← Тафсир

Тафсир · id 639

موسوعة التفسير المأثور

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (16 717 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بعضهم اقتنى أسفارها وأدمن مطالعتها، لما استبان له من البشائر النبوية، وتحقق تحريفهم" (١). قال القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ): "وقال وليُّ اللَّه الدهلويّ -قُدِّس سِرُّه- في أصول التفسير، في فصل الكلام على معرفة أسباب النزول: شرط المفسر أمران: الأول: ما تعرض له الآيات من القصص، فلا يتيسر فهم الإيماء بتلك الآيات إِلا بمعرفة تلك القصص. والثاني: ما يخصص العام من القصة، أو مثل ذلك من وجوه صرف الكلام عن الظاهر، فلا يتيسر فهم المقصود من الآيات بدونها. ومما ينبغي أن يعلم أن قصص الأنبياء السألفين لا تذكر في الحديث إِلا على سبيل القلة، فالقصص الطويلة العريضة التي تكلف المفسرون روايتها، كلها منقولة عن علماء أهل الكتاب إِلا ما شاء اللَّه تعالى. انتهى. فإذن، لا يخفى أن من وجوه التفسير معرفة القصص المجملة في غضون الآيات الكريمة، ثم ما كان منها غير إسرائيليٍّ. كالذي جرى في عهده ﷺ ، أو أخبر عنه. فهذا تكفّل ببيانه المحدثون. وقد رووه بالأسانيد المتصلة، فلا مغمز فيه. وأما ما كان إسرائيليًّا، وهو الذي أخذ جانبا وافرًا من التنزيل العزيز، فقد تلقى السلف شرح قصصه، إما مما استفاض على الألسنة ودار من نبئهم، وإما من المشافهة عن الإسرائيليين الذين آمنوا. وهؤلاء كانوا تلقفوا أنباءها عن قادتهم. إذ الصحف كانت عزيزة لم تتبادلها الأيدي، كما هو في العصور الأخيرة. واشتهر ضنّ رؤسائهم بنشرها لدى عمومهم، إبقاء على زمام سيطرتهم، فيروون ما شاؤوا غير مؤاخذين ولا مناقشين. فذاع ما ذاع" (٢). ويظهر من سبر تعامل السلف مع الإسرائيليات وأقوالهم فيها ما يأتي: الأول: كان مرادهم بإيرادها بيان المعنى العام للآية، وأن الوارد عند بني إسرائيل لا يختلف عن المعنى الإجمالي فيها. _________ (١) محاسن التأويل ١/ ٤٢. وقد ذكر ذلك في فصل نفيى تحت عنوان: "قاعدة في قصص الأنبياء والاستشهاد بالإسرائيليات" ١/ ٤٠ - ٥٠. (٢) محاسن التأويل للقاسمي، تعليق: محمد فؤاد عبد الباقي ١/ ٤١.

стр. 142

الثاني: أن التفاصيل لا تُصدَّق ولا تُكذَّب إِلا بخبر الصادق المعصوم، ولا يكفي في قبولها ورودها في مرويات بني إسرائيل. الثالث: أن نَهْيَ من نَهَى من الصحابة والتابعين منصبٌّ على واحد من احتمالين: - الاحتمال الأول: ما كان فيه طلب الاهتداء، أو على كثرة سؤالهم، وعلى هذا يُحْمَل ما ورد عن ابن مسعود وابن عباس. - الاحتمال الثاني: كثرة سؤالهم، وطلب ما عندهم من الغرائب، وعلى هذا يحمل ما ورد عن الأعمش في شأن مجاهد (١) حيث كان يتقيه الكوفيون لروايته لمرويات بني إسرائيل، ومما ورد من غرائبه في ذلك: عن الأعمش، قال: "كان مجاهد لا يسمع بأعجوبة إِلا ذهب لينظر إليها" ذهب إلى حضرموت ليرى بئر برهوت، وذهب إلى بابل -وعليه وال- فقال له مجاهد: تعرض علي هاروت وماروت، فدعا رجلًا من السحرة فقال: اذهب به، فقال اليهودي: بشرط أن لا تدعو اللَّه عندهما. قال: فذهب به إلى قلعة، فقطع منها حجرًا، ثم قال: خذ برجلي، فهوى به حتى انتهى إلى جوبة، فإذا هما معلقين منكسين كالجبلين، فلما رأيتهما قلت: سبحان اللَّه خالقكما، فاضطربا، فكأن الجبال تدكدكت، فغشي علي وعلى اليهودي، ثم أفاق قبلي، فقال: قد أهلكت نفسك وأهلكتني" (٢). وقد سار كثير من علماء التفسير على نقل هذه الإسرائيليات وتداولها من غير نكير لكثير منها، ولم يقع النكير المطلق إِلا عند بعض المفسرين، كالرازي وأبي حيان، ثم استقر الأمر عند كثير من المعاصرين على هذا المنهج (٣). _________ (١) لم يتوقف كثير من العلماء عن قبول تفسير مجاهد، ولا كانوا يتقونه كما نقل أبو بكر ابن عياش، بل كان إمام التابعين في التفسير، حتى قال سفيان الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به". (٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥٦. (٣) يمكن تقسيم الناس في هذا إلى أقسام: ١ - مفسرون ينقلونها دون اعتراض، وهذا كثير في كتب التفسير. ٢ - مفسرون اعترضوا على كثير منها، إن لم يكن كلها، ومنهم الرازي وأبو حيان. ٣ - قوم عرَّضوها للنقد والتقويم، ولم يتركوها بالكلية، ولا انتقدوها بالكلية كذلك، ومنهم ابن كثير. محاسن التأويل ١/ ٤٢. وقد ذكر ذلك في فصل نفيس تحت عنوان: "قاعدة في قصص الأنبياء والاستشهاد بالإسرائيليات" ١/ ٤٠ - ٥٠.

стр. 143

المبحث الرابع طرق السلف في التعبير عن المعنى الأصل في التفسير أن يكون بيانًا للمفسر بما يطابقه في المعنى، قال الطبري: "والخاسرون جمع خاسر، والخاسرون: الناقصون أنفسهم حظوظها بمعصيتهم اللَّه من رحمته. . . وقد قيل: إن معنى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]، أولئك هم الهالكون. وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف اللَّه صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية بحرمان اللَّه إياه ما حرمه من رحمته بمعصيته إياه وكفره به. فحمل تأويل الكلام على معناه دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها، فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه" (١). وإن كان هذا هو الأصل إِلا أن المفسر قد يعدل عن ذلك إلى بيان معنى الآية بطرق أخرى، كالتمثيل للمعنى العام، أو العدول إلى ذكر أحداث أو أشخاص على جهة النزول، أو التعبير بلازم المعنى، أو التفسير بجزء المعنى، أو التفسير السياقي، وكل هذه الأنواع يرجع فيها الخلاف إلى معنى واحد، لكن المفسر يريد أن يبين معنى خاصًا، فيقع الاختلاف في العبارات من أجل ذلك، وفيما يلي بيان هذه الأنواع: ١ - التعبير بالمثال: ويرد التعبير بالمثال حينما يكون اللفظ أو الحكم عامًّا، فيذكر المفسرون أمثلة لذلك اللفظ أو الحكم لا على سبيل التخصيص (٢). _________ (١) تفسير الطبري، تحقيق: د. عبد اللَّه التركي ١/ ٤٤٢، وقال ابن تيمية: "فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ، يحسبها من لا علم عنده اختلافًا، فيحكيها أقوالًا، وليس كذلك. فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، واللَّه الهادي". (٢) لا يُحكم على عبارات السلف في مثل هذا المقام بالتخصيص إِلا بقرينة؛ إذ الأولى أن يُحمل كلامهم =

стр. 144

ومثاله: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]. قال ابن عطية (ت: ٥٤٢ هـ): " قال السدي: "الضر" هاهنا المرض، والخير العافية. قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال، ومعنى الآية الإخبار عن أن الأشياء كلها بيد اللَّه؛ إن ضر فلا كاشف لضره غيره، وإن أصاب بخير فكذلك أيضًا لا راد له ولا مانع منه" (١). ٢ - التعبير بالنزول: وهو على قسمين: الأول: أن تكون العبارة صريحة في السببية. ومثاله: ما رواه مسلم بسنده عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول اللَّه ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: "يا صباحاه"، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: "يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب"، فاجتمعوا إليه، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، قال: فقال أبو لهب: تبًّا لك أما جمعتنا إِلا لهذا، ثم قام، فنزلت هذه السورة: (تبت يدا أبي لهب وقد تب). كذا قرأ الأعمش (٢) إلى آخر السورة" (٣). الثاني: أن تكون العبارة غير صريحة في السببية. ومثاله: ما رواه مسلم بسنده عن عروة بن الزبير، أن عبد اللَّه بن الزبير، حدثه "أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول اللَّه ﷺ ، في شراج الحرة التي يسقون بها _________ = على التمثيل؛ لكثرة ورود أسلوب التمثيل عنهم، بل هو من أكثر أنواع الاختلاف الواردة عنهم كما حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة في أصول التفسير. (١) المحرر الوجيز، الطبعة القطرية الأولى ٥/ ١٤٧. (٢) أي: بزيادة لفظ: (قد)، وهي قراءة شاذة. (٣) صحيح مسلم ١/ ١٩٣، باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

стр. 145

النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليهم، فاختصموا عند رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جمارك"، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول اللَّه أن كان ابن عمتك فتلون وجه نبي اللَّه ﷺ ، ثم قال: "يا زبير اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". فقال الزبير: واللَّه إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء: ٦٥] " (١). وفي كلا الحالين يُعدُّ ذكر السبب مثالًا للمعنى العام الوارد في الآية، لذا قال العلماء: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". ٣ - التعبير باللازم: المقصود باللازم: ما يلزم من اللفظ (إما من جهة اللغة وإما من جهة اللفظ في ذلك السياق)، وهو أشبه بأن يكون كالنتيجة للمعنى المنصوص عليه في الآية، فيشير إليه المفسر للتنبيه على أنه مراد في الخطاب، وإن لم يُنصَّ عليه بعينه، وإنما يضطر المفسر لسلوك هذا السبيل لخفاء اللازم على المتعلم. ومثاله: ما قاله ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): "وكذلك قول من قال: الْمَخْضُودُ: "الذي لا يَعْقِرُ اليد" "ولا يَرِدُ اليد منه شوك" "ولا أذى فيه" فسَّره بلازم المعنى. وهكذا غالب المفسرين يذكرون لازم المعنى المقصود تارة، وفردًا من أفراده تارة، ومثالًا من أمثلته، فيحكيها الجمَّاعون للغث والسمين أقوالًا مختلفة، ولا اختلاف بينها" (٢). ٤ - التعبير بجزء المعنى: تأتي بعض ألفاظ اللغة دالة على مجموعة معان، فإذا اجتمعت أُدِّيت بذلك اللفظ، وهذا مبني على معرفة الفروق بين الألفاظ، وهو من أصول فقه اللغة، ومن أمثلة ذلك الفرق بين العلم والمعرفة، والمرح والفرح، والكذب والمين. . . إلخ من الألفاظ المتقاربة المعاني. ومما يدل على أهمية معرفة هذا النوع من التعبير أنك تجد بعض أهل البدع يعمدون إلى قصر اللفظ على جزء معناه ليوافق رأيهم البدعي، ومن ذلك تفسير _________ (١) صحيح مسلم ٤/ ١٨٢٩، باب وجوب اتباعه ﷺ . (٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن القيم، تحقيق: زائد بن أحمد النشيري ١/ ٣٤٥.

стр. 146

المعتزلة للفظ (الإذن) في مثل قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وتفسيرهم للإذن بأنه (العلم) فقط، فيه قصر للفظ على جزء من معناه ليوافق رأيهم في خلق أفعال العباد، وأن اللَّه -بزعمهم- لا يخلق الشَّرَّ. والصحيح أن هذا من الإذن الكوني، والأمور الكونية من خلق اللَّه، ويقع فيها ما يُحبه اللَّه وما لا يُحبه، والإذن فيه معنيان متلازمان: (العلم) (والإباحة)، وبهما يكون إذنا، ولا يصلح تصوره فضلًا عن وجوده بأحدهما دون الآخر. ومن أمثلته -أيضًا- ما ذكره ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) في تفسير لفظ (تبارك)، قال: "وقال بعض المفسرين: يمكن أن يقال: هو من البروك، فيكون "تبارك" ثبت ودام أزلًا وأبدًا، فيلزم أن يكون واجب الوجود؛ لأن ما كان وجوده من غيره لم يكن أزليًّا. وهذا قد يقال: إنه جزء المعنى، فتبارُكُه سبحانه يجمع هذا كلَّه: دوام وجوده، وكثرة خيره، ومجده، وعلوه، وعظمته، وتقدُّسه، ومجيء الخيرات كلها من عنده، وتبريكه على من شاء من خلقه. وهذا هو المعهود من ألفاظ القرآن كلها أنها تكون دالة على جملة معان، فيعبَّر هذا عن بعضها، وهذا عن بعضها، واللفظ يجمع ذلك كله، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع" (١). ٥ - التفسير السياقي: التفسير السياقي: هو المراد باللفظة في سياق معين، إذ قد يكون المعنى اللغوي هو المراد لغة وسياقًا، وقد يكون المراد به في السياق نوعًا مما ينطبق عليه المعنى اللغوي، فيكون ذلك هو المعنى السياقي المراد. ومن الأمثلة التي توضح ذلك أنك إذا قلت: المراد بالعاديات من قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]: التي تعدو كان ذلك تفسيرًا لفظيًّا، وإذا قلت: المراد بالعاديات: الخيل كان ذلك تفسيرًا سياقيًّا؛ أي: المراد بالتي تعدو في هذا السياق؛ ولا يقال: الإبل؛ لأن الإبل لا تضبح إذا عدت؛ فالضبح تنفس الخيل. _________ (١) جلاء الأفهام ص ٣٠٧.

стр. 147

وقد يرد عنهم تفسير لفظي، ويرد -أيضًا- تفسير سياقي، وقد يقع الاختلاف في التفسير السياقي بعد اتفاقهم على التفسير اللفظي، ولذلك أمثلة منها: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠]، فالسبيل عندهم -باتفاق- هو الطريق، وهذا هو التفسير اللفظي، لكن أي طريق هو في هذا السياق؛ هذا ما وقع فيه الاختلاف، وقد ورد عن السلف تفسيران: الأول: يَسَّرَ له طريق خروجه من بطن أمه. الثاني: يَسَّرَ له طريق الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] (١). * * * _________ (١) ينظر: تفسير الطبري ٢٤/ ١١١.

стр. 148

المبحث الخامس أنواع التفسير المأثور * أنواع تفسير السلف: يمكن تقسيم التفسير الذي وجد عند السلف من خلال نظرين: النظر إلى ما رووه، والنظر إلى ما قالوه بالاجتهاد. كما يلاحظ وجود معلومات في تفاسيرهم هي من باب علوم السورة، كاسمها وفضلها -إن كان لها ذلك- ومكان نزولها، أو هي من علوم الآية، كفضلها، ولقبها الذي يصطلحون عليه، أو تكون من باب الاستنباط الخارج عن حد التفسير. أما التفسير عندهم فتقسيمه كما يأتي: النوع الأول: التفسير المنقول: ١ - ما يروونه عن النبي ﷺ من تفسيراته (١). ٢ - ما يُروى عنهم من أسباب النزول الصريحة. ٣ - ما يرويه التابعون عن الصحابة. ٤ - ما يرويه أتباع التابعين عن التابعين. النوع الثاني: التفسير بالرأي: ١ - ما يحكونه من أسباب النزول غير الصريحة. ٢ - ما يكون له عندهم أكثر من وجه في المعنى. ٣ - ما يربطون الآية به من القصص. _________ (١) الحديث هنا عن طبقة الصحابة، وليس عن واحد منهم، لذا لا يلزم ذكر نقل أحدهم عن الآخر، وإن كان يدخل في التفسير المنقول بالنسبة للناقل منهم.

стр. 149

وسأذكر ذلك مفصّلًا بالأمثلة الدالة عليه مما ورد عن الصحابة ثم مما ورد عن التابعين وأتباعهم. * النوع الأول: التفسير المنقول: أولًا: ما يروونه عن النبي ﷺ من تفسيراته الصريحة: إن ما يرويه الصحابي عن النبي ﷺ من تفسيراته الصريحة تعد من التفسير النبوي، لا من تفسير الصحابي (١)؛ لأن مهمة الصحابي في مثل هذا النقل، لذا لا يتميز عن الذين جاءوا بعده إِلا بكونه هو الراوي مباشرة، فكل مفسر من الصحابة ومن جاء بعدهم يذكر تفسير الرسول ﷺ ويأخذ به، ولا اختلاف بينهم في ذلك. ومن أمثلة نقلهم التفسير النبوي: ما رواه البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) عن عائشة (ت: ٥٨ هـ) قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس أحد يحاسب إِلا هلك. قالت: قلت: يا رسول اللَّه -جعلني اللَّه فداءك-: أليس يقول اللَّه : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨]؟ قال: ذاك العرض، يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك" (٢). أما إذا كان من كلام النبي ﷺ غير المباشر في التفسير، فذلك مبناه اجتهاد المفسر في الربط بين معنى الآية ومعنى الحديث، والأحاديث تختلف قربًا وبعدًا من حيث وضوح ارتباطها بالآي، وقد سبق ذكر أمثلة لهذا. لا تخلو رواية التابعي أو تابع التابعي عن النبي ﷺ من حالين: الأولى: أن يذكر تفسير النبي ﷺ بالإسناد إليه. الثانية: أن يرفعه إلى النبي ﷺ دون إسناد، فيكون مرسل تابعي أو مقطوع تابع التابعي، حسبما هو مقرر في علم مصطلح الحديث، ولكل نوع حكمه المعروف عند _________ (١) تجد أن بعض من كتب في مرويات الصحابة يدخل ما رووه عن النبي ﷺ من التفسير، بل قد يدخل ما هو أبعد من ذلك، وهو بعض الأحاديث التي رواها الصحابي عن النبي ﷺ ، وهي تناسب معنى بعض الآية. ينظر على سبيل المثال: تفسير أم المؤمنين عائشة، جمع: الدكتور عبد اللَّه أبو السعود بدر ص ١٦٦، رقم (٢٦/ ١٨٥)، رقم (٣٩/ ١٨٨)، رقم (٤١/ ١٨٩)، رقم (٤٣/ ٢١٨)، رقم (٦٧، ٦٨)، وغيرها كثير. (٢) رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ من سورة الانشقاق، رقم الحديث (٤٩٣٩).

стр. 150

أهل العلم، وهو قليل جدًّا في التفسير المنقول عن النبي ﷺ في طبقة التابعين وأتباعهم. ومن أمثلة ما ورد من مرسلات التابعين ما رواه الطبري بسنده عن قتادة، عن الحسن، قال: بلغنا أن نبي اللَّه ﷺ ، قال له قائل، أو رجل: يا رسول اللَّه، ما السبيل إليه؟ قال: "من وجد زادًا وراحلةً" (١). ثانيًا: ما يروى عنهم من أسباب النزول الصريحة: أسباب النزول الصريحة مما لا يتأتى إِلا بالأثر، وهي مما يؤخذ عن الصحابة، إذ لا يمكن أن يخترع سبب نزول لآية ما، وما دام الأمر كذلك، فإن أسباب النزول الصريحة مما يكون بالنقل لا الاجتهاد. والأصل في ذلك أن الصحابي إذا نصَّ على سبب النزول فإن قوله حجة؛ لأنه ممن شهد التنزيل، أو رواه عن من شهده. ومنازعته في بعض الأمثلة -لاعتبار فيها- لا يخرج هذا الأصل عن كونه أصلًا معتبرًا عند أهل العلم. وقد يرويه الصحابي عن صحابي آخر، ومن أمثلة هذا ما روى البخاري عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) في سبب نزول قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]، قال ابن عباس: "لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، صعد النبي على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم! ما جربنا عليك إِلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢] " (٢). _________ (١) تفسير الطبري، تفسير الآية ٩٧ من سورة آل عمران ٦/ ٤٢. (٢) رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه في مواضع منها: سورة الشعراء برقم (٤٧٧٠)، وسورة المسد برقم (٤٩٧١)، ورقم (٤٩٧٢)، فيه عبارة: "فأنزل اللَّه"، ورقم (٤٩٧٣).

стр. 151

وابن عباس لم يحضر هذه الواقعة قطعًا؛ لأنه لم يولد بعد، فيكون رواها عن غيره من الصحابة الذين قد حضروها، أو سمعوها ممن حضرها، واللَّه أعلم. تعبير الصحابة عن سبب النزول: وغالبًا ما تكون عبارتهم الصريحة في ذلك: "فأنزل اللَّه"، أو عبارة "فأنزلت" أو عبارة "فنزلت" الدالة على التعقيب. ومن أمثلة ذلك: ١ - ما رواه البخاري عن ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢]، قال: "كان رجلان من قريش وَخَتَنٌ (١) لهما من ثقيف، أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش في بيت، فقال بعضهم لبعض: أترون أن اللَّه يسمع حديثنا؟! قال بعضهم: يسمع بعضه. وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله، فأنزلت: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] " (٢). ٢ - روى البخاري (ت: ٢٥٦ هـ): عن خباب (ت: ٣٧ هـ)، قال: "جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضاه حقًّا لي عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﷺ . فقلت: لا، حتى تموت، ثم تبعث. قال: وإني لميت ثم مبعوث؟! قلت: نعم. قال: إن لي هناك مالًا وولدًا، فأقضيكه، فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨] " (٣). ٣ - روى البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) قال: "لما توفي عبد اللَّه [ابن أُبي بن سلول، جاء ابنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه إلى رسول اللَّه ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول اللَّه ﷺ ليصلي، _________ (١) قال في القاموس المحيط: "الخَتْنُ: القطع، وبالتحريك: الصهر، أو كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ". (٢) رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ من سورة فصلت، رقم الحديث (٤٨١٦). (٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا﴾ من سورة مريم، رقم الحديث: ٤٧٣٢، وينظر ما بعدها من الروايات، فهي في القصة نفسها، وقد ورد في الرواية رقم (٤٧٣٣) التي تليها عبارة: "فأنزل اللَّه".

стр. 152

فقام عمر، فأخذ بثوب رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ ! فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما خيرني اللَّه، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، وسأزيد على السبعين". قال: إنه منافق. قال: فصلى عليه رسول اللَّه ﷺ ، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] " (١). وقد يرد غير هذه العبارات مما يوحي بسبب النزول المباشر، ويؤخذ ذلك من العبارة وسياقها، ومن أمثلة ذلك: ما أخرجه البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، عن عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) أنه قال: "لما مات عبد اللَّه بن أبي بن سلول دعي له رسول اللَّه ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول اللَّه ﷺ وثَبْتُ إليه، فقلت: يا رسول اللَّه، أتصلي على ابن أبي، وقد قال يوما كذا وكذا وكذا؟ ! قال: أعدد عليه قوله. فتبسم رسول اللَّه ﷺ ، وقال: أخّر عني يا عمر. فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت، فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها. قال: فصلى عليه رسول اللَّه ﷺ ، ثم انصرف. فلم يمكث إِلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]. قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه ورسوله أعلم" (٢). والأصل في هذه الأسباب الصريحة التي يرويها الصحابة مباشرة، أو يرويها بعضهم عن بعض أنها في حكم المرفوع، إِلا إذا ظهر ما يدل على أن الصحابي قالها باجتهاد، وهو لا يقصد سبب النزول المباشر، بل يريد أن ما ذكره يدخل في حكم الآية، وهذا يعرف في محله من المثال. ومن أمثلة ذلك: ١ - ما روى البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: "قال رجل: يا رسول اللَّه، أي الذنب أكبر عند اللَّه؟ _________ (١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ من سورة التوبة، رقم الحديث (٤٦٧٠). (٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ من سورة التوبة، رقم الحديث (٤٦٧١).

стр. 153

قال: "أن تدعو لله ندًّا، وهو خلقك". قال: ثم أي؟ قال: "ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قال: ثم أي؟ قال: "ثم أن تزاني بحليلة جارك". فأنزل اللَّه تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ الآية [الفرقان: ٦٨] " (١). فعبارة: (فأنزل اللَّه) التي قالها ابن مسعود لا يريد بها سبب النزول المباشر، وذلك ظاهر من النص. ٢ - وما روى مسلم (ت: ٢٦١ هـ) عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: "نزلت هذه الآية: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نسخها اللَّه، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فقال رجل -كان جالسًا عند شقيق- له: هي إذن صلاة العصر. فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت، وكيف نسخها اللَّه، واللَّه أعلم" (٢). وليست عبارة (فنزلت) مما يراد به سبب النزول كما هو ظاهر من خلال النص؛ لأن المراد ذكر نزول الآية الناسخة، وليس بيان أن سبب نزول الآية الناسخة هو نزول الآية التي نسخت. وبهذا تعلم أنه ليس هناك عبارات يمكن أن يجزم بها على الإطلاق؛ لأن الصحابة ومن جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم يتسامحون في إطلاق مثل هذه العبارات. وسبب النزول الصريح يبنى عليه التفسير، ولا تجوز مخالفته، بل يكون دليلًا على بطلان التفسير الذي يخالف ما دل عليه السبب، ومن أمثلة ذلك ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، فقد ورد عن البراء، قال: "كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا _________ (١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الديات، باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، برقم (٦٨٦١). (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، برقم (٦٣٠).

стр. 154

وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ " (١). فهذا السبب صريح في السببية، وقد ورد عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، وجمع من التابعين وأتباعهم، وقد ورد تفسير آخر يحمل المعنى على المجاز، قال أبو عبيدة (ت: ٢١٠ هـ): "أي: اطلبوا البر من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهلة المشركين" (٢). وهذا المعنى الذي ذكره أبو عبيدة محتمل لولا ورود هذا السبب الذي يقطع بأن المراد بالبيوت البيوت المسكونة، وأن المعنى متعلق بعادة من عادات بعض العرب في إحرامها للحج، فلا يصار إلى غيره مما لا يحتمله النص مع هذه السببية. ولا تخلو رواية التابعي أو تابع التابعي لأسباب النزول الصريحة من حالين: الأولى: أن يذكر الإسناد إلى الصحابي. الثانية: أن تكون رواية التابعي مرسلة، ورواية تابع التابعي مقطوعة لا يذكرون فيها الصحابي، وهذا كثير عندهم في هذا الباب. ومن أمثلة ذلك ما رواه الطبري عن مجاهد، قال: "كانوا يسافرون ولا يتزودون، فنزلت: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] " (٣). وما كان من قبيل المرسل أو المقطوع في النوعين السابقين فإنه لا يقبل إذا كان فردًا، أما إذا تعددت طرقها فإنها تدل على وجود أصل صحيح للمروي، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "والمراسيل إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصدًا أو الاتفاق بغير قصد كانت صحيحة قطعًا، فإن النقل إما أن يكون صدقًا مطابقًا للخبر، وإما أن يكون كذبًا تعمد صاحبه الكذب، أو أخطأ فيه، فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان صدقًا بلا ريب" (٤). ثالثًا: ما يرويه التابعون عن الصحابة: وحكمه حكم تفسير الصحابي، إلا أنه بالنسبة للراوي من قبيل المنقول، وإن كان بالنسبة لقائله رأي. _________ (١) رواه البخاري في الصحيح: كتاب التفسير، باب ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]، برقم (٤٥١٢). (٢) مجاز القرآن، لأبي عبيدة معمر بن المثنى ١/ ٦٨. (٣) تفسير الطبري ٣/ ٤٩٦. (٤) مقدمة في التفسير ص ٦٨.

стр. 155

رابعًا: ما يرويه أتباع التابعين عن التابعين: وحكمه حكم تفسير التابعي؛ إلا أنه بالنسبة للراوي من قبيل المنقول، وإن كان بالنسبة لقائله رأي. وهذا له أمثلة كثيرة لا حصر لها؛ لأن الأصل فيما روي عن الصحابة أن يكون من طريق التابعين، وما روي عن التابعين أن يكون من طريق أتباع التابعين، ووجود الانقطاع في السند لا يضعف هذا الأصل، واللَّه أعلم. وما يكون طريقه الرواية المحضة كهذا، فإنه لا يمكن أن يكون فيه رأي؛ لأن الناقل ينقل ما بلغه فقط. النوع الثاني: تفسير السلف بالرأي: ١ - ما يكون له عندهم أكثر من وجه في المعنى. ٢ - ما يحكونه من أسباب النزول غير الصريحة (١). ٣ - ما يربطون الآية به من القصص. أولًا: ما يكون له أكثر من وجه عندهم (٢): هذا النوع من التفسير يرد عنهم كثيرًا، ووجوه التفسير قد تكون راجعةً إلى معنى واحد، وقد تكون راجعة إلى أكثر من معنى، والمقصود هنا ما كان راجعًا إلى أكثر من معنى؛ لأنه هو الذي يرد عليه الاحتمال، واختيار أحد المحتملات دون غيرها إنما يكون بالرأي والاجتهاد، وسبب هذا الاختلاف قد يكون مرجعه اللغة، وقد يكون السياق، وقد يكون التمثيل بالنزول غير الصريح، وقد يكون باختلاف المصدر المعتمد عليه في التفسير، وقد يكون غير ذلك. والمقصود هنا أن هذا الاختلاف يكون بسبب الرأي، ومن أمثلة ذلك عن الصحابة: ١ - تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]، فقد ورد فيه قولان: الأول: أنها الخيل، ورد ذلك عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ). _________ (١) وضعنا في الموسوعة تحت نزول الآية كل ما عبر عنه بالنزول، وإن كان المراد به تفسير الآية؛ فلم نقتصر فيه على أسباب النزول؛ فلينتبه لذلك. (لجنة تحرير الموسوعة). (٢) وقوع الاحتمال هو الأصل الذي يوجب الاختلاف، وما سيأتي من الفقرتين بعده، فإنها يمكن أن تندرج فيه؛ إذا كان فيها تعدد في احتمال المعنى.

стр. 156

الثاني: أنها الإبل، ورد ذلك عن ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ)، وعلي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨ هـ). وقد ورد عن ابن عباس ما يدل على رجوعه عن أن العاديات: الخيل، قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ): "حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ حدثه قال: بينما أنا في الحجر جالس؛ أتاني رجل يسأل عن العاديات ضبحًا، فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل اللَّه ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالب ﵁، وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن العاديات ضبحًا، فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم. سألت عنها ابن عباس، فقال: الخيل حين تُغِيرُ في سبيل اللَّه. قال: اذهب فادعه لي، فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، واللَّه لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا؟ ! إنما العاديات ضبحًا من عرفة إلى مزدلفة إلى منى. قال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال علي ﵁" (١). ٢ - في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، ورد تفسيرات عن الصحابة: الأول: المسجور بمعنى: الْمُوقَدِ، وورد هذا عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ). الثاني: الْمَمْلُوءُ، وورد هذا عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ). الثالث: المحبوس، وورد هذا عن ابن عباس أيضًا (٢). ويأتي هذا النوع كثيرًا في تفسير التابعين وأتباعهم كذلك، وقد لا يأتي في الآية إلا حكاية أقوالهم، وقد تكون مع أقوال الصحابة، وتكون مخالفة لها، لكن على سبيل التنوع. ومن الأمثلة الواردة عنهم ما يأتي: ١ - في المراد بأهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ _________ (١) تفسير الطبري، ط. الحلبي ٣٠/ ٢٧٢ - ٢٧٣. (٢) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٥٨ - ٤٦٠.

стр. 157

دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، قولان عن التابعين وأتباعهم: الأول: أنها نزلت في يهود الذين كانوا حول المدينة، ورد ذلك عن قتادة (ت: ١١٧ هـ)، والربيع (ت: ١٣٩ هـ)، وابن جريج (ت: ١٠٥ هـ). الثاني: أنها نزلت في وفد نصارى نجران، ورد ذلك عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت: ؟ ١١ هـ)، والسدي (ت: ١٢٨ هـ)، وابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) (١). الآية تحتمل القولين، كما قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ): "وإنما قلنا عنى بقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أهل التاكبين؛ لأنهما جميعًا من أهل الكتاب. ولم يخصص جل ثناؤه بقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ بعضًا دون بعض، فليس بأن يكون موجهًا ذلك إلى أنه مقصود به أهل التوراة بأولى منه بأن يكون موجهًا إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دون غيرهم من أهل التوراة. وإذ لم يكن أحد الفريقين بذلك بأولى من الآخر؛ لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر، ولا أثر صحيح، فالواجب أن يكون كل كتابي معنيًّا به؛ لأن إفراد العبادة للَّه وحده، وإخلاص التوحيد له واجب على كل مأمور منهي من خلق اللَّه. وأهل الكتاب يعم أهل التوراة وأهل الإنجيل؛ فكان معلومًا بذلك أنه عني به الفريقان جميعًا" (٢). ٢ - في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ورد عدد من الأقوال: الأول: عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ): أن قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ نزلت في مسيلمة. وقوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ نزلت في عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح. الثاني: عن السدي (ت: ١٢٨ هـ) أنها كلها نزلت في عبد اللَّه بن أبي سرح. _________ (١) تفسير الطبري، ط. الحلبي ٣/ ٣٠٢. (٢) تفسير الطبري، ط. الحلبي ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣. أقول: يحمل كلام السلف على التمثيل، ومن ثم لا يكون في الأمر اختلاف ولا أقوال متعددة، بل يكون راجعًا إلى معنى واحد.

стр. 158

الثالث: عن قتادة (ت: ١١٧ هـ) أنها كلها نزلت في مسيلمة. وورد عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) قول رابع، قال: "زعم أنه لو شاء لقال مثله، يعني: الشعر" (١). وهذه الأقوال كلها محتملة، وهي من اختلاف التنوع، من باب الأمثلة للمعنى العام المقول في الآية، فكل من زعم مثل هذه المزاعم، فإنه يدخل في معنى الآية. ثانيًا: ما يحكونه من أسباب النزول غير الصريحة: هذا النوع قسيم لأسباب النزول الصريحة، وهذا هو الأغلب في صيغ النزول، ويكثر بها حكاية نزوله في أعيان أو طوائف، والأغلب عليها أنها من باب الاجتهاد، وليست من باب السبب المباشر إلا إذا ظهر ما يدل على ذلك. وكثيرًا ما تكون الصيغة الواردة في ذلك: "نزلت في كذا"، سواءً أكانت في موضوع معين، أم في رجل، أم في طائفة. وهذه الصيغة يجعلها البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) في التفسير المسند (أي: في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ )، لذا يوردها بالإسناد خلافًا لغيرها من التفسيرات الموقوفة على الصحابة التي يعلقها عنهم، ولا يورد فيها السند. قال البخاري (ت: ٢٥٦ هـ): "باب قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. قال ابن عباس: الأنفال: المغانم. قال قتادة: ﴿رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]: الْحَرْبُ. يقال: نافلة: عطية. حدثني محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر" (٢). في هذا المثال تجده علق تفسير الأنفال بالغنائم على ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، ولم _________ (١) تنظر الروايات في: تفسير الطبري، ط. الحلبي ٧/ ٢٧٣ - ٢٧٤. وينظر مثال في: تفسير الطبري، ط. الحلبي ١٠/ ٢١١. (٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ من سورة الأنفال، برقم (٤٦٤٥).

стр. 159

يذكر إسناده، ولما أورد عنه قوله. نزلت في بدر؛ ساق الإسناد؛ لأنه اعتبر هذه الصيغة من المسند الذي في حكم المرفوع. والحكم عليها بأنها من المسند لا يعني أنها سبب نزول صريح، فهناك فرق بين الأمرين واضح، والمقصود هنا أن التفسير الذي يأتي بهذه الصيغة من قبيل الرأي والاجتهاد، وأنها لا تدل على سبب النزول المباشر إلا إذ حف بها قرائن تدل على ذلك. ومن الأمثلة التي تشير إلى وقوع الاجتهاد في هذه العبارة المثالان الآتيان: ١ - أخرج البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) عن أنس (ت: ٩٣ هـ) قال: "نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] " (١). ٢ - وروى ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت في الحرورية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] (٢). والحرورية (الخوارج) لم يكونوا موجودين لما نزلت الآية، لكن سعدًا نزل الآية عليهم، ورأى أنهم يدخلون في حكمها. ومن أمثلة ما حفت به قرائن تدل على أنه سبب مباشر للنزول، له حكم الرفع، ما رواه البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، عن أنس بن مالك: أن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة (٣). وهذا الذي قاله أنس لا خلاف فيه، فهو في حكم المسند. تعدد المحكي في النزول: ولما كان يرد بهذه الصيغة ما هو من قبيل الاجتهاد في التفسير، فإنه قد يتعدد المحكي في النزول، ويكون من باب اختلاف التنوع، ومن أمثلة ذلك: ١ - ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا _________ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]، برقم (٤٧٨٣). (٢) ينظر: تفسير ابن كثير: تفسير الآية ٣٣ من سورة المائدة. (٣) رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ من سورة الأحزاب، برقم (٤٧٨٧).

стр. 160

فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] اختلاف بين الصحابة في من نزلت الآية بشأنه، فورد عن ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨ هـ) أنها في بَلْعَمِ بْنِ بَاعُرَا من بني إسرائيل. وورد عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ) أنها نزلت في أمية بن أبي الصلت، قال عبد الملك بن عمير: "تذاكروا في دمشق هذه الآية: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ فقال بعضهم: نزلت في بلعم بن باعوراء. وقال بعضهم: نزلت في الراهب. فخرج علينا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فقالوا: فيمن نزلت هذه الآية؟ قال: نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي" (١). وإذا تأملت حال المذكورين ظهر لك أن الآية تنطبق عليهم وتشملهم، وليس بلازم أن يكون أحدهم هو المراد بعينه دون الآخر، بل هي عامة في كل من اتصف بها. ٢ - ورد عن ابن عمر ﵄، انه تلا هذه الآية ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، قال: "ذاك عثمان بن عفان. وفي لفظ: نزلت في عثمان بن عفان". وورد عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ قال: "نزلت في عمار بن ياسر". وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: "نزلت هذه الآية في ابن مسعود، وعمار، وسالم مولى أبي حذيفة ﵃" (٢). وهذه الآية كالسابقة لها، فاللفظ عام، وما ذكر من النزول، فهو مثال لمن تنطبق عليه الآية. ولم يكن ذكر سبب النزول مقتصرًا على الصحابة، بل تجد في تفسير التابعين وأتباعهم كثيرًا من عبارات النزول، وهي متفاوتة بين أن تكون من الأسباب الصريحة، أو أن تكون من غير الصريحة. أما أسباب النزول الصريحة، فالأصل أنها منقطعة، لأن التابعين وأتباع التابعين لم يحضروا النزول، وليسوا من أصحاب المشاهدة كما كان الحال في الصحابة. _________ (١) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر ١٣/ ٢٥٢ - ٢٥٧. (٢) ينظر: الدر المنثور عند تفسير الآية المذكورة ١٢/ ٦٣٧.

стр. 161

لكن هذا لا يعني عدم الاستفادة من تلك الروايات التي يحكم عليها بالضعف من هذه الجهة، بل قد يستفاد منها في التفسير، ويكون ذلك حسب المثال المطروح. ولو خالف سبب النزول الصريح المروي عن التابعين أو أتباعهم ما روي عن الصحابة، فإن قول الصحابة هو المقدم، كما هو الظاهر. والأصل أن يقدم كل ما يتعلق بأسباب النزول الصريحة من رواية الصحابي على ما يحكيه غيره؛ لأن الصحابي ممن شهد النزول، أو يكون أخذه عمن شهده من الصحابة. وقد أعمل الطبري هذه القاعدة في صيغة سبب النزول غير الصريحة، فضلًا عن الصريحة فقد ذكر في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠]، فقد ورد أن هذه الآية نزلت في عبد اللَّه بن سلام (ت: ٤٣ هـ) الحبر اليهودي الذي أسلم، وأنه هو الشاهد المراد في الآية، ورد هذا عنه، وعن سعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ)، وعن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، وجمع من التابعين. وقد ورد عن مسروق (ت: ٦٢ هـ) والشعبي (ت: ١٠٤ هـ) أن المراد بالشاهد موسى، واحتجا بكون السورة مكية، وخبر عبد اللَّه بن سلام كان في المدينة، وهذا وجه من الترجيح حسن متين، غير أن ما ورد عن الصحابة يجعل القول الأول هو المعتبر. قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ): "والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ في سياق توبيخ اللَّه تعالى ذكره مشركي قريش واحتجاجًا عليهم لنبيِّه ﷺ ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلَّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى. غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ بأن ذلك عني به عبد اللَّه بن سلام، وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به. فتأويل الكلام -إذ كان ذلك كذلك-: وشهد عبد اللَّه بن سلام -وهو الشاهد من بني إسرائيل- على مثله؛ يعني: على مثل القرآن -وهو التوراة- وذلك شهادته أن

стр. 162

محمدًا مكتوب في التوراة أنه نبي تجده اليهود مكتوبًا عندهم في التوراة كما هو مكتوب في القرآن أنه نبي" (١). ثالثًا: ما يربطون الآية به من القصص: ورد في القرآن قصص كثير، وبعضها مما كانت أحداثه مصاحبة لوقت نزوله، ومنها ما كان قبل النبوة (٢). ويلاحظ أن بعض أسباب النزول قد تكون من قصص الآي؛ كالخبر الوارد عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) في سبب نزول قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وهذا إذا كان من أسباب النزول الصريحة، فإنه يلحق بها، وليس هو المراد هنا. وهذه القصص إما أن تكون واردة عن النبي ﷺ , وإما أن تكون مما تناقله العرب من أخبارهم، وإما أن تكون من أخبار بني إسرائيل. فإن كان الوارد عن النبي ﷺ على سبيل التفسير، فإنه يلحق بالتفسير النبوي من حيث القبول؛ كالخبر الوارد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. أخرج البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) عن أبي هريرة ﵁ (ت: ٥٧ هـ)، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن موسى كان رجلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده؛ إما برص، وإما أُدْرَةٌ، وإما آفة. وإن اللَّه أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق اللَّه، وأبرأه مما يقولون. وقام الحجر، فأخذ ثوبه، فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فواللَّه إن بالحجر _________ (١) تفسير الطبري، ط. الحلبي ٢٦/ ١٢. (٢) وطريقة ورود القصص في القرآن على قسمين: فمنها ما يأتي فيها شيء من التفصيل؛ كقصة آدم، وموسى، وهود، ويوسف ﵈، وقصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين، وقصة ذي القرنين. ومنها ما تكون فيها الإشارة العابرة إلى القصة، كخبر الذي أوتي الآيات فانسلخ منها، وقصة الجسد الذي فتن به سليمان ﵇, وخبر المجادلة، وخبر الأنفال، وخبر النسيء في الأشهر الحرم الذي كان يعمله كفار العرب، وغيرها.

стр. 163

لَنَدَبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] " (١). وإن ذكر النبي ﷺ قصة توافق ما ورد في القرآن من دون أن ينص على أنها تفسير للآية، فإن حمل الآية عليها -وإن كان الارتباط بينهما واضحًا- من اجتهاد المفسر، وذلك كاجتهاده في ربط القصص التي لم ترد عنه ﷺ ، أيًّا كان مصدرها. ومن القصص التي ذكرها النبي ﷺ ، وربطها بعض المفسرين من الصحابة بما ورد من الخبر عن قصة بعض الأقوام؛ قصة أصحاب الأخدود التي رواها الإمام مسلم بسنده عن النبي ﷺ ، قال: "كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فأبعث إلي غلامًا أعلمه السحر، فبعث إليه غلامًا يعلمه، فكان -في طريقه إذا سلك- راهب، فقعد إليه، وسمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر؛ مر بالراهب، وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكى ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر. . . " إلى أن ورد فيها: "فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم اللَّه رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم اللَّه رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم، فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، فأتى الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ ! قد واللَّه نزل بك حذرك، قد اَمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فخدت، وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه، فأحموه فيها أو قيل له: اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة، ومعها صبي لها، فتقاعست _________ (١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء من صحيحه، باب: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] رقم الحديث (٣٤٠٤). قال ابن حجر: "قوله: فذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]: لم يقع هذا في رواية همام، وروى ابن مردويه من طريق عكرمة عن أبي هريرة، قال: قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية، قال: إن بني إسرائيل كانوا يقولون: إن موسى آدر، فانطلق موسى إلى النهر يغتسل. فذكر نحوه". فتح الباري ٦/ ٥٠٤.

стр. 164

أن تقع فيه، فقال لها الغلام: يا أمه، اصبري، فإنك على الحق" (١). فهذه القصة -كما ترى- ليس فيها أنها تفسير لقصة أصحاب الأخدود التي وردت في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٤ - ٨]، مع أنه يتضح أنها مما يفسر هذه الآيات، وأن حملها عليها إنما كان من عمل المفسَّر (٢). ولا شك أن تفسير الآية بما ذكره النبي ﷺ هو أولى ما تفسر به. وإذا كان هذا هو الحال مع القصص الواردة عن المعصوم التي لم يشر إلى أنها تفسر آية ما، فإن غيرها مما يؤخذ من بني إسرائيل أو غيرهم من باب أولى أن يكون ربطها بالقرآن من باب الرأي واجتهاد المفسَّر. وهذا أصل مهم يحسن التنبه له، والاعتناء به. والمقصود هنا أن الصحابة قد ورد عنهم حمل بعض الآيات التي وردت فيها قصص أو إشارة إليها على بعض القصص الواردة عن بني إسرائيل أو غيرهم، ويحتمل أن يكون ما فسروا به من هذه القصص مأخوذًا عن النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون مأخوذًا عن غيره. وقد كان في حملهم عليها ضروب: - فضرب منها أتى بذكر الخبر مجملًا. - وضرب منها ذكر ما ورد من الخبر الذي جاء في القرآن، وزاد عليه تفاصيل أخرى. - وضرب منها حمله على قصة معروفة في كتب السابقين، وجعلها مفسرة للآية، وإن كان قد يقع فيها منازعة في كونها هي المعنية بما ورد في القرآن. ومن أمثلة ذلك: ١ - ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِين﴾ [الأعراف: ١٧٥]، فقد ورد عن ابن مسعود _________ (١) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود, رقم الحديث (٣٠٠٥). (٢) ورد في التفسير عن بعض الصحابة والتابعين أقاويل في أصحاب الأخدود غير هذا المذكور في الحديث، فقد ورد أنهم من النبط، وورد أنهم مجوس أهل كتاب. ينظر: الدر المنثور للسيوطي ١٥/ ٣٣٣.

стр. 165

(ت: ٣٢ هـ)، قال: "رجل من بني إسرائيل، يقال له: بَلْعَمُ بْنُ أَبُرَ" (١). وكذا ورد عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، وزاد أنه أوتي كتابًا، فأخلد إلى شهوات الأرض ولذتها وأموالها، لم ينتفع بما جاء به الكتاب (٢). ولم يرد عنهم تفاصيل قصة هذا الرجل، وهي مذكورة في كتب التفسير وغيرها، على اختلاف فيها كما هي العادة في مثل هذه الأخبار التي انقطع فيها السند، وعفى عليها الزمن من قصص الغابرين. ٢ - ما ورد من تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]. فقد ورد عن الصحابة في تفسير هذه الآية تفاصيل، منها: ما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ)، قال: "إن موسى ﵇ لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه (٣)، ثم لم يستق إلا ذنوبًا واحدًا، حتى رويت الغنم" (٤). _________ (١) تنظر الرواية عنه في: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر ١٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤. (٢) ينظر في الرواية عن ابن عباس: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر ١٣/ ١٥٤، ٢٥٥، ٢٦٩. (٣) لطيفة: قال ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٧: "رأيت الصخرة، وشبرت، فكان بأصبعي شبران ومائة". (٤) أخرجه ابن أبي حاتم في كتاب التفسير ٩/ ٢٩٦٤، وقال عنه ابن كثير ٦/ ٢٢٧: "إسناد صحيح". وقد رواه غيره، ذكرهم السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٥، وزاد فيها عن هذا الذي ذكره ابن أبي حاتم، قال: "وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن موسى ﵇ لما ورد ماء مدين؛ وجد عليه أمة من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين، قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الصخرة، فرفعها وحده، ثم استقى، فلم يستق إلا دلوًا واحدًا حتى رويت الغنم، فرجعت المرأتان إلى أبيهما، فحدثتاه، وتولى موسى ﵇ إلى الظل، فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، قال: فجاءته إحداهما تمشي على استحياء؛ واضعة ثوبها على وجهها، ليست بسَلْفَعٍ مِنَ الناس؛ خَرَّاجَةً وَلَّاجَةً، قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فقام معها موسى ﵇، فقال: لها امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك؛ فتصف جسدك، فلما انتهى إلى أبيها، قص عليه، فقالت إحداهما: يا أبت استأجره؛ إن خير من استأجرت القوي الأمين، قال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوته؟ قالت: أما قوته فرفعه الحجر، ولا يطيقه إلا عشرة رجال، وأما أمانته فقال: امشي =

стр. 166

وقد ورد تفاصيل أحْرى عن ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ذكرها المفسرون، وتتابع السلف على ذكرها أيضًا (١). ٣ - ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦]. روى الطبري (ت: ٣١٠ هـ) عن أمير المؤمنين علي (ت: ٤٠ هـ)، قال: "إن راهبًا تعبّد ستين سنة، وإن الشيطان أرداه، فأعياه. فعمد إلى امرأة، فَأَجَنَّهَا (٢)، ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القس، فيداويها. فجاءوا بها، قال: فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يومًا عندها إذ أعجبته، فأتاها، فحملت، فعمد إليها، فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت بك هذا، فأطعني أنجك مما صنعت بك، اسجد لي سجدةً، فسجد له، فلما سجد له قال: إني بريء منك، إني أخاف اللَّه رب العالمين، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] " (٣). وكذا ورد عن ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵃. ولا يلزم أن هذه القصة هي المرادة بعينها بهذه الآية، لكنها تصلح أن تكون تفسيرًا لها، فذكرها هؤلاء الكرام تفسيرًا لها، والربط -كما هو ظاهر- اجتهاد منهم، واللَّه أعلم. _________ = خلفي، وانعتى لي الطريق؛ فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك، فتصف لي جسدك، فزاده ذلك رغبة فيه، فقال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] إلى قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]؛ أي: في حسن الصحبة والوفاء بما قلت، قال موسى ﵇: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨]، قال: نعم، قال: (اللَّه على ما نقول وكيل)، فزوجه، وأقام معه يكفيه، ويعمل له في رعاية غنمه، وما يحتاج إليه، وزوجه صَفُّورَا وأُخْتُهَا شَرْفَا، وهما التي كانتا تَذُودَانِ". (١) ينظر في هذه التفاصيل: تفسير الطبري، ط. الحلبي ٢٠/ ٥٤ وما بعدها، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٦١ وما بعدها، وابن كثير ٦/ ٢٢٦ وما بعدها. ومن الطرائف المذكورة عنهم ما ورد عن ابن مسعود، قال: "حثثت على جمل لي ليلتين حتى صبحت مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا شجرة خضراء ترف فاهوى إليها جملي، وكان جائعًا؛ فأخذها جملي، فعالجها ساعة، ثم لفظها، فدعوت اللَّه لموسى ﵇، ثم انصرفت". تفسير الطبري، ط. الحلبي ٢٠/ ٥٨. (٢) أي: أصابها بالجنون. (٣) تفسير الطبري، ط. الحلبي ٢٨/ ٤٩.

стр. 167

كما يلاحظ أنهم لم يرفعوا هذه القصة للنبي ﷺ ، وهذا يشعر بأنهم مما تلقوه عن غيره. ولا ضير في حمل هذه الآية على هذه القصة التي هي تمثيل للمعنى الوارد في الآية، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): "وقد ذكر بعضهم ههنا قصة لبعض عُباد بني إسرائيل؛ هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها" (١). ولا يقال في مثل هذا المقام: إن هذه إسرائيلية فلا تقبل؛ لأن المعنى الذي تحمله هذه الإسرائيلية ليس غريبًا، ولا نكارة فيه توجب ردّه، وما دام الأمر كذلك، فإنه يفسر بها، ويوضح المعنى كما يوضح بغيرها، واللَّه أعلم. وكثرت رواية القصص المجملة في القرآن في طبقة التابعين وأتباع التابعين، وإن كان بعض مفسريهم أقل من بعض، لكن الحكم هنا عن جملة المروي عنهم من تفاصيل قصص الآي. ومما يلاحظ في بعض المروي عنهم أنه مليء بالغرائب، خصوصًا ما يرد عن السدي (ت: ١٢٧ هـ)، وابن إسحاق (ت: ١٥٠ هـ)، ووهب بن منبه (ت: ١١٤ هـ)، والكلبي (ت: ١٤٦ هـ)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ). والأمثلة في هذا كثيرة، وسردها يطول، لكن اكتفي بمثال في هذا المقام، وهو ما ورد عنهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٤]: قال ابن جريج: حجرًا كان لا يطيقه إلا عشرة رهط. قال شريح: انتهى إلى حجر لا يرفعه إلا عشرة رجال، فرفعه وحده. قال السدي: رحمهما موسى حين ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ فأتى إلى البئر فاقتلع صخرة على البئر كان النفر من أهل مدين يجتمعون عليها، حتى يرفعوها، فسقى لهما موسى دلوًا فأروتا غنمهما، فرجعتا سريعًا، وكانتا إنما تسقيان من فضول الحياض. _________ (١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة ٨/ ٧٥.

стр. 168

قال قتادة: تصدق عليهما نبي اللَّه ﷺ ، فسقى لهما، فلم يلبث أن أروى غنمهما. قال ابن إسحاق: أخذ دلوهما موسى، ثم تقدم إلى السقاء بفضل قوته، فزاحم القوم على الماء حتى أخّرهم عنه، ثم سقى لهما (١). * * * _________ (١) ينظر: تفسير الطبري عند تفسير الآيتين المذكورتين ١٨/ ٢١٤.

стр. 169

المبحث السادس حجية تفسير القرآن بأقوال السلف لم يقع خلاف في أن ما يرويه السلف عن النبي ﷺ من تفسيراته، وما يروونه من أسباب النزول الصريحة حجة في التفسير، وأن الأصل فيهما قبول ما رواه الصحابي وإعماله في التفسير؛ لأن الظاهر فيهما النقل المحض، ولو احتملت الآية معنى غيره، فإنه لا يمكن القول به ومخالفة المنقول من هذا النوع. ويلحق بهذين النوعين من حيث الحجية نوعان آخران: ١ - ما يقع عليه إجماعهم. ٢ - ما يكون له وجه واحد في المعنى لا غير. وسبب إدخال النوعين الأخيرين هنا أنه لا يمكن القول فيهما بالرأي؛ فأشبها الأولين في ذلك، وغالبًا ما يكون الرأي فيما تتعدد فيه الوجوه التفسيرية، ولم يكن من قبيل النوعين الأولين، أما إذا وقع الإجماع على معنى أو كانت اللفظة لا تحتمل إلا معنى واحدًا لا غير، فإنه لا مجال في هذا للرأي. وفيما يأتي بيان هذين النوعين: * أولًا: ما يقع عليه إجماعهم: إذا ثبت الإجماع عن الصحابة فهو حجة؛ لأنهم لا يجمعون على خطأ أو باطل، وإن كانت حكاية الإجماع صعبة؛ إلا أن بعض الإجماعات التي يحكيها العلماء عنهم لا نجد فيها مخالفا لهم من طبقتهم، وهذا يشمل العلوم بعمومها، والمعتنون بالتفسير يحكون الإجماع عنهم وعمن بعدهم من التابعين وتابعيهم، ومن ذلك: ١ - تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥]، فقد ورد عن ابن

стр. 170

مسعود (ت: ٣٢ هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨ هـ) أن المراد بذلك الملائكة تلقي الذكر على الأنبياء، ولم يرد في طبقة الصحابة غير هذا القول، وهكذا سار عليه من جاء بعدهم، وقد حكى الإجماع في ذلك (١) ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ)، قال: "يعني: الملائكة. قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري، ولا خلاف ههنا؛ فإنها تنزل بأمر اللَّه على الرسل" (٢). ٢ - تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١]، فقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨ هـ) أنها الرياح (٣). قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): "وهكذا فسرها ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد، ولم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك" (٤). والأمر كما ترى، فإنه لم يرد قول آخر في معنى المراد بالذاريات في هذا الموطن، ومآل هذه الصورة من الحكاية لأقوالهم إلى الإجماع. * ثانيًا: ما لا يحتمل تفسيره إلا معنى واحدًا: وهذا النوع حجة كذلك؛ لأنه لا يتصور فيه غير ما قيل، فهو لا يحتمل إلا معنى واحدًا، وهو شبيه بالإجماع، بل إنه يؤول إليه، وإن لم يحك الإجماع في ذلك، فالمتقدمون والمتأخرون ليس عندهم مجال في تعدد الاحتمالات في هذا النوع، وأمثلته كثيرة، فكل ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا فالتفسير المذكور فيه حجة بلا ريب. وهذا النوع قد يكون من باب التفسير اللغوي، وقد يكون من باب بيان المعنى الجملي للآية، وقد يكون من باب بيان المراد باللفظ من جهة سياقه، وأيًّا ما كانت _________ (١) ينظر في دراسة هذا الإجماع: كتاب الإجماع في التفسير، لمحمد بن عبد العزيز الخضيري ص ٤٤٣ - ٤٤٦. (٢) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة ٨/ ٢٩٧. (٣) ينظر: تفسير الطبري، ط. الحلبي ٢٦/ ١٨٥ وما بعدها، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة ٧/ ٤١٤، والدر المنثور ٧/ ٦١٤. (٤) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة ٧/ ٤١٤. وقد ذكر ابن كثير تفسيرًا يرفعه عمر إلى النبي ﷺ ، وقال عنه: "فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر".

стр. 171

جهة بيانه، فإنه لا يكون له إلا معنى واحد فقط، ومن أمثلة ذلك: تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، فقد ورد عن أبي الدرداء (ت: ٣٢ هـ)، وابن مسعود (ت: ٣٢ هـ)، وابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، تفسير الريب بالشك (١). ولا يوجد للريب معنى آخر (٢)، فيقع احتماله (٣)، لذا حكى بعض المفسرين الإجماع في ذلك (٤). أما بقية أنواع تفسير السلف، وهي ما يرويه التابعون عن الصحابة، وما يرويه أتباع التابعين عن التابعين، وتفسير السلف بالرأي؛ فسأجعل الكلام في حجيتها في نقاط يترتب بعضها على بعض: ١ - لا يوجد في القرآن لفظ لا معنى له، ولا لفظة مجهولة المعنى، بل كل ألفاظ القرآن معلومة المعنى. ٢ - نزل القرآن بلغتهم (العربية)، وليس فيه شيء من المعاني بغيرها. وإذا كان لا يوجد فيه ما لا معنى له أو ما هو مجهول المعنى، فإن هذا يعني أن القرآن كله معلوم المعنى لكونه نزل بلغتهم. ولهذا لا يوجد لفظة توقفوا -جميعًا- في تفسيرها، بل إن الحروف المقطعة -وهي لا تدخل في الألفاظ- قد تكلموا فيها، مما يدل على أنها ليس مما استأثر اللَّه بعلمه، بل هي مما يدخل تحت علمهم، وإلا لما تكلموا فيها. ٣ - هل يصح أن يقال: إن آية من الآيات لم يفهم معناها هؤلاء الكرام؟ _________ (١) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر ١/ ٢٢٨، وفي تفسير ابن أبي حاتم خبر أبي الدرداء ١/ ٣٤. (٢) قال ابن فارس في مقاييس اللغة: "الراء والياء والباء أصيل يدل على شك، أو شك خوف، فالريب: الشك. قال اللَّه جلَّ ثناؤه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢]؛ أي: لا شك. ثم قال الشاعر: فقالوا: تركنا القوم قد حصروا به ... فلا ريب أن قد كان ثم لحيم". (٣) قد يظن بعضهم أن تحريرات بعض المتأخرين في مدلول اللفظ فيها مخالفة لما فسر به السلف، وليس الأمر كذلك، فقول الراغب الأصفهاني: "فالريب: أن تتوهم بالشيء أمرًا ما، فينكشف عما تتوهمه"، وهذا تعبير عن الريب لا يخالف تفسيره بالشك، بل هو نوع من التحرير في التعبير عن اللفظ، وهو مما اعتنى به المتأخرون. (٤) قال ابن أبي حاتم: "ولا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسرين؛ منهم: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والسدي، وإسماعيل بن خالد". تفسير القرآن العظيم ١/ ٣٤.

стр. 172

أو: هل يجوز أن يقع عندهم خطأ محض في فهم معنى من المعاني، بحيث يقال: إنهم أخطؤوا جميعًا في فهم هذه الجملة أو تلك؟ ولا ريب أن الجواب: إنه لا يصح ذاك ولا يجوز هذا؛ لأنه يلزم منه تجهيل الأمة بفهم كلام ربها، وأن هؤلاء المتقدمين لم يكونوا يفهمون معنى ذلك الكلام العربي الذي كان بلغتهم. ٤ - ومن ثم، فإنه إذا احتملت الآية أكثر من معنى، فإنه لا يتصور عدم وصولهم إلى معنى صحيح في الآية، ويصل إليه المتأخرون عنهم. فإذا جاء قول للمتأخرين يلزم منه عدم وصول السلف إلى معنى صحيح، فإن هذا يدل على بطلان القول الحادث؛ لأنه يلزم منه أن هذه الطبقات الثلاث قد جهلت معنى الآية، ولم تعلم بها. ٥ - وإذا كان كذلك، فالحق لا يمكن أن يخرج عن أقوالهم، ويكون عند من جاء بعدهم، بل الحق متحقق في أقوالهم بيقين، ثم قد يأتي عند من جاء بعدهم معان جديدة صحيحة تحتملها الآية، وهي غير مبطلة لما ورد عنهم، والحكم فيما كان هذا حاله -من حيث العموم- مقبول، لكن لا يلزم أن يكون على إطلاقه في كل مثال، بل كل مثال يناقش حسب حاله من الآية. وإذا صح هذا؛ كان القول بأن تفسير السلف حجة قولًا صحيحًا، واللَّه الموفق. * * *

стр. 173

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه إعداد د. خالد بن يوسف الواصل

стр. 174

مقدمة الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وبعد: فقد تعرَّفنا في الدراسة السابقة على التفسير المأثور، ومعناه وطبقاته، ومصادره، وأهميته ومدى حجيته، وفي هذه الدراسة نحاول أن نقف على ما يتعلق بتاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه، من خلال فصلين اثنين: الفصل الأول: نشأة التفسير المأثور ومراحله. الفصل الثاني: نقل تفسير السلف ومراحل تدوينه. * * *

стр. 175

الفصل الأول نشأة التفسير المأثور ومراحله ويتضمن ما يلي: المبحث الأول: التفسير في عهد النبوة المبحث الثاني: التفسير في عهد الصحابة المبحث الثالث: التفسير في عهد التابعين المبحث الرابع: التفسير في عهد أتباع التابعين

стр. 176

نشأة التفسير المأثور ومراحله تقدم أن التفسير المأثور يشمل التفسير النبوي وتفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن هنا فإن مراحل تاريخه تنتظم في أربعة عهود: المرحلة الأولى: عهد النبوة. المرحلة الثانية: عهد الصحابة. المرحلة الثالثة: عهد التابعين. المرحلة الرابعة: عهد أتباع التابعين. وفي هذا الفصل دراسة مقتضبة عن التفسير في كل عهد من تلك العهود، مع عرض موجز لأهم الأحداث التاريخية في كل منها، وبيان معالم التفسير من خلالها، ثم ختامه بأهم تلك الأحداث المؤثرة في التفسير، وقبل ذلك يحسن توضيح طريقة تحديد طبقات السلف في التمهيد التالي:

стр. 177

تمهيد طبقات السلف في التفسير تقدم معنا أن مصطلح السلف نعني به ثلاث طبقات؛ الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكل طبقة من تلك الطبقات تنقسم إلى طبقتين فأكثر، ويلاحظ أن بين هذه الطبقات تداخلًا كبيرًا، يصعب تحديد مبدأ كل منها ومنتهاها على وجه الدقة، لذا اختلفت في ذلك مناهج أهل العلم ممن كتب في طبقات الصحالة والتابعين وتابعيهم، من حيث حجم الطبقة ومنتهاها ومن يندرج تحتها، وليس المقام هنا لبسط ذلك، إذ المقصود بيان انقسام السلف إلى طبقات، والمسألة اصطلاح اجتهادي، ولا مشاحة في الاصطلاح، لذا سألتزم خطًّا مختلفًا -فيما يظهر لي- في تحديد مبدأ كل طبقة ومنتهاها (١)، أُرى أن ذلك أنسب لدراسة طبقات مفسري السلف من وجهة تاريخية؛ فقد جعلتُ مدد الطبقات متقاربة؛ فيما بين الستين إلى السبعين سنة، مستأنسًا في ذلك بما جاء في قول الرسول ﷺ : "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك" (٢)، وجعلت منتهى كل طبقة يوافق حدثًا له أثره في تاريخ المسلمين (٣)، مع مراعاة وجود السمة الغالبة على أعلام الحياة العلمية في تلك الطبقة، ويبقى خروج بعض الأعلام عن تلك الصفة أمرًا نسبيًّا ضئيلًا لا يؤثر في _________ (١) أكثر من عرف بالاعتناء بهذا العلم وتنوعت مناهجهم في الطبقات كثرة وقلة؛ هم المحدثون، وذلك لمعرفة اتصال الأسانيد ومن ثم الحكم عليها، والحكم على الأسانيد ليس من مقاصد معرفة طبقات المفسرين. ومن هنا نجد أن نظام الطبقات يختلف باختلاف المترجم لهم، والفن المقصود بإبراز الترجمة فيه؛ لذا اختلف تنظيم الطبقات في مؤلفات الذهبي باختلاف فنِّها، فنظام طبقات القراء الكبار، يختلف عن تذكرة الحفاظ، وعن سير أعلام النبلاء. ينظر: مقدمة د. بشار عواد للسير ١/ ١٠٥، ١٠٦. وعليه لم ألتزم هنا بطريقة المحدثين، أو بتنظيم كتاب معين؛ لأن موضوع دراستنا هنا في التفسير وطبقات المفسرين، ونظرًا لقلتهم -مقارنة بالمحدثين- كان اختيار الطبقات على نطاق ضيق. (٢) أخرجه الترمذي ٥/ ٤٤٥، وصححه الألباني لغيره في السلسلة الصحيحة ٢/ ٣٨٦ (٧٥٧). (٣) وإن لم يكن له أثره المباشر في تاريخ العلم في تلك الطبقة، وإنما جاء التأريخ به للتعريف.

стр. 178

ذلك العموم، بل هو أصل التداخل والتشعب بين الطبقات ومشكلته. وذلك لأن نسبة شخص معين إلى طبقة معينة أو تاريخ معين باعتبار تاريخ وفاته غير دقيق، لاختلاف أعمار الجيل الواحد ما بين معمر وقصير العمر (١)، لذا كان الأدق النظر باعتبارات عدة، من تاريخ مولد الشخص إلى الطبقة التي عاصرها معظم سني عمره إلى سنة وفاته للخروج بتحديد أدق لطبقته (٢). وعليه؛ اخترت مبدأ ومنتهى طبقات السلف في التفسير؛ باعتبار كون أهل الطبقة المقصودة هم الأغلب والمقدمون وجمهور أهل العلم في تلك الطبقة، إضافة إلى الضابط الأصيل في تعريف الصحابي، والتابعي، وتابع التابعي، مع مراعاة التواريخ المتعلقة بذلك؛ كتاريخ الميلاد، وتاريخ بدء طلب العلم، وتاريخ الوفاة؛ فخَلصتُ إلى هذه الطبقات: * أولًا: طبقة الصحابة: من خلافة أبي بكر الصديق عام (١١ هـ) إلى نهاية خلافة عبد اللَّه بن الزبير عام (٧٣ هـ): وهم طبقتان: أ- كبار الصحابة: في عصر الخلفاء الراشدين (١١ - ٤٠ هـ). ب- صغار الصحابة: في عصر الدولة الأموية السفيانية (٤١ - ٧٣ هـ). * ثانيًا: طبقة التابعين: في عصر الدولة الأموية المروانية (٧٣ - ١٣٢ هـ)، ونظرًا لكثرتهم وامتدادهم منذ عهد النبوة جعلتهم على ثلاث طبقات: أ- كبار التابعين: وهم الذين أدركوا زمن النبوة ولم يروا النبي ﷺ ، ويعرفون بـ (المخضرمين)، وقد أدركوا كبار الصحابة. ب- أواسط التابعين: (٧٣ - حدود عام ١٠١ هـ: عام وفاة عمر بن عبد العزيز). _________ (١) من أوضح الأمثلة لذلك علمان من أعلام صغار التابعين؛ هما: إبراهيم النخعي وسليمان التيمي فإنهما ولدا في حدود عام ٤٦ هـ، ثم توفي النخعي مبكرًا عام ٩٦ هـ -وهذا ضمن أواخر حدود طبقة كبار التابعين-، بينما طال العمر بالتيمي فتوفي في حدود عام ١٤٣ هـ -وهذا ضمن حدود أوائل طبقة كبار أتباع التابعين-، فلو حددنا طبقة كل منهما بتاريخ وفاته لكان بينهما بونًا شاسعًا وهما متقاربان مولدًا! (٢) ومن هنا فاعتبار ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) -مثلًا- من أهل القرن الرابع غير دقيق.

стр. 179

ت- صغار التابعين: (١٠٢ - حدود عام ١٣٢ هـ: عام سقوط الدولة الأموية). * ثالثًا: طبقة أتباع التابعين: في عهد الدولة العباسية الأول -الذي يُعدُّ العصر الذهبي لها- إلى ولاية المأمون (١٣٢ - حدود عام ٢٠٠ هـ). وهم ثلاث طبقات: أ- طبقة كبار أتباع التابعين: ١٣٢ - ١٥٨ هـ (عام وفاة أبي جعفر المنصور). ب- الطبقة الوسطى من أتباع التابعين: ١٥٩ - ١٩٣ هـ (عام وفاة هارون الرشيد). ت- طبقة صغار أتباع التابعين: ١٩٤ - ٢١٨ هـ (عام وفاة المأمون). * * *

стр. 180

المبحث الأول التفسير في عهد النبوة أرسل اللَّه النبي محمدًا ﷺ بلسان قومه كما هي سُنَّته في بعث الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وأنزل معه القرآن بلغة العرب: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، فجاء على سَنن أساليبهم وطريقة كلامهم، فبلَّغه الرسول ﷺ قومَه كما أمره ربه : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وأنذرهم به وكل من بلغه القرآن: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. من هنا يمكن القول بأن التفسير المأثور نشأ مع نزول القرآن الكريم، إذ كان هؤلاء العرب يفهمون كلام اللَّه ولا تخفى عليهم عموم معانيه، وعلى إثر ذلك تفاوتت مواقفهم تجاه نبي للَّه وكتابه، ما بين معترض عليه كافر به، وموافق مؤمن به -وهم الصحابة رضوان اللَّه علمهم-، ولا شك أن إيمان الصحابة ناتج عن فهم كامل، واقتناع تام بما سمعوه من الرسول ﷺ ، ولا غرو فقد كانوا أهل العربية وبني بجدتها، لا تخفى عليهم ما تحويه من فنون البيان وأساليب القول، وقد نزل القرآن على نمطها، غير أنه سما عليهم جميعًا بدقة التعبير، وقوة المعاني، ورصانة الألفاظ، وسحر البيان، فانبهروا بطريقته، وولعوا بأسلوبه، ووعوا معانيه، وأدركوا مراميه، فكانوا يتلقفونه من فيّ الرسول ﷺ فيتعلمونه ويعملون به مباشرة، فعن ابن مسعود ﵁ قال: "كنا إذا تعلمنا من النبي ﷺ عشر آياتٍ من القرآن لم نتعلم العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيها"، قيل لشريك: مِن العمل؟ قال: نعم (١)، وروى _________ (١) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ١/ ٧٥٥، كتاب فضائل القرآن، ح (٢٠٩٩)، تحقيق: مقبل الوادعي، ط. دار الحرمين بمصر، ١٤١٧ هـ.
следующие страницы →