← Акыда

Акыда · id 6397

قواعد العقائد

أبو حامد الغزالي

Полный текст (224 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَأما التَّسْلِيم فَإِنَّهُ عَام فِي الْقلب وَاللِّسَان والجوارح فَإِن كل تَصْدِيق بِالْقَلْبِ فَهُوَ تَسْلِيم وَترك الإباء والجحود وَكَذَلِكَ الِاعْتِرَاف بِاللِّسَانِ وَكَذَلِكَ الطَّاعَة والانقياد بالجوارح فموجب اللُّغَة إِن الْإِسْلَام أَعم وَالْإِيمَان أخص فَكَانَ الْإِيمَان عبارَة عَن أشرف أَجزَاء الْإِسْلَام فَإِذن كل تَصْدِيق تَسْلِيم وَلَيْسَ كل تَسْلِيم تَصْدِيقًا الْبَحْث الثَّانِي عَن إِطْلَاق الشَّرْع وَالْحق فِيهِ أَن الشَّرْع قد ورد بإستعمالهما على سَبِيل الترادف والتوارد وَورد على سَبِيل الِاخْتِلَاف وَورد على سَبِيل التَّدَاخُل

стр. 177

أما الترادف فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين﴾ وَلم يكن بالِاتِّفَاقِ إِلَّا بَيت وَاحِد وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا قوم إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه فَعَلَيهِ توكلوا إِن كُنْتُم مُسلمين﴾ وَقَالَ ﷺ بني الْإِسْلَام على خمس وَسُئِلَ رَسُول الله ﷺ مرّة عَن الْإِيمَان فَأجَاب بِهَذِهِ الْخمس وَأما الِاخْتِلَاف فَقَوله تَعَالَى

стр. 178

﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا﴾ وَمَعْنَاهُ استسلمنا فِي الظَّاهِر فَأَرَادَ الْإِيمَان هَاهُنَا التَّصْدِيق فَقَط وَبِالْإِسْلَامِ الاستسلام ظَاهرا بِاللِّسَانِ والجوارح وَفِي حَدِيث جِبْرَائِيل ﵇ لما سَأَلَهُ عَن الْإِيمَان فَقَالَ أَن نؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وبالبعث بعد الْمَوْت وبالحساب وبالقدر خَيره وشره فَقَالَ فَمَا الْإِسْلَام فَأجَاب بِذكر الْخِصَال الْخمس فَعبر بِالْإِسْلَامِ عَن تَسْلِيم الظَّاهِر بالْقَوْل وَالْعَمَل

стр. 179

وَفِي الحَدِيث عَن سعد أَنه ﷺ أعْطى رجلا عَطاء وَلم يُعْط الآخر فَقَالَ لَهُ سعد يَا رَسُول الله تركت فلَانا لم تعطه وَهُوَ مُؤمن فَقَالَ ﷺ أَو مُسلم فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَأَعَادَ رَسُول الله ﷺ وَأما التَّدَاخُل فَمَا ورى أَيْضا أَنه سُئِلَ فَقيل أَي الْأَعْمَال أفضل فَقَالَ ﷺ الْإِسْلَام فَقَالَ أَي الْإِسْلَام أفضل فَقَالَ ﷺ الْإِيمَان وَهَذَا دَلِيل على الِاخْتِلَاف وعَلى التَّدَاخُل وَهُوَ أوفق الاستعمالات فِي

стр. 180

اللُّغَة لِأَن الْإِيمَان عمل من الْأَعْمَال وَهُوَ أفضلهَا وَالْإِسْلَام هُوَ تَسْلِيم إِمَّا بِالْقَلْبِ وَأما بِاللِّسَانِ وَإِمَّا بالجوارح وأفضلها الَّذِي بِالْقَلْبِ وَهُوَ التَّصْدِيق الَّذِي يُسمى إِيمَانًا والإستعمال لَهما على سَبِيل الِاخْتِلَاف وعَلى سَبِيل التَّدَاخُل وعَلى سَبِيل الترادف كُله غير خَارج عَن طَرِيق التَّجَوُّز فِي اللُّغَة أما الِاخْتِلَاف فَهُوَ أَن يَجْعَل الْإِيمَان عبارَة عَن التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ فَقَط وَهُوَ مُوَافق للغة وَالْإِسْلَام عبارَة عَن التَّسْلِيم ظَاهرا وَهُوَ أَيْضا مُوَافق للغة فَإِن التَّسْلِيم ببعضِ مَحَالّ التَّسْلِيم ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم التَّسْلِيم فَلَيْسَ من شَرط حُصُول الِاسْم عُمُوم الْمَعْنى لكل محمل يُمكن أَن يُوجد الْمَعْنى فِيهِ فَإِن من لمس غَيره بدنه يُسمى لامساً وَإِن لم يستعرق جَمِيع بدنه فإطلاق اسْم الْإِسْلَام على التَّسْلِيم الطَّاهِر عِنْد عدم تَسْلِيم الْبَاطِن مُطَابق للسان وعَلى هَذَا الْوَجْه جرى قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا﴾

стр. 181

وَقَوله ﷺ فِي حَدِيث سعد أَو مُسلم لِأَنَّهُ فضل أَحدهمَا على الآخر وَيُرِيد بالاختلاف تفاضل المسميين وَأما التدخل فموافق أَيْضا للغة فِي خُصُوص الْإِيمَان وَهُوَ أَن يَجْعَل الْإِسْلَام عبارَة عَن التَّسْلِيم بِالْقَلْبِ وَالْقَوْل وَالْعَمَل جَمِيعًا وَالْإِيمَان عبارَة عَن بعض مَا دخل فِي الْإِسْلَام وَهُوَ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَهُوَ الَّذِي عنيناه بالتداخل وَهُوَ مُوَافق للغة فِي خُصُوص الْإِيمَان وَعُمُوم الْإِسْلَام للْكُلّ وعَلى هَذَا خرج قَوْله الْإِيمَان فِي جَوَاب قَول السَّائِل أَي الْإِسْلَام أفضل لِأَنَّهُ جعل الْإِيمَان خُصُوصا من الْإِسْلَام فَأدْخلهُ فِيهِ وَأما اسْتِعْمَاله فِيهِ على سَبِيل الترادف بِأَن يَجْعَل الْإِسْلَام عبارَة على التَّسْلِيم بِالْقَلْبِ وَالظَّاهِر جَمِيعًا فَإِن كل ذَلِك تَسْلِيم وَكَذَا الْإِيمَان وَيكون التَّصَرُّف فِي الْإِيمَان على الْخُصُوص بتعميمه وَإِدْخَال الظَّاهِر فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ جَائِز لِأَن تَسْلِيم الظَّاهِر بالْقَوْل وَالْعَمَل ثَمَرَة تَصْدِيق الْبَاطِن ونتيجته

стр. 182

وَقد يُطلق اسْم الشّجر وَيُرَاد بِهِ الشّجر مَعَ ثمره على سَبِيل التسامح فَيصير بِهَذَا الْقدر من التَّعْمِيم مرادفاً لاسم الْإِسْلَام ومطابقاً لَهُ فَلَا يزِيد عَلَيْهِ وَلَا ينقص وَعَلِيهِ خرج قَوْله ﴿فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين﴾ الْبَحْث الثَّالِث عَن الحكم الشَّرْعِيّ وللإسلام وَالْإِيمَان حكمان أخروي ودنيوي أما الأخروي فَهُوَ الْإِخْرَاج من النَّار وَمنع التخليد إِذْ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَيخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا الحكم على مَاذَا يَتَرَتَّب وعبروا عَنهُ بِأَن الْإِيمَان مَاذَا هُوَ

стр. 183

فَمن قَائِل إِنَّه مُجَرّد العقد وَمن قَائِل يَقُول إِنَّه عقد بِالْقَلْبِ وَشَهَادَة اللِّسَان وَمن قَائِل يزِيد ثَالِثا وَهُوَ الْعَمَل بالأركان وَنحن نكشف الغطاء عَنهُ ونقول

стр. 184

من جمع بَين هَذِه الثَّلَاثَة فَلَا خلاف فِي أَن مستقره الْجنَّة وَهَذِه دَرَجَة والدرجة الثَّانِيَة أَن يُوجد اثْنَان وَبَعض الثَّالِث وَهُوَ القَوْل وَالْعقد وَبَعض الْأَعْمَال وَلَكِن ارْتكب صَاحبه كَبِيرَة أَو بعض الْكَبَائِر فَعِنْدَ هَذَا قَالَت للمعتزلة خرج بِهَذَا عَن الْإِيمَان وَلم يدْخل فِي الْفِكر بل اسْمه فَاسق وَهُوَ على منزلَة بَين المنزلتين وَهُوَ مخلد فِي النَّار وَهَذَا بَاطِل كَمَا سَنذكرُهُ الدرجَة الثَّالِثَة أَن يُوجد التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالشَّهَادَة بِاللِّسَانِ دون الْأَعْمَال بالجوارح وَقد اخْتلفُوا فِي حكمه فَقَالَ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ

стр. 185

الْعَمَل بالجوارح من الْإِيمَان وَلَا يتم دونه وَادّعى الْإِجْمَاع فِيهِ وَاسْتدلَّ بأدلة تشعر بنقيض غَرَضه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ إِذْ هَذَا يدل على أَن الْعَمَل وَرَاء الْإِيمَان لَا من نفس الْإِيمَان وَإِلَّا فَيكون الْعَمَل فِي حكم الْمعَاد وَالْعجب أَنه ادّعى الْإِجْمَاع فِي هَذَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك ينْقل قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 186

لَا يكفر إِلَّا بعد جحوده لما أقربه وينكر على الْمُعْتَزلَة قَوْلهم بالتخليد فِي النَّار بِسَبَب الْكَبَائِر وَالْقَائِل بِهَذَا قَائِل بِنَفس مَذْهَب الْمُعْتَزلَة إِذْ يُقَال لَهُ من صدق بِقَلْبِه وَشهد بِلِسَانِهِ وَمَات فِي الْحَال فَهَل هُوَ فِي الْجنَّة فَلَا بُد أَن يَقُول نعم وَفِيه حكم بِوُجُود الْإِيمَان دون الْعَمَل فنزيد ونقول لَو بَقِي حَيا حَتَّى دخل عَلَيْهِ وَقت صَلَاة وَاحِدَة فَتَركهَا ثمَّ مَاتَ أَو زنى ثمَّ مَاتَ فَهَل يخلد فِي النَّار فَإِن قَالَ نعم فَهُوَ مُرَاد الْمُعْتَزلَة وَإِن قَالَ لَا فَهُوَ تَصْرِيح بِأَن الْعَمَل لَيْسَ ركنا من نفس الْإِيمَان وَلَا شرطا فِي وجوده وَلَا فِي اسْتِحْقَاق الْجنَّة بِهِ وَإِن قَالَ أردْت أَن يعِيش مُدَّة طَوِيلَة وَلَا يصلى وَلَا يقدم على شَيْء من الْأَعْمَال الشَّرْعِيَّة فَنَقُول فَمَا ضبط تِلْكَ الْمدَّة وَمَا عدد تِلْكَ الطَّاعَات الَّتِي بِتَرْكِهَا

стр. 187

يبطل الْإِيمَان وَمَا عدد الْكَبَائِر الَّتِي بارتكابها يبطل الْإِيمَان وَهَذَا لَا يُمكن التحكم بتقديره وَلم يصر إِلَيْهِ صائر أصلا الدرجَة الرَّابِعَة أَن يُوجد التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ قبل أَن ينْطق بِاللِّسَانِ أَو يشْتَغل بِالْأَعْمَالِ وَمَات فَهُوَ نقُول مَاتَ مُؤمنا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَهَذَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ وَمن شَرط القَوْل لتَمام الْإِيمَان يَقُول هَذَا مَاتَ قبل الْإِيمَان وَهُوَ فَاسد إِذْ قَالَ ﷺ يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَهَذَا قلبه طافح الْإِيمَان فَكيف يخلد فِي النَّار وَلم يشْتَرط فِي حَدِيث جِبْرِيل ﵇ للْإيمَان إِلَّا بالتصديق بِاللَّه تَعَالَى وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر كَمَا سبق الدرجَة الْخَامِسَة أَن يصدق بِالْقَلْبِ ويساعده من الْعُمر مهلة النُّطْق

стр. 188

بكلمتي الشَّهَادَة وَعلم وُجُوبهَا وَلكنه لم ينْطق بهَا فَيحْتَمل أَن يَجْعَل امْتِنَاعه عَن النُّطْق كامتناعه عَن الصَّلَاة ونقول هُوَ مُؤمن غير مخلد فِي النَّار وَالْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق الْمَحْض وَاللِّسَان ترجمان الْإِيمَان فَلَا بُد أَن يكون الْإِيمَان مَوْجُودا بِتَمَامِهِ قبل اللِّسَان حَتَّى يترجمه اللِّسَان وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر إِذْ لَا مُسْتَند إِلَّا اتِّبَاع مُوجب الْأَلْفَاظ وَوضع اللِّسَان أَن الْإِيمَان هُوَ عبارَة عَن التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَقد قَالَ ﷺ يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة وَلَا يَنْعَدِم الْإِيمَان من الْقلب بِالسُّكُوتِ عَن النُّطْق الْوَاجِب كَمَا لَا يَنْعَدِم بِالسُّكُوتِ عَن الْفِعْل الْوَاجِب وَقَالَ قَائِلُونَ القَوْل ركن إِذْ لَيْسَ كلمتا الشَّهَادَة إِخْبَارًا عَن الْقلب بل هُوَ إنْشَاء عقد آخر وَابْتِدَاء شَهَادَة والتزام وَالْأول أظهر وَقد غلا فِي هَذَا طَائِفَة المرجئة فَقَالُوا

стр. 189

هَذَا لَا يدْخل النَّار أصلا وَقَالُوا إِن الْمُؤمن وَإِن عصى فَلَا يدْخل النَّار وسنبطل ذَلِك عَلَيْهِم الدرجَة السَّادِسَة أَن يَقُول بِلِسَانِهِ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَلَكِن لم يصدق بِقَلْبِه فَلَا نشك فِي أَن هَذَا فِي حكم الْآخِرَة من الْكفَّار وَأَنه مخلد فِي النَّار وَلَا نشك فِي أَنه فِي حكم الدُّنْيَا الَّذِي يتَعَلَّق بالأئمة والولاة من الْمُسلمين لِأَن قلبه لَا يطلع عَلَيْهِ وعلينا أَن نظن بِهِ أَنه مَا قَالَه بِلِسَانِهِ إِلَّا وَهُوَ منطو عَلَيْهِ فِي قلبه وَإِنَّمَا نشك فِي أَمر ثَالِث وَهُوَ الحكم الدنيوي فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَذَلِكَ بِأَن يَمُوت لَهُ فِي الْحَال مُسلم ثمَّ يصدق بعد ذَلِك بِقَلْبِه ثمَّ يستفتي وَيَقُول كنت غير مُصدق بِالْقَلْبِ حَالَة الْمَوْت وَالْمِيرَاث الْآن فِي يَدي فَهَل يحل لي بيني وَبَين الله تَعَالَى أَو نكح مسلمة ثمَّ صدق بِقَلْبِه هَل تلْزمهُ إِعَادَة النِّكَاح هَذَا مَحل نظر فَيحْتَمل أَن يُقَال

стр. 190

أَحْكَام الدُّنْيَا منوطة بالْقَوْل الظَّاهِر ظَاهرا وَبَاطنا وَيحْتَمل أَن يُقَال تناط بِالظَّاهِرِ فِي حق غَيره لِأَن بَاطِنه غير ظَاهر لغيره وباطنه ظَاهر لَهُ فِي نَفسه بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَالْأَظْهَر وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى أَنه لَا يحل لَهُ ذَلِك الْمِيرَاث وَيلْزمهُ إِعَادَة النِّكَاح وَلذَلِك كَانَ حُذَيْفَة ﵁ لَا يحضر جَنَازَة من يَمُوت من الْمُنَافِقين وَعمر ﵁ كَانَ يُرَاعِي ذَلِك مِنْهُ فَلَا يحضر إِذا لم يحضر حُذَيْفَة ﵁ وَالصَّلَاة فعل ظَاهر فِي الدُّنْيَا وَإِن كَانَ من الْعِبَادَات والتوقي عَن الْحَرَام أَيْضا من جملَة مَا يجب لله كَالصَّلَاةِ لقَوْله ﷺ طلب الْحَلَال فَرِيضَة بعد الْفَرِيضَة وَلَيْسَ هَذَا مناقضاً لقولنا إِن الْإِرْث

стр. 191

حكم الْإِسْلَام وَهُوَ الاستسلام بل الاستسلام التَّام هُوَ مَا يَشْمَل الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَهَذِه مبَاحث فقهية ظنية تبنى على ظواهر الْأَلْفَاظ والعمومات والأقيسة فَلَا يَنْبَغِي أَن يظنّ الْقَاصِر فِي الْعُلُوم أَن الْمَطْلُوب فِيهِ الْقطع من حَيْثُ جرت الْعَادة بإيراده فِي فن الْكَلَام الَّذِي يطْلب فِيهِ الْقطع فَمَا أَفْلح من نطر إِلَى الْعَادَات والمراسم فِي الْعُلُوم فَإِن قلت فَمَا شُبْهَة الْمُعْتَزلَة والمرجئة وَمَا حجَّة بطلَان قَوْلهم فَأَقُول شبهتهم عمومات الْقُرْآن أما المرجئة فَقَالُوا لَا يدْخل الْمُؤمن النَّار وَإِن أَتَى بِكُل الْمعاصِي لقَوْله عز وَجل

стр. 192

﴿فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخساً وَلَا رهقاً﴾ وَلقَوْله ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله أُولَئِكَ هم الصديقون﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها﴾ إِلَى قَوْله ﴿فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء﴾ فَقَوله كلما ألقِي فِيهَا فَوْج عَام فَيَنْبَغِي أَن يكون من ألقِي فِي النَّار مُكَذبا وَلقَوْله تَعَالَى ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ وَهَذَا حصر وَإِثْبَات وَنفي وَلقَوْله تَعَالَى ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا وهم من فزع يَوْمئِذٍ آمنون﴾ فالإيمان رَأس الْحَسَنَات

стр. 193

وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك فَإِنَّهُ حَيْثُ ذكر الْإِيمَان فِي هَذِه الْآيَات أُرِيد بِهِ الْإِيمَان مَعَ الْعَمَل إِذْ بَينا أَن الْإِيمَان قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْإِسْلَام وَهُوَ الْمُوَافقَة بِالْقَلْبِ وَالْقَوْل وَالْعَمَل وَدَلِيل هَذَا التَّأْوِيل أَخْبَار كَثِيرَة فِي معاقبة العاصين ومقادير الْعقَاب وَقَوله ﷺ يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان فَكيف يخرج إِذا لم يدْخل وَمن الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾

стр. 194

وَالِاسْتِثْنَاء بِالْمَشِيئَةِ يدل على الانقسام وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا﴾ وتخصيصه بالْكفْر تحكم وَقَوله تَعَالَى ﴿أَلا إِن الظَّالِمين فِي عَذَاب مُقيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فكبت وُجُوههم فِي النَّار﴾ فَهَذِهِ العمومات فِي مُعَارضَة عموماتهم وَلَا بُد من تسليط التَّخْصِيص والتأويل على الْجَانِبَيْنِ لِأَن الْأَخْبَار مصرحة بِأَن العصاة يعذّبون بل قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ كَالصَّرِيحِ فِي أَن ذَلِك لَا بُد مِنْهُ للْكُلّ إِذْ لَا يَخْلُو مُؤمن عَن ذَنْب يرتكبه

стр. 195

وَقَوله تَعَالَى ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ أَرَادَ بِهِ من جمَاعَة مخصوصين أَو أَرَادَ بالأشقى شخصا معينا أَيْضا وَقَوله تَعَالَى ﴿كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها﴾ أَي فَوْج من الْكفَّار وَتَخْصِيص العمومات قريب وَمن هَذِه الْآيَة وَقع للأشعري وَطَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين إِنْكَار صِيغ الْعُمُوم وَأَن هَذِه الْأَلْفَاظ يتَوَقَّف فِيهَا إِلَى ظُهُور قرينَة تدل على مَعْنَاهَا وَأما الْمُعْتَزلَة فشبهتهم قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالْعصر إِن الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها كَانَ على رَبك حتما مقضياً﴾

стр. 196

ثمَّ قَالَ ﴿ثمَّ ننجي الَّذين اتَّقوا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم﴾ وكل آيَة ذكر الله الْعَمَل الصَّالح فِيهَا مَقْرُونا بِالْإِيمَان وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ وَهَذِه العمومات أَيْضا مَخْصُوصَة بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فَيَنْبَغِي أَن تبقى لَهُ مَشِيئَة فِي مغْفرَة مَا سوى الشّرك وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان

стр. 197

وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ فَكيف يضيع أجر أصل الْإِيمَان وَجَمِيع الطَّاعَات بِمَعْصِيَة وَاحِدَة وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ أَي لإيمانه وَقد ورد على مثل هَذَا السَّبَب فَإِن قلت فقد مَال الِاخْتِيَار إِلَى أَن الْإِيمَان حَاصِل دون الْعَمَل وَقد اشْتهر عَن السّلف قَوْلهم الْإِيمَان عقد وَقَول وَعمل فَمَا مَعْنَاهُ قُلْنَا لَا يبعد أَن يعد الْعَمَل من الْإِيمَان لِأَنَّهُ مكمل لَهُ ومتمم كَمَا يُقَال

стр. 198

الرَّأْس وَالْيَدَانِ من الْإِنْسَان وَمَعْلُوم أَنه يخرج عَن كَونه إنْسَانا بِعَدَمِ الرَّأْس وَلَا يخرج عَنهُ بِكَوْنِهِ مَقْطُوع الْيَد وَكَذَلِكَ يُقَال للتسبيحات والتكبيرات من الصَّلَاة وَإِن كَانَت لَا تبطل بفقدها فالتصديق بِالْقَلْبِ من الْإِيمَان كالرأس من وجود الْإِنْسَان إِذْ يَنْعَدِم بِعَدَمِهِ وَبَقِيَّة الطَّاعَات كالأطراف بَعْضهَا أَعلَى من بعض وَقد قَالَ ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَالصَّحَابَة ﵃ مَا اعتقدوا مَذْهَب الْمُعْتَزلَة فِي الْخُرُوج عَن الْإِيمَان بِالزِّنَا وَلَكِن مَعْنَاهُ غير مُؤمن حَقًا إِيمَانًا تَاما كَامِلا كَمَا يُقَال للعاجز الْمَقْطُوع الْأَطْرَاف هَذَا لَيْسَ بِإِنْسَان أَي لَيْسَ لَهُ الْكَمَال الَّذِي هُوَ وَرَاء حَقِيقَة الإنسانية

стр. 199

مَسْأَلَة فَإِن قلت فقد اتّفق السّلف على أَن الْإِيمَان يزِيد وَينْقص يزِيد بِالطَّاعَةِ وَينْقص بالمعصية فَإِذا كَانَ التَّصْدِيق هُوَ الْإِيمَان فَلَا يتَصَوَّر فِيهِ زِيَادَة وَلَا نُقْصَان فَأَقُول السّلف هم الشُّهُود الْعُدُول وَمَا لأحد عَن قَوْلهم عدُول فَمَا ذَكرُوهُ حق وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي فهمه وَفِيه دَلِيل على أَن الْعَمَل لَيْسَ من أَجزَاء الْإِيمَان وأركان وجوده بل هُوَ مزِيد عَلَيْهِ يزِيد بِهِ وَالزَّائِد مَوْجُود والناقص مَوْجُود وَالشَّيْء لَا يزِيد بِذَاتِهِ فَلَا يجوز أَن يُقَال الْإِنْسَان يزِيد بِرَأْسِهِ بل يُقَال يزِيد بلحيته وسمته وَلَا يجوز أَن يُقَال الصَّلَاة تزيد

стр. 200

بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود بل تزيد بالآداب وَالسّنَن فَهَذَا تَصْرِيح بِأَن الْإِيمَان لَهُ وجود ثمَّ بعد الْوُجُود يخْتَلف حَاله بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان فَإِن قلت فالإشكال قَائِم فِي أَن التَّصْدِيق كَيفَ يزِيد وَينْقص وَهُوَ خصْلَة وَاحِدَة فَأَقُول إِذا تركنَا المداهنة وَلم نكترت بتشغيب من تشغب وكشفنا الغطاء ارْتَفع الْإِشْكَال فَنَقُول الْإِيمَان اسْم مُشْتَرك يُطلق من ثَلَاثَة أوجه الأول أَنه يُطلق للتصديق بِالْقَلْبِ على سَبِيل الِاعْتِقَاد والتقليد من غير كشف وانشراح صدر وَهُوَ إِيمَان الْعَوام بل إِيمَان الْخلق كلهم إِلَّا الْخَواص

стр. 201

وَهَذَا الِاعْتِقَاد عقدَة على الْقلب تَارَة تشتد وتقوى وَتارَة تضعف وَتَسْتَرْخِي كالعقدة على الْخَيط مثلا وَلَا تستبعد هَذَا واعتبره باليهودي وصلابته فِي عقيدته الَّتِي لَا يُمكن نزوعه عَنْهَا بتخويف وتحذير وَلَا بتخييل وَوعظ وَلَا بتحقيق وبرهان وَكَذَلِكَ النَّصْرَانِي والمبتدعة وَفِيهِمْ من يُمكن تشكيكه بِأَدْنَى كَلَام وَيُمكن استنزاله عَن اعْتِقَاده بِأَدْنَى استمالة أَو تخويف مَعَ أَنه غير شَاك فِي عقده كَالْأولِ ولكنهما متفاوتان فِي شدَّة التصميم وَهَذَا مَوْجُود فِي الِاعْتِقَاد الْحق أَيْضا وَالْعَمَل يُؤثر فِي نَمَاء هَذَا التصميم وزيادته كَمَا يُؤثر سقِِي المَاء فِي ثمار الْأَشْجَار وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿فزادتهم إِيمَانًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم﴾

стр. 202

وَقَالَ ﷺ فِيمَا يروي فِي بعض الْأَخْبَار الْإِيمَان يزِيد وَينْقص وَذَلِكَ بتأثير الطَّاعَات فِي الْقلب وَهَذَا لَا يُدْرِكهُ إِلَّا من راقب أَحْوَال نَفسه فِي أَوْقَات الْمُوَاظبَة على الْعِبَادَة والتجرد لَهَا بِحُضُور الْقلب مَعَ أَوْقَات الفتور وَإِدْرَاك التَّفَاوُت فِي السّكُون إِلَى عقائد الْإِيمَان فِي هَذِه الْأَحْوَال حَتَّى يزِيد عقده استعصاء على من يُرِيد حلّه بالتشكيك بل من يعْتَقد فِي الْيَتِيم معنى الرَّحْمَة إِذا عمل بِمُوجب اعْتِقَاده فَمسح رَأسه وتلطف بِهِ أدْرك من بَاطِنه تَأْكِيد الرَّحْمَة وتضاعفها بِسَبَب الْعَمَل وَكَذَلِكَ مُعْتَقد التَّوَاضُع إِذا عمل بِمُوجبِه عملا مُقبلا أَو سَاجِدا لغيره أحس من قلبه بالتواضع عِنْد إقدامه على الْخدمَة وَهَكَذَا جَمِيع صِفَات الْقلب تصدر مِنْهَا أَعمال الْجَوَارِح ثمَّ يعود دائر الْأَعْمَال عَلَيْهَا فيؤكدها ويزيدها وَسَيَأْتِي هَذَا فِي ربع المنجيات والمهلكات عِنْد بَيَان وَجه تعلق الْبَاطِن بِالظَّاهِرِ والأعمال بالعقائد والقلوب فَإِن ذَلِك من جنس تعلق الْملك بالملكوت وأعني بِالْملكِ

стр. 203

عَالم الشَّهَادَة الْمدْرك بالحواس وبالملكوت عَالم الْغَيْب الْمدْرك بِنور البصيرة وَالْقلب من عَالم الملكوت والأعضاء وأعمالها من عَالم الْملك ولطف الارتباط ودقته بَين الْعَالمين انْتهى إِلَى حد ظن بعض النَّاس إتحاد أَحدهمَا بِالْآخرِ وَظن آخَرُونَ أَنه لَا عَالم إِلَّا عَالم الشَّهَادَة وَهُوَ هَذِه الْأَجْسَام المحسوسة وَمن أدْرك الْأَمريْنِ وَأدْركَ تعددهما ثمَّ ارتباطهما عبر عَنهُ فَقَالَ رق الزّجاج وراقت الْخمر ... وتشابها فتشاكل الْأَمر فَكَأَنَّمَا خمر وَلَا قدح ... وكأنما قدح وَلَا خمر

стр. 204

ولنرجع إِلَى الْمَقْصُود فَإِن هَذَا الْعَالم خَارج عَن علم الْمُعَامَلَة وَلَكِن بَين الْعَالمين أَيْضا اتِّصَال وارتباط فَلذَلِك ترى عُلُوم المكاشفة تتسلق كل سَاعَة على عُلُوم الْمُعَامَلَة إِلَى أَن تنكشف عَنْهَا بالتكليف فَهَذَا وَجه زِيَادَة الْإِيمَان بِالطَّاعَةِ بِمُوجب هَذَا الْإِطْلَاق وَلِهَذَا قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه إِن الْإِيمَان ليبدو لمْعَة يضاء فَإِذا عمل العَبْد الصَّالِحَات نمت فزادت حَتَّى يبيض الْقلب كُله وَإِن النِّفَاق ليبدو نُكْتَة سَوْدَاء فَإِذا انتهك الحرمات نمت وزادت حَتَّى يسود الْقلب كُله فيطبع عَلَيْهِ فَلذَلِك هُوَ الْخَتْم وتلا قَوْله تَعَالَى ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم﴾ الْإِطْلَاق الثَّانِي أَن يُرَاد بِهِ التَّصْدِيق وَالْعَمَل جَمِيعًا كَمَا قَالَ ﷺ الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ بَابا وكما قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 205

لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَإِذا دخل الْعَمَل فِي مُقْتَضى الْإِيمَان لم تخف زِيَادَته ونقصانه وَهل يُؤثر ذَلِك فِي زِيَادَة الْإِيمَان الَّذِي هُوَ مُجَرّد التَّصْدِيق هَذَا فِيهِ نظر وَقد أَشَرنَا إِلَى أَنه يُؤثر فِيهِ الْإِطْلَاق الثَّالِث أَن يُرَاد بِهِ التَّصْدِيق اليقيني على سَبِيل الْكَشْف وانشراح الصَّدْر والمشاهدة بِنور البصيرة وَهَذَا أبعد الْأَقْسَام عَن قبُول الزِّيَادَة وَلَكِنِّي أَقُول الْأَمر اليقيني الَّذِي لَا شكّ فِيهِ تخْتَلف طمأنينة النَّفس إِلَيْهِ فَلَيْسَ طمأنينة النَّفس إِلَى أَن الِاثْنَيْنِ أَكثر من الْوَاحِد كطمأنينتها إِلَى أَن الْعَالم مَصْنُوع حَادث وَإِن كَانَ لَا شكّ فِي وَاحِد مِنْهُمَا فَإِن اليقينيات تخْتَلف فِي دَرَجَات الْإِيضَاح ودرجات طمأنينة النَّفس إِلَيْهَا وَقد عرضنَا لهَذِهِ فِي فضل الْيَقِين من كتاب الْعلم فِي بَاب عُلَمَاء الْآخِرَة فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِعَادَة وَقد ظهر فِي جَمِيع الإطلاقات أَن مَا قَالُوهُ من زِيَادَة

стр. 206

الْإِيمَان ونقصانه حق وَكَيف لَا وَفِي الْأَخْبَار أَن يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان وَفِي بعض الْمَوَاضِع فِي خبر آخر مِثْقَال دِينَار فَأَي معنى لاخْتِلَاف مقاديره إِن كَانَ مَا فِي الْقلب لَا يتَفَاوَت مَسْأَلَة فَإِن قلت مَا وَجه قَول السّلف أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله وَالِاسْتِثْنَاء

стр. 207

شكّ وَالشَّكّ فِي الْإِيمَان كفر وَقد كَانُوا يمتنعون عَن جزم الْجَواب بِالْإِيمَان ويحترزون عَنهُ فَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀ من قَالَ أَنا مُؤمن عِنْد الله فَهُوَ من الْكَاذِبين وَمن قَالَ أَنا مُؤمن حَقًا فَهُوَ بِدعَة فَكيف يكون كَاذِبًا وَهُوَ يعلم أَنه مُؤمن فِي نَفسه وَمن كَانَ مُؤمنا فِي نَفسه كَانَ مُؤمنا عِنْد الله كَمَا أَن من كَانَ طَويلا وسخياً فِي نَفسه وَعلم ذَلِك كَانَ كَذَلِك عِنْد الله وَكَذَا من مَسْرُورا أَو حَزينًا أَو سميعاً أَو بَصيرًا وَلَو قيل للْإنْسَان هَل أَنْت حَيَوَان لم يحسن أَن يَقُول أَنا حَيَوَان إِن شَاءَ الله وَلما قَالَ سُفْيَان ذَلِك قيل لَهُ فَمَاذَا نقُول قَالَ ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾

стр. 208

وَأي فرق بَين أَن يَقُول ﴿آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ وَبَين أَن يَقُول أَنا مُؤمن وَقيل لِلْحسنِ أمؤمن أَنْت فَقَالَ إِن شَاءَ الله فَقيل لَهُ لِمَ تستثني يَا أَبَا سعيد فِي الْإِيمَان فَقَالَ أَخَاف أَن أَقُول نعم فَيَقُول الله سُبْحَانَهُ كذبت يَا حسن فتحق عَليّ الْكَلِمَة وَكَانَ يَقُول مَا يؤمنني أَن يكون الله سُبْحَانَهُ قد اطلع عَليّ فِي بعض مَا يكره فمقتني وَقَالَ اذْهَبْ لَا قبلت لَك عملا فَأَنا أعمل فِي غير معمل وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن أدهم إِذا قيل لَك أمؤمن أَنْت فَقل لَا إِلَه إِلَّا الله وَقَالَ مرّة قل أَنا لَا أَشك فِي الْإِيمَان وسؤالك إيَّايَ بِدعَة وَقيل لعلقمة أمؤمن أَنْت قَالَ أَرْجُو إِن شَاءَ الله وَقَالَ الثَّوْريّ نَحن مُؤمنُونَ بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَمَا نَدْرِي مَا

стр. 209

نَحن عِنْد الله تَعَالَى فَمَا معنى هَذِه الاستثناءات فَالْجَوَاب أَن هَذَا الِاسْتِثْنَاء صَحِيح وَله أَرْبَعَة أوجه وَجْهَان مستندان إِلَى الشَّك لَا فِي أصل الْإِيمَان وَلَكِن فِي خاتمته أَو كَمَاله ووجهان لَا يستندان إِلَى الشَّك الْوَجْه الأول الَّذِي لَا يسْتَند إِلَى مُعَارضَة الشَّك الِاحْتِرَاز من الْجَزْم خيفة مَا فِيهِ من تَزْكِيَة النَّفس قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَا تزكوا أَنفسكُم﴾ وَقَالَ ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يزكون أنفسهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿انْظُر كَيفَ يفترون على الله الْكَذِب﴾

стр. 210

وَقيل لحكيم مَا الصدْق الْقَبِيح فَقَالَ ثَنَاء الْمَرْء على نَفسه وَالْإِيمَان من أَعلَى صِفَات الْمجد والجزم بِهِ تَزْكِيَة مُطلقَة وَصِيغَة الإستثناء كَأَنَّهَا نقل من عرف التَّزْكِيَة كَمَا يُقَال للْإنْسَان أَنْت طَبِيب أَو فَقِيه أَو مُفَسّر فَيَقُول نعم إِن شَاءَ الله تفي معرض التشكيك وَلَكِن لإِخْرَاج نَفسه عَن تَزْكِيَة نَفسه فالصيغة صِيغَة الترديد والتضعيف لنَفس الْخَبَر وَمَعْنَاهُ التَّضْعِيف للازم من لَوَازِم الْخَبَر وَهُوَ التَّزْكِيَة وَبِهَذَا التَّأْوِيل لَو سُئِلَ عَن وصف ذمّ لم يحسن الِاسْتِثْنَاء الْوَجْه الثَّانِي التَّأْدِيب بِذكر الله تَعَالَى فِي كل حَال وإحالة الْأُمُور كلهَا إِلَى مشئية الله سُبْحَانَهُ فقد أدّب الله سُبْحَانَهُ نبيه ﷺ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ ثمَّ لم

стр. 211

يقْتَصر على ذَلِك فِيمَا لَا يشك فِيهِ بل قَالَ تَعَالَى ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين مُحَلِّقِينَ رؤوسكم وَمُقَصِّرِينَ﴾ وَكَانَ الله سُبْحَانَهُ عَالما بِأَنَّهُم يدْخلُونَ لَا محَالة وَأَنه شاءه وَلَكِن الْمَقْصُود تَعْلِيمه ذَلِك فتأدب رَسُول الله ﷺ فِي كل مَا كَانَ يخبر عَنهُ مَعْلُوما كَانَ أَو مشكوكاً حَتَّى قَالَ ﷺ لما دخل الْمَقَابِر السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله تَعَالَى بكم لاحقون) واللحوق بهم غير مَشْكُوك فِيهِ وَلَكِن مُقْتَضى الْأَدَب ذكرُ الله تَعَالَى وربطُ الْأُمُور بِهِ وَهَذِه الصِّيغَة دَالَّة عَلَيْهِ حَتَّى صَار يعرف الِاسْتِعْمَال عبارَة عَن إِظْهَار الرَّغْبَة وَالتَّمَنِّي فَإِذا قيل لَك إِن فلَانا يَمُوت سَرِيعا فَنَقُول إِن شَاءَ الله فيفهم مِنْهُ رغبتك لَا تشكك وَإِذا قيل لَك فلَان سيزول مَرضه وَيصِح فَتَقول إِن شَاءَ الله بِمَعْنى الرَّغْبَة فقد صَارَت الْكَلِمَة معدولة عَن معنى التشكيك إِلَى معنى الرَّغْبَة وَكَذَلِكَ الْعُدُول إِلَى معنى

стр. 212

التأدب لذكر الله تَعَالَى كَيفَ كَانَ الْأَمر الْوَجْه الثَّالِث مُسْتَنده الشَّك وَمَعْنَاهُ أَنا مُؤمن حَقًا إِن شَاءَ الله إِذْ قَالَ الله تَعَالَى لقوم مخصوصين بأعيانهم ﴿أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ فانقسموا إِلَى قسمَيْنِ وَيرجع هَذَا إِلَى الشَّك فِي كَمَال الْإِيمَان لَا فِي أَصله وكل إِنْسَان شَاك فِي كَمَال إيمَانه وَذَلِكَ لَيْسَ بِكفْر وَالشَّكّ فِي كَمَال الْإِيمَان حق من وَجْهَيْن

стр. 213

أَحدهمَا من حَيْثُ إِن النِّفَاق يزِيل كَمَال الْإِيمَان وَهُوَ خَفِي لَا تتَحَقَّق الْبَرَاءَة مِنْهُ وَالثَّانِي أَنه يكمل بأعمال الطَّاعَات وَلَا يدْرِي وجودهَا على الْكَمَال أما الْعَمَل فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ فَيكون الشَّك فِي هَذَا الصدْق وَكَذَلِكَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبيين﴾ فَشرط عشْرين وَصفا كالوفاء بالعهد وَالصَّبْر على الشدائد ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين صدقُوا﴾ وَقد قَالَ تَعَالَى

стр. 214

﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل﴾ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿هم دَرَجَات عِنْد الله﴾ وَقَالَ ﷺ الْإِيمَان عُرْيَان ولباسه التَّقْوَى الحَدِيث وَقَالَ ﷺ الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ بَابا أدناها إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق

стр. 215

فَهَذَا مَا يدل على ارتباط كَمَال الْإِيمَان بِالْأَعْمَالِ وَأما ارتباطه بِالْبَرَاءَةِ عَن النِّفَاق والشرك الْخَفي فَقَوله ﷺ أَربع من كن فِيهِ فَهُوَ مُنَافِق خَالص وَإِن صَامَ وَصلى وَزعم أَنه مُؤمن من إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان وَإِذا خَاصم فجر وَفِي بعض الرِّوَايَات وَإِذا عَاهَدَ غدر وَفِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الْقُلُوب أَرْبَعَة قلب أجرد وَفِيه سراج يزهر فَذَلِك قلب الْمُؤمن وقلب مصفح فِيهِ إِيمَان ونفاق فَمثل الْإِيمَان فِيهِ كَمثل البقلة يمدها المَاء العذب وَمثل النِّفَاق فِيهِ كَمثل القرحة يمدها الْقَيْح والصديد فَأَي الْمَادَّتَيْنِ غلب عَلَيْهِ حكم لَهُ بهَا وَفِي لفظ آخر غلبت عَلَيْهِ ذهبت بِهِ
следующие страницы →