Полный текст (16 717 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
نقل تفسير السلف ومراحل تدوينه
مرَّ تفسير السلف في نقله وتداوله بمرحلتين رئيسيتين كسائر علوم الشريعة، هما مرحلة الروايات الشفهية والحفظ ابتداء، ثم مرحلة الكتابة والتدوين. وسوف نعرض لهاتين المرحلتين بشيء من التفصيل من خلال المبحثين التاليين:
стр. 247
المبحث الأول مرحلة الروايات الشفهية
كان العرب قبل الإسلام يعتمدون في حفظ أيامهم وأشعارهم على الحفظ وقوة الذاكرة، حتى جاء الإسلام وقد نمت تلك الملكة لديهم وتميزوا بها، فأعملوها في حفظ القرآن والسُّنَّة، ونقل نصوصهما بألفاظهما، أما الكتابة والتدوين فإنها وإن كانت حاضرة عندهم لكنها بصورة محدودة، وقد أفاد النبي ﷺ من وجود بعض الكَتَبَة في كتابة القرآن الكريم وتدوينه، وورد عنه النهي ابتداء عن كتابة ما سوى القرآن الكريم خشية اختلاطه بالقرآن الكريم الذي لم يكن قد جُمع بعد، ثم أذن بكتابتها في آخر حياته ﷺ (١).
واستمر تناقل علوم الشريعة عن طريق الحفظ والمشافهة في عهد الصحابة ومن بعدهم، وكان هو الأساس في التعلم والتعليم، إِلا أن الكتابة بدأت مع الأيام تتوسع وتنتشر لتكاثر الدواعي لها، حتى أصبحت الطريق الرئيس في التعلم، وفي ذلك يقول ابن الأثير: "وكان اعتمادهم أولًا على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معوِّلين على ما يُسطِّرونه، محافظة على هذا العلم كحفظهم كتاب اللَّه ، فلما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وكثُرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرق أصحابهم وأتباعهم وقلَّ الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يُهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى" (٢).
وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن مرحلة الكتابة والتدوين يحسن أن نقف على طرق
_________
(١) ينظر ذلك بتوسع في: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ص ٧١ - ٩١، بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة ص ٢٨٧ - ٢٩٢.
(٢) جامع الأصول من أحاديث الرسول ١/ ١٥.
стр. 248
تلقي التفسير عند السلف عبر طريق المشافهة والحفظ، والمنهج التعليمي لديهم في إلقاء دروس التفسير.
* طرق تلقي التفسير وأدائه مشافهة عند السلف:
تقدم معنا كيفية تلقى الصحابة التفسير في عهد النبي ﷺ ، وأن ذلك إما بأن يبتدئهم بتفسير الآية، أو أن يستشكلوا شيئًا من معاني الآيات فيسألون النبي ﷺ ، وعند النظر إلى مرويات التفسير عن الصحابة ربما يتبادر إلى الذهن السؤال عن كيفية تلقي التفسير وإلقائه في عهد الصحابة والتابعين، وفيما يلي إلماحة إلى شيء من ذلك من خلال استقراء بعض مرويات التفسير:
١ - مجالس التفسير الخاصة:
كانت لبعض الصحابة مجالس علمية خاصة مع نجباء تلاميذهم، يتدارسون فيها القرآن ومعانيه، يقف فيها المعلم وقفات تربوية مع المتعلمين، فيبين لهم ويطلب آراءهم، ويشحذ أذهانهم بالمسائل العلمية، ويشجعهم وينمي لديهم ملكة التفسير، ويظهر هذا جليًّا من خلال المثال التالي في مجالس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁:
عن ابن زيد قال: "كان عمر بن الخطاب إذا صلى السُّبْحة (١) وفرغ دخل مِرْبدًا (٢) له، فأرسل إلى فِتْيانٍ قد قرؤوا القرآن، منهم ابن عباس، وابن أخي عُيَيْنة، قال: فيأتون فيقرؤون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال: فمروا بهذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، فقال ابن عباس، لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر ما قال، فقال: وأيُّ شيء قلتَ؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان؟ قال: فلما رأى ذلك ابن عباس، قال: أرى هاهنا مَنْ إذا أُمِر بتقوى اللَّه أخذته العزة بالإثم، وأرى من يَشْري نفسه ابتغاء مرضاة اللَّه؛ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى اللَّه، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي فقاتله، فاقتتل الرجلان.
_________
(١) السُّبْحة: صلاة النافلة، النهاية (سبح).
(٢) المِرْبد: فضاء وراء البيوت يُرتفق به، والمِرْبد أيضًا كالحُجرة في الدار، لسان العرب (ربد).
стр. 249
فقال عمر: للَّه تلادك (١) يا ابن عباس" (٢).
ومشهور ما وقع لابن عباس ﵄ في مجلس عمر ﵁ مع أشياخ بدر (٣).
ومثله أيضًا لدى عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مع طلابه، فعن مسروق، قال: "كان عبد اللَّه يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النهار" (٤).
وأشهر من عُرف بتلك المجالس ابن عباس ﵄، حيث اعتنى بطلابه اعتناءً بالغًا، وتفرغ لهم تفرغًا تامًّا، وميَّزهم بمنهج تعليمي فذٍّ، يبث فيهم روح الثقة، ويشجعهم للتصدي للإفتاء والتفسير، فهذا أبو الجوزاء (ت: ٨٤ هـ) يقول: "جاورت ابن عباس في داره اثنتي عشرة سنة ما في القرآن آية الا وقد سألته عنها". وقال مجاهد (ت: ١٠٢ هـ): "عرضت المصحف على ابن عباس، ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفته عند كل آية منه، وأسأله عنها" (٥)، وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ): "كان ابن عباس يجعل الكبل في رجلي على تعليم القرآن والفقه" (٦)، وقال عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ): "ما رأيت مجلسًا قط أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقهًا وأعظم جفنة منه، إن عنده أصحاب القرآن يسألونه، وعنده أصحاب الشعر يسألونه، وعنده أصحاب النحو يسألونه، كلهم يصدر في واد واسع" (٧)، ومن هنا نجد تميز تلاميذه بالتوسع في التفسير رواية ودراية أكثر من غيرهم (٨).
وهكذا الأمر أيضًا لدى التابعين، فلا شك أن تلك الثروة الضخمة من تفسيرهم -وهم أكثر طبقات السلف تفسيرًا- لم ينقله تلاميذهم إِلَّا عبر تلك المجالس العلمية، خصوصًا المكثرين منهم ممن اختص بتلاميذ يتفرغون لنقل تفسيره كمجاهد وقتادة والسدي.
وكذا كان أتباعهم من بعدهم، وقد تقدم في معالم تفسير التابعين ملامح من تلك المجالس العلمية العامرة.
_________
(١) في مطبوعة الشيخ شاكر ٤/ ٢٤٥: للَّه بلادك. وعقَّب على ذلك بقوله: في المطبوعة: "للَّه تلادك" بالتاء في أوله، ولا معنى له، والصواب ما أثبت. وفي الدر المنثور: "للَّه دَرُّك". والعرب تقول: "للَّه درُّ فلان، وللَّه بلاده".
(٢) أخرجه ابن جرير ٣/ ٥٨٨ - ٥٨٩.
(٣) أخرجه البخاري ٤٢٩٤، وينظر أمثلة أخرى في: تفسير قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
(٤) أخرجه ابن جرير ١/ ٨٥.
(٥) أخرجه ابن جرير ١/ ٧٥.
(٦) المعرفة والتاريخ ١/ ٥٢٧.
(٧) المعرفة والتاريخ ١/ ٥٢٠.
(٨) ينظر: تفسير التابعين ١/ ٣٩١.
стр. 250
٢ - مجالس التفسير العامة:
يمكن أن يُمثَّل لها بما جاء عن قتادة في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، قال: ذُكر لنا أن عبد اللَّه بن مسعود أهديت له سقاية ذهب وفضة، فأمر بأخدود فخُدَّ في الأرض، ثم قذف فيه من جزل حطب، ثم قذف فيه تلك السقاية، حتى إذا أزبدت وانماعت، قال لغلامه: ادع من يحضرنا من أهل الكوفة. فدعا رهطًا، فلما دخلوا عليه قال: أترون هذا؟ قالوا: نعم، قال: "ما رأينا في الدنيا شبيهًا للمهل أدنى من هذا الذهب والفضة حين أزبد وانماع" (١).
وأوضح منه ما ذُكر عن ابن عباسٍ ﵄ الذي صرف جل همه وغاية وسعه في تفسير كتاب اللَّه للعامة والخاصة مستغلًّا المناسبات الجامعة، فعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: "شهدت ابن عباس وولي الموسم، فقرأ سورة النور على المنبر، وفسرها، لو سمعت الروم لأسلمت" (٢).
وعن الحسن البصري قال: "كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا، فيقرأ البقرة وآل عمران، فيفسرهما آية آية" (٣)، وفي رواية: أن الحسن ذكر ابن عباس فقال: "كان أول من عُرف بالبصرة صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران وفسرهما حرفًا حرفًا. وكان مِثَجًّا يسيل غَرْبًا" (٤).
كذلك كان ﵁ يجلس في فناء الكعبة يستقبل أسئلة الوافدين، ويجيب المتعلمين، ففي أول قصة نافع بن الأزرق المشهورة أنه قدم مكة، فإذا هو بعبد اللَّه بن عباس قاعدًا قريبًا من زمزم، وعليه رداء أحمر وقميص، وإذا ناس قيام يسألونه عن التفسير يقولون: "يا ابن عباس، ما تقول في كذا وكذا؛ فيقول: هو كذا أو كذا،. . . " (٥).
٣ - تصدي السلف للناس وطلب السؤال منهم:
حرص بعض السلف على إبلاغ الناس ما حوت صدورهم من علم؛ خشية الوقوع في إثم كتمانه، وموتهم قبل إبلاغه، من هنا كانوا يتصدون للناس ويطلبون منهم أن
_________
(١) أخرجه ابن جرير ١٥/ ٢٤٨.
(٢) أخرجه ابن جرير ١/ ٧٥، والحاكم ٣/ ٥٣٧، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٢٤، وعنده أنه قرأ سورة البقرة.
(٣) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٤٤.
(٤) غريب الحديث لابن قتيبة ٢/ ٣٥٤.
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٠/ ٢٤٨.
стр. 251
يسألوهم، فعن أبي الطفيل، قال: قال علي: "سلوني عن كتاب اللَّه؛ فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل" (١).
وعن ابن أبي حسين قال: قام علي بن أبي طالب ﵁ فقال: "ألا أحد يسألني عن القرآن فواللَّه لو أعلم اليوم أحدًا أعلم مني به، وإن كان من وراء البحار، لأتيته". فقام عبد اللَّه بن الكواء فقال: من الذين بدلوا نعمت اللَّه كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار؟ فقال: "مشركو قريش" (٢).
وعن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس فقال: "إني أصبحت طيب النفس فسلوني عن أشياء من سورة البقرة وسورة يوسف". يخصهما من بين السور (٣).
وهكذا الحال أيضًا مع التابعين ﵏، فعن سعيد بن جبير أنه كان يقول: "سلوني يا معشر الشباب فإني قد أوشكت أن أذهب من بين أظهركم" (٤).
وعن سعيد بن يزيد، قال: كنا عند عكرمة فقال: "ما لكم أفلستم؟ يعني: لا أراكم تسألوني" (٥).
وكذا أيضًا روي عن بعض أتباع التابعين خصوصًا مقاتل بن سليمان (٦).
٤ - تصدي الطلاب لسؤال شيوخ العلم واستخراج علمهم من ذلك الطريق:
رأينا في الطريق السابق كيف تصدى بعض السلف للتفسير من خلال التعرض لسؤال التلاميذ وطلب ذلك منهم، لكن في المقابل وُجد من المفسرين من تحرج من القول في التفسير وآثر عدم الخوض فيه، فكان لا يبتدئ التفسير حتى يُسأل، فقيَّض اللَّه من التلاميذ النجباء من يجلس إليه ويسأله ويستخرج تفسيره، فمن هؤلاء سعيد بن المسيب الذي عرف عنه التهيب من التفسير، حتى أنه كان يُسأل عن الآية من القرآن فيقول: "لا أقول في القرآن شيئًا" (٧)، كما أنه كان رجلًا شديدًا مهابًا (٨)، وقد رحل إليه قتادة فعكف عليه بضعة أيام يسأله، فاستخرج كثيرًا من علمه ومن ذلك
_________
(١) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٢/ ٣٣٨.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤٧/ ٢٢٧.
(٣) المعرفة والتاريخ ١/ ٤٩٤.
(٤) المعرفة والتاريخ ١/ ٧١٣. وينظر أيضًا: ابن جرير ١٣/ ٦٩٤.
(٥) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٢/ ٣٨٦.
(٦) ينظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٤٤٦.
(٧) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٢/ ٣٨١، وابن جرير في تفسيره ١/ ٧٩.
(٨) المعرفة والتاريخ ٤/ ٥٤٩.
стр. 252
التفسير (١)، فعن معمر، عن قتادة: أنه أقام عند سعيد بن المسيب ثمانية أيام، فقال له في اليوم الثامن: "ارتحل يا أعمى، فقد نزفتني" (٢).
وكذلك عطاء بن أبي رباح الذي كان لا يتكلم حتى يُسأل (٣)، لكن لازمه تلميذه ابن جريج فكان يسأله حتى استخرج أغلب تفسيره المروي عنه (٤).
* * *
_________
(١) لذا كان قتادة من أكثر من روى تفسير سعيد بن المسيب. ينظر: تفسير التابعين ١/ ٣٥٢.
(٢) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٧/ ٢٣٠.
(٣) ذكر ذلك عنه أبو بكر بن عياش، ينظر: الطبقات الكبرى ٦/ ٢٧٥.
(٤) لذا نجد أغلب مرويات ابن جريج عن عطاء مُصدَّرة بقوله: سألت عطاء عن كذا، ونحو ذلك، أما ما كان عن غير عطاء فيصدُّرها بلفظ سمعت فلانًا، وقال فلان، ينظر: تفسير التابعين ١/ ١٨٥ - ١٨٦، ١٩٤.
стр. 253
المبحث الثاني مرحلة الكتابة والتدوين
هذا الموضوع متشعب الأطراف؛ ومختلف الجوانب، لذا يصعب الخوض فيه، نظرًا لتناوله مرحلة زمنية معتمة من حيث الرصد والتتبع التاريخي، وطويلة -نسبيًّا- ذات مراحل مختلفة ومتباينة، إضافة إلى كونها متداخلة إن أردت تحديدها بدقة، وقد اشتهر لدى المعاصرين ما كتبه د. محمد حسين الذهبي (ت: ١٣٩٧ هـ) ﵀، بأن التفسير المأثور مر بأربع خطوات، حاصلها فيما يلي (١):
الأولى: الرواية بالمشافهة، وذلك في عصر الصحابة والتابعين.
الثانية: تدوين الحديث النبوي، حيث كان التفسير بابًا من أبوابه، ثم أورد عددًا من المحدثين -وكلهم من أتباع التابعين- الذين صنفوا كتبًا في الحديث، وذكر أن "جمعهم للتفسير جمعًا لباب من أبواب الحديث، ولم يكن جمعًا للتفسير على استقلال وانفراد" (٢).
الثالثة: انفصال علم التفسير عن علم الحديث، حتى أصبح علمًا قائمًا بنفسه، وذكر أن ذلك تم على أيدى طائفة من العلماء أورد بعضًا منهم، وكلهم ممن جاء بعد أتباع التابعين.
الرابعة: مرحلة اختصار الأسانيد.
وتبعه على ذلك كثير ممن ألَّف في تاريخ التفسير ومناهج المفسرين دون تمحيص وتحرير للمسألة، وهو تقرير غير دقيق، ومجرد فرضيات ينقضها الواقع التاريخي للتفسير، حيث رويت آثار عديدة تدل على استقلال علم التفسير والتدوين فيه مبكرًا منذ عهد الصحابة كما سيأتي بيانه (٣)، بل إن قوله تناقض عندما استطرد وذكر شيئًا
_________
(١) ينظر: التفسير والمفسرون ١/ ١٠٤ - ١٠٧.
(٢) التفسير والمفسرون ١/ ١٠٤.
(٣) ينظر في مناقشة ذلك: مقال "التنكيت على مراحل التفسير عند الذهبي في التفسير والمفسرون"، للدكتور =
стр. 254
من تلك الروايات الدالة على قِدم علم التفسير وتقدم التدوين فيه (١).
ولعلنا نحاول تحرير المسألة وطرحها بصورة أخرى أحسب أنها أدق مما تقدم، مع التركيز والاختصار قدر المستطاع، فنقول بأن التفسير مر بمرحلتين أساسيتين:
الأولى: مرحلة الروايات الشفهية: وتقدم الحديث عنها في المبحث السابق.
الثانية: مرحلة الكتابة والتدوين: وهذه المرحلة مرت بأربعة مراحل متداخلة في كثير منها، بحيث يصعب تحديد كل منها زمنيًّا، خصوصًا الثلاثة الأخيرة منها، وهذه المراحل هي:
المرحلة الأولى: مرحلة الكتابة المبدئية للتفسير .
المرحلة الثانية: مرحلة النسخ التفسيرية.
المرحلة الثالثة: مرحلة التدوين الشامل للتفسير.
المرحلة الرابعة: مرحلة حذف الأسانيد.
وإليك تفصيل تلك المراحل، وباللَّه التوفيق.
* المرحلة الأولى: مرحلة الكتابة المبدئية للتفسير:
بدأت هذه المرحلة في عصر الصحابة الممتد إلى عام ٧٣ هـ كما تقدم، حيث وردت روايات تؤكد أن كتابة التفسير بدأت في ذلك العهد، فعن ابن أبي مليكة، قال: "رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير، كله" (٢)، وهذا الأثر يدل على فوائد عديدة (٣) من أهمها:
١ - أن علم التفسير كان علمًا قائمًا بذاته في عهد الصحابة؛ لأن مجاهدًا ذهب إلى ابن عباس ليسأله عن التفسير خاصة، فدل على أنه علم قائم بذاته.
٢ - أن تدوين التفسير كان في عصر صغار الصحابة ﵃، وهذه النسخة التي كان يكتبها مجاهد من أكبر الأدلة على أن بدايات علم التفسير وتدوينه كانت متقدمة
_________
= مساعد الطيار في كتاب مقالات في أصول التفسير وعلوم القرآن ٢/ ١٣٠.
(١) ينظر: التفسير اللغوي ص ١٤٧، حاشية ٤.
(٢) تفسير ابن جرير ١/ ٨٥.
(٣) ينظر: التعليق على تفسير ابن جرير الطبري، المجلس الرابع للدكتور مساعد الطيار، على موقعه: www.attyyar.net/container.php? fun=artview&id=٤٧٤
стр. 255
جدًّا، وأرى أن ذلك تدوين فردي خاص، بمعنى أن كتابته لأجل الحفظ والمراجعة والاستذكار، كما كانت حال المحدثين يومئذ، ولم يكتبه لغيره كمصنف يؤثر عنه، لذا فإن هذه المرحلة من التدوين تختلف عن المرحلة التالية من هذه الحيثية، واللَّه أعلم.
٣ - قوله: "حتى سأله عن التفسير كله"، يدل ظاهره على عدم توقف ابن عباس ﵄ عن التفسير، ويؤكد هذه المعلومة مجاهد في قوله: "عرضت المصحف على ابن عباس، ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفته عند كل آية منه، وأسأله عنها".
لكن هل يدل ذلك على أن ابن عباس فسر القرآن كاملًا آية آية؟ هذا ما يظهر من عموم اللفظ، وعليه فإنه ينقض ما اشتهر من أن التفسير لم يكن متوسعًا في عهد الصحابة، وأنهم لم يفسروا جميع آيات القرآن.
ويحتمل أن المراد بقوله: "سأله عن التفسير كله"؟ أي: المشكل منه وما يحتاج إلى إيضاح، إذ الواضح لا يحتاج إلى أن يُسأل عنه، خصوصًا في ذلك الوقت المتقدم الذي لم تضعف فيه اللغة، ويفشو اللحن بصورة كبيرة، ويؤيد هذا الاحتمال أن ما نُقل من مرويات تفسير ابن عباس التي بين أيدينا لم تصل إلى ذلك الحد، واللَّه أعلم.
ومن الآثار التي تعضد هذا الأثر في كون كتابة التفسير بدأت مبكرًا:
- ما رواه سعيد بن جبير حيث قال: "كنت أكتب عند ابن عباس في ألواحي حتى أملأها ثم أكتب في نعلي" (١).
- ما جاء عن موسى بن عقبة قال: وضع عندنا كريب حمل بعير أو عدل بعير من كتب ابن عباس. قال: فكان علي بن عبد اللَّه بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه: ابعث إلي بصحيفة كذا وكذا. قال: فينسخها، فيبعث إليه بإحداهما (٢).
حيث دل هذان الأثران أن تلاميذ ابن عباس كانوا يكتبون ما يلقيه إليهم من العلم كثيرًا، والظاهر أن من ذلك علم التفسير، إذ هو أكثر علم استغرق جهد ابن عباس ﵄ كما هو معلوم.
_________
(١) العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد اللَّه ١/ ٢٣١.
(٢) الطبقات الكبرى ٥/ ٢٩٣.
стр. 256
والخلاصة: أن بداية تدوين التفسير كفَنٍّ مستقلٍّ عن الحديث ظهر في عهد الصحابة، لكن كان للحفظ والاستذكار والمراجعة والتحديث منها، ولم يكن بالتدوين المنظم، والتأليف المرتب المراد به التصنيف للآخرين، وفي ذلك يقول الحافظ ابن رجب: "والذي كان يُكتب في زمن الصحابة والتابعين لم يكن تصنيفًا مرتبًا مُبوَّبًا، وإنما كان يُكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في زمن تابعي التابعين صُنِّفت التصانيف، وجمع طائفة من أهل العلم كلام النبي ﷺ ، وبعضهم جمع كلام الصحابة" (١).
* المرحلة الثانية: مرحلة النسخ التفسيرية:
النسخة والصحيفة مصطلحان مترادفان، والمقصود بهما عند المحدثين "ما اشتمل على حديث فأكثر ينتظمها إسناد واحد" (٢)، وهذا المعنى ينطبق على النسخ التفسيرية (٣)، وعليه فالنسخة التفسيرية: هي ما اشتملت على آثار في تفسير القرآن ينتظمها إسناد واحد.
وتدوين النسخ التفسيرية مرحلة تلت مرحلة مجرد الكتابة، وذلك في عصر التابعين (٧٣ - ١٣٢ هـ) حيث اعتنى التابعون بإملاء التفسير على طلابهم من أتباع التابعين الذين جمعوا تلك النسخ ورووها، وقد تنسب إليهم أو إلى مشايخهم، من ذلك:
١ - تفسير مجاهد (ت: ١٠٢ هـ): فقد روي أن مجاهدًا أملى التفسير على القاسم بن أبي بزة (ت: ١١٥ هـ) وأخذ كتابه الحكم وليث وابن أبي نجيح. قال سفيان بن عيينة: "لم يسمعه أحد من مجاهد إلا القاسم بن أبي بزة أملاه عليه" (٤). ثم أخذ ورقاء اليشكري (ت: ١٦٠ هـ ونيف) هذا التفسير حيث قال: كتاب "التفسير" قرأت نصفه عَلَى ابن أَبي نجيح، وقرأ عَلَيَّ نصفه. وقال ابن أبي نجيح: هذا "تفسير" مجاهد (٥).
_________
(١) شرح علل الترمذي ١/ ٣٧.
(٢) ينظر: معرفة النسخ والصحف الحديثية، لبكر بن عبد اللَّه أبو زيد، دار الراية، ط. ١٤١٢ هـ -١٩٩٢ م، ص ٢١ - ٢٣.
(٣) أسانيد نسخ التفسير ص ٥٩.
(٤) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٥٤.
(٥) تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٣٥، ثم رواه عن ورقاء آدم بن أبي إياس (ت: ٢٢٠ هـ)، وهو التفسير الموجود بين أيدينا باسم تفسير مجاهد، ورجح بعض المعاصرين أنه تفسير آدم بن أبي إياس المشهور.
стр. 257
٢ - تفسير السدي (ت: ١٢٧ هـ). وهي النسخة التي جمعها السدي من تفسير ابن مسعود وناس من الصحابة من طريق مرة الهمداني، وتفسير ابن عباس من طريق أبي صالح وأبي مالك (١)، واستقصاء هذا الباب واسع (٢).
وفي عهد التابعين صدر أمر التدوين المنظم للسُّنَّة من قبل الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت: ١٠١ هـ) وتقرر بصورة رسمية، فاستجاب لذلك عدد من التابعين على رأسهم محمد بن شهاب الزهري (ت: ١٢٤ هـ) فجمع حديث أهل المدينة (٣)، ويظهر أن هذه الكتابة الرسمية لم تكن الأولى، فقد سبق عمر بن عبد العزيز أبوه عبد العزيز بن مروان (ت: ٨٥ هـ) حين أمر كثير بن مرة الحضرمي (ت: ٨٠ هـ) بكتابة ما سمعه من حديث الرسول ﷺ (٤)، لكن الكتابة التي كانت بأمر عمر بن عبد العزيز أشمل وأشهر، وقد تبين من خلال بعض الروايات أن تلك النسخ المجموعة أُودعت في ديوان الخلفاء بدمشق (٥)، والذي يهمنا أن هذا الأمر لم يكن حكرًا على تدوين أحاديث السُّنَّة فحسب؛ بل يمكننا القول: إن للتفسير نصيبًا من التدوين الرسمي، فقد روى ابن أبي حاتم أن أباه سُئل عن عطاء بن دينار، فقال: "هو صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في
_________
(١) ورجح الشيخ أحمد شاكر في تحقيق تفسير ابن جرير ١/ ١٥٦ أنه كتاب تفسير ألَّفه السُّدي وليس مَنْ دونه، جمع التفسير من هذه الطرق الثلاث، واستدل بقول الإمام أحمد بن حنبل عن السُّدي: "إنه ليحسن الحديث، إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به، قد جعل له إسناذا، واستكلفه". وقول الحافظ في التهذيب: "قد أخرج الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما، في تفاسيرهم، تفسير السُّدي، مفرقًا في السور، من طريق أسباط بن نصر عنه". وله تحرير مطول نفيس في ذلك، وقد ذكر ابن النديم هذا التفسير في الفهرست ١/ ٨٨.
(٢) من ذلك أيضًا ما رواه وقاء بن إياس، قال: "رأيت عزرة يختلف إلى سعيد بن جبير معه التفسير في كتاب ومعه الدواة يغير". الطبقات الكبرى ٦/ ٢٦٦، المعرفة والتاريخ ٣/ ٢١٣، وما جاء أن الحسن البصري أملى التفسير على تلاميذه. جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٣٢٣. وكذلك صحيفة علي بن طلحة المشهورة التي كتب فيها تفسير ابن عباس من طريق مجاهد أو سعيد بن جبير فيما ذُكر. الإتقان ٤/ ٢٣٧.
(٣) ينظر: فتح الباري ١/ ٢٠٤، بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة ص ٢٩٩.
(٤) ينظر ذلك مفصلًا في: تاريخ تدوين السُّنَّة ص ٥٢ - ٥٤.
(٥) من ذلك ما ورد عن معمر أنه قال: "كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد بن يزيد، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزانته؟ يعني: من علم الزهري". الطبقات الكبرى ٢/ ٣٨٩، المعرفة والتاريخ ١/ ٦٣٨، قال الذهبي معقبا عليه: "يعني: الكتب التي كتبت عنه لآل مروان" تاريخ الإسلام ٥/ ١٤١. وينظر: بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة ص ٢٩٨، تاريخ تدوين السُّنَّة ص ٥٤ - ٥٨.
стр. 258
الديوان فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير" (١).
في هذه الرواية العزيزة فوائد نفيسة متعلقة بتاريخ تدوين التفسير، منها:
١ - أن التدوين الرسمي المنظم للتفسير بدأ مبكرًا جدًّا مع تدوين الحديث وربما قبله، وذلك في عهد عبد الملك بن مروان (ت: ٨٦ هـ)، ولا بد أنه قبل عام ٨١ هـ، الذين بدأت فيه فتنة خروج ابن الأشعث على الحجاج والي العراق لعبد الملك، والتي خرج معه فيها سعيد بن جبير، ويبعد أن يكاتبه عبد الملك بن مروان بذلك بعد خروجه عليه.
٢ - أن تدوين التفسير المرتب المقصود به التصنيف للآخرين بدأ مبكرًا جدًّا، تدل عليه هذه القصة، حيث طلب الخليفة من سعيد كتابة التفسير فكتبه بيده كما يظهر، ولأنها كانت بطلب رسمي فلا بد أنها أكثر ترتيبًا وتنظيمًا، حتى أنها أودعت خزانة الدولة، وهذا خلاف ما هو معهود في كتابة التفسير آنذاك بالكتابة للفائدة الشخصية الخاصة، أو بإملاء الشيخ على تلاميذه.
٣ - أن سعيد بن جبير كتب نسخة من تفسير القرآن، ولم تبين الرواية مقدار ما كتب، لكن يظهر من لفظ الرواية أنها نسخة كبيرة.
٤ - أن التفسير علم مستقل قائم بذاته منذ ذلك العهد وقبله، وهذا ينقض ما قيل من أن التفسير لم يكن في هذه المرحلة إلا جزءًا من الحديث.
٥ - أن تلك النسخة ظلت محفوظة في ديوان الخلافة بدمشق حتى اطلع عليها عطاء بن دينار (ت: ١٢٦ هـ)، فأخذ نسخة منها ورواها عن سعيد مرسلة، وعطاء لم يلق سعيدًا كما ذكر أبو حاتم الرازي.
٦ - أن هذه النسخة ربما تكون من أقدم نسخ التفسير التي وصلتنا! وذلك أن ابن أبي حاتم يروي في تفسيره نسخة تفسيرية كبيرة عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن دينار (ت: ١٢٦ هـ)، وهي مبثوثة في هذه الموسوعة نقلًا عما وُجد من تفسير ابن أبي حاتم.
والناظر في مرويات تلك النسخة يجد أنها ذات تفسير تحليلي لألفاظ القرآن تتميز بالتوسع والتفصيل حتى يفسر الواضح من الألفاظ، مما يدل أنها أُلفت للغير، وهذا يشير إلى أن ذلك المنهج قديم، وليس كما ذُكر من أن الصحابة والتابعين كانوا لا
_________
(١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٦/ ٣٣٢.
стр. 259
يفسرون إلا ما يشكل، نعم قد يكون هذا هو المنهج الأغلب، لكن التفسير التحليلي كان له حضور متقدم، وليس من بدع المتأخرين، وحسبك بهذه الفائدة العزيزة في تاريخ التفسير (١).
علوم القرآن:
لم تكن نسخ التفسير مقتصرة على التفسير فحسب؛ بل ظهرت نسخ في بعض علوم القرآن المتعلقة بالتفسير وبغيره فكانت من أوائل ما دُوِّن من تلك العلوم، ومن أشهر تلك النسخ المدونة:
في الناسخ والمنسوخ: "الناسخ والمنسوخ" لقتادة (ت: ١١٧ هـ)، ومثله للزهري (ت: ١٢٤ هـ)، وهما مطبوعان (٢)، وكذلك لزيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ) (٣).
في المكي والمدني: "نزول القرآن" للضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٤ هـ)، ومثله لعكرمة (ت: ١٠٥ هـ)، وكذلك للحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) (٤)، وكتاب "تنزيل القرآن بمكة والمدينة للزهري" (ت: ١٢٤ هـ)، وهو مطبوع (٥).
والخلاصة: أنه ظهرت في عصر التابعين نسخ التفسير المضمومة في كتب مستقلة، مروية بإسناد واحد عن أحد مفسري الصحابة أو التابعين، ثم جاء نقلة التفسير من أتباع التابعين ومن بعدهم فرووا تلك النسخ وجمعوها، ثم جزؤها ورتبوها على ترتيب سور القرآن وآياته في مصنفات شاملة (٦)، فكانت اللبنة
_________
(١) للتوسع ينظر: تفسير أتباع التابعين: ص ٣١٢ - ٣١٩.
(٢) حققهما: د. حاتم الضامن في جزء لطيف مع كتابين آخرين في النسخ. وآثارهما مبثوثة في هذه الموسوعة.
(٣) وهي نسخة نفيسة أوردها ابن وهب في جامعه، وتقدم الحديث عنها في مصادر الموسوعة. وآثارها مبثوثة في هذه الموسوعة.
(٤) حققه: د. حاتم الضامن في جزء لطيف.
(٥) ذكر هذه الكتب الثلاثة ابن النديم في الفهرست ص ٤٠.
(٦) وهذا مثل صنيع المحدثين في نسخ الحديث وصحائفه المتقدمة، ونذكر مثالًا لذلك: الصحيفة الصحيحة التي كتبها همام بن منبه عن أبي هريرة عن الرسول ﷺ ، تشتمل على نحو من مائة وأربعين حديثًا، تروى بإسناد واحد، أودعت كاملة في مسند أحمد، وقطعت وفق الأبواب الفقهية في الصحيحين وغيرهما، ينظر: تاريخ تدوين السُّنَّة ص ٧٩، ٨٠. وهكذا نسخ التفسير المروية عن التابعين كسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والسُّدي قطعت مرتبة حسب الآيات، وأودعت في دواوين كتب التفسير المسندة كتفسير ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، لذا ترى أسانيدها المتكررة في ثنايا التفسير لا تكاد تغيب.
стр. 260
الأولى والمصادر الرئيسة لكتب التفسير المأثور الشاملة، كما سنرى في المرحلة التالية.
* المرحلة الثالثة: مرحلة التدوين الشامل للتفسير:
وذلك في عصر أتباع التابعين (١٣٢ - ٢٠٠ هـ) وما بعده من القرن الثالث الهجري، حيث تطور تدوين العلوم، من مجرد الجمع والتدوين إلى مرحلة التصنيف والترتيب والجمع والتبويب، قال الذهبي: "في سنة ثلاث وأربعين [أي: ومائة] شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنَّف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنَّف ابن إسحاق المغازي، وصنَّف أبو حنيفة ﵀ الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنَّف هشيم والليث وابن لهيعة، ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب، وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودُوِّنت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة" (١).
ومن هذه العلوم التي تطور فيها التدوين علم التفسير، حيث وجدنا أن تدوين التفسير المأثور في هذه المرحلة خطا خطوة واسعة من خلال التدوين الشامل للتفسير، وذلك بظهور كتب تفسير مسندة، ضمت في ثناياها آثارًا تفسيرية عن عدد من مفسري السلف، وليست مختصة بمفسر واحد كما في المرحلة السابقة حيث النسخ التفسيرية، كما تميزت الكتب بطابع خاص من الترتيب والتصنيف، إذ جمعت تحت كل آية آثار من فسرها من السلف، وذلك بقدر ما يرويه صاحب الكتاب كثرة وقلة، ولا شك أنه كلما تأخر الزمن كان الكتاب أدق تصنيفًا وأكثر رواية بإدخال مصادر جديد لم تكن لدى السابقين، لذا يمكننا أن نجعل هذه المرحلة على قسمين:
أ - التدوين الجزئي (في عصر أتباع التابعين: ١٣٢ - ٢٠٠ هـ):
لا شك أن بداية أي عمل يكتنفه شيء من النقص والقصور ثم يتكامل تدريجيًّا، من هنا نجد أن بداية هذه المرحلة في عصر أتباع التابعين (١٣٢ - ٢٠٠ هـ) كان فيها شيء من ذلك، حيث جُمعت عدد من نسخ التفسير في كتاب تفسير واحد، ولكن بصورة جزئية، ومن ملامح تلك الصورة:
_________
(١) تاريخ الخلفاء ص ١٩٤.
стр. 261
١ - اقتصار تلك المدونات على تفسير آيات معدودة في السورة الواحدة، وعدم استيعاب معظمها.
٢ - ربما اختل ترتيب الآيات فيها أحيانًا، وكلا الأمرين واضح في تفسير الثوري (ت: ١٦١ هـ).
٣ - يدور أغلبها حول نسخة تفسيرية واحدة، ومفسر واحد، يظهر ذلك جليًّا في تفسير عبد الرزاق (ت: ٢١١ هـ) الذي كان أغلبه في تفسير قتادة من طريق معمر، ومثله تفسير الفريابي (ت: ٢١٢ هـ) الذي أغلبه في تفسير مجاهد من طريق ابن أبي نجيح (١)، وكذا تفسير آدم بن أبي إياس (ت: ٢٢٠ هـ) الذي أغلبه في تفسير مجاهد من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح.
أضف إلى ذلك أن مصادرهم كانت أقل ممن بعدهم، فمن ألَّف في ذلك من كبار أتباع التابعين اقتصر على مصادر السُّنَّة والصحابة والتابعين، كما هو الحال في تفسير مقاتل بن سليمان وسفيان الثوري ممن وقفنا على تفسيره، ولا شك أنه كذلك عند من لم نقف على تفسيره كالكلبي وابن جريج ومقاتل بن حيان، بينما نجد أن من جاء بعدهم من نقلة التفسير أضاف مصدرًا آخر وهو تفسير كبار التابعين وأواسطهم، كما هو الحال في تفسير يحيى بن سلام (ت: ٢٠٠ هـ)، وعبد الرزاق الصنعاني (ت: ٢١١ هـ). لذا زاد حجم تفسيرهم على الطبقة التي قبلهم.
ونختم بأن ما سبق من أمثلة لتفسير ذلك العهد هو مما طبع حتى الآن، وهناك الكثير مما هو في حكم المفقود، ومن ذلك (٢):
١ - تفسير زائدة بن قدامة (ت: ١٦١ هـ) (٣).
٢ - تفسير مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ) (٤).
_________
(١) ينظر: الإتقان ٦/ ٢٣٤٠.
(٢) ينظر: تفسير أتباع التابعين، ص ٢٦٨.
(٣) أبو الصلت الكوفي ثقة ثبت، روى له الجماعة، قال الذهبي: "وقد كان صنف حديثه، وألف في القراءات، وفي التفسير والزهد". ينظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٧٥. وتفسيره مبثوث في تفسير ابن جرير الطبري.
(٤) أبو عبد اللَّه الأصْبحي، المدني، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، وأما تفسيره فهو تفسير مسند، قال الداودي: "وهو أول من صنَّف "تفسير القرآن" بالإسناد على طريقة "الموطأ"، تبعه الأئمة، فقلَّ حافظ إلا وله تفسير مسند". طبقات المفسرين ٢/ ٢٩٩. وهو أحد موارد السيوطي في الدر المنثور، ينظر: مقدمة تفسير الدر المنثور، للسيوطي بين المخطوط والمطبوع، للدكتور حازم سعيد حيدر ص ٢٥٢، ففيه معلومات نفيسة عن هذا التفسير.
стр. 262
٣ - تفسير وكيع بن الجراح (ت: ١٩٧ هـ) (١).
٤ - تفسير سفيان بن عيينة (ت: ١٩٨ هـ) (٢).
٥ - تفسير يزيد بن هارون الواسطي (ت: ٢٠٦ هـ) (٣).
هذا في كتب التفسير الروائية المسندة، أما كتب التفسير التي جمعت بين الرواية والاجتهاد فقد وصل بين أيدينا كتابان -هما تفسير مقاتل بن سليمان وتفسير يحيى بن سلّام- شاهدان على أن تدوين التفسير في عصر أتباع التابعين بلغ مبلغًا متكاملًا، بشمول جميع السور والآيات وأغلب الألفاظ، ولم يكن كصورة كتب التفسير الروائية السابقة من حيث القصور في الترتيب والنقص، ولا غرو في ذلك فلدى منهج مؤلفي هذه التفاسير مصدر مهم قصرت عنه مناهج كتب التفسير الروائية، وهو الاجتهاد في التفسير، الذي يُمكن المفسر من تفسير الآيات التي لم يرد إليه تفسيرها عمن قبله، دون الاقتصار على ما بلغه عنهم، كما تقدم.
وتطور تدوين التفسير في عصر أتباع التابعين لم يقتصر على هذا الجانب فحسب؛ بل وجدت جوانب أخرى تدل على أن هذه المرحلة التاريخية مرحلة فارقة في تاريخ تدوين التفسير؛ خطأ فيها خطوات واسعة نحو التكامل الذي وصل إليه فيما بعد، فمن تلك الجوانب (٤):
١ - تصدير الكتاب بمقدمة علمية: كما في تفسير يحيى بن سلام وعبد الرزاق.
٢ - افتتاح السورة قبل تفسيرها بمقدمة عن بعض علومها: وهو واضح جلي في تفسير مقاتل بن سليمان، وبصورة أقل عند يحيى بن سلام.
٣ - التصنيف في علوم التفسير استقلالًا، فمن ذلك:
- علم الوجوه والنظائر: حيث ألّف فيه مقاتل بن سليمان كتابًا مستقلًّا، فكان أوَّل
_________
(١) أبو سفيان الرؤاسي، الكوفي، أحد الاعلام، الحافظ الثبت، محدِّث العراق، روى له الجماعة. انظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ١٤١. وتفسيره كتاب رواية كما يفهم من خلال ما أورد عنه إبراهيم الحربي حيث قال: "لما قرأ وكيع التفسير، قال: خذوه، فليس فيه عن الكلبي، ولا عن ورقاء شيء". ينظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٤٢١، وقد اعتمده السيوطي ضمن مصادره في الدر المنثور ينظر: مقدمة تفسير الدر المنثور للسيوطي بين المخطوط والمطبوع ص ٢٥٢. وهو مبثوث في تفسير ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم.
(٢) تقدم الحديث عنه في مصادر الموسوعة.
(٣) السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، أحد أعلام الحفاظ، من صغار أتباع التابعين، ولد عام ١١٧ هـ، وقيل: ١١٨ هـ، روى له الجماعة، ينظر: تهذيب التهذيب.
(٤) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ٣٤٣ - ٣٥٢.
стр. 263
من ألَّف فيه (١)، هذا إضافة إلى اعتنائه الكبير بهذا العلم في تفسيره كما تقدم.
كذلك ممن ألف فيه استقلالًا؛ الحسين بن واقد المروزي (ت: ١٥٩ هـ)، وابنه علي بن الحسين (ت: ٢١١ هـ)، وهارون بن موسى الأعور (ت: ١٧٠ هـ) (٢)، ويحيى بن سلّام (ت: ٢٠٠ هـ) (٣).
- علم أحكام القرآن "التفسير الفقهي": ظهر في هذا العصر بتأليف مقاتل بن سليمان لكتابه الذي أطلق عليه: "تفسير الخمسمائة آية من القرآن" (٤)، ورتَّبه بحسب الموضوعات الفقهية، وذلك بأن يجمع الآيات الواردة في موضوع الباب، ويذكر ما يتعلق بها من أحكام فقهية، مستدلًّا بالأحاديث النبوية وأقوال الصحابة وبعض التابعين (٥)، وهو أوَّل كتاب أُلِّف في هذا العلم (٦)، وطريقة ترتيب الكتاب هي عين ما يعرف اليوم بـ "التفسير الموضوعي" في معناه الظاهر من جمع الآيات في الموضوع الواحد وتفسيرها، مما يمكننا القول بأن مقاتل من أوائل من صنّف في التفسير الموضوعي إن لم يكن أولهم.
ب - التدوين الكلي (في القرن الثالث الهجري وما بعده):
توسع تدوين التفسير بصورة كبيرة وبلغ مرتبة التكامل، وظهر نوعان من الكتب المعتنية بالتفسير المأثور، هما:
أولًا: كتب التفسير الجامعة: وقد تميزت بمحاولة الاستيعاب والاستقصاء؛ لأسباب ومزايا، منها:
_________
(١) ينظر: البرهان للزركشي ١/ ١٠٢. وقد وصلنا هذا الكتاب، وطبع بعنوان "الأشباه والنظائر" من تحقيق: الدكتور عبد اللَّه شحاتة، كما صدر بعنوانه الصحيح "الوجوه والنظائر" بتحقيق: الدكتور حاتم الضامن.
(٢) وكتابه مطبوع بتحقيق: د. حاتم الضامن.
(٣) وكتابه مطبوع بعنوان "التصاريف: تفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرفت معانيه"، بتحقيق: د. هند شلبي، الشركة التونسية، ١٩٧٩ م. كما طبع بتحقيق: د. أنور محمود المرسي خطاب، دار الصحابة، طنطا، ط ١، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م، ورجح أن الكتاب ليس لابن سلّام! وإنما لحفيده يحيى بن محمد بن يحيى بن سلّام! ينظر: ص ١٦، ١٧. وينظر في ذلك: تفسير أتباع التابعين ص ٣٥١ - ٣٥٢.
(٤) حُقق الكتاب عام ١٤٠٩ هـ - ١٩٩٨ م في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، في رسالة ماجستير مقدمة من الباحث عبيد بن علي العبيد.
كما حققه الباحث نشأت صلاح الدين الدورى عام ١٩٩٩ م، في رسالة دكتوراه بجامعة بغداد، ثم نشره في مركز البحوث والدراسات الإسلامية، ديوان الوقف السُّنِّي، ببغداد، في ٥٢٦ صفحة، لكنها طبعة محدودة.
(٥) ينظر في بيان منهجه فيه: تفسير أتباع التابعين ص ٨٠ - ٨٤.
(٦) ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه ٨/ ٢٣٠.
стр. 264
١ - اشتمال مصادرها على أحاديث السُّنَّة وتفسير الصحابة والتابعين وأتباعهم بجميع طبقاتهم.
٢ - شمولها تفسير جميع سور القرآن وأغلب آياته.
٣ - احتواؤها نسخًا تفسيرية كثيرة عن عدد كبير من مفسري السلف.
٤ - امتيازها بحسن الترتيب والتصنيف، فكانت أكثر ترتيبًا وأدق تصنيفًا من ذي قبل.
كل هذه الميزات تظهر جليًّا في تفسير ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ)، ثم في تفسير ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ)، وأيضًا تفسير ابن المنذر (ت: ٣١٨ هـ)، وقبلهم تفسير عبد بن حميد (ت: ٢٤٩ هـ)، ومن هنا أشاد بها الحافظ ابن حجر فقال: "فهذه التفاسير الأربعة قَلَّ أن يَشُذَّ عنها شيء من التفسير المرفوع والموقوف على الصحابة والمقطوع عن التابعين" (١).
ويندرج ضمن هذه المجموعة تفسير إسحاق البستي (ت: ٣٠٧ هـ)، وتفسير أبي الشيخ (ت: ٣٦٩ هـ)، وتفسير ابن مردويه (ت: ٤١٠ هـ)، وكل هذه التفاسر من مصادر الموسوعة المباشرة وغير المباشرة، وقد تحدثت عن كلٍّ منها مع ببّان شيء من مزاياها بما يغني عن إعادته، وذلك في مبحث مصادر الموسوعة.
ثانيًا: كتب السُّنَّة الجامعة لعلوم الشريعة، وقد أفردت ضمن أبوابها كتابًا للتفسير، وتفاوتت في حجمها ومصادرها، ومنها:
١ - "جامع ابن وهب" (ت: ١٩٧ هـ)، الذي ضم قسمًا في تفسير القرآن، وتفرد بأسانيد عالية وآثارًا عزيزة عن عدد من السلف (٢).
٢ - "سنن سعيد بن منصور" (ت.٢٢٧ هـ)، وقد ضم بابًا كبيرًا في التفسير اعتنى فيه بتفسير الصحابة والتابعين إضافة إلى الأحاديث المرفوعة.
٣ - "صحيح الإمام البخاري" (ت: ٢٥٦ هـ) الذي اعتنى بتفسير الصحابة والتابعين إضافة إلى الآثار المرفوعة.
_________
(١) العجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٠٣، وعقَّب على ذلك بقوله: "وقد أضاف الطبري إلى النقل المستوعب أشياء لم يشاركوه فيها، كاستيعاب القراءات والإعراب والكلام في أكثر الآيات على المعاني، والتصدي لترجيح بعض الأقوال على بعض، وكل من صنف بعده لم يجتمع له ما اجتمع فيه؛ لأنه في هذه الأمور في مرتبة متقاربة، وغيره يغلب عليه فن من الفنون فيمتاز فيه، ويقصر في غيره". وقد تقدم الحديث عن هذه التفاسير وغيرها في مصادر الموسوعة مع ذكر ميزات كل منها.
(٢) وقد تقدم الحديث عنه في مصادر الموسوعة، مع بيان مزاياه، وما حفظ لنا من تفاسير السلف.
стр. 265
٤ - "جامع الإمام الترمذي" (ت: ٢٧٩ هـ): وقد اقتصر فيه على آثار التفسير المرفوعة.
٥ - "السنن الكبرى النسائي" (ت: ٣٠٣ هـ)، ومن ضمنها باب كبير في تفسير القرآن، طبع مستقلًّا باسم تفسير النسائي.
ويندرج ضمن هذه الكتب مصنف عبد الرزاق الصنعاني (ت: ٢١١ هـ)، ومصنف ابن أبي شيبة (ت: ٢٣٤ هـ). اللذان حويا ثروة تفسيرية كبيرة عن الصحابة والتابعين لا سيما فيما يتعلق بآيات الأحكام.
وفي هذا الباب الكثير من دواوين السُّنَّة، مما يطول المقام باستقصائها.
* المرحلة الرابعة: مرحلة اختصار الأسانيد (١):
قال السيوطي واصفًا المرحلة السابقة التي جمع فيها تفسير السلف مسندًا:
". . . ثم بعد هذه الطبقة أُلِّفت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين كتفسير سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وآدم بن أبي إياس، وإسحاق بن راهويه، وروح بن عبادة، وعبد بن حميد، وسعيد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وآخرين، وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجلّ التفاسير وأعظمها، ثم ابن أبي حاتم، وابن ماجه، والحاكم، وابن مردويه، وأبو الشيخ بن حبان، وابن المنذر، في آخرين، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك؛ إلا ابن جرير فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط، فهو يفوقها بذلك".
ثم قال واصفًا المرحلة التي تليها من اختصار الأسانيد عند المتأخرين: "ثم ألّف في التفسير خلائق فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال بترًا، فدخل من هنا الدخيل،
_________
(١) كانت بداية السؤال عن الإسناد في عهد كبار التابعين؛ "لكن الإلحاح في طلبه ازداد بعد جيل الصحابة وكبار التابعين بسبب شيوع الوضع واتساع نطاقه على مر الزمن، فأصبح الإسناد ضرورة لا مناص للمحدث من ذكره إذا أراد لرواياته القبول حتى إن الزهري أحد صغار التابعين (ت: ١٢٤ هـ) اعتبر إغفال الإسناد جرأة على اللَّه تعالى". [بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة ص ٥٣]، وهكذا شاع الإسناد في أوائل القرن الثاني الهجري إلى حدود القرن الخامس والتزم به المحدثون، ويعكس لنا أهمية الإسناد ما قاله نقاد الحديث وأئمته كعبد اللَّه بن المبارك (ت: ١٨٧ هـ) الذي قال: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". [صحيح مسلم ١/ ١٥، وينظر: المرجع السابق ص ٥٣]، وفي المقابل كان الرواة الذين لا يسندون متهمين، ورواياتهم مرفوضة، ولم يقتصر طلب الإسناد على الأحاديث المرفوعة بل أيضًا اعتُني به في مرويات التفسير، باعتبار أن رواة التفسير هم رواة الحديث.
стр. 266
والتبس الصحيح بالعليل، ثم صار كل من يسنح له قول يورده، ومن يخطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده ظانًا أن له أصلًا، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح، ومن يرجع إِليهم في التفسير، حتى رأيت من حكى في تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، نحو عشرة أقوال، وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبي وجميع الصحابة والتابعين وأتباعهم، حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافًا بين المفسرين" (١).
وظاهر كلام السيوطي أن اختصار الأسانيد انتشر كظاهرة في القرن الرابع الهجري، لكن بداياتها كانت قبل ذلك، ويمكن القول: إنها مرت بصور عديدة متداخلة زمنيًّا، حتى استقرت على الحال المعروفة من حذف الأسانيد بصورة كاملة، فمن تلك الصور والمراحل:
١ - دمج الأسانيد بعضها في بعض في إسناد واحد بحيث لا يتميز القائل وقوله، وهذا واضح عند السدي (ت: ١٢٧ هـ) في النسخة التي جمعها من تفسير ابن مسعود وناس من الصحابة من طريق مرة الهمداني، وتفسير ابن عباس من طريق أبي صالح وأبي مالك، وقد انتقد الإمام أحمد هذه الطريقة فقال عن السدي: "إنه ليحسن الحديث، إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسنادًا، واستكلفه" (٢).
٢ - حذف الإسناد أثناء التفسير، وكذلك القائل أيضًا عند البعض، وهو واضح وصريح عند مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) في تفسيره الكبير، وربما يكون أول من فتح باب حذف أسانيد التفسير (٣)، وقد عيب عليه ذلك الصنيع، فقال عبد اللَّه بن المبارك حين وقف على تفسيره: "يا له من علم لو كان له إسناد" (٤).
٣ - اختصار الأسانيد أثناء التفسير: وهو جلي عند يحيى بن سلام (ت: ٢٠٠ هـ) في تفسيره، حيث يسقط بعض رجال السند أحيانًا. فمثلًا تجده أحيانًا يسند عن قتادة، فيذكر الواسطة وكثيرًا ما يحذفها (٥).
٤ - الالتزام بالإسناد في بعض الروايات، وحذفها في البعض الآخر اختصارًا، وهذا منهج التزمه ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) في تفسيره، حيث قال في مقدمته: "سألني
_________
(١) الإتقان ٦/ ٢٣٤٣.
(٢) تهذيب التهذيب ١٠/ ٣١٤.
(٣) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ٧٧.
(٤) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٧٩.
(٥) تنظر أمثلة لذلك في: تفسيره ١/ ٥٤، ٥٨، ٢/ ٥٣٦، ٥٤١.
стр. 267
جماعة من إخواني إخراج تفسير القرآن مختصرًا بأصح الأسانيد، وحذف الطرق والشواهد والحروف والروايات، وتنزيل السور. . . فتحريت إخراج ذلك بأصح الأخبار إسنادًا، وأشبهها متنًا، فإذا وجدت التفسير عن رسول اللَّه ﷺ لم أذكر معه أحدًا من الصحابة ممن أتى بمثل ذلك، وإذا وجدته عن الصحابة فإن كانوا متفقين ذكرته عن أعلاهم درجة بأصح الأسانيد، وسميت موافقيهم بحذف الاسناد. وإن كانوا مختلفين ذكرت اختلافهم وذكرت لكل واحد منهم إسنادًا، وسميت موافقيهم بحذف الاسناد، فإن لم أجد عن الصحابة ووجدته عن التابعين عملت فيما أجد عنهم ما ذكرته من المثال في الصحابة، وكذا أجعل المثال في أتباع التابعين وأتباعهم" (١).
٥ - الاكتفاء بذكر الأسانيد في المقدمة: كما هو الحال لدى الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ)، الذي أورد عشرات الأسانيد في مقدمة كتابه عن معظم مفسري السلف ومَنْ بعدهم، وفيهم من أورد له عدة أسانيد من طرق مختلفة، منها الصحيح ومنها الضعيف، خصوصًا ابن عباس ﵄، لكن ذلك لم يتميز أثناء تفسيره، فكثيرًا ما يورد القول عن ابن عباس دون بيان طريقه، مما سبّب التباس الصحيح بالضعيف، وعدم تميز كل منهما. وقد صنع مقاتل بن سليمان في تفسيره ما يقارب هذا الصنيع، لكنه لم ينسب الأقوال إلى قائليها في أغلب تفسيره، واللَّه أعلم.
* * *
_________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١/ ١٤.
стр. 268
٣ - مفسرو السلف ومراتبهم في التفسير
إعداد د. خالد بن يوسف الواصل
стр. 269
مقدمة
تقدم في مبحث تاريخ تفسير السلف ذكر طبقات السلف الثلاث؛ الصحابة والتابعين وتابعيهم، والعهد الذي عاصرته كل طبقة، كما ذكرنا الطبقات الزمنية لكل منهم، ففي الصحابة طبقتا كبارهم وصغارهم، وفي التابعين طبقة المخضرمين، وكبار التابعين، وأواسطهم وصغارهم، وفي أتباع التابعين: طبقة كبار أتباع التابعين وأواسطهم وصغارهم.
أما في هذا المبحث فسوف نستعرض طبقات مفسري السلف باعتبار الكثرة والقلة (١) في مقدار آثار تفسيرهم النظري الاجتهادي دون النقلي الروائي (٢)، وذلك من خلال موسوعة التفسير المأثور، حيث تيسر لي بفضل اللَّه أن أحصي تفسير كل مفسري السلف المذكورين في الموسوعة، بصورة أحسب أنها أقرب إلى الدقة والمصداقية؛ لأمور، من أهمها:
١ - اعتماد هذا الإحصاء على موسوعة التفسير المأثور التي شملت كل مصادره المطبوعة، وما تبقى من مصادره المفقودة، وبالتالي شمول هذا الإحصاء الذي لم يقتصر على مصدر واحد فقط كما هو حاصل في أغلب الإحصاءات المعاصرة.
٢ - اعتماد الموسوعة منهجًا دقيقًا في تجزئة الآثار يعتمد على تفسير المفردة القرآنية الواحدة (المنهج التحليلي)، وهذا ما لا تجده في كتب نقلة التفسير المأثور (٣)،
_________
(١) اتبعت في ذلك المعنى اللغوي للطبقة وهو "عبارة عن القوم المتشابهين". مقدمة ابن الصلاح ص ٥٠٠.
(٢) وقد جرت الموسوعة في تحديد التفسير النقلي من الاجتهادي بناء على ظاهر ما نقله أئمة نقَلَة التفسير المأثور في كتبهم كعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم، فطالما نسبوا القول لأحد السلف ولم يُشِرْ إلى أنه يرويه عن غيره فالقول له بناء على ظاهره. وستأتي أمثلة ومناقشة للمسألة في هذا البحث عند الحديث عن الربيع بن أنس، وينظر أيضًا: تفسير أتباع التابعين ص ١٥٣.
(٣) تميز ابن أبي حاتم في تفسيره بهذا المنهج تميزًا واضحًا، لكن لم يتحقق فيه المنهج الوارد في (٣).
стр. 270
التي كثيرًا ما تورد الأثر كاملًا، وفيه تفسير عدد من مفردات القرآن (١).
٣ - اعتمدت في بيان مقدار تفسير كل مفسر إحصاء ما ورد في الموسوعة في فقرة تفسير الآية فحسب، وتركت ما ذكر في الآثار المتعلقة بالآية؛ لأنها غالبًا ما تكون آثارًا عامة لم تُسق لتفسير الآية، وإنما رأى فيها مصنفو المصادر تعلقًا بمعنى الآية فألحقوه بتفسيرها، وهو كثير عند ابن أبي حاتم والسيوطي في الدر المنثور، بخلاف فقرة تفسير الآية في الموسوعة التي أدرجنا فيها الآثار التي يظهر أنها مسوقة لتفسير الآية (٢)، من خلال كون المفسر قصد الحديث عن الآية بأن ينص عليها، أو يذكر لفظًا يختص بها ونحو ذلك (٣).
مما تقدم يتبين لك أن ما جاء في الدراسات الإحصائية المعاصرة قد أخل بسبب أو أكثر من الأسباب السابقة التي أحسب أنها بمجموعها توقفنا على سورة أدق لمقدار التفسير المأثور عن السلف.
وبعد أن انتهيت من الإحصاءات وفق المنهج السابق تحصل لدي مقدار التفسير لكل واحد من السلف (٤).
وبناء على ذلك جعلت أقسام السلف باعتبار الكثرة والقلة في التفسير على ثلاث طبقات:
- الطبقة الأولى: المكثرون من مفسري السلف: وهم من تجاوز تفسيرهم الاجتهادي ٥٠٠ أثر.
_________
(١) وهو جلي عند السيوطي في الدر المنثور الذي كثيرًا ما يجمع الآثار التفسيرية المفصلة الواردة في المصادر عن مفسر واحد من طريق واحدة، ويسوقها مساقًا واحدًا في رواية واحدة.
(٢) هذا بصرف النظر عن حقيقة كلامه عن الآية أهو تفسير صريح أم استنباط وتدبر أم غير ذلك، مما يبحثه المعاصرون.
(٣) وهو المنهج الذي تميز به ابن جرير الطبري. ولا يخفى أن المسألة تعتمد على الاجتهاد ومن ثم قد تتباين وجهات النظر في ذلك.
(٤) لا يخفى أن هذا جهد بشري لا يمكن أن يكون دقيقًا ١٠٠ %، لاختلاف النظر في تحديد التفسير الاجتهادي من النقلي، أو التفسير المباشر وما سواه، أو تجزئة الآثار، أو فوات سابق في المصادر أو الآثار، ولما قد يحصل من خلل في الإحصاء والعد، إلى غير ذلك، لكن حسبي أني اجتهدت حسب الطاقة، وتحريت الدقة قدر الإمكان، ومن ثم فإن المحصلة إن لم تكن دقيقة جدًّا فإنها مؤشر يوضح مقدار تفسير كل مفسر بصورة تقريبية لن تختلف كثيرًا عن الواقع، واللَّه أعلم.
стр. 271
- الطبقة الثانية: المقلّون من مفسري السلف: وهم من تجاوز تفسيرهم الاجتهادي ١٠٠ أثر في التفسير دون أن تبلغ ٥٠٠.
- الطبقة الثالثة: المشاركون في التفسير من السلف (١): وهم من لم يبلغ تفسيرهم الاجتهادي ١٠٠ أثر.
وكل طبقة من هذا الطبقات جعلتها على طبقات كما سيأتي، وباللَّه التوفيق.
* * *
_________
(١) وأنبه على أنه أمر اصطلحت عليه من خلال واقع الإحصاءات المتحصلة لدي، والا فهناك من السلف من ذُكر أنهم من المفسرين، لكن لم تبلغ آثاره الحد المذكور لأسباب حاولت بيان أبرزها أثناء ترجمة بعضهم، كما سيأتي في طبقة المشاركين في التفسير.
стр. 272
الفصل الأول المكثرون من مفسري السلف
الطبقة الأولى من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة أكثر من ٤٠٠٠ أثر.
الطبقة الثانية من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة ما بين ٢٠٠٠ - ٤٠٠٠ أثر.
الطبقة الثالثة من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة ما بين ١٠٠٠ - ٢٠٠٠ أثر.
الطبقة الرابعة من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة ما بين ٥٠٠ - ١٠٠٠ أثر.
стр. 273
توطئة
ذكرت سابقًا أن من تجاوز تفسيره الاجتهادي ٥٠٠ أثر أدرجته ضمن المكثرين في التفسير.
ومن خلال الإحصاءات التي بين يدي وجدت تفاوتًا كبيرًا بينهم، جعلني أعيد النظر في مدى صلاحية إدراجهم جميعًا في طبقة واحدة، ومن هنا آثرت أن أسلكهم في أربع طبقات، كما يلي:
الطبقة الأولى من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة أكثر من ٤٠٠٠ أثر.
الطبقة الثانية من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة ما بين ٢٠٠٠ - ٤٠٠٠ أثر.
الطبقة الثالثة من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة ما بين ١٠٠٠ - ٢٠٠٠ أثر.
الطبقة الرابعة من المكثرين: من بلغت آثارهم التفسيرية في الموسوعة ما بين ٥٠٠ - ١٠٠٠ أثر.
* * *
стр. 274
الطبقة الأولى من المكثرين في التفسير من السلف (من تجاوزت آثارهم التفسيرية ٤٠٠٠ أثر)
من خلال إحصاءات الموسوعة تحصّل لدينا أن أكثر السلف تفسيرًا أربعةٌ:
من الصحابة: عبد اللَّه بن عباس (ت: ٦٨ هـ).
من التابعين: من أواسطهم: مجاهد بن جبر (ت: ١٠٢ هـ).
ومن صغارهم: قتادة بن دعامة (ت: ١١٧ هـ).
ومن أتباع التابعين: مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ).
وفيما يلي ترجمة موجزة لكل منهم، تبيّن شيوخه وتلاميذه ومكانته في العلم والرواية ثم منزلته في التفسير، وأهم الطرق التي وصل إلينا تفسيره عبرها، وأسباب كثرة تفسيره؛ مرتبين بحسب وفياتهم:
стр. 275
أولًا عبد اللَّه بن عباس ﵄ (ت: ٦٨ هـ) (١)
عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن علام الرسول ﷺ ، وأمه لبابة بنت الحارث الهلالية، أخت أم المؤمنين ميمونة.
ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي الرسول ﷺ وله من العمر ثلاث عشرة سنة، وعليه فهو معدود في صغار الصحابة.
* منزلته في العلم ومصادره:
صحب ابن عباس الرسول ﷺ نحوًا من ثلاثين شهرًا، اجتهد فيها وأخذ عن الرسول ﷺ قدرًا من العلم، وحدث عنه بجملة صالحة.
وبعد وفاة الرسول ﷺ استدرك ما فاته من العلم عن طريق كبار الصحابة وعلمائهم، جاء عنه أنه قال: "لما قبض رسول اللَّه ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول اللَّه ﷺ فإنهم اليوم كثير، قال فقال: واعجبا لك يا ابن عباس أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من فيهم؟ قال: فتركت ذلك وأقبلت أسأل أصحاب رسول اللَّه ﷺ عن الحديث، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي التراب فيخرج فيراني فيقول لي: "يا ابن علام رسول اللَّه ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك فأسأله عن الحديث، فعاش ذلك الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي ليسألوني فيفول: هذا الفتى كان أعقل مني" (٢)، وقال ﵁: "كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من المهاجرين
_________
(١) تنظر ترجمته: طبقات ابن سعد ٢/ ٣٦٥ - ٣٧٢، تهذيب الكمال ١٥/ ١٥٤، سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٣٢، تهذيب التهذيب ٥/ ٢٧٦.
(٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٦٧.
стр. 276
والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول اللَّه ﷺ وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحدًا منهم إلا سُرَّ بإتياني؛ لقربي من رسول اللَّه ﷺ ، فجعلت أسأل أُبي بن كعب يومًا، وكان من الراسخين في العلم عما نزل من القرآن بالمدينة فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة وسائرها بمكة" (١).
قرأ القرآن على: أُبي بن كعب، وزيد بن ثابت.
وأخذ العلم عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وغيرهم ﵃. وجمع علمهم حتى صار حبر الأمة وترجمان القرآن، فعن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، قال: "كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب ونائل، وما رأيت أحدًا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول اللَّه ﷺ منه، ولا أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا بتفسير القرآن ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أعلم بما مضى ولا أثقف رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يومًا ما يذكر فيه إلا الفقه، ويومًا التأويل، ويومًا للمغازي، ويومًا الشعر، ويومًا أيام العرب، وما رأيت عالمًا قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلًا قط سأله إلا وجد عنده علمًا" (٢).
* مكانته في التفسير وآثاره:
تقدم أن ابن عباس من صغار الصحابة، ومع ذلك فقد سبقهم في علم التفسير حتى صار من أعلمهم، شهد بذلك كبار الصحابة ومن بعدهم، فهذا ابن مسعود ﵁ يقول: "لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عشره منا رجل، نعم ترجمان القرآن ابن عباس" (٣)، وقال عنه علي بن أبي طالب: "كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق" (٤). وقد بلغت آثار ابن عباس في الموسوعة (٨٩٢٢) أثرًا، وهو عدد كبير جدًّا لا يضاهيه أحد من الصحابة أو يقاربه أو يبلغ معشاره! (٥).
_________
(١) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٧١.
(٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٦٨.
(٣) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٦٦.
(٤) البرهان في علوم القرآن ١/ ٨، وينظر ثناء طلحة بن عبيد اللَّه، وسعد بن أبي وقاص، وأُبي بن كعب، وأم سلمة، وابن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد اللَّه ﵃ على علمه، في: طبقات ابن سعد ٢/ ٣٦٩ - ٢٧١.
(٥) ولكن مما يلزم ذكره على ما جمع في الموسوعة من آثار ابن عباس خاصة: =
стр. 277
* أسباب تقدم ابن عباس في التفسير:
لعل من أبرز أسباب سبق ابن عباس في التفسير وتقدمه ما يلي (١):
١ - دعاء النبي ﷺ له، حين قال: "اللَّهُمَّ علمه الكتاب" (٢). وفي رواية: "اللَّهُمَّ فقِّه في الدين وعلمه التأويل" (٣).
٢ - اعتناؤه بعلم التفسير واستفراغ جهده فيه.
٣ - أخذه العلم عن كبار علماء الصحابة، خصوصًا عمر وعلي وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت ﵃، فجمع علمهم جميعًا، واستدرك بذلك ما فاته من العلم زمن النبي ﷺ .
٤ - دقة فهمه، وقوة اجتهاده، ورجاحة عقله (٤).
٥ - اعتناؤه بتلاميذه وحرصه على نشر علمه بينهم، ومن ثم اعتناء تلاميذه بنشر علمه.
٦ - تأخر وفاته نسبيًّا. قال ابن تيمية: "وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمّر بعده ابن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟! " (٥).
فاجتماع هذه الأسباب فيه صيرته أعلم الصحابة بتفسير القرآن، وأكثرهم آثارًا فيه، نعم هناك من الصحابة من بلغ شأوًا بعيدًا في هذا العلم كابن مسعود وعلي ﵄، لكن لم تجتمع لهم هذه الأسباب كما اجتمعت لابن عباس حتى بلغت آثاره ذلك المبلغ، بل هو من أكثر السلف عامة آثارًا في التفسير كما سيتبين لنا في إحصاءات الموسوعة.
* تلاميذ ابن عباس:
تقدم في مبحث تاريخ التفسير أنه بعد استشهاد علي، وتنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية ﵃ أجمعين عام ٤١ هـ؛ انتقل ابن عباس ﵄ إلى مكة متفرغًا
_________
= - كثرة الطرق في تفسير بعض الآيات، وهي داخلة ضمن الإحصاءات نظرًا لمكانة تفسير ابن عباس.
- أنها لم تعم جميع آيات القرآن.
(١) ينظر بتوسع: تفسير التابعين ١/ ٣٧٢ - ٣٩٥.
(٢) رواه البخاري ١/ ٢٦ (٧٥).
(٣) رواه أحمد ١/ ٢٦٦، ٣١٤.
(٤) وتقدم في الدراسة السابقة أن عمر بن الخطاب ﵁ فطن لذلك، فأدنى مجلسه، وقرب منزلته، وأعلى مكانته.
(٥) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص ٤١. وينظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٨.
стр. 278
لنشر العلم ومتصديًا لتفسير القرآن، وقد تميز بمنهج تعليمي فذّ مع طلابه، حيث كان يحثهم على تحصيل العلم، ويربيهم على الاجتهاد، ويشجعهم على الإفتاء، فتخرّج عليه أبرز أعلام مفسري التابعين، يأتي على رأسهم مجاهد بن جبر (ت: ١٠٢ هـ)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ)، وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ)، والضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٤ هـ)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ)، وطاووس بن كيسان (ت: ١٠٦ هـ)، وأبو مالك الغفاري (ت: ٩١ - ١٠٠ هـ)، وأبو صالح باذام (ت: ١٢٠ هـ)، وعطية العوفي (ت: ١١٢ هـ)، وأبو الجوزاء (ت: ٨٣ هـ)، وغيرهم.
* طرق تفسير ابن عباس:
قال السيوطي: "وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة وفيه روايات وطرق مختلفة" (١)، وفي هذه الموسوعة ورد الكثير منها، لكن أهمها وأكثرها ورودًا ما يلي:
١ - طريق علي بن أبي طلحة (٢): بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (١٤٥٧) أثرًا.
٢ - طريق عطية العوفي: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (١٢٩٦) أثرًا (٣).
٣ - طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٤)، وقد اصطلحنا على ذكرها في الموسوعة اختصارًا بـ "طريق ابن إسحاق بسنده"، وبلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (١٢٨).
٤ - طريق إسماعيل السُّدّي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس (٥): بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (١٤٧).
_________
(١) الإتقان في علوم القرآن ٤/ ٢٣٧.
(٢) وقد يختصر في الموسوعة فيقال: من طريق علي. وتقدم في منهج التخريج الحديث عنها وحكمها.
(٣) وقد يختصر في الموسوعة فيقال: من طريق عطية، أو من طريق العوفي. وتقدم في منهج التخريج الحديث عنها وحكمها.
(٤) قال السيوطي في الإتقان ٤/ ٢٣٧: "ومن ذلك طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير - عنه، هكذا بالترديد وهي طرق جيدة وإسنادها حسن وقد أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرًا وفي معجم الطبراني الكبير منها أشياء".
(٥) قال السيوطي في الإتقان ٤/ ٢٣٨ فيما نقل عن الخليلي في الإرشاد: "وتفسير إسماعيل السدي، يورده =
стр. 279
٥ - طريق سعيد بن جبير (١): بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (٦٢٢).
٦ - طريق عكرمة: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (٦٣٩).
٧ - طريق مجاهد: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (٣٠٢).
٨ - طريق الضحاك: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (٣٠٦).
٩ - طريق الكلبي عن أبي صالح: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (١٦٢).
١٠ - طريق عطاء بن أبي رباح: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (١٦). أما من طريق عطاء (مهملًا دون تعيينه) فقد بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (٢٠٦).
١١ - طريق عطاء الخراساني: بلغت الآثار التي رويت عن ابن عباس من هذه الطريق (١٩٢).
_________
= بأسانيد إلى ابن مسعود وابن عباس. وروى عن السدي الأئمة، مثل الثوري وشعبة. ولكن التفسير الذي جمعه، رواه أسباط بن نصر. وأسباط لم يتفقوا عليه. غير أن أمثل التفاسير تفسير السُّدي". ثم قال السيوطي: "وتفسير السُّدي الذي أشار إليه يورد منه ابن جرير كثيرًا من طريق السُّدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة هكذا، ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئًا لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد، والحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء ويصححه، لكن من طريق مرة عن ابن مسعود وناس فقط، دون الطريق الأول، وقد قال ابن كثير: إن هذا لإسناد يروي به السدي أشياء فيها غرابة". وقد وهم السيوطي في قوله بأن ابن أبي حاتم لم يورد من هذه الطريق شيئًا، بل أورد كثيرًا كما سنرى في هذه الموسوعة، وقد قال الحافظ ابن حجر قبله في التهذيب ١/ ٣١٥: "قد أخرج الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما في تفاسيرهم، تفسير السُّدي، مفرقًا في السور، من طريق أسباط بن نصر عنه". وقد استغرب الشيخ أحمد شاكر دعوى السيوطي فقال بعد أن نقل كلام ابن حجر: "وأول ما نشير إليه في هذه الأقوال: التناقض بين قولي الحافظ ابن حجر والسيوطي، في أن ابن أبي حاتم أخرج تفسير السدي مفرقًا في تفسيره، كما صنع الطبري، في نقل الحافظ، وأنه أعرض عنه، في نقل السيوطي. ولست أستطيع الجزم في ذلك بشيء، إذ لم أرَ تفسير ابن أبي حاتم [لم يطبع حينئذ]. ولكني أميل إلى ترجيح نقل ابن حجر، بأنه أكثر تثبتًا ودقة في النقل من السيوطي". تفسير الطبري، تحقيق: الشيخ شاكر ١/ ١٥٦، حاشية (٢).
(١) قال السيوطي في الإتقان في علوم القرآن ٤/ ٢٣٧: "ومن جيد الطرق عن ابن عباس طريق قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين وكثيرًا ما يخرج منها الفريابي والحاكم في مستدركه".
стр. 280
ثانيًا مجاهد بن جبر (ت: ١٠٢ هـ) (١)
أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي "شيخ القراء والمفسرين" (٢) من التابعين، ولد في أواخر عهد عمر ﵁، وعليه فهو في عِداد الطبقة الوسطى من التابعين.
* مكانته في التفسير وآثاره:
روى مجاهد عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم.
واختص بابن عباس -فأكثر وأطاب- حيث أخذ عنه القرآن، قال ﵀: "عرضت القرآن على ابْن عباس ثلاثين مرة" (٣)، ولم يكتف بعرض القرآن؛ بل أخذ عنه تفسيره، فقرأ عليه قراءة تفهم، قال ﵀: "عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن عباس، أقفه عند كل آية، أسأله: فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ " (٤)، وعن ابن أبي مليكة قال: "رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير، كله" (٥).
ولا شك أن ملازمة مجاهد لحبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس لها دور كبير في صقل شخصيته وتكوينه العلمي، مما نتج عنه تَبَوُّؤ مجاهد مكانة عظيمة بين مفسري التابعين، قال خصيف: "كان مجاهد أعلمهم بالتفسير"، وقال قتادة: "أعلم من بقي بالتفسير مجاهد" (٦). وقد أثنى عليه المتقدمون والمتأخرون، فقال سفيان
_________
(١) ينظر في ترجمته: المعرفة والتاريخ ١/ ٧١٠، طبقات ابن سعد ٥/ ٤٦٦، تهذيب الكمال ٢٧/ ٢٣٣، سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩، تفسير أتباع التابعين ١/ ٩٠ - ١٣٦.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩.
(٣) تهذيب الكمال ٢٧/ ٢٣٣.
(٤) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩.
(٥) تفسير الطبري ١/ ٨٥.
(٦) تهذيب الكمال ٢٧/ ٢٣٣.
стр. 281
الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد، فحسبك به" (١)، وقال أيضًا: "خذوا التفسير من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك" (٢)، ووصفه ابن تيمية بأنه آية في التفسير، وقال: "ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير، يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره" (٣).
والناظر في تفسيره يرى مصداق ذلك، فقد كان ﵀ ذا نظر ثاقب، واجتهاد رصين، ودقة في إبراز المعاني، واستنباط الدقائق، وتوسع في التفسير، ما لا تجده عند كثير من أقرانه، وقد بلغت آثار تفسيره في الموسوعة (٤٧٤٤) أثرًا، تشهد بعلو كعبه في التفسير، وتميزه في التأويل.
* أسباب تقدم مجاهد في التفسير وكثرة آثاره (٤):
لا شك أن لتلك المكانة التي بلغها مجاهد في التفسير أسبابًا وعوامل عديدة، لعل من أبرزها:
١ - صحبته لابن عباس ﵄ وطول ملازمته له: حتى كان أخص تلاميذه به، لا سيما في كونه عرض القرآن عليه كاملًا قراءة وتفسيرًا عدة مرات، عرض سؤال وتفهم، كما تقدم.
٢ - تفرغه للتفسير النظري: إذ تخصص فيه، واستفرغ جهده، ولم يشتغل بغيره كما اشتغل به، وفي ذلك يقول: "استفرغ علمي القرآن" (٥)، بل إنه لم يشتغل كثيرًا برواية تفسير غيره، حتى أقرب العلماء إليه، فقد كان من أقل تلاميذ ابن عباس رواية عنه مع أنه من أكثرهم أخذًا عنه.
٣ - توسعه في الاجتهاد، والاستنباط: فقد استفاد ذلك من شيخه ابن عباس ﵄، وتميز عن أقرانه فيه، فكان من أكثرهم إعمالًا للرأي في التفسير، ومن أميزهم في بيان المشكل منه.
٤ - عناية تلاميذه بنقل تفسيره، ونشر تراثه وروايته لمن بعده، يأتي على رأسهم عبد اللَّه بن أبي نجيح (ت: ١٣٢ هـ)، الذي روى أغلب تفسيره حيث بلغت في الموسوعة
_________
(١) تفسير الطبري ١/ ٨٥.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥١.
(٣) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص ١٠.
(٤) ينظر: تفسير التابعين ١/ ١٢٥ - ١٣٥.
(٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥٢.
стр. 282
(٢٣٤٤) رواية، يليه ابن جريج (ت: ١٥٠ هـ) الذي بلغت مروياته عن مجاهد في الموسوعة (٣٦٦) أثرًا.
٥ - كتابته للتفسير: وتقدم ما عرف عنه من حرصه على التدوين عند مساءلته لشيخه، وهكذا كان تلاميذه يكتبون عنه، قال عبيد المُكتب: "رأيتهم يكتبون التفسير عند مجاهد" (١)، ومن هنا اشتهر عن مجاهد أن له كتابًا في التفسير.
٦ - اشتغاله بالإقراء والقراءات: فقد كان ﵀ مقرئ أهل مكة، قرأ عليه: ابن كثير، وابن محيصن المكيَّان، كما قرأ عليه أبو عمرو البصري، وغيرهم (٢). ولا شك أن للتضلع في علم القراءات أثرًا في فهم القرآن وتفسيره، وقد كان مجاهد مدركًا لذلك، فكان يتأسف على أنه لم يقرأ بقراءة ابن مسعود حتى تفيده في فهم الآيات، وفي ذلك يقول ﵀: "لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت" (٣).
٧ - عدم دخوله في الفتن: كما حصل لبعض أقرانه كسعيد بن جبير، لذا لم يعرف عنه أنه شارك في نحو ذلك أو دعا إليه، بل ورد عمه خلافه، وحريّ بالعالم إذا سلِم من الفتن أن يتصدى للعلم ويتصدر للتعليم، ويقبل عليه الناس دونما عوائق، كما كان مجاهد ﵀.
٨ - تأخر وفاته: حيث طال به العمر حتى بلغ ٨٣ سنة، وتوفي بمكة وهو ساجد عام ١٠٢ هـ، وقيل: ١٠٤ هـ (٤)، وقيل غير ذلك. ولا شك أن لطول العمر أثرًا فى أن يأخذ عنه عدد كبير من التلاميذ، وأن يدركه الأصاغر فضلًا عن الأكابر.
_________
(١) أخرجه الدارمي في سننه ١/ ٤٣٩.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥٠.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه ٥/ ٢٠٠ (٤٣٩).
(٤) وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ١٠٢ هـ.
стр. 283
ثالثًا قتادة بن دعامة (ت: ١١٧ هـ) (١)
قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، أبو الخطاب السدوسي، البصري، الضرير، الأكمه. مولده في سنة ستين (٢)، وعداده في صغار التابعين.
روى عن عبد اللَّه بن سرجس، وأنس بن مالك، وأبي الطفيل ﵃، كما روى عن أبي العالية، وسعيد بن المسيب، وأبي عثمان النهدي، ومطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، والشعبي، والحسن البصري.
* مكانته في العلم والتفسير:
كان قتادة من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، وهو رأسٌ في الحديث والتفسير والخلاف، فعن أحمد بن حنبل أنه ذكر قتادة فأطنب في ذكره فجعل ينشر من علمه، وفقهه، ومعرفته بالاختلاف والتفسير، وغير ذلك، وجعل يقول: "عالم بتفسير القرآن، وباختلاف العلماء"؛ ووصفه بالحفظ والفقه (٣)، وقال الذهبي عنه: "حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين" (٤). وقال أيضًا: "وكان قتادة أيضًا رأسًا في العربية، والغريب، وأيام العرب، وأنسابها" (٥). ولا شك أن لهذه الأمور أثرًا في كثرة تفسيره، خصوصًا أنه سمع الكثير في التفسير حتى قال عن نفسه: "ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا" (٦).
* مقدار تفسير قتادة وأسباب كثرته:
بلغت آثاره التفسيرية في الموسوعة (٥٧٢٦) أثرًا، فكان أكثر التابعين تفسيرًا
_________
(١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٧/ ٢٢٩، تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٩٨، تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠١، سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩، تهذيب التهذيب ٨/ ٣٥١، تفسير التابعين: ١/ ٢٥٢.
(٢) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩.
(٣) تهذيب الكمال ٢٣/ ٥١٥.
(٤) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩.
(٥) تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠٣.
(٦) تهذيب الكمال ٢٣/ ٥١١، تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠٢.
стр. 284
لآيات القرآن على الإطلاق (١)، مع أنه ليس بأشهرهم لأسباب عدة، نوجز أبرزها فما يلي:
١ - ما تقدم من قوة حافظته، وكثرة ما سمع في التفسير. وهذا يعلل كثرة مروياته في التفسير، ونزول الآيات، والنسخ، واستشهاده بالسُّنَّة وأقوال المتقدمين أثناء تفسيره، حتى فاق أقرانه من التابعين.
٢ - تعدد مصادره، وكثرة شيوخه، فقد أخذ عن أهل بلده بالبصرة، خصوصًا أنس بن مالك ﵁، وكذلك الحسن البصري الذي لازمه ثنتي عشرة سنة (٢)، حتى تأثر به في طرح التفسير بأسلوب وعظي ومنهج تربوي مؤثر. كذلك رحل خارج البصرة فأخذ عن سعيد بن المسيب بالمدينة فكان مِن أكثر مَن روى تفسيره.
٣ - عناية تلاميذه بنقل تفسيره، ونشر تراثه وروايته لمن بعده، يأتي على رأسهم سعيد بن أبي عروبة (ت: ١٥٦ هـ)، الذي بلغت مروياته عنه في الموسوعة (٢٩٣٨) رواية، يليه معمر بن راشد (ت: ١٥٣ هـ) الذي بلغت مروياته عنه في الموسوعة (١٤٦٤) رواية.
٤ - عدم دخوله في الفتن، مع أنه من أهل العراق الذي كان مصدرًا للفتن والقلاقل آنذاك، والتي كان من أشدها فتنة ابن الأشعث، فلم يشارك قتادة في مثل تلك الفتن بل كان على منهج شيخه الحسن البصري، في البعد عنها والسلامة منها.
٥ - تقدمه في اللغة، وعلومها، ومن هنا تميز تفسيره بالاستشهاد بالشعر وبيان اشتقاق الألفاظ ومعاني لغات العرب، كما تميز أسلوبه بجزالة الألفاظ، وجمال العبارة، وبلاغة القول.
في المقابل كانت هناك أمور يتوقع أن تؤثر في تفسير قتادة لكن لم يحصل شيء من ذلك (٣)! من أبرزها:
١ - قوله بالقدَر: قال ابن سعد عن قتادة: "كان ثقة مأمونًا، حجة في الحديث،
_________
(١) المشهور في كتب تاريخ التفسير والتراجم أن مجاهدًا هو أكثر التابعين آثارًا في التفسير، وهذا صحيح من جهة كثرة روايات تفسيره وطرقه المختلفة؛ خصوصًا عند ابن جرير، لكن بالنظر إلى كثرة الآيات المفسَّرة وكثرة الأقوال المختلفة في التفسير فقد كشفت الموسوعة أن قتادة يفوقه في ذلك، والناظر في تفسير كثير من الآيات في هذه الموسوعة لا يكاد يجد لمجاهد قول فيها، بينما ينفرد قتادة عنه بتفسيرها، واللَّه أعلم.
(٢) تهذيب الكمال ٢٣/ ٥١٤.
(٣) وهذا يستدعي دراسةً وافيةً لبيان أسباب عدم تأثر قتادة بذلك، بينما في المقابل تأثر غير قتادة بمثل تلك الأسباب -كعكرمة ومقاتل بن سليمان والكلبي وغيرهم- بقلة ما روي عنه في التفسير مع شهرتهم فيه.
стр. 285
وكان يقول بشيء من القدر" (١)، وقال العجلي: "كان يقول بشيء من القدر، وكان لا يدعو إليه، ولا يتكلم فيه" (٢)، ومن هنا اشتد موقف بعض معاصريه منه كطاووس الذي كان إذا أتاه قتادة فرَّ منه (٣)؛ لكن لم يكن ذلك الموقف هو السائد منه، قال الذهبي عنه: "وكان يرى القدر -نسأل اللَّه العفو-، ومع هذا، فما توقف أحد في صدقه، وعدالته، وحفظه، ولعل اللَّه يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، واللَّه حكم عدل لطيف بعباده، ولا يُسأل عما يفعل، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلِم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه؛ يُغفر له زلله، ولا نضلِّله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك" (٤). وهذا الذي قاله الذهبي هو موقف الأئمة تجاه تفسير قتادة ومروياته، فقد تناقله نقلة التفسير وسُوِّدَت بمروياته كتب التفسير المأثور فكان من أكثر التابعين آثارًا في التفسير.
ومع كل ما قيل فقد جاء عنه روايات في التفسير تخالف هذا المعتقد مما يدل على رجوعه عن ذلك، واللَّه أعلم.
٢ - عدم التفرغ للتفسير، فقد كان ﵀ رأسًا في علوم عدة كما تقدم.
٣ - لم يُعمَّر طويلًا! مقارنة بمفسري التابعين المكثرين الآخرين. قال الذهبي: "ومات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: سنة ثماني عشرة بواسط، وله سبع وخمسون سنة ﵀" (٥).
٤ - الجمع بين الرواية والدراية، فقد روى كثيرًا من تفسير الحسن البصري وسعيد بن المسيب، وقبلهم تفسير ابن مسعود ﵁ (٦).
٥ - قلة الاجتهاد والقول بالرأي، ومن هنا جاء عنه قوله: "ما أفتيت بشيء من رأيي منذ عشرين سنة" (٧).
_________
(١) الطبقات الكبرى ٧/ ٢٢٩.
(٢) الثقات للعجلي ص ٣٨٩.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ٤/ ٧٠٤.
(٤) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٧١.
(٥) تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠٢. وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ١١٧ هـ.
(٦) ينظر: تفسير التابعين ١/ ٢٨٢.
(٧) تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠٢. وفي رواية أخرى: ما أفتيت برأيي منذ ثلاثين سنة. وعن أبي هلال قال: سألت قتادة عن مسألة، فقال: لا أدري. فقلت: قل برأيك. قال: ما أفتيت برأيي منذ أربعين سنة. ينظر: تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٠٩.
следующие страницы →