← Тафсир

Тафсир · id 639

موسوعة التفسير المأثور

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (16 717 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

نشأة التفسير المأثور ومراحله تقدم أن التفسير المأثور يشمل التفسير النبوي وتفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن هنا فإن مراحل تاريخه تنتظم في أربعة عهود: المرحلة الأولى: عهد النبوة. المرحلة الثانية: عهد الصحابة. المرحلة الثالثة: عهد التابعين. المرحلة الرابعة: عهد أتباع التابعين. وفي هذا الفصل دراسة مقتضبة عن التفسير في كل عهد من تلك العهود، مع عرض موجز لأهم الأحداث التاريخية في كل منها، وبيان معالم التفسير من خلالها، ثم ختامه بأهم تلك الأحداث المؤثرة في التفسير، وقبل ذلك يحسن توضيح طريقة تحديد طبقات السلف في التمهيد التالي:

стр. 177

تمهيد طبقات السلف في التفسير تقدم معنا أن مصطلح السلف نعني به ثلاث طبقات؛ الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكل طبقة من تلك الطبقات تنقسم إلى طبقتين فأكثر، ويلاحظ أن بين هذه الطبقات تداخلًا كبيرًا، يصعب تحديد مبدأ كل منها ومنتهاها على وجه الدقة، لذا اختلفت في ذلك مناهج أهل العلم ممن كتب في طبقات الصحالة والتابعين وتابعيهم، من حيث حجم الطبقة ومنتهاها ومن يندرج تحتها، وليس المقام هنا لبسط ذلك، إذ المقصود بيان انقسام السلف إلى طبقات، والمسألة اصطلاح اجتهادي، ولا مشاحة في الاصطلاح، لذا سألتزم خطًّا مختلفًا -فيما يظهر لي- في تحديد مبدأ كل طبقة ومنتهاها (١)، أُرى أن ذلك أنسب لدراسة طبقات مفسري السلف من وجهة تاريخية؛ فقد جعلتُ مدد الطبقات متقاربة؛ فيما بين الستين إلى السبعين سنة، مستأنسًا في ذلك بما جاء في قول الرسول ﷺ : "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك" (٢)، وجعلت منتهى كل طبقة يوافق حدثًا له أثره في تاريخ المسلمين (٣)، مع مراعاة وجود السمة الغالبة على أعلام الحياة العلمية في تلك الطبقة، ويبقى خروج بعض الأعلام عن تلك الصفة أمرًا نسبيًّا ضئيلًا لا يؤثر في _________ (١) أكثر من عرف بالاعتناء بهذا العلم وتنوعت مناهجهم في الطبقات كثرة وقلة؛ هم المحدثون، وذلك لمعرفة اتصال الأسانيد ومن ثم الحكم عليها، والحكم على الأسانيد ليس من مقاصد معرفة طبقات المفسرين. ومن هنا نجد أن نظام الطبقات يختلف باختلاف المترجم لهم، والفن المقصود بإبراز الترجمة فيه؛ لذا اختلف تنظيم الطبقات في مؤلفات الذهبي باختلاف فنِّها، فنظام طبقات القراء الكبار، يختلف عن تذكرة الحفاظ، وعن سير أعلام النبلاء. ينظر: مقدمة د. بشار عواد للسير ١/ ١٠٥، ١٠٦. وعليه لم ألتزم هنا بطريقة المحدثين، أو بتنظيم كتاب معين؛ لأن موضوع دراستنا هنا في التفسير وطبقات المفسرين، ونظرًا لقلتهم -مقارنة بالمحدثين- كان اختيار الطبقات على نطاق ضيق. (٢) أخرجه الترمذي ٥/ ٤٤٥، وصححه الألباني لغيره في السلسلة الصحيحة ٢/ ٣٨٦ (٧٥٧). (٣) وإن لم يكن له أثره المباشر في تاريخ العلم في تلك الطبقة، وإنما جاء التأريخ به للتعريف.

стр. 178

ذلك العموم، بل هو أصل التداخل والتشعب بين الطبقات ومشكلته. وذلك لأن نسبة شخص معين إلى طبقة معينة أو تاريخ معين باعتبار تاريخ وفاته غير دقيق، لاختلاف أعمار الجيل الواحد ما بين معمر وقصير العمر (١)، لذا كان الأدق النظر باعتبارات عدة، من تاريخ مولد الشخص إلى الطبقة التي عاصرها معظم سني عمره إلى سنة وفاته للخروج بتحديد أدق لطبقته (٢). وعليه؛ اخترت مبدأ ومنتهى طبقات السلف في التفسير؛ باعتبار كون أهل الطبقة المقصودة هم الأغلب والمقدمون وجمهور أهل العلم في تلك الطبقة، إضافة إلى الضابط الأصيل في تعريف الصحابي، والتابعي، وتابع التابعي، مع مراعاة التواريخ المتعلقة بذلك؛ كتاريخ الميلاد، وتاريخ بدء طلب العلم، وتاريخ الوفاة؛ فخَلصتُ إلى هذه الطبقات: * أولًا: طبقة الصحابة: من خلافة أبي بكر الصديق عام (١١ هـ) إلى نهاية خلافة عبد اللَّه بن الزبير عام (٧٣ هـ): وهم طبقتان: أ- كبار الصحابة: في عصر الخلفاء الراشدين (١١ - ٤٠ هـ). ب- صغار الصحابة: في عصر الدولة الأموية السفيانية (٤١ - ٧٣ هـ). * ثانيًا: طبقة التابعين: في عصر الدولة الأموية المروانية (٧٣ - ١٣٢ هـ)، ونظرًا لكثرتهم وامتدادهم منذ عهد النبوة جعلتهم على ثلاث طبقات: أ- كبار التابعين: وهم الذين أدركوا زمن النبوة ولم يروا النبي ﷺ ، ويعرفون بـ (المخضرمين)، وقد أدركوا كبار الصحابة. ب- أواسط التابعين: (٧٣ - حدود عام ١٠١ هـ: عام وفاة عمر بن عبد العزيز). _________ (١) من أوضح الأمثلة لذلك علمان من أعلام صغار التابعين؛ هما: إبراهيم النخعي وسليمان التيمي فإنهما ولدا في حدود عام ٤٦ هـ، ثم توفي النخعي مبكرًا عام ٩٦ هـ -وهذا ضمن أواخر حدود طبقة كبار التابعين-، بينما طال العمر بالتيمي فتوفي في حدود عام ١٤٣ هـ -وهذا ضمن حدود أوائل طبقة كبار أتباع التابعين-، فلو حددنا طبقة كل منهما بتاريخ وفاته لكان بينهما بونًا شاسعًا وهما متقاربان مولدًا! (٢) ومن هنا فاعتبار ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) -مثلًا- من أهل القرن الرابع غير دقيق.

стр. 179

ت- صغار التابعين: (١٠٢ - حدود عام ١٣٢ هـ: عام سقوط الدولة الأموية). * ثالثًا: طبقة أتباع التابعين: في عهد الدولة العباسية الأول -الذي يُعدُّ العصر الذهبي لها- إلى ولاية المأمون (١٣٢ - حدود عام ٢٠٠ هـ). وهم ثلاث طبقات: أ- طبقة كبار أتباع التابعين: ١٣٢ - ١٥٨ هـ (عام وفاة أبي جعفر المنصور). ب- الطبقة الوسطى من أتباع التابعين: ١٥٩ - ١٩٣ هـ (عام وفاة هارون الرشيد). ت- طبقة صغار أتباع التابعين: ١٩٤ - ٢١٨ هـ (عام وفاة المأمون). * * *

стр. 180

المبحث الأول التفسير في عهد النبوة أرسل اللَّه النبي محمدًا ﷺ بلسان قومه كما هي سُنَّته في بعث الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وأنزل معه القرآن بلغة العرب: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، فجاء على سَنن أساليبهم وطريقة كلامهم، فبلَّغه الرسول ﷺ قومَه كما أمره ربه : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وأنذرهم به وكل من بلغه القرآن: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. من هنا يمكن القول بأن التفسير المأثور نشأ مع نزول القرآن الكريم، إذ كان هؤلاء العرب يفهمون كلام اللَّه ولا تخفى عليهم عموم معانيه، وعلى إثر ذلك تفاوتت مواقفهم تجاه نبي للَّه وكتابه، ما بين معترض عليه كافر به، وموافق مؤمن به -وهم الصحابة رضوان اللَّه علمهم-، ولا شك أن إيمان الصحابة ناتج عن فهم كامل، واقتناع تام بما سمعوه من الرسول ﷺ ، ولا غرو فقد كانوا أهل العربية وبني بجدتها، لا تخفى عليهم ما تحويه من فنون البيان وأساليب القول، وقد نزل القرآن على نمطها، غير أنه سما عليهم جميعًا بدقة التعبير، وقوة المعاني، ورصانة الألفاظ، وسحر البيان، فانبهروا بطريقته، وولعوا بأسلوبه، ووعوا معانيه، وأدركوا مراميه، فكانوا يتلقفونه من فيّ الرسول ﷺ فيتعلمونه ويعملون به مباشرة، فعن ابن مسعود ﵁ قال: "كنا إذا تعلمنا من النبي ﷺ عشر آياتٍ من القرآن لم نتعلم العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيها"، قيل لشريك: مِن العمل؟ قال: نعم (١)، وروى _________ (١) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ١/ ٧٥٥، كتاب فضائل القرآن، ح (٢٠٩٩)، تحقيق: مقبل الوادعي، ط. دار الحرمين بمصر، ١٤١٧ هـ.

стр. 181

أبو عبد الرحمن السلمي قال: "حدثنا من كان يُقرئنا من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يقترئون من رسول اللَّه ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى، حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل" (١). بل كانوا شديدي الحرص على فهم معاني القرآن الكريم وتدبر ما فيه من الأوامر والنواهي، فعن القاسم بن عوف قال: سمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: "لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تعلمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، وما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدَّقل" (٢). ولم يحتج الصحابة ﵃ بمقتضى سليقتهم العربية- إلى تكلف فهم القرآن، وعلم ظواهره، وإدراك ظواهر معانيه، لأن أكثر آيات القرآن واضحة المعنى، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت: ٢٠٩ هـ): ". . . لم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي ﷺ أن يسألوا عن معانيه لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص، وفي القرآن مثل ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب، ومن الغريب، والمعاني. . . " (٣). لكن تبقى آيات قد يُشكل فهمها عليهم إذا فسروها بمقتضى معناها اللغوي العام، فكانوا يلجؤون إلى النبي ﷺ فيبيِّنه لهم أتم بيان، ويوضح ما أشكل عليهم. مثال ذلك: ما رواه ابن مسعود ﵁، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قلنا: يا رسول اللَّه، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: "ليس كما تقولون ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] بِشِرْكٍ، أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: يا بني لا تشرك باللَّه إن الشرك لظلم عظيم" (٤). وفي رواية قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب النبي ﷺ : أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فنزلت ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] " (٥). _________ (١) مسند الإمام أحمد ٣٨/ ٤٦٦، ط. مؤسسة الرسالة. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٦١٧ (٨٧٠٩)، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١٧١. (٣) مجاز القرآن ١/ ٨. (٤) صحيح البخاري ٤/ ١٤١. (٥) صحيح البخاري ٤/ ١٦٣.

стр. 182

في هذا الحديث فوائد مهمة متعلقة بهذا المبحث، من ذلك: ١ - أن الصحابة ﵃ كانوا يتفهمون ما نزل من القرآن بمقتضى لغتهم، ويُعملون أذهانهم في معرفة معناه، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ، مما يدل على أن التفسير الاجتهادي (بالرأي) وجد منذ ذلك العهد (١). ٢ - أن هناك تدارس لآيات القرآن كان يقع بين الصحابة، فإن أشكل عليهم رجعوا إلى النبي ﷺ فيما احتاجوا إليه (٢). ٣ - أن تلك المدارسات قد تكون منذ العهد المكي، فسورتا الأنعام ولقمان من السور المكية (٣). ومع هذا فتبقى مثل تلك الآيات التي أشكلت على الصحابة قليلة؛ مقارنة بما فهموه من تلقاء أنفسهم، ومن هنا كانت الآيات التي فسرها النبي ﷺ تفسيرًا صريحًا قليلة، والأحاديث النبوية في التفسير الصريح المباشر معدودة (٤)، ولو تتبعت المقبول من تلك الأحاديث فهو قليل جدًّا، وبالتالي لا يسلم لك من الآيات التي فسرها النبي ﷺ تفسيرًا صريحًا إلا القليل المعدود (٥). واللَّه أعلم * أنواع التفسير النبوي: تبيَّن لنا مما سبق أنه لم تكن هناك حاجة لأن يفسر النبي ﷺ كل آيات القرآن وألفاظه؛ لوضوح عموم معانيه غالبًا إلا ما أشكل على الصحابة رضوان اللَّه عليهم، وهو ما يوصف بالتفسير الصريح. إلا أن هناك جزءًا آخر من تفسير النبي ﷺ للقرآن، وهو المتمثل في سُنَّته القولية والفعلية والتقريرية، فهي في عمومها تفسر القرآن، وهو ما يسمى بالتفسير غير _________ (١) ينظر: شرح مقدمة في أصول التفسير، للدكتور مساعد الطيار ص ٤٣. (٢) ينظر: المرجع السابق، نفس الصفحة. (٣) وقد وردت آثار تؤكد تدارس الصحابة للقرآن آنذاك، كحديث ابن مسعود ﵁: "كنا إذا تعلمنا من النبي ﷺ عشر آياتٍ من القرآن لم نتعلم العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيها"، وقصة إسلام عمر، واجتماع المسلمين بدار الأرقم. ينظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ص ٤٨. (٤) وقد جَمَعت هذه الموسوعة أحاديث التفسير النبوي الصريح وشبه الصريح؛ المكرر منها وغير المكرر، والصحيح والضعيف والمنكر والمرسل والمقطوع بل والموضوع فبلغت (٢٤٧٥) حديثًا، فسّرت (٩٥٣) آية فقط من مجموع آي القرآن البالغ (٦٢٣٦)؛ أي: ما نسبته حوالي ١٥ % من آي القرآن. (٥) مع ملاحظة أن أغلب هذه الآثار تفسير جزئي للآية وليس لكل الآية.

стр. 183

المباشر، أو التفسير غير الصريح، وهو المراد من قول الشافعي (ت: ٢٠٤) ﵀: "جميع السُّنَّة شرح للقرآن" (١)، وهي أكثر بكثير من التفسير الصريح المباشر، ويلاحظ أن السيوطي ﵀ ألمح إلى النوعين تطبيقًا، ففي كتابه الإتقان لما ختمه بمبحث طبقات المفسرين قال: "وإذ قد انتهى بنا القول فيما أردناه من هذا الكتاب فلنختمه بما ورد عن النبي ﷺ من التفاسير المصرح برفعها إليه غير ما ورد من أسباب النزول لتستفاد فإنها من المهمات" (٢). ثم أورد حوالي ٢٣٩ حديثًا مرفوعًا، وختم هذا المبحث بقوله: "فهذا ما حضرني من التفاسير المرفوعة المصرح برفعها صحيحها وحسنها، ضعيفها ومرسلها ومعضلها، ولم أعول على الموضوعات والأباطيل" (٣). وقصد بذلك التفسير النبوي الصريح، لكن لما جاء إلى تفسيره الدر المنثور حشد آلاف الأحاديث المرفوعة، متضمنة الأحاديث السابقة، فناهزت ثلث الكتاب، مما يدل أنه أراد أن يستقصي تفسير القرآن بكل ما ورد في السُّنَّة من تفسير نبوي صريح أو غير صريح (٤)، فيتضمن ذلك ما يجتهد المفسر في وصل حديث بتفسير آية لما يلمح بينهما من صلة معينة، أو لما تتضمنه الأحاديث من فضائل ومواعظ متصلة بموضوع الآية، ولا شك أن هذا باب واسع جدًّا، ويصعب استيعابه، إضافة إلى اختلاف أنظار المفسرين فيه؛ فمن مكثر كابن مردويه والسيوطي في الدر المنثور، ومن مقلٍّ كابن جرير، ومن متوسط بين ذلك كابن أبي حاتم وابن كثير (٥). _________ (١) ينظر: الرهان في علوم القرآن ١/ ٦، الإتقان في علوم القرآن ٤/ ٢٨، ط. المجمع ٥/ ١٩٠٦، وينظر في تعضيد ذلك: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٧/ ٤٣١ - ٤٣٢، الموافقات للشاطبي ٣/ ٢٣٠، ت: مشهور سلمان. (٢) الإتقان، ط. المجمع ٦/ ٢٣٤٧. (٣) الإتقان، ط. المجمع ٦/ ٢٤٥١. (٤) سبقه في هذا المقصد الحافظ ابن مردويه في تفسيره المفقود، والذي خالف نظراءه من نقلة التفسير المأثور -كابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم- في التوسع فيه والعناية به دون العناية بآثار الصحابة، بينما ندرت لديه آثار التابعين، ولا تكاد تجد شيئا عن أتباعهم، وقد تقدم ذلك عند الحديث عنه في مصادر الموسوعة، وينظر: الإمام ابن مردويه ومنهجه في تفسيره، د. محمد بن عبد اللَّه الخضيري، مجلة الدراسات القرآنية، ع ٣، ص ٤٢. وقد أفاد ابن كثير والسيوطي كثيرًا من تفسيره في هذا الباب. (٥) ومن هنا لم ننهج استقصاء هذا الباب في هذه الموسوعة واستيعابه، وحاولنا التوسط فهذبنا كثيرا مما أورده السيوطي مما رأينا أن صلته بتفسير الآية بعيدة. ينظر: منهج الموسوعة (اللجنة الإشرافية بالموسوعة).

стр. 184

مسألة: توجيه ما ورد عن ابن تيمية بأن النبي ﷺ فسَّر جميع القرآن: أورد ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير ما ظاهره أن الرسول ﷺ فسَّر للناس جميع القرآن، حيث قال: "يجب أن يُعلم أن النبي ﷺ بَيَّنَ لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا" (١). وهذا يشكل مع ما سبق من أنه لم يوجد من التفسير النبوي إلا قليل! وقد حاول كثير من المعاصرين توجيه ذلك وبيانه (٢). ويمكن توجيه كلامه رحمه اللَّه تعالى بما يلي: ١ - أنه أراد ما فسَّره النبي ﷺ بأقواله، سواء نصَّ على الآية -وهو التفسير الصريح- أو لم ينص عليها، وما بيَّن معناه بأفعاله في عباداته ومعاملاته وسلوكه وأخلاقه، ومنه قول عائشة: "كان خلقه القرآن"، أو ما فسره بتقريره، وهو ما سوى ذلك مما أقرَّ عليه الصحابة في فهمهم للقرآن بمقتضى لغتهم. وعلى ذلك يُعلم أن الرسول ﷺ لم يُتوفَّ إلا وجميع القرآن مفهوم واضح لعموم الصحابة ﵃، ولا يصح أن يقال أن هناك آيات خفي معناها على الصحابة (٣). ٢ - أن ما أشار ابن تيمية إليه هنا هو مما يذكره كثيرًا في معرض الرد على المبتدعة الذين وظّفوا القول بأن الرسول ﷺ لم يفسر جميع القرآن ليزعموا أن الصحابة والسلف غاب عنهم معاني آيات لم يفسرها النبي ﷺ ، ومنها آيات أسماء اللَّه وصفاته، ومن ثَمَّ ينتقلون إلى نتيجة أن الخلف ظهر لهم تفسير ما خفي على الصحابة، فكان شيخ الإسلام يحتج عليهم ببطلان المقدمة التي بنوا عليها دعواهم، وأن الصحابة فهموا عن الرسول ﷺ جميع القرآن (٤)، قال ﵀ في كتابه "بغية _________ (١) مقدمة في أصول التفسير، ص ٩. وقد صرح بنحو ذلك في مواضع أخرى من مصنفاته، ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٠٨، ٥/ ١٥٩ - ١٦٣، الجواب الصحيح ٣/ ٣٩، بغية المرتاد ص ٣٣٠. (٢) يأتي على رأسهم د. محمد حسين الذهبي ﵀ في كتابه التفسير والمفسرون ١/ ٣٩ - ٤٤، الذي جعل في المسألة خلافًا على قولين، واستدل لكل منهما، ثم ناقشها ورجح ما رآه راجحًا، وتبعه كثير ممن ذكر المسألة من المعاصرين، وكما أورد المسألة كثير ممن شرح مقدمة شيخ الإسلام، ولم أقف على من رجح القول بأن النبي ﷺ فسر القرآن للصحابة آية آية ولفظًا لفظًا. (٣) ينظر: التعليقات البهية على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية، لأبي عمر القلموني ص ١١، منشور في شبكة المعلومات الرقمية العالمية (الإنترنت). (٤) ينظر: شرح مقدمة في أصول التفسير، للدكتور مساعد الطيار، ص ٤٤ - ٤٦.

стр. 185

المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية" (١): "وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم ولا ما يقرؤونه ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول ولا يسألونه عن ذلك ولا يبتدئ هو بيانه لهم؟! هذا مما يُعلم بطلانه أعظم مما يُعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، ومن زعم أنه لم يبيِّن لهم معاني القرآن أو أنه بيَّنها وكتموها عن التابعين فهو بمنزلة من زعم أنه بيَّن لهم النص على عليٍّ وشيئًا آخر من الشرائع والواجبات وأنهم كتموا ذلك. . . إلخ". * طريقة تلقي التفسير في العهد النبوي: عند التأمل في أحاديث التفسير يتبين لنا أن الصحابة كانوا يتلقون التفسير النبوي الصريح المباشر بطريقتين (٢): الأولى: أن يبتدئهم ﵊ بالتفسير: ومن أمثلتها: ١ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]. فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا، وقالوا: حطةٌ، حبةٌ في شعرةٍ" (٣). ٢ - عن أَبِي سعيد بن المُعَلَّى ﵁، قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول اللَّه ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول اللَّه، إني كنت أصلي، فقال: "ألم يقل اللَّه: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ". ثم قال لي: "لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد". ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، قال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته" (٤). _________ (١) ص ٣٣١. (٢) ينظر: مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير ص ١٣٩. (٣) رواه البخاري (٤٤٧٩)، ومسلم (٣٠١٥). (٤) رواه البخاري (٤٤٧٤).

стр. 186

الثانية: سؤال الصحابة: بأن يسأله الصحابة عن المعنى المراد فيجيبهم: ومن أمثلتها: ١ - عن أبي ذر، قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن قول اللَّه تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]؟ قال: "مستقرها تحت العرش" (١). ٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس أحدٌ يحاسب إلا هلك"، قالت: قلت: يا رسول اللَّه جعلني اللَّه فداءك، أليس يقول اللَّه : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧، ٨] قال: "ذاك العرض يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك" (٢). * اجتهاد الصحابة في التفسير: مما سبق يعلم أن الصحابة فسروا القرآن والرسول ﷺ بين أظهرهم (٣)، ولا يخلو الحال من أمرين: الأول: أن يستدرك عليهم فهمهم، ويبين لهم المعنى المراد: ومن ذلك ما جاء عن عدي بن حاتمٍ ﵁، أنه قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال له عدي بن حاتمٍ: يا رسول اللَّه، إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالًا أبيض وعقالًا أسود، أعرف الليل من النهار، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن وسادتك لعريضٌ، إنما هو سواد الليل، وبياض النهار" (٤). _________ (١) رواه البخاري (٤٨٠٣)، ومسلم (١٥٩). وعند مسلم: عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال يومًا: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم قال: "إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدةً، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدةً، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها ضيئًا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعةً من مغربك، فتصبح طالعةً من مغربها"، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ". (١٥٩). (٢) رواه البخاري (٤٩٣٩). (٣) لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الاجتهاد، وعدم تمكنهم من مراجعته، وفي قضايا جزئية معيَّنة، ينظر: زاد المعاد، لابن القيم ٣/ ٣٩٤. (٤) رواه البخاري (٤٥٠٩)، ومسلم (١٠٩٠).

стр. 187

والرسول ﷺ لم يمنع عديًّا من أن يفهم القرآن على ما عنده من معرفة اللسان العربي (١)؛ لأن فهمه من جهة اللغة صحيح، لكنه بيَّن له المعنى اللغوي الآخر الذي لم يذهب إليه عديٌّ، وهو بياض النهار وسواد الليل، ولو كان فهم القرآن ابتداءًا غير جائز لهم لنبههم ﷺ على ذلك، وذلك لم يرد مع تكرر الوقائع المشابهة لواقعة عديٍّ ﵁. الثاني: أن يقرَّ فهمهم: ومن ذلك: ما ورد عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول اللَّه ﷺ عام ذات السلاسل، قال: فاحتلمت في ليلةٍ باردةٍ شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول اللَّه ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: "يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنبٌ؟ " قال: قلت: نعم يا رسول اللَّه، إني احتلمت في ليلةٍ باردةٍ شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول اللَّه : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول اللَّه ﷺ ولم يقل شيئًا (٢). وهذه التفسيرات معتمدة -كما هو ظاهر- على الرأي، لكنهم كانوا يرجعون إلى النبي ﷺ ، وبهذا يمكن القول بأن بداية التفسير بالرأي كانت في عهد النبي ﷺ ، ولكنه الرأي الذي يستند إلى دليل صحيح. * معالم التفسير في العهد النبوي: مما تقدم نستخلص أهم معالم التفسير النبوي وملامحه فيما يلي: ١ - أن النبي ﷺ لم يفسر جميع آيات القرآن تفسيرًا صريحًا، آية آية، ولفظًا لفظًا، لعدم حاجة الصحابة إلى ذلك. ٢ - أن النبي ﷺ تُوفي وقد تم بيان جميع القرآن لعموم الصحابة من خلال تفسيره الصريح وغير الصريح، ومما فهمه الصحابة رضوان اللَّه عليهم بمقتضى لغتهم وفطرتهم السليمة. _________ (١) وفي الأثر دليل على اعتماد اللغة في تفسير القرآن المجيد. (٢) رواه أحمد في مسنده (١٧٨١٢)، ٢٩/ ٣٤٦، وهو حديث صحيح، وينظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٦٩.

стр. 188

٣ - بدأ في العهد النبوي فهم بعض الصحابة لبعض الآيات على وجه من وجوه التأويل، والتفسير بالرأي والاجتهاد المستند إلى الأدلة الصحيحة. ٤ - كان التفسير النبوي جزءًا من السُّنَّة والأحاديث النبوية التي تلقاها الصحابة عن النبي ﷺ مشافهة ضمن عموم مسائل الشريعة، وبلغوها كذلك لمن بعدهم كما سمعوا، ومن ثَمَّ لم يتم تدوين التفسير النبوي في عهد النبي ﷺ كسائر أحاديث السُّنَّة، وسيأتي مزيد بيان لهذا في مبحث تاريخ تدوين التفسير المأثور. * * *

стр. 189

المبحث الثاني التفسير في عهد الصحابة توفي النبي ﷺ ، في الثاني عشر من ربيع الأول عام ١١ من الهجرة، بعد أن تم الوحي وعَلِم عموم الصحابة ﵃ معاني القرآن، من خلال بيانه ﷺ ، أو مما تبين لهم بمقتضى فهمهم للغتهم التي نزل بها القرآن، كما تقدم بيانه في المبحث السابق، وقد حمل الصحابة ﵃ لواء تبليغ الدين وسائر علوم الشريعة بعد وفاته ﷺ ، ومن ذلك القرآن وتفسيره، ويمكننا القول: إن عهدهم يمتد منذ وفاة الرسول ﷺ إلى مقتل ابن الزبير ﵄ عام ٧٣ هـ، وهو آخر خليفة صحابي (١)، وقد عاصر الصحابة ﵃ عهدين تاريخيين أساسيين، هما: عهد الخلفاء الراشدين، وعهد الدولة الأموية السفيانية. وقد كان عهدًا حافلًا بالتفسير، تطور فيه التفسير تطورًا كبيرًا، ولعلنا نجمل بعض ملامح التفسير في هذه العهود التاريخية من خلال الحديث عن كل عهد في المطالب التالية: _________ (١) يلاحظ أنه بعد ذلك العهد لم يبق إلا قلة من الصحابة، لم يكن لهم أي دور يذكر في الحياة السياسية، كما لم يكن لهم أثر بارز في التفسير سوى مرويات معدودة في أحكام القرآن وبعض الآيات، خصوصًا عن أنس بن مالك ﵁، مما يعضد اختيارنا كون هذه السنة هي حد منتهى عصر الصحابة.

стр. 190

المطلب الأول التفسير في عهد كبار الصحابة (عصر الخلفاء الراشدين) (١) يمتد عصر الخلفاء الراشدين من خلافة أبي بكر الصديق عام ١١ هـ إلى استشهاد علي بن أبي طالب وتولي ابنه الحسن الخلافة ثم تنازله لمعاوية عام ٤١ هـ، ﵃ أجمعين. وهو أنصع عهود التاريخ الإسلامي بعد العهد النبوي، وأكثرها أثرًا وتأثيرًا، في عموم مناحي الحياة السياسية والدينية والعلمية، ومن ذلك التفسير وعلوم القرآن عمومًا، وسنتحدث عن تاريخ التفسير في عهود الخلفاء الأربعة بشيء من التفصيل فيما يلي. ١ - عهد أبي بكر الصديق ﵁ (١١ - ١٣ هـ): تولى أبو بكر ﵁ الخلافة بعد وفاة النبي ﷺ ، التي حدث إثرها هزةٌ عنيفة للمسلمين بارتداد أغلب قبائل العرب، فكانت أول امتحان يُبتلى به الصحابة بعد وفاة حبيبهم ﷺ ، لكن سرعان ما تجاوزها خليفة المسلمين أبو بكر الصديق بحزمه وحنكته مع سائر الصحابة ﵃، حيث انشغلوا بحرب المرتدين وتثبيت دعائم الدولة، وذلك في أقل من سنتين، ثم تفرغوا بعد ذلك لنشر الإسلام في الأمم والبلاد الأخرى، وانطلقوا فاتحين لقلوب العباد قبل فتح البلاد، لكن ما لبث أن توفي أبو بكر ﵁ عام ١٣ هـ، بعد سنتين ونصف من مبدأ خلافته، وهي مدة قصيرة جدًّا ذات مشاغل عظيمة تنوء بها الجبال، تحمَّلها خليفة رسول اللَّه ﷺ والصحابة وقاموا بها حق القيام، ولا شك أن مثل تلك الأعمال العظام تشغل عن غيرها، لذا لم يكن هناك أثر واضح في التفسير في عهده، ولعل أبرز الأحداث التاريخية _________ (١) أفدت كثيرًا في مسائل هذا المبحث من دروس د. مساعد الطيار على الشبكة العالمية عن تاريخ التفسير: http: //vb.tafsir.net/tafsir ٣٠٣٠٠/#.VIUpxfkrI ٢ w

стр. 191

المتعلقة بالقرآن في عهده هو استشهاد عدد من قراء الصحابة ﵃ في حروب الردة (١)، وما ترتب على ذلك من أمره زيد بن ثابت بجمع القرآن في مصحف واحد، فكان من أجل أعماله المتعلقة بالقرآن أثناء خلافته ﵁. ونظرًا لقصر مدة خلافته وانشغاله ﵁ مع سائر الصحابة خلالها فقد قَلَّ المروي في التفسير عنهم جميعًا في ذلك العهد، ومن هنا فالمروي عن أبي بكر ﵁ في التفسير قليل جدًّا (٢)، ومن أشهر تلك المرويات (٣): - ما رواه الشعبي أنه ﵁، قال في الكلالة: "أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن اللَّه: هو ما دون الولد والوالد" قال: فلما كان عمر ﵁، قال: إني لأستحيي من اللَّه أن أخالف أبا بكرٍ (٤). - وجاء عنه أنه قال: "أي أرضٍ تقلني، وأي سماءٍ تظلني، إذا قلت في القرآن ما لا أعلم" (٥). وهذان الأثران عنه ﵁ يفيدان درسًا تربويًّا، أنه ينبغي عدم التجرؤ على التفسير إلا بعلم يغلب على الظن صحته، وفي هذا تأصيل لما ينبغي أن يكون عليه المفسر. - ومن أمثلة استدراكاته: ما رواه قيس بن أبي حازمٍ، عن أبي بكرٍ الصديق، أنه _________ (١) وفيهم من كان من كبار قراء الصحابة، وربما كان لهم باع في التفسير كما هو الحال في الإقراء، منهم سالم مولى أبي حذيفة (ت: ١٢ هـ)، الذي قال عنه أبن عمر كما في صحيح البخاري ٩/ ٧١: "كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين، وأصحاب النبي ﷺ في مسجد قباء فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة"، وأثنى عليه رسول اللَّه ﷺ في الحديث الذي أخرجه البخاري أيضًا ٥/ ٢٧، فقال: "استقرئوا القرآن من أربعة، من عبد اللَّه بن مسعود -فبدأ به- وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبي بن كب، ومعاذ بن جبل". فربما كان ذِكره مع هؤلاء الثلاثة الذين هم من كبار علماء الصحابة إشارة إلى أنه مثلهم، وتقدمه في الصلاة بكبار المهاجرين يؤيد ذلك، ولا شك أن استشهاده مبكرًا طوى كثيرًا من علمه. واللَّه أعلم. (٢) ولا يعني ذلك عدم علمه بالقرآن! كيف وهو أول الصحابة إسلامًا وأكثرهم مجالسةً للنبي ﷺ ؟ ! ولكن الأمر أنه توفي مبكرًا، ولم يتفرع في خلافته القصيرة ذات المشاغل العظيمة للتصدي للتعليم. وفي ذلك يقول السيوطي: "الرواية عن الثلاثة [يعني: أبا بكر وعمر وعثمان] نزرة جدًّا، وكان السبب في ذلك تقدم وفاتهم، كما أن ذلك هو السبب في قلة رواية أبي بكر ﵁ للحديث، ولا أحفظ عن أبي بكر ﵁ في التفسير إلا آثارًا قليلة جدًّا لا تكاد تجاوز العشرة". الإتقان ٦/ ٢٣٢٥. (٣) ينظر: دروس د. مساعد الطيار على الشبكة العالمية عن تاريخ التفسير http: //vb.tafsir.net ٣٠٣٠٠/#.viupxfkr ١٢ w (٤) تفسير ابن جرير الطبري ٦/ ٤٥٧. (٥) السابق: ١/ ٧٢.

стр. 192

قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا ظالمًا، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم اللَّه بعقابٍ منه" (١). والخلاصة: أن قلة التفسير المروي في عهد أبي بكر ﵁ يرجع لأمور، من أبرزها: - قِصَر مدة خلافة أبي بكر ﵁، وانشغاله مع سائر الصحابة بالجهاد وتوطيد دعائم الدولة، وبدء الفتوحات. - قرب العهد بعصر النبوة وكون الناس لم يزالوا على طبيعتهم وسليقتهم اللغوية، فلم تظهر الأسباب الداعية إلى التوسع في التفسير، كما حصل لاحقًا. ٢ - عهد عمر بن الخطاب ﵁ (١٣ - ٢٣ هـ): تولى عمر ﵁ الخلافة بعد أن أظل الإسلام ربوع الجزيرة العربية من جديد، وانطلق الصحابة فاتحين البلاد خارج الجزيرة، وما هي إلا سنوات قلائل حتى قضوا على مملكتي فارس، والروم، أعظم دول العالم آنذاك، فاتسعت الدولة الإسلامية، وفتحت الدنيا أمام المسلمين، فواجه عمر عهدًا جديدًا، وحضارات مختلفة، قابلها ﵁ بحكمة وحسن قيادة، وذلك في شتى مناحي الحياة، في الحكم والإدارة والاقتصاد والحرب والبناء، وكذلك التعليم بمختلف علومه وفنونه، بل يمكننا القول: إن عهد عمر بن الخطاب يمثل المرحلة التأسيسية للتعليم المنظم، خصوصًا في التفسير، الذي عني به ﵁ عناية فائقة مع انشغاله الكبير بأمور الدولة، مما أدى إلى تطور التفسير وتعليمه، وتأصيل أصوله وآدابه، يتمثل ذلك في معالم عديدة، لعل من أبرزها ما يلي: ١ - ضبط الكلام في الشريعة عمومًا، ومن ذلك ضبط باب الاجتهاد في التفسير، وقصره على المؤهلين لذلك، فقد كان عمر ﵁ "يسأل ويُسأل عن معاني الآيات الدقيقة" (٢)، ويطلب المعنى الصحيح والتفسير الراجح، مع الشواهد من لغة العرب، ويشجع على ذلك، وستأتي أمثلة عديدة في المعالم التالية. _________ (١) أخرجه أحمد (١)، ١/ ١٧٧، ورواه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٣٠٧٥). (٢) مجموع الفتاوى ١٦/ ٤١٧.

стр. 193

٢ - تشجيع الفتية النابهين لتعلم القرآن وتفسيره، يبرز ذلك في رعاية عمر لعبد اللَّه بن عباس ﵃ تعليمًا وأدبًا وسلوكًا، وتشجيعه على خوض غمار التفسير؛ لِما رأى فيه من النجابة والفطنة ورجاحة العقل وحب العلم وتطلبه، فكان يوجهه ويطلب رأيه في دقائق التفسير، ويستشيره في الأمر إذا أهمَّه ويقول له: "غص غواص" (١)، بل كان يدخله مجلسه مع أشياخ بدر حتى اعترض بعضهم، فأوقفهم عمر على سبب ذلك (٢)، وحتى أن أباه العباس بن عبد المطلب ﵁ قال له: "أيّ بني، إن أمير المؤمنين يدعوك ويقربك ويستشيرك مع أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فاحفظ عني ثلاث خصال: اتق لا يجربن عليك كذبة، ولا تفشين له سرًّا، ولا تغتابن عنده أحدًا" (٣). فكان من آثار هذه الرعاية الكريمة نبوغ ترجمان القرآن، وحبر الأمة عبد اللَّه بن عباس ﵄ وتصدره في علم القرآن فيما بعد، حتى كان أبرز الصحابة وأكثرهم رواية فيه. ٣ - من معالم القيادة الحكيمة والإدارة الفذة لعمر ﵁ توجيه كل صحابي للمكان المناسب له، فبعث القادة والمعلمين والمربين إلى الأمصار المفتوحة، فكان من نتائج ذلك بروز علماء الصحابة في مجالسهم ومدارسهم العلمية وتخرج نابغي التابعين على أيديهم (٤)، فهذا ابن مسعود ﵁ أرسله إلى أهل الكوفة فلبث بين ظهرانيهم حتى تخرج على يديه من كبار فقهاء التابعين ومفسريهم أمثال علقمة النخعي (ت: ٦٣ هـ) ومسروق (ت: ٦٣ هـ)، وأبقى معه في المدينة نفرًا من كبار الصحابة للفتيا والقضاء والمشورة والإقراء والتفسير، وتعليم من يفد إليها، خصوصًا علي بن أبي _________ (١) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٤٦. (٢) فعن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: "إنه ممن قد علمتم" قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم قال: وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد اللَّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئًا، فقال لي: يا ابن عباس، أكذاك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول اللَّه ﷺ أعلمه اللَّه له: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة، فذاك علامة أجلك: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. قال عمر: "ما أعلم منها إلا ما تعلم". أخرجه البخاري ٥/ ١٤٩. (٣) المعجم الكبير للطبراني ١٠/ ٢٦٥. (٤) وسيأتي تفصيله في مبحث أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير السلف.

стр. 194

طالب (١)، وأُبي بن كعب، الذي تخرج على يديه في القراءة والتفسير أمثال أبي العالية (ت: ٩٠ هـ)، كما تخرج عليه في القراءة حبر الأمة ابن عباس. ٤ - النص على أهمية التفسير اللغوي كمصدر للتفسير، وذلك من خلال الإفادة من لغة العرب وشعرها في تفسير القرآن -وهو المنهج الذي أعمله ابن عباس ﵄ بعد ذلك وتوسع فيه وأشاعه وربى تلاميذه عليه- حيث ورد عن عمر ما يدل على عنايته بهذا الاتجاه، من ذلك ما رواه أبو الصَّلْتِ الثقفي أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بنصب الراء، وقرَأها بعضُ مَن عنده من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : (حَرِجًا) بالخفض، فقال عمر: ابْغُوني رجلًا من كِنانة، واجعَلوه راعيًا، وليكنْ مُدْلِجيًّا. فأتَوه به، فقال له عمر: يا فتى، ما الحرِجَةُ فيكم؟ قال: الحَرِجَةُ فينا: الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصلُ إليها راعيةٌ ولا وحْشِيَّةٌ ولا شيء. فقال عمر: كذلك قلبُ المنافق لا يصلُ إليه شيءٌ من الخير (٢). بل روي ذلك صريحًا من قوله فيما ذكره سعيد بن المسيب، حيث قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: يا أيها الناس، ما تقولون في قول اللَّه : ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] فسكت الناس، فقال شيخ من بني هذيل: هي لغتنا يا أمير المؤمنين، التخوف التنقص. فخرج رجل فقال: يا فلان، ما فعل دَيْنك؟ قال: تخوفته؛ أي: تنقصته، فرجع فأخبر عمر فقال عمر: أتعرف العرب ذلك في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد تَمَكِهِ (٣) واكتنازه: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدًا ... كما تخوف عود النبعة السفن _________ (١) اشتهر علي ﵁ في المدينة في خلافة عمر وعثمان بالفتيا والقضاء ومشورة الخلفاء وربما الإقراء، ولم أقف -حسب علمي- على روايات تفيد تصدره للتفسير أثناء ذلك، مع طول ذلك العهد وكونه أكثر تفرغًا من عهد خلافته، ومن ثم وجود تلاميذ لازموه حينئذ، إلا أن يكون ابن عباس فقد روي عنه قوله: "ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب"، وما اشتهر من تصديه للتفسير فقد كان أيام خلافته بالكوفة، كما سيأتي في مبحث أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير السلف، والمسألة تحتاج إلى بحث وتتبع، واللَّه أعلم. (٢) أخرجه ابن جرير ٩/ ٥٤٤، ٥٤٥. (٣) تمك السنام: طال وارتفع. كما في الصحاح للجوهري (تمك).

стр. 195

فقال عمر: يا أيها الناس، عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم (١). ٥ - وقوف عمر ﵁ صخرةً شامخةً وسدًّا منيعًا أمام المتنطعين، ممن يخوض في متشابه القرآن، ويسأل عما فيه تعنتًا، فيَضل ويُضل، فعن نافع مولى عبد اللَّه، أن صبيغًا العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه فقال: أين الرجل؟ فقال: في الرحل، قال عمر: أبصر أن يكون ذهب فتصيبك مني به العقوبة الموجعة، فأتاه به، فقال عمر: تسأل مُحْدَثَةً! فأرسل عمر إلى رطائب من جريد، فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد له، ثم تركه حتى برأ، فدعا به ليعود له، قال: فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي، فاقتلني قتلًا جميلًا، وإن كنت تريد أن تداويني، فقد واللَّه برأت، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أن لا يجالسه أحد من المسلمين، فاشتد ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر: أن قد حسنت توبته، فكتب عمر: أن ائذن للناس بمجالسته (٢). مما سبق يمكن القول: إن عمر ﵁ يمثل مرحلة مهمة في تاريخ التفسير، تركه كثير ممن كتب فيه، فقد أوتي ﵁ من العلم والفهم والاستنباط، حتى نزلت آيات عديدة موافقة له (٣)، وقد أكد أصلًا عظيمًا من أصول التفسير، وهو الرجوع إلى لسان العرب وشعرهم، وشجع المؤهلين على الاجتهاد في التفسير، وعلى رأسهم ابن عباس ﵄، وفي المقابل وقف سدًّا منيعًا أمام المتنطعين وأهل الأهواء، كل ذلك يبوئ عمر ﵁ مكانة عظيمة في التفسير وأصوله. ويكفي دلالة على ذلك ما روي أن كبار مفسري الصحابة كابن مسعود وابن عباس ﵃ كانوا يقفون عند قوله، وما جاء أن عامة علم ابن عباس من ثلاثة: _________ (١) الكشف والبيان "تفسير الثعلبي" ٦/ ١٩، تفسير القرطبي ١٠/ ١١٠. (٢) أخرجه الدارمي ١/ ٢٥٤. وأخرج نحوه ابن عساكر ٢٣/ ٤١٢ من طريق السَّائِب بن يزيد أنَّ رجلًا قال لعمر: إنِّي مررتُ برجلٍ يسألُ عن تفسير مُشْكِل القرآن. . . الأثر. كما أخرجه الدارمي ١/ ٥٤ من طريق سليمان بن يسار: وفيه بلفظ: فجعل يسأل عن مُتَشابِهِ القُرْآن. (٣) تنظر موافقات عمر في: الإتقان ١/ ١٢٧، في النوع العاشر: فيما أنزل من القرآن على لسان بعض الصحابة.

стр. 196

عمر، وعلي، وأُبي (١). ونختم الحديث عن ذلك العهد الميمون ببيان أنه توفي فيه عدد من علماء الصحابة، من أبرزهم: معاذ بن جبل (٢)، وأُبي بن كعب (٣)، ثم استشهاد عمر ﵁. ٣ - عهد عثمان بن عفان ﵁ (٢٣ - ٣٥ هـ): تولى عثمان الخلافة بعد استشهاد عمر عام ٢٣ هـ، وقد انتظمت أمور الدولة، وتوطدت أركانها، فأكمل ما بدأه صاحباه أبو بكر وعمر ﵃، من فتوحات، وبناء وتعليم، فكانت الحياة العلمية على مثل ما كانت عليه في عهد عمر، فابن مسعود في الكوفة مقرئًا ومعلمًا ومربيًّا، ومثله أبو الدرداء بدمشق، وأبو موسى بالبصرة، وكذلك حذيفة بن اليمان، وفي المدينة علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت. . . ولعل من أبرز الأعمال المتعلقة بالقرآن التي كانت في عهده هو جمع القرآن الكريم، وإرسال نسخ منه إلى الأمصار، وتوحيد الناس على مصدر واحد وأداء واحد في القراءة وفق العرضة الأخيرة، وحسم مادة الخلاف في ذلك (٤)، بعد ما كاد الناس أن يكفِّر بعضهم بعضًا (٥)، ولا شك أن لهذا العمل أثره الكبير في التفسير والقراءات وعلوم القرآن كلها كما هو ظاهر ومعلوم، وهو من أهم أعمال عثمان المتعلقة بالقرآن، أما التفسير فالمروي عنه قليل جدًّا (٦)، ويظهر أنه لم يتصد للتفسير _________ (١) تفسير القرطبي ١٠/ ١١٠. (٢) من نجباء الصحابة، وشهد له النبي ﷺ بأنه أعلم الأمة بالحلال والحرام -كما عند أحمد ٣/ ١٨٤، ٢٨١، والترمذي (٣٧٩٣، ٣٧٩٤)، وابن ماجه (١٥٤) - وخلّفه على أهل مكة بعد فتحها يقرئهم ويفقههم، ثم أرسله إلى اليمن قاضيًا ومعلمًا، وأرسله عمر إلى الشام مجاهدًا ومعلمًا حتى أدركته المنية هناك في طاعون عمواس عام ١٨ هـ، وله بضع وثلاثون سنة، قال عنه عمر حين خرج إلى الشام: لقد أخل خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه، وفيما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمت أبا بكرٍ أن يحبسه لحاجة الناس إليه، فأبى علي، وقال: رجلٌ أراد وجهًا -يعني: الشهادة- فلا أحبسه، وقد أثنى عليه وعلى علمه كبراء الصحابة حتى قال عنه ابن مسعود: "إن معاذًا كان أمةً قانتًا للَّه حنيفًا". فلما روجع في ذلك قال: "إن الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع، وإن معاذًا، كان كذلك"، ومناقبه كثيرة، ولعل لتقدم وفاته أثر في قلة المرويات عنه. (٣) عام ١٩ هـ، وقيل: في عهد عثمان عام ٣٢ هـ، وقيل غير ذلك على اختلاف كبير في سنة وفاته، وستأتي ترجمته في الدراسة التالية. (٤) ينظر حديث حذيفة بن اليمان في: صحيح البخاري (٤٩٨٨). (٥) ينظر: الفتح ٩/ ١٧، ١٨. وكان ذلك في أوائل سني خلافة عثمان، كما حرره الحافظ ابن حجر. (٦) يشكل على هذا ما ذكره السيوطي بقوله: "اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود وابن عباس وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبد اللَّه بن الزبير، أما الخلفاء =

стр. 197

كما تصدى للإقراء (١)، ومن هنا يمكننا القول: إن الإقراء في عهده كان أشهر من التفسير، وربما كان لنسخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار وأمر الناس بالقراءة وفْقها وترك ما سواها وتوحيدهم على مصدر واحد أثر كبير في الانشغال بالإقراء. وقد توفي في عهده عدد من كبار علماء الصحابة، منهم: عبد اللَّه بن مسعود (ت: ٣٢ هـ)، وأبو الدرداء (ت: ٣٢ هـ)، وسلمان الفارسي (ت: ٣٤ هـ)، وحذيفة بن اليمان (ت: ٣٥ هـ)، ومن كبار التابعين كعب الأحبار (ت: ٣٢ هـ). ولا شك أن لذلك أثرًا كبيرًا في الحياة العلمية عمومًا، والتفسير خصوصًا. وقد خُتم عهد عثمان بحدث كان له الأثر الكبير في حياة الأمة بعد ذلك، وهو ما حصل من تأليبٍ عليه من قِبَل أهل الفتنة حتى أفضوا إلى قتله واستشهاده، ومن ثَمَّ افتراق الأمة، واقتتال المسلمين فيما بينهم، وما ترتب على ذلك من أحداث دامية ومستديمة، وللَّه الأمر من قبل ومن بعد. ٤ - عهد علي بن أبي طالب ﵁ (٣٥ - ٤٠ هـ): بعد استشهاد عثمان ﵁ تولى الخلافة علي بن أبي طالب ﵁؛ لكن سرعان ما نوزع في ذلك، فوقع الاختلاف والفرقة بين المسلمين، وتطورت الأحداث حتى اضطر ﵁ إلى الانتقال إلى الكوفة، واقتتل المسلمون فيما بينهم، فكان أعظم البلايا على الأمة، ومن ثم نبتت نابتة الفرق الضالة بخروج الخوارج عليه، وظهور الشيعة واستمر الغلو بهم إلى أن وصلوا إلى ما وصلوا إليه، ثم استشهد علي ﵁ عام ٤٠ هـ، واستخلف ابنه الحسن بن علي ﵄، الذي تنازل بالخلافة لمعاوية بن أبي سفيان ﵄، فانتهت الخلافة الراشدة وقامت الدولة الأموية في فرعها السفياني، واجتمع المسلمون مرة أخرى بعد اختلاف، وتوحد صفهم بعد فرقة. أما التفسير في عهد عليٍّ ﵁ فإنه حين نزل الكوفة -وكان حبرها ابن مسعود قد _________ = فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب والرواية عن الثلاثة نزرة جدًّا، وكان السبب في ذلك تقدم وفاتهم". الإتقان ٦/ ٢٣٢٥. وستأتي محاولة تعليل ذلك في خاتمة مبحث "مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير". (١) كان عثمان ﵁ من كبار علماء الصحابة؛ خصوصًا في الإقراء والفقه والفتيا، أما الإقراء فأثره ظاهر، إذ تعود إليه كثير من أسانيد القراء، وأما في الفقه والفتيا فقد قلَّت المرويات عنه، قال ابن جرير معللًا ذلك: "لم يكن له أصحاب يُعرفون، والمبلغون عن عمر فتياه ومذاهبه وأحكامه في الدين بعده كانوا أكثر من المبلغين عن عثمان والمؤدين عنه". نقله ابن القيم في إعلام الموقعين، ت: طه عبد الرؤوف ١/ ٢٠.

стр. 198

توفي قبل ذلك ببضع سنين- وجد بيئة مختلفة عن بيئة المدينة النبوية، ومجتمعًا جديدًا له خصائصه المختلفة، مما دعاه إلى أن يبث علمه بينهم، ويتصدى لتفسير القرآن بين ظهرانيهم بصورة أوضح مما كان عليه في المدينة، وربما أدى ذلك إلى التأكيد على بعض من أصول التفسير وآداب المفسر والتنبيه عليها، لعلنا نستشفها من خلال المواقف التالية عنه ﵁ (١): - عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: انتهى علي بن أبي طالبٍ ﵁ إلى رجلٍ يقص فقال: "أعلمت الناسخ من المنسوخ؟ " قال: لا، قال: "هلكت وأهلكت" (٢). فهذا تنبيه منه ﵁ على أن من شروط المفسِّر أن يلم بالناسخ والنسوخ من القرآن؟ لأن عدم معرفته يؤثر في فهم المعنى (٣). - عن أبي الصهباء البكري أن علي بن أبي طالب ﵁ قال وهو على المنبر: "لا يسألني أحد عن آية من كتاب اللَّه إلا أخبرته"، فقام ابن الكواء، وأراد أن يسأله عما سأل عنه صبيغ عمر بن الخطاب ﵁، فقال: ما الذاريات ذروًا؟ قال علي: "الرياح" (٤). نجد هنا أنه ربما كان لاختلاف الأحوال والبيئة دور في كون عليٍّ ﵁ يجيب هنا عمن يسأله في القرآن تعنتًا (٥)، بخلاف ما كان عليه الأمر في عهد عمر ﵁. - عن سعيد بن المسيب قال: قال علي ﵁ لرجلٍ من اليهود: "أين جهنم؟ " فقال: البحر، فقال: "ما أراه إلا صادقًا، ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ مُخَفَّفَةً (٦). _________ (١) ينظر: دروس د. مساعد الطيار على الشبكة العالمية عن تاريخ التفسير http: //vb.tafsir.net ٣٠٣٠٠/#.viupxfkr ١٢ w (٢) أخرجه النحاس، في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٤٨، والبيهقي في سننه الكرى ١٠/ ٢٠٠ (٢٠٣٦٠). (٣) والنسخ هنا حسب مفهوم المتقدمين، وهو يعم: الكلي (الاصطلاحي لدى المتأخرين)، والجزئي نحو تخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجمل، ورفع الحكم الشرعي. . . إلخ. ينظر: الموافقات ٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥. (٤) تفسير ابن جرير الطبري ٢١/ ٤٨١. (٥) جاء في رواية عبد الرزاق الطويلة في تفسيره ٣/ ٢٣٤: أن عليًّا ﵁ أجابه ابتداء: "ويلك سل تفقهًا، ولا تسأل تعنتًا". (٦) تفسير ابن جرير الطبري ٢١/ ٥٦٧.

стр. 199

وفي هذا الأثر تنبيه على ضابط قبول أخبار أهل الكتب السابقة عن أمور الغيب، فقد قبِل ما قاله اليهودي لما وجد له من شاهد من كتاب اللَّه تعالى. - عن ابن عباسٍ، قال: "بينما أنا في الحجر جالسٌ، أتاني رجلٌ يسأل عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] فقلت له: الخيل حين تغير في سبجل اللَّه، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالبٍ ﵁ وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابن عباسٍ، فقال: الخيل حين تغير في سبيل اللَّه، قال: اذهب فادعه لي؛ فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، واللَّه لكانت أول غزوةٍ في الإسلام لبدرٌ، وما كان معنا إلا فرسان: فرسٌ للزبير، وفرسٌ للمقداد فكيف تكون العاديات ضبحًا. إنما العاديات ضبحًا من عرفة إلى مزدلفة إلى منًى؛ قال ابن عباسٍ: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال علي ﵁" (١). ففي هذا الأثر دلالة على بروز ضوابط الترجيح وقواعده، كما يدل على بروز احتمال تعدد دلالة النص القرآني. ولقد كان علي ﵁ عالمًا بالقرآن إقراءًا وتفسيرًا، روي عنه أنه قال: "ألا أحد يسألني عن القرآن؟ فواللَّه لو أعلم اليوم أحدًا أعلم به مني، وإن كان من وراء البحور لأتيته" (٢). وهو أكثر الخلفاء آثارًا في التفسير، ولعل السبب في ذلك تأخر وفاته إلى عهد نشأت فيه حاجة أكبر لبيان القرآن، خصوصًا بعد انتقاله إلى مجتمع جديد يختلف عن مجتمع المدينة، إضافة إلى ما برز في خلافته من فتن وقلاقل تطلبت النظر في القرآن واستخراج أحكامه، كمسألة الخلاف بين الصحابة (٣)، وخروج الخوارج وغلو الشيعة فيه، وستأتي أمثلة لبعض ذلك عند الحديث عن العوامل التاريخية المؤثرة في التفسير. وقيل أيضًا: إن من أسباب ذلك أن الخلافة لم تشغله مبكرًا، وكان متفرغًا أكثر من غيره ممن سبقه من الخلفاء الكرام. _________ (١) تفسير ابن جرير ٢٤/ ٥٧٣. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٤٦. (٣) ينظر مثلًا إلى قول علي بن أبي طالب: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال لهم اللَّه : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾.

стр. 200

ومما يجدر ذكره أن في خلافته علا نجم ابن عباس في علم التفسير، بتصديه له في مجامع جديدة كالكوفة والبصرة، خصوصًا بعد مناظرته الخوارج وإقناع أغلبهم بالرجوع إلى جماعة المسلمين. * معالم التفسير في عهد كبار الصحابة: من خلال ما سبق من دراسة تاريخية للتفسير في عهد الخلفاء الراشدين يمكننا تجلية أبرز معالم التفسير في ذلك العهد الراشد، وذلك في النقاط التالية: أولًا: ظهور مجالس التفسير، وما يمكن وصفه بالتعليم المنظم، حيث كان لبعض الصحابة مجالس خاصة للتفسير، كعمر وابن مسعود ﵄ (١). وترتب على ذلك آثار من أهمها: أن التفسير صار علمًا مستقلًّا قائمًا بذاته. ثانيًا: بروز بعض مصادر التفسير: ويتجلى ذلك فيما يلي: ١ - بروز الاجتهاد في التفسير بصورة جلية، وبروز القول بالرأي المحمود، بل والتشجيع على الخوض فيه، كما رأينا في مواقف عمر مع ابن عباس ﵃. ٢ - بروز بدايات التفسير اللغوي ووضع أسسه، كما تقدم في توجيهات عمر ﵁. ٣ - ظهور بدايات دخول الإسرائيليات في التفسير، وهذا من خلال سؤالات الصحابة لبعض أهل الكتاب ومن أسلم منهم، كسؤالات ابن عباس وأبي هريرة ﵄ لكعب الأحبار، ومن خلال رجوع بعضهم لكتب أهل الكتاب، كما وقع من عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، ولكن كان هذا قليلًا بالنسبة للعصور التالية. ٤ - مما سبق يمكن القول: إن للتفسير في عهد الخلفاء الراشدين مصدرين رئيسين: السُّنَّة، والاجتهاد، وكل منهما مصدر كلي، سواء في تفسير آي الأحكام أو الأخبار. ومصدر ثالث جزئي متعلق بآي الأخبار؛ وهو الإسرائيليات. ثالثًا: الاشارة إلى مسائل متعلقة بالخلاف في التفسير وضوابط القبول والترجيح فيه: من ذلك: ١ - بروز الاستدراك على القول الضعيف أو المرجوح في التفسير، كما تقدم في تنبيه أبي بكر ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وفي استدراك عليٍّ ﵁ على ابن عباس في تفسير العاديات. _________ (١) وسيأتي مزيد أمثلة وإيضاح في مسألة طرق تلقي التفسير وأدائه مشافهة عند السلف.

стр. 201

٢ - بروز الاحتمالات المتعددة للنص القرآني، واختلاف التنوع في تفسيراتهم، كما رأينا في تفسير العاديات بين علي وابن عباس ﵄، بل والتنبيه على أهمية معرفة ذلك، يتضح ذلك في قول أبي الدرداء ﵁: "إنك لن تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهًا" (١). ٣ - ظهور مبادئ الترجيح، باعتماد الأحوال المتعلقة بالتنزيل، كما في قصة تفسير العاديات. ٤ - التنبيه على ضابط قبول أخبار أهل الكتب السابقة عن أمور الغيب، كما يتضح من رد عليٍّ ﵁ على جواب اليهودي حين سأله: أين جهنم؟ رابعًا: بيان بعض آداب المفسر والعلوم التي يحتاجها: من ذلك: ١ - التحذير من الخوض في تفسير القرآن بغير علم، مع تطبيق ذلك واقعيًّا، يتضح ذلك من قول أبي بكر ﵁: "أيّ أرضٍ تقلني، وأيّ سماءٍ تظلني، إذا قلت في القرآن ما لا أعلم"، وموقف عمر ﵁ عندما قال في قوله تعالى: ﴿وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٨ - ٣١] كل هذا قد علمناه، فما الأب؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب. قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه (٢). ٢ - التنبيه على أهمية إلمام المتصدي للتفسير ببعض علوم القرآن كالناسخ والمنسوخ، كما يتضح ذلك من موقف علي مع الرجل القاص. خامسًا: ظهور بدايات البحث عن المشكل تعنتًا في عهد عمر، والتوسع في ذلك في عهد علي، من خلال تجرؤ بعض أهل الأهواء، بسبب الظروف والأحوال التي اكتنفت مدة خلافته. سادسًا: ظهور الآراء التفسيرية المبنية على المعتقد، ومن ثَمَّ بداية وقوع الانحراف في التفسير، وذلك في أواخر خلافة علي ﵁ (٣). _________ (١) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٥٧، وفي تفسير البغوي ١/ ٤٦: "قال حمادٌ: قلت لأيوب: ما معنى قول أبي الدرداء ﵁؟ فجعل يتفكر فقلت: هو أن ترى له وجوهًا فتهاب الإقدام عليه فقال: هو ذلك، هو ذاك". (٢) تفسير ابن جرير ٢٤/ ١٢٣. (٣) سيأتي مزيد تفصيل وأمثلة لذلك في مبحث "أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير السلف".

стр. 202

سابعًا: كان التفسير قائمًا على الرواية الشفهية كسائر علوم الشريعة، ثم دوّن ضمن ما دوّن من السُّنَّة، ومن هنا لم يظهر تدوين خاصٌ بالتفسير. ثامنًا: تدرج التوسع في التفسير وتطوره حسب حاجة الناس إلى ذلك، وكلما بعد الزمان والمكان عن عهد النبوة ومنازل الوحي كانت الحاجة أشد، يظهر ذلك جليَّا من خلال الموازنة بين عهد أبي بكر ﵁، وعهد علي بن أبي طالب ﵁ الذي تصدى للتفسير بعد انتقاله إلى الكوفة، وبادر إلى توضيح بعض معاني القرآن، عندما رأى حاجة الناس إلى ذلك.

стр. 203

المطلب الثاني التفسير في عصر صغار الصحابة، وكبار التابعين (عصر الدولة الأموية السفيانية) (١) يشمل هذا العهد في الواقع طبقتين متعاصرتين من طبقات السلف، هم طبقة صغار الصحابة، وطبقة كبار التابعين؛ خصوصًا المخضرمين منهم، لأنهم في الأصل من جيل الصحابة وفي أسنانهم، وأقرانٌ لهم من حيث الإدراك الزمني، لكن لم يشرفوا بصحبة النبي ﷺ ، فلم يُعَدُّوا في طبقتهم (٢). وجعلناه عهد صغار الصحابة لأنهم هم الأغلب ممن بقي من الصحابة، ومن بقي من كبار الصحابة توفي في أول هذا العهد كأبي موسى الأشعري (ت: ٤٤ هـ)، وسعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵄. يمتد هذا العهد من بداية حكم معاوية بن أبي سفيان ﵄ عام ٤٠ هـ إلى استشهاد ابن الزبير ﵄ عام ٧٣ هـ، ويتكوّن من ثلاثة عهود: عهد معاوية (٤١ - ٦٠ هـ) وعهد ابنه يزيد (٦١ - ٦٤ هـ)، وعهد ابن الزبير (٦٦ - ٧٣ هـ). * أولًا: عهد معاوية بن أبي سفيان: أزهى عهد في عصر الدولة الأموية السفيانية هو عهد خلافة معاوية ﵁؛ الذي استقبله المسلمون استقبالًا حسنًا، واجتمعت كلمتهم عليه بعد الفرقة والاختلاف، _________ (١) وهذا من باب التغليب وإلا فإن ابن الزبير حكم خلالها بضع سنين. (٢) وامتدادهم يشمل القرن الأول بأكمله؛ لأن منهم من أدرك الجاهلية وامتد به العمر إلى أواخر القرن الهجري الأول، كأبي عثمان النهدي (ت: ٩٥ هـ)، وأبي رجاء العطاردي (ت: ١٠٥ هـ) , وفي المقابل نجد أن منهم من توفي في عهد الخلفاء الراشدين ككعب الأحبار (ت: ٣٢ هـ) كما تقدم. كما أن منهم من أدرك النبي ﷺ وتوفي في آخر القرن الأول كأبي العالية (ت: ٩٠ هـ)، أو قبلها بقليل، وكأبي وائل (ت: ٨٢ هـ)، ومنهم من توفي في هذا العهد أو بعده بقليل كمسروق (ت: ٦٢ هـ) وعلقمة (ت: ٦٣ هـ)، وابن أخيه الأسود بن يزيد (ت: ٧٥ هـ)، ومنهم من ولد في بداية الخلافة الراشدة وامتد به العمر إلى آخر القرن كسعيد بن المسيب (ت: ٩٤ هـ)، لكن أستطيع القول أن أغلبهم كان في هذه الدولة أو بعدها بقليل، وقَلَّ منهم من عمِّر إلى آخر القرن. لذا رأيت أن الأولى إدراجهم ضمن هذا العهد.

стр. 204

فاستقرت الأمور، وعادت حركة الفتوحات في المشرق والمغرب، كما عادت الحياة العلمية تدب من جديد، خصوصًا في التفسير الذي شهد طفرة كبيرة، بتفرغ حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس ﵄ له، واعتزاله السياسة، فاستقر في مكة معلمًا للوافدين على حرم اللَّه، وكانت مجالسه التفسيرية منارًا لطلبة العلم من شتى الأرجاء، فتتلمذ على يديه في تلك المدة أعظم مفسري التابعين، ونشأت طبقة المكيين في التفسير الذين شغلوا مع شيخهم أغلب تفسير السلف، بل كانوا أعلم الناس به، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب ابن عباس" (١). في جهة أخرى نجد تلاميذ ابن مسعود في الكوفة، تصدروا مجالسها علمًا وعملًا، وتعليمًا وأدبًا وسلوكًا بعد وفاة شيخهم، فكانوا مصداق ما قال عنهم علي بن أبي طالب حين رآهم فقال: "أصحاب عبد اللَّه سُرُج هذه القرية" (٢)، حيث كانوا منارة للفقه والفتيا والتفسير كما قال عنهم؛ إلا أن بعضهم تورع عن التفسير ولم يخض فيه كثيرًا كما سيأتي بيانه. وهم طبقة الكوفيين الذين قال عنهم ابن تيمية بعد أن ذكر أعلم الناس بالتفسير أهل مكة: "كذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم" (٣). أما المدينة النبوية فكانت ولا زالت في ذلك العهد هي المهد الأول للتعليم الإسلامي، وأقام فيها عدد من كبار علماء الصحابة، توفي أغلبهم في ذلك العهد، يأتي على رأسهم: زيد بن ثابت (ت: ٤٥ هـ)، وسعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ)، وأم المؤمنين عائشة (ت: ٥٧ هـ)، وأبو هريرة (ت: ٥٧ هـ)، وأبو موسى الأشعري (ت: ٤٤ هـ)، وعمران بن حصين (ت: ٥٢ هـ) بالبصرة، والحسن بن علي بن أبي طالب (٤٩ هـ). * ثانيًا: عهد يزيد بن معاوية، وعبد اللَّه بن الزبير: خلَف معاوية ﵁ ابنُه يزيد عام ٦٠ هـ، ليبدأ عهد جديد من الفتن والمحن والقلاقل التي كان أعظم بلاياها مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ عام ٦١ هـ، فازداد أوار الفتنة، وعاد الخلاف بين المسلمين أشد مما سبق، واتسع الخَرق _________ (١) مقدمة في أصول التفسير ص ٢٤. (٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٦/ ١٠. (٣) مقدمة في أصول التفسير ص ٢٤.

стр. 205

على الراقع، وما لبث أن توفي يزيد فجأة عام ٦٤ هـ، فدعا عبد اللَّه بن الزبير ﵄ إلى نفسه وبويع بالخلافة، وتمكن من ضمِّ معظم الدولة الإسلامية تحت خلافته، وكادت الأمور أن تستوسق له، إلا أن بني أمية جمعوا صفوفهم بعد أن كاد أن يضمحل أمرهم، وولوا أمرهم مروان بن الحكم الذي ما لبث أن توفي عام ٦٥ هـ بعد أن انتظمت له الشام ومصر، وخلفه ابنه عبد الملك بن مروان، ولا زال نجمه في صعود، بينما غدت الأمور تضيق على ابن الزبير ﵄ إلى أن حُصر في مكة وقُتل عام ٧٣ هـ، فاستقل بالخلافة عبد الملك وآله، فكان ابن الزبير ﵄ آخر خليفة وحاكم من الصحابة، وحُقَّ لنا أن نؤرخ بمقتله انتهاء عهد الصحابة. وقد توفي أغلب من بقي من علماء الصحابة في ذلك العهد أو قريبًا منه، يأتي على رأسهم أم المؤمنين أم سلمة (ت: ٦٢ هـ) آخر أمهات المؤمنين وفاة، ﵅ جميعًا، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ)، وعبد اللَّه بن عباس (ت: ٦٨ هـ)، والبراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ)، وعبد اللَّه بن الزبير (ت: ٧٣ هـ)، وعبد اللَّه بن عمر (ت: ٧٣ هـ)، وأبو سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ)، وجابر بن عبد اللَّه (ت: ٧٨ هـ)، وامتد العمر بأبي أمامة (ت: ٨٦ هـ)، وسهل بن سعد الساعدي (ت: ٨٨ هـ)، وأنس بن مالك (ت: ٩٣ هـ)، ﵃ أجمعين. كذلك توفي في ذلك العهد أغلب كبار التابعين المخضرمين ممن يُروى عنهم بعض التفسير؛ وجُلُّهم من تلاميذ ابن مسعود ﵁، كعلقمة بن قيس النخعي الكوفي (٦٢ هـ)، والربيع بن خثيم الثوري الكوفي (٦٢ هـ)، ومسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي (٦٣ هـ)، وأبي ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي (٦٣ هـ)، وعَبيدة السلماني الكوفي (٧٢ هـ)، ومرة بن شراحيل الهمداني الكوفي (٧٦ هـ)، وعمرو بن مَيْمُون الأَوْدي الكوفي (٧٤ هـ)، وأبي عبد الرحمن السُّلمي الكوفي (٧٤ هـ)، والأسود بن يزيد النخعي الكوفي (٧٥ هـ)، وشُرَيْح القاضي أبي أُمَيَّةَ بن الحارث الكنديّ (٧٨ هـ)، كما توفي فيه أبو الأَسْود الدُّؤَلِي البصري (٦٩ هـ)، وعُبَيْد بن عُمَيْر اللَّيْثِيُّ المكيّ الواعظ المفسر (٧٤ هـ)، وامتد العمر بأبي وائل شَقِيق بن سَلَمة الأسدي (٨٢ هـ)، وزِرُّ بن حُبَيش الأسدي الكوفي (٨٣ هـ)، وأبو العالية رُفيع بن مهران الرياحي البصري (٩٠ هـ) -أكثر كبار التابعين تفسيرًا-، ومُطَرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير البصري (٩٥ هـ)، وأبو رجاء عمران بن ملحان العطاردي البصري (١٠٥ هـ)، وغيرهم.

стр. 206

* معالم التفسير في عهد عصر الدولة الأموية السفيانية (عهد صغار الصحابة وكبار التابعين): أولًا: التخصص في التفسير والتفرغ لبثه وتعليمه مع ظهور مجالس التفسير العامة: تقدم أن أغلب كبار الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين لم يتفرغوا التفرغ التام لتعليم التفسير والتصدي له فيما يظهر، حيث انشغلوا بأمور ذات أولوية من الجهاد والفتوحات ونشر الإسلام وتعليم الناس أسس الدين والإقراء وغيره، هذا إضافة لقرب العهد بالنبوة وأكثر الناس على سليقتهم اللغوية مع عدم فشو اللحن بصورة جلية مما ترتب عليه عدم الاحتياج للتوسع في التفسير ابتداء، غير أن الأمر أخذ بالانحدار كلما بعد الزمان والمكان عن عهد النبوة، حتى جاء هذا العهد، وقد اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، ودخل في دين اللَّه الكثير من مختلف الشعوب بمختلف اللغات، واحتاجوا إلى تعلم كتاب اللَّه وفقه معانيه، فكان لزامًا أن يتصدى لذلك علماء الأمة ويتصدروا لتعليم الناس، ويُعدُّوا من يرث هذا العلم بعدهم ويبثه، فانبرى لذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس ﵄، الذي تفرغ في مكة لنشر العلم وعقد مجالس للتفسير خاصة لتلاميذه، وأخرى عامة لمن يرد عليه من الناس خصوصًا زوار الحرم من الآفاقيين، ففسر القرآن لطلابه، ولسائليه، كما سيأتي تفصيله في الفصل الثاني، ومن هنا كان ابن عباس أكثر الصحابة تفسيرًا، لا يقاربه أحد فيما روي عنه أو يدانيه، وتخرج على يديه كبار مفسري التابعين، وعلى رأسهم مجاهد بن جبر وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم، الذين حملوا لواء هذا العلم ونشروه، وسيأتي في المعالم التالية مآثر أخرى لحبر الأمة إضافة لما سبق من تفرغه للتفسير وتصديه لتعليمه وتربية طلابه على ذلك. ومن هنا يمكن القول: إن علم التفسير استقل في هذا العصر استقلالًا واضحًا، وأصبح علمًا يُقصد بذاته. ثانيًا: ظهور التدوين في التفسير استقلالًا: تقدم أن التفسير في عصر الخلفاء الراشدين كان قائمًا على الرواية الشفهية كسائر علوم الشريعة، وأنه لم يظهر تدوين خاصٌّ بالتفسير، أما في هذا العهد فقد ظهرت البدايات الأولى لتدوين التفسير، يظهر ذلك جليًّا من خلاق كتابة مجاهد التفسير عن ابن عباس وكذلك سعيد بن جبير، وغيرهما، بل جاء عن شيخهم ما يدل على حثهم

стр. 207

على تقييد العلم عمومًا -ومن ضمنه التفسير- فقد روي عن ابن عباس قوله: "قيدوا العلم بالكتاب" (١) وسيأتي الحديث عن ذلك مفصلًا في الفصل الثاني. ثالثًا: مصادر التفسير في هذا العصر وتأصيل بعضها: مصادر التفسير في هذا العصر هي القرآن والسُّنَّة وتفسير كبار الصحابة، ويظهر ذلك جليًّا لدى تلاميذ ابن مسعود ﵁ الذين نقلوا أقواله، كذلك تأصل التفسير اللغوي، وتوسع الاجتهاد في التفسير، ولعلنا نوضح شيئًا من ذلك فيما يلي: ١ - توسع باب الاجتهاد في التفسير: تقدم أن في عصر الخلفاء الراشدين برز الاجتهاد في التفسير بصورة جلية، والقول بالرأي المحمود، بل والتشجيع على الخوض فيه، كما رأينا في مواقف عمر مع ابن عباس ﵄. وقد توسع ذلك جدًّا في هذا العصر، من خلال تعليم ابن عباس لطلابه التفسير وتشجيعهم للتصدي له وإعمال أذهانهم في استنباط معانيه، وقد جاء في السير آثار عديدة توضح ذلك، منها ما روي عن مجاهد، أن ابن عباس قال لسعيد بن جبير: حدِّث، فقال: أُحدث وأنت هاهنا؟ فقال: "أوليس من نعمة اللَّه عليك أن تتحدث وأنا شاهد؟! فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك" (٢). ٢ - التفسير اللغوي: تقدم أيضًا أن التفسير اللغوي برز جليًّا في عصر الخلفاء الراشدين، وقد استوى على سوقه في هذا العصر على يد ابن عباس الذي كان إذا سئل عن عربية القرآن أنشد الشعر كما ذكر عكرمة مولاه عنه (٣)، وقصة نافع بن الأزرق الحنفي (ت: ٦٥ هـ) وسؤالاته له في ذلك مشهورة، وكان يقول: "إذا قرأ أحدكم شيئًا من القرآن فلم يدر ما تفسيره فليلتمسه في الشعر، فإنه ديوان العرب" (٤). ٣ - الإسرائيليات: تقدم أن ظهور بدايات دخول الإسرائيليات في التفسير كانت في العصر السابق، من خلال أسئلة بعض الصحابة لبعض من أسلم من أهل الكتاب، كأسئلة ابن عباس وأبي هريرة ﵃ لكعب الأحبار، أو من خلال ما وجدوا من كتب أهل الكتاب، كما روي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، وقد كان _________ (١) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر ١/ ٣١٠. (٢) الطبقات الكبرى، لابن سعد، ط. دار صادر ٦/ ٢٥٦. (٣) فضائل الصحابة، للإمام أحمد بن حنبل ٢/ ٩٧٣. (٤) السنن الكبرى، للبيهقي ١٠/ ٤٠٧.

стр. 208

استشهادهم بالإسرائيليات في التفسير متناسبًا مع اهتمامهم بعلم التفسير ومروياتهم فيه؛ لذا كان أكثرهم مرويات في التفسير أكثرهم استشهادا بالإسرائيليات، وهو عبد اللَّه بن عباس ﵄ (١). رابعًا: الاعتناء بعلوم القرآن: ظهر في هذا العصر الاعتناء بصورة جلية ببعض علوم القرآن، خصوصًا المكي والمدني الذي رويت فيه روايات عديدة عن ابن عباس وابن الزبير ﵃ (٢). خامسًا: توسع الانحراف في التفسير: كان ظهور الآراء التفسيرية المبنية على المعتقد،، وبداية وقوع الانحراف في التفسير في أواخر خلافة علي ﵁ كما تقدم، وقد زاد هذا الانحراف في هذا العصر، خصوصًا مع كثرة خروج هؤلاء المبتدعة على الدولة وانعزالهم عن أهل العلم، ويظهر ذلك جليًّا في الخوارج والشيعة. أيضًا ظهرت في هذا العصر فرقة القدرية فتصدى لهم علماء الصحابة ينقضون أقوالهم من الكتاب والسُّنَّة، ويحذرون منهم، وستأتي أمثلة لذلك عند الحديث عن أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير السلف. سادسًا: كثرة السؤال عن المشكلات في القرآن تعنتًا: كان ظهور بدايات البحث عن المشكل تعنتًا في عهد الخلفاء الراشدين كما تقدم، وتوسع في آخره لسبب الظروف والأحوال التي طرأت، وقد استمر ذلك التوسع في عصر صغار الصحابة اطرادًا مع اتساع الانحراف عن الدين وظهور البدع والمبتدعة. وكثير من تلك الأسئلة كانت من باب التعنت والمعارضة والمماراة والسؤال عما لا يعني السائل، فمن ذلك ما جاء عن مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس أنه حدث أن الهدهد كان مهندسًا، يدل سليمان ﵇ على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر _________ (١) ينظر: بحث "رواة الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري ومقدار مروياتهم": د. نايف بن سعيد الزهراني، العدد الأول من مجلة جامعة الباحة ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م، ص ٤٣ - ٤٤. (٢) وهي مبثوثة في الموسوعة في مقدمة كل سورة، ويظهر أنها نسخ مروية عنهما.

стр. 209

على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بُعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان ﵇ الجان فحفروا له ذلك المكان حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان ﵇ بفلاة من الأرض، فتفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. فسمع ذلك رجل من الخوارج، يقال له (نافع بن الأزرق)، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يا ابن عباس، غُلبت اليوم، قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ ترابًا، فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ، فيصيده الصبي. فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: رددت على ابن عباس، لما أجبته! فقال له: ويحك، إنه إذا نزل القدر عمي البصر، وذهب الحذر، فقال له نافع: واللَّه لا أجادلك في شيء من القرآن أبدًا (١). وعن أبي اليقظان قال: خرج رجل من أسلاف المسلمين يطلب علم السماء، ومبتدأ الأشياء، ومجاري القضاء، وموقع القدر المجلوب، وما قد احتجبه اللَّه من علم الغيوب، التي لم ينزل الكتاب بها، ولم تتسع العقول لها. وما طلبه حتى انتهى إلى بحر العلوم ومعدن الفقه وينبوع الحكمة عبد اللَّه بن العباس ﵀، فلما انتهى بالأمر الذي ارتحله إليه وأقدمه عليه قال له: اقرأ آية الكرسي، فلما بلغ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. قال: أمسك يا ابن أخي فقد بلغت ما تريد، فقد أنبأك اللَّه أنه لا يحاط بشيء من علمه، قال له الرجل: يرحمك اللَّه إن اللَّه قد استثنى، فقال: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، فقال عبد اللَّه: صدقت؛ ولكن أخبرني عن الأمر الذي استثناه من علمه وشاء أن يظهره لخلقه أين يوجد ومن أين يعلم؟ قال: لا يوجد إلا في وحي، ولا يعلم إلا من نبي، قال: فأخبرني عن الذي لا يوجد في حديث مأثور ولا كتاب مسطور أليس هو الذي نبأ اللَّه لا يدركه عقل ولا يحيط به _________ (١) تفسير ابن كثير ٦/ ١٩٥. وخبر نافع هذا في سؤالاته لابن عباس عن غريب القرآن طالبًا الشواهد من لغة العرب وإجابة ابن عباس له مستشهدًا بالشعر؛ خبر مشهور، بل ذكر الحافظ ابن حجر أنه هو السائل في الحديث الذي رواه البخاري (٨/ ٧١٣ - ٧١٤) قائلًا لابن عباس: "إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] , ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد كتموا في هذه الآية. . . الحديث، قال ابن حجر: "كان هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه". فتح الباري ٨/ ٧١٦.

стр. 210

علم؟ قال: بلى، قال ابن عباس: فإن الذي تسأل عنه ليس محفوظًا في الكتب، ولا محفوظًا عن الرسل، فقام الرجل وهو يقول: لقد جمع اللَّه لي علم الدنيا والآخرة، فانصرف شاكرًا (١). بل ورد عن ابن عباس ما يدل على استيائه أحيانًا من هذه الأسئلة المتعنتة، فعن القاسم بن محمد أن رجلًا جاء إلى ابن عباس فسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل ينفل الفرس وسرجه، فأعاد عليه، فقال مثل ذلك، ثم أعاد عليه، فقال مثل ذلك، فقال ابن عباس: تدرون ما مثل هذا؟ هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر ﵁، أما لو عاش عمر لما سأل أحد عما لا يعنيه (٢). سابعًا: تورع البعض عن التفسير: مع توسع ابن عباس في التفسير وتشجيعه لتلاميذه في الاجتهاد فيه فإننا نجد في هذا العصر من انتهج عكس ذلك، خصوصًا أهل الكوفة أصحاب ابن مسعود، قال إبراهيم النخعي (٩٦ هـ)، عنهم: "كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه". وقد رويت عنهم روايات تدل على ذلك، فهذا مسروق بن الأجدع (ت: ٦٣ هـ) يقول: "اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن اللَّه"، ولما سأل ابنُ سيرين (١١٠ هـ) عبيدَةَ السلماني (٧٢ هـ) عن آية قال له: "عليك بالسَّداد فقد ذهب الذين علموا فيما أُنزل القرآن"، ولهذا عُرف عن كبار التابعين في طبقة الكوفيين قلة الروايات التفسيرية عنهم، ولعل للفتن التي دارت حولهم أثرًا في ذلك، إضافة إلى تقدم وفاتهم ونشوئهم في وقت مبكر والصحابة متوافرون بحيث لم يُحتج إلى علمهم، كذلك كان لتربية ابن مسعود لهم على العناية بالآثار والتقليل من الآراء أثر في ذلك. وهذا التوقف عن التفسير والتحرج عن الخوض فيه لا يعني أنهم لا يفهمون معاني القرآن، وإنما هو مسلك خاص سلكوه تورعًا منهم، مع قيام غيرهم به فكأنهم قد كفوا ذلك الأمر، ولهم أسوة ببعض الصحابة في هذا المسلك (٣). وقد جاء من تلاميذهم من أواسط التابعين من سلك مسلكهم كالشعبي وإبراهيم النخعي، وتبعهم على هذا المسلك بعض كبار التابعين في المدينة كسعيد بن _________ (١) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة ١/ ٢/ ٤٢١ - ٤٢٢/ ٣٤٥. (٢) الإبانة ١/ ٤١٧/ ٣٣٣، والموطأ ٢/ ٤٥٥/ ١٩. (٣) ينظر: شرح: د. مساعد الطيار لمقدمة ابن تيمية في أصول التفسير ص ٢٩٨.

стр. 211

المسيب، وعروة بن الزبير، وغيرهما (١)، إِلَّا أن هذا المسلك تلاشى أو قلَّ عند من جاء بعدهم من صغار التابعين أو أتباعهم كما سيأتي. ومما تجدر الإشارة إليه أن اختلاف مسلك الكوفيين عن مسلك المكيين في طريقة التفسير أدى إلى اجتهاد بعض المعاصرين إلى عزو ذلك إلى مدارس تفسيرية عند السلف مختلفة المنهج، ومتباينة المسلك، ينتسب كل منها إلى مصر من أمصار المسلمين، ولكل مشايخ وتلاميذ اقتفوا أثرهم، وساروا على نهجهم، وربما حاد البعض عن نهج أهل بلده واقتفى نهج غيرهم، ولعله يحسن البحث عن حقيقة ذلك في المسألة التالية، لتعلقه بتاريخ التفسير تعلقًا كبيرًا. * هل وُجدت مدارس تفسيرية عند السلف ؟ شاع لدى المعاصرين وفي المؤلفات الحديثة في تاريخ التفسير وجود مدارس تفسيرية ظهرت في عهد الصحابة، أسس كل مدرسة منها أحد كبار مفسري الصحابة، وتخرج فيها تلاميذه من التابعين، فنصروا منهجه، وأشاعوا خصائص مدرستهم (٢)، وهي ثلاث مدارس: الأولى: المدرسة المدنية (أو مدرسةُ أُبَيّ بن كعبٍ بالمدينة)، وأشهر تلاميذها: أبو العالية (ت: ٩٣ هـ)، ومحمد بن كعب القرظي (ت: ١١٧ هـ)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ). الثانية: المدرسة المكية (أو مدرسة ابن عباس بِمَكَّة)، وأشهر تلاميذها: سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ)، ومجاهد (ت: ١٠٢ هـ)، وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ)، وطاووس (ت: ١٠٦ هـ)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ). الثالثة: المدرسة الكوفية (أو مدرسةُ ابن مسعود في العراق)، وأشهر تلاميذها: _________ (١) فعن عبيد اللَّه بن عمر، قال: "لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد اللَّه، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع". تفسير ابن جرير ١/ ٧٩. (٢) ينظر: كتاب التفسير والمفسرون ١/ ١١٠، للدكتور محمد حسين الذهبي ﵀، ولعله من أوائل من استعمل هذا المصطلح في تاريخ التفسير، وتبعهُ عليه عددٌ من الباحثين، وقد استظهر هذا التصنيف من قول ابن تيمية: "وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزّوا به عن غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم، الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن وهب".

стр. 212

علقمة بن قيس (ت: ٦٢ هـ)، ومسروق بن الأجدع (ت: ٦٣ هـ)، والشعبي (ت: ١٠٥ هـ)، والحسن البصري (ت: ١١٠ هـ)، وقتادة (ت: ١١٧ هـ). وقد عارض هذا المصطلح بعض المتخصصين (١)، ورأى البعض ألا مشاحة في الاصطلاح (٢)، وأكثر المعاصرين على الأخذ به، بل إن منهم من زاد عليه وفزع أحكامًا ومناهج خُصَّت بها كل مدرسة، على نحو المذاهب الفقهية، ثم أورد مفارقات بين بعض من ينتمي إلى هذه المدارس ويخالفها إلى منهج مدرسة أخرى، وبدل أن يدرس أصل المصطلح ويناقشه أخذ يعلل لمخالفة ذلك الشخص لمنهج مدرسته، بكونه رحل أو احتك بالمدرسة الأخرى. وفي أصل هذا التقسيم ملاحظات أودت إلى نحو تلك المفارقات، ولعلنا نناقش ذلك في النقاط التالية: ١ - من المعلوم أن المدارس أو المذاهب تمتد لأجيال وقرون كما هو الحال في مدرستي النحو، أو المذاهب الفقهية، لكن بالنظر إلى ما عُرف بمدارس التفسير نجد أن امتدادها لا يتجاوز طبقتين من طبقات التابعين، فما عُرف بالمدرسة الكوفية وتهيبها من التفسير كان في طبقة كبار التابعين وبعض أواسطهم، ثم اضمحل ذلك المنهج في الطبقات التي تلتهم كأبي صالح والسدي، وكذا أتباعهم كالكلبي، وهكذا الحال فيما يعرف بالمدرسة المدنية فقد جاء في أواخر عهد التابعين منهم من توسع في التفسير واجتهد فيه كمحمد بن كعب القرظي (ت: ١١٧ هـ)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ)، ثم كان ذلك ظاهرًا في طبقة أتباع التابعين خصوصا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢ هـ). ٢ - لم يتضح مؤسس مدرسة المدينة ولا تلاميذها (٣). _________ (١) ينظر: حول مصطلح "مدارس التفسير"، للدكتور مساعد الطيار، ضسن كتابه: مقالاتٌ في علوم القرآن وأصول التفسير ص ٢٩٥، استدراكات السلف في التفسير، للدكتور نايف الزهراني، ص ٤٥١. (٢) ينظر: جواب عاجل حول "مدارس التفسير"، للدكتور عبد الرحمن الشهري على موقع أهل التفسير، تحت الرابط: http: //vb.tafsir.net/tafsir ١٤٣٠/#.U ٣ H ٧ XIGqnwI وينظر المناقشات حول مجث "موقف مفسري مدرسة مكة من الروايات الإسرائيلية"، للدكتور أحمد العمراني، على الرابط: http: //vb.tafsir.net/tafsir ٢١٤٤٠/#post ١١٦٠٦٩ (٣) قال د. الذهبي في كتابه "التفسير والمفسرون ١/ ٨٦: "إن قيام هذه المدرسة كان على أُبَي بن كعب، الذي يُعتبر بحق أشهر مَن تتلمذ له مفسِّرو التابعين بالمدينة، وذلك لشهرته أكثر من غيره في التفسير، وكثرة ما نُقل لنا عنه في ذلك". لكن عند الخظر فيما وصلنا من آثاره نجد أنه لم يرد لأُبَيّ إِلا القليل من آثار =

стр. 213

٣ - أورد أغلب القائلين بمدارس التفسير المدرسة الثالثة بمسمى مدرسة العراق وأنها نشأت على يد ابن مسعود ﵁، دون التفريق بين مدينتي الكوفة والبصرة، بل ربما ضموا مفسري المدينتين تحت مدرسة ابن مسعود ﵁ (١)، مع أنه عند الموازنة بين مفسري كلا المدينتين نجد أنه لا علاقة مباشرة بينهم من حيث الأثر والتأثير -مع قرب المدينتين من بعضهما! -، إذ إن أشهر مفسريها أبا العالية والحسن وقتادة لم يتتلمذوا على ابن مسعود أو يكون لتلاميذه أثر واضح فيهم، وعليه لا يصح إلحاق البصرة بمدرسة ابن مسعود، علمًا أن مفسري البصرة أكثر مفسري الأمصار نتاجًا في التفسير بعد أهل مكة لمشابهة طريقتهم للمكيين، مما يرجح الرأي بإفرادها كمدرسة مستقلة (٢)، لكن يأتي السؤال: مَن شيخ هذه المدرسة من الصحابة؟ وأين طلابه بعد ذلك؟ ! ٤ - نقل د. الذهبي أن ابن مسعود هو مؤسس طريقة الكوفيين في الاعتداد بالرأي حيث لا يوجد النص، وأن أهل العراق امتازوا بأنهم أهل الرأي بناء على أن ابن مسعود هو الذي وضع الأساس لهذه الطريقة في الاستدلال لمسائل الخلاف، وتوارثها عنه علماء العراق، ثم ذكر أن تلك الطريقة أثَّرت في مدرسة التفسير بالكوفة، فكثر التفسير بالرأي والاجتهاد؛ لأن استنباط مسائل الخلاف الشرعية نتيجة من نتائج إعمال الرأي في فهم نصوص القرآن والسُّنَّة (٣)، لكن هذا يناقض ما اشتهر عن كبارهم من التورع عن التفسير، ومن هنا صحح آخرون القضية فأثبتوا لأهل الكوفة منهج التورع عن التفسير، وهو أيضًا يناقض ما عُرف عن الكوفيين من إعمال الرأي في مسائل الخلاف والأحكام ووضع أصوله التي كانت اللبنة الأولى لمذهب الأحناف، فكيف يجمع بين الأمرين؟ ! _________ = التفسير أو المتعلقة بأصوله -وهذا لا يقلل من مكانته في العلم وعلو كعبه في علوم القرآن مما هو معروف عنه- ولا نجد من روى عنه إِلا أبا العالية البصري، المدني الأصل، فأين تلاميذ هذه المدرسة؛ نعم ذكروا -إضافة إلى أبي العالية- محمد بن كعب القرظي (ت: ١١٧ هـ)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ) لكنهما لم يدركا أُبي بن كعب ولم يأخذا عنه! فإن قيل: بينهم واسطة! نوقش: من هي تلك الواسطة؟ وربما لاحظ بعضهم هذا الإشكال فجعل زيد بن ثابت ﵁ رأس هذه المدرسة، مع أنه أيضًا من أقل الصحابة آثارًا في التفسير كما سيأتي في خاتمة مبحث "مفسرو السلف ومقدار تفسيرهم". ينظر: تفسير التابعين ١/ ٥٠٥ - ٥١٠. (١) ينظر: التفسير والمفسرون ١/ ٨٨. (٢) وهو الذي قرره مصنف كتاب تفسير التابعين، ورأى أنها نتيجة مهمة، لم يوردها من قبله، ينظر: ١/ ٢٢. (٣) ينظر: التفسير والمفسرون ١/ ٦٤، ٨٩.

стр. 214

٥ - بمناقشة أصول هذه المدارس ومعلميها ثم امتدادها الزمني نجد القول بأن على رأس المدرسة الكوفية ابن مسعود، وعلى رأس المدرسة المكية ابن عباس، وابن عباس في طبقة تلاميذ ابن مسعود، وأصل تعلم ابن مسعود في المدينة عن الرسول ﷺ ، ثم عن عمر حيث كان لا يجاوز قوله، كذلك ابن عباس أخذ عن كبار الصحابة وعلى رأسهم عمر وعلي وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت، إذن ابن عباس يلتقي مع ابن مسعود في عمر وقبل ذلك في الرسول ﷺ ، وعليه فالمنهج واحد، والقول بأن ابن مسعود أغلق باب الاجتهاد وربى تلاميذه على الآثار وعدم الخوض في القرآن، مروي عن عمر، وكذلك القول بأن ابن عباس ربى طلابه على الاجتهاد هو منهج عمر الذي رباه عليه، إذن المنهج واحد ومن مشكاة واحدة. ٦ - على فرض أن هذه هي مدارس التفسير؛ فأين نضع من كان من غير هذه الأمصار من أعلام المفسرين، كالضحاك بن مزاحم الخراساني، وعطاء الخراساني، ثم من بعدهم كالمقاتلَين -ابن سليمان وابن حيان- البلخيَّين الخراسانيين؟ * الأظهر في المسألة: بعد ما تقدم من الملحوظات السابقة على مدارس التفسير يأتي السؤال: ما الداعي لهذه المصطلحات مع اتفاقنا على أن منهج السلف في التفسير واحد؟ لا سيما مع ما يحدثه ذلك من لبس وتناقض ومفارقات. لذا؛ لعل الأولى والأظهر القول بعدم وجود مدارس تفسيرية مختلفة المناهج، وأن الأمر لا يعدو سوى اختيارات شخصية وقناعات ومسألك فردية، لهؤلاء الصحابة وبعدهم التابعون، مثله كمثل أمور الفتوى والقضاء والتعليم، فبعضهم يرى أفضلية نشر العلم والتصدي للفتوى عمومًا، والبعض الآخر يرى أهمية البعد عن الناس ورفض الفتوى والإقبال على العبادة والاجتهاد فيها، ولكل من المسلكين مأخذ من السُّنَّة، ودليل من الشرع، ولكل وجهة هو موليها. وفي هذا يقول ابن جرير الطبري: "وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين، بإحجامه عن التأويل، فإنَّ فِعْلَ من فَعَلَ ذلك منهم كفِعْلِ من أحجم منهم عن الفتيا في النوازل والحوادث، مع إقراره بأن اللَّه جلَّ ثناؤه، لم يقبض نبيّه إليه إِلا بعد إكمال الدين به لعباده، وعلمه بأن للَّه في كل نازلة وحادثة حكمًا موجودًا، بنص أو دلالة، فلم يكن إحجامه عن القول في ذلك، إحجام جاحد أن يكون للَّه فيه حكم موجود بين أظهر

стр. 215

عباده، ولكن إحجام خائف، أن لا يبلغ في اجتهاده، ما كلف اللَّه العلماء من عباده فيه، فكذلك معنى إحجام من أحجم عن القيل في تأويل القرآن، وتفسيره من علماء السلف، إنما كان إحجامه عنه حذار أن لا يبلغ أداء ما كلف من إصابة صواب القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء الأمة غير موجود بين أظهرهم" (١). مما تقدم يتبين أن ليس ثَمَّ مدرسة التزمت منهجًا واحدًا لا يحيد عنه طلابها في طبقاتهم المختلفة، مما ينقض فكرة المدارس التفسيرية. ويعضد ذلك أنك لا تجد ذلك التقسيم وتلك المناهج ونحو هذه الفكرة عند البحث في كتب طبقات المفسرين أو كلام من تحدث عن مفسري السلف، فهذا ابن كثير أورد في مقدمة تفسيره آثارًا عن السلف الذين تورعوا عن تفسير القرآن، وقبله ابن جرير، ولم يذكر أحد منهم أنه ناتج عن اختلاف المدارس، وتغاير المشارب، وتباين المناهج، وهذا بخلاف ما يذكر عن المذاهب (أو المدارس) الفقهية، أو النحوية، أو في أصول الفقه، ففيها نجد المناهج المتباينة واضحة، ولكل منها أنصار وتلاميذ، أصّلوا أصولها، وحدّوا حدودها، وانتصروا لآرائها، ونقضوا آراء مخالفيها، وصنفوا المصنفات في مسائلها، والطبقات في رجالها، إلى يومنا هذا. والخلاصة: أن دعوى وجود مدارس تفسيرية عند السلف، وأن لكل مدرسة منهج خاص، دعوى ينقصها الدليل، وينقضها الواقع، فكل هؤلاء الصحابة والتابعون يقتبسون من مشكاة واحدة؛ مشكاة النبوة، ويسيرون على منهج واحد، ويصدرون عن مورد واحد، وإن اختلفوا في كيفية ورودهم وصدورهم، فكل صحابي أو تابعي اختار ما يراه صحيحًا أو أنه أولى له وأحوط، ومن هنا نجد ابن عطية عند ما ذكر هذه المسألة قال: "وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وغيرهما، يعظمون تفسير القرآن، ويتوقفون عنه تورعًا واحتياطًا لأنفسهم، مع إدراكهم، وتقدمهم" (٢)، ولم يقل أن ذلك بسبب انتسابهم لمدرسة المدينة أو الكوفة، أو أنهم تقلدوا مشايخهم، بل حالهم هنا في باب التفسير كحالهم ومسالكهم في عموم مسائل الفتيا والقضاء، من باب التورع والاحتياط للنفس، ولو اقتصرنا على هذا دون إيراد نحو تلك التقسيمات والمدارس وتحميلها ما لا تحتمل لما كانت تلك الإيرادات والمفارقات والمآخذ، ولما احتجنا لتعليلها والجواب عنها، واللَّه أعلى وأعلم. _________ (١) تفسير ابن جرير ١/ ٨٣ - ٨٤. (٢) تفسير ابن عطية ١/ ٤١.
следующие страницы →