← Тафсир

Тафсир · id 639

موسوعة التفسير المأثور

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (16 717 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثالثها: إضافة قول غير معتبر؛ إما لفساده في ذاته، وإما لمناقضته لتفسيراتهم، وهذا هو الرأي المذموم. ٢ - لقد تكلف من ذهب إلى هذا المصطلح حينما أراد أن يقسم كتب التفسير على التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، فوقع في عدد من الأغلاط، منها: الغفلة عن بداية الرأي المحمود ونشأته، وأنواعه، فالرأي بدأ منذ عهد الرسول ﷺ ، ودليل ذلك بعض ما فهمه الصحابة على وجه، ثم سألوا عنه رسول اللَّه ﷺ ، ففهمهم كان رأيًا لهم، ثم لما توفي رسول اللَّه ﷺ اجتهدوا في بيان القرآن للتابعين، ثم استمر الرأي فيمن بعدهم، وكان منه -كما سبق- من يتخير من أقوالهم، ويرجح بينها، وهذا لا يكون إلا برأي مستقل، ومع ذلك تجد أن أعظم المفسرين بالرأي المحمود -وهو ابن جرير الطبري- يعدون تفسيره من كتب التفسير المأثور، ويغفلون عن رأيه الذي لا يكاد يخلو منه مقطع من مقاطع الآيات. وأعجب من ذلك أن الشيخ محمد حسين الذهبي يعدُّ تفسير الثعلبي ضمن كتب التفسير المأثور (١)، ويعدُّ تفسير الخازن الذي اعتمد تفسير البغوي وزاد عليه ضمن التفسير بالرأي (٢). فإذا كان تفسير الخازن مختصرًا لتفسير البغوي، فما المعيار الذي جعل هذا في كتب المأثور، وذاك في كتب الرأي، ولم لم يعامله كما عامل تفسير ابن عطية، ومختصره الذي عمله الثعالبي، حيث وضعهما في التفسير المأثور. ٣ - وذهب من اعتمد هذا التقسيم إلى جَعْلِ تفسير ابن جرير من قبيل التفسير بالمأثور، وفي هذا غفلة عن كون تفسير الطبري من أكبر أمثلة التفسير بالرأي المحمود، وأن رأيه يظهر في مواطن، منها: أ- تفسيره الإجمالي الذي يبتدئ به الآية أو يجعله في خاتمة ذكره للأقوال. ب- تقسيمه للأقوال، وترجمته لكل قول منها بما يبرز المعنى الذي ذهب إليه أهل ذلك القول. ج- الاختيار والترجيح المبني على القرائن والقواعد العلمية. ورأيه في معنى الآية واختياره لا تكاد تخلو منه آية. ولعل من ذهب إلى تصنيفه في المأثور نَظَرَ إلى كثرة إيراده للمأثور عن السلف، _________ (١) التفسير والمفسرون، للذهبي ١/ ١٦٩. (٢) التفسير والمفسرون، للذهبي ١/ ٢٢١.

стр. 107

وهناك فرق بين أن يكون معتمدًا على المأثور من تفسيرهم، وبين أن يكون صاحب رأي مستقلٍّ يرجِّح ويختار، والترجيح والاختيار رأي. وسأقف مع أنموذج من هذا النوع، ورد عن عَلَمٍ من أعلام المفسرين المتأخرين: قال الشيخ الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): "أما الذين جمدوا على القول بأن تفسير القرآن يجب أن لا يعدوا ما هو مأثور، فهم رموا هذه الكلمة على عواهنها، ولم يوضحوا مرادهم من المأثور عمن يؤثر. . . ". ثم قال: "وقد التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروي عن الصحابة والتابعين، ولكنه لا يلبث في كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها، وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب، وحسبه بذلك تجاوزًا لما حدده من الاقتصار على التفسير بالمأثور، وذلك طريق ليس بنهج، وقد سبقه إليه بقي بن مخلد، ولم نقف على تفسيره، وشاكل الطبري فيه معاصروه، مثل ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، فللَّه درّ الذين لم يحبسوا أنفسهم في تفسير القرآن على ما هو مأثور، مثل الفراء وأبي عبيدة من الأولين، والزجاج والرماني ممن بعدهم، ثم من سلكوا طريقهم، مثل الزمخشري وابن عطية" (١). وها هنا وقفات ناقدة لهذا الكلام: الأولى: لم يصرح الطاهر بن عاشور بأولئك الذين "جمدوا على القول بأن تفسير القرآن يجب أن لا يعدوا ما هو مأثور"، وفي ظني أن هذا لم يُقل به، ولكنه تأولٌ لكلام من يرى وجوب الأخذ بما أثر عن السلف. الثانية: لم يورد الشيخ لنفسه دليلًا من كلام الطبري يدلّ على التزامه بما روى عن الصحابة والتابعين فقط، ولم يرد عن الطبري أنه يقتصر عليهم، ولا يتعدى ذلك إلى الترجيح، بل قد نصَّ على منهجه في التعامل مع أقوال المفسرين، والتعليل لها والترجيح بينها، قال: ". . . ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه منه واختلافها فيما اختلفت فيه منه. ومبينو علل كل مذهب من مذاهبهم، وموضحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه" (٢). فهذا نصُّه ﵀ واضح في نوعية الرأي الذي سيسلكه، وهو التعليل والترجيح _________ (١) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور ١/ ٣٢، ٣٣. (٢) تفسير ابن جرير الطبري ١/ ٧.

стр. 108

والاختيار من أقوال المختلفين من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ولم يجمد على نقل الأقوال. الثالثة: أنه جعل منهج الطبري كمنهج ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، وشتان بين منهج الطبري الناقد المعتمد على روايات السلف، ومنهج هؤلاء الذين اعتمدوا النقل فقط دون التعقيب والتعليق، وهذا المنهج الذي سلكوه لا يُعاب عليهم؛ لأنهم لم يشترطوا التعليق على الآيات والتعقيب على المرويات، بل كانوا يوردون ما وصلهم من تفاسير السلف، وهم بهذا لا يُعدون مفسرين، بل هم ناقلو تفسير. ومن هنا ترى أن الشيخ ابن عاشور يرى أن من التزم بالمأثور فإنه لا يكون له رأي كالطبري، وأن من لم يلتزم بالمأثور فللَّه درّه! كما قال. وقد سبق أن ذكرت لك أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم اعتمدوا التفسير بالرأي وقالوا به (١)، وأن من الأخطاء التي وقعت مقابلة أقوالهم التي هي من قبيل الرأي بأقوال أبي عبيدة والفراء وغيرهم، بل الأعجب من ذلك أن تفاسيرهم اللغوية تجعل من المأثور وتُقابل بتفاسير أبي عبيدة والفراء والزجاج اللغوية، وتجعل هذه لغوية (٢). ٤ - افتراض وقوع الاختلاف بين المأثور والرأي، وكيفية معالجته: بنى الشيخ عبد العظيم الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) افتراضًا جدليًّا في وقوع التعارض بين _________ (١) إن قيل: ذكرتم في الموسوعة تفاسير السلف التي هي من قبيل الرأي، مع أن الموسوعة للتفسير المأثور؟ ! أجيب بأن وصف التفسير بالمأثور لا يلزم منه أن لا يكون تفسيرًا بالرأي أو بالنظر والاجتهاد؛ فقد يكون مأثورًا؛ لأنه منقول عن الغير، وهو بالنسبة إلى قائله مقول برأيه أو نظره واجتهاده؛ وبهذا يتبين أن التفسير المأثور نوعان: مطلق ونسبي، فالمطلق ما أُثر عن رسول اللَّه ﷺ ، وما ورد من أسباب النزول الصريحة، وما أجمع عليه، وما يكون له وجه واحد في المعنى لا غير، لأنه لا مجال في هذا للرأي. والتفسير المأثور النسبي هو ما عدا ما سبق مما يرويه الخلف عن السلف إلى الصحابة ﵃. فليس كل ما يسمى تفسيرًا مأثورًا يكون قسيمًا للتفسير بالرأي؛ فالتفسير المأثور الذي يعتبر قسيمًا للتفسير بالرأي هو التفسير المأثور المطلق، أما التفسير المأثور النسبي فهو في أصله تفسير بالرأي. فتفاسير السلف التي هي من قبيل الرأي من التفسير المأثور النسبي؛ أي: بالنسبة لمن ينقل عنهم؛ ومن ذلك نقلنا عنهم في الموسوعة. (٢) ولم تُعتمد أقوال اللغويين في الموسوعة وإن كانوا من طبقة السلف كأبي عبيدة والفراء؛ بناء على كون الذين جمعوا التفسير المأثور لم يذكروهم؛ لأنهم ليسوا من أهل الأثر والرواية والرأي المعتمد على ذلك. . .

стр. 109

التفسير المأثور عنده (بالقرآن، وبالسُّنَّة، وبأقوال الصحابة) وبين التفسير بالرأي، تحت عنوان عقده لذلك (التعارض بين التفسير بالرأي والتفسير بالمأثور والترجيح بينهما)، وليست المشكلة في وقوع التعارض، إذ هذا ممكن، لكن طريقة الشيخ في تصوير المسألة لا تناسب العمل التفسيري، ولا تجد من عمل بها أو يعمل بها على طريقته، قال: "ينبغي أن يعلم أن التفسير بالرأي المذموم ليس مرادًا هنا؛ لأنه ساقط من أول الأمر فلا يقوى على معارضة المأثور. ثم ينبغي أن يعلم أن التعارض بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي المحمود معناه: التنافي بينهما، بأن يدل أحدهما على إثبات والآخر على نفي؛ كأن كلًّا من المتنافيين وقف في عرض الطريق فمنع الآخر من السير فيه. وأما إذا لم يكن هناك تنافٍ، فلا تعارض، وإن تغايرا؛ كتفسيرهم الصراط المستقيم بالقرآن أو بالسُّنَّة أو بطريق العبودية أو طاعة اللَّه ورسوله، فهذه المعاني غير متنافية، وإن تغايرت. . . إذا تقرر هذا، فإن التفسير بالمأثور الثابت بالنص القطعي لا يمكن أن يعارض بالتفسير بالرأي؛ لأن الرأي: إما ظني، وإما قطعي؛ أي: مستند إلى دليل قطعي: من عقل أو نقل، فإن كان قطعيًّا، فلا تعارض بين قطعيين، بل يؤول المأثور؛ ليرجع إلى الرأي المستند إلى القطعي إن أمكن تأويله، جمعًا بين الدليلين. وإن لم يمكن تأويله، حُمل اللفظ الكريم على ما يقتضيه الرأي والاجتهاد، تقديمًا للأرجح على المرجوح. أما إذا كان الرأي ظنيًّا، بأن خلا من الدليل القاطع، واستند إلى الأمارات والقرائن الظاهرة فقط، فإن المأثور القطعي يقدَّم على الرأي الظني ضرورة أن اليقين أقوى من الظن. هذا كله فيما إذا كان المأثور قطعيًّا، أما إذا كان المأثور غير قطعي في دلالته؛ لكونه ليس نصًّا، أو في متنه؛ لكنه خبر آحاد، ثم عارضه التفسير بالرأي فلا يخلو الحال: إما أن يكون ما حصل فيه التعارض مما لا مجال للرأي فيه، وحينئذٍ فالمعوَّل عليه المأثور فقط، ولا يقبل الرأي. وإن كان للرأي فيه مجال، فان أمكن الجمع فبها ونعمت، وإن لم يمكن قُدِّم المأثور عن النبي ﷺ أو عن الصحابة؛ لأنهم شاهدوا الوحي، وبعيد عليهم أن يتكلموا في القرآن بمجرد الهوى والشهوة.

стр. 110

أما المأثور عن التابعين، فإذا كان منقولًا عن أهل الكتاب، قدم التفسير بالرأي عليه، وأما إذا لم ينقل عنهم، رجعنا به إلى السمع، فما أيده السمع، حُمِل النظم الكريم عليه، فإن لم يترجح أحدهما بسمع ولا بغيره من المرجحات، فإننا لا نقطع بأن أحدهما هو المراد، بل نُنزل اللفظ الكريم منزلة المجمل قبل تفصيله والمشتبه أو المبهم قبل بيانه" (١). هذا الذي ذكره الشيخ عبد العظيم افتراض ذهني لا علاقة له بواقع التفسير، ولا يمكن تطبيقه بهذه الطريقة التي ذكرها، وليس المراد هنا نفي وقوع التعارض جملة، لكن هذه الترتيبات التي ذكرها، وهذه المصطلحات التي حشدها لا تكاد توجد في العمل التفسيري. وتفصيل الرد عليه يطول، ويخرج عن المقصود هنا. ٥ - من لوازم هذا التقسيم للتفسير المأثور أن ما عداه فهو من التفسير بالرأي، وهذا مُشْكِل من جهة تاريخ الرأي في التفسير، فالرأي -سواءً كان محمودًا أو مذمومًا- يعني اعتماد المفسر على اجتهاده في تفسير النص، وهذا الاجتهاد سواء أكان خطأ أم صوابًا هو رأي لصاحبه، وبواكير الرأي -على وجه العموم- كانت في عهد النبي ﷺ ، وذلك في ما وقع من فهم بعض الصحابة لبعض الآيات على وجه غير الوجه المراد، فلما سألوا النبي ﷺ بيَّن لهم المعنى المراد، كفهمهم للظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، ففهمهم راجع إلى اجتهادهم، واجتهادهم رأي لهم. ثم لمّا مات النبي ﷺ كانوا يفسرون بآرائهم، وكذا تابعهم في ذلك التابعون وأتباعهم، فالتفسير بالرأي بدأ معهم، وليس قسيمًا لأقوالهم، كما يفهم من هذه المقابلة الثنائية بين التفسير بالمأثور (القرآن، والسُّنَّة، وأقوال الصحابة، وأقوال التابعين) والتفسير بالرأي (ما عدا هذه الأربعة)، فإن هذه المقابلة ليست بصحيحة، وهذا الذي ذكرته أحد أدلة خطأ هذا التقابل. _________ (١) مناهل العرفان ٢/ ٦٣ - ٦٥. ووازن هذا المنهج التفكيري بما طرحه الرازي في أساس التقديس ص ٢١٠، وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا المنهج الذي يزعم تعارض العقل مع النقل في مؤلفه العظيم "درء تعارض العقل والنقل".

стр. 111

* ما الذي ينطبق عليه مصطلح المأثور في التفسير ؟ من خلال ما سبق من عرض أقوال بعض المعاصرين في حصرهم التفسير بالمأثور في أربعة أنواع، وما تمَّ من نقدهم في ذلك، فإنه يرد سؤال: هل يعني هذا النقد أنه لا يوجد مصطلح (المأثور) في التفسير؟! والجواب: إن عمل المتقدمين يدل على أنهم يريدون بالمأثور ما روي عن رسول اللَّه ﷺ فالصحابة فالتابعون فأتباعهم، وعلى هذا بنوا كتبهم في التفسير، مثل ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ)، الذي قال في مقدمة تفسيره: ". . . فإذا وجدت التفسير عن رسول اللَّه ﷺ . . . وإذا وجدته عن الصحابة. . . فإن لم أجد عن الصحابة ووجدته عن التابعين عملت فيما أجد عنهم ما ذكرته من المثال في الصحابة، وكذا أجعل المثال في أتباع التابعين وأتباعهم" (١). وعلى هذا سار جُلُّ من كتب بالإسناد إلى السلف، ثم تبعهم من حذف الإسناد واكتفى بذكر المفسرين منهم؛ كالماوردي (ت: ٤٥٠ هـ). ومثل السيوطي (ت: ٩١١ هـ) الذي ظهر مصطلح (المأثور) في عنوان كتابه "الدر المنثور في التفسير بالمأثور"، وقد تبع في طبقات المنقول عنهم في التفسير من سبقه من الأئمة كالطبري (ت: ٣١٠ هـ) وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ)، وقال في مقدمته: "فلما ألفت كتاب ترجمان القرآن وهو التفسير المسند عن رسول اللَّه وأصحابه ﵃ وتم بحمد اللَّه في مجلدات فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرج منها واردات رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله ورغبتهم في الاقتصار على متون الأحاديث دون الإسناد وتطويله فخلصت منه هذا المختصر مقتصرًا فيه على متن الأثر مصدرًا بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر وسميته: "الدر المنثور في التفسير بالمأثور""، وفي ثناياه روى عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين وأتباعهم. جاء الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) الذي اعتمد على كتاب الدر المنثور، فسمى كتابه "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية"، فصار لفظ الرواية نظير المأثور. وعلى هذا فالمأثور -من خلال هذه الكتب عبر العصور-: ما أثر عن رسول اللَّه ﷺ وعن صحابته والتابعين وعن أتباع التابعين. _________ (١) تفسير ابن أبي حاتم ١/ ١٤.

стр. 112

* الاحتجاج بالمأثور: وأما الاحتجاج بالتفسير المأثور، والتعاطي معه من حيث القبول والردُّ، فله تفصيل لا بدَّ من معرفته ليفهم المتلقي برهان حجيته، ويمكن أن نقسم الأمر إلى نظرين: كليٍّ وتفصيلي. أما النظر الكليٌّ، فيكون كالآتي: إن المأثور لا يخرج عن أن يكون مرويًّا عن النبي ﷺ أو أن يكون عن من بعده من طبقات السلف الثلاث. - فإن كان مرويًّا صحيحًا صريحًا عنه ﷺ ، فهذا محلُّه القبول والتسليم بلا خلاف، ولا يجوز ردُّه أو الاعتراض عليه. - وإن كان مرويًّا عن من بعده، فإنه لا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون التفسير مجمعًا عليه، وهذا محلُّه القبول والتسليم، ولا يجوز ردُّه أو مخالفته والاعتراض عليه. الثانية: أن يكون مختلفًا فيه بينهم، وهنا يجب معرفة أمور: الأمر الأول: أن إجماعهم قد انعقد على هذه الأقوال المختلفة، وهذا يعني أنه لا يجوز أن يأتي قول جديد يبطل جميع أقوالهم، فاختلافهم ليس حجة في القول بقول خلافهم ولا بإبطال أقوالهم، لأن إبطال جميع أقوالهم المختلفة يعني أنهم جهلوا مراد اللَّه، وبقيت الأمة جاهلة به حتى ظهر هذا القول الجديد الحادث بعدهم. ولا شك أن هذا اللازم دلمِل على بطلان القول الحادث لمن تأمله، إلا إن تعسَّف متعسِّف، وظن أنه يجوز أن يخاطب اللَّه سبحانه هؤلاء العرب الأقحاح بكلام عربي لا يفهمونه، ولا شك أن هذا محال. الأمر الثاني: أن الحق لا يمكن أن يخرج عن اختلافهم، والمتأخر يلزمه الاختيار والترجيح بدليل علمي مقبول، كما فعل ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ). تنبيه: لو أضاف متأخر قولًا مغايرًا لأقوالهم، وليس فيه ردٌّ لأقوالهم، والآية محتملة له؛ فهذا النوع من الأقوال يمكن قبوله إذا وضحت فيه دلائل القبول. وأما النظر التفصيلي، فيمكن تقسيمه إلى أربعة أنواع: الأول: ما ثبت عن النبي ﷺ تفسيرًا صريحًا.

стр. 113

الثاني: ما صحَّ من رواية الصحابة لأسباب النزول وبعض الغيبيات؛ لأن لها حكم الرفع. الثالت: ما أجمع عليه الصحابة والتابعون وأتباعهم؛ لأن إجماعهم حجة يجب الأخذ به. الرابع: ما ورد عن واحد من الصحابة خصوصًا أو من التابعين وأتباعهم، ولم يُعرف لهم مخالف، فالأصل فيه أنه حجة، خصوصًا إذا احتفت به قرائن القبول؛ كتناقل أئمة التفسير بعده لقوله بالتسليم، أو أن يكون معتمده اللغة. . . والأمر في ذلك كما قال الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ): "ينظر في تفسير الصحابي فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان، فلا شك في اعتمادهم" (١). - وكثير من التابعين هم مثل الصحابة في اللسان. - وإن كانوا غير ذلك، فأقلُّ أحوالهم أنهم ناقلون لها، كما هو الحال فى نَقَلَةِ اللغة الموثوقين، ويلحق بالتابعين أتباع التابعين. وهذه التقسيمات لا تفي بالأمثلة التفصيلية التي يجب قبولها؛ لأن كل مثال تعتريه قرائن وأحوال تؤخذ في ذلك المثال، وقد تختلف عن قرائن وأحوال قبول مثال آخر، واللَّه أعلم. _________ (١) البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٧٢.

стр. 114

المطلب الثالث المراد بالسلف السلف في اللغة: كل من سبقك. وأما في الاصطلاح هنا، فيمكن أن نحددهم من خلال دليلين: الأول: الحديث النبوي الوارد في تفضيل القرون في قوله ﷺ : "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته"، فقرن: الصحابة، والذين يلونهم التابعون، والذين يلونهم أتباع التابعين. وانطلاقًا من هذا الحديث ذهب كثير من العلماء إلى تحديد مصطلح السلف الخَيِّر الصالح بجيل الصحابة والتابعين وأتباعهم (١). _________ (١) الحديث رواه البخاري في الصحيح في كتاب المناقب برقم (٣٦٥١)، باب فضل أصحاب النبي ﷺ ، ومسلم في الصحيح في كتاب فضائل الصحابة برقم (٢٥٣٣). قال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحد ألفاظ الحديث: "قوله: "خير أمتي قرني"؛ أي: أهل قرني، والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، ويطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين لكن لم أر من صرح بالسبعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل. . . وقد وقع في حديث عبد اللَّه بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهور، وقال صاحب المطالع: القرن أمة هلكت فلم يبق منهم أحد. . . ولم يذكر صاحب "المحكم" الخمسين وذكر من عشر إلى سبعين، ثم قال: هذا هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال وبه صرح ابن الأعرابي وقال: إنه مأخوذ من الأقران، ويمكن أن يحمل عليه المختلف من الأقوال المتقدمة ممن قال: إن القرن أربعون فصاعدًا، أما من قال: إنه دون ذلك فلا يلتئم على هذا القول والله أعلم. والمراد بقرن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحابة. . . وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته ﷺ فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعًا وتسعين، وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم؛ فإن اعتبر منها كان نحوًا من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان واللَّه أعلم. واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن. =

стр. 115

قال النووي في شرح هذا الحديث: "اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه ﷺ ، والمراد أصحابه"، ثم قال: "والصحيح أن قرنه ﷺ الصحابة، والثاني التابعون، والثالث تابعوهم" (١). الثاني: أن العلماء الناقلون للمأثور؛ كعبد الرزاق (ت: ٢١١ هـ)، والطبري (ت: ٣١٠ هـ)، وابن المنذر (ت: ٣١٨ هـ)، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ)، وغيرهم نقلوا -مع تفسير النبي ﷺ تفسير هذه الطبقات الثلاث، ولا يكادون ينقلون أقوال الطبقة التي بعدهم، وعلى هذا جرى العمل بعدهم عن المتأخرين من المفسرين. _________ = وظهر قوله ﷺ : "ثم يفشو الكذب" ظهورًا بينًا حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات، واللَّه المستعان". فتح الباري لابن حجر ٧/ ٦. (١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي ١٦/ ٨٥.

стр. 116

المطلب الرابع التعريف بطبقات مفسري السلف * الطبقة الأولى: طبقة الصحابة: الصحابي: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا، ومات على ذلك (١). ولم يشتهر من الصحابة في التفسير سوى القليل، وأشهرهم به على الإطلاق حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن العباس بن المطلب (ت: ٦٨ هـ)، ثم يأتي بعده في عدد المروي عنه ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ)، ثم علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ)، ثم عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ)، ثم أُبي بن كعب (ت: ١٩ هـ، وقيل غيرها). ولا يلزم أن يكون من ذكر في كتب الطبقات بأنه مفسر أن يكون كذلك، ويظهر أن لعده في المفسرين أسبابًا خاصة بكل واحد منهم، فعبد اللَّه بن الزبير (ت: ٧٣ هـ) ممن عد في طبقات المفسرين، مع أن المروي عنه قليل جدًّا، فما الاعتبار الذي جعل به عبد اللَّه بن الزبير مفسرًا (٢)؟ إن أغلب ما ورد عنه يتعلق بمكان نزول السور (٣)، وفي المنقول عنه ما يتعلق بأحكام الحج وآثار تتعلق بمكة (٤)، وفمِه بعض القراءات الواردة عنه (٥)، وغيرها من المسائل المتنوعة المتعلقة بالآيات، وبالجملة، فليس المنقول عنه كثيرًا. فالمفسر من الصحابة: من كان له آراء في التفسير، وكان متصديًا له. كما سبق في تعريف المفسر. _________ (١) ينظر: معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح ص ٣٩٦، تحقيق: عبد اللطيف الهميم وماهر الفحل. (٢) يقول الأستاذ عادل نويهض في كتابه معجم المفسرين ١/ ٣٠٧: "ويعد من مشاهير مفسري القرآن الكريم من الصحابة". (٣) ينظر: الدر المنثور: ١/ ٤٦، ٣/ ٤١٢، ٤/ ٣، ١١٩، ٣٣٩، ٣٩٦، ٣/ ٦، ٢٨٨، ٣٨٩، ٤٤٩، ٥٣٤، ٧/ ٣٩٧، ٤٥٦، ٦٨٩، ٨/ ١٥١، ٢١٣، ٢٨٨، ٣٤٢، ٣٧٩، ٣٨٩، ٤٩٧، ٥٤٧، ٥٥٣، ٦٤١. (٤) ينظر: الدر المنثور: ١/ ٣٠٠، ٥٢٥، ٥٢٩، ٥٣٩، ٥٥٨، ٥٦٢، ٢/ ٢٦٦، ٢٧٤، ٤/ ١٥١، ٦/ ٣٣. (٥) ينظر: الدر المنثور ١/ ٤، ٣/ ٣٣٧، ٧/ ٦٥١، ٨/ ١٦٢، ٣٣٧، ٤٣٥، ٤٨٢.

стр. 117

ولا يعني هذا التقييد في التعريف أن من كانت الرواية عنه قليلة كأبي بكر الصديق وعثمان بن عفان، أنهم لا يفهمون معاني القرآن، وإنما المراد أن الرواية عنهم قليلة. ويُعدُّ الصحابة في الطبقة الأولى من المجتهدين في التقسير، ولتفسيرهم ميزة على تفسير من جاء بعدهم، ولا يعدلهم في هذه المميزات أحد. * الطبقة الثانية: طبقة التابعين: التابعي: من لقي الصحابي، وهو مؤمن، ومات على ذلك (١). واختلف في اشتراط الرواية عن الصحابي. وقد كان المفسرون في طبقة التابعين أكثر منهم في طبقة الصحابة وأتباع التابعين. ويمكن أن ندوِّن بعض الملاحظات: ١ - أن بعضهم ينتمي إلى أكثر من مدينة، فأخذ عن علمائها من الصحابة، وتنوعت مداركه بهذا، فالحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) نشأ في المدينة، ثم استقر في البصرة، وكذا أبو العالية (ت: ٩٣ هـ). وسعيد بن جبير (ت: ٩٣ هـ) نشأ في الكوفة، وأخذ التفسير عن ابن عباس في مكة (ت: ٦٨ هـ). وجابر بن زيد (ت: ٩٣ هـ) نشأ بالبصرة وتتلمذ على ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) فى التفسير. وأبو صالح باذام كان في مكة، ثمَّ انتقل إلى الكوفة واستقر بها. وكذلك الحال في بعض أتباع التابعين، فمقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) كان ببلخ، ثم انتقل إلى بغداد واستقرَّ بها. وسفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) كان في العراق، ثم في مكة. وهكذا غيرهم ممن لو تُتُبِّعت سيرتهم، ونُظِر في التنوع الجغرافي الذي سكنوه، فإنه محلُّ بحث للنظر في أثره على المفسر إن وُجِدَ. ٢ - أن مصادرهم هي مصادر الصحابة عينها، ولم يتغير منهجهم عن منهج الصحابة، كما لم يتغير عند مفسري أتباع التابعين، بل كانت هذه الطبقات الثلاث مدرسة واحدة، وليسوا عدة مدارس، كما يظنه بعض الباحثين، وإنما يتمايزون بكثرة _________ (١) ينظر: معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح ص ٤٠٥، تحقيق: عبد اللطيف الهميم وماهر الفحل.

стр. 118

الأخذ بمصدر أو قلَّته فحسب، ولذا لا تكاد تفرق بين عباراتهم، ولا في طريقتهم في التفسير، إِلَّا وجود نزر يسير من أثر البيئة أو الأحداث التي تحصل عليهم، فترى في تعبيرهم ما يناسب تلك الأحداث والوقائع، وإن لم يشيروا إليها صراحة، ومن ذلك: ما رواه الطبري بسنده عن الزهري (ت: ١٢٤ هـ)، أن ابن الزبير (ت: ٧٣ هـ)، قال: "إنما سمي البيت العتيق؛ لأن اللَّه أعتقه من الجبابرة"، وكأنه يشير إلى ما وقع بينه وبين الحجاج (ت: ٩٥ هـ)، وأن الحجاج لن يغلب على البيت، لكن كان ما قدَّره اللَّه، واللَّه أعلم. وقد تكون هذه الواقعة هي سبب اتجاه ابن الزبير إلى هذا التفسير دون تفسير العتيق بالقديم، وهو الوجه الثاني، والوجهان صحيحان محتملان، واللَّه أعلم. ٣ - أنهم يفسرون حسب القراءة التي يقرؤون بها، فالمكيون يقرؤون بما آلت إليه قراءة ابن كثير؛ لأنه أخذها عن مجاهد (ت: ١٠٥ هـ) عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) عن أُبي بن كعب (ت: ١٩ هـ وقيل غيرها)، والكوفيون عندهم قراءة ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) وقراءة علي (ت: ٤٠ هـ)، والشاميون قراءة أبي الدرداء (ت: ٣٢ هـ)، وهكذا. ومن أمثلة ذلك ما رواه الطبري بسنده عن عاصم، عن زر " ﴿وما هو على الغيب بظنين﴾ قال: في قراءتنا بمتهم، ومن قرأها ﴿بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] يقول: ببخيل" (١). * الطبقة الثالثة: طبقة أتباع التابعين: تابع التابعي: هو من لقي التابعي، وهو مؤمن، ومات على ذلك (٢). واختلف في اشتراط الرواية عن التابعي. وممن برز في هذه الطبقة: مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ)، ومقاتل بن حيان (ت: ١٥٠ هـ)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢ هـ)، وسفيان بن عيينة (ت: ١٩٨ هـ). وقد ظهر في زمن أتباع التابعين مشاركة بعض اللغويين وبعض أهل البدع، وكان لمن شارك في التفسير من أهل اللغة؛ كالفراء (ت: ١٠٧ هـ)، وأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت: ٢١٠ هـ) أثر في المصنفات التي ستأتي بعد ذلك. _________ (١) تفسير الطبري، تحقيق: التركي ٢٤/ ١٦٨. (٢) ينظر: معجم لغة الفقهاء ص ١٧٧.

стр. 119

وبعد طبقة أتباع التابعين اعتمد أئمة السُّنَّة على أقوال المفسرين في هذه الطبقات الثلاث، وقلَّ فيهم التصدي للتفسير، حتى ظهر ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) الذي أبرز أسلوب المفسر الناقد والمرجح بين الأقوال. * * *

стр. 120

المبحث الثاني أهمية تفسير السلف المطلب الأول أهمية تفسير الصحابة ذكر العلماء أسبابًا تدل على أهمية الرجوع إلى تفسيرهم، ومن أهمها: ١ - أنهم شهدوا التنزيل، وعرفوا أحواله: لقد كان لمشاهدتهم التنزيل، ومعرفة أحواله أكبر الأثر في علو تفسيرهم وصحته، إذ الشاهد يدرك من الفهم ما لا يدركه الغائب. وفي حجية بيان الصحابة للقرآن، قال الشاطبي: "وأما الثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسُّنَّة، فهم أقعد في فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يراه الغائب. فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعمل عليه على الصواب، وهذا إن لم ينقل عن أحدهم خلاف في المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية" (١). ومعرفة أسباب النزول لازمة لمن أراد علم القرآن؛ لأن الجهل بأسباب النزول موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف. وإنما يقع ذلك؛ لأن معرفة أسباب النزول بمنزلة مقتضيات الأحوال التي يفهم بها _________ (١) الموافقات للشاطبي ٤/ ١٢٨.

стр. 121

الخطاب، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه. ومعرفة أسباب النزول رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد، ومعنى معرفة السبب هو معنى مقتضى الحال (١). ويدل على ذلك: ما رواه أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم عن ابن عباس (﵄) قال: "أتي برجل من المهاجرين الأولين -وقد شرب الخمر- فأمر به عمر أن يجلد، فقال: لم تجلدني؟! بيني وبينك كتاب اللَّه، قال: وفي أي كتاب اللَّه تجد أن لا أجلدك؟ قال: فإن اللَّه تعالى يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا؛ شهدت مع رسول اللَّه: بدرًا، وأُحدًا، والخندق، والمشاهد. فقال عمر: ألا تردون عليه؟ فقال ابن عباس: هؤلاء الآيات نزلت عذرًا للماضين، وحجة على الباقين، عذرًا للماضين؛ لأنهم لقوا اللَّه قبل أن حرم اللَّه عليهم الخمر، وحجة على الباقين؛ لأن اللَّه يقول: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ [المائدة: ٩٠] حتى بلغ الآية الأخرى" (٢). فانظر كيف خفي على هذا البدري ﵁ حكم هذه الآية لما لم يكن يعلم سبب نزولها، وكيف أنها لم تشكل على من علم سبب نزولها؟ فنزلها منزلتها، وبيَّن معناها. ٢ - أنهم عرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن: يقول الشاطبي -في بيان أهمية معرفة الأحوال في التفسير-: "ومن ذلك: معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن ثمَّ سبب خاص، لا بد لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إِلَّا بهذه المعرفة" (٣). _________ (١) الموافقات بتصرف ٤/ ١٤٦. (٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٣٢٠ من طريق أبي الشيخ، وابن مردويه كما في الدر المنثور ٣/ ١٧٤، والحاكم في المستدرك في كتاب الحدود ٤/ ٤١٧، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: فيه ابن فليح لا أعرفه. صحيح البخاري برقم (٤٥١٩). (٣) الموافقات ٤/ ١٥٤.

стр. 122

ومن الأمثلة التي تدل على أهمية معرفة أحوالهم في التفسير: ما رواه البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، قال: "كانت عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ في مواسم الحج" (١). ومثله ما رواه البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) عن عائشة (ت: ٥٨ هـ)، قالت: "كانت قريش ومن دان دينها يقفون المزدلفة، وكانوا يسمون الْحُمْسَ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر اللَّه نبيّه ﷺ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] " (٢). ٣ - أنهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن: لمّا كان القرآن نزل بلغتهم، فإنهم أعرف به من غيرهم، وهم في مرتبة الفصاحة العربية، فلم تتغير ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا في الفصاحة، لذا فهم أعرف من غيرهم في فهم الكتاب والسُّنَّة، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان صح اعتماده من هذه الجهة (٣). كما أن ما نقل عنهم من كلام أو تفسير فإنه حجة في اللغة، وفيه بيان لصحة الإطلاق في لغة العرب، قال ابن حجر: "استشكل ابن التين قوله: (ناسًا من الجن) من حيث إن الناس ضد الجن. وأجيب بأنه على قول من قال: إنه من ناس: إذا تحرك، أو ذكر للتقابل، حيث قال: (ناس من الناس)، (وناسًا من الجن)، ويا ليت شعري، على من يعترض؟! " (٤). _________ (١) صحيح البخاري برقم (٤٥١٩) (٢) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، برقم (٤٥٢٠). (٣) ينظر: الموافقات للشاطبي ٤/ ١٢٨. (٤) فتح الباري ٨/ ٢٤٩ في شرح أثر عبد اللَّه بن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء]، قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم.

стр. 123

٤ - حسن فهمهم: إن من نظر في أقوال الصحابة في التفسير متدبرًا لهذه الأقوال، ومتفهمًا لمراميها، وعلاقتها بتفسير الآية، فإنه سيتبين له ما آتاهم اللَّه من حسن البيان عن معاني القرآن، من غير تكلف في البيان، ولا تعمق في تجنيس الكلام، بل تراهم يلقون الألفاظ بداهة على المعنى، فتصيب منه المراد. وكان مما عزّز لهم حسن الفهم: ما سبق ذكره من الأسباب التي دعت إلى الرجوع إلى تفسيرهم من: مشاهدة التنزيل، ومعرفة أحوال من نزل فيهم القرآن، وكونهم أصحاب اللسان الذي نزل به القرآن، مع ما لهم من معرفة بأحوال صاحب الشريعة ﷺ مما كان يعينهم على فهم المعنى المراد، وكذا حسن الاستنباط. ولا ريب أن قولهم في التفسير أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم الأمة بمراد اللَّه؛ فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من الأمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول ﷺ علمًا وعملًا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل (١). إن هذه المزية توجب على دارس التفسير أن يرجع إلى أقوالهم، وأن يفهم تفسيراتهم، ليعتمد عليها في التفسير، ويبني عليها مسائل الآيات وفوائدها. ٥ - سلامة قصدهم: لم يقع بين الصحابة خلاف يؤثر في علمهم، بحيث يوجه آراءهم العلمية إلى ما يعتقدونه، وإن كان مخالفًا للحق، بل كان شأن الخلاف بينهم إظهار الحق، لا الانتصار للنفس أو المذهب الذي ذهب إليه. لقد ظهر فيمن بعدهم من أصحاب العقائد الباطلة؛ كالخوارج، والمرجئة، والجهمية، والمعتزلة، وغيرهم مجانبة الحق، وكثر الخلاف بسبب كثرة الآراء الباطلة، مما جعل القرآن عرضةً لتحريف معناه، إذ يصرفه أصحاب هذه المذاهب الباطلة إلى مذاهبهم، وهذا مما سلم منه جيل الصحابة، فلم يتلوث بمثل هذه الخلافات. _________ (١) ينظر: إغاثة اللهفان لابن القيم ١/ ٢٤٠.

стр. 124

ولهذا جاء تفسيرهم بعيدًا عن مشكلات التأويل المنحرف، وصرف اللفظ القرآني إلى ما يناسب المذهب، أو غيرها من الانحرافات في التفسير. وإذا تبيَّنت لك قيمة تفسير الصحابي، فانظر إلى واقع بعض من يَدْرُس التفسير أو يُدَرِّسه، فإنك ستجده لا يُعنى بإيراد أقوالهم، وكثيرًا ما تراه يكتفي بأن ينسب التفسير إلى المتأخرين من اللغويين والمفسرين، ويتقوَّى بهم؛ كالزجاج (ت: ٣١١ هـ)، والزمخشري (ت: ٥٣٨ هـ)، وابن عطية (ت: ٥٤٢ هـ)، والقرطبي (ت: ٦٧١ هـ)، وأبي حيان (ت: ٧٤٥ هـ)، وابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ)، والآلوسي (ت: ١٢٧٠ هـ)، وغيرهم، ويتجاهل أن ما ذكروه إنما هو قول لأحد الصحابة. إن في هذا المسلك ما يقطع على طالب العلم شرف الوصول إلى علوم هؤلاء الصحابة وأفهامهم، بل قد يجعله ينظر إلى أقوالهم نظر المقلل من شأنها، ويرى أن تفسيراتهم سطحية، لا عمق فيها، ولا تقرير! ! وهذا خطأ محض، ومجانبة الصواب، وإنما كان سبيل أهل العلم الراسخين فيه أنهم (يتكثرون بموافقة الصحابة)، وانظر كم الفرق بين أن يقال: هذا قول ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) في الآية، أو أن يقال: هذا قول الزجاج (ت: ٣١١ هـ)، أو قول ابن عطية (ت: ٥٤٢ هـ) أو قول غيرهم في الآية؟ فانظر إلى من ستميل نفسك، وأي قول سيطمئن له قلبك؟

стр. 125

المطلب الثاني أهمية تفسير التابعين وأتباعهم هذا الموضوع من الأهمية بمكان؛ لأن بعض الباحثين لا يعتبر هذا المصدر، ويقع عنده تشكيك في اعتماده، فضلًا عن أهميته، ويمكن إجمال القول في هذا الأمر من خلال النقاط الآتية: الأولى: أن التابعين وأتباعهم وعاءٌ لتفسيرات الصحابة. التابعون وأتباعهم طريق إلى تفسير الصحابة ﵃ أجمعين، وقد كانوا وعاءً لتفسيراتهم، وحملوها لمن بعدهم. ومن خَبَر الروايات، ووازن بينها، فإنه سيجد اتفاقات كثيرة بين تفسيرات التابعين وأتباعهم وتفسيرات الصحابة، وإن لم ينسبوها للصحابة. وأقوال بعض التابعين في هذا المقام تدلُّ على ذلك، منها: ١ - قال الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ): "وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن، فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم. وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا، أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم. حدثنا الحسين بن مهدي البصري، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: ما في القرآن آية إِلا وقد سمعت فيها شيئًا" (١). ٢ - وروى الطبري (ت: ٣١٠ هـ) بسنده عن الشعبي، قال: "واللَّه ما من آية إِلا قد سألت عنها، ولكنها الرواية عن اللَّه" (٢). الثانية: وهي ناشئة عن الأولى: أن المنهج الذي سلكه الصحابة في التفسير، والمصادر التي اعتمدوها لم تتغير عند التابعين وأتباعهم، فلم يبدلوا أو يزيدوا في _________ (١) سنن الترمذي، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، نشر: دار الغرب ٥/ ٥٠. (٢) تفسير الطبري، ط. هجر ١/ ٨١.

стр. 126

ذلك، ولم يظهر عندهم مصادر أخرى غير التي كانت عند الصحابة، وهذا مما يُعزِّز أقوالهم في التفسير، ويقوِّي قبولها. الثالثة: أن عدم اعتماد أقوالهم (اجتهادهم) يلزم منه انقطاع حلقة من حلقات التفسير، وهذا الانقطاع يلزم منه أنَّ فهم القرآن قد انقطع على الأمة، فيكون العصر الذي عاشه هؤلاء حلقة فرغ فيها علم التفسير، ولم يكن له من يتصدى له. وهذا مع كونه خلاف الواقع؛ إذ المتصدون للتفسير في هاتين الطبقتين كثيرون إِلا أننا نجد من يهوّن من تفسير علماء هاتين الطبقتين، ويرى أنه غير ملزمٍ بأقوالهم (١). الرابعة: أن العلماء الذين دؤَنوا التفسير المأثور عن السلف (٢) قد اعتمدوا النقل عن هذه الطبقات الثلاث، وتتابعهم على هذا الفعل إيناسٌ بحجيَّة هاتين الطبقتين مع الصحابة، واللَّه أعلم. الخامسة: أن التابعين وأتباعهم في عصر الاحتجاج اللغوي، وكثير من التابعين ممن يُحتجُّ بكلامهم في اللغة، والآخرون منهم لم تُعهد عليهم عُجمة في الفهم العربي للقرآن، وأقلُّ أحوالهم -خصوصًا أتباع التابعين- أنهم نقلة للغة كحال كثير من اللغويين الذين اعتنوا بجمع اللغة كالخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٥ هـ) وصنيعُه في كتاب "العين"، فهم مشاركون للغويين في سماع اللغة من العرب، وفي نقلهم لها من خلال تفسيراتهم اللغوية. * * * _________ (١) الحديث هنا عن النظر إلى التزام تفسير هاتين الطبقتين من حيث الجملة، ولا يعني أن قول الواحد منهم ملزمٌ، إِلا إذا لم يوجد له مخالف في عصره. (٢) مثل الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي الشيخ، وغيرهم.

стр. 127

المبحث الثالث مصادر تفسير السلف المراد بمصادر التفسير: المراجع الأولية التي يرجع إليها المفسر عند تفسيره للقرآن (١). وبالنظر إلى المفسرين الأولين من الصحابة، فإنه يمكننا أن نرصد عددًا من المصادر الكلية الأولية التي اعتمدوها، وصارت باقية لمن جاء بعدهم، وهي: ١ - القرآن: وتفسير القرآن بالقرآن أقسام: الأول: ما لا يتصور فيه وقوع الاختلاف. الثاني: ما ورد عن النبي ﷺ . وهذان القسمان حجة. الثالث: تفسير المفسرين، والأصل في تفسير المفسرين للقرآن بالقرآن أنه يعتمد على الاجتهاد، فلا يلزم أن يكون صحيحًا دائمًا، ولا هو الراجح دائمًا. وتفسير القرآن بالقرآن يقوم على وجود رابط بين الآيتين، مثل: ١ - اتفاق الحدث واختلاف التعبير. ٢ - حمل اللفظة المتفقة في الآيتين على معنى لغوي واحد. ومثال ذلك، كما أنه من أمثلة اعتمادهم على القرآن في التفسير؛ ما رواه الطبري بسنده عن عمر بن _________ (١) قد تطلق (مصادر التفسير) على كتب التفسير، وليست هي المرادة هنا، وإنما المراد هنا المصادر الأولية التي يرجع إليها أي مفسر، وقد سماها شيخ الإسلام (طرق التفسير)، وسماها الزركشي في البرهان (مآخذ التفسير)، وسماها الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير (استمداد علم التفسير). ينظر: مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير، لمساعد الطيار ص ١٢٧.

стр. 128

الخطاب ﵁ في قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]، قال: هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة، وقال: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]، قال: ضرباءهم (١). ففسّر التزويج بالتصنيف، ثم حمل التزويج في آية ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ على معنى الزوجية في آية ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢]. ٢ - السُّنَّة: وتفسير القرآن بالسُّنَّة نوعان، وذلك بالنظر إلى المفسر: الأول: التفسير بالسُّنَّة المباشر "التفسير النبوي"، وهو: أن يعمد النبي ﷺ إلى آية يذكرها في كلامه أو يشير إليها، ثم يبيِّن معناها أو يسألونه عما يخفى عليهم من القرآن، فيبيِّنه لهم، ومن أمثلة سؤالات الصحابة لرسول اللَّه ﷺ عن التفسير، وسؤالات من بعدهم لهم عنه ما رواه مسلم في "صحيحه"، عن مسروق قال: "إنا سألنا عبد اللَّه عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقال: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطِّلَاعَةً، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكُوا" (٢). والقدر الوارد عن النبي ﷺ من التفسير النبوي المباشر قليل جدًّا، والآثار المرفوعة إليه ﷺ شاهدة بهذا. وإن قال قائل: إن بعض العلماء حكى أن تفسير الصحابي مرفوع، وهذا يعني أنه تلقاه من النبي ﷺ فالجواب عن ذلك من وجهين: _________ (١) تفسير الطبري ٢٤/ ١٤١. (٢) رواه الإمام مسلم في صحيحه، برقم (١٨٨٧).

стр. 129

الأول: أنه قد ثبت اجتهاد الصحابة في بيان معاني القرآن، ولم يكونوا ينسبونها إلى النبي ﷺ . الثاني: أن العادة الغالبة عليهم أنهم إذا كان معهم بيان نبوي لأي أمر من الأمور أن ينسبوه للنبي ﷺ ، ولما لم يقع هذا فيما فسروه أو اختلفوا فيه، مع كثرته دل ذلك على عدم وجود نص مباشر منه ﷺ في كثير من الآيات (١). ومن أمثلة ذلك: ما رواه الطبري بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، حدثه قال: "بينما أنا في الحجر جالس، أتاني رجل يسأل عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]، فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل اللَّه، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، وَيُورُونَ نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]، فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابن عباس، فقال: الخيل حين تغير في سبيل اللَّه، قال: اذهب فادعه لي؛ فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، واللَّه لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إِلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد فكيف تكون العاديات ضبحًا. إنما العاديات ضبحًا من عرفة إلى مزدلفة إلى منًى؛ قال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال علي ﵁" (٢). _________ (١) من ذلك ما روى مسلم بسنده عن عبد اللَّه بن عباس، أن عمر بن الخطاب، خرج إلى الشام، حتى إذا كان بِسَرْغَ لقيه أهل الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، قال ابن عباس فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم، فاستثمارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول اللَّه ﷺ ، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار فدعوتهم له، فاستثمارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر اللَّه؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة -وكان عمر يكره خلافه- نعم نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديًا له عُدْوَتَانِ، إحداهما خصبة والأخرى جدبة؛ أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر اللَّه، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر اللَّه، قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بارض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه" قال: فحمد اللَّه عمر بن الخطاب ثم انصرف. (٢) تفسير الطبري، ط. دار هجر ٢٤/ ٥٧٣.

стр. 130

وظاهر من هذا الأثر أن هذين الصحابيين الجليلين لم يكن عندهما بيان نبوي مباشر بالمراد بالعاديات، إذ لو كان عند أحدهما لنصَّ عليه، كما هو المعروف من أحوالهم في الاختلاف، ولما كان الأمر راجعًا إلى الاجتهاد؛ وقع الاختلاف بينهما في المراد بالعاديات، ثم رجع ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) إلى قول شيخه علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ). والثاني: التفسير بالسُّنَّة غير المباشر، وهو: أن يعمد المفسر باجتهاده إلى كلام للنبي ﷺ ليس فيه ذكر آية، فيجعله تفسيرًا لها. ومن ذلك ما روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللَّهُمَّ ربنا وبحمدك، اللَّهُمَّ اغفر لي، يتأول القرآن" (١). ٣ - اللغة: كان التفسير باللغة أغلب تفسير السلف، وكان ذلك قبل بروز علماء العربية، واعتنائهم بتدوين اللغة؛ لذا فالحاجة للرجوع إلى تفسيراتهم اللغوية أصلٌ مقدَّم على الرجوع إلى أقوال أهل اللغة. والصحابة -على وجه الخصوص- من أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وتفسيرهم بلسانهم معتبر غير معترض عليه من جهة اللغة. وأما التابعون، فكان فيهم من هو عربي محض، وهو في اللسان كالصحابة، وكان فيهم من هو من الموالي، وهؤلاء ممن تعلم العربية من مخاطبات الصحابة الذين علموهم؛ كعكرمة (ت: ١٠٥ هـ) مولى ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، فقد كان من البربر، لكن لم يؤثر في تفسيره، ولا تفسير غيره، ما هو مخالف للعربية، ومن زعم ذلك في بعض الأمثلة، فإنه يرد عليه بأن إدراك هذا المباشر للغة العرب أعلى من إدراك من أخذها من الكتب، وكذا كان الحال في تفسير أتباع التابعين، فإنهم ما يزالون يعيشون في عصر الاحتجاج باللغة إِلا صغارهم، وأقل أحوالهم أن يكونوا نقلةً للغة، وبالجملة، فإن ما ينقل عنهم من التفسير المعتمد على اللغة حجة من جهة اللغة. وترجيح أحد المحتملات التفسيرية المنقولة عن السلف حال الاختلاف لا يعني رد _________ (١) صحيح البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب التسبيح والدعاء في السجود، برقم (٤٩٦٨).

стр. 131

المعنى المفسر به من جهة اللغة، لأن النظر في هذا إلى ترجيح أحد المحتملات من جهة التفسير (١)؛ فإذا قام مفسر بالترجيح بين أقوال السلف المعتمدة على اللغة، ورجح أحد المعاني على غيره، فإن ترجيحه لا يعني رد المعنى الأول من جهة اللغة، وإنما يعني رده من جهة التفسير فقط، فلو رجح مفسر أن النجم ما نجم من نبات الأرض، فلا يعني هذا أن يرد معنى أن النجم نجم السماء عند العرب، وكذا العكس. وإنما يحكم برده للمعنى اللغوي إذا نص على ذلك، ومثال ذلك ما وقع من الطبري (ت: ٣١٠ هـ) في تفسير قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]، فقد أورد ثلاثة أقوال عن السلف: الأول: ممزوج مخلوط، خِلْطُهُ مِسْكٌ. الثاني: آخر شربهم مسك. الثالث: طينته مسك؛ أي: غطاؤه الذي يغطى به. ثم قال: "وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: معنى ذلك: آخره وعاقبته مسك؛ أي: هي طيبة الريح، إن ريحها في آخر شربهم يختم لها بريح المسك. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة؛ لأنه لا وجه للختم في كلام العرب إِلا الطبع والفراغ، كقولهم: ختم فلان القرآن: إذا أتى على آخره، فإذا كان لا وجه للطبع على شراب أهل الجنة، يفهم إذا كان شرابهم جاريًا، جري الماء في الأنهار، ولم يكن مُعَتَّقًا في الدِّنَانِ، فيطين عليها وتختم، تعين أن الصحيح من ذلك الوجه الآخر، وهو العاقبة والمشروب آخرًا، وهو الذي ختم به الشراب. وأما الختم بمعنى: الْمَزْجِ، فلا نعلمه مسموعًا من كلام العرب" (٢). فالطبري -في هذا المثال- رد معنى لغويًّا واردًا عن ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ)، ورده هذا -مع إمامته- غير مقبول، لأن قول ابن مسعود حجة لغوية. وقد يكون تفسير السلف غير مطابق للمعنى اللغوي، فيحتاج الناظر في كلامهم إلى أن يضم إليه ما تقتضيه لغة العرب وأسرارها؛ وذلك بالنظر في أمور: _________ (١) ينظر: التفسير اللغوي للقرآن الكريم، للدكتور مساعد الطيار ص ٦١١. (٢) تفسير الطبري ٢٤/ ٢١٩.

стр. 132

الأول: تحرير معنى اللفظة في اللغة، ويكون ذلك بالاستعانة بكتب اللغة، ككتاب "العين" للخليل بن أحمد (ت: ١٧٣ هـ)، وكتاب "جمهرة اللغة" لابن دريد (ت: ٣٢١ هـ)، وكتاب "تهذيب اللغة" للأزهري (ت: ٣٧٠ هـ)، وكتاب"مقاييس اللغة" لابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ)، وغيرها. كما يحسن أن يستعين بكتب غريب القرآن؛ كـ "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (ت: ٢١٠ هـ)، و"غريب القرآن" لابن قتيبة (ت: ٢٧٦ هـ)، و"مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني (ت: ٥٠٢ هـ)، و"عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي (ت: ٧٥٦ هـ)، وغيرها. ويستعين كذلك بأقوال المفسرين المحققين في اللغة؛ كالطبري (ت: ٣١٠ هـ)، وابن عطية (ت: ٥٤٦ هـ)، وأبي حيان (ت: ٧٤٥ هـ)، والطاهر بن عاشْور (ت: ١٣٩٤ هـ)، وغيرهم. الثاني: البحث في العلاقة بين تفسير اللفظة عند السلف ومعناها المطابق في اللغة؛ ليتبين له مراد السلف من تفسيرهم. وسيظهر له بالبحث علاقة تفسير السلف بأصل معنى اللفظة في اللغة، وقد نبَّه على هذه الفكرة مجموعة من العلماء، منهم الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) حيث قال: ". . . واشدد يدك في تفسير كتاب اللَّه على ما تقتضيه اللغة العربية، فهو قرآن عربي كما وصفه اللَّه، فإن جاءك التفسير عن رسول اللَّه ﷺ فلا تلتفت إلى غيره، وإذا جاء نهر اللَّه بطل نهر معقل (١). وكذا ما جاء عن الصحابة ﵃ فإنهم من جملة العرب ومن أهل اللغة، وممن جمع إلى اللغة العلم بالاصطلاحات الشرعية، ولكن إذا كان معنى اللفظ أوسع مما فسروه به في لغة العرب، فعليك أن تضم إلى ما ذكره الصحابي ما تقتضيه لغة العرب وأسرارها" (٢). _________ (١) نهر معقل: نهر منسوب إلى الصحابي معقل بن يسار. ينظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي، ط. دار صادر ٥/ ٣٢٣، والروض المعطار في خبر الأقطار، للحميري، تحقيق: إحسان عباس ص ٥٣٨. وقال الثعالبي في معنى هذا المثل: "نهر اللَّه: من أمثال العامة والخاصة: إذا جاء نهر اللَّه بطل نهر معقل، وإذا جاء نهر اللَّه بطل نهر عيسى. ونهر معقل بالبصرة، ونهر عيسى ببغداد، وعليهما أكثر الضياع الفاخرة، والبساتين النزهة ببغداد. وإنما يريدون بنهر اللَّه: البحر والمطر والسيل، فإنها تغلب سائر المياه والأنهار، وتطم عليها، ولا أعرف نهرًا مخصوصًا بهذه الإضافة سواهما". ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، للثعالبي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم ص ٣٠ - ٣١. (٢) فتح القدير، للشوكاني ٤/ ٣٠٩.

стр. 133

فالشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) يشير إلى وقوع تفسيرات لا تطابق المعنى اللغوي، فقد يكون معنى اللفظ في لغة العرب أوسع كما ذكر. وِمن أمثلة ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]: قال القرطبي: "اختلف في تأويل الْمُرَاغَم، فقال مجاهد: الْمُرَاغَمُ: المُتَزَحْزَح. وقال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم: الْمُرَاغَمُ: المُتَحَوَّل والمَذْهَب. وقال ابن زيد: والْمُرَاغَمُ: الْمُهَاجَرُ، وقاله أبو عبيدة. قال النحاس: فهذه الأقوال متفقة المعاني. فالمراغم المذهب والمتحول في حال هجرة، وهو اسم الموضع الذي يراغم فيه، وهو مشتق من الرَّغَام. ورَغِمَ أنف فلان، أي: لصق بالتراب. وراغمت فلانًا هجرته وعاديته، ولم أبال إن رَغِم أنفه. وقيل: إنما سمي مُهَاجَرًا ومُرَاغَمًا، لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم، فسمى خروجه مُرَاغَمًا، وسمى مصيره إلى النبي ﷺ هجرة. وقال السدي: الْمُرَاغَمُ: المُبْتَغى للمعيشة. وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: الْمُرَاغَمُ: الذهاب في الأرض. وهذا كله تفسير بالمعنى، وكله قريب بعضه من بعض، فأما الخاص باللفظة، فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده، فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة. ومنه قول النابغة: كطود يلاذ بأركانه ... عزيز المراغم والمهرب" (١) الثالث: قد يرد التفسير لبيان المراد باللفظة في السياق، ولا يكون فيه تحرير معنى اللفظ في اللغة، ويكثر هذا الصنيع عند من كتب في الوجوه والنظائر؛ لأنهم يحرصون على المراد باللفظة في السياق دون بيان معناها من جهة اللغة، والتعرف على معناها من جهة اللغة يفيد في الربط بين المعنى السياقي والمعنى اللغوي للفظة. ومن أمثلة ما ورد في هذا الموضوع ما ذكره مقاتل من وجوه لفظة (الطغيان) ونظائرها، قال: "تفسير الطغيان على أربعة وجوه: فوجه منها: الطغيان، يعني: _________ (١) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧، وأصله عند ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٢٢٨.

стр. 134

الضلالة، قوله في البقرة: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]؛ يعني: في ضلالتهم، نظيرها في يونس: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [١١]؛ يعني: في ضلالتهم يعمهون، وقال في ق: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [٢٧]؛ يعني: ما أضللته. وقال في الصافات: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [٣٠]؛ يعني: ضالين، وقال في ص: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [٥٥]؛ يعني: للضالين لشر مآب: مرجع، مثلها في ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]. الوجه الثاني: طغيان؛ يعني: عصيان، فذلك قوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: ١٧]، يعني: إنه عصى اللَّه، وقال أيضًا في طه: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [٨١]، يعني: لا تعصوا اللَّه في رفع المن والسلوى. والوجه الثالث: الطغيان؛ يعني: الارتفاع والكثرة، فذلك قوله في الحاقة: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [١١]؛ يعني: لما كثر الماء وارتفع ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]. والوجه الرابع: الطغيان؛ يعني: الظلم، فذلك قوله في النجم: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [١٧]، وقال في الرحمن: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [٨]، يعني: لا تظلموا" (١). وهذه التفسيرات التي ذكرها مقاتل بن سليمان للفظ الطغيان تفسيرات سياقية؛ أي: المراد بالطغيان في هذا السياق فحسب، وإن كانت لفظة الطغيان المأخوذة من مادة طغى تدل على معنى لغوي واحد، وهو تجاوز الحد (٢)، ثم ينظر في نوع التجاوز حسب السياق الذي ترد فيه، فعدل عن تفسير اللفظ بمدلولها اللغوي المباشر إلى بيان المراد منها في ذلك السياق. وكان تفسير السلف مقتصرًا على بيان معاني الألفاظ دون ما زاد على ذلك من ذكر لطائف هذه اللغة أو غير ذلك مما زاده المتأخرون. الموازنة بين تفسير السلف باللغة وتفسير اللغويين: العلاقة بين تفسير السلف باللغة وتفسير اللغويين لا تخرج عن أحوال: الأول: أن يتوافق قولهم مع أقوال الصحابة والتابعين، وهذا كثير. _________ (١) الوجوه والنظائر في القرآن الكريم ص ٢١٤. (٢) قال ابن فارس: "الطاء والغين والحرف المعتل أصل صحيح منقاس، وهو مجاوزة الحد في العصيان. . . ". مقاييس اللغة، مادة: (طغى).

стр. 135

الثاني: أن يكون تفسيرهم اللغوي مبطلًا لتفسير السلف اللغوي، وهذا قليل جدًّا، وتفسيرهم هذا لا يقبل. قال أبو عبيدة (ت: ٢١٠ هـ): " ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]: أفعلت من العتاد، ومعناه: أعدت لهن متكًا؛ أي: نمرقًا تتكئ عليه. وزعم قوم أنه الأترج، وهذا أبطل باطل في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المتكأ أترج يأكلونه، ويقال: ألق له متكًا" (١). وهذا الاعتراض من أبي عبيدة (ت: ٢١٠ هـ) غير مقبول، وكلام من فسر من السلف لا يخرج عن احتمالين: - الاحتمال الأول: أن يكون من لغة العرب مما لم يعرفه أبو عبيدة. - الاحتمال الثاني: أن يكون مما أعد الأترج، وأشار إلى وجوده السكين، فالسكين لا تعطى لتخريق المجلس، وإنما لتقطيع الفاكهة (٢). الثالث: أن يكون في تفسيرهم اللغوي إضافة من قبيل التنوع، وهذا إذا كانت الآية تحتمله، فإنه يصح تفسير اللفظ القرآني به. جاء في كتاب "العين": "والعَرْفُ: ريحٌ طيّبٌ، تقول: ما أطيب عَرْفَهُ، قال اللَّه : ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]؛ أي: طيَّبها" (٣). والوارد عن مفسري السلف: عرَّفها: بيَّنها لهم، حتى إن الرجل ليأتي منزله منها إذا دخلها كما كان يأتي منزله في الدنيا، لا يشكل عليه ذلك. والمعنيان متغايران، لكنهما غير متناقضين، والآية تحتملهما على سبيل التنوع. _________ (١) مجاز القرآن ١/ ١٠٨ - ٣٠٩. (٢) قال الطبري: "وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة، ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل منه. ثم قال: ولعله بعض ما ذهب من كلام العرب، فإن الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيء كثير انقرض أهله. والقول في أن الفقهاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة كما قال أبو عبيد لا شك فيه، غير أن أبا عبيدة لم يبعد من الصواب في هذا القول، بل القول كما قال من أن من قال لِلْمُتَّكَأِ هو الأترج، إنما بين الْمُعَدَّ في المجلس الذي فيه الْمُتَّكَأُ، والذي من أجله أعطين السكاكين؛ لأن السكاكين معلوم أنها لَا تُعَدُّ لِلْمُتَّكَأِ إِلَّا لتخريقه، ولم يعطين السكاكين لذلك. ومما يبين صحة ذلك القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، من أن الْمُتَّكَأَ هو المجلس". (٣) كتاب العين ٢/ ١٢٢.

стр. 136

الرابع: أن يرد عنهم المعنى اللغوي، ولا يكون واردًا عن مفسري السلف، وهذا محله القبول؛ لأنهم أهل التخصص في هذا المقام. قال الفراء (ت: ٢٠٧ هـ): "وقوله: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه: ٧٢]، فـ (ـــالذي) في موضع خفض؛ أي: وعلى الذي، ولو أرادوا بقولهم: ﴿والَّذِي فَطَرَنَا﴾ القسم بها كانت خفضًا وكان صوابًا، كأنهم قالوا: لن نؤثرك واللَّه" (١). ذكر الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) احتمالين لغويين في تفسير (الواو)، وهما أن تكون واو القسم، أو تكون واو العطف، وهذان الاحتمالان في تفسير (الواو) لم يرد عن أحد من مفسري السلف. قد يقال: ما الفرق بين هذا الحال والذي قبله؟ إن كان الذي قبله معنى يعرفه السلف لكنهم لم يفسروا به الآية؛ فكذلك هذا؟ والجواب عن هذا: أنهم في الحال الذي قبل هذا لم يفسروا الآية بما فسرها به اللغويون، ولكنهم فسروها بجنس ما فسرها به اللغويون، أما في هذا الحال فإنهم لم يفسروها بجنس ما فسرها به اللغويون. ٤ - المعلومات المتعلقة بالنزول (٢): والمراد بها مجموعة من المعلومات التي لها علاقة بالآية من خارجها، كأسباب النزول، وبيان قصص القرآن -أو إشارته إلى قصة ما، ويدخل في ذلك الإسرائيليات-. وهذه المصادر الكلية يستخدمها من جاء بعد الصحابة كما استخدموها. ثم صار تفسير الصحابة الذي كان بآرائهم مصدرًا لمن جاء بعدهم من التابعين، _________ (١) معاني القرآن ٣/ ١٣٨. (٢) هذا المصدر لم يُذكر عند من طرح هذا الموضوع سابقا، وهنا ملحوظتان: الأولى: أن هذه المعلومات موجودة في تفسير الصحابة والتابعين وأتباعهم؛ لذا لا يلزم إفرادها هنا. الثانية: المعلومات في هذا القسم لا تخرج عن طرق الوصول إلى التفسير، وهما: ١ - ما يكون من قبيل النقل الذي لا يدخله رأي؛ كأسباب النزول الصريحة. ٢ - ما يدخله الرأي، وهو حمل الآية القرآنية على قصة من القصص، كتفسير فتنة سليمان ﵇ بالجسد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] أنه شيطان سلب ملكه. فهذا الحمل على هذه القصة من باب الرأي، وإن كانت القصة من قبيل المنقول. وبهذا تدخل الإسرائيليات هنا، لأنه إذا لم يرد عن المعصوم فيها شيء، فهي من قبيل اجتهاد المفسر.

стр. 137

وهكذا كان التابعون لمن جاء بعدهم من أتباع التابعين، ثم كان كذلك أتباع التابعين لمن جاء بعدهم (١). وعند هذه الطبقة توقف النقل في التفسير، وصارت هذه الطبقات الثلاث هي المعتمدة في التفسير عند المحققين من علماء التفسير، وقل الاجتهاد في الطبقة التي تليهم، فلا تكاد تجد من كان مشهورًا بالقول بالتفسير حتى بروز ابن جرير الطبري، وإن كنت ستجد كثيرين ممن كتب في التفسير، لكنه كان تاقلًا لأقوال هذه الطبقات الثلاث، ولم يكن له رأي مستقل. وتختلف هذه المصادر في أمرين: الأول: مدى اعتماد المفسرين عليها. الثاني: الأكثر استعمالًا منها. والأول يعتمد على المفسر، والثاني يعتمد على نوع المصدر. وإذا تأملت هذه المصادر عند مفسري السلف، واستقرأت تفسيرهم، فإنه سيظهر لك أن اللغة هي أوسع المصادر استعمالًا عندهم، وعند من جاء بعدهم، فما من آية إِلا وهي محتاجة لبيان لغوي، لكن لا يلزم أن يكون لكل آيةٍ آيةٌ أخرى تفسرها، ولا أن يكون لها حديث يبيِّنها، كما لا يلزم أن يكون له حالٌ متعلقٌ بالنزول يوضّح ما فيها؛ إذ كثير من القرآن نزل ابتداءً غير مرتبط بحال معيَّنة (٢). _________ (١) يلاحظ أن هذه الطبقات صارت من المصادر النسبية، فالتفسير بالنسبة لمن قال به أوَّلًا من هذه الطبقات اجتهاد ورأي، وبالنسبة لمن نقله عنهم، فهو نقلٌ لا رأي. (٢) قبل الحديث المفصل عن هذه المصادر يحسن التنججه على مجموعة من التقسيمات المهمة في هذا المجال: الأول: النظر في ما يدخله الاجتهاد وما لا يدخله الاجتهاد، وفي هذا تنبيهان: ١ - التفسير المبني على اللغة لما لا يحتمل إِلا معنى واحدًا؛ لا يدخله الاجتهاد، بخلاف ما يحتمل أكثر من معنى؛ فإنه يدخله الاجتهاد. ٢ - المنقول البحت؛ كأسباب النزول الصريحة لا مدخل فيها للرأي والاجتهاد، والمنقول النسجي كتنزيل الآية على حدث معين هو اجتهاد بالنسبة لمن قال به أولًا، ثم يكون منقولا لمن جاء بعده. الثاني: عدم التداخل بين كون المصدر نقلحا في الوصول إليه، وعقليًّا في التعامل معه، فمصدر الوصول إلى القرآن هو النقل، لكن يدخل الرأي في مقام الاستدلال والوجوه والنظائر والاستشهاد. . .؛ إذ ليس كل ربطِ آية بآية يكون من قبيل التفسير، كما سيأتي. وكذا اللغة، وسيلة الوصول إليها هو النقل، لكن التفسير بها حال تعدد المعاني المحتملة هو الرأي والاجتهاد، وعلى هذا النظر قس بقية المصادر.

стр. 138

موقف السلف من تفسير القرآن الكريم بالإسرائيليات الإسرائيليات: كل ما أُخِذَ عن بني إسرائيل (اليهود والنصارى) من غير طريق النبي ﷺ . والمراد بتفسير القرآن الكريم بها: الافادة من مرويات بني إسرائيل (١) في بيان بعض المعاني الواردة في قصص القرآن، أو ما يتعلق بها. وذلك بأن يرجع المفسر إلى مروياتهم المكتوبة، أو أن يسأل علماءهم عنها، فيتلقاها مباشرة، أو أن يسأل من عنده علم بها. وقولنا: (في بيان بعض المعاني الواردة في قصص القرآن) فيه أمران: الأول: أن الإفادة منهم إنما هي في هذه القصص فحسب. الثاني: أن بعض القصص المجملة في القرآن قد يختلف تحديد معناها المراد باختلاف الاعتماد على الخبر الإسرائيلي من عدمه، وسيظهر من خلال الدراسة ما وقع من ذلك عند المفسرين. وقولنا: (أو ما يتعلق بها)؛ أي: من الأمور التي تتعلق بالقصة، كسبب القصة الذي لا ترد إليه الإشارة في القرآن، أو تعيين بعض المبهمات التي لا يضر الجهل بها، أو غير ذلك مما لا علاقة له ببيان معنى الآية. وقد ثبت عن النبي ﷺ بيان بعض الأخبار الإسرائيلية الواردة في القرآن، مثل بيانه تبديل يهود كلمة "حطة" بقولهم: حبة في شعرة (٢)، وبيانه لأذية قوم موسى له (٣)، _________ (١) بعض القصص التي تخص العرب القدماء؛ كأخبار قوم صالح وهود وشعيب؛ لم ترد من طريق بني إسرائيل، وقد تدخل في الإسرائيليات، على سبيل التغليب، ولكن إفرادها أولى؛ ليعلم أنه لا يلزم أن تكون كل قصص السابقين مأخوذة من أهل الكتاب. (٢) رواه البخاري وغيره، ومن مواضعه في رواية البخاري له، ما رواه بسنده عن أبي هريرة ﵁، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، فبدلوا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعرة"، وهو برقم (٤٦٤١) باب وقولوا حطة من كتاب التفسير. (٣) روى البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "إن موسىى كان رجلًا حييًّا ستيرًا، لا يرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر، إِلا من عيب بجلده: إما =

стр. 139

وبيانه لقصة موسى مع الخضر (١). وكان فعله هذا ﷺ مع قوله ﷺ : "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (٢) أكبر مندوحة للصحابة والتابعين في أن يلجوا هذا الباب. والقرآن قد أخبر عن بعض أخبار السابقين: بعضها مفضل، وبعضها مجمل، ولا سبيل إلى معرفة تفاصيل المجمل، أو زيادة تفاصيل المفصل إِلا الرواية والخبر. والرواية: إما أن تكون عن المعصوم، وإما أن لا تكون كذلك. فإن كانت عن المعصوم من طريق صحيح معتبر، فإنها مقبولة بلا ريب، وإن كانت عن غير طريق المعصوم، فلا تُقبل إِلا ببرهان علمي معتبر، وكذا لا تُرَدَّ إِلا ببرهان علمي معتبر، ولا يكفي في ردِّها كونها من "مرويات بني إسرائيل". ومن هنا فإننا نجد الصحابة والتابعين وأتباعهم يذكرون هذه الإسرائيليات، ويستشهدون بها في التفسير، وقد تأتي عنهم مجملة، وقد تكون مفصلة، ولو استقرأنا من روي عنه إسرائيليات في هذه الطبقات لظهر لنا جماعة منهم ممن يروون هذه الإسرائيليات. ومن أمثلة الأعلام الذين روي عنهم ما يأتي: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥]، ورد في تعيين هذا الشخص أقوالٌ، منها أن المقصود "بلعام بن باعوراء" رجل من بني إسرائيل، وقد ورد ذلك عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد، وعكرمة والسدي (٣). _________ = برص وإما أدرة: وإما آفة، وإن اللَّه أراد أن يبرِّئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه لياخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق اللَّه، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فواللَّه إن بالحجر لندبًا من أببر ضربه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] "، برقم (٣٤٠٤)، باب حديث الخضر مع موسى، كتاب أحاديث الأنبياء. (١) رواها البخاري برقم (٣٤٠١)، باب حديث الخضر مع موسى، كتاب أحاديث الأنبياء. هذا، ولم تسلم بعض هذه الروايات الثابتات في الصحاح من نقد بعض المتعالمين أو المغرضين، فما بالك بغيرها مما لم يُرو بوجه صحيح عن النبي ﷺ . (٢) رواه البخاري برقم (٣٤٦١)، باب ما ذكر عن بني إسرائيل كتاب أحاديث الأنبياء. (٣) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٥٦٨.

стр. 140

وقصته معروفة، وإن اختلفوا في تفاصيلها، وفي تحديد زمنه، فإن هذا الاختلاف لا يؤثر في كونها من قصص بني إسرائيل. ٢ - اختلف المفسرون من السلف في تعيين الشجرة التي أكل منها آدم وزوجه حواء (١)، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. فقيل: هي السنبلة، وورد ذلك عن ابن عباس من طريق عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير، وعن أبي مالك غزاون الغفاري، وعطية، وقتادة، وعن أبي الجلد إجابة على سؤال ابن عباس له، وعن وهب بن منبه اليماني، ومحارب بن دثار، والحسن البصري. وقيل: الكرمة (العنب)، وقد ورد من رواية السدي عن ابن عباس، ومن طريق السدي عن أشياخه عن ابن عباس أو ابن مسعود، وعن السدي -أيضًا-، وعن جعدة بن هبيرة، وعن سعيد بن جبير، وعن محمد بن قيس. وقيل: التينة، نسبه ابن جريج إلى بعض أصحاب النبي ﷺ من دون تعيين. ومن هنا نجد أن الكتب التي عُنيت بنقل المأثور عن الصحابة والتابعين وأتباعهم لا تكاد تخلو من ذكر الإسرائيليات التي فسَّر بها هؤلاء الأسلاف كتاب اللَّه تعالى، فقد دخلت الإسرائيليات في تفسير القرآن منذ عهد الصحابة، ثم كثرت الرواية عند من بعدهم، ولم يروا في ذلك غضاضة، مع العلم بما في بعضها من اختلاف أو من قضايا مشكلة في منطوق الروايات. قال القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ): "وأما ما كان إسرائيليًّا، وهو الذي أخذ جانبًا وافرًا من التنزيل العزيز، فقد تلقى السلف شرح قصصه، إما مما استفاض على الألسنة ودار من نبئهم، وإما من المشافهة عن الإسرائيليين الذين آمنوا. . . ومع ذلك فلا مغمز على مفسرينا الأقدمين في ذلك، طابق أسفارهم أم لا" (٢). وقال: ". . . والقصد أن الصالحين كانوا يتقبلون الروايات على عِلَّاتِها للملاحظة المارة، لصفاء سريرتهم. فلا ينبغي إِلا تفنيد الموضوع منها، لا الحط من مقامهم وقرض أعراضهم. كيف وقد تلقى الصحابة ومن بعدهم الإسرائيليات وحكوها، بل _________ (١) تفسير الطبري، ط. دار هجر ١/ ٥٥١ - ٥٥٦. (٢) محاسن التأويل ١/ ٤١.

стр. 141

بعضهم اقتنى أسفارها وأدمن مطالعتها، لما استبان له من البشائر النبوية، وتحقق تحريفهم" (١). قال القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ): "وقال وليُّ اللَّه الدهلويّ -قُدِّس سِرُّه- في أصول التفسير، في فصل الكلام على معرفة أسباب النزول: شرط المفسر أمران: الأول: ما تعرض له الآيات من القصص، فلا يتيسر فهم الإيماء بتلك الآيات إِلا بمعرفة تلك القصص. والثاني: ما يخصص العام من القصة، أو مثل ذلك من وجوه صرف الكلام عن الظاهر، فلا يتيسر فهم المقصود من الآيات بدونها. ومما ينبغي أن يعلم أن قصص الأنبياء السألفين لا تذكر في الحديث إِلا على سبيل القلة، فالقصص الطويلة العريضة التي تكلف المفسرون روايتها، كلها منقولة عن علماء أهل الكتاب إِلا ما شاء اللَّه تعالى. انتهى. فإذن، لا يخفى أن من وجوه التفسير معرفة القصص المجملة في غضون الآيات الكريمة، ثم ما كان منها غير إسرائيليٍّ. كالذي جرى في عهده ﷺ ، أو أخبر عنه. فهذا تكفّل ببيانه المحدثون. وقد رووه بالأسانيد المتصلة، فلا مغمز فيه. وأما ما كان إسرائيليًّا، وهو الذي أخذ جانبا وافرًا من التنزيل العزيز، فقد تلقى السلف شرح قصصه، إما مما استفاض على الألسنة ودار من نبئهم، وإما من المشافهة عن الإسرائيليين الذين آمنوا. وهؤلاء كانوا تلقفوا أنباءها عن قادتهم. إذ الصحف كانت عزيزة لم تتبادلها الأيدي، كما هو في العصور الأخيرة. واشتهر ضنّ رؤسائهم بنشرها لدى عمومهم، إبقاء على زمام سيطرتهم، فيروون ما شاؤوا غير مؤاخذين ولا مناقشين. فذاع ما ذاع" (٢). ويظهر من سبر تعامل السلف مع الإسرائيليات وأقوالهم فيها ما يأتي: الأول: كان مرادهم بإيرادها بيان المعنى العام للآية، وأن الوارد عند بني إسرائيل لا يختلف عن المعنى الإجمالي فيها. _________ (١) محاسن التأويل ١/ ٤٢. وقد ذكر ذلك في فصل نفيى تحت عنوان: "قاعدة في قصص الأنبياء والاستشهاد بالإسرائيليات" ١/ ٤٠ - ٥٠. (٢) محاسن التأويل للقاسمي، تعليق: محمد فؤاد عبد الباقي ١/ ٤١.

стр. 142

الثاني: أن التفاصيل لا تُصدَّق ولا تُكذَّب إِلا بخبر الصادق المعصوم، ولا يكفي في قبولها ورودها في مرويات بني إسرائيل. الثالث: أن نَهْيَ من نَهَى من الصحابة والتابعين منصبٌّ على واحد من احتمالين: - الاحتمال الأول: ما كان فيه طلب الاهتداء، أو على كثرة سؤالهم، وعلى هذا يُحْمَل ما ورد عن ابن مسعود وابن عباس. - الاحتمال الثاني: كثرة سؤالهم، وطلب ما عندهم من الغرائب، وعلى هذا يحمل ما ورد عن الأعمش في شأن مجاهد (١) حيث كان يتقيه الكوفيون لروايته لمرويات بني إسرائيل، ومما ورد من غرائبه في ذلك: عن الأعمش، قال: "كان مجاهد لا يسمع بأعجوبة إِلا ذهب لينظر إليها" ذهب إلى حضرموت ليرى بئر برهوت، وذهب إلى بابل -وعليه وال- فقال له مجاهد: تعرض علي هاروت وماروت، فدعا رجلًا من السحرة فقال: اذهب به، فقال اليهودي: بشرط أن لا تدعو اللَّه عندهما. قال: فذهب به إلى قلعة، فقطع منها حجرًا، ثم قال: خذ برجلي، فهوى به حتى انتهى إلى جوبة، فإذا هما معلقين منكسين كالجبلين، فلما رأيتهما قلت: سبحان اللَّه خالقكما، فاضطربا، فكأن الجبال تدكدكت، فغشي علي وعلى اليهودي، ثم أفاق قبلي، فقال: قد أهلكت نفسك وأهلكتني" (٢). وقد سار كثير من علماء التفسير على نقل هذه الإسرائيليات وتداولها من غير نكير لكثير منها، ولم يقع النكير المطلق إِلا عند بعض المفسرين، كالرازي وأبي حيان، ثم استقر الأمر عند كثير من المعاصرين على هذا المنهج (٣). _________ (١) لم يتوقف كثير من العلماء عن قبول تفسير مجاهد، ولا كانوا يتقونه كما نقل أبو بكر ابن عياش، بل كان إمام التابعين في التفسير، حتى قال سفيان الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به". (٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥٦. (٣) يمكن تقسيم الناس في هذا إلى أقسام: ١ - مفسرون ينقلونها دون اعتراض، وهذا كثير في كتب التفسير. ٢ - مفسرون اعترضوا على كثير منها، إن لم يكن كلها، ومنهم الرازي وأبو حيان. ٣ - قوم عرَّضوها للنقد والتقويم، ولم يتركوها بالكلية، ولا انتقدوها بالكلية كذلك، ومنهم ابن كثير. محاسن التأويل ١/ ٤٢. وقد ذكر ذلك في فصل نفيس تحت عنوان: "قاعدة في قصص الأنبياء والاستشهاد بالإسرائيليات" ١/ ٤٠ - ٥٠.

стр. 143

المبحث الرابع طرق السلف في التعبير عن المعنى الأصل في التفسير أن يكون بيانًا للمفسر بما يطابقه في المعنى، قال الطبري: "والخاسرون جمع خاسر، والخاسرون: الناقصون أنفسهم حظوظها بمعصيتهم اللَّه من رحمته. . . وقد قيل: إن معنى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]، أولئك هم الهالكون. وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف اللَّه صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية بحرمان اللَّه إياه ما حرمه من رحمته بمعصيته إياه وكفره به. فحمل تأويل الكلام على معناه دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها، فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه" (١). وإن كان هذا هو الأصل إِلا أن المفسر قد يعدل عن ذلك إلى بيان معنى الآية بطرق أخرى، كالتمثيل للمعنى العام، أو العدول إلى ذكر أحداث أو أشخاص على جهة النزول، أو التعبير بلازم المعنى، أو التفسير بجزء المعنى، أو التفسير السياقي، وكل هذه الأنواع يرجع فيها الخلاف إلى معنى واحد، لكن المفسر يريد أن يبين معنى خاصًا، فيقع الاختلاف في العبارات من أجل ذلك، وفيما يلي بيان هذه الأنواع: ١ - التعبير بالمثال: ويرد التعبير بالمثال حينما يكون اللفظ أو الحكم عامًّا، فيذكر المفسرون أمثلة لذلك اللفظ أو الحكم لا على سبيل التخصيص (٢). _________ (١) تفسير الطبري، تحقيق: د. عبد اللَّه التركي ١/ ٤٤٢، وقال ابن تيمية: "فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ، يحسبها من لا علم عنده اختلافًا، فيحكيها أقوالًا، وليس كذلك. فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، واللَّه الهادي". (٢) لا يُحكم على عبارات السلف في مثل هذا المقام بالتخصيص إِلا بقرينة؛ إذ الأولى أن يُحمل كلامهم =

стр. 144

ومثاله: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]. قال ابن عطية (ت: ٥٤٢ هـ): " قال السدي: "الضر" هاهنا المرض، والخير العافية. قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال، ومعنى الآية الإخبار عن أن الأشياء كلها بيد اللَّه؛ إن ضر فلا كاشف لضره غيره، وإن أصاب بخير فكذلك أيضًا لا راد له ولا مانع منه" (١). ٢ - التعبير بالنزول: وهو على قسمين: الأول: أن تكون العبارة صريحة في السببية. ومثاله: ما رواه مسلم بسنده عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول اللَّه ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: "يا صباحاه"، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: "يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب"، فاجتمعوا إليه، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، قال: فقال أبو لهب: تبًّا لك أما جمعتنا إِلا لهذا، ثم قام، فنزلت هذه السورة: (تبت يدا أبي لهب وقد تب). كذا قرأ الأعمش (٢) إلى آخر السورة" (٣). الثاني: أن تكون العبارة غير صريحة في السببية. ومثاله: ما رواه مسلم بسنده عن عروة بن الزبير، أن عبد اللَّه بن الزبير، حدثه "أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول اللَّه ﷺ ، في شراج الحرة التي يسقون بها _________ = على التمثيل؛ لكثرة ورود أسلوب التمثيل عنهم، بل هو من أكثر أنواع الاختلاف الواردة عنهم كما حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة في أصول التفسير. (١) المحرر الوجيز، الطبعة القطرية الأولى ٥/ ١٤٧. (٢) أي: بزيادة لفظ: (قد)، وهي قراءة شاذة. (٣) صحيح مسلم ١/ ١٩٣، باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

стр. 145

النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليهم، فاختصموا عند رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جمارك"، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول اللَّه أن كان ابن عمتك فتلون وجه نبي اللَّه ﷺ ، ثم قال: "يا زبير اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". فقال الزبير: واللَّه إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء: ٦٥] " (١). وفي كلا الحالين يُعدُّ ذكر السبب مثالًا للمعنى العام الوارد في الآية، لذا قال العلماء: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". ٣ - التعبير باللازم: المقصود باللازم: ما يلزم من اللفظ (إما من جهة اللغة وإما من جهة اللفظ في ذلك السياق)، وهو أشبه بأن يكون كالنتيجة للمعنى المنصوص عليه في الآية، فيشير إليه المفسر للتنبيه على أنه مراد في الخطاب، وإن لم يُنصَّ عليه بعينه، وإنما يضطر المفسر لسلوك هذا السبيل لخفاء اللازم على المتعلم. ومثاله: ما قاله ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): "وكذلك قول من قال: الْمَخْضُودُ: "الذي لا يَعْقِرُ اليد" "ولا يَرِدُ اليد منه شوك" "ولا أذى فيه" فسَّره بلازم المعنى. وهكذا غالب المفسرين يذكرون لازم المعنى المقصود تارة، وفردًا من أفراده تارة، ومثالًا من أمثلته، فيحكيها الجمَّاعون للغث والسمين أقوالًا مختلفة، ولا اختلاف بينها" (٢). ٤ - التعبير بجزء المعنى: تأتي بعض ألفاظ اللغة دالة على مجموعة معان، فإذا اجتمعت أُدِّيت بذلك اللفظ، وهذا مبني على معرفة الفروق بين الألفاظ، وهو من أصول فقه اللغة، ومن أمثلة ذلك الفرق بين العلم والمعرفة، والمرح والفرح، والكذب والمين. . . إلخ من الألفاظ المتقاربة المعاني. ومما يدل على أهمية معرفة هذا النوع من التعبير أنك تجد بعض أهل البدع يعمدون إلى قصر اللفظ على جزء معناه ليوافق رأيهم البدعي، ومن ذلك تفسير _________ (١) صحيح مسلم ٤/ ١٨٢٩، باب وجوب اتباعه ﷺ . (٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن القيم، تحقيق: زائد بن أحمد النشيري ١/ ٣٤٥.
следующие страницы →