَنسخ بِشَرِيعَتِهِ سَائِر الشَّرَائِع وَجعل كِتَابه الْكَرِيم مهيمنا على سَائِر الْكتب السماوية فَالْوَاجِب على جَمِيع أهل الأَرْض من الْجِنّ وَالْإِنْس سَوَاء كَانُوا من الْيَهُود أَو النَّصَارَى أَو غَيرهم من سَائِر أَجنَاس بني آدم وَمن سَائِر أَجنَاس الْجِنّ أَن يدخلُوا فِي دين الله الَّذِي بعث بِهِ خَاتم الرُّسُل إِلَى النَّاس عَامَّة وَأَن يلتزموا بِهِ ويستقيموا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ دين الْإِسْلَام الَّذِي لَا يقبل الله من أحد دينا سواهُ كَمَا قَالَ إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام وَمَا اخْتلف الَّذين أُوتُوا الْكتاب إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم وَمن يكفر بآيَات الله فَإِن الله سريع الْحساب فَإِن حاجوك فَقل أسلمت وَجْهي لله وَمن اتبعن وَقل للَّذين أُوتُوا الْكتاب والأميين أأسلمتم فَإِن أَسْلمُوا فقد اهتدوا وَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا عَلَيْك البلاع وَالله بَصِير بالعباد (١) وَقَالَ قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا

стр. 125

أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من رَبهم لَا نفرق بن أحد مِنْهُم وَنحن لَهُ مُسلمُونَ فَإِن آمنُوا بِمثل مَا آمنتم بِهِ فقد اهتدوا وَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا هم فِي شقَاق فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم (١) وَقَالَ تَعَالَى وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين (٢) وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْمَائِدَة بَعْدَمَا ذكر التَّوْرَاة الْإِنْجِيل يُخَاطب نبيه مُحَمَّدًا ﷺ وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ فاحكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم عَمَّا جَاءَك من الْحق لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن ليَبْلُوكُمْ فِي مَا آتَاكُم فاستبقوا الْخيرَات إِلَى الله مرجعكم جَمِيعًا فينبئكم بِمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم واحذرهم أَن يفتنوك عَن بعض مَا أنزل الله إِلَيْك فَإِن توَلّوا فَاعْلَم أَنما يُرِيد الله أَن يصيبهم بِبَعْض ذنوبهم وَإِن

стр. 126

كثيرا من النَّاس لفاسقون أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ وَمن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (١) فَفِي هَذِه الْآيَات الكريمات الدّلَالَة الظَّاهِرَة والبرهان الْقَاطِع على وجوب الحكم بَين الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر النَّاس بِمَا أنزل الله على نبيه مُحَمَّد ﷺ وعَلى أَنه لَا إِسْلَام لأحد وَلَا هِدَايَة إِلَّا بِاتِّبَاع مَا جَاءَ بِهِ وَأَن مَا يُخَالف ذَلِك فَهُوَ فِي حكم الْجَاهِلِيَّة وَأَنه لَا حكم أحسن من حكم الله وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْأَعْرَاف واكتب لنا فِي هَذِه الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة إِنَّا هدنا إِلَيْك قَالَ عَذَابي أُصِيب بِهِ من أَشَاء ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وَالَّذين هم بِآيَاتِنَا يُؤمنُونَ الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم فَالَّذِينَ آمنُوا بِهِ وعزروه ونصروه وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه أُولَئِكَ

стр. 127

هم المفلحون (١) فَفِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة الدَّلِيل الْقَاطِع وَالْحجّة الدامغة على عُمُوم بعثة النَّبِي ﷺ للْيَهُود وَالنَّصَارَى وَأَنه بعث بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُم وَأَنه لَا يحصل الْفَلاح لكل من كَانَ فِي زَمَانه من الْأُمَم وَهَكَذَا مَا بعد ذَلِك إِلَى قيام السَّاعَة إِلَّا بِالْإِيمَان بِهِ وَنَصره وتعزيزه وَاتِّبَاع النُّور الَّذِي أنزل مَعَه ثمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ بعد ذَلِك تَأْكِيد للمقام وبيانا لعُمُوم الرسَالَة قل يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَا إِلَه إِلَّا هُوَ يحيي وَيُمِيت فآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يُؤمن بِاللَّه وكلماته واتبعوه لَعَلَّكُمْ تهتدون (٢) وَمن هَذِه الْآيَة وَمَا قبلهَا من الْآيَات يَتَّضِح لكل عَاقل أَن الْهِدَايَة والنجاة والسعادة إِنَّمَا تحصل لمن آمن بِمُحَمد ﷺ وَاتبع مَا جَاءَ بِهِ من الْهدى بل هُوَ الْكَافِر حَقًا وَله النَّار يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ

стр. 128

وَمن يكفر بِهِ من الْأَحْزَاب فَالنَّار موعده (١) وَقَالَ تَعَالَى وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس بشيرا وَنَذِيرا (٢) وَقَالَ تَعَالَى تبَارك الَّذِي نزل الْفرْقَان على عَبده ليَكُون للْعَالمين نذيرا (٣) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَعْطَيْت خمْسا لم يعطهم أحد من الْأَنْبِيَاء قبلي نصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا فأيما رجل من أمتِي أَدْرَكته الصَّلَاة فَليصل وَأحلت لي الْغَنَائِم وَلم تحل لأحد من قبلي وَأعْطيت الشَّفَاعَة وَكَانَ النَّبِي يبْعَث إِلَى قومه خَاصَّة وَبعثت إِلَى النَّاس عَامَّة وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي نَفسِي

стр. 129

بِيَدِهِ لَا يسمع بِي أحد من هَذِه الْأمة يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ ثمَّ يَمُوت وَلم يُؤمن بِالَّذِي أرْسلت بِهِ إِلَّا كَانَ من أهل النَّار والآيات وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَأَرْجُو أَن يكون فِيمَا ذَكرْنَاهُ دلَالَة ومقنع للقارىء على وجوب معاداة الْكَفَرَة من الْيَهُود وَغَيرهم وبغضهم فِي الله وَتَحْرِيم مَوَدَّتهمْ واتخاذهم أَوْلِيَاء وعَلى نسخ جَمِيع الشَّرَائِع السماوية مَا عدا شَرِيعَة الْإِسْلَام الَّتِي بعث الله بهَا خَاتم النَّبِيين وَسيد الْمُرْسلين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ نَبينَا مُحَمَّد بن عبد الله ﷺ وعَلى سَائِر النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَجَعَلنَا من اتباعهم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين إِنَّه على كل شَيْء قدير وَلَيْسَ معنى نسخ الشَّرَائِع السَّابِقَة أَنَّهَا لَا تحترم أَو أَنه يجوز التنقص مِنْهَا لَيْسَ هَذَا الْمَعْنى هُوَ المُرَاد وَإِنَّمَا المُرَاد رفع مَا قد يتوهمه بعض النَّاس أَنه يسوغ اتِّبَاع شَيْء مِنْهَا أَو أَن من انتسب إِلَيْهَا من الْيَهُود أَو غَيرهم يكون على هدى بل هِيَ شرائع مَنْسُوخَة لَا يجوز اتِّبَاع شَيْء مِنْهَا لَو علمت على التَّحْقِيق وسلمت من التَّغْيِير والتبديل فَكيف وَقد جهل الْكثير مِنْهَا لما أَدخل فِيهَا من تَحْرِيف أَعدَاء الله الَّذين يكتمون الْحق وهم يعلمُونَ ويكذبون على الله

стр. 130

وعَلى دينه مَا تَقْتَضِيه أهواؤهم ويكتبون الْكتب من عِنْدهم وبأيديهم وَيَقُولُونَ إِنَّهَا من عِنْد الله وَبِذَلِك يعلم كل من لَهُ أدنى علم وبصيرة أَن الْوَاجِب على جَمِيع الْمُكَلّفين من الْجِنّ وَالْإِنْس أَن يدخلُوا فِي دين الله الَّذِي هُوَ الْإِسْلَام وَأَن يلتزموه وَأَنه لَا يسوغ لأحد الْخُرُوج عَن ذَلِك لَا إِلَى يَهُودِيَّة وَلَا إِلَى نَصْرَانِيَّة وَلَا إِلَى غَيرهَا بل الْمَفْرُوض على جَمِيع الْمُكَلّفين من حِين بعث الله نبيه وَرَسُوله مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى قيام السَّاعَة هُوَ الدُّخُول فِي الْإِسْلَام والتمسك بِهِ وَمن اعْتقد أَنه يسوغ لَهُ الْخُرُوج عَن شَرِيعَة مُحَمَّد ﷺ كَمَا وسع الْخضر الْخُرُوج عَن شَرِيعَة مُوسَى كليم الرَّحْمَن ﵊ فَهُوَ كَافِر بِإِجْمَاع أهل الْعلم يُسْتَتَاب وَتبين لَهُ الْأَدِلَّة فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل عملا بِمَا تقدم من الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة الدَّالَّة على عُمُوم رِسَالَة مُحَمَّد ﷺ إِلَى جَمِيع الثقلَيْن وَالله الْمُسْتَعَان وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل ونسأله أَن يثبتنا على دينه وَأَن يصلح أَحْوَال الْمُسلمين جَمِيعًا وَأَن يمن على عباده بِالدُّخُولِ فِي دينه وَالْكفْر بِمَا خَالفه إِنَّه على كل شَيْء قدير وَصلى الله وَسلم على عَبده

стр. 131

وَرَسُوله مُحَمَّد وعَلى سَائِر النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَسَائِر الصَّالِحين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين مَجْمُوع فتاوي سماحة الشَّيْخ ابْن باز ٢١٧٨ مَا حكم الْإِقَامَة فِي بِلَاد الْكفَّار ٣٢ - مَا حكم الْإِقَامَة فِي بِلَاد الْكفَّار الْفَتْوَى الْإِقَامَة فِي بِلَاد الْكفَّار خطر عَظِيم على دين الْمُسلم وأخلاقه وسلوكه وآدابه وَقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير مِمَّن أَقَامُوا هُنَالك فَرَجَعُوا بِغَيْر مَا ذَهَبُوا بِهِ رجعُوا فساقا وَبَعْضهمْ رَجَعَ مُرْتَدا عَن دينه وكافرا بِهِ وبسائر الْأَدْيَان وَالْعِيَاذ بِاللَّه حَتَّى صَارُوا إِلَى الْجُحُود الْمُطلق والإستهزاء بِالدّينِ وَأَهله والسابقين مِنْهُم واللاحقين وَلِهَذَا كَانَ يَنْبَغِي بل يتَعَيَّن التحفظ من ذَلِك وَوضع الشُّرُوط الَّتِي تمنع من الْهَوِي فِي تِلْكَ المهالك فالإقامة فِي بِلَاد الْكفْر لَا بُد فِيهَا من شرطين أساسيين الشَّرْط الأول أَمن الْمُقِيم على دينه بِحَيْثُ يكون عِنْده من

стр. 132

الْعلم وَالْإِيمَان وَقُوَّة الْعَزِيمَة مَا يطمئنه على الثَّبَات على دينه والحذر من الإنحراف والزيغ وَأَن يكون مضمرا لعداوة الْكَافرين وبغضهم مبتعدا عَن مُوَالَاتهمْ ومحبتهم فَإِن مُوَالَاتهمْ ومحبتهم مِمَّا يُنَافِي الْإِيمَان قَالَ الله تَعَالَى لَا تَجِد قوما يُؤمنُوا بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم (١) الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين فترى الَّذين فِي قُلُوبهم مرض يُسَارِعُونَ فيهم يَقُولُونَ نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح أَو أَمر من عِنْده فيصبحوا على مَا أَسرُّوا فِي أنفسهم نادمين (٢) وَثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَن من أحب قوما فَهُوَ مِنْهُم وَأَن الْمَرْء مَعَ من أحب ومحبة أَعدَاء الله من أعظم مَا يكون خطرا على الْمُسلم

стр. 133

لِأَن محبتهم تَسْتَلْزِم موافقتهمم واتباعهم أَو على الْأَقَل عدم الْإِنْكَار عَلَيْهِم وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ من أحب قوما فَهُوَ مِنْهُم الشّرك الثَّانِي أَن يتَمَكَّن من إِظْهَار دينه بِحَيْثُ يقوم بشعائر الْإِسْلَام بِدُونِ ممانع فَلَا يمْنَع من إِقَامَة الصَّلَاة وَالْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات إِن كَانَ مَعَه من يُصَلِّي جمَاعَة وَمن يُقيم الْجُمُعَة وَلَا يمْنَع من الزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَغَيرهَا من شَعَائِر الدّين فَإِن كَانَ لَا يتَمَكَّن من ذَلِك لم تجز الْإِقَامَة لوُجُوب الْهِجْرَة حِينَئِذٍ قَالَ فِي الْمُغنِي ص ٤٥٧ ج ٨ فِي الْكَلَام على أَقسَام النَّاس فِي الْهِجْرَة أَحدهَا من تجب عَلَيْهِ وَهُوَ من يقدر عَلَيْهَا وَلَا يُمكنهُ إِظْهَار دينه وَلَا تمكنه إِقَامَة وَاجِبَات دينه مَعَ الْمقَام بَين الْكفَّار فَهَذَا تجب عَلَيْهِ الْهِجْرَة لقَوْله تَعَالَى إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم قَالُوا فيمَ كُنْتُم قَالُوا كُنَّا مستضعفين فِي الأَرْض قَالُوا ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا (١) وَهَذَا وَعِيد شَدِيد يدل على الْوُجُوب

стр. 134

وَلِأَن الْقيام بِوَاجِب دينه وَاجِب على من قدر عَلَيْهِ وَالْهجْرَة من ضَرُورَة الْوَاجِب وتتمته وَمَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب اه وَبعد تَمام هذَيْن الشَّرْطَيْنِ الأساسيين تَنْقَسِم الْإِقَامَة فِي دَار الْكفْر إِلَى أَقسَام الْقسم الأول أَن يُقيم للدعوة إِلَى الْإِسْلَام وَالتَّرْغِيب فِيهِ فَهَذَا نوع من الْجِهَاد فَهِيَ فرض كِفَايَة على من قدر عَلَيْهَا بِشَرْط أَن تتَحَقَّق الدعْوَة وَأَن لَا يُوجد من يمْنَع مِنْهَا أَو من الإستجابة إِلَيْهَا لِأَن الدعْوَة إِلَى الْإِسْلَام من وَاجِبَات الدّين وَهِي طَريقَة الْمُرْسلين وَقد أَمر النَّبِي ﷺ بالتبليغ عَنهُ فِي كل زمَان وَمَكَان فَقَالَ ﷺ بلغُوا عني وَلَو آيَة الْقسم الثَّانِي أَن يُقيم لدراسة أَحْوَال الْكَافرين والتعرف على مَا هم عَلَيْهِ من فَسَاد العقيدة وَبطلَان التَّعَبُّد وانحلال الْأَخْلَاق وفوضوية السلوك ليحذر النَّاس من الإغترار بهم وَيبين للمعجبين بهم حَقِيقَة حَالهم وَهَذِه الْإِقَامَة نوع من الْجِهَاد أَيْضا لما يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من التحذير من الْكفْر وَأَهله المتضمن للترغيب فِي الْإِسْلَام وهديه لِأَن فَسَاد الْكفْر دَلِيل على صَلَاح الْإِسْلَام كَمَا قيل وبضدها تتبين الْأَشْيَاء لَكِن

стр. 135

لَا بُد من شَرط أَن يتَحَقَّق مُرَاده بِدُونِ مفْسدَة أعظم مِنْهُ فَإِن لم يتَحَقَّق مُرَاده بِأَن منع من نشر مَا هم عَلَيْهِ والتحذير مِنْهُ فَلَا فَائِدَة من إِقَامَته وَإِن تحقق مُرَاده مَعَ مفْسدَة أعظم مثل أَن يقابلوا فعله بِسَبَب الْإِسْلَام وَرَسُول الْإِسْلَام وأئمة الْإِسْلَام وَجب الْكَفّ لقَوْله تَعَالَى وَلَا تسبوا الَّذين يدعونَ من دون الله فيسبوا الله عدوا بِغَيْر علم كَذَلِك زينا لكل أمة عَمَلهم ثمَّ إِلَى رَبهم مرجعهم فينبئهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ (١) وَيُشبه هَذَا أَن يُقيم فِي بِلَاد الْكفْر ليَكُون عينا للْمُسلمين ليعرف مَا يدبروه للْمُسلمين من المكايد فيحذرهم الْمُسلمُونَ كَمَا أرسل النَّبِي ﷺ حُذَيْفَة بن الْيَمَان إِلَى الْمُشْركين فِي غَزْوَة الخَنْدَق ليعرف خبرهم الْقسم الثَّالِث أَن يُقيم لحَاجَة الدولة الْمسلمَة وتنظيم علاقاتها مَعَ دولة الْكفْر كموظفي السفارات فَحكمهَا حكم مَا أَقَامَ من أَجله الملحق الثقافي مثلا يُقيم فيرعى شئون الطّلبَة ويراقبهم ويحملهم على الْتِزَام دين الْإِسْلَام وأخلاقه وآدابه

стр. 136

فَيحصل بإقامته مصلحَة كَبِيرَة يندرىء بهَا شَرّ كَبِير الْقسم الرَّابِع أَن يُقيم لحَاجَة خَاصَّة مُبَاحَة كالتجارة والعلاج فتباح الْإِقَامَة بِقدر الْحَاجة وَقد نَص أهل الْعلم ﵏ على جَوَاز دُخُول بِلَاد الْكفَّار للتِّجَارَة وأثروا ذَلِك عَن بعض الصَّحَابَة ﵃ الْقسم الْخَامِس أَن يُقيم للدراسة وَهِي من جنس مَا قبلهَا إِقَامَة لحَاجَة لَكِنَّهَا أخطر مِنْهَا وَأَشد فتكا بدين الْمُقِيم وأخلاقه فَإِن الطَّالِب يشْعر بدنو مرتبته وعلو مرتبَة معلميه فَيحصل من ذَلِك تعظيمهم والإقتناع بآرائهم وأفكارهم وسلوكهم فيقلدهم إِلَّا إِن شَاءَ الله عصمته وهم قَلِيل ثمَّ إِن الطَّالِب يشْعر بحاجته إِلَى معلمه فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى التودد إِلَيْهِ ومداهنته فِيمَا هُوَ عَلَيْهِ من الإنحراف والضلال والطالب فِي مقرّ تعلمه لَهُ زملاء يتَّخذ مِنْهُم أصدقاء يُحِبهُمْ ويتولاهم ويكتسب مِنْهُم وَمن أجل خطر هَذَا الْقسم وَجب التحفظ فِيهِ أَكثر مِمَّا قبله فَيشْتَرط فِيهِ بِالْإِضَافَة إِلَى الشَّرْطَيْنِ الأساسيين شُرُوط الشَّرْط الأول أَن يكون الطَّالِب على مستوى كَبِير من النضوج

стр. 137

الْعقلِيّ الَّذِي يُمَيّز بِهِ بَين النافع والضار وَينظر بِهِ إِلَى الْمُسْتَقْبل الْبعيد فَأَما بعث الْأَحْدَاث صغَار السن وَذَوي الْعُقُول الصَّغِيرَة فَهُوَ خطر عَظِيم على دينهم وخلقهم وسلوكهم ثمَّ هُوَ خطر على أمتهم الَّتِي سيرجعون إِلَيْهَا وينفثون فِيهَا السمُوم الَّتِي نهلوها من أُولَئِكَ الْكفَّار كَمَا شهد وَيشْهد بِهِ الْوَاقِع فَإِن كثيرا من أُولَئِكَ المبعوثين رجعُوا بِغَيْر مَا ذَهَبُوا بِهِ رجعُوا منحرفين فِي ديانتهم وأخلاقهم وسلوكهم وَحصل عَلَيْهِم وعَلى مجتمعهم من الضَّرَر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الْأُمُور مَا هُوَ مَعْلُوم مشَاهد وَمَا مثل بعث هَؤُلَاءِ إِلَّا كَمثل تَقْدِيم النعاج للكلاب الضارية الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون عِنْد الطَّالِب من علم الشَّرِيعَة مَا يتَمَكَّن بِهِ من التَّمْيِيز بَين الْحق وَالْبَاطِل ومقارعة الْبَاطِل بِالْحَقِّ لِئَلَّا ينخدع بِمَا هم عَلَيْهِ من الْبَاطِل فيظنه حَقًا أَو يلتبس عَلَيْهِ أَو يعجز عَن دَفعه فَيبقى حيران أَو يتبع الْبَاطِل وَفِي الدُّعَاء الْمَأْثُور اللَّهُمَّ أَرِنِي الْحق حَقًا وارزقني

стр. 138

اتِّبَاعه وَأَرِنِي الْبَاطِل بَاطِلا وارزقني اجتنابه وَلَا تَجْعَلهُ ملتبسا عَليّ فأضل الشَّرْط الثَّالِث أَن يكون عِنْد الطَّالِب دين يحميه ويتحصن بِهِ من الْكفْر والفسوق فضعيف الدّين لَا يسلم مَعَ الْإِقَامَة هُنَاكَ إِلَّا أَن يشاءالله وَذَلِكَ لقُوَّة المهاجم وَضعف المقاوم فأسباب الْكفْر والفسوق هنال قَوِيَّة وكثيرة متنوعة فَإِذا صادفت محلا ضَعِيف المقاومة عملت عَملهَا الشَّرْط الرَّابِع أَن تَدْعُو الْحَاجة إِلَى الْعلم الَّذِي أَقَامَ من أَجله بِأَن يكون فِي تعلمه مصلحَة للْمُسلمين وَلَا يُوجد لَهُ نَظِير فِي الْمدَارِس فِي بِلَادهمْ فَإِن كَانَ من فضول الْعلم الَّذِي لَا مصلحَة فِيهِ للْمُسلمين أَو كَانَ فِي الْبِلَاد الإسلامية من الْمدَارِس نظيرة لم يجز أَن يُقيم فِي بِلَاد الْكفْر من أَجله لما فِي الْإِقَامَة من الْخطر على الدّين والأخلاق وإضاعة الْأَمْوَال الْكَثِيرَة بِدُونِ فَائِدَة الْقسم الْخَامِس أَن يُقيم للسكن وَهَذَا أخطر مِمَّا قبله وَأعظم لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْمَفَاسِد بالإختلاط التَّام بِأَهْل الْكفْر وشعوره بِأَنَّهُ مَوَاطِن ملتزن بِمَا تَقْتَضِيه الوطنية من مَوَدَّة

стр. 139

وموالاة وتكثير لسواد الْكفَّار ويتربى أَهله بَين أهل الْكفْر فَيَأْخُذُونَ من أَخْلَاقهم وعاداتهم وَرُبمَا قلدوهم فِي العقيدة والتعبد وَلذَلِك جَاءَ فِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ من جَامع الْمُشرك وَسكن مَعَه فَهُوَ مثله وَهَذَا الحَدِيث وَإِن كَانَ ضَعِيف السَّنَد لَكِن لَهُ وجهة نظر فَإِن المساكنة تَدْعُو إِلَى المشاكلة وَعَن قيس بن أبي حَازِم عَن جرير بن عبد الله ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَنا بَرِيء من كل مُسلم يُقيم بَين أظهر الْمُشْركين قَالُوا يَا رَسُول الله وَلم قَالَ لَا ترَاءى نارهما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَأكْثر الروَاة رَوَوْهُ مُرْسلا عَن قيس بن أبي حَازِم عَن النَّبِي ﷺ قَالَ التِّرْمِذِيّ سَمِعت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ يَقُول الصَّحِيح حَدِيث قيس عَن النَّبِي ﷺ مُرْسل اهـ وَكَيف تطيب نفس مُؤمن أَن يسكن فِي بِلَاد كفار تعلن فِيهَا شَعَائِر الْكفْر وَيكون الحكم فِيهَا لغير الله وَرَسُوله وَهُوَ يُشَاهد ذَلِك بِعَيْنِه ويسمعه بأذنيه ويرضى بِهِ بل ينتسب إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد ويسكن فِيهَا بأَهْله وَأَوْلَاده ويطمئن إِلَيْهَا كَمَا يطمئن إِلَى بِلَاد الْمُسلمين مَعَ مَا فِي ذَلِك من الْخطر الْعَظِيم

стр. 140

عَلَيْهِ وعَلى أَهله وَأَوْلَاده فِي دينهم وأخلاقهم الْمَجْمُوع الثمين ١٥٠ ٥٥ حكم من يحكم بِغَيْر مَا أنزل الله (١) ٣٣ - السُّؤَال هَل يعْتَبر الْحُكَّام الَّذين يحكمون بِغَيْر مَا أنزل الله كفَّارًا وَإِذا قُلْنَا إِنَّهُم مُسلمُونَ فَمَاذَا نقُول عَن قَوْله تَعَالَى وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ (٢) الْجَواب الحكم بِغَيْر مَا أنزل الله أَقسَام تخْتَلف أحكامهم بِحَسب اعْتِقَادهم وأعمالهم فَمن حكم بِغَيْر مَا أنزل الله يرى أَن ذَلِك أحسن من شرع الله فَهُوَ كَافِر عِنْد جَمِيع الْمُسلمين وَهَكَذَا من يحكم القوانين الوضعية بَدَلا من شرع الله وَيرى أَن ذَلِك جَائِزا وَلَو قَالَ إِن تحكيم الشَّرِيعَة أفضل فَهُوَ كَافِر لكَونه اسْتحلَّ مَا حرم الله أما من حكم بِغَيْر مَا أنزل الله

стр. 141

اتبَاعا للهوى أَو لرشوة أَو لعداوة بَينه وَبَين الْمَحْكُوم عَلَيْهِ أَو لأسباب أُخْرَى وَهُوَ يعلم أَنه عَاص لله بذلك وَأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ تحكيم شرع الله فَهَذَا يعْتَبر من أهل الْمعاصِي والكبائر وَيعْتَبر قد أَتَى كفرا أَصْغَر وظلما أَصْغَر وفسقا أَصْغَر كَمَا جَاءَ هَذَا الْمَعْنى عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَعَن طَاوُوس وَجَمَاعَة من السّلف الصَّالح وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أهل الْعلم وَالله ولي التَّوْفِيق مَجْمُوع فتاوي سماحة الشَّيْخ ابْن باز ٣٤١٦ الِاسْتِهْزَاء بالملتزمين بأوامر الله وَرَسُوله ٣٤ - سُؤال مَا حكم الإستهزاء بالملتزمين بأوامر الله وَرَسُوله الْفَتْوَى الإستهزاء بالملتزمين بأوامر الله وَرَسُوله لكَوْنهم التزموا بذلك محرم وخطير جدا على الْمَرْء لِأَنَّهُ يخْشَى أَن تكون كَرَاهَته لَهُم لكَرَاهَة مَا هم عَلَيْهِ من الإستقامة على دين الله

стр. 142

وَحِينَئِذٍ يكون استهزاؤه بهم استهزاء بطريقهم الَّذِي هم عَلَيْهِ فيشبهون من قَالَ الله عَنْهُم وَلَئِن سَأَلتهمْ ليَقُولن إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزؤون لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ (التَّوْبَة الْآيَتَانِ ٦٥ ٦٦) فَإِنَّهَا نزلت فِي قوم من الْمُنَافِقين قَالُوا مَا رَأينَا مثل قرائنا هَؤُلَاءِ يعنون رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه أَرغب بطونا وَلَا أكذب أَلسنا وَلَا أجبن عِنْد اللِّقَاء فَأنْزل الله فيهم هَذِه الْآيَة فليحذر الَّذين يسخرون من أهل الْحق لكَوْنهم من أهل الدّين فَإِن الله يَقُول إِن الَّذين أجرموا كَانُوا من الَّذين آمنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذا مروا بهم يتغامزون وَإِذا انقلبوا إِلَى أهلهم انقلبوا فكهين وَإِذا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِن هَؤُلَاءِ لضالون وَمَا أرْسلُوا عَلَيْهِم حافظين فاليوم الَّذين آمنُوا من الْكفَّار يَضْحَكُونَ على الأرائك ينظرُونَ هَل ثوب الْكفَّار مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (المطففين الْآيَات ٢٩ ٣٦) فتاوي الشَّيْخ ابْن عثيمين ١١١٥

стр. 143

هَل يعْتَبر الشعة فِي حكم الْكَافرين ٣٥ - سُئِلَ الشَّيْخ هِيَ يعْتَبر الشِّيعَة فِي حكم الْكَافرين وَهل يَدْعُو الْمُسلم الله تَعَالَى أَن ينصر الْكفَّار عَلَيْهِم فَأجَاب بقوله الشِّيعَة وَالصَّوَاب أَن يُقَال الرافضة لِأَن تشيعهم لعَلي بن أبي طَالب ﵁ تشيع متطرف غال لَا يقبله عَليّ ﵁ فالرافضة كَمَا وَصفهم شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية يرحمه الله تَعَالَى فِي كِتَابه اقْتِضَاء الصِّرَاط الْمُسْتَقيم مُخَالفَة أَصْحَاب الْجَحِيم حَيْثُ قَالَ ص ٣٩١ إِنَّهُم أكذب طوائف أهل الْأَهْوَاء وأعظمهم شركا فَلَا يُوجد فِي أهل الْأَهْوَاء أكذب مِنْهُم وَلَا أبعد عَن التَّوْحِيد حَتَّى إِنَّهُم يخربون مَسَاجِد الله الَّتِي يذكر فِيهَا اسْمه فيعطلونها عَن الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات ويعمرون الْمشَاهد الَّتِي أُقِيمَت على الْقُبُور الَّتِي نهى الله وَرَسُوله عَن اتخاذها وَقَالَ ص ٤٣٩ من الْكتاب الْمَذْكُور الرافضة أمة مخذولة لَيْسَ لَهَا عقل صَرِيح

стр. 144

وَلَا نقل صَحِيح وَلَا دين مَقْبُول وَلَا دنيا منصورة وَقَالَ فِي الفتاوي ص ٣٥٦ ج ٣ من مَجْمُوع ابْن قَاسم وأصل قَول الرافضة أَن النَّبِي ﷺ نَص على عَليّ نصا قَاطعا للْعُذْر وَأَنه إِمَام مَعْصُوم وَمن خَالفه كفر وَأَن الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار كتموا النَّص وَكَفرُوا بِالْإِمَامِ الْمَعْصُوم وَاتبعُوا أهواءهم وبدلوا الدّين وغيروا الشَّرِيعَة وظلموا واعتدوا بل وَكَفرُوا إِلَّا نَفرا قَلِيلا إِمَّا بضعَة عشر أَو أَكثر ثمَّ يَقُولُونَ إِن أَبَا بكر وَعمر وَنَحْوهمَا مَا زَالا منافقين وَقد يَقُولُونَ بل آمنُوا ثمَّ كفرُوا وَأَكْثَرهم يكفر من خَالف قَوْلهم ويسمون أنفسهم الْمُؤمنِينَ وَمن خالفهم كفَّارًا إِلَى أَن قَالَ وَمِنْهُم ظَهرت أُمَّهَات الزندقة والنفاق كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم وَانْظُر قَوْله فيهم أَيْضا ص ٤٢٨ ٤٢٩ ج ٤ من الفتاوي الْمَذْكُورَة وَإِذا شِئْت أَن تعرف مَا كَانَ الرافضة عَلَيْهِ من الْخبث فاقرأ كتاب الخطوط العريضة لمحب الدّين الْخَطِيب فقد ذكر عَنْهُم مَا لم يذكر عَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي أعظم خلفاء

стр. 145

هَذِه الْأمة أبي بكر وَعمر وَكَانَ من دُعَائِهِمْ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد والعن قُرَيْش وجبتيهم وطاغوتيهم وابنتيهما يعنون أَبَا بكر وَعمر وَعَائِشَة وَحَفْصَة ﵃ أَجْمَعِينَ وَأما خطر الرافضة على الْإِسْلَام فكبير جدا وَقد كَانُوا هم السَّبَب فِي سُقُوط الْخلَافَة الإسلامية فِي بَغْدَاد وَإِدْخَال التتر عَلَيْهَا وَقتل الْعدَد الْكثير من الْعلمَاء كَمَا هُوَ مَعْلُوم فِي التَّارِيخ وخطرهم يَأْتِي من حَيْثُ إِنَّهُم يدينون ب (التقية) الَّتِي حَقِيقَتهَا النِّفَاق وَهُوَ إِظْهَار قبُول الْحق مَعَ الْكفْر بِهِ بَاطِنا والمنافقون أضرّ على الْإِسْلَام من ذَوي الْكفْر الصَّرِيح وَقد حصر الله تَعَالَى الْعَدَاوَة فيهم وَأنزل فيهم سُورَة كَامِلَة فال تَعَالَى فِي سُورَة الْمُنَافِقين هم الْعَدو فَاحْذَرْهُمْ (١) وَأما كوننا نَدْعُو الله تَعَالَى أَن ينصر الْكفَّار عَلَيْهِم فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ وَإِنَّمَا نَدْعُو الله تَعَالَى أَن ينصر الْمُسلمين الصَّادِقين الَّذين يَقُولُونَ بقلوبهم وألسنتهم رَبنَا اغْفِر لنا
следующие страницы →