Полный текст (224 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يدْرك الْإِنْسَان إِلَّا نَفسه وصفات نَفسه مِمَّا هِيَ حَاضِرَة لَهُ فِي الْحَال أَو مِمَّا كَانَت لَهُ من قبل ثمَّ بالمقايسة إِلَيْهِ يفهم ذَلِك لغيره ثمَّ قد يصدق بِأَن بَينهمَا تَفَاوتا فِي الشّرف والكمال فَلَيْسَ فِي قُوَّة الْبشر إِلَّا أَن يثبت لله تَعَالَى مَا هُوَ ثَابت لنَفسِهِ من الْفِعْل وَالْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهَا من الصِّفَات مَعَ التَّصْدِيق بِأَن ذَلِك أكمل وأشرف فَيكون مُعظم تحويمه على صِفَات نَفسه لَا على مَا اخْتصَّ الرب تَعَالَى بِهِ من الْجلَال وَلذَلِك قَالَ ﷺ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك
стр. 72
وَلَيْسَ الْمَعْنى أَنِّي أعجز عَن التَّعْبِير عَمَّا أَدْرَكته بل هُوَ اعْتِرَاف بالقصور عَن إِدْرَاك جَلَاله وَلذَلِك قَالَ بَعضهم مَا عرف الله بِالْحَقِيقَةِ سوى الله
وَقَالَ الصّديق ﵁ الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل لِلْخلقِ سَبِيلا إِلَى مَعْرفَته إِلَّا بِالْعَجزِ عَن مَعْرفَته
ولنقيض عنان الْكَلَام عَن هَذَا النمط ولنرجع إِلَى الْغَرَض وَهُوَ أَن أحد الْأَقْسَام مَا تكل الأفهام عَن إِدْرَاكه وَمن جملَته الرّوح وَمن جملَته بعض صِفَات الله تَعَالَى
وَلَعَلَّ الْإِشَارَة إِلَى مثله فِي قَوْله ﷺ
إِن لله سُبْحَانَهُ سبعين حِجَابا من نور لَو كشفها لأحرقت سبحات وَجهه كل من أدْركهُ بَصَره
стр. 73
الْقسم الثَّانِي من الخفيات الَّتِي تمْتَنع الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقُونَ عَن ذكرهَا مَا هُوَ مَفْهُوم فِي نَفسه لَا يكل الْفَهم عَنهُ وَلَكِن ذكره يضر بِأَكْثَرَ المستمعين وَلَا يضر بالأنبياء وَالصديقين
وسر الْقدر الَّذِي منع أهل الْعلم من إفشائه من هَذَا الْقسم فَلَا يبعد أَن يكون ذكر بعض الْحَقَائِق مضرا بِبَعْض الْخلق كَمَا يضر نور الشَّمْس بأبصار الخفافيش وكما تضر ريَاح الْورْد بالجعل وَكَيف يبعد هَذَا وَقَوْلنَا أَن الْكفْر وَالزِّنَا والمعاصي والشرور كُله بِقَضَاء الله تَعَالَى وإرادته ومشيئته حق فِي نَفسه وَقد أضرّ
стр. 74
سَمَاعه بِقوم إِذْ أوهم ذَلِك عِنْدهم أَنه دلَالَة على السَّفه ونقيض الْحِكْمَة وَالرِّضَا بالقبيح وَالظُّلم
وَقد ألحد ابْن الراوندي وَطَائِفَة من المخذولين بِمثل ذَلِك وَكَذَلِكَ سر الْقدر وَلَو أفشى لأوهم عِنْد أَكثر الْخلق عَجزا إِذا تقصر أفهامهم عَن إِدْرَاك مَا يزِيل ذَلِك الْوَهم عَنْهُم
وَلَو قَالَ قَائِل إِن الْقِيَامَة لَو ذكر ميقاتها وَأَنَّهَا بعد ألف سنة أَو أَكثر أَو أقل لَكَانَ مفهوما وَلَكِن لم يذكر لمصْلحَة الْعباد وخوفا من الضَّرَر فَلَعَلَّ الْمدَّة إِلَيْهَا بعيدَة فَيطول الأمد وَإِذا اسْتَبْطَأَتْ النُّفُوس وَقت الْعقَاب قل إكتراثها ولعلها
стр. 75
كَانَت قريبَة فِي علم الله سُبْحَانَهُ وَلَو ذكرت لعظم الْخَوْف وَأعْرض النَّاس عَن الْأَعْمَال وَخَربَتْ الدُّنْيَا
فَهَذَا الْمَعْنى لَو اتجه وَصَحَّ فَيكون مِثَالا لهَذَا الْقسم
الْقسم الثَّالِث أَن يكون الشَّيْء بِحَيْثُ لَو ذكر صَرِيحًا لفهم وَلم يكن فِيهِ ضَرَر وَلَكِن يكنى عَنهُ على سَبِيل الإستعارة وَالرَّمْز ليَكُون وقعه فِي قلب المستمع أغلب وَله مصلحَة فِي أَن يعظم وَقع ذَلِك الْأَمر فِي قلبه كَمَا لَو قَالَ قَائِل رَأَيْت فلَانا يُقَلّد الدّرّ فِي أَعْنَاق الْخَنَازِير فكنى بِهِ عَن إفشاء الْعلم وَبث الْحِكْمَة إِلَى غير أَهلهَا فالمستمع قد يسْبق إِلَى فهمه ظَاهر للفظ والمحقق إِذا نظر وَعلم أَن ذَلِك الْإِنْسَان لم يكن مَعَه در وَلَا كَانَ فِي مَوْضِعه خِنْزِير تفطن لدرك السِّرّ وَالْبَاطِن فيتفاوت النَّاس فِي ذَلِك وَمن هَذَا قَالَ الشَّاعِر
(رجلَانِ خياط وَآخر حائك ... متقابلان على السماك الأعزل)
(لَا زَالَ ينسج ذَاك خرقَة مُدبر ... ويخيط صَاحبه ثِيَاب الْمقبل)
стр. 76
فَإِنَّهُ عبر عَن سَبَب سماوي فِي الإقبال والإدبار برجلَيْن صانعين وَهَذَا النَّوْع يرجع إِلَى التَّعْبِير عَن الْمَعْنى بالصورة الَّتِي تَتَضَمَّن عين الْمَعْنى أَو مثله وَمِنْه قَوْله ﷺ
إِن الْمَسْجِد لينزوي من النخامة كَمَا تنزوي الْجلْدَة على النَّار وَأَنت ترى أَن ساحة الْمَسْجِد لَا تنقبض بالنخامة
وَمَعْنَاهُ أَن روح الْمَسْجِد كَونه مُعظما وَرمي النخامة فِيهِ تحقير لَهُ فيضاد معنى المسجدية مضادة النَّار لإتصال أَجزَاء الْجلْدَة
وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ
أما يخْشَى الَّذِي يرفع رَأسه قبل الإِمَام أَن يحول الله رَأسه رَأس حمَار
стр. 77
وَذَلِكَ من حَيْثُ الصُّور لم يكن قطّ وَلَا يكون وَلَكِن من حَيْثُ الْمَعْنى هُوَ كَائِن إِذْ رَأس الْحمار لم يكن بحقيقته لكَونه وشكله بل بخاصيته وَهِي البلادة والحمق
وَمن رفع رَأسه قبل الإِمَام فقد صَار رَأسه حمَار فِي معنى البلادة والحمق وَهُوَ الْمَقْصُود دون الشكل الَّذِي هُوَ قالب الْمَعْنى إِذْ من غَايَة الْحمق أَن يجمع بَين الإقتداء وَبَين التَّقَدُّم فَإِنَّهُمَا متناقضان
وَإِنَّمَا يعرف أَن هَذَا السِّرّ على خلاف الظَّاهِر إِمَّا بِدَلِيل عَقْلِي أَو شَرْعِي
أما الْعقلِيّ فَأن يكون حمله على الظَّاهِر غير مُمكن كَقَوْلِه ﷺ
قلب الْمُؤمن بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن
إِذْ لَو فتشنا عَن قُلُوب الْمُؤمنِينَ فَلم نجد فِيهَا أَصَابِع فَعلم أَنَّهَا كِنَايَة عَن
стр. 78
الْقُدْرَة الَّتِى هِيَ سر الْأَصَابِع وروحها الْخَفي وكنى بالأصابع عَن الْقُدْرَة لِأَن ذَلِك أعظم وَقعا فِي تفهم تَمام الإقتدار وَمن هَذَا الْقَبِيل فِي كنايته عَن الإقتدار قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾
فَإِن ظَاهره مُمْتَنع إِذْ قَوْله كن إِن كَانَ خطابا للشَّيْء قبل وجوده فَهُوَ محَال إِذْ الْمَعْدُوم لَا يفهم الْخطاب حَتَّى يمتثل وَإِن كَانَ بعد الْوُجُود فَهُوَ مستغن عَن التكوين وَلَكِن لما كَانَت هَذِه الْكِتَابَة أوقع فِي النُّفُوس فِي تفهيم غَايَة الإقتدار عدل إِلَيْهَا
وَأما الْمدْرك بِالشَّرْعِ فَهُوَ أَن يكون إجراؤه على الظَّاهِر مُمكنا وَلكنه يرْوى أَنه أُرِيد بِهِ غير الظَّاهِر كَمَا ورد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا﴾ الْآيَة وَإِن معنى المَاء هَا
стр. 79
هُنَا هُوَ الْقُرْآن وَمعنى الأودية هِيَ الْقُلُوب وَأَن بَعْضهَا احتملت شَيْئا كثيرا وَبَعضهَا قَلِيلا وَبَعضهَا لم يحْتَمل والزبد مثل الْكفْر والنفاق فَإِنَّهُ وَإِن ظهر وطفا على رَأس المَاء فَإِنَّهُ لَا يثبت وَالْهِدَايَة الَّتِي تَنْفَع النَّاس تمكث وَفِي هَذَا الْقسم تعمق جمَاعَة فأولوا مَا ورد فِي الْآخِرَة من الْمِيزَان والصراط وَغَيرهمَا وَهُوَ بِدعَة إِذْ لم ينْقل ذَلِك بطرِيق الرِّوَايَة وإجراؤه على الظَّاهِر غير محَال
стр. 80
فَيجب إجراؤه على الظَّاهِر
الْقسم الرَّابِع أَن يدْرك الْإِنْسَان الشَّيْء جملَة ثمَّ يُدْرِكهُ تَفْصِيلًا بالتحقيق والذوق بِأَن يصير حَالا ملابسا لَهُ فيتفاوت العلمان وَيكون الأول كالقشر وَالثَّانِي كاللباب وَالْأول كَالظَّاهِرِ
وَالثَّانِي كالباطن وَذَلِكَ كَمَا يتَمَثَّل للْإنْسَان فِي عينه شخص فِي الظلمَة أَو على الْبعد فَيحصل لَهُ نوع علم فَإِذا رَآهُ بِالْقربِ أَو بعد زَوَال الظلام أدْرك تفرقه بَينهمَا وَلَا يكون الْأَخير الأول بل هُوَ إستكمال لَهُ
فَكَذَلِك الْعلم وَالْإِيمَان والتصديق إِذْ قد يصدق الْإِنْسَان بِوُجُود الْعِشْق وَالْمَرَض وَالْمَوْت قبل وُقُوعه وَلَكِن تحَققه بِهِ عِنْد الْوُقُوع أكمل من تحَققه قبل الْوُقُوع بل للْإنْسَان فِي الشَّهْوَة والعشق وَسَائِر الْأَحْوَال ثَلَاثَة أَحْوَال مُتَفَاوِتَة وإدراكات متباينة
الأول تَصْدِيقه بِوُجُودِهِ قبل وُقُوعه
وَالثَّانِي عِنْد وُقُوعه
وَالثَّالِث بعد تصرمه فَإِن تحققك بِالْجُوعِ بعد زَوَاله يُخَالف التحقق بِهِ قبل الزَّوَال
وَكَذَلِكَ من عُلُوم الدّين مَا يصير ذوقا فيكمل فَيكون ذَلِك كالباطن
стр. 81
بِالْإِضَافَة إِلَى مَا قبل ذَلِك فَفرق بَين علم الْمَرِيض بِالصِّحَّةِ وَبَين علم الصَّحِيح بهَا
فَفِي هَذِه الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة تَتَفَاوَت الْخلق وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا بَاطِن يُنَاقض الظَّاهِر بل يتممه ويكمله كَمَا يتمم اللب القشر
وَالسَّلَام
الْقسم الْخَامِس أَن يعبر بِلِسَان الْمقَال عَن لِسَان الْحَال فالقاصر الْفَهم يقف على الظَّاهِر ويعتقده نطقا والبصير بالحقائق يدْرك السِّرّ فِيهِ
وَهَذَا كَقَوْل الْقَائِل قَالَ الْجِدَال للوتد لم تشقني
قَالَ سل من يدقني فَلم يتركني ورائي الْحجر الَّذِي ورائي
فَهَذَا تَعْبِير عَن لِسَان الْحَال بِلِسَان الْمقَال
وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا﴾
стр. 82
وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قالتآ أَتَيْنَا طائعين)
فالبليد يفْتَقر فِي فهمه إِلَى أَن يقدر لَهما حَيَاة وعقلا وفهما للخطاب وخطابا هُوَ صَوت وحرف تسمعه السَّمَاء وَالْأَرْض فتجيبان بِحرف وَصَوت وَتَقُولَانِ أَتَيْنَا طائعين والبصير يعلم أَن ذَلِك لِسَان الْحَال وَأَنه أنباء عَن كَونهمَا مسخرتين بِالضَّرُورَةِ ومضطرتين إِلَى التسخير
وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ﴾
فالبليد يفْتَقر فِيهِ إِلَى أَن يقدر للجمادات حَيَاة وعقلا ونطقا بِصَوْت وحرف حَتَّى يَقُول سُبْحَانَ الله ليتَحَقَّق تسبيحه والبصير يعلم أَنه مَا أُرِيد بِهِ نطق اللِّسَان بل كَونه مسبحا بِوُجُودِهِ ومقدسا بِذَاتِهِ وَشَاهدا بوحدانية الله سُبْحَانَهُ كَمَا يُقَال
وَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة ... تدل على أَنه الْوَاحِد
وكما يُقَال هَذِه الصَّنْعَة المحكمة تشهد لصانعها بِحسن التَّدْبِير وَكَمَال الْعلم لَا بِمَعْنى أَنَّهَا تَقول أشهد بالْقَوْل وَلَكِن بِالذَّاتِ وَالْحَال
وَكَذَلِكَ مَا من شَيْء إِلَّا
стр. 83
وَهُوَ مُحْتَاج فِي نَفسه إِلَى موجد يوجده
ويبقيه ويديم أَوْصَافه ويردده فِي أطواره
فَهُوَ بحاجته يشْهد لخالقه بالتقديس يدْرك شَهَادَته ذَوُو البصائر دون الجامدين على الظَّوَاهِر وَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم﴾
وَأما القاصرون فَلَا يفقهُونَ أصلا
وَأما المقربون وَالْعُلَمَاء الراسخون فَلَا يفقهُونَ كنهه وكماله إِذْ لكل شَيْء شَهَادَات شَتَّى على تقديس الله سُبْحَانَهُ وتسبيحه وَيدْرك كل وَاحِد بِقدر عقله وبصيرته وتعداد تِلْكَ الشَّهَادَات لَا يَلِيق بِعلم الْمُعَامَلَة
فَهَذَا الْفَنّ أَيْضا مِمَّا يتَفَاوَت أَرْبَاب الظَّوَاهِر وأرباب البصائر فِي علمه وَتظهر بِهِ مُفَارقَة الْبَاطِن للظَّاهِر
стр. 84
وَفِي هَذَا الْمقَام لأرباب المقامات إِسْرَاف وإقتصاد فَمن مُسْرِف فِي رفع الظَّوَاهِر إنتهى إِلَى تَغْيِير جَمِيع الظَّوَاهِر والبراهين أَو أَكْثَرهَا حَتَّى حملُوا قَوْله تَعَالَى ﴿وتكلمنا أَيْديهم وَتشهد أَرجُلهم﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا قَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء﴾
وَكَذَلِكَ المخاطبات الَّتِي تجْرِي من مُنكر وَنَكِير وَفِي الْمِيزَان والصراط والحساب ومناظرات أهل النَّار وَأهل الْجنَّة فِي قَوْلهم
﴿أفيضوا علينا من المَاء أَو مِمَّا رزقكم الله﴾
زَعَمُوا أَن ذَلِك كُله بِلِسَان الْحَال وغلا آخَرُونَ فِي حسم الْبَاب مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ حَتَّى منع تَأْوِيل قَوْله ﴿كن فَيكون﴾ وَزَعَمُوا أَن ذَلِك خطاب بِحرف وَصَوت يُوجد من الله تَعَالَى فِي كل لَحْظَة بِعَدَد كَون كل مكون
стр. 85
حَتَّى سَمِعت بعض أَصْحَابه يَقُول إِنَّه حسم بَاب التَّأْوِيل إِلَّا لثَلَاثَة أَلْفَاظ قَوْله ﷺ
الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي أرضه
وَقَوله ﷺ
قلب الْمُؤمن بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن
وَقَوله ﷺ إِنِّي لأجد نفس الرَّحْمَن من جَانب الْيمن
стр. 86
وَمَال إِلَى حسم الْبَاب أَرْبَاب الظَّوَاهِر
وَالظَّن بِأَحْمَد بن حَنْبَل ﵁ أَنه علم أَن الإستواء لَيْسَ هُوَ الإستقرار وَالنُّزُول لَيْسَ هُوَ الإنتقال وَلكنه منع من التَّأْوِيل حسما للباب ورعاية لصلاح الْخلق فَإِنَّهُ إِذا فتح الْبَاب اتَّسع الْخرق وَخرج الْأَمر عَن الضَّبْط وَجَاوَزَ حد الإقتصاد إِذْ حد مَا جَاوز الإقتصاد لَا يَنْضَبِط فَلَا بَأْس بِهَذَا الزّجر
وَيشْهد لَهُ سيرة السّلف فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ أمروها كَمَا جَاءَت حَتَّى قَالَ مَالك ﵀ لما سُئِلَ عَن الإستواء الإستواء مَعْلُوم والكيفية مَجْهُولَة
стр. 87
وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة
وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى الإقتصاد وفتحوا بَاب التَّأْوِيل فِي بعض مَا يتَعَلَّق بِصِفَات الله سُبْحَانَهُ وَتركُوا مَا يتَعَلَّق بِالآخِرَة على ظواهرها وَمنعُوا التَّأْوِيل فِيهِ وهم الأشعرية
وَزَاد الْمُعْتَزلَة عَلَيْهِم حَتَّى أولُوا من صِفَاته تَعَالَى الرُّؤْيَة وَأولُوا كَونه سميعا بَصيرًا وَأولُوا الْمِعْرَاج وَزَعَمُوا أَنه لم يكن بالجسد وَأولُوا عَذَاب الْقَبْر وَالْمِيزَان والصراط وَجُمْلَة من أَحْكَام الْآخِرَة وَلَكِن أقرُّوا بحشر الأجساد وبالجنة واشتمالها على المأكولات والمشمومات والمنكوحات والملاذ المحسوسة
стр. 88
وبالنار واشتمالها على جسم محسوس محرق يحرق الْجُلُود ويذيب الشحوم وَمن ترقيهم إِلَى هَذَا الْحَد زَاد الفلاسفة فأولوا كل مَا ورد فِي الْآخِرَة وردوه إِلَى الام عقلية وروحانية ولذات عقلية وأنكروا حشر الأجساد وَقَالُوا بِبَقَاء النُّفُوس وَأَنَّهَا تكون إِمَّا معذبة وَإِمَّا منعمة بِعَذَاب ونعيم لَا يدْرك بالحس
وَهَؤُلَاء هم المسرفون
وحد الإقتصاد بَين هَذَا الإنحلال كُله وَبَين جمود الْحَنَابِلَة دَقِيق غامض لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الموفقون الَّذين يدركون الْأُمُور بِنور إلهي لَا بِالسَّمَاعِ
ثمَّ إِذا إنكشفت لَهُم أسرار الْأُمُور على مَا هِيَ عَلَيْهِ نظرُوا إِلَى السّمع والألفاظ الْوَارِدَة فَمَا وَافق مَا شاهدوه بِنور الْيَقِين قررو وَمَا خَالف أولوه
فَأَما من يَأْخُذ معرفَة هَذِه الْأُمُور من السّمع الْمُجَرّد فَلَا يسْتَقرّ لَهُ فِيهَا قدم وَلَا يتَعَيَّن لَهُ موقف والأليق بالمقتصر على السّمع الْمُجَرّد مقَام أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله
стр. 89
والآن فكشف الغطاء عَن حد الإقتصاد فِي هَذِه الْأُمُور دَاخل فِي علم المكاشفة وَالْقَوْل فِيهِ يطول فَلَا نَخُوض فِيهِ وَالْغَرَض بَيَان مُوَافقَة الْبَاطِن الظَّاهِر وَأَنه غير مُخَالف لَهُ فقد إنكشفت بِهَذِهِ الْأَقْسَام الْخَمْسَة أُمُور كَثِيرَة
وَإِذا رَأينَا أَن نقتصر بكافة الْعَوام على تَرْجَمَة العقيدة الَّتِي حررناها وَأَنَّهُمْ لَا يكلفون غير ذَلِك فِي الدرجَة الأولى إِلَّا إِذا كَانَ خوف تشويش لشيوع الْبِدْعَة فيرقى فِي الدرجَة الثَّانِيَة إِلَى عقيدة فِيهَا لوامع من الْأَدِلَّة المختصرة من غير تعمق فلنورد فِي هَذَا الْكتاب تِلْكَ اللوامع ولنقتصر فِيهَا على مَا حررناه لأهل الْقُدس وسميناه الرسَالَة القدسية فِي قَوَاعِد العقائد وَهِي مودعة فِي هَذَا الْفَصْل الثَّالِث من هَذَا الْكتاب
стр. 90
الْفَصْل الثَّالِث
من كتاب قَوَاعِد العقائد فِي لوامع الْأَدِلَّة للعقيدة الَّتِي ترجمناها بالقدس
стр. 91
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله الَّذِي ميز عِصَابَة السّنة بأنوار الْيَقِين وآثر رَهْط الْحق بالهداية إِلَى دعائم الدّين وجنبهم زيغ الزائغين
стр. 92
وضلال الْمُلْحِدِينَ ووفقهم للاقتداء بِسَيِّد الْمُرْسلين وسددهم للتأسي بصحبه الأكرمين وَيسر لَهُم اقتفاء آثَار السّلف الصَّالِحين حَتَّى اعتصموا من مقتضيات الْعُقُول بالحبل المتين وَمن سير الْأَوَّلين وعقائدهم بالمنهج الْمُبين فَجمعُوا بِالْقبُولِ بَين نتائج الْعُقُول وقضايا الشَّرْع الْمَنْقُول وتحققوا أنّ النُّطْق بِمَا تعبدوا بِهِ من قَول لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله لَيْسَ لَهُ طائل وَلَا محصول إِن لم تتَحَقَّق الْإِحَاطَة بِمَا تَدور عَلَيْهِ هَذِه الشَّهَادَة من الأقطاب وَالْأُصُول وَعرفُوا أَن كلمتي الشَّهَادَة على إيجازها تَتَضَمَّن إِثْبَات ذَات الْإِلَه وَإِثْبَات صِفَاته وَإِثْبَات أَفعاله وَإِثْبَات
стр. 93
صدق الرَّسُول وَعَلمُوا أَن بِنَاء الْإِيمَان على هَذِه الْأَركان وَهِي أَرْبَعَة ويدور كل ركن مِنْهَا على عشرَة أصُول
الرُّكْن الأوّل فِي معرفَة ذَات الله تَعَالَى ومداره على عشرَة أصُول وَهِي الْعلم بِوُجُود الله تَعَالَى وَقدمه وبقائه وَأَنه لَيْسَ بجوهر وَلَا جسم وَلَا عرض وَأَنه سُبْحَانَهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِجِهَة وَلَا مُسْتَقرًّا على مَكَان وَأَنه يرى وَأَنه وَاحِد
الرُّكْن الثَّانِي فِي صِفَاته ويشتمل على عشرَة أصُول وَهُوَ الْعلم بِكَوْنِهِ حَيا عَالما قَادِرًا مرِيدا سميعاً بَصيرًا متكلماً منزهاً عَن حُلُول الْحَوَادِث وَأَنه قديم الْكَلَام وَالْعلم والإرادة
الرُّكْن الثَّالِث فِي أَفعاله تَعَالَى ومداره على عشرَة أصُول وَهِي أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى وَأَنَّهَا مكتسبة للعباد وَأَنَّهَا مُرَادة لله تَعَالَى وَأَنَّهَا مكتسبة
стр. 94
للعباد وَأَنَّهَا مُرَادة لله تَعَالَى وَأَنه متفضل بالخلق والاختراع وأنّ لَهُ تَعَالَى تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وأنّ لَهُ إيلام البريء وَلَا يجب عَلَيْهِ رِعَايَة الْأَصْلَح وَأَنه لَا وَاجِب إِلَّا بِالشَّرْعِ وأنّ بَعثه الْأَنْبِيَاء جَائِز وأنّ نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ثَابِتَة مؤيدة بالمعجزات
الرُّكْن الرَّابِع فِي السمعيات ومداره على عشرَة أصُول وَهِي إِثْبَات الْحَشْر والنشر وسؤال مُنكر وَنَكِير وَعَذَاب الْقَبْر وَالْمِيزَان والصراط وَخلق الْجنَّة وَالنَّار وَأَحْكَام الْإِمَامَة وأنّ فضل الصَّحَابَة على حسب ترتيبهم وشروط الْإِمَامَة
стр. 95
الرُّكْن الأوّل فِي معرفَة ذَات الله تَعَالَى ومداره على عشرَة أصُول
стр. 96
فَأَما الرُّكْن الأول من أَرْكَان الْإِيمَان فِي معرفَة ذَات الله وأنّ الله تَعَالَى وَاحِد ومداره على عشرَة أصُول
الأَصْل الأول الْعلم بِوُجُودِهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَة وجوده تَعَالَى
وَأول مَا يستضاء بِهِ من الْأَنْوَار ويسلك من طَرِيق الِاعْتِبَار مَا أرشد إِلَيْهِ
стр. 97
الْقُرْآن فَلَيْسَ بعد بَيَان الله سُبْحَانَهُ بَيَان وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ألم نجْعَل الأَرْض مهادا وَالْجِبَال أوتادا وخلقناكم أَزْوَاجًا وَجَعَلنَا نومكم سباتا وَجَعَلنَا اللَّيْل لباساً وَجَعَلنَا النَّهَار معاشا وبنينا فَوْقكُم سبعا شداداً وَجَعَلنَا سِرَاجًا وهاجا وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجا لنخرج بِهِ حبا ونباتا وجنات ألفافا﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إنّ فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار والفلك الَّتِي تجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا ينفع النَّاس وَمَا أنزل الله من السَّمَاء من مَاء فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا وَبث فِيهَا من كل دَابَّة وتصريف الرِّيَاح والسحاب المسخر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾
стр. 98
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألم تروا كَيفَ خلق الله سبع سماوات طباقاً وَجعل الْقَمَر فِيهِنَّ نورا وَجعل الشَّمْس سِرَاجًا وَالله أنبتكم من الأَرْض نباتا ثمَّ يعيدكم فِيهَا ويخرجكم إخراجا﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تمنون أأنتم تخلقونه أم نَحن الْخَالِقُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿للمقوين﴾
فَلَيْسَ يخفى على من مَعَه أدنى مسكة من عقل إِذا تَأمل بِأَدْنَى فكرة مَضْمُون هَذِه الْآيَات وأدار نظره على عجائب خلق الله فِي الأَرْض وَالسَّمَاوَات وبدائع فطْرَة الْحَيَوَان والنبات أَن هَذَا الْأَمر العجيب وَالتَّرْتِيب الْمُحكم لَا يَسْتَغْنِي عَن صانع يدبره وفاعل يحكمه ويقدره بل تكَاد فطْرَة النُّفُوس تشهد بِكَوْنِهَا
стр. 99
مقهورة تَحت تسخيره ومصرفة بِمُقْتَضى تَدْبيره وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى
﴿أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾
وَلِهَذَا بعث الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم لدَعْوَة الْخلق إِلَى التَّوْحِيد لِيَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وَمَا أمروا أَن يَقُولُوا لنا إِلَه وللعالم إِلَه فَإِن ذَلِك كَانَ مجبولاً فِي فطْرَة عُقُولهمْ من مبدأ نشوهم وَفِي عنفوان شبابهم وَلذَلِك قَالَ
﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم﴾
стр. 100
فَإِذا فِي فطْرَة الْإِنْسَان وشواهد الْقُرْآن مَا يُغني عَن إِقَامَة الْبُرْهَان وَلَكنَّا على سَبِيل الِاسْتِظْهَار والإقتداء بالعلماء النظار نقُول من بديهة الْعُقُول أَن الْحَادِث لَا يَسْتَغْنِي فِي حُدُوثه عَن سَبَب يحدثه والعالم حَادث فَإِذا لَا يَسْتَغْنِي فِي حُدُوثه عَن سَبَب
أما قَوْلنَا أَن الْحَادِث لَا يَسْتَغْنِي فِي حُدُوثه عَن سَبَب فَجلى فَإِن كل حَادث مُخْتَصّ بِوَقْت يجوز فِي الْعقل تَقْدِير تَقْدِيمه وتأخيره فاختصاصه بوقته دون مَا قبله وَمَا بعده يفْتَقر بِالضَّرُورَةِ إِلَى الْمُخَصّص
وَأما قَوْلنَا الْعَالم حَادث فبرهانه أَن أجسام الْعَالم لَا تَخْلُو عَن الْحَرَكَة
стр. 101
والسكون وهما حادثان وَمَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث فَفِي هَذَا الْبُرْهَان ثَلَاث دعاوى الأولى قَوْلنَا إِن الْأَجْسَام لَا تَخْلُو عَن الْحَرَكَة والسكون وَهَذِه مدركة بالبديهة والاضطرار فَلَا يحْتَاج فِيهَا إِلَى تَأمل وافتكار فَإِن من عقل جسما لَا سَاكِنا وَلَا متحركاً كَانَ لمتن الْجَهْل رَاكِبًا وَعَن نهج الْعقل ناكباً
الثَّانِيَة قَوْلنَا إنَّهُمَا حادثان وَيدل على ذَلِك تعاقبهما وَوُجُود الْبَعْض مِنْهُمَا بعد الْبَعْض وَذَلِكَ مشَاهد فِي جَمِيع الْأَجْسَام مَا شوهد مِنْهَا وَمَا لم يُشَاهد فَمَا من سَاكن إِلَّا وَالْعقل قَاض بِجَوَاز حركته وَمَا من متحرك إِلَّا وَالْعقل قَاض بِجَوَاز حركته وَمَا من متحرك إِلَّا وَالْعقل قَاض بِجَوَاز سكونه فالطاريء مِنْهُمَا حَادث لطريانه وَالسَّابِق حَادث لعدمه لِأَنَّهُ لَو ثَبت قدمه لاستحال عَدمه على مَا سَيَأْتِي بَيَانه وبرهانه فِي إِثْبَات بَقَاء الصَّانِع تَعَالَى وتقدس
стр. 102
الثَّالِثَة قَوْلنَا مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث وبرهانه أَنه لَو لم يكن كَذَلِك لَكَانَ قبل كل حَادث حوادث لَا أول لَهَا وَلَو لم تنقض تِلْكَ الْحَوَادِث بجملتها لَا تَنْتَهِي النّوبَة إِلَى وجود الْحَادِث الْحَاضِر فِي الْحَال وانقضاء مَا لَا نِهَايَة لَهُ محَال وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ للفلك دورات لَا نِهَايَة لَهَا لَكَانَ يَخْلُو عَددهَا عَن أَن تكون شفعاً أَو وترا أَو شفعاً ووتراً جَمِيعًا أَو لَا شفعاً وَلَا وترا ومحال أَن تكون شفعاً ووتراً جَمِيعًا أَو لَا شفعاً وَلَا وترا فَإِن ذَلِك جمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات إِذْ فِي إِثْبَات أَحدهمَا نفي الآخر وَفِي نفي أَحدهمَا إِثْبَات الآخر ومحال أَن يكون شفعاً لِأَن الشفع يصير وترا بِزِيَادَة وَاحِد وَكَيف يعوز مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَاحِد
ومحال أَن يكون وترا إِذْ الْوتر يصير شفعاً بِوَاحِد فَكيف يعوزها وَاحِد مَعَ أَنه لَا نِهَايَة لأعدادها ومحال أَن يكون لَا شفعاً وَلَا وترا إِذْ لَهُ نِهَايَة فَتحصل من هَذَا أَن الْعَالم لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث وَمَا لَا يَخْلُو من الْحَوَادِث فَهُوَ إِذا حَادث وَإِذا ثَبت حُدُوثه كَانَ افتقاره إِلَى الْمُحدث من المدركات بِالضَّرُورَةِ
стр. 103
الأَصْل الثَّانِي الْقدَم
الْعلم بِأَن الله تَعَالَى قديم لم يزل أزلي لَيْسَ لوُجُوده أول بل أول كل شَيْء وَقبل كل ميت وَحي
وبرهانه أَنه لَو كَانَ حَادِثا وَلم يكن قَدِيما لافتقر هُوَ أَيْضا إِلَى مُحدث وافتقر محدثه إِلَى مُحدث وتسلسل ذَلِك إِلَى مَا لَا نِهَايَة وَمَا تسلسل لم يتَحَصَّل أَو
стр. 104
يَنْتَهِي إِلَى مُحدث قديم هُوَ الأول وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوب الَّذِي سميناه صانع الْعَالم ومبدئه وبارئه ومحدثه ومبدعه
الأَصْل الثَّالِث الْبَقَاء
الْعلم بِأَنَّهُ تَعَالَى مَعَ كَونه أزلياً أبدياً لَيْسَ لوُجُوده آخر فَهُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن لِأَن مَا ثَبت قدمه اسْتَحَالَ عَدمه
وبرهانه أَنه لَو انْعَدم لَكَانَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَنْعَدِم بِنَفسِهِ أَو بمعدم يضاده وَلَو جَازَ أَن يَنْعَدِم شَيْء يتَصَوَّر دَوَامه بِنَفسِهِ لجَاز أَن يُوجد شَيْء يتَصَوَّر عَدمه بِنَفسِهِ فَكَمَا يحْتَاج طريان الْوُجُود إِلَى سَبَب فَكَذَلِك يحْتَاج طريان الْعَدَم إِلَى سَبَب وباطل أَن يَنْعَدِم بمعدم يضاده لِأَن ذَلِك المعدم لَو كَانَ قَدِيما لما تصور
стр. 105
الْوُجُود مَعَه وَقد ظهر بالأصلين السَّابِقين وجوده وَقدمه فَكيف كَانَ وجوده فِي الْقدَم وَمَعَهُ ضِدّه فَإِن كَانَ الضِّدّ المعدم حَادِثا كَانَ محالا إِذْ لَيْسَ الْحَادِث فِي مضادته للقديم حَتَّى يقطع وجوده بِأولى من الْقَدِيم فِي مضادته للحادث حَتَّى يدْفع وجوده بل الدّفع أَهْون من الْقطع وَالْقَدِيم أقوى وَأولى من الْحَادِث
الأَصْل الرَّابِع التَّنَزُّه عَن كَونه جوهرا
الْعلم بِأَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بجوهر يتحيز بل يتعالى وبتقدس عَن مُنَاسبَة الحيز
وبرهانه أَن كل جَوْهَر متحيز فَهُوَ مُخْتَصّ بحيزه وَلَا يَخْلُو من أَن يكون سَاكِنا فِيهِ أَو متحركاً عَنهُ فَلَا يَخْلُو عَن الْحَرَكَة أَو السّكُون وهما حادثان وَمَا
стр. 106
يَخْلُو عَن الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث وَلَو تصور جَوْهَر متحيز قديم لَكَانَ يعقل قدم جَوَاهِر الْعَالم فَإِن سَمَّاهُ مسم جوهراً وَلم يرد بِهِ المتحيز كَانَ مخطئاً من حَيْثُ اللَّفْظ لَا من حَيْثُ الْمَعْنى
الأَصْل الْخَامِس التَّنَزُّه عَن الجسمية
الْعلم بِأَن تَعَالَى لَيْسَ بجسم مؤلف من جَوَاهِر إِذْ الْجِسْم عبارَة عَن الْمُؤلف من الْجَوَاهِر وَإِذ بَطل كَونه جوهراً مَخْصُوصًا بحيز بَطل كَونه جسماً لِأَن كل جسم مُخْتَصّ بحيز ومركب من جَوْهَر فالجوهر يَسْتَحِيل خلوه عَن الِافْتِرَاق والاجتماع وَالْحَرَكَة والسكون والهئية والمقدار
стр. 107
وَهَذِه سمات الْحُدُوث وَلَو جَازَ أَن يعْتَقد أَن صانع الْعَالم جسم لجَاز أَن يعْتَقد الإلهية للشمس وَالْقَمَر أَو لشَيْء آخر من أَقسَام الْأَجْسَام فَإِن تجاسر متجاسر على تَسْمِيَته تَعَالَى جسماً من غير إِرَادَة التَّأْلِيف من الْجَوَاهِر كَانَ ذَلِك غَلطا فِي الِاسْم مَعَ الْإِصَابَة فِي نفي معنى الْجِسْم
الأَصْل السَّادِس التَّنَزُّه عَن كَونه عرضا
الْعلم بِأَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِعرْض قَائِم بجسم أَو حَال فِي مَحل لِأَن الْعرض مَا يحل فِي الْجِسْم فَكل جسم فَهُوَ حَادث لَا محَالة وَيكون محدثه مَوْجُودا قبله فَكيف يكون حَالا فِي الْجِسْم وَقد كَانَ مَوْجُودا فِي الْأَزَل وَحده وَمَا مَعَه
стр. 108
غَيره ثمَّ أحدث الْأَجْسَام والأعراض بعده
وَلِأَنَّهُ عَالم قَادر مُرِيد خَالق وَهَذِه الْأَوْصَاف تستحيل على الْأَعْرَاض بل لَا تعقل إِلَّا لموجود قَائِم بِنَفسِهِ مُسْتَقل بِذَاتِهِ وَقد تحصل من هَذِه الْأُصُول أَنه مَوْجُود قَائِم بِنَفسِهِ لَيْسَ بجوهر وَلَا جسم وَلَا عرض وَأَن الْعَالم كُله جَوَاهِر وأعراض وأجسام فَإِذا لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء بل الْحَيّ القيوم الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء وأنى يشبه الْمَخْلُوق خالقه والمقدور
стр. 109
مقدره والمصور مصوره والأجسام والأعراض كلهَا من خلقه وصنعه فاستحال الْقَضَاء عَلَيْهَا بمماثلته ومشابهته
الأَصْل السَّابِع الْعلم بِأَن الله تَعَالَى منزه الذَّات عَن الِاخْتِصَاص بالجهات
فَإِن الْجِهَة إِمَّا فَوق وَإِمَّا أَسْفَل وَأما يَمِين وَإِمَّا شمال أَو قُدَّام أَو خلف وَهَذِه الْجِهَات هُوَ الَّذِي خلقهَا وأحدثها بِوَاسِطَة خلق الْإِنْسَان إِذْ خلق لَهُ طرفين أَحدهمَا يعْتَمد على الأَرْض وَيُسمى رجلا وَالْآخر يُقَابله وَيُسمى رَأْسا فَحدث اسْم الفوق لما يَلِي جِهَة الرَّأْس وَاسم السّفل لما يَلِي
стр. 110
جِهَة الرجل حَتَّى إِن النملة الَّتِي تدب منكسة تَحت السّقف تنْقَلب جِهَة الفوق فِي حَقّهَا تحتاً وَإِن كَانَ فِي حَقنا فوقاً وَخلق للْإنْسَان الْيَدَيْنِ وإحداهما أقوى من الْأُخْرَى فِي الْغَالِب فَحدث اسْم الْيَمين للأقوى وَاسم الشمَال لما يُقَابله وَتسَمى الْجِهَة الَّتِي تلِي الْيَمين يَمِينا وَالْأُخْرَى شمالاً وَخلق لَهُ جانبين يبصر من أَحدهمَا ويتحرك إِلَيْهِ فَحدث اسْم القدام للجهة الَّتِي يتَقَدَّم إِلَيْهَا بالحركة وَاسم الْخلف لما يقابلها فالجهات حَادِثَة بحدوث الْإِنْسَان وَلَو لم يخلق الْإِنْسَان بِهَذِهِ الْخلقَة بل خلق مستديراً كالكرة لم يكن لهَذِهِ الْجِهَات وجود ألبته فَكيف كَانَ فِي الْأَزَل مُخْتَصًّا بِجِهَة والجهة حَادِثَة أَو كَيفَ صَار مُخْتَصًّا بِجِهَة بعد أَن لم يكن لَهُ أبأن خلق الْعَالم فَوْقه وَتَعَالَى عَن أَن يكون لَهُ فَوق إِذْ تَعَالَى أَن يكون لَهُ رَأس والفوق عبارَة عَمَّا يكون جِهَة الرَّأْس أَو خلق الْعَالم تَحْتَهُ فتعالى عَن أَن يكون لَهُ تَحت إِذْ تَعَالَى عَن أَن يكون لَهُ رجل والتحت عبارَة عَمَّا يَلِي الرجل وكل ذَلِك مِمَّا يَسْتَحِيل فِي الْعقل وَلِأَن الْمَعْقُول من
следующие страницы →