Полный текст (224 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَالْكفْر والعرفان والنكر والفوز والخسران والغواية والرشد وَالطَّاعَة والعصيان والشرك وَالْإِيمَان
لَا رادة لقضائه وَلَا معقب لحكمه
يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء
﴿لَا يُسأل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾
وَيدل عَلَيْهِ من النَّقْل قَول الْأمة قاطبة
مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن
وَقَول الله ﴿أَن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾
وَيدل عَلَيْهِ من جِهَة الْعقل أَن الْمعاصِي والجرائم إِن كَانَ الله يكرهها وَلَا
стр. 142
يريدها وَإِنَّمَا هِيَ جَارِيَة على وفْق إِرَادَة الْعَدو إِبْلِيس لَعنه الله مَعَ أَنه عَدو الله سُبْحَانَهُ والجاري على وفْق إِرَادَة الْعَدو وَأكْثر من الْجَارِي على وفْق إِرَادَته تَعَالَى
فليت شعري كَيفَ يستجيز الْمُسلم أَن يرد مَالك الْجَبَّار ذِي الْجلَال
стр. 143
وَالْإِكْرَام إِلَى رُتْبَة لوردت إِلَيْهَا رياسة زعيم ضَيْعَة لاستنكف مِنْهَا
إِذْ لَو كَانَ مَا يسْتَمر لعدو الزعيم فِي الْقرْيَة أَكثر مِمَّا يَسْتَقِيم لَهُ لاستنكف من زعامته وتبرأ عَن ولَايَته وَالْمَعْصِيَة هِيَ الْغَالِبَة على الْخلق وكل ذَلِك جَار عِنْد المبتدعة على خلاف إِرَادَة الْحق تَعَالَى وَهَذَا غَايَة الضعْف وَالْعجز تَعَالَى رب الأرباب عَن قَول الظَّالِمين علوا كَبِيرا
ثمَّ مهما ظهر أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة لله صَحَّ أَنَّهَا مُرَادة لَهُ
فَإِن قيل فَكيف ينْهَى عَمَّا يُرِيد وَيَأْمُر بِمَا لَا يُرِيد
قُلْنَا الْأَمر غير الْإِرَادَة وَلذَلِك إِذا ضرب السَّيِّد عَبده فَعَاتَبَهُ السُّلْطَان عَلَيْهِ فَاعْتَذر بتمرد عَبده عَلَيْهِ فكذبه السُّلْطَان فَأَرَادَ إِظْهَار حجَّته بِأَن يَأْمر العَبْد بِفعل وَيُخَالِفهُ بَين يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ
أَسْرج هَذِه الدَّابَّة بمشهد من السُّلْطَان فَهُوَ يَأْمُرهُ بِمَا لَا يُرِيد امتثاله وَلَو لم يكن
стр. 144
آمرا لما كَانَ عذره عِنْد السُّلْطَان ممهداً وَلَو كَانَ مرِيدا لامتثاله لَكَانَ مرِيدا لهلاك نَفسه وَهُوَ محَال
الأَصْل الرَّابِع
أَن الله تَعَالَى متفضل بالخلق والاختراع ومتطول بتكليف الْعباد وَلم يكن الْخلق والتكليف وَاجِبا عَلَيْهِ
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة
وَجب عَلَيْهِ ذَلِك لما فِيهِ من مصلحَة الْعباد وَهُوَ محَال إِذْ هُوَ الْمُوجب والآمر
стр. 145
والناهي وَكَيف يتهدف لإِيجَاب أَو يتَعَرَّض للُزُوم وخطاب
وَالْمرَاد بِالْوَاجِبِ أحد أَمريْن إِمَّا الْفِعْل الَّذِي فِي تَركه ضَرَر إِمَّا آجل كَمَا يُقَال يجب على العَبْد أَن يُطِيع الله حَتَّى لَا يعذبه فِي الْآخِرَة بالنَّار
أَو ضَرَر عَاجل كَمَا يُقَال يجب على العطشان أَن يشرب حَتَّى لَا يَمُوت
وَإِمَّا أَن يُرَاد بِهِ الَّذِي يُؤَدِّي عَدمه إِلَى محَال كَمَا يُقَال
وجود الْمَعْلُوم وَاجِب إِذْ عَدمه يُؤَدِّي إِلَى محَال وَهُوَ أَن يصير الْعلم جهلا
فَإِن أَرَادَ الْخصم بِأَن الْخلق وَاجِب على الله بِالْمَعْنَى الأول فقد عرضه للضَّرَر وَإِن أَرَادَ بِهِ الْمَعْنى الثَّانِي فَهُوَ مُسلم إِذْ بعد سبق الْعلم لَا بُد من وجود الْمَعْلُوم وَإِن أَرَادَ بِهِ معنى ثَالِثا فَهُوَ غير مَفْهُوم
стр. 146
وَقَوله يجب لمصْلحَة عباده كَلَام فَاسد فَإِنَّهُ إِذا لم يتَضَرَّر بترك مصلحَة الْعباد لم يكن للْوُجُوب فِي حَقه معنى
ثمَّ إِن مصلحَة الْعباد فِي أَن يخلقهم فِي الْجنَّة فَأَما أَن يخلقهم فِي دَار البلايا ويعرضهم للخطايا ثمَّ يهدنهم لخطر الْعقَاب وَهُوَ الْعرض والحساب فَمَا فِي ذَلِك غِبْطَة عِنْد ذَوي الْأَلْبَاب
الأَصْل الْخَامِس
أَنه يجوز على الله سُبْحَانَهُ أَن يُكَلف الْخلق مَا لَا يطيقُونَهُ خلافًا للمعتزلة وَلَو يجز ذَلِك لاستحال سُؤال دَفعه وَقد سَأَلُوا ذَلِك فَقَالُوا
﴿رَبنَا وَلَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ﴾
стр. 147
وَلِأَن الله تَعَالَى أخبر نبيه ﷺ بِأَن أَبَا جهل لَا يصدقهُ ثمَّ أمره بِأَن يَأْمُرهُ بِأَن يصدقهُ فِي جَمِيع أَقْوَاله وَكَانَ من جملَة أَقْوَاله أَنه لَا يصدقهُ فَكيف فِي أَنه لَا يصدقهُ
وَهل هَذَا إِلَّا محَال وجوده
الأَصْل السَّادِس
أَن لله إيلام الْخلق وتعذيبهم من غير جرم سَابق وَمن غير ثَوَاب لَاحق خلافًا للمعتزلة لِأَنَّهُ متصرف فِي ملكه وَلَا يتَصَوَّر أَن يعدو تصرفه ملكه وَالظُّلم هُوَ عبارَة عَن التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه وَهُوَ محَال على الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يُصَادف لغيره ملكا حَتَّى يكون تصرفه فِيهِ ظلما
стр. 148
وَيدل على ذَلِك وجوده فَإِن ذبح الْبَهَائِم إيلام لَهَا وَمَا صب عَلَيْهَا من أَنْوَاع الْعَذَاب من جِهَة الْآدَمِيّين لم يتقدمها جريمة
فَإِن قيل إِن الله تَعَالَى يحشرها ويجازيها على قدر مَا قاسته من الآلام وَيجب ذَلِك على الله سُبْحَانَهُ
فَنَقُول من زعم أَنه يجب على الله إحْيَاء كل نملة وطِئت وكل بقة عركت حَتَّى يثيبها على آلامها فقد خرج عَن الشَّرْع وَالْعقل إِذْ يُقَال
وصف الثَّوَاب والحشر بِكَوْنِهِ وَاجِبا عَلَيْهِ إِن كَانَ المُرَاد بِهِ إِنَّه يتَضَرَّر بِتَرْكِهِ فَهُوَ محَال وَإِن أُرِيد بِهِ غَيره فقد سبق أَنه غير مَفْهُوم إِذا خرج عَن الْمعَانِي الْمَذْكُورَة للْوَاجِب
الأَصْل السَّابِع
أَنه تَعَالَى يفعل بعباده مَا يَشَاء فَلَا يجب عَلَيْهِ رِعَايَة الْأَصْلَح لِعِبَادِهِ لما
стр. 149
ذَكرْنَاهُ من أَنه لَا يجب عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ شَيْء بل لَا يعقل فِي حَقه الْوُجُوب فَإِنَّهُ لَا يسئل عَمَّا يفعل وهم يسئلون
وليت شعري بِمَا يُجيب المعتزلي فِي قَوْله
إِن الْأَصْلَح وَاجِب عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَة نعرضها عَلَيْهِ وَهُوَ أَن يفْرض مناظرة فِي الْآخِرَة بَين صبي وَبَين بَالغ مَاتَا مُسلمين فَإِن الله سُبْحَانَهُ يزِيد فِي دَرَجَات الْبَالِغ ويفضله عَن الصَّبِي لِأَنَّهُ تَعب بِالْإِيمَان والطاعات بعد الْبلُوغ وَيجب عَلَيْهِ ذَلِك عِنْد المعتزلي فَلَو قَالَ الصَّبِي يَا رب لم رفعت مَنْزِلَته عَليّ فَيَقُول لِأَنَّهُ بلغ واجتهد فِي الطَّاعَات وَيَقُول الصَّبِي
أَنْت أمتني فِي الصِّبَا فَكَانَ يجب عَلَيْك أَن تديم حَياتِي حَتَّى أبلغ فأجتهد فقد عدلت عَن الْعدْل فِي التَّفْضِيل عَلَيْهِ بطول الْعُمر لَهُ دوني فَلم فضلته
стр. 150
فَيَقُول الله تَعَالَى لِأَنِّي علمت أَنَّك لَو بلغت لأشركت أَو عصيت فَكَانَ لأصلح لَك الْمَوْت فِي الصِّبَا
هَذَا عذر المعتزلي عَن الله وَعند هَذَا يُنَادي الْكفَّار من دركات لظى وَيَقُولُونَ يَا رب أما علمت أننا إِذا بلغنَا أشركنا فَهَلا أمتنَا فِي الصِّبَا فَإنَّا رَضِينَا بِمَا دون منزلَة الصَّبِي الْمُسلم فبماذا يُجَاب عَن ذَلِك وَهل يجب عِنْد هَذَا إِلَّا الْقطع بِأَن الْأُمُور الإلهية تتعالى بِحكم الْجلَال عَن أَن توازن بميزان الاعتزال
فَإِن قيل مهما قدر على رِعَايَة الْأَصْلَح للعباد ثمَّ سلط عَلَيْهِم أَسبَاب الْعَذَاب كَانَ ذَلِك قبيحا لَا يَلِيق بالحكمة
قُلْنَا الْقَبِيح مَا لَا يُوَافق الْغَرَض حَتَّى إِنَّه قد يكون الشَّيْء قبيحاً عِنْد
стр. 151
شخص حسنا عِنْد غَيره إِذا وَافق غَرَض أَحدهمَا دون الآخر حَتَّى يستقبح قتل الشَّخْص أولياؤه ويستحسنه أعداؤه
فَإِن أُرِيد بالقبيح مَا لَا يُوَافق غَرَض الْبَارِي سُبْحَانَهُ فَهُوَ محَال إِذْ لَا غَرَض لَهُ فَلَا يتَصَوَّر مِنْهُ قَبِيح كَمَا لَا يتَصَوَّر مِنْهُ ظلم إِذْ لَا يتَصَوَّر مِنْهُ التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر
وَإِن أُرِيد بالقبيح مَا لَا يُوَافق غَرَض الْغَيْر فَلم قُلْتُمْ إِن ذَلِك عَلَيْهِ محَال
وَهل هَذَا إِلَّا مُجَرّد تشْتَهي يشْهد بِخِلَافِهِ مَا قد فرضناه من مخاصمة أهل النَّار
ثمَّ الْحَكِيم مَعنا الْعَالم بحقائق الْأَشْيَاء الْقَادِر على فعلهَا على وفْق إِرَادَته وَهَذَا من أَيْن يُوجب رِعَايَة الْأَصْلَح وَأما الْحَكِيم منا يُرَاعِي الْأَصْلَح نظرا
стр. 152
لنَفسِهِ ليستفيد بِهِ فِي الدُّنْيَا ثَنَاء وَفِي الْآخِرَة ثَوابًا أَو يدْفع بِهِ عَن نَفسه آفَة وكل ذَلِك على الله محَال
الأَصْل الثَّامِن
أَن معرفَة الله سُبْحَانَهُ وطاعته وَاجِبَة بِإِيجَاب الله تَعَالَى وشرعه لَا بِالْعقلِ
خلافًا للمعتزلة لِأَن الْعقل وَإِن أوجب الطَّاعَة فَلَا يَخْلُو
إِمَّا أَن يُوجِبهَا لغير فَائِدَة وَهُوَ محَال فَإِن الْعقل لَا يُوجب الْعَبَث
وَإِمَّا أَن يُوجِبهَا لفائدة وغرض وَذَلِكَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يرجع إِلَى المعبود وَذَلِكَ محَال فِي حَقه تَعَالَى فَإِنَّهُ يتقدس عَن الْأَغْرَاض والفوائد بل الْكفْر وَالْإِيمَان وَالطَّاعَة والعصيان فِي حَقه تَعَالَى سيان وَإِمَّا أَن يرجع ذَلِك إِلَى غَرَض العَبْد وَهُوَ أَيْضا محَال لِأَنَّهُ لَا غَرَض لَهُ فِي الْحَال بل يتعب بِهِ وينصرف عَن الشَّهَوَات بِسَبَبِهِ وَلَيْسَ فِي الْمَآل إِلَّا الثَّوَاب وَالْعِقَاب
وَمن أَيْن يعلم أَن الله تَعَالَى يثيب على الْمعْصِيَة وَالطَّاعَة وَلَا يُعَاقب عَلَيْهِمَا
стр. 153
مَعَ أَن الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة فِي حَقه يتساويان إِذْ لَيْسَ لَهُ إِلَى أَحدهمَا ميل وَلَا بِهِ لأَحَدهمَا اخْتِصَاص وَإِنَّمَا عرف تَمْيِيز ذَلِك بِالشَّرْعِ
وَلَقَد ذل من أَخذ هَذَا من المقايسة بَين الْخَالِق والمخلوق حَيْثُ يغرق بَين الشُّكْر والكفران لما لَهُ من الارتياح والاهتزاز والتلذذ بِأَحَدِهِمَا دون الآخر
فَإِن قيل لم يجب النّظر والمعرفة إِلَّا بِالشَّرْعِ وَالشَّرْع لَا يسْتَقرّ مَا لم ينظر الْمُكَلف فِيهِ فَإِذا قَالَ الْمُكَلف للنَّبِي إِن الْعقل لَيْسَ بوجب على النّظر وَالشَّرْع لَا يثبت عِنْدِي إِلَّا بِالنّظرِ وَلست أقدم على النّظر أدّى ذَلِك إِلَى إفحام الرَّسُول ﷺ
قُلْنَا هَذَا يضاهي قَول الْقَائِل للْوَاقِف فِي مَوضِع من الْمَوَاضِع
إِن وَرَاءَك
стр. 154
سبعا ضارياً فَإِن لم تَبْرَح عَن الْمَكَان قَتلك وَإِن الْتفت وَرَاءَك وَنظرت عرفت صدقي فَيَقُول الْوَاقِف
لَا يثبت صدقك مَا لم ألتفت ورائي وَلَا ألتفت ورائي وَلَا أنظر مَا لم يثبت صدقك
فَيدل هَذَا على حَمَاقَة هَذَا الْقَائِل وتهدفه للهلاك وَلَا ضَرَر فِيهِ على الْهَادِي المرشد فَكَذَلِك النَّبِي ﷺ يَقُول
إِن وراءكم الْمَوْت ودونه السبَاع الضارية والنيران المحرقة إِن لم تَأْخُذُوا مِنْهَا حذركُمْ وتعرفوا لي صدقي بالالتفات إِلَى معجزتي وَإِلَّا هلكتم فَمن الْتفت عرف وَاحْترز وَنَجَا وَمن لم يلْتَفت وأصر هلك وتردى وَلَا ضَرَر على إِن هلك النَّاس كلهم أَجْمَعُونَ وَإِنَّمَا عَليّ الْبَلَاغ الْمُبين
فالشرع يعرف وجود السبَاع الضاري بعد الْمَوْت وَالْعقل يُفِيد فهم الْكَلَام
стр. 155
والإحاطة بِإِمْكَان مَا يَقُوله فِي الْمُسْتَقْبل والطبع يستحث على الحذر من الضَّرَر وَمعنى كَون الشَّيْء وَاجِبا فِي تَركه ضَرَرا
وَمعنى كَون الشَّرْع مُوجبا أَنه معرف للضَّرَر المتوقع فَإِن الْعقل لَا يهدي إِلَى التهدف للضَّرَر بعد الْمَوْت عِنْد اتِّبَاع الشَّهَوَات
فَهَذَا معنى الشَّرْع وَالْعقل وتأثيرهما فِي تَقْدِير الْوَاجِب وَلَوْلَا خوف الْعقَاب على ترك مَا أَمر بِهِ مميكن الْوُجُوب ثَابتا إِذْ لَا معنى للْوَاجِب إِلَّا مَا يرتبط بِتَرْكِهِ ضَرَر فِي الْآخِرَة
الأَصْل التَّاسِع
أَنه لَيْسَ يَسْتَحِيل بَعثه الْأَنْبِيَاء ﵈ خلافًا للبراهمة حَيْثُ قَالُوا
стр. 156
لَا فَائِدَة فِي بعثتهم إِذْ فِي الْعقل مندوحة عَنْهُم لِأَن الْعقل لَا يهدي إِلَى الْأَفْعَال المنجية فِي الْآخِرَة كَمَا لَا يهدي إِلَى الْأَدْوِيَة المفيدة للصِّحَّة حَاجَة الْخلق إِلَى الْأَنْبِيَاء كحاجتهم إِلَى الْأَطِبَّاء وَلَكِن يعرف صدق الطَّبِيب بالتجربة وَيعرف صدق النَّبِي بالمعجزة
الأَصْل الْعَاشِر
أَن الله سُبْحَانَهُ قد أرسل مُحَمَّدًا ﷺ خَاتمًا لِلنَّبِيِّينَ وناسخاً لما قبله من
стр. 157
شرائع الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ وأيده بالمعجزات الظَّاهِرَة والآيات الباهرة كانشقاق الْقَمَر وتسبيح الْحَصَى وإنطاق العجماء وَمَا تفجر من بَين أَصَابِعه من المَاء
وَمن آيَاته الظَّاهِرَة الَّتِي تحدى بهَا مَعَ كَافَّة الْعَرَب الْقُرْآن الْعَظِيم فَإِنَّهُم مَعَ تميزهم بالفصاحة والبلاغة تهدفوا لسلبه ونهبه وَقَتله وإخراجه كَمَا أخبر الله عزوجل عَنْهُم وَلم يقدروا على معارضته بِمثل الْقُرْآن إِذْ لم يكن فِي قدرَة الْبشر الْجمع بَين
стр. 158
جزالة الْقُرْآن ونظمه هَذَا مَعَ مَا فِيهِ من أَخْبَار الْأَوَّلين مَعَ كَونه أُمِّيا غير ممارس للكتب والإنباء عَن الْغَيْب فِي أُمُور تحقق صدقه فِيهَا فِي الِاسْتِقْبَال كَقَوْلِه تَعَالَى
﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين مُحَلِّقِينَ رؤوسكم وَمُقَصِّرِينَ﴾
وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين﴾
وَوجه دلَالَة المعجزة على صدق الرُّسُل أَن كل مَا عجز عَنهُ الْبشر لم يكن إِلَّا فعلا لله تَعَالَى فمهما كَانَ مَقْرُونا بتحدي النَّبِي ﷺ ينزل منزلَة قَوْله صدقت وَذَلِكَ مثل الْقَائِم بَين أَيدي الْملك الْمُدعى على رَعيته أَنه رَسُول الْملك إِلَيْهِم
стр. 159
فَإِنَّهُ مهما قَالَ للْملك إِن كنت صَادِقا فَقُمْ على سريرك ثَلَاثًا واقعد على خلاف عادتك فَفعل الْملك ذَلِك حصل للحاضرين علم ضَرُورِيّ بِأَن ذَلِك نَازل منزلَة قَوْله صدقت
الرُّكْن الرَّابِع فِي السمعيات وتصديقه ﷺ فِيمَا أخبر عَنهُ ومداره على عشرَة أصُول
стр. 160
الرُّكْن الرَّابِع فِي السمعيات وتصديقه ﷺ فِيمَا أخبر عَنهُ ومداره على عشرَة أصُول
стр. 161
الأَصْل الأول الْحَشْر والنش
وَقد ورد بهما الشَّرْع وَهُوَ حق والتصديق بهما وَاجِب لِأَنَّهُ فِي الْعقل مُمكن وَمَعْنَاهُ الْإِعَادَة بعد الإفناء وَذَلِكَ مَقْدُور لله تَعَالَى كابتداء
стр. 162
الْإِنْشَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿قَالَ من يحيي الْعِظَام وَهِي رَمِيم قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أول مرّة﴾
فاستدل بِالِابْتِدَاءِ على الْإِعَادَة
وَقَالَ ﴿مَا خَلقكُم وَلَا بعثكم إِلَّا كَنَفس وَاحِدَة﴾
والإعادة ابْتِدَاء ثَان فَهُوَ مُمكن كالإبتداء الأول
الأَصْل الثَّانِي سُؤال مُنكر وَنَكِير
وَقد وَردت بِهِ الْأَخْبَار فَيجب التَّصْدِيق بِهِ لِأَنَّهُ مُمكن إِذْ لَيْسَ يَسْتَدْعِي إِلَّا إِعَادَة الْحَيَاة إِلَى جُزْء من الْأَجْزَاء الَّذِي بِهِ فهم الْخطاب وَذَلِكَ مُمكن فِي نَفسه وَلَا يدْفع ذَلِك مَا يُشَاهد من سُكُون أَجزَاء الْمَيِّت وَعدم سَمَاعنَا للسؤال
стр. 163
لَهُ فَإِن النَّائِم سَاكن بِظَاهِرِهِ وَيدْرك بباطنه من الآلام وَاللَّذَّات مَا يحس بتأثيره عِنْد التَّنْبِيه وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ
يسمع كَلَام جِبْرِيل ﵇ ويشاهده وَمن حوله لَا يسمعونه وَلَا يرونه وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ
فَإِذا لم يخلق لَهُم السّمع والرؤية لم يدركوه
الأَصْل الثَّالِث عَذَاب الْقَبْر
وَقد ورد الشَّرْع بِهِ قَالَ الله تَعَالَى
﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدواً وعشياً وَيَوْم تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾
واشتهر عَن رَسُول الله ﷺ وَالسَّلَف الصَّالح الِاسْتِعَاذَة من عَذَاب الْقَبْر
стр. 164
وَهُوَ مُمكن فَيجب التَّصْدِيق بِهِ تفرق أَجزَاء الْمَيِّت فِي بطُون السبَاع وحواصل الطُّيُور فَإِن الْمدْرك لألم الْعَذَاب من الْحَيَوَان أَجزَاء مَخْصُوصَة بِقدر الله تَعَالَى على إِعَادَة الْإِدْرَاك إِلَيْهَا
الأَصْل الرَّابِع الْمِيزَان
وَهُوَ حق قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة﴾
стр. 165
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن ثقلت مَوَازِينه فَأُولَئِك هم المفلحون وَمن خفت مَوَازِينه﴾
وَوَجهه أَن الله تَعَالَى يحدث فِي صَحَائِف الْأَعْمَال وزنا بِحَسب دَرَجَات الْأَعْمَال عِنْد الله تَعَالَى فَتَصِير مقادير أَعمال الْعباد مَعْلُومَة للعباد حَتَّى يظْهر لَهُم الْعدْل فِي الْعقَاب أَو الْفضل فِي الْعَفو وتضعيف الثَّوَاب
الأَصْل الْخَامِس الصِّرَاط
وَهُوَ جسر مَمْدُود على متن جَهَنَّم أرق من الشعرة وَأحد من السَّيْف
стр. 166
قَالَ الله تَعَالَى
﴿فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم وقفوهم إِنَّهُم مسؤولون﴾
وَهَذَا مُمكن فَيجب التَّصْدِيق بِهِ فَإِن الْقَادِر على أَن يطير الطير فِي الْهَوَاء قَادر على أَن يسير الْإِنْسَان على الصِّرَاط
الأَصْل السَّادِس أَن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين﴾
стр. 167
فَقَوله تَعَالَى ﴿أعدت﴾ دَلِيل وعَلى أَنَّهَا مخلوقة فَيجب إجراؤه على الظَّاهِر إِذْ لَا اسْتِحَالَة فِيهِ وولا يُقَال لَا فَائِدَة فِي خلقهما قبل يَوْم الْجَزَاء لِأَن الله تَعَالَى
﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يُسألون﴾
الأَصْل السَّابِع
أَن الإِمَام الْحق بعد رَسُول الله ﷺ أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ
стр. 168
رَضِي الله عَنْهُم وَلم يكن نَص رَسُول الله ﷺ على إِمَام أصلا إِذْ لَو كَانَ لَكَانَ أولى بالظهور من نَصبه آحَاد الْوُلَاة والأمراء على الْجنُود فِي الْبِلَاد وَلم يخف ذَلِك فَكيف خَفِي هَذَا وَإِن ظهر فَكيف اندرس حَتَّى لم ينْتَقل إِلَيْنَا فَلم يكن أَبُو بكر إِمَامًا إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ والبيعة
وَأما تَقْدِير النَّص على غَيره فَهُوَ نسبه للصحابة كلهم إِلَى مُخَالفَة رَسُول الله
стр. 169
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وخرق الْإِجْمَاع وَذَلِكَ مِمَّا لَا يستجريء على اختراعه إِلَّا الروابض
وإعتقاد أهل السّنة تَزْكِيَة جَمِيع الصَّحَابَة وَالثنَاء عَلَيْهِم كَمَا أثنى الله وَرَسُوله ﷺ عَلَيْهِم
وَمَا جرى بَين مُعَاوِيَة وَعلي ﵄ كَانَ مَبْنِيا على الِاجْتِهَاد لَا مُنَازعَة من مُعَاوِيَة فِي الْإِمَامَة إِذْ ظن عَليّ ﵁ أَن تَسْلِيم قتلة عُثْمَان مَعَ كَثْرَة
стр. 170
عَشَائِرهمْ واختلاطهم بالعسكر يُؤَدِّي إِلَى اضْطِرَاب أَمر الْإِمَامَة فِي بدايتها فَرَأى التَّأْخِير أصوب وَظن مُعَاوِيَة أَن تَأْخِير أَمرهم مَعَ عظم جنايتهم يُوجب الإعزاء بالأئمة ويعرض الدِّمَاء للسفك وَقد قَالَ أفاضل الْعلمَاء
كل مُجْتَهد مُصِيب وَقَالَ قَائِلُونَ الْمُصِيب وَاحِد وَلم يذهب إِلَى تخطئة على ذُو تَحْصِيل أصلا
الأَصْل الثَّامِن
أَن فضل الصَّحَابَة ﵃ على حسب ترتيبهم فِي الْخلَافَة إِذْ حَقِيقَة الْفضل مَا هُوَ فضل عِنْد الله وَذَلِكَ لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا رَسُول الله ﷺ
وَقد ورد فِي الثَّنَاء على جَمِيعهم آيَات وأخبار كَثِيرَة وَإِنَّمَا يدْرك دقائق الْفضل
стр. 171
وَالتَّرْتِيب فِيهِ المشاهدون للوحي والتنزيل بقرائن الْأَحْوَال ودقائق التَّفْصِيل
فلولا فهمهم ذَلِك لما رتبوا الْأَمر كَذَلِك إِذْ كَانُوا لَا تأخذهم فِي الله لومة لائم وَلَا يصرفهم عَن الْحق صَارف
الأَصْل التَّاسِع
أَن شَرَائِط الْإِمَامَة بعد الْإِسْلَام والتكليف خَمْسَة
стр. 172
الذُّكُورَة والورع وَالْعلم والكفاية وَنسبَة قُرَيْش لقَوْله ﷺ
الْأَئِمَّة من قُرَيْش
وَإِذا اجْتمع عدد من الموصوفين بِهَذِهِ الصِّفَات فالإمام من انْعَقَدت لَهُ الْبيعَة من أَكثر الْخلق والمخالف للْأَكْثَر بَاغ يجب رده إِلَى الانقياد إِلَى الْحق
الأَصْل الْعَاشِر
أَنه لَو تعذر وجود الْوَرع وَالْعلم فِيمَن يتَصَدَّى للْإِمَامَة وَكَانَ فِي صرفه
стр. 173
إثارة فتْنَة لَا تطاق حكمنَا بانعقاد إِمَامَته لأَنا بَين أَن نحرك فتْنَة الإستبدال فَمَا يلقى الْمُسلمُونَ فِيهِ من الضَّرَر يزِيد على مَا يفوتهُمْ من نُقْصَان هَذِه الشُّرُوط الَّتِي أَثْبَتَت لمزية الْمصلحَة فَلَا يهدم أصل الْمصلحَة شغفاً بمزاياها كَالَّذي يَبْنِي قصراً ويهدم مصرا وَبَين أَن نحكم بخلو الْبِلَاد عَن الإِمَام وبفساد الْأَقْضِيَة وَذَلِكَ محَال وَنحن نقضي بنفوذ قَضَاء أهل الْبَغي فِي بِلَاد لمسيس حَاجتهم فَكيف لَا نقضي بِصِحَّة الْإِمَامَة عِنْد الْحَاجة والضرورة
فَهَذِهِ الْأَركان الْأَرْبَعَة الحاوية لِلْأُصُولِ الْأَرْبَعين هِيَ قَوَاعِد العقائد
فَمن اعتقدها كَانَ مواقفا لأهل السّنة ومبايناً لرهط الْبِدْعَة فَالله تَعَالَى يسددنا بتوفيقه ويهدينا إِلَى الْحق وتحقيقه بمنه وسعة جوده وفضله ﷺ على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وكل عبد مصطفى
الْفَصْل الرَّابِع من قَوَاعِد العقائد فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَمَا بَينهمَا من الِاتِّصَال والإنفصال وَمَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَوجه اسْتثِْنَاء السّلف وَفِيه ثَلَاثَة مسَائِل
مَسْأَلَة
اخْتلفُوا فِي أَن الْإِسْلَام هُوَ الْإِيمَان أَو غَيره وَإِن كَانَ غَيره فَهَل هُوَ مُنْفَصِل عَنهُ يُوجد دونه أَو مُرْتَبِط بِهِ يلازمه
فَقيل إنَّهُمَا شَيْء وَاحِد
وَقيل إنَّهُمَا شيآن لَا يتواصلان
وَقيل إنَّهُمَا شيآن وَلَكِن يرتبط أَحدهمَا بِالْآخرِ
وَقد أورد أَبُو طَالب الْمَكِّيّ فِي هَذَا كلَاما شَدِيد الِاضْطِرَاب كثير التَّطْوِيل فلنهجم الْآن على التَّصْرِيح بِالْحَقِّ من غير تعريج على نقل مَا لَا تَحْصِيل لَهُ فَنَقُول فِي هَذَا ثَلَاثَة مبَاحث
بحث عَن مُوجب اللَّفْظَيْنِ فِي اللُّغَة
стр. 174
مَسْأَلَة
اخْتلفُوا فِي أَن الْإِسْلَام هُوَ الْإِيمَان أَو غَيره وَإِن كَانَ غَيره فَهَل هُوَ مُنْفَصِل عَنهُ يُوجد دونه أَو مُرْتَبِط بِهِ يلازمه
فَقيل إنَّهُمَا شَيْء وَاحِد
وَقيل إنَّهُمَا شيآن لَا يتواصلان
وَقيل إنَّهُمَا شيآن وَلَكِن يرتبط أَحدهمَا بِالْآخرِ
وَقد أورد أَبُو طَالب الْمَكِّيّ فِي هَذَا كلَاما شَدِيد الِاضْطِرَاب كثير التَّطْوِيل فلنهجم الْآن على التَّصْرِيح بِالْحَقِّ من غير تعريج على نقل مَا لَا تَحْصِيل لَهُ فَنَقُول
فِي هَذَا ثَلَاثَة مبَاحث
بحث عَن مُوجب اللَّفْظَيْنِ فِي اللُّغَة
стр. 175
وَبحث عَن حكمهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
والبحث الأول لغَوِيّ وَالثَّانِي تفسيري وَالثَّالِث
فقهي شَرْعِي
الْبَحْث الأول فِي مُوجب اللُّغَة
وَالْحق فِيهِ أَن الْإِيمَان عبارَة عَن التَّصْدِيق قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا﴾ أَي بمصدق
وَالْإِسْلَام عبارَة عَن التَّسْلِيم والاستسلام بالإذعان والانقياد وَترك التمرد والإباء لعناد
وللتصديق مَحل خَاص وَهُوَ الْقلب وَاللِّسَان ترجمانه
стр. 176
وَأما التَّسْلِيم فَإِنَّهُ عَام فِي الْقلب وَاللِّسَان والجوارح فَإِن كل تَصْدِيق بِالْقَلْبِ فَهُوَ تَسْلِيم وَترك الإباء والجحود وَكَذَلِكَ الِاعْتِرَاف بِاللِّسَانِ وَكَذَلِكَ الطَّاعَة والانقياد بالجوارح
فموجب اللُّغَة إِن الْإِسْلَام أَعم وَالْإِيمَان أخص فَكَانَ الْإِيمَان عبارَة عَن أشرف أَجزَاء الْإِسْلَام فَإِذن كل تَصْدِيق تَسْلِيم وَلَيْسَ كل تَسْلِيم تَصْدِيقًا
الْبَحْث الثَّانِي عَن إِطْلَاق الشَّرْع
وَالْحق فِيهِ أَن الشَّرْع قد ورد بإستعمالهما على سَبِيل الترادف والتوارد وَورد على سَبِيل الِاخْتِلَاف وَورد على سَبِيل التَّدَاخُل
стр. 177
أما الترادف فَفِي قَوْله تَعَالَى
﴿فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين﴾ وَلم يكن بالِاتِّفَاقِ إِلَّا بَيت وَاحِد
وَقَالَ تَعَالَى
﴿يَا قوم إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه فَعَلَيهِ توكلوا إِن كُنْتُم مُسلمين﴾
وَقَالَ ﷺ بني الْإِسْلَام على خمس
وَسُئِلَ رَسُول الله ﷺ مرّة عَن الْإِيمَان فَأجَاب بِهَذِهِ الْخمس
وَأما الِاخْتِلَاف فَقَوله تَعَالَى
стр. 178
﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا﴾
وَمَعْنَاهُ استسلمنا فِي الظَّاهِر فَأَرَادَ الْإِيمَان هَاهُنَا التَّصْدِيق فَقَط
وَبِالْإِسْلَامِ الاستسلام ظَاهرا بِاللِّسَانِ والجوارح
وَفِي حَدِيث جِبْرَائِيل ﵇ لما سَأَلَهُ عَن الْإِيمَان فَقَالَ
أَن نؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وبالبعث بعد الْمَوْت وبالحساب وبالقدر خَيره وشره فَقَالَ فَمَا الْإِسْلَام فَأجَاب بِذكر الْخِصَال الْخمس فَعبر بِالْإِسْلَامِ عَن تَسْلِيم الظَّاهِر بالْقَوْل وَالْعَمَل
стр. 179
وَفِي الحَدِيث عَن سعد أَنه ﷺ أعْطى رجلا عَطاء وَلم يُعْط الآخر فَقَالَ لَهُ سعد يَا رَسُول الله تركت فلَانا لم تعطه وَهُوَ مُؤمن فَقَالَ ﷺ
أَو مُسلم فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَأَعَادَ رَسُول الله ﷺ
وَأما التَّدَاخُل فَمَا ورى أَيْضا أَنه سُئِلَ فَقيل أَي الْأَعْمَال أفضل
فَقَالَ ﷺ الْإِسْلَام فَقَالَ أَي الْإِسْلَام أفضل
فَقَالَ ﷺ الْإِيمَان
وَهَذَا دَلِيل على الِاخْتِلَاف وعَلى التَّدَاخُل وَهُوَ أوفق الاستعمالات فِي
стр. 180
اللُّغَة لِأَن الْإِيمَان عمل من الْأَعْمَال وَهُوَ أفضلهَا وَالْإِسْلَام هُوَ تَسْلِيم إِمَّا بِالْقَلْبِ وَأما بِاللِّسَانِ وَإِمَّا بالجوارح وأفضلها الَّذِي بِالْقَلْبِ وَهُوَ التَّصْدِيق الَّذِي يُسمى إِيمَانًا
والإستعمال لَهما على سَبِيل الِاخْتِلَاف وعَلى سَبِيل التَّدَاخُل وعَلى سَبِيل الترادف كُله غير خَارج عَن طَرِيق التَّجَوُّز فِي اللُّغَة
أما الِاخْتِلَاف فَهُوَ أَن يَجْعَل الْإِيمَان عبارَة عَن التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ فَقَط وَهُوَ مُوَافق للغة
وَالْإِسْلَام عبارَة عَن التَّسْلِيم ظَاهرا وَهُوَ أَيْضا مُوَافق للغة فَإِن التَّسْلِيم ببعضِ مَحَالّ التَّسْلِيم ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم التَّسْلِيم فَلَيْسَ من شَرط حُصُول الِاسْم عُمُوم الْمَعْنى لكل محمل يُمكن أَن يُوجد الْمَعْنى فِيهِ فَإِن من لمس غَيره بدنه يُسمى لامساً وَإِن لم يستعرق جَمِيع بدنه
فإطلاق اسْم الْإِسْلَام على التَّسْلِيم الطَّاهِر عِنْد عدم تَسْلِيم الْبَاطِن مُطَابق للسان وعَلى هَذَا الْوَجْه جرى قَوْله تَعَالَى
﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا﴾
следующие страницы →