Полный текст (16 717 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
المسيب، وعروة بن الزبير، وغيرهما (١)، إِلَّا أن هذا المسلك تلاشى أو قلَّ عند من جاء بعدهم من صغار التابعين أو أتباعهم كما سيأتي.
ومما تجدر الإشارة إليه أن اختلاف مسلك الكوفيين عن مسلك المكيين في طريقة التفسير أدى إلى اجتهاد بعض المعاصرين إلى عزو ذلك إلى مدارس تفسيرية عند السلف مختلفة المنهج، ومتباينة المسلك، ينتسب كل منها إلى مصر من أمصار المسلمين، ولكل مشايخ وتلاميذ اقتفوا أثرهم، وساروا على نهجهم، وربما حاد البعض عن نهج أهل بلده واقتفى نهج غيرهم، ولعله يحسن البحث عن حقيقة ذلك في المسألة التالية، لتعلقه بتاريخ التفسير تعلقًا كبيرًا.
* هل وُجدت مدارس تفسيرية عند السلف ؟
شاع لدى المعاصرين وفي المؤلفات الحديثة في تاريخ التفسير وجود مدارس تفسيرية ظهرت في عهد الصحابة، أسس كل مدرسة منها أحد كبار مفسري الصحابة، وتخرج فيها تلاميذه من التابعين، فنصروا منهجه، وأشاعوا خصائص مدرستهم (٢)، وهي ثلاث مدارس:
الأولى: المدرسة المدنية (أو مدرسةُ أُبَيّ بن كعبٍ بالمدينة)، وأشهر تلاميذها: أبو العالية (ت: ٩٣ هـ)، ومحمد بن كعب القرظي (ت: ١١٧ هـ)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ).
الثانية: المدرسة المكية (أو مدرسة ابن عباس بِمَكَّة)، وأشهر تلاميذها: سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ)، ومجاهد (ت: ١٠٢ هـ)، وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ)، وطاووس (ت: ١٠٦ هـ)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ).
الثالثة: المدرسة الكوفية (أو مدرسةُ ابن مسعود في العراق)، وأشهر تلاميذها:
_________
(١) فعن عبيد اللَّه بن عمر، قال: "لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد اللَّه، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع". تفسير ابن جرير ١/ ٧٩.
(٢) ينظر: كتاب التفسير والمفسرون ١/ ١١٠، للدكتور محمد حسين الذهبي ﵀، ولعله من أوائل من استعمل هذا المصطلح في تاريخ التفسير، وتبعهُ عليه عددٌ من الباحثين، وقد استظهر هذا التصنيف من قول ابن تيمية: "وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزّوا به عن غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم، الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن وهب".
стр. 212
علقمة بن قيس (ت: ٦٢ هـ)، ومسروق بن الأجدع (ت: ٦٣ هـ)، والشعبي (ت: ١٠٥ هـ)، والحسن البصري (ت: ١١٠ هـ)، وقتادة (ت: ١١٧ هـ).
وقد عارض هذا المصطلح بعض المتخصصين (١)، ورأى البعض ألا مشاحة في الاصطلاح (٢)، وأكثر المعاصرين على الأخذ به، بل إن منهم من زاد عليه وفزع أحكامًا ومناهج خُصَّت بها كل مدرسة، على نحو المذاهب الفقهية، ثم أورد مفارقات بين بعض من ينتمي إلى هذه المدارس ويخالفها إلى منهج مدرسة أخرى، وبدل أن يدرس أصل المصطلح ويناقشه أخذ يعلل لمخالفة ذلك الشخص لمنهج مدرسته، بكونه رحل أو احتك بالمدرسة الأخرى.
وفي أصل هذا التقسيم ملاحظات أودت إلى نحو تلك المفارقات، ولعلنا نناقش ذلك في النقاط التالية:
١ - من المعلوم أن المدارس أو المذاهب تمتد لأجيال وقرون كما هو الحال في مدرستي النحو، أو المذاهب الفقهية، لكن بالنظر إلى ما عُرف بمدارس التفسير نجد أن امتدادها لا يتجاوز طبقتين من طبقات التابعين، فما عُرف بالمدرسة الكوفية وتهيبها من التفسير كان في طبقة كبار التابعين وبعض أواسطهم، ثم اضمحل ذلك المنهج في الطبقات التي تلتهم كأبي صالح والسدي، وكذا أتباعهم كالكلبي، وهكذا الحال فيما يعرف بالمدرسة المدنية فقد جاء في أواخر عهد التابعين منهم من توسع في التفسير واجتهد فيه كمحمد بن كعب القرظي (ت: ١١٧ هـ)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ)، ثم كان ذلك ظاهرًا في طبقة أتباع التابعين خصوصا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢ هـ).
٢ - لم يتضح مؤسس مدرسة المدينة ولا تلاميذها (٣).
_________
(١) ينظر: حول مصطلح "مدارس التفسير"، للدكتور مساعد الطيار، ضسن كتابه: مقالاتٌ في علوم القرآن وأصول التفسير ص ٢٩٥، استدراكات السلف في التفسير، للدكتور نايف الزهراني، ص ٤٥١.
(٢) ينظر: جواب عاجل حول "مدارس التفسير"، للدكتور عبد الرحمن الشهري على موقع أهل التفسير، تحت الرابط: http: //vb.tafsir.net/tafsir ١٤٣٠/#.U ٣ H ٧ XIGqnwI
وينظر المناقشات حول مجث "موقف مفسري مدرسة مكة من الروايات الإسرائيلية"، للدكتور أحمد العمراني، على الرابط: http: //vb.tafsir.net/tafsir ٢١٤٤٠/#post ١١٦٠٦٩
(٣) قال د. الذهبي في كتابه "التفسير والمفسرون ١/ ٨٦: "إن قيام هذه المدرسة كان على أُبَي بن كعب، الذي يُعتبر بحق أشهر مَن تتلمذ له مفسِّرو التابعين بالمدينة، وذلك لشهرته أكثر من غيره في التفسير، وكثرة ما نُقل لنا عنه في ذلك". لكن عند الخظر فيما وصلنا من آثاره نجد أنه لم يرد لأُبَيّ إِلا القليل من آثار =
стр. 213
٣ - أورد أغلب القائلين بمدارس التفسير المدرسة الثالثة بمسمى مدرسة العراق وأنها نشأت على يد ابن مسعود ﵁، دون التفريق بين مدينتي الكوفة والبصرة، بل ربما ضموا مفسري المدينتين تحت مدرسة ابن مسعود ﵁ (١)، مع أنه عند الموازنة بين مفسري كلا المدينتين نجد أنه لا علاقة مباشرة بينهم من حيث الأثر والتأثير -مع قرب المدينتين من بعضهما! -، إذ إن أشهر مفسريها أبا العالية والحسن وقتادة لم يتتلمذوا على ابن مسعود أو يكون لتلاميذه أثر واضح فيهم، وعليه لا يصح إلحاق البصرة بمدرسة ابن مسعود، علمًا أن مفسري البصرة أكثر مفسري الأمصار نتاجًا في التفسير بعد أهل مكة لمشابهة طريقتهم للمكيين، مما يرجح الرأي بإفرادها كمدرسة مستقلة (٢)، لكن يأتي السؤال: مَن شيخ هذه المدرسة من الصحابة؟ وأين طلابه بعد ذلك؟ !
٤ - نقل د. الذهبي أن ابن مسعود هو مؤسس طريقة الكوفيين في الاعتداد بالرأي حيث لا يوجد النص، وأن أهل العراق امتازوا بأنهم أهل الرأي بناء على أن ابن مسعود هو الذي وضع الأساس لهذه الطريقة في الاستدلال لمسائل الخلاف، وتوارثها عنه علماء العراق، ثم ذكر أن تلك الطريقة أثَّرت في مدرسة التفسير بالكوفة، فكثر التفسير بالرأي والاجتهاد؛ لأن استنباط مسائل الخلاف الشرعية نتيجة من نتائج إعمال الرأي في فهم نصوص القرآن والسُّنَّة (٣)، لكن هذا يناقض ما اشتهر عن كبارهم من التورع عن التفسير، ومن هنا صحح آخرون القضية فأثبتوا لأهل الكوفة منهج التورع عن التفسير، وهو أيضًا يناقض ما عُرف عن الكوفيين من إعمال الرأي في مسائل الخلاف والأحكام ووضع أصوله التي كانت اللبنة الأولى لمذهب الأحناف، فكيف يجمع بين الأمرين؟ !
_________
= التفسير أو المتعلقة بأصوله -وهذا لا يقلل من مكانته في العلم وعلو كعبه في علوم القرآن مما هو معروف عنه- ولا نجد من روى عنه إِلا أبا العالية البصري، المدني الأصل، فأين تلاميذ هذه المدرسة؛ نعم ذكروا -إضافة إلى أبي العالية- محمد بن كعب القرظي (ت: ١١٧ هـ)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ) لكنهما لم يدركا أُبي بن كعب ولم يأخذا عنه! فإن قيل: بينهم واسطة! نوقش: من هي تلك الواسطة؟
وربما لاحظ بعضهم هذا الإشكال فجعل زيد بن ثابت ﵁ رأس هذه المدرسة، مع أنه أيضًا من أقل الصحابة آثارًا في التفسير كما سيأتي في خاتمة مبحث "مفسرو السلف ومقدار تفسيرهم". ينظر: تفسير التابعين ١/ ٥٠٥ - ٥١٠.
(١) ينظر: التفسير والمفسرون ١/ ٨٨.
(٢) وهو الذي قرره مصنف كتاب تفسير التابعين، ورأى أنها نتيجة مهمة، لم يوردها من قبله، ينظر: ١/ ٢٢.
(٣) ينظر: التفسير والمفسرون ١/ ٦٤، ٨٩.
стр. 214
٥ - بمناقشة أصول هذه المدارس ومعلميها ثم امتدادها الزمني نجد القول بأن على رأس المدرسة الكوفية ابن مسعود، وعلى رأس المدرسة المكية ابن عباس، وابن عباس في طبقة تلاميذ ابن مسعود، وأصل تعلم ابن مسعود في المدينة عن الرسول ﷺ ، ثم عن عمر حيث كان لا يجاوز قوله، كذلك ابن عباس أخذ عن كبار الصحابة وعلى رأسهم عمر وعلي وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت، إذن ابن عباس يلتقي مع ابن مسعود في عمر وقبل ذلك في الرسول ﷺ ، وعليه فالمنهج واحد، والقول بأن ابن مسعود أغلق باب الاجتهاد وربى تلاميذه على الآثار وعدم الخوض في القرآن، مروي عن عمر، وكذلك القول بأن ابن عباس ربى طلابه على الاجتهاد هو منهج عمر الذي رباه عليه، إذن المنهج واحد ومن مشكاة واحدة.
٦ - على فرض أن هذه هي مدارس التفسير؛ فأين نضع من كان من غير هذه الأمصار من أعلام المفسرين، كالضحاك بن مزاحم الخراساني، وعطاء الخراساني، ثم من بعدهم كالمقاتلَين -ابن سليمان وابن حيان- البلخيَّين الخراسانيين؟
* الأظهر في المسألة:
بعد ما تقدم من الملحوظات السابقة على مدارس التفسير يأتي السؤال: ما الداعي لهذه المصطلحات مع اتفاقنا على أن منهج السلف في التفسير واحد؟ لا سيما مع ما يحدثه ذلك من لبس وتناقض ومفارقات.
لذا؛ لعل الأولى والأظهر القول بعدم وجود مدارس تفسيرية مختلفة المناهج، وأن الأمر لا يعدو سوى اختيارات شخصية وقناعات ومسألك فردية، لهؤلاء الصحابة وبعدهم التابعون، مثله كمثل أمور الفتوى والقضاء والتعليم، فبعضهم يرى أفضلية نشر العلم والتصدي للفتوى عمومًا، والبعض الآخر يرى أهمية البعد عن الناس ورفض الفتوى والإقبال على العبادة والاجتهاد فيها، ولكل من المسلكين مأخذ من السُّنَّة، ودليل من الشرع، ولكل وجهة هو موليها. وفي هذا يقول ابن جرير الطبري: "وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين، بإحجامه عن التأويل، فإنَّ فِعْلَ من فَعَلَ ذلك منهم كفِعْلِ من أحجم منهم عن الفتيا في النوازل والحوادث، مع إقراره بأن اللَّه جلَّ ثناؤه، لم يقبض نبيّه إليه إِلا بعد إكمال الدين به لعباده، وعلمه بأن للَّه في كل نازلة وحادثة حكمًا موجودًا، بنص أو دلالة، فلم يكن إحجامه عن القول في ذلك، إحجام جاحد أن يكون للَّه فيه حكم موجود بين أظهر
стр. 215
عباده، ولكن إحجام خائف، أن لا يبلغ في اجتهاده، ما كلف اللَّه العلماء من عباده فيه، فكذلك معنى إحجام من أحجم عن القيل في تأويل القرآن، وتفسيره من علماء السلف، إنما كان إحجامه عنه حذار أن لا يبلغ أداء ما كلف من إصابة صواب القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء الأمة غير موجود بين أظهرهم" (١).
مما تقدم يتبين أن ليس ثَمَّ مدرسة التزمت منهجًا واحدًا لا يحيد عنه طلابها في طبقاتهم المختلفة، مما ينقض فكرة المدارس التفسيرية. ويعضد ذلك أنك لا تجد ذلك التقسيم وتلك المناهج ونحو هذه الفكرة عند البحث في كتب طبقات المفسرين أو كلام من تحدث عن مفسري السلف، فهذا ابن كثير أورد في مقدمة تفسيره آثارًا عن السلف الذين تورعوا عن تفسير القرآن، وقبله ابن جرير، ولم يذكر أحد منهم أنه ناتج عن اختلاف المدارس، وتغاير المشارب، وتباين المناهج، وهذا بخلاف ما يذكر عن المذاهب (أو المدارس) الفقهية، أو النحوية، أو في أصول الفقه، ففيها نجد المناهج المتباينة واضحة، ولكل منها أنصار وتلاميذ، أصّلوا أصولها، وحدّوا حدودها، وانتصروا لآرائها، ونقضوا آراء مخالفيها، وصنفوا المصنفات في مسائلها، والطبقات في رجالها، إلى يومنا هذا.
والخلاصة: أن دعوى وجود مدارس تفسيرية عند السلف، وأن لكل مدرسة منهج خاص، دعوى ينقصها الدليل، وينقضها الواقع، فكل هؤلاء الصحابة والتابعون يقتبسون من مشكاة واحدة؛ مشكاة النبوة، ويسيرون على منهج واحد، ويصدرون عن مورد واحد، وإن اختلفوا في كيفية ورودهم وصدورهم، فكل صحابي أو تابعي اختار ما يراه صحيحًا أو أنه أولى له وأحوط، ومن هنا نجد ابن عطية عند ما ذكر هذه المسألة قال: "وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وغيرهما، يعظمون تفسير القرآن، ويتوقفون عنه تورعًا واحتياطًا لأنفسهم، مع إدراكهم، وتقدمهم" (٢)، ولم يقل أن ذلك بسبب انتسابهم لمدرسة المدينة أو الكوفة، أو أنهم تقلدوا مشايخهم، بل حالهم هنا في باب التفسير كحالهم ومسالكهم في عموم مسائل الفتيا والقضاء، من باب التورع والاحتياط للنفس، ولو اقتصرنا على هذا دون إيراد نحو تلك التقسيمات والمدارس وتحميلها ما لا تحتمل لما كانت تلك الإيرادات والمفارقات والمآخذ، ولما احتجنا لتعليلها والجواب عنها، واللَّه أعلى وأعلم.
_________
(١) تفسير ابن جرير ١/ ٨٣ - ٨٤.
(٢) تفسير ابن عطية ١/ ٤١.
стр. 216
المبحث الثالث التفسير في عهد التابعين (عصر الدولة الأموية المروانية)
تضم طبقة التابعين ثلاثة طبقات: كبار التابعين: وقد تقدم أنهم في الإدراك الزمني ألصق بالعصر السابق عصر الدولة الأموية السفيانية. ثم الطبقة الوسطى من التابعين، ثم صغار التابعين، وكلا الطبقتين تشغل هذا العصر، عصر الدولة الأموية المروانية، فأما طبقة أواسط التابعين؛ فمبدؤها عام ٧٣ هـ عام مقتل ابن الزبير ﵄ إلى حدود عام ١٠١ هـ، عام وفاة عمر بن عبد العزيز ﵀، وأما صغار التابعين فمن ذلك العهد إلى حدود عام هـ ١٣٢، عام سقوط الدولة الأموية.
يبدأ عصر الدولة الأموية المروانية بمقتل عبد اللَّه بن الزبير ﵄، واستقلال عبد الملك بن مروان بالخلافة، وانفراده بحكم جميع أرجاء الدولة الإسلامية، وقد حاول أن يعيد الأمن والاستقرار على كافة أراضي الدولة، وتحقق شيء من ذلك في معظمها، إِلا العراق فقد استمرت فيه الفتن والقلاقل والثورات لعوامل عديدة؛ لعل من أبرزها المظالم التي ارتكبها الحجاج بن يوسف الثقفي عامل الأمويين على العراق، من سفك الدماء وتشريد الأبرياء، فقامت عليه عدة ثورات ليس من الشيعة والخوارج فحسب؛ بل حتى من جنده وغيرهم، لعل من أخطرها وأعنفها ما عرف بفتنة ابن الأشعث (عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي) الذي أرسله الحجاج غازيًا في المشرق فما لبث أن عاد تجاه العراق وخلع الحجاج هو وجيشه، وأقبلوا كالسيل المنحدر، وانضم إليه جيش عظيم، حتى عجز عنهم الحجاج (١)، وذلك عام ٨١ هـ، كما انضم إليه أيضًا العشرات من علماء الكوفة والبصرة حتى قيل: إنه لم ينج منها إِلا مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير وابن سيرين بالبصرة، وخيثمة بن
_________
(١) تاريخ الإسلام ٢/ ٧٧٧.
стр. 217
عبد الرحمن بن أبي سبرة وإبراهيم النخعي بالكوفة (١)، وجرت خطوب ووقائع عظام، آخرها وقعة دير الجماجم عام ٨٣ هـ؛ حيث تمكن الحجاج من دحر خصومه، ثم تتبع من شارك فيها من قراء وعلماء التابعين، فقتل عددًا منهم، لعل من أشهرهم ممن له مشاركة في التفسير: أبو الجوزاء، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكذلك عامر الشعبي الذي أخذه الحجاج وكاد أن يقتله؛ لكن شاء اللَّه أن ينجو بحسن اعتذاره فعفا عنه الحجاج، ثم ختم الحجاج حياته بقتل سعيد بن جبير؛ تلميذ ابن عباس، وأشهر مفسري التابعين بالكوفة، الذي كان مشاركًا في فتنة ابن الأشعث ضد الحجاج لكن هرب منه وعاش مطاردًا إلى أن تمكن الحجاج منه عام ٩٥ هـ فأمر بضرب عنقه، فغيَّب بذلك عَلَمًا من أعلام التابعين ومن أكثرهم رواية ودراية بالتفسير، حتى قال عنه ميمون بن مهران حين بلغه خبر مقتله: "لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض رجل إِلا يحتاج إلى سعيد". قال سفيان: أُرى في التفسير (٢)، فانظر كم من العلم طُوي بما سفك الحجاج من دماء أهله؟
توفي عبد الملك بن مروان عام ٨٦ هـ بعد أن استقرت الدولة الإسلامية، وخلفه ابنه الوليد الذي انتظمت له الخلافة لعشر سنوات ثم توفي عام ٩٦ هـ، وقد عاد نشاط الفتوحات الإسلامية في عهده وعهد أبيه بقوة، ففي المشرق استتم فتح جميع بلاد ما وراء النهر ووصل المسلمون إلى حدود الصين، كما كانت بداية الفتوحات الكبيرة جنوبًا في شبه القارة الهندية، وفي المغرب استتم فتح جميع بلاد المغرب وفتحت أيضًا بلاد الأندلس، بل يمكننا القول: إن الفتوحات الإسلامية الكبيرة في العصور المتقدمة بلغت أوجها في هذا العهد، وكل هذه البلاد المفتوحة كان لها أثر كبير في تخريج كبار علماء الإسلام في علوم القرآن والسُّنَّة.
ومن أشهر مفسري التابعين الذي توفوا في عهده: أبو العالية رُفيع بن مهران الرياحي البصري (ت: ٩٣ هـ)، وسعيد بن المسيب (ت: ٩٣ هـ)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ)، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦ هـ)، وممن له مشاركة في التفسير: أبو الشعثاء جابر بن زيد (ت: ٩٣ هـ)، وعروة بن الزبير (ت: ٩٤ هـ)، وعلي بن الحسين بن علي (ت: ٩٤ هـ).
_________
(١) تاريخ الإسلام ٢/ ٩٣٢، ١١٧٤، أما الحسن البصري فأكره على الخروج واستطاع أن يتخلص منهم بعد أن كاد يموت غرقًا. ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٢٩.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٦/ ٢٦٦. المعرفة والتاريخ ١/ ٧١٣.
стр. 218
خلف الوليد أخوه سليمان بن عبد الملك الذي ما لبث أن توفي عام ٩٩ هـ عاهدًا بالخلافة لابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان الذي كان عالمًا عاملًا ورعًا عادلًا، فكانت خلافته أزهى أيام الدولة الأموية المروانية، حيث رفع المظالم ونشر العدل وقرَّب أهل العلم واجتمع الناس عليه، إِلَّا أن خلافته لم تدم طويلًا إذ توفي عام ١٠١ هـ، ويمكن القول: إنه به يختم تاريخ الطبقة الوسطى من التابعين، حيث كانت فيه أغلب وفياتهم أو قريبًا منه، ومن أشهر مفسريهم: أبو مالك غزوان الغفاري الكوفي (١)، وأبو الضحى مسلم بن صبيح الكوفي (ت: ١٠٠ هـ)، ومقسم بن بجرة (ت: ١٠١ هـ)، ومجاهد بن جبر المكي (ت: ١٠٢ هـ)، والضحاك بن مزاحم الخراساني (ت: ١٠٥ هـ)، وعكرمة مولى ابن عباس المكي (ت: ١٠٥ هـ)، وعامر الشعبي الكوفي (ت: ١٠٥ هـ)، وطاووس بن كيسان اليماني (ت: ١٠٦ هـ)، وأبو مجلز لاحق بن حميد (ت: ١٠٩ هـ)، وامتد العمر بالحسن البصري (ت: ١١٠ هـ)، ومحمد بن سيرين (ت: ١١٠ هـ)، وعطية العوفي الكوفي (ت: ١١٢ هـ)، وعطاء بن أبي رباح المكي (ت: ١١٤ هـ)، ووهب بن منبه اليماني (ت: ١١٤ هـ)، ومحمد بن كعب القرظي المدني (ت: ١١٧ هـ) (٢)، وأبو صالح باذام الكوفي (ت: ما ببن ١١١ - ١٢٠) (٣)، ومن أعلام أواسط التابعين ممن لهم مشاركة في التفسير: أبو قلابة عبد اللَّه بن زيد الجرمي (ت: ١٠٤ هـ)، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر المدني (ت: ١٠٦ هـ)، والقاسم بن محمد بن أبي بكر المدني (ت: ١٠٦ هـ)، وبكر بن عبد اللَّه المزني (ت: ١٠٦ هـ)، وشهر بن حوشب الشامي (ت: ١١٢ هـ)، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر (ت: ١١٤ هـ)، وميمون بن مهران (ت: ١١٧ هـ).
أما طبقة صغار التابعين فنؤرخ لعهدهم بخلافة يزيد بن عبد الملك عام ١٠١ هـ الذي لم يَطُل به العمر إذ توفي عام ١٠٥ هـ، خلفه أخوه هشام بن عبد الملك الذي امتدت خلافته وطالت، إلى أن توفي عام ١٢٥ هـ، فكان عهده أطول عهود الدولة الأموية المروانية، وقد كانت الأحوال في عهدهما مستقرة نسبيًّا، إلى أن تولى الوليد بن يزيد عام ١٢٥ هـ، الذي كان مستهترًا، فبدأت الأمور تضطرب، والأحوال
_________
(١) يذكر أنه من الطبقة الوسطى من التابعين، ولم أجد من حدد سنة وفاته إِلا أن الذهبي ترجمه فيمن كانت وفياتهم ما بين عامي ٩١ - ١٠٠، ينظر: تاريخ الإسلام ٢/ ١١٥٥.
(٢) مختلف في وفاته فقيل: عام ١٠٨ هـ، وقيل: ١١٧ هـ، وقيل: ١٢٠ هـ لذا كرر الذهبي ترجمته في وفيات ما بين عامي ١٠١ - ١١٠، ووفيات ما بين عامي ١١١ - ١٢٠ هـ، ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ١٦٣، ٣١٠.
(٣) مختلف في وفاته كثيرًا فقيل: في عهد الوليد بن عبد الملك، وقيل: ما بين عامي ١١١ - ١٢٠ هـ.
стр. 219
تنتقض، ثم قتله ابن عمه يزيد بن الوليد وخلفه عام ١٢٦ هـ، إِلا أنه توفي في ذلك العام وخلفه أخوه إبراهيم الذي أطاح به مروان بن محمد بن مروان بن الحكم عام ١٢٧ هـ، آخر الخلفاء الأمويين، ثم ظهرت دعوة العباسيين ودولتهم حتى أطاحوا بالحكم الأموي وقتل مروان بن محمد عام ١٣٢ هـ.
وبذلك طُويت مرحلة كبرى من تاريخ المسلمين وبدأ عهد جديد، ومن هنا جعلنا هذا العام خاتمة عصر التابعين جث مات أغلب أعلامهم في هذا العهد أو بعده بقليل، فمن أشهر مفسري صغار التابعين المتوفين حينئذ: قتادة بن دعامة البصري (ت: ١١٧ هـ)، محمد بن شهاب الزهري المدني (ت: ١٢٤ هـ)، إسماعيل السدي الكوفي (ت: ١٢٧ هـ)، عطاء بن أبي مسلم الخراساني (ت: ١٣٥ هـ)، زيد بن أسلم المدني (ت: ١٣٦ هـ)، الربيع بن أنس البصري (ت: ١٣٩ هـ)، وأبو روق عطية بن الحارث الهمداني الكوفي (ت: ١٤٤ هـ)، ومن أعلام صغار التابعين الذين شاركوا في التفسير: الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي (ت: ١١٣ هـ)، ومكحول الشامي (ت: ١١٦ هـ)، وحماد بن أبي سليمان الكوفي (ت: ١٢٠ هـ)، وربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني المعروف بربيعة الرأي (ت: ١٣٦ هـ).
* ملامح التفسير في عصر الدولة الأموية المروانية (طبقة التابعين):
أولًا: التفرغ لعلم التفسير ونشره:
تقدم في العصر السابق ظهور من تصدى للتفسير وتفرغ لتعليمه وهو ابن عباس ﵄، وقد سار تلاميذه من بعده على هذا المنهاج، وعلى رأسهم مجاهد وعكرمة اللذين كانا أكثر طلابه ملازمة له، فهذا مجاهد لا يكاد يعرف إِلَّا بالتفسير حتى قال عن نفسه: "استفرغ علمي القرآن" (١)، وكذا عكرمة الذي قال عنه أبو حاتم: "أصحاب ابن عباس في التفسير عيال على عكرمة" (٢)، وممن اشتهر بالتفسير من التابعين حتى لا يكاد يوصف إِلا به الضحاك بن مزاحم، وأبو مالك الغفاري، وعطية العوفي، وأبو صالح باذام، وإسماعيل السدي، وكلهم من تلاميذ ابن عباس أو تلاميذ تلاميذه، ومن هنا يمكن القول أن طبقة التابعين هم أكثر مفسري السلف عددًا وآثارًا في التفسير عند نقلة التفسير المأثور (٣).
_________
(١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥٢.
(٢) سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢. وينظر أيضًا: تفسير التابعين ١/ ٤١٢.
(٣) فقد بلغت آثارهم أكثر من نصف تفسير ابن جرير الطبري، ينظر: تفسير التابعين ١/ ٧٥، ٢/ ٩٨٤. =
стр. 220
ثانيًا: التصدي لتعليم التفسير واستمرار المجالس التفسيرية وتوسعها:
يظهر ذلك جليًّا في تلاميذ ابن عباس الذين ساروا ععى منهج شيخهم فتصدوا للتفسير ونشروه بل واجتهدوا فيه، خصوصًا مجاهد بن جبر الذي كان له مجالس خاصة مع تلاميذه يكتبون عنه التفسير، فعن عبيد المكتب، قال: "رأيتهم يكتبون التفسير عند مجاهد" (١)، وكذلك سعيد بن جبير فعن وفاء بن إياس، قال: "رأيت عزرة يختلف إلى سعيد بن جبير معه التفسير في كتاب ومعه الدواة يغير" (٢)، وكان سعيد يقول: "سلوني يا معشر الشباب فإني قد أوشكت أن أذهب من بين أظهركم" (٣). وقال أيضًا: "وددت أن الناس أخذوا ما عندي من العلم، فإنه مما يهمني" (٤). وهذا عكرمة مولى ابن عباس كان يقول لطلابه إذا لم يسألوه: "ما لكم أفلستم؟ يعني: لا أراكم تسألوني" (٥)، وهكذا في طبقة صغار التابعين نجد إسماعيل السدي كانت له مجالس مع تلاميذه يلقي عليهم التفسير، فقد مر عليه الشعبي مرة وحوله شباب يفسر لهم القرآن، فأغلظ له القول (٦)، كذلك مر على مجلسه إبراهيم النخعي، وهو يفسر، فقال: "أما إنه يفسر تفسير القوم" (٧).
ثالثًا: تدوين التفسير:
تقدم في الملمح السابق أن الطلاب كانوا يكتبون بين يدي مجاهد (ت: ١٠٢ هـ) وسعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ)، وقد توسع التدوين عمومًا بشكل كبير في هذا العصر بل صدر في آخره الأمر بالتدوين الرسمي لعلوم الشريعة في عهد عمر بن عبد العزيز (ت: ١٠١ هـ) كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني.
رابعًا: الرحلة في طلب العلم ونشره:
اعتنى التابعون عناية كبيرة بالرحلة في طلب العلم عمومًا، وفي علوم القرآن خصوصا، فممن كان مداومًا على ذلك سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) الذي كان كثيرًا ما يترك بلده الكوفة ويرحل إلى ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) في مكة ليتعلم منه، بل ربما رحل
_________
= أما في الموسوعة فقد بلغت نسبة تفسيرهم ٤٧ % من تفسير السلف المباض، وينظر: خاتمة الدراسة التالية للوقوف على أسمائهم ومقدار تفسيرهم في الموسوعة.
(١) سنن الدارمي ١/ ٤٣٩.
(٢) طبقات ابن سعد ٦/ ٢٦٦.
(٣) المعرفة والتاريخ ١/ ٧١٣، وينظر أيضًا: تفسير ابن جرير الطبري ١٣/ ٦٩٤.
(٤) حلية الأولياء ٤/ ٢٨٣.
(٥) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٢/ ٣٨٦.
(٦) تهذيب الكمال ٣/ ١٣٥.
(٧) تهذيب الكمال ٣/ ١٣٦.
стр. 221
إليه من أجل مسألة واحدة، ففي "الصحيحين" عنه قال: آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها، فقال: "نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء" (١).
وقبله أبو العالية البصري (ت: ٩٣ هـ) الذي كان يتردد على مكة للقيا ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، حتى أنه قال: "كنت آتي ابن عباس فيرفعني على السرير وقريش أسفل من السرير، فتغامز بي قريش، وقالوا: يرفع هذا العبد على السرير؟ ! ففطن بهم ابن عباس، فقال: إن هذا العلم يزيد الشريف شرفًا، ويجلس المملوك على الأسرة" (٢).
وكذلك قتادة بن دعامة البصري (ت: ١١٧ هـ)، كان رحالة في طلب العلم، وقصته مشهورة في رحلته إلى المدينة للقيا سعيد بن المسيب (ت: ٩٣ هـ) بضعة أيام يسأله، فاستخرج كثيرًا من علمه ومن ذلك التفسير (٣).
وهكذا رحل كثير من التابعين لطلب العلم وعادوا إلى بلادهم معلمين الخير للناس، وناشرين للعلم فيهم، ولم يكتف بعضهم بذلك بل ربما رحلوا إلى غير بلادهم لنشر التفسير وعقد مجالسه، لعل من أبرزهم في ذلك عكرمة مولى ابن عباس (ت: ١٠٥ هـ)، الذي قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: "لم يدع موضعًا إِلا خرج إليه: خراسان، والشام، واليمن، ومصر، وإفريقية". بل حين جاء البصرة وجلس للتفسير هناك ترك الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) التفسير (٤).
كذلك نجد من التابعين من استقر في غير بلده ينشر العلم ويعلم الناس، فمن هؤلاء أبو صالح باذام مولى أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ وتلميذ ابن عباس ﵄؛ المكي الأصل الذي استقر بالكوفة فكان من تلاميذه بعض من أشهر مفسري السلف كإسماعيل السدي (ت: ١٢٧ هـ)، ومحمد بن السائب الكلبي (ت: ١٤٦ هـ).
ولم تقتصر الرحلة لديهم في طلب العلم ونشره، بل ربما رحلوا لأمور أخرى، كما ورد عن مجاهد (ت: ١٠٢ هـ) الذي كان "كثير الأسفار والتنقل" (٥)، فعن الأعمش،
_________
(١) صحيح البخاري ٦/ ٤٧ (٤٥٩٠)، صحيح مسلم ٤/ ٢٣١٧ (٣٠٢٣).
(٢) تهذيب الكمال ٩/ ٢١٧.
(٣) طبقات ابن سعد ٧/ ٢٣٠، ومن هنا كان قتادة من أكثر من روى تفسير سعيد بن المسيب. ينظر: تفسير التابعين: ١/ ٣٥٢.
(٤) تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٧٣. وينظر: تفسير التابعين ١/ ٤٢٠.
(٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥٢.
стр. 222
قال: "كان مجاهد لا يسمع بأعجوبة، إِلَّا ذهب فنظر إليها، ذهب إلى بئر برهوت بحضرموت، وذهب إلى بابل، عليها وال، فقال له مجاهد: تعرض علي هاروت وماروت؟ قال: فدعا رجلًا من السحرة، فقال: اذهب به. فقال اليهودي: بشرط أن لا تدعو اللَّه عندهما. قال: فذهب بي إلى قلعة، فقطع منها حجرًا، ثم قال: خذ برجلي. فهوى به، حتى انتهى إلى جوبة، فإذا هما معلقان منكسان كالجبلين، فلما رأيتهما، قلت: سبحان اللَّه خالقكما. فاضطربا، فكأن الجبال تدكدكت، فغُشي عليَّ وعلى اليهودي، ثم أفاق قبلي، فقال: أهلكت نفسك، وأهلكتني" (١).
خامسًا: التوسع في بعض مصادر التفسير:
تقدم أنه كلما بَعُدَ العهد عن عصر النبوة توسع التفسير وزاد، ولا شك أن توسعه ناتج عن التوسع في بعض مصادره، ولعل من أهمها لدى التابعين:
أ - الاجتهاد: برز الاجتهاد في التفسير بصورة جلية في عهد الصحابة من خلال تشجيع عمر ﵁ لابن عباس وأقرانه في ذلك كما تقدم، ورأينا كيف صار ابن عباس عَلَمًا في ذلك المصدر، فكان بحق ترجمان القرآن وأكثر الصحابة تفسيرًا، وقد ربى أتباعه على هذا المنهج وأذن لهم في الاجتهاد والاستنباط من القرآن، لذا كان طلابه أكثر التابعين تفسيرًا واجتهادًّا في القرآن، لا سيما مجاهد بن جبر الذي فاق أقرانه في الاستنباط من القرآن والنظر والتأمل فيه، وإعمال الرأي في التفسير وإيضاح غامضه، وبيان مشكله، حتى ربما أغرب في بعضه (٢).
ب - الإسرائيليات: توسع كثير من التابعين نسبيًّا في الاستشهاد بالإسرائيليات وربطها بالتفسير، خصوصًا أبا العالية وسعيد بن جبير ومجاهدًا ووهب بن منبه ومحمد بن كعب القرظي، لذا ورد اتقاء البعض لتفسير بعضهم، فعن أبي بكر بن عياش قال: قلت للأعمش: ما لهم يتقون تفسير مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب (٣).
فإذا أتينا إلى طبقة صغار التابعين نجد قتادة والسدي قد توسعا كثيرًا في ذلك حتى كانا أكثر التابعين استشهاذا بالإسرائيليات في التفسير (٤)، وبالتالي فإن المنقول عن
_________
(١) المصدر السابق.
(٢) ينظر: تفسير التابعين ١/ ١٣٣ - ١٣٤، ٢/ ٧٣١ - ٧٣٣، ٧٣٨.
(٣) طبقات ابن سعد ٥/ ٤٦٧.
(٤) ينظر: بحث "رواة الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري ومقدار مروياتهم": د. نايف بن سعيد الزهراني، العدد الأول من مجلة جامعة الباحة ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م، ص ٤٥.
стр. 223
عموم التابعين من رواية الإسرائيليات في التفسير يفوق عموم المنقول عن الصحابة (١)، وقد انفردوا برواية مواضع عديدة عمن قبلهم (٢)، ومن هنا يمكننا القول: إن التابعين توسعوا في هذا المصدر، ولعل من أهم أسباب ذلك ما تقدم من تباعد عصرهم عن عهد النبوة مقارنة بعصر الصحابة الذين كان أغلبهم يكتفي بما يفهم من ظاهر الآيات بمقتضى سليقتهم اللغوية، مهتمين بالعقائد والأحكام دون الخوض في التفاصيل، مما أبهمه اللَّه في القرآن مما لا فائدة فيه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، وذلك من نحو نوع الشجرة التي أكل منها آدم ﵇، أو التي كلَّم اللَّه موسى منها، أو أسماء الطيور التي أحياها اللَّه لإبراهيم ﵇، أو أسماء أصحاب الكهف وعدتهم، إلى غير ذلك، فلما جاء الجيل الذي بعدهم كثر السؤال والاستفسار عن مثل ذلك مما معتمده الرواية ولا مدخل فيه للاجتهاد، ولا خبر مرفوع فيه، فكان في الأخبار الإسرائيلية إجابات في هذا الجانب، خصوصًا أن فيها من السرد في القصص والتطويل مما تتشوق إليه النفوس، وتستروح به الأذهان. وهكذا كلما بَعُدَ الناس عن عصر النبوة توسع التفسير في هذا الجانب كما سنرى في عصر أتباع التابعين، واللَّه أعلم.
سادسًا: الاعتناء بعلوم القرآن:
اعتنى التابعون في ثنايا تفسيرهم بعدد من علوم القرآن وأوْلوها اهتمامهم، نورد فيما يلي ما كان له تعلق مباشر بالتفسير، والتي من أهمها:
١ - نزول القرآن:
وقد كان للتابعين عناية كبيرة بعدد من أنواعه منها:
- المكي والمدني: من أشهر من اعتنى بذلك منهم: عكرمة، والحسن (٣)،
_________
(١) ينظر: مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية، ص ٢٢. وقد بلغت نسبة الإسرائيليات المنقولة عن الصحابة في تفسير ابن جرير ٢٤.٢ % من مجموع الروايات الإسرائيلية، بينما بلغت نسبة المنقول منها عن التابعين ٦٦ %، ينظر: بحث "رواة الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري ومقدار مروياتهم": د. نايف بن سعيد الزهراني، العدد الأول من مجلة جامعة الباحة ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م، ص ٤٤، وينظر: تفسير التابعين ٢/ ٨٨٩.
(٢) ينظر: تفسير التابعين ٢/ ٨٩٤.
(٣) وقد أخرج البيهقي في دلائل النبوة ٧/ ١٤٢ - ١٤٣ نسخة عنهما في المكي والمدني من سور القرآن، وهي مبثوثة في هذه الموسوعة.
стр. 224
وقتادة (١)، والزهري، بل جاء عنهم التأليف في ذلك كما سيأتي في الفصل الثاني.
- أسباب النزول: ولا يخفى ما له من أهمية كبرى في فهم معاني الآيات، وكشف الغموض الذي يكتنف بعضها، قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ): "لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها" (٢)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبَّب" (٣).
ومن هنا كان للصحابة ﵃ عناية كبيرة بهذا العلم في تفسيرهم، بل هم أهل هذا العلم الذي يعتمد على الرواية ولا مدخل للاجتهاد فيه، ولا سبيل لمعرفته إِلا من طريقهم؛ لأنهم شاهدوا التنزيل ووقفوا على أحواله، وقد أدرك التابعون منزلة هذا العلم، فأخذوه عن الصحابة واعتنوا به، وبثوه في تفسيرهم للايات، ويأتي على رأسهم عكرمة، والشعبي والسدي (٤).
٢ - الناسخ والمنسوخ:
اعتنى جمع من التابعين بهذا العلم عناية كبيرة، كسعيد بن المسيب، وقتادة (ت: ١١٧ هـ)، والزهري (ت: ١٢٤ هـ)، والسدي (ت: ١٢٧ هـ)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ)، بل ذكر عن بعضهم التأليف فيه، كما سيأتي في الفصل الثاني، وقد توسع بعضهم في القول بنسخ الآيات خصوصًا قتادة، الذي ربما كان أول من ألَّف في هذا العلم (٥).
٣ - الوجوه والنظائر:
أيضًا اعتنى التابعون عناية كبيرة بالوجوه والنظائر وكليات القرآن، وتنوعت استنباطاتهم فيه، وتعددت عباراتهم فيه، خصوصًا المكيين منهم تلاميذ ابن عباس ﵄، الذي كان من أكثر الصحابة عناية بذلك (٦)، مما كان له أثر في نشوء هذا العلم والتأليف فيه عند تابعيهم كما سيأتي.
_________
(١) أخرج الحارث المحاسبي نسخة منها في فهم القرآن ص ٣٩٥ - ٣٩٦ من طريق سعيد بن أبي عروبة، وكذلك أبو بكر ابن الأنباري -كما في الإتقان في علوم القرآن ١/ ٥٧ - من طريق همام. وهي مبثوثة في هذه الموسوعة.
(٢) الإتقان في علوم القرآن ١/ ١٩٠.
(٣) مقدمة في أصول التفسير ص ٦٠.
(٤) ينظر: تفسير التابعين ٢/ ١٠٥٠.
(٥) ينظر: البرهان في علوم القرآن ٢/ ٢٨، وفي كتاب تفسير التابعين ٢/ ١٠٩٠ - ١١١٣ مسرد للآيات التي وقف المؤلف على قول للتابعين أو لشيوخهم أو لتلاميذهم بأنها منسوخة مرتبة حسب ترتيب السور.
(٦) وقد أورد السيوطي في الإتقان ٣/ ٩٩٣ - ١٠٠٣ أمثلة عديدة في الوجوه والنظائر عن ابن عباس =
стр. 225
سابعًا: زيادة الانحراف في التفسير:
تقدم أن في أواخر عهد الخلفاء الراشدين ظهرت الخوارج، وتلتهم الشيعة، ثم ظهرت القدرية في أواخر عهد صغار الصحابة، واستطار أمر تلك الفرق وتشعبت في هذا العصر، خصوصًا في العراق، ثم ظهرت المرجئة في أول هذا العصر، فعن قتادة، قال: "إنما حدث هذا الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث" (١). كذلك ظهرت الجهمية في آخره على يد الجهم بن صفوان الذي قتل عام ١٢٨ هـ. كذلك ظهرت المعتزلة على يد واصل بن عطاء (ت: ١٣١ هـ) وعمرو بن عبيد (ت: ١٤٤ هـ) البصريين، وقد استفحل أمرها في أواخر عصر أتباع التابعين، وامتحن السلف بسببها، كما سيأتي بيانه.
أما أثر تلك الفرق في تفسير التابعين فيظهر في جانبين:
الجانب الأول: تصدي أئمة التابعين لتلك العقائد والرد عليها من خلال تفسير الآيات وتقرير العقيدة الصحيحة أثناءه، وسيأتي مزيد بيان لذلك في العوامل التاريخية المؤثرة في التفسير.
الجانب الثاني: تأثر بعض أواسط التابعين وصغارهم بشيء من تلك العقائد أو رميه بها، مما كان له بعض الأثر في مدى قبوله (٢)، ولعل من أشهر هؤلاء من كبار مفسري التابعين من يلي:
١ - عكرمة مولى ابن عباس (ت: ١٠٥ هـ): قال الذهبي: "تُكلم فيه لرأيه لا لحفظه، فاتهم برأي الخوارج" (٣)، وشاع ذلك عنه وأورده عدد من كبار الأئمة، وربما كان لهذه التهمة الأثر السلبي في نقل تفسيره وقلة آثاره نسبيًّا ممارنة بمجاهد، مع أنهما أكثر أصحاب ابن عباس ﵄ ملازمة له، وفي المقابل برأه أئمة كبار، وسيأتي مزيد
_________
= والتابعين لا سيما تلاميذه كمجاهد وسعيد بن جبير والضحاك بعد أن قال: "قد تعرض النبي ﷺ والصحابة والتابعون بشيء من هذا النوع". وينظر جملة من ذلك عن التابعين في: تفسير التابعين ٢/ ١٠٣٨ - ١٠٤٤.
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ٥/ ١٠٧٤.
(٢) أما أعلام كبار التابعين فلا تكاد تجد أحدًا ممن يُرمى بشيء من تلك البدع؛ وسيأتي في طبقة أتباع التابعين من كبار مفسريهم من اتغ شيئًا من تلك العقائد، مما استلزم رد تفاسيرهم عند أغلب نقلة التفسير المأثور، كل ذلك يدل على مدى زيادة خط الانحراف العقدي في عصر التابعين ومن بعدهم واستفحاله كلما تقدم الزمان.
(٣) ميزان الاعتدال ٣/ ٩٣.
стр. 226
حديث عن عكرمة في الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير.
٢ - قتادة: قال ابن سعد: "كان ثقة مأمونًا، حجة في الحديث، وكان يقول بشيء من القدر" (١)، ومن هنا اشتد موقف بعض معاصريه منه كطاووس الذي كان إذا أتاه قتادة فرَّ منه (٢). لكن لم يكن ذلك الموقف هو السائد منه، قال الذهبي عنه: "وكان يرى القدر -نسأل اللَّه العفو- ومع هذا؛ فما توقف أحد في صدقه، وعدالته، وحفظه. . . " (٣). وسيأتي مزيد حديث عن قتادة في الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير (٤).
* * *
_________
(١) الطبقات الكبرى ٧/ ٢٢٩.
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ٤/ ٧٠٤.
(٣) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٧١.
(٤) أيضًا من مشاهير مفسري التابعين ممن رمي بالقدر ولم يصح عنه؛ الحسن البصري شيخ قتادة، وقيل: إن كلامه لم يفهم على الوجه الصحيح، وكذلك وهب بن منبه كان يتهم بشيء من القدر، ورجع عنه، كما قال الإمام أحمد بن حنبل. ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٣٣٦. وفي هذا السياق ذُكر عن الشعبي أنه كان أول أمره شيعيًّا فترك التشيع وعابه لما رأى من مفاسد لدى الشيعة، وكذا إسماعيل السدي اتهم بالتشيع، ينظر: تفسير التابعين ٢/ ٨١٩، ٨٢١ - ٨٢٤، ٨٢٩ - ٨٣١.
стр. 227
المبحث الرابع التفسير في عهد التابعين (العصر الأول للدولة العباسية)
أتباع التابعين هم الذين شافهوا التابعين وتتلمذوا على أيديهم (١)، وهم على ثلاث طبقات:
الأولى: طبقة كبار أتباع التابعين: تتضمن في الأصل طبقتين:
أ - الذين عاصروا صغار التابعين. وهم في الأصل من أقران صغار التابعين، لكن لم يحظوا بمشافهة أحد من الصحابة (٢).
ب - طبقة كبار أتباع التابعين.
الثانية: الطبقة الوسطى من أتباع التابعين.
الثالثة: طبقة صغار أتباع التابعين.
ويشغل عصرُ أتباع التابعين عهدَ الدولة العباسية في عصرها الأول، الذي يعتبر العصر الذهبي لها، حيث بلغت أوج قوتها وسلطانها. وقد تولى فيه من الخلفاء (٣):
- أبو العباس السفاح، عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس (خلافته ١٣٢ - ١٣٦ هـ).
- أبو جعفر المنصور، عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس (١٣٦ - ١٥٨ هـ).
- المهدي، محمد بن أبي جعفر المنصور (١٥٨ - ١٦٩ هـ).
_________
(١) ينظر: كتاب الثقات ٦/ ١ - ٢.
(٢) يلاحظ أنهم في مقابل المخضرمين من التابعين، وهم كبار التابعين الذين عاصروا عهد النبوة لكن لم ينالوا شرف لقيا النبي ﷺ ورؤيته.
(٣) ينظر: تاريخ الخلفاء، ص ٢٢٦ - ٢٦٨.
стр. 228
وفي عهدهم كانت وفيات أغلب كبار أتباع التابعين (١)، وفيهم أعلام مفسريهم وهم: محمد بن السائب الكلبي الكوفي (ت: ١٤٦ هـ)، ومقاتل بن سليمان البلخي (ت: ١٥٠ هـ)، ومقاتل بن حيان البلخي (ت: ١٥٠ هـ)، وعبد الملك بن جريج المكي (ت: ١٥٠ هـ)، ومحمد بن إسحاق المدني (ت: ١٥٣ هـ)، وسفيان الثوري الكوفي (ت: ١٦١ هـ)، وامتد العمر بمالك بن أنس المدني فتوفي عام (١٧٩ هـ) (٢).
وممن له مشاركة في التفسير منهم: أبو صخر المدني (ت: بين عامي ١٤١ - ١٥٠ هـ)، وجعفر الصادق المدني (ت: ١٤٨ هـ)، وأبو سنان الكوفي (ت: بين عامي ١٥١ - ١٦٠ هـ)، وأبو عمرو الأوزاعي الشامي (ت: ١٥٧ هـ)، والحسين بن واقد المروزي (ت: ١٥٩ هـ)، وزهير بن محمد (ت: ١٦٢ هـ)، والليث بن سعد المصري (ت: ١٧٥ هـ) (٣).
أما الطبقة الوسطى لأتباع التابعين فقد كانت أغلب وفياتهم في خلافة كل من: الهادي، موسى بن المهدي بن المنصور (١٦٩ - ١٧٠ هـ)، والرشيد، هارون بن المهدي بن المنصور (١٧٠ - ١٩٣ هـ)، ويلاحظ قلة المفسرين في هذه الطبقة فلم أجد ممن تصدى للتفسير وكان له تفسير اجتهاديٌّ بارز سوى اثنين: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني (ت: ١٨٢ هـ)، وسفيان بن عيينة المكي (ت: ١٩٨ هـ) (٤)، وكذا الحال أيضًا ممن له مشاركة في التفسير، لعل من أعلامهم: عبد اللَّه بن المبارك (ت: ١٨١ هـ)، والفضيل بن عياض المكي (ت: ١٨٧ هـ) (٥).
أما طبقة صغار التابعين الذين كان أغلب وفياتهم في عهد كل من: الأمين، محمد بن هارون الرشيد (١٩٣ - ١٩٨ هـ)، والمأمون، عبد اللَّه بن هارون الرشيد (١٩٨ - ٢١٨ هـ)، فقد ندر التفسير الاجتهادي لديهم، حتى أني لم أجد فيهم إمامًا مبرزًا له آثار اجتهادية عديدة فيه سوى يحيى بن سلَّام القيرواني البصري الأصل (ت: ٢٠٠ هـ) (٦)، أما أغلب أعلامهم فقد اقتصروا على نقل تفسير السلف قبلهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وروايته وتدوينه؛ كعبد الرزاق الصنعاني (ت: ٢١١ هـ)، ومحمد بن يوسف الفريابي (ت: ٢١٢ هـ)، وآدم بن أبي إياس (ت ٢٢٠ هـ).
_________
(١) يلاحظ طول مدة هذه الطبقة مقارنة بمن بعدها، وذلك لأنها في الأصل طبقتان كما تقدم.
(٢) سيأتي التعريف بهم في الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير.
(٣) تنظر تراجم هؤلاء وأثرهم في التفسير في كتاب: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة، ص ٢١٦ - ٢٥٠.
(٤) سيأتي التعريف بهما في الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير.
(٥) تنظر ترجمته وأثره في التفسير في كتاب: تفسير أتباع التابعين، ص ٢٥٢.
(٦) سيأتي التعريف به في الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير.
стр. 229
بدأت الدولة العباسية والأحوال مضطربة، وانتقضت عليها عدة جهات خصوصًا المغرب والأندلس، كذلك ظهر في عمقها حركات مناوئة قوية، أشهرها حركة محمد بن عبد اللَّه بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة وأخيه إبراهيم بالبصرة عام ١٤٥ هـ، إِلا أن أبا جعفر المنصور تمكن من القضاء عليها بعد أن كادت تقضي عليه (١)، وكان لتلك الحركة أثر على أهل العلم حيث أيدها كثير منهم كمالك بن أنس في المدينة، وأبي حنيفة بالكوفة، وغيرهما (٢)، ولا شك أنهم تأثروا بعواقبها، كذلك كان من أشد من تأثر بجبروت أبي جعفر المنصور سفيانُ الثوري الذي ظل آخر حياته متخفيًّا متنقلًا هربًا منه، وذلك لأنه كان ينكر على أبي جعفر ظلمه وجوره، إلى أن انتقل إلى مكة وظل متخفيًّا حتى توفي المنصور.
ثم استقرت الأمور في أواخر عهد المنصور ثم المهدي والرشيد، ونشطت المجالس والرحلات العلمية في شتى أرجاء البلاد الإسلامية؛ خصوصًا في مكة والمدينة والكوفة والبصرة، ونشأ أعلام التفسير والحديث والفقه.
من جهة أخرى كان لظهور الدولة العباسية وانتقال الخلافة إلى العراق أثر في رحلة العلماء إليها، كمقاتل بن سليمان الذي انتقل من خراسان واستقر بها متنقلًا بين بغداد والبصرة، كذلك رحل إليها بعض أعلام المدينة كمحمد بن إسحاق، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة الرأي، وغيرهم.
هذا وقد بلغت الحركة العلمية ذروتها في عصر الدولة العباسية، تَمثَّل ذلك في معالم بارزة، من أهمها:
١ - اتساع العلوم بأنواعها من علوم القرآن والحديث والفقه وغيرها، وأصبح لها مبادئ وأسس وقواعد مدونة، ومتخصصون في كل منها، بل تكاملت علوم كانت ناشئة في أواخر القرن الأول، يظهر هذا جليًّا في علوم العربية، التي استقرت على يدي جهابذة أهل اللغة في هذا العصر كالخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٥ هـ)، وسيبويه (ت: ١٨٠ هـ)، والكسائي (ت: ١٨٣ هـ)، والفراء (ت: ٢٠٧ هـ)، وأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت: ٢٠٩ هـ)، وغيرهم.
٢ - ظهور المذاهب الفقهية الكبرى التي أضحى لها أتباع مقلدون، كمذهب أبي حنيفة (ت: ١٥٠ هـ)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ)، ومن المذاهب المندثرة: مذهب الأوزاعي
_________
(١) ينظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٨٩.
(٢) ينظر: تاريخ الخلفاء ص ٢٢٩.
стр. 230
(ت: ١٥٧ هـ)، ومذهب سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ)، ومذهب الليث بن سعد (ت: ١٧٥ هـ) (١).
٣ - تطور تدوين العلوم، من مجرد الجمع والتدوين إلى التصنيف والترتيب والتبويب؛ ومن ثم ظهور المؤلفات الجامعة، كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني.
* معالم التفسير في عصر أتباع التابعين:
أولًا: الرحلة في طلب علم التفسير ونشره:
مع اتساع الدولة الإسلامية وترامي أطرافها فقد بلغت الرحلة في طلب العلم في هذا العصر ذروتها، إلى مختلف البلاد، خصوصًا الحرمين؛ مكة والمدينة، والعراقين؛ الكوفة والبصرة، لا سيما من بلدان المشرق كخراسان وبلاد ما وراء النهر، التي أخرجت فيما بعد أعلام الأمة في كثير من العلوم خصوصًا الحديث، وفي علوم القرآن نجد عددًا من أعلام التفسير نشأوا في تلك البلاد وكانت لهم رحلات علمية للقيا علماء التابعين في التفسير، فمن هؤلاء:
مقاتل بن سليمان البلخي (ت: ١٥٠ هـ): الذي رحل إلى مختلف البلاد فروى عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح المكيين، ومحمد بن شهاب الزهري، وزيد بن أسلم المدنيين، وابن سيرين البصري، وعطية بن سعد العوفي الكوفي، وغيرهم (٢). وعاد إلى خراسان وصنف كتبه في التفسير وعلوم القرآن، واستقر في آخر حياته في العراق.
وكذلك سميُّه وبلديُّه مقاتل بن حيان البلخي (ت: ١٥٠ هـ). الذي قال عن نفسه عند تفسير إحدى الآيات: "أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك" (٣).
ومحمد بن إسحاق (ت: ١٥٣ هـ) الذي رحل إلى كثير من البلاد، كالكوفة، والري، ومصر، وبغداد التي أقام بها آخر حياته حتى توفي.
وهكذا يحيى بن سلام البصري الذي رحل إلى الكوفة فأخذ عن سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ)، هالى المدينة فأخذ عن مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ)، وإلى مصر فأخذ عن ابن لهيعة (ت: ١٧٤ هـ)، والليث بن سعد (ت: ١٧٥ هـ)، كما أخذ القراءات والتفسير قبل ذلك عن أصحاب الحسن البصري وقتادة.
_________
(١) ينظر: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ١/ ٤٣٧ - ٤٣٩.
(٢) ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٢٦٣، ميزان الاعتدال ٤/ ١٧٣، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٧٩.
(٣) تفسير ابن جرير الطبري ٩/ ٩٢.
стр. 231
ولم تقف رحلاتهم على طلب العلم فحسب، بل رحلوا أيضًا لنشر ذلك العلم وبثه، فهذا مقاتل بن سليمان استقر في آخر حياته بالعراق متنقلًا بين بغداد والبصرة، وكانت له مجالس علمية فيها وفي غيرها من البلاد التي رحل إليها (١).
وكذلك يحيى بن سلّام الذي انتقل إلى بلاد المغرب التي كانت أرضًا بكرًا تحتاج إلى العلماء، فاستقر في القيروان بتونس ومكث بها حوالي عشرين سنة، بَثَّ فيها علمه، وألقى تفسيره، ونال مكانة مرموقة بين أهلها وحكامها، وكان من أوائل من بذر فيها التفسير وعلوم القرآن، ومن هنا كانت للمتقدمين من أهل المغرب والأندلس عناية بالغة بتفسيره (٢).
ثانيًا: توسع التفسير في عهد أتباع التابعين (٣):
توسع التفسير في عهد الأتباع بصورة ملموسة، وكان لهذا التوسع معالم عديدة، من أبرزها:
١ - التوسع بإطالة العبارة في التفسير:
وذلك أن تفسير أتباع التابعين لم يختلف عن تفسير مَن قبلهم، بل كثيرًا ما يكون هو تفسيرهم، والآراء هي آراء مشايخهم بمعانيها، إِلَّا أنهم كثيرًا ما يستطردون في المعنى ويطيلون في العبارة، والناظر في هذه الموسوعة يلحظ ذلك عند المقارنة بين أتباع التابعين ومن قبلهم عند تفسير بعض الآيات.
٢ - توسع التفسير بشموله جميع ألفاظ القرآن وآياته:
ذكرنا أن منهج السلف عمومًا هو تفسير ما أشكل من القرآن واحتيج إلى بيانه، لكن نظرًا لزيادة تلك الحاجة في ذلك العصر فقد ظهر في جيل أتباع التابعين من فسَّر جميع سوره وآياته ومعظم ألفاظه، يظهر ذلك جليًّا في تفسيري مقاتل بن سليمان، ويحيى بن سلّام، اللذين وصلانا عبر القرون واطلعنا على ذلك المنهج فيهما، ومصداق ذلك في هذه الموسوعة، حيث لا تكاد تجد آية من القرآن إِلا ولمقاتل بن سليمان تفسير لها، بل إن بعض الآيات لم ينص على تفسيرها غيره.
_________
(١) وردت آثار عن مقاتل أنه رحل إلى مكة والشام وغيرهما وأنه كان يجلس للمتعلمين ويطلب منهم أن يسألوه، ينظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٤٤٦ - ٤٤٨، سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٠٢.
(٢) ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص ١٧٦.
(٣) ينظر هذا المبحث بتوسع في: المرجع السابق ص ٣١٥ - ٣٢١.
стр. 232
٣ - التوسع في الاستفادة من بعض مصادر التفسير:
من صور توسع التفسير لدى أتباع التابعين التوسع في إعمال بعض مصادره التي كانت عند من قبلهم، فمن ذلك:
أ - القرآن:
حيث فاق أتباع التابعين مَن قبلهم في إعمال هذا المصدر، وكان من أبرزهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، الذي طرق شتّى مجالات تفسير القرآن بالقرآن، من بيان مجمل، وتوضيح مبهم، وإيضاح مشكل، والاستشهاد لمعنى آية بأخرى. كما برز قبله مقاتل بن سليمان، الذي برع في نوع جديد من علوم التفسير، وهو علم الوجوه والنظائر، وكان مَن بعده عيال عليه في هذا العلم، أيضًا ممن برز في هذا العلم من أتباع التابعين وأعمله في تفسيره يحيى بن سلّام.
ب - السُّنَّة:
أعمل الصحابة والتابعون هذا المصدر في التفسير، وكذلك أتباع التابعين، خصوصًا كبار محدثيهم، لذا زخرت مروياتهم بآثار السُّنَّة المفسرة للقرآن، والمبينة لمشكله، أو الاستشهاد بها على بعض معاني الآية، أو ذكر بعض الآثار المرفوعة المتممة لمعنى الآية، ظهر ذلك جليًّا في تفسير يحيى بن سلّام، الذي أكثر من توظيف السُّنَّة في تفسير الآيات، أو تأييد معنى فيها أو تتميمه، أو ترجيحه، سواء كان ذلك من تفسيره أو تفسير غيره، ولعله بذلك أول من اعتنى بهذا الجانب مثل هذه العناية الكبيرة (١)، واللَّه أعلم.
ت - الإسرائيليات:
توسع أتباع التابعين في إيراد الأخبار الإسرائيلية كثيرًا، ورَوَوْا غرائب فيما يتعلق بقصص الأنبياء والأمم السابقة، وأوردوا تفاصيل دقيقة في المبهمات، لا تجدها عند غيرهم، وفاقوا من قبلهم في ذلك من حيث الجملة، بل لا يبعد القول أنه لم يفُقْ أفرادهم أحد من المتقدمين في سرد القصص سوى السُّدِّي (ت: ١٢٧ هـ)، ولعل سبب ذلك هو شغفهم بالجانب القصصي وتفاصيله من تعيين المبهمات وتسمية الذوات (٢)،
_________
(١) ينظر بيان ذلك موسعًا في: المرجع السابق ص ١٨٥.
(٢) وهذا -أيضًا- واضح في أسباب النزول من توسع في السياق وتفاصيل للقصة، وسَوق روايات الأحداث العديدة في سياق واحد مع ربط بعضها ببعض.
стр. 233
خصوصًا أن المكثرين منهم كانوا أخباريِّين أعلامًا في القصص والتاريخ والسيرة، كالكلبي ومقاتل بن سليمان وابن إسحاق.
هذه أهم المصادر التي توسع فيها أتباع التابعين، والأمثلة واضحة جلية في هذه الموسوعة على ذلك، واللَّه أعلم.
ثالثًا: تدوين التفسير لدى أتباع التابعين:
يُعَدُّ عصر أتباع التابعين مرحلة فاصلة في تاريخ تدوين العلوم عمومًا، بسبب ما استجد في الحركة العلمية في ذلك العصر؛ من انتقال العلوم من مجرد التدوين إلى مرحلة التصنيف والتبويب والترتيب، وسيأتي في الفصل الثاني فيما ذلك.
رابعًا: الاعتناء بعلوم القرآن خصوصًا المتعلقة بالتفسير:
ومن أهمها:
أ - أسباب النزول:
كان لأتباع التابعين اعتناء كبير بأسباب النزول، بل توسعوا في ذلك كثيرًا حتى فاقوا التابعين، نجد ذلك التوسع والاعتناء جليًّا عند كبار مفسريهم كالكلبي والمقاتلَين وابن إسحاق، ويحيى بن سلام (١).
ب - القراءات وتوجيهها:
كان لأتباع التابعين اعتناء كبير بالقراءات، بل إن أغلب القراء العشرة ظهروا في جيلهم، أما مفسروهم فقد كانت عنايتهم بها أثناء التفسير قليلة، غير أن يحيى بن سلام أبرز هذا العلم كثيرًا في تفسيره، وفاق من قبله بالاعتناء بتوجيه القراءات، ولا عجب في ذلك فهو مقرئ فذّ، أخذ القراءات عن أصحاب الحسن البصري، وكان له اختيار فيها (٢).
ت - الناسخ والمنسوخ:
لأتباع التابعين حضورٌ واضحٌ في مسائل الناسخ والمنسوخ من الآيات في تفاسيرهم، خصوصًا مقاتل بن سليمان وابن زيد ويحيى بن سلّام، بل ذُكر منهم من
_________
(١) ينظر مبحث موسع عن ذلك في: كتاب تفسير أتباع التابعين ص ٣٣١ - ٣٣٧.
(٢) ينظر: القراءات بإفريقية من الفتح إلى منتصف القرن الخامس الهجري ص ١٥٧ - ١٧٤، تفسير أتباع التابعين ص ١٨٥.
стр. 234
صنّف في هذا العلم استقلالًا كمقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ)، والحسين بن واقد (ت: ١٥٩ هـ)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢ هـ)، وغيرهم (١).
ث - علم الوجوه والنظائر:
بلغ هذا العلم الذروة على أيدي أتباع التابعين، برز ذلك عند مقاتل بن سليمان في تفسيره بجلاء، حيث برع في توظيف هذا الفن لبيان معنى الآيات، يليه في الاعتناء بهذا العلم يحيى بن سلّام (ت: ٢٠٠ هـ) في تفسيره (٢)، بل ألّف كل منهما كتابًا في العلم استقلالًا، كما سيأتي في الفصل الثاني. وفي الموسوعة أمثلة واضحة لكل ما سبق.
خامسًا: ظهور التفسير اللغوي:
ظهر في عهد أتباع التابعين جمع من اللُّغويين كان لهم رأي واجتهاد في تفسير القرآن، كقطرب (ت: ٢٠٦ هـ)، والفراء (ت: ٢٠٧ هـ)، وأبي عبيدة (ت: ٢٠٩ هـ)، وغيرهم، لكن كان الأصل في تفسير القرآن عندهم، وأساس بحثهم، وأصل مشاركتهم، والأسبق في طرحهم؛ هو النظر اللغوي؛ مما أوقعهم في ذكر معانٍ ضعيفة أو بعيدة عن مراد الآيات (٣)، بخلاف طريق السلف التي كان المقصود الأول لديهم هو بيان المعنى المراد (٤).
وتجدر الإشارة إلى أن الاعتماد على الطريق العقلي -ومنه اللغوي- والتنكب عن طريق السلف في التفسير أدى إلى ظهور تفاسير المبتدعة في هذا العصر، كما سيأتي بيانه في التالي.
سادسًا: بروز الانحراف في التفسير وظهور مؤلفات فيه:
بعد ظهور فِرَق المبتدعة في أواخر عهد الصحابة وعهد التابعين أخذت بالتوسع والتشعب، واستفحل شرهم حتى بلغ مرحلة خطيرة في عهد أتباع التابعين، حين
_________
(١) ينظر مبحث موسع عن ذلك في: المرجع السابق ص ٣٢٤ - ٣٣٠.
(٢) ينظر مبحث موسع عن ذلك في: المرجع السابق ص ٣٣٧ - ٣٤١.
(٣) ينظر: التفسير اللغوي للدكتور مساعد الطيار ص ١٤٩ - ١٥٣.
(٤) ومن هنا لم يعتن أئمة نقلة التفسير المأثور -كعبد الرزاق وعبد بن حميد والطبري وابن أبي حاتم- بنقل آرائهم في التفسير؛ لأنهم شاركوا في تفسير القرآن باتجاه آخر غير طريق السلف، كما أن المفسرين المتأخرين كانوا يميزونهم بإطلاق وصف "أهل المعاني" عليهم، بل إن بعض اللغويين كانوا يميزون أنفسهم بإطلاق وصف "المفسرين" و"أهل التفسير" و"الفقهاء" ونحوها على مفسري السلف، مما يدل على تمايز المنهجين، وأنهم يجعلون مفسري السلف نوعًا قسيمًا لهم في علم التفسير، وليسوا قسمًا منهم. ولهذا لم نورد أقوالهم في هذه الموسوعة تبعًا لصنيع أئمة نقلة التفسير.
стр. 235
بدأت تنشر آراءها، موظفة علم الكلام الذي برز حينئذ إثر ترجمة كتب الأمم السابقة، كذلك دُوِّنت مصنفات توضح معتقداتها وتُزَيُّنها للناس، حتى ولجت إلى كتاب اللَّه تفسره حسب أهوائها ومعتقداتها، فبدأ ظهور تفاسير المعتزلة في أواخر هذا العصر، وما بعده، كتفسير أبي بكر بن كيسان الأصم (ت: قيل: ٢٠١ هـ، وقيل: ٢٢٥ هـ)، ويوسف بن عبد اللَّه الشحام (ت: ٢٣٣ هـ) (١).
والأخطر من ذلك هو محاولتهم الدعوة إلى مذهبهم للوصول إلى بلاط الحكام، الذين كانوا في بداية هذا العصر صخرة قوية تحطم تلك المعتقدات، خصوصًا الخليفة المهدي الذي تنبه لخطر الزنادقة وأفناهم، لكن في أواخر هذا العهد استطاع المعتزلة الوصول إلى الحكام، فاتصلوا بالخليفة المأمون وتمكنوا من إقناعه بمعتقدهم، فكان عهده آخر عهد الأتباع، وفيه "ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا" (٢).
من جهة أخرى نجد بعض كبار مفسري أتباع التابعين قد اتهم ببعض تلك البدع مما أثر تأثيرا سلبيًّا في مدى الإفادة منه، وقبول تفسيره ومروياته، ولعلنا نضرب مثالًا باثنين من أشهر مفسريهم، هما:
أ - محمد بن السائب الكلبي:
الذي قال عنه الذهبي: "أجمعوا على تركه، واتهم بالأخوين: الكذب والرفض" (٣). لذا لم يحفل أغلب أئمة نقلة التفسير -كالطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم- بتفسيره، ولا سيما ما يرويه، إِلا القليل (٤)، ومن هنا لم تصل آثاره الاجتهادية في هذه الموسوعة إلى مستوى الطبقات الأولى من المكثرين، مع أنه من أئمة التفسير روايةً ودرايةً (٥).
ب - مقاتل بن سليمان:
اتُّهم في عقيدته، بأنه كان مُجَسِّما يُشبِّه اللَّهَ بخلقه، كما عُرف عنه الكذب في
_________
(١) ينظر: التفسير اللغوي للدكتور مساعد الطيار ص ٢٦٩، ٥٧٦.
(٢) فتح الباري ٧/ ٦.
(٣) تاريخ الإسلام ١٤/ ٤٤٨، العبر ١/ ٣٨.
(٤) ينظر تفصيل ذلك في كتاب: تفسير أتباع التابعين ص ٥١ - ٥٣.
(٥) ينظر توضيح ذلك في: الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير.
стр. 236
الحديث، لذا نجد أن أئمة المفسرين من نقلة التفسير المأثور اطَّرحوا تفسيره روايةً ودرايةً (١)، إِلا القليل منهم (٢). ومن هنا قَلَّ أن تجد أقواله في كتب أئمة نقلة التفسير المأثور، مع ما عرف عنه من علم واسع في التفسير حتى قال الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ): "الناس عيال في التفسير على مقاتل بن سليمان" (٣)، يشهد لذلك ما تركه من عناوين كتب عديدة في التفسير وعلوم القرآن (٤)، ولولا أن تفسيره وصل إلينا كاملًا لضاع علمه، ولما وقفنا على تلك المكانة التي عرف بها في التفسير، بحيث يمكن القول بأنه أكثر أتباع التابعين تفسيرًا، كما سنرى في هذه الموسوعة المباركة التي تميزت بضم أغلب تفسيره، مما لا تكاد تجده في كتب التفسير المأثور المتقدمة، خصوصًا الدر المنثور (٥).
* * *
_________
(١) وفي هذا يقول الذهبي في السير ٧/ ٢٠١: "قال ابن المبارك -وأحسن-: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة! ".
(٢) ينظر تفصيل ذلك في كتاب: تفسير أتباع التابعين ص ٦٧ - ٧٠.
(٣) تهذيب الكمال ٢٨/ ٤٣٦.
(٤) ينظر: الفهرست لابن النديم ص ٢٥٣، ٢٥٤، هدية العارفين ٢/ ٤٧٠، تاريخ التراث العربي ١/ ٨٥، تفسير أتباع التابعين، ص ٦٦.
(٥) وسيأتي مزيد بيان لذلك في الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير.
стр. 237
المبحث الخامس أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير السلف
تقدم في المباحث السابقة عرض موجز لأهم الأحداث التاريخية في عهد السلف، إضافة إلى معالم التفسير في طبقات السلف الثلاث، وفي هذا المبحث نحاول الإلمام بأبرز تلك الأحداث والعوامل التاريخية التي كان لها الأثر الواضح في توسع تفسير القرآن وتطوره عما كان عليه في العهد النبوي، مع زيادة إيضاح بالأمثلة، وذلك فيما يلي:
١ - الفتوحات الإسلامية وانتشار الإسلام:
تقدم أن الصحابة ﵃ كانوا عربًا أقحاحًا، نزل القرآن بلغتهم وأسأليبهم، فأدركوا معانيه، ولم يشكل عليهم إِلا القليل مما احتاجوا إلى بيانه من الرسول ﷺ مما جعل التفسير النبوي الصريح قليلًا، وكان نطاق مرويات التفسير ضيقًا، إِلا إنه حين دخل في الإسلام أمم من غير العرب أشكل عليهم فهم كثير منه بحكم كونهم ليسوا من أهل لغته العارفين لأسأليبها، فاتجهوا إلى الصحابة يسألونهم عما كان عند الصحابة بدهيًّا واضحًا جليًّا، مما كان لا يُفسر بينهم لوضوحه، فاضطر الصحابة لبيانه لهم، وتفسير آيات كثيرة من كتاب اللَّه لم يحتاجوا من قبل لتفسيرها وتوضيحها، فاتسع التفسير بذلك، وزادت مروياته كثيرًا.
وغموض بعض معاني القرآن الواضحة لم تكن قصرًا على هؤلاء الأعاجم فحسب، بل كذلك نشأ جيل من العرب ظهر فيهم اللحن بسبب اختلاطهم بالعجم، وبعدوا عن لغة العرب الصافية، وأساليبها الرصينة، حتى قرؤوا القرآن لحنًا، وأوَّلوا معانيه خطًا، وصارت بعض ألفاظه من الغريب عندهم، مما كان واضحًا عند من قبلهم.
стр. 238
وهكذا كلما بَعُد الزمان ازدادت العجمة، وازداد طلب شرح ألفاظ القرآن وأساليبه واحتاجوا إلى وضع قوانين للّغة تحفظ موازينها، فظهرت علوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة واشتقاق وغيرها.
من جانب آخر نجد أن مع هذه الفتوحات كثر احتكاك المسلمين بأهل الكتاب، واطلعوا على المزيد من كتبهم، وربما نقلوا عنهم (١). كذلك دخل في الإسلام فئام منهم، وبعضهم من أحبارهم وكبار علمائهم، يأتي على رأسهم كعب بن ماتع الحميري المعروف بكعب الأحبار (ت: ٣٢ هـ)، "الذي كان يهوديًّا، فأسلم بعد وفاة النبي ﷺ وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر ﵁، فجالس أصحاب محمدٍ ﷺ فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية" (٢)؛ التي "كان -في الغالب- يعرف حقَّها من باطلها لسعة علمه وكثرة اطلاعه" (٣).
٢ - انتقال الصحابة إلى الأمصار المفتوحة:
حين اتسعت الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب ودخل في الإسلام شعوب تلك البلاد رغبوا في تعلم كتاب اللَّه وأحكام شرعه، فأرسل قادةُ الجيوش إلى الخليفة ليسُدَّ لديهم هذه الخلة، ويكفيهم مؤونة هذه المهمة، فعن محمد بن كعب القرظي، قال: "جمع القرآن في زمان النبي ﷺ خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبي بن كعب وأبو أيوب وأبو الدرداء، فلما كان زمن عمر بن الخطاب كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا ورَبَلُوا (٤) وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فأَعنِّي يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فدعا عمر أولئك الخمسة فقال لهم: إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين، فأعينوني رحمكم اللَّه بثلاثة منكم، إن أجبتم فاستهموا، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم، هذا شيخ كبير -لأبي أيوب-، وأما هذا فسقيم -لأُبي بن كعب-، فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر: ابدؤوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم
_________
(١) كما روي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أنه وجد زاملتين من كتب أهل الكتاب بعد اليرموك فكان يحدث منها.
(٢) سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٨٩.
(٣) تاريخ الإسلام ٢/ ٢١٤.
(٤) رَبَلوا: كثروا ونَمَوا. تاج العروس (ربل).
стр. 239
من يلقن، فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد وليخرج واحد إلى دمشق والآخر إلى فلسطين. وقدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين، وأما معاذ فمات عام طاعون عمواس، وأما عبادة فصار بعد إلى فلسطين فمات بها، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات" (١).
ولما مُصِّرت الكوفة أرسل إليها عمر ﵁ صحابيين جليلين من كبار الصحابة، فعن حارثة بن المضرب، قال: قرأت كتاب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة: "أما بعد فإني بعثت إليكم عمارًا [أي: ابن ياسر] أميرًا، وعبد اللَّه [أي: ابن مسعود] معلِّمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فاسمعوا لهما واقتدوا بهما، وإني قد آثرتكم بعبد اللَّه على نفسي أثرة" (٢). وعن عامر الشعبي: أن مهاجر عبد اللَّه بن مسعود كان بحمص، فحدره عمر إلى الكوفة، وكتب إليهم: "إني واللَّه الذي لا إله إِلا هو آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه" (٣). فأشاع ابن مسعود ﵁ العلم في أهل الكوفة، فكان أصحابه من كبار التابعين وأعلمهم بالقرآن والأحكام، حتى إن علي بن أبي طالب حين نزلها بعد وفاة ابن مسعود ورأى أصحابه قال فيهم: "أصحاب عبد اللَّه سرج هذه القرية" (٤).
وهكذا البصرة ولَّى عمرُ أبا موسى الأشعري على أهلها، يعلِّمهم ويقضي بينهم، فعن أنس بن مالك أنه قال: "بعثني الأشعري إلى عمر فقال لي عمر: كيف تركت الأشعري؟ فقلت له: تركته يعلم الناس القرآن، فقال: أما إنه كيِّس، ولا تسمعها إياه" (٥)، كما بعث إليهم عمران بن حصين (ت: ٥٢ هـ)، فعن أبي الأَسود الدؤلي قال: "قدمت البصرة وبها عمران بن حصين، وكان عمر بعثه ليفقه أهلها" (٦)، وكان أنس بن مالك (ت: ٩٣ هـ) من أشهر من نزل البصرة من الصحابة، وطال مقامه فيها حتى كان آخرهم وفاة بها.
_________
(١) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٢/ ٣٥٦، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٦/ ١٩٤، ٤٧/ ١٣٨.
(٢) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٦/ ٧.
(٣) المصدر السابق ٣/ ١٥٧.
(٤) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٦/ ١٠.
(٥) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٢/ ٣٤٥.
(٦) أورده الحافظ ابن حجر في الإصابة، ت: مركز هجر للبحوث ٧/ ٤٩٦، وذكر أن الطبراني أخرجه بسند صحيح.
стр. 240
٣ - فتنة مقتل عثمان ﵁، والأحداث المترتبة على ذلك:
وهي أعظم بلية، وأكبر رزية نُكب بها المسلمون بعد وفاة رسولهم ﷺ ، ولا زلنا نكتوي بآثارها إلى اليوم، افترق المسلمون إثرها إلى حزبين متناحرين، والحدث معلوم وليس هذا مقام بسطه، لكن نلخص أهم الأحداث الناتجة عن ذلك والتي أثَّرت في التفسير تأثيرًا واضحًا فيما يلي:
أ - انتقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ من المدينة إلى الكوفة، وانتقال ابن عمه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس ﵄ معه، وتوليه البصرة له، وما نتج عن ذلك من نشر علمهما -لا سيما التفسير- في تلك البلاد، وظهور تلاميذ علي بن أبي طال هناك، خصوصًا أن عليًّا ﵁ كانت له مجالس علمية، وكان يحثهم على سؤاله عن القرآن والأحكام ويقول: "سلوني، فواللَّه لا تسألوني عن شيء إِلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب اللَّه، فواللَّهِ ما من آية إِلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل، أم في جبل" (١)، وسيأتي مزيد بيان لذلك.
ب - باستشهاد علي ﵁ عام ٤٠ هـ ومن بعده تنازل ابنه الحسن عن الخلافة لمعاوية، واجتماع المسلمين عليه نجد أن ابن عباس ﵄ اعتزل الفتنة وما ترتب عليها، ورحل إلى الحجاز واستقر بها متفرغًا لنشر العلم، والتصدي لتفسير القرآن بقية عمره، فلزمه طلابه وعكفوا على دروسه، وهو في المقابل اعتنى بتأهليهم للفتوى، وأشرف على تصديهم للتفسير، حتى نبغوا ونقلوا علمه، فكان أكثر الصحابة رواية في التفسير، واجتهدوا وفق ما رباهم عليه، فكانوا أعلم السلف بالتفسير كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وكان منهم أكثر التابعين تفسيرًا للقرآن، كما تقدم.
ت - كان للأحداث المتعاقبة المترتبة على تولى يزيد بن معاوية الخلافة أثر كبير في التفسير، ابتداء باستشهاد الحسين ﵁، ويوم الحرة، ثم وفاة يزيد وتصدع الدولة الأموية في فرعها السفياني، ثم قيام الفرع المرواني على يد عبد الملك بن مروان، الذي أطلق يد قواده في سفك الدماء وقتل العلماء لأجل تثبيت دعائم دولته، يظهر ذلك جليًّا في أعمال أميره على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي قتل ابن الزبير ﵄ بمكة، وآذى ابن عمر وأنس بن مالك ﵃ وقتل عددًا من مفسري التابعين وكبارهم، خصوصًا بعد وقعة دير الجماجم في فتنة ابن الأشعث، حيث تتبع
_________
(١) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٢/ ٣٣٨.
(٢) مقدمة في أصول التفسير ص ٦١.
стр. 241
من شارك فيها من القراء والعلماء، كأبي الجوزاء (ت: ٨٣ هـ)، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد (ت: ٨٣ هـ)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (ت: ٨٣ هـ)، وختم حياته بقتل سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ).
٤ - ظهور المبتدعة والفرق الضالة:
وهو أثر من آثار فتنة مقتل عثمان ﵁، أفردناه لعظم شأنه وامتداد سيئ آثاره إلى يومنا هذا، حيث أدى إلى افتراق الأمة إلى حزبين بين علي ومعاوية ﵄، وعلى إثره بدأ التفرق والتشرذم بظهور الخوارج والشيعة، وسرعان ما تبعتهما الفرق الأخرى، وأدى ذلك إلى ظواهر عديدة أثَّرت في تاريخ التفسير، من ذلك:
أ - ظهور الانحراف في التفسير:
حين خرجت الخوارج أول الفرق الضالة عام ٣٧ هـ، ظهر عن طريقهم أول انحراف في تفسير القرآن مبني على الجهل والتعصب والهوى، حيث أُتوا من جهلهم بالقرآن، وكفَّروا عليًّا والصحابة، "واعتلُّوا بقول اللَّه : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، قالوا: فأمر اللَّه وحكم بقتال أهل البغي، وترك عليٌّ قتالهم لمَّا حكم، وكان تاركًا لحكم اللَّه سبحانه، مستوجبًا للكفر، لقول اللَّه : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ " (١)، فأرسل إليهم عليٌّ ﵁ حبر الأمة عبد اللَّه بن عباس ﵄، فناظرهم، وأوضح لهم انحرافهم في فهم القرآن حتى عاد أكثرهم.
ثم بعد استشهاد علي ﵁ برزت الشيعة وغلَوا في عليٍّ وأبنائه، خصوصا بعد استشهاد الحسين، وانشقوا عن جماعة المسلمين وصارت لهم الآراء والمعتقدات الخاصة، وحرفوا القرآن وفسّروه بأهوائهم ليوافق ضلالاتهم، ومن هنا كثر كذبهم على عَلِيٍّ وأئمتهم، واختلطت كثير من المرويات عن عليٍّ وأهل بيته بكذبهم وأباطيلهم.
بل ربما كانوا أسبق بالانحراف في التفسير من غيرهم، فهذا عبد اللَّه بن سبأ -رأس السبئية من فرقهم وموقد الفتنة- يتنمل بين البلدان ليبث الضلالات ويشعل
_________
(١) مقالات الإسلاميين ص ٤٥٢.
стр. 242
الفتن ويؤلب الناس على عثمان ﵁، مبتدئًا ذلك من خلال تحريف معاني القرآن مع نشر ذلك بين الطغام فيقول: "لعجبٌ ممنِ يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدًا يرجع، وقد قال اللَّه : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [القصص: ٨٥] فمحمد أحق بالرجوع من عيسى"، حتى قبلوا ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة، ثم ادعى أن عليًّا كان وصيًّا وأن عثمان أخذها بغير حق، حتى جمع الغوغاء إلى المدينة فقتلوا عثمان ﵁ (١).
وهكذا تتابعت حلقات المبتدعة، فظهرت القدرية في أواخر عهد الصحابة، وبعدهم المرجئة، والمعتزلة، والجهمية، كل حزب بما لديهم فرحون، يدعون إلى بدعتهم، ويتخذون من التأويل الباطل للنصوص سلاحًا يخدم أغراضهم الفاسدة ويؤيد باطلهم، وأصبح ذلك المنهج مطية لكل من يريد الخروج على عقيدة الأمة وشريعتها، وازدادت بذلك التفاسير المبتدعة والتأويلات الباطلة لكتاب اللَّه .
ب - مواجهة التأويلات المنحرفة للقرآن:
نهض السلف لمواجهة هذا الخطر الداهم، ونشطوا في كشف حقيقته للناس بوسائل عديدة، من أهمها:
١ - هجر المنتمين إلى تلك البدع والتحذير منهم:
فقد كان السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم أشداء في النكير على أهل البدع -كما سيأتي من أمثلة توضح ذلك-، خصوصًا من عاش منهم في العراق منشأ تلك البدع، وهذا واضح جلي من موقف الشعبي من الشيعة، وإبراهيم النخعي من المرجئة، وابن سيرين من القدرية.
بل نسب إلى تلك الفرق المبتدعة مفسرون لهم باع في التفسير، ووقف منهم أهل العلم موقفًا شديدًا، مما أدى إلى قلة الرواية عنهم وعدم اعتداد الكثير بتفسيرهم، يظهر ذلك جليًّا في محمد بن السائب الكلبي (ت: ١٤٦ هـ)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ)، وربما كان لما اتهم به عكرمة مولى ابن عباس من انتحال رأي الخوارج دور في قلة آثاره في التفسير مقارنة بمجاهد مع اتفاقهما في طول ملازمة ابن عباس والتفرغ للتفسير (٢)، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
_________
(١) ينظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري ٤/ ٣٤٠.
(٢) ينظر: تفسير التابعين ١/ ١٨٦.
стр. 243
٢ - الرد على المبتدعة من كتاب اللَّه وسُنَّة نبيِّه ﷺ -:
برز إثر ذلك ظواهر جديدة في التفسير، منها:
- تنزيل الآيات القرآنية على الواقع: يظهر ذلك جليًّا في مثل قول سعد بن أبي وقاص في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] قال: "الحَرُورِيَّةُ هم الذين ينقضون عهد اللَّه من بعد ميثاقه، وكان يسميهم الفاسقين" (١).
ومثله عبد اللَّه بن عباس لما قيل له: قد تُكلِّم في القدر! فقال: "أوَفعلوها؟! واللَّه ما نزلت هذه الآية إِلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩] أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن أريتني واحدًا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين" (٢).
ونحوه ما ورد عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧]، أنَّه قال: "نزلت في الخوارج" (٣). وكذا ما جاء أن قتادة قرأ هذه الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ فقال: "إن لم يكونوا الحَرُورِيَّةَ والسَّبَائِيَّة فلا أدري مَن هم؟! " (٤). وكذلك قول الزهري: "إن اللَّه أنزل على نبيِّه في القدرية: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] " (٥).
- التوسع في تفسير الآيات الواضحات التي كانت لا تفسر لوضوحها، خصوصًا أحكام العقيدة، مثال ذلك ما رواه طاووس قال: كنا جلوسًا عند ابن عباس، وعنده رجل من أهل القدر؛ فقلت: يا أبا عباس. كيف تقول فيمن يقول لا قدر؟ قال: أفي القوم أحد منهم؟ قلت: ولم؟ قال: آخذ برأسه ثم أقرأ عليه آية كيت، وآية كيت،
_________
(١) أخرجه البخاري (٤٧٢٨)، وابن جرير ١٥/ ٤٢٥، وابن أبي حاتم ١/ ٧١ - ٧٢. وعلَّقَ ابنُ كثير في تفسيره ١/ ٣٢٨ على قول سعد ﵁ بقوله: "وهذا الإسناد إن صحَّ عن سعد بن أبي وقاص ﵁ فهو تفسير على المعنى، لا أنَّ الآية أُرِيد منها التنصيص على الخوارج الذين خرجوا على عليّ بالنهروان؛ فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سُمُّوا خوارج لخروجهم عن طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام".
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٨٣ - ، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ٣/ ٥٩٧ (٩٤٨)، ٤/ ٧١٢ (١١٦٢)، ٤/ ٨٢٣ - ٨٢٤ (١٣٨٨)، والبيهقي في الكبرى ١٠/ ٣٤٥ (٢٠٨٨٠).
(٣) ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ٢٧٥ - .
(٤) أخرجه عبد الرزاق ١/ ١١٥ - ١١٦، وابن جرير ٥/ ٢٠٧ - ٢٠٨ واللفظ له.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٨١١.
стр. 244
حتى قرأ آيات من القرآن، حتى تمنيت أن يكون كل من تكلم في القدر شهده، فكان فيما قرأ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] (١).
وعن أيوب بن حسان، قال: سأل رجلٌ سفيان بن عُيَيْنَة عن القَدَرِيَّة. فقال: "يا ابن أخي، قالت القدرية ما لم يقل اللَّه ، ولا الملائكة، ولا النبيون، ولا أهل الجنة، ولا أهل النار، ولا ما قال أخوهم إبليس، قال اللَّه : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وقال النبيون: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، وقال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] " (٢).
- التركيز على تفسير آيات الصفات وبيان الحق فيها، إذ كانت من أكثر الآيات التي تعمَّدها تحريف المبطلين، وشابتها شوائب المبتدعة المضلين، وذلك في أواخر عهود السلف، الذين نهضوا إلى بيان الحق فيها، وأن تلك الآيات واضحة المعنى عند الصحابة والتابعين، يثبتون ما فيها على ظاهرها دون تحريف أو تأويل، أو إنكار أو تشبيه، وعدم ورود تفسيرات جزئية لها لا يعني أنهم جهلوا معناها أو فوّضو العلم بمعناها إلى اللَّه تعالى وحده.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما روى ابن عيينة أن ربيعة الرأي (ت: ١٣٦ هـ) سُئل عن قوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩]. كيف استوى؟ قال: "الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ، ومن اللَّه الرسالةُ، وعلى الرسول البلاغُ، وعلينا التصديقُ" (٣)، وبنحوه روي أيضًا عن تلميذه الإمام مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ) (٤).
هذه أبرز العوامل التاريخية التي أثرت في تفسير السلف، مما أدى إلى توسعه كثيرًا عما كان عليه في العهد النبوي، ومن ثم ظهور الآلاف من مرويات التفسير عن مفسري السلف كما سنرى في هذه الموسوعة.
_________
(١) الإبانة ٩/ ٢/ ١٦٢ - ١٦٣/ ١٦٣٠، والشريعة ١/ ٤١٧/ ٤٩٣، والسُّنَّة العبد اللَّه بن أحمد ص ١٤١.
(٢) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر ٣/ ٨٢٤.
(٣) أخرجه اللالكائي ص ٦٦٥. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك". مجموع الفتاوى ٥/ ٣٦٥.
(٤) أخرجه اللالكائي (٦٦٤)، والبيهقي (٨٦٦)، وقال ابن حجر: سنده جيد. فتح الباري ١٣/ ٤٠٦، ٤٠٧.
стр. 245
الفصل الثاني نقل تفسير السلف ومراحل تدوينه
ويتضمن ما يلي:
المبحث الأول: مرحلة الروايات الشفهية
المبحث الثاني: مرحلة الكتابة والتدوين
стр. 246
نقل تفسير السلف ومراحل تدوينه
مرَّ تفسير السلف في نقله وتداوله بمرحلتين رئيسيتين كسائر علوم الشريعة، هما مرحلة الروايات الشفهية والحفظ ابتداء، ثم مرحلة الكتابة والتدوين. وسوف نعرض لهاتين المرحلتين بشيء من التفصيل من خلال المبحثين التاليين:
стр. 247
المبحث الأول مرحلة الروايات الشفهية
كان العرب قبل الإسلام يعتمدون في حفظ أيامهم وأشعارهم على الحفظ وقوة الذاكرة، حتى جاء الإسلام وقد نمت تلك الملكة لديهم وتميزوا بها، فأعملوها في حفظ القرآن والسُّنَّة، ونقل نصوصهما بألفاظهما، أما الكتابة والتدوين فإنها وإن كانت حاضرة عندهم لكنها بصورة محدودة، وقد أفاد النبي ﷺ من وجود بعض الكَتَبَة في كتابة القرآن الكريم وتدوينه، وورد عنه النهي ابتداء عن كتابة ما سوى القرآن الكريم خشية اختلاطه بالقرآن الكريم الذي لم يكن قد جُمع بعد، ثم أذن بكتابتها في آخر حياته ﷺ (١).
واستمر تناقل علوم الشريعة عن طريق الحفظ والمشافهة في عهد الصحابة ومن بعدهم، وكان هو الأساس في التعلم والتعليم، إِلا أن الكتابة بدأت مع الأيام تتوسع وتنتشر لتكاثر الدواعي لها، حتى أصبحت الطريق الرئيس في التعلم، وفي ذلك يقول ابن الأثير: "وكان اعتمادهم أولًا على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معوِّلين على ما يُسطِّرونه، محافظة على هذا العلم كحفظهم كتاب اللَّه ، فلما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وكثُرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرق أصحابهم وأتباعهم وقلَّ الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يُهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى" (٢).
وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن مرحلة الكتابة والتدوين يحسن أن نقف على طرق
_________
(١) ينظر ذلك بتوسع في: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ص ٧١ - ٩١، بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة ص ٢٨٧ - ٢٩٢.
(٢) جامع الأصول من أحاديث الرسول ١/ ١٥.
стр. 248
تلقي التفسير عند السلف عبر طريق المشافهة والحفظ، والمنهج التعليمي لديهم في إلقاء دروس التفسير.
* طرق تلقي التفسير وأدائه مشافهة عند السلف:
تقدم معنا كيفية تلقى الصحابة التفسير في عهد النبي ﷺ ، وأن ذلك إما بأن يبتدئهم بتفسير الآية، أو أن يستشكلوا شيئًا من معاني الآيات فيسألون النبي ﷺ ، وعند النظر إلى مرويات التفسير عن الصحابة ربما يتبادر إلى الذهن السؤال عن كيفية تلقي التفسير وإلقائه في عهد الصحابة والتابعين، وفيما يلي إلماحة إلى شيء من ذلك من خلال استقراء بعض مرويات التفسير:
١ - مجالس التفسير الخاصة:
كانت لبعض الصحابة مجالس علمية خاصة مع نجباء تلاميذهم، يتدارسون فيها القرآن ومعانيه، يقف فيها المعلم وقفات تربوية مع المتعلمين، فيبين لهم ويطلب آراءهم، ويشحذ أذهانهم بالمسائل العلمية، ويشجعهم وينمي لديهم ملكة التفسير، ويظهر هذا جليًّا من خلال المثال التالي في مجالس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁:
عن ابن زيد قال: "كان عمر بن الخطاب إذا صلى السُّبْحة (١) وفرغ دخل مِرْبدًا (٢) له، فأرسل إلى فِتْيانٍ قد قرؤوا القرآن، منهم ابن عباس، وابن أخي عُيَيْنة، قال: فيأتون فيقرؤون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال: فمروا بهذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، فقال ابن عباس، لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر ما قال، فقال: وأيُّ شيء قلتَ؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان؟ قال: فلما رأى ذلك ابن عباس، قال: أرى هاهنا مَنْ إذا أُمِر بتقوى اللَّه أخذته العزة بالإثم، وأرى من يَشْري نفسه ابتغاء مرضاة اللَّه؛ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى اللَّه، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي فقاتله، فاقتتل الرجلان.
_________
(١) السُّبْحة: صلاة النافلة، النهاية (سبح).
(٢) المِرْبد: فضاء وراء البيوت يُرتفق به، والمِرْبد أيضًا كالحُجرة في الدار، لسان العرب (ربد).
стр. 249
فقال عمر: للَّه تلادك (١) يا ابن عباس" (٢).
ومشهور ما وقع لابن عباس ﵄ في مجلس عمر ﵁ مع أشياخ بدر (٣).
ومثله أيضًا لدى عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مع طلابه، فعن مسروق، قال: "كان عبد اللَّه يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النهار" (٤).
وأشهر من عُرف بتلك المجالس ابن عباس ﵄، حيث اعتنى بطلابه اعتناءً بالغًا، وتفرغ لهم تفرغًا تامًّا، وميَّزهم بمنهج تعليمي فذٍّ، يبث فيهم روح الثقة، ويشجعهم للتصدي للإفتاء والتفسير، فهذا أبو الجوزاء (ت: ٨٤ هـ) يقول: "جاورت ابن عباس في داره اثنتي عشرة سنة ما في القرآن آية الا وقد سألته عنها". وقال مجاهد (ت: ١٠٢ هـ): "عرضت المصحف على ابن عباس، ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفته عند كل آية منه، وأسأله عنها" (٥)، وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ): "كان ابن عباس يجعل الكبل في رجلي على تعليم القرآن والفقه" (٦)، وقال عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ): "ما رأيت مجلسًا قط أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقهًا وأعظم جفنة منه، إن عنده أصحاب القرآن يسألونه، وعنده أصحاب الشعر يسألونه، وعنده أصحاب النحو يسألونه، كلهم يصدر في واد واسع" (٧)، ومن هنا نجد تميز تلاميذه بالتوسع في التفسير رواية ودراية أكثر من غيرهم (٨).
وهكذا الأمر أيضًا لدى التابعين، فلا شك أن تلك الثروة الضخمة من تفسيرهم -وهم أكثر طبقات السلف تفسيرًا- لم ينقله تلاميذهم إِلَّا عبر تلك المجالس العلمية، خصوصًا المكثرين منهم ممن اختص بتلاميذ يتفرغون لنقل تفسيره كمجاهد وقتادة والسدي.
وكذا كان أتباعهم من بعدهم، وقد تقدم في معالم تفسير التابعين ملامح من تلك المجالس العلمية العامرة.
_________
(١) في مطبوعة الشيخ شاكر ٤/ ٢٤٥: للَّه بلادك. وعقَّب على ذلك بقوله: في المطبوعة: "للَّه تلادك" بالتاء في أوله، ولا معنى له، والصواب ما أثبت. وفي الدر المنثور: "للَّه دَرُّك". والعرب تقول: "للَّه درُّ فلان، وللَّه بلاده".
(٢) أخرجه ابن جرير ٣/ ٥٨٨ - ٥٨٩.
(٣) أخرجه البخاري ٤٢٩٤، وينظر أمثلة أخرى في: تفسير قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
(٤) أخرجه ابن جرير ١/ ٨٥.
(٥) أخرجه ابن جرير ١/ ٧٥.
(٦) المعرفة والتاريخ ١/ ٥٢٧.
(٧) المعرفة والتاريخ ١/ ٥٢٠.
(٨) ينظر: تفسير التابعين ١/ ٣٩١.
стр. 250
٢ - مجالس التفسير العامة:
يمكن أن يُمثَّل لها بما جاء عن قتادة في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، قال: ذُكر لنا أن عبد اللَّه بن مسعود أهديت له سقاية ذهب وفضة، فأمر بأخدود فخُدَّ في الأرض، ثم قذف فيه من جزل حطب، ثم قذف فيه تلك السقاية، حتى إذا أزبدت وانماعت، قال لغلامه: ادع من يحضرنا من أهل الكوفة. فدعا رهطًا، فلما دخلوا عليه قال: أترون هذا؟ قالوا: نعم، قال: "ما رأينا في الدنيا شبيهًا للمهل أدنى من هذا الذهب والفضة حين أزبد وانماع" (١).
وأوضح منه ما ذُكر عن ابن عباسٍ ﵄ الذي صرف جل همه وغاية وسعه في تفسير كتاب اللَّه للعامة والخاصة مستغلًّا المناسبات الجامعة، فعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: "شهدت ابن عباس وولي الموسم، فقرأ سورة النور على المنبر، وفسرها، لو سمعت الروم لأسلمت" (٢).
وعن الحسن البصري قال: "كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا، فيقرأ البقرة وآل عمران، فيفسرهما آية آية" (٣)، وفي رواية: أن الحسن ذكر ابن عباس فقال: "كان أول من عُرف بالبصرة صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران وفسرهما حرفًا حرفًا. وكان مِثَجًّا يسيل غَرْبًا" (٤).
كذلك كان ﵁ يجلس في فناء الكعبة يستقبل أسئلة الوافدين، ويجيب المتعلمين، ففي أول قصة نافع بن الأزرق المشهورة أنه قدم مكة، فإذا هو بعبد اللَّه بن عباس قاعدًا قريبًا من زمزم، وعليه رداء أحمر وقميص، وإذا ناس قيام يسألونه عن التفسير يقولون: "يا ابن عباس، ما تقول في كذا وكذا؛ فيقول: هو كذا أو كذا،. . . " (٥).
٣ - تصدي السلف للناس وطلب السؤال منهم:
حرص بعض السلف على إبلاغ الناس ما حوت صدورهم من علم؛ خشية الوقوع في إثم كتمانه، وموتهم قبل إبلاغه، من هنا كانوا يتصدون للناس ويطلبون منهم أن
_________
(١) أخرجه ابن جرير ١٥/ ٢٤٨.
(٢) أخرجه ابن جرير ١/ ٧٥، والحاكم ٣/ ٥٣٧، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٢٤، وعنده أنه قرأ سورة البقرة.
(٣) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٤٤.
(٤) غريب الحديث لابن قتيبة ٢/ ٣٥٤.
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٠/ ٢٤٨.
следующие страницы →