← Тафсир

Тафсир · id 639

موسوعة التفسير المأثور

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (16 717 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد، فحسبك به" (١)، وقال أيضًا: "خذوا التفسير من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك" (٢)، ووصفه ابن تيمية بأنه آية في التفسير، وقال: "ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير، يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره" (٣). والناظر في تفسيره يرى مصداق ذلك، فقد كان ﵀ ذا نظر ثاقب، واجتهاد رصين، ودقة في إبراز المعاني، واستنباط الدقائق، وتوسع في التفسير، ما لا تجده عند كثير من أقرانه، وقد بلغت آثار تفسيره في الموسوعة (٤٧٤٤) أثرًا، تشهد بعلو كعبه في التفسير، وتميزه في التأويل. * أسباب تقدم مجاهد في التفسير وكثرة آثاره (٤): لا شك أن لتلك المكانة التي بلغها مجاهد في التفسير أسبابًا وعوامل عديدة، لعل من أبرزها: ١ - صحبته لابن عباس ﵄ وطول ملازمته له: حتى كان أخص تلاميذه به، لا سيما في كونه عرض القرآن عليه كاملًا قراءة وتفسيرًا عدة مرات، عرض سؤال وتفهم، كما تقدم. ٢ - تفرغه للتفسير النظري: إذ تخصص فيه، واستفرغ جهده، ولم يشتغل بغيره كما اشتغل به، وفي ذلك يقول: "استفرغ علمي القرآن" (٥)، بل إنه لم يشتغل كثيرًا برواية تفسير غيره، حتى أقرب العلماء إليه، فقد كان من أقل تلاميذ ابن عباس رواية عنه مع أنه من أكثرهم أخذًا عنه. ٣ - توسعه في الاجتهاد، والاستنباط: فقد استفاد ذلك من شيخه ابن عباس ﵄، وتميز عن أقرانه فيه، فكان من أكثرهم إعمالًا للرأي في التفسير، ومن أميزهم في بيان المشكل منه. ٤ - عناية تلاميذه بنقل تفسيره، ونشر تراثه وروايته لمن بعده، يأتي على رأسهم عبد اللَّه بن أبي نجيح (ت: ١٣٢ هـ)، الذي روى أغلب تفسيره حيث بلغت في الموسوعة _________ (١) تفسير الطبري ١/ ٨٥. (٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥١. (٣) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص ١٠. (٤) ينظر: تفسير التابعين ١/ ١٢٥ - ١٣٥. (٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥٢.

стр. 282

(٢٣٤٤) رواية، يليه ابن جريج (ت: ١٥٠ هـ) الذي بلغت مروياته عن مجاهد في الموسوعة (٣٦٦) أثرًا. ٥ - كتابته للتفسير: وتقدم ما عرف عنه من حرصه على التدوين عند مساءلته لشيخه، وهكذا كان تلاميذه يكتبون عنه، قال عبيد المُكتب: "رأيتهم يكتبون التفسير عند مجاهد" (١)، ومن هنا اشتهر عن مجاهد أن له كتابًا في التفسير. ٦ - اشتغاله بالإقراء والقراءات: فقد كان ﵀ مقرئ أهل مكة، قرأ عليه: ابن كثير، وابن محيصن المكيَّان، كما قرأ عليه أبو عمرو البصري، وغيرهم (٢). ولا شك أن للتضلع في علم القراءات أثرًا في فهم القرآن وتفسيره، وقد كان مجاهد مدركًا لذلك، فكان يتأسف على أنه لم يقرأ بقراءة ابن مسعود حتى تفيده في فهم الآيات، وفي ذلك يقول ﵀: "لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت" (٣). ٧ - عدم دخوله في الفتن: كما حصل لبعض أقرانه كسعيد بن جبير، لذا لم يعرف عنه أنه شارك في نحو ذلك أو دعا إليه، بل ورد عمه خلافه، وحريّ بالعالم إذا سلِم من الفتن أن يتصدى للعلم ويتصدر للتعليم، ويقبل عليه الناس دونما عوائق، كما كان مجاهد ﵀. ٨ - تأخر وفاته: حيث طال به العمر حتى بلغ ٨٣ سنة، وتوفي بمكة وهو ساجد عام ١٠٢ هـ، وقيل: ١٠٤ هـ (٤)، وقيل غير ذلك. ولا شك أن لطول العمر أثرًا فى أن يأخذ عنه عدد كبير من التلاميذ، وأن يدركه الأصاغر فضلًا عن الأكابر. _________ (١) أخرجه الدارمي في سننه ١/ ٤٣٩. (٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥٠. (٣) أخرجه الترمذي في سننه ٥/ ٢٠٠ (٤٣٩). (٤) وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ١٠٢ هـ.

стр. 283

ثالثًا قتادة بن دعامة (ت: ١١٧ هـ) (١) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، أبو الخطاب السدوسي، البصري، الضرير، الأكمه. مولده في سنة ستين (٢)، وعداده في صغار التابعين. روى عن عبد اللَّه بن سرجس، وأنس بن مالك، وأبي الطفيل ﵃، كما روى عن أبي العالية، وسعيد بن المسيب، وأبي عثمان النهدي، ومطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، والشعبي، والحسن البصري. * مكانته في العلم والتفسير: كان قتادة من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، وهو رأسٌ في الحديث والتفسير والخلاف، فعن أحمد بن حنبل أنه ذكر قتادة فأطنب في ذكره فجعل ينشر من علمه، وفقهه، ومعرفته بالاختلاف والتفسير، وغير ذلك، وجعل يقول: "عالم بتفسير القرآن، وباختلاف العلماء"؛ ووصفه بالحفظ والفقه (٣)، وقال الذهبي عنه: "حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين" (٤). وقال أيضًا: "وكان قتادة أيضًا رأسًا في العربية، والغريب، وأيام العرب، وأنسابها" (٥). ولا شك أن لهذه الأمور أثرًا في كثرة تفسيره، خصوصًا أنه سمع الكثير في التفسير حتى قال عن نفسه: "ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا" (٦). * مقدار تفسير قتادة وأسباب كثرته: بلغت آثاره التفسيرية في الموسوعة (٥٧٢٦) أثرًا، فكان أكثر التابعين تفسيرًا _________ (١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٧/ ٢٢٩، تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٩٨، تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠١، سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩، تهذيب التهذيب ٨/ ٣٥١، تفسير التابعين: ١/ ٢٥٢. (٢) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩. (٣) تهذيب الكمال ٢٣/ ٥١٥. (٤) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩. (٥) تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠٣. (٦) تهذيب الكمال ٢٣/ ٥١١، تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠٢.

стр. 284

لآيات القرآن على الإطلاق (١)، مع أنه ليس بأشهرهم لأسباب عدة، نوجز أبرزها فما يلي: ١ - ما تقدم من قوة حافظته، وكثرة ما سمع في التفسير. وهذا يعلل كثرة مروياته في التفسير، ونزول الآيات، والنسخ، واستشهاده بالسُّنَّة وأقوال المتقدمين أثناء تفسيره، حتى فاق أقرانه من التابعين. ٢ - تعدد مصادره، وكثرة شيوخه، فقد أخذ عن أهل بلده بالبصرة، خصوصًا أنس بن مالك ﵁، وكذلك الحسن البصري الذي لازمه ثنتي عشرة سنة (٢)، حتى تأثر به في طرح التفسير بأسلوب وعظي ومنهج تربوي مؤثر. كذلك رحل خارج البصرة فأخذ عن سعيد بن المسيب بالمدينة فكان مِن أكثر مَن روى تفسيره. ٣ - عناية تلاميذه بنقل تفسيره، ونشر تراثه وروايته لمن بعده، يأتي على رأسهم سعيد بن أبي عروبة (ت: ١٥٦ هـ)، الذي بلغت مروياته عنه في الموسوعة (٢٩٣٨) رواية، يليه معمر بن راشد (ت: ١٥٣ هـ) الذي بلغت مروياته عنه في الموسوعة (١٤٦٤) رواية. ٤ - عدم دخوله في الفتن، مع أنه من أهل العراق الذي كان مصدرًا للفتن والقلاقل آنذاك، والتي كان من أشدها فتنة ابن الأشعث، فلم يشارك قتادة في مثل تلك الفتن بل كان على منهج شيخه الحسن البصري، في البعد عنها والسلامة منها. ٥ - تقدمه في اللغة، وعلومها، ومن هنا تميز تفسيره بالاستشهاد بالشعر وبيان اشتقاق الألفاظ ومعاني لغات العرب، كما تميز أسلوبه بجزالة الألفاظ، وجمال العبارة، وبلاغة القول. في المقابل كانت هناك أمور يتوقع أن تؤثر في تفسير قتادة لكن لم يحصل شيء من ذلك (٣)! من أبرزها: ١ - قوله بالقدَر: قال ابن سعد عن قتادة: "كان ثقة مأمونًا، حجة في الحديث، _________ (١) المشهور في كتب تاريخ التفسير والتراجم أن مجاهدًا هو أكثر التابعين آثارًا في التفسير، وهذا صحيح من جهة كثرة روايات تفسيره وطرقه المختلفة؛ خصوصًا عند ابن جرير، لكن بالنظر إلى كثرة الآيات المفسَّرة وكثرة الأقوال المختلفة في التفسير فقد كشفت الموسوعة أن قتادة يفوقه في ذلك، والناظر في تفسير كثير من الآيات في هذه الموسوعة لا يكاد يجد لمجاهد قول فيها، بينما ينفرد قتادة عنه بتفسيرها، واللَّه أعلم. (٢) تهذيب الكمال ٢٣/ ٥١٤. (٣) وهذا يستدعي دراسةً وافيةً لبيان أسباب عدم تأثر قتادة بذلك، بينما في المقابل تأثر غير قتادة بمثل تلك الأسباب -كعكرمة ومقاتل بن سليمان والكلبي وغيرهم- بقلة ما روي عنه في التفسير مع شهرتهم فيه.

стр. 285

وكان يقول بشيء من القدر" (١)، وقال العجلي: "كان يقول بشيء من القدر، وكان لا يدعو إليه، ولا يتكلم فيه" (٢)، ومن هنا اشتد موقف بعض معاصريه منه كطاووس الذي كان إذا أتاه قتادة فرَّ منه (٣)؛ لكن لم يكن ذلك الموقف هو السائد منه، قال الذهبي عنه: "وكان يرى القدر -نسأل اللَّه العفو-، ومع هذا، فما توقف أحد في صدقه، وعدالته، وحفظه، ولعل اللَّه يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، واللَّه حكم عدل لطيف بعباده، ولا يُسأل عما يفعل، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلِم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه؛ يُغفر له زلله، ولا نضلِّله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك" (٤). وهذا الذي قاله الذهبي هو موقف الأئمة تجاه تفسير قتادة ومروياته، فقد تناقله نقلة التفسير وسُوِّدَت بمروياته كتب التفسير المأثور فكان من أكثر التابعين آثارًا في التفسير. ومع كل ما قيل فقد جاء عنه روايات في التفسير تخالف هذا المعتقد مما يدل على رجوعه عن ذلك، واللَّه أعلم. ٢ - عدم التفرغ للتفسير، فقد كان ﵀ رأسًا في علوم عدة كما تقدم. ٣ - لم يُعمَّر طويلًا! مقارنة بمفسري التابعين المكثرين الآخرين. قال الذهبي: "ومات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: سنة ثماني عشرة بواسط، وله سبع وخمسون سنة ﵀" (٥). ٤ - الجمع بين الرواية والدراية، فقد روى كثيرًا من تفسير الحسن البصري وسعيد بن المسيب، وقبلهم تفسير ابن مسعود ﵁ (٦). ٥ - قلة الاجتهاد والقول بالرأي، ومن هنا جاء عنه قوله: "ما أفتيت بشيء من رأيي منذ عشرين سنة" (٧). _________ (١) الطبقات الكبرى ٧/ ٢٢٩. (٢) الثقات للعجلي ص ٣٨٩. (٣) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ٤/ ٧٠٤. (٤) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٧١. (٥) تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠٢. وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ١١٧ هـ. (٦) ينظر: تفسير التابعين ١/ ٢٨٢. (٧) تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠٢. وفي رواية أخرى: ما أفتيت برأيي منذ ثلاثين سنة. وعن أبي هلال قال: سألت قتادة عن مسألة، فقال: لا أدري. فقلت: قل برأيك. قال: ما أفتيت برأيي منذ أربعين سنة. ينظر: تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٠٩.

стр. 286

رابعًا مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠) (١) مقاتل بن سليمان البلخي الأزدي مولاهم، ولد عام ٨٠ هـ بمدينة بلخ بخراسان، وتوفي عام ١٥٠ هـ بالبصرة. وهو في عداد كبار أتباع التابعين، وقد روى عن نافع مولى ابن عمر، والضحاك، ومجاهد، وابن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، وزيد بن أسلم، وغيرهم (٢). * منزلته في الرواية وعقيدته: محله عند المحدثين الكذب، حتى أجمعوا على تركه، كما ذكر الذهبي (٣)، وعن وكيع (ت: ١٩٧ هـ) أنه قال: "كان كذابًا، ليس حديثه بشيء". وقال ابن سعد (ت: ٢٣٠ هـ): "وأصحاب الحديث يتقون حديثه وينكرونه" (٤). كذلك اتُّهم في عقيدته، بأنه كان مُجَسِّما يُشبِّه اللَّهَ بخلقه، فعن أبي حنيفة (ت: ١٥٠ هـ) أنه قال: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطِّل، ومقاتل مشبِّه". ولأجل كذبه وعقيدته تُرك حديثه والرواية عنه. ومع ذلك فقد كان واسع المعرفة والاطلاع. * مكانته وآثاره في التفسير: أما تفسيره فله شأن آخر، حيث أثنى عليه كثير مِن معاصريه ومَن بعدهم. قال _________ (١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٧/ ٢٦٣، تهذيب الكمال ٢٨/ ٤٣٥، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٣٢، ميزان الاعتدال ٤/ ١٧٣، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٧٩، كتاب تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة، ص ٦٢ - ٨٧. (٢) ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٢٦٣، ميزان الاعتدال ٤/ ١٧٣، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٧٩. (٣) سير أعلام النبلاء ٢/ ٢٠٧. (٤) طبقات ابن سعد ٧/ ٢٦٣.

стр. 287

الذهبي: "قال ابن المبارك [ت: ١٨١ هـ]-وأحسن-: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة!؟ " (١). كما تعددت الروايات عن الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) في قوله: "الناس عيال في التفسير على مقاتل بن سليمان" (٢). وسئل أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ) عنه فقال: "كانت له كتب ينظر فيها، إلا أني أرى أنه كان له علم بالقرآن" (٣). وقال عنه أبو يعلى الخليلي (ت: ٤٤٦ هـ): "محله عند أهل التفسير والعلماء محل كبير، واسع العلم، لكن الحفاظ ضعفوه في الرواة،. . . وقد روى عنه الضعفاء أحاديث مناكير، والحمل فيها عليهم" (٤). وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "ومقاتل بن سليمان وإن لم يكن ممن يحتج به في الحديث -بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة- لكن لا ريب في علمه بالتفسير وغيره، واطلاعه" (٥). ووصفه الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) فقال: "كبير المفسرين" (٦). وقد ترك آثارًا عديدة في التفسير وعلوم القرآن تشهد بعلمه وتمكنه (٧)، وهي مصداق ما وُصف به في الأقوال السابقة، بل إنه لا يضاهيه أحد من أقرانه في التصنيف في ذلك الوقت المبكر من عصور التدوين، وقد وصلنا من تلك التصانيف: ١ - التفسير الكبير. ٢ - الوجوه والنظائر. ٣ - تفسير الخمسمائة آية من القرآن الكريم. * موقف أئمة التفسير منه: من خلال المعطيات السابقة عن رواية مقاتل للتفسير دون إسناد أو عزو الأقوال لأصحابها، مع ما عرف عنه من الكذب في الرواية، إضافة إلى ما اشتهر عنه من المعتقد الرديء يبدو أن أئمة المفسرين من نقلة التفسير المأثور اطَّرحوا تفسيره روايةً ودرايةً، كعبد بن حميد، والطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وكذا المتأخرون _________ (١) سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٠١، وينظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٤٣٧. (٢) المرجعان السابقان. (٣) المرجعان السابقان. (٤) الإرشاد في معرفة علماء الحديث ٣/ ٩٢٨. (٥) منهاج السُّنَّة النبوية ٢/ ٢٩٤، (٦) سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٠١. (٧) ينظر: الفهرست لابن النديم ص ٢٥٣، ٢٥٤، هدية العارفين ٢/ ٤٧٠، تاريخ التراث العربي ١/ ٨٥، تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص ٦٦.

стр. 288

كابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) الذي لم يرو عنه إلا بضعة مواضع، ومثله السيوطي (ت: ٩١١ هـ) في الدر المنثور (١). أما من اعتنى بتفسير مقاتل روايةً ودرايةً فقِلَّةٌ، من أشهرهم وأكثرهم نقلًا عنه أبو إسحاق الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) في تفسيره "الكشف والبيان"، وقد أشار إليه فى مقدمته ضمن مصادره (٢). * تفسير مقاتل بن سليمان: مع طرح أغلب المفسرين المسندين لتفسير مقاتل وعدم اعتنائهم بنقله والإفادة منه، فقد شاء اللَّه أن يصلنا تفسيره كاملًا دون تفاسير أقرانه (٣)! وهو أول تفسير كامل للقرآن يصل إلينا. ومن خلال هذه النسخة الفريدة تمكنا من استخراج تفسير مقاتل وإيراده في هذه الموسوعة، ومن ثَم صار من أكثر مفسري السلف تفسيرًا في إحصاءات هذه الموسوعة، فقد بلغ مجموع أقواله في التفسير (١٠٢٢٨) قولًا، وهذا بخلاف ما جاء في مصادر التفسير المأثور التي لم تعتن بتفسيره مما جعل تفسيره فيها نزرًا يسيرًا لا يكاد يندرج في طبقة المقلين فضلًا عن المكثرين. وقد تميز تفسيره (٤) بأنه تحليلي كامل لآيات وسور القرآن، مُرتَّبًا بحسب ترتيب سوره، يمزج بين الآية وتفسيرها في سياق واحد بأسلوب سهل ميسر، يفهمه العامة والخاصة، وهو تفسير أثري ونظري، يجمع بين المنقول والمعقول، وقد تميز تفسيره النظري بمزايا لم يُسبق إليها، من أبرزها: الاعتناء بتفسير القرآن بالقرآن، وبيان الوجوه والنظائر. والخلاصة: أن تفسير مقاتل النظري الاجتهادي تفسير نفيس، يشهد لذلك ما وُجد فيه من بيان ميسر موجز (٥)، ينِمُّ عن علم وتمكّن كما وصفه كثير من السلف، ومن _________ (١) ينظر تفصيل ذلك في كتاب: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة، ص ٦٧ - ٧٠. (٢) ينظر: مقدمة الكشف والبيان عن تفسير القرآن، تحقيق: د. خالد عون العنزي، ص ٧٢. (٣) وقد حققه: د. عبد اللَّه محمد شحاتة قديمًا بعد أن درس منهجه في أطروحته للدكتوراه بجامعة القاهرة عام ١٩٦٨ م، ثم طُبع كاملًا بعد ذلك بمدة في أربعة مجلدات، وأُفرد المجلد الخامس لقسم الدراسة، من إصدار مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان، عام ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٢ م. (٤) ينظر تفصيل ذلك في كتاب: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص ٧٣ - ٨٠. (٥) ومن هنا حرصنا على تضمين تفسيره في الموسوعة.

стр. 289

هنا ينبغي نقله والإفادة منه وعدم اطّراحه مطلقًا، إلا ما وُجد فيه نكارة، ولا يضر كونه معروفًا بالكذب، إذ الوارد في تفسيره هو قوله واجتهاده لا قول غيره، بخلاف رواياته ونقوله فلا يُعتمد عليها إذا انفرد بها. أما ما نُسِب إليه من عقيدة التشبيه والتجسيم الشنيعة فينبغي تحرير ذلك، ويبعد أن يصل إلى ذلك الحد -كما ذكر ابن تيمية (١) -، وقد تتبعنا تفسيره فلم نجد شيئًا يلزم منه ذلك، كما أثبت عدد من الباحثين المعاصرين براءته من ذلك القول الشنيع بعد تتبعهم تفسيره لآيات الصفات في كتبه المطبوعة والمخطوطة (٢). * أسباب كثرة تفسير مقاتل بن سليمان: ١ - تدوينه للتفسير ووصول كتابه إلينا، وهو السبب الوحيد لبلوغ آثار مقاتل هذا العدد الكبير في الموسوعة. ٢ - تفرغ مقاتل للتفسير وعلو مكانته فيه، كما شهد له معاصروه ومن بعدهم. ٣ - تعدد مصادره، وكثرة شيوخه، حيث روى عن عدد كبير من مشاهير مفسري التابعين كمجاهد والضحاك وعطاء. ٤ - كثرة مروياته وسعة اطلاعه، ومن هنا تميز تفسيره بكثرة ذكر أسباب النزول والإسرائيليات، وتعيين المبهمات وتسمية الذوات. ٥ - توسعه في الاجتهاد، والاستنباط. وهذا واضح لمن يقرأ تفسيره. * * * _________ (١) ينظر: منهاج السُّنَّة النبوية ٢/ ٢٩٤. (٢) ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص ٨٥ - ٨٦.

стр. 290

الطبقة الثانية من المكثرين في التفسير من السلف (من تجاوزت آثارهم التفسيرية ٢٠٠٠ أثر دون أن تبلغ ٤٠٠٠ أثر) وقد تحصل لدينا من خلال إحصاءات الموسوعة اندراج خمسة من مفسري السلف في هذه الطبقة، كلهم من طبقتي التابعين وأتباعهم: فمن التابعين: من أواسطهم: الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٥ هـ)، والحسن البصري (ت: ١١٠ هـ). ومن صغارهم: إسماعيل السُّدِّي (ت: ١٢٧ هـ). ومن أتباع التابعين: من أواسطهم: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢ هـ). ومن صغارهم: يحيى بن سلام (ت: ٢٠٠ هـ). وهذه ترجمة موجزة لكلٍّ منهم تبين مكانته في التفسير وأسباب كثرة تفسيره، وفي المقابل أسباب عدم بلوغه مرتبة الطبقة الأولى من المكثرين، مرتبين بحسب وفياتهم:

стр. 291

أولًا الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٥ هـ) (١) الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم -وقيل: أبو محمد- الخراساني، ولد في بلخ بخراسان، وكان يقيم بمرو مدة وببلخ زمانًا، وربما أقام ببخارى وبسمرقند، وكان معلم كُتّاب يعلم الصبيان فلا يأخذ منهم شيئًا، إنما يحتسب في تعليمهم. واختلف في وفاته فقيل: عام ١٠٢ هـ، وقيل: ١٠٥ هـ (٢)، وقد جاوز الثمانين من عمره (٣)، وعلى هذا فهو ضمن جيل الطبقة الوسطى من التابعين. روى عن ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن أرقم، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك. وقيل: لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، فعن عبد الملك بن ميسرة، قال: "الضحاك لم يلق ابن عباس إنما لقي سعيد بن جبير بالري فأخذ عنه التفسير" (٤)، وأكثر أهل العلم على هذا القول، قال ابن عدي: "أما رواياته، عن ابن عباس وأبي هريرة وجميع من روى عنه ففي ذلك كله نظر، وإِنَّما اشتهر بالتفسير" (٥). وقيل: بثبوت روايته عن ابن عباس (٦)، فقد روى عنه أبو جناب الكلبي قوله: "جاورت ابن عباس سبع سنين" (٧)، ولهذا تردد الذهبي في ترجيح أحد القولين _________ (١) تنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٦/ ٣٠١، التاريخ الكبير ٤/ ٣٣٢، مشاهير علماء الأمصار ص ٣٠٨، الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٥٢، تهذيب الكمال ١٣/ ٢٩١، سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٩٨، تاريخ الإسلام ٣/ ٦٣، تهذيب التهذيب ٤/ ٤٥٤، تفسير الضحاك لمحمد شكري الزاويتي ١/ ٤٣ - ١٣٦. (٢) وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ١٠٥ هـ. (٣) فقد روي عنه قوله: "كنت ابن ثمانين سنة جلدًا غزّاء". ينظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٦٠٠. (٤) طبقات ابن سعد ٦/ ٣٠١. (٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٥٢. وينظر: مشاهير علماء الأمصار ص ٣٠٨. (٦) رجحه الشيخ أحمد شاكر (ت: ١٣٧٦ هـ)، واستدل به على أنه تابعي ثقة مأمون، وأكَّده بما رُوِي أنه مات وقد بلغ الثمانين أو جاوزها. ينظر: مسند الإمام أحمد ٤/ ٦٧ بتحقيق: أحمد شاكر، حاشية الحديث (٢٢٦٢). (٧) تهذيب الكمال ١٣/ ٢٩٥، تهذيب التهذيب ٤/ ٤٥٤. لكن رُدَّ قول أبي جناب الكلبي بأنه ضعيف. ينظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٣٧١.

стр. 292

فقال: "وبعضهم يقول: لم يلق ابن عباس-فاللَّه أعلم- (١) ". ومن هذا الخلاف ترتب الخلاف في عدِّه ضمن التابعين أو أتباعهم (٢). لكن لا يُختلف في كونه من ضمن جيل التابعين (٣) وأنه عاصر مئات الصحابة، وبالتالي إمكانية رؤيته لبعضهم وروايته عنه (٤). روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، وأبو رَوْق عطية بن الحارث الهمداني، وجويبر بن سعيد، وأبو سنان سعيد بن سنان، وسلمة بن نبيط، وعبد الملك بن ميسرة، وعبيد بن سليمان، وعلي بن الحكم، وأبو إسحاق عمرو بن عبد اللَّه السبيعي، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. * منزلته في العلم والتفسير: كان الضحاك "من أوعية العلم" (٥)، وقد اعتنى بالقرآن واشتهر بتفسيره، وعُرف به، قال ابن حبان: "وكان ممن عنى بعلم القرآن عناية شديدة، مع لزوم الورع"، وتقدم قول ابن عدي عنه: "وإِنَّما اشتهر بالتفسير" (٦). وقد أثنى على تفسيره جمع من المتقدمين والمتأخرين، فقال سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ): "خذوا التفسير من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، _________ (١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٩٩. (٢) لم يعدَّه الدكتور محمد عبد اللَّه الخضيري من التابعين، حيث لم يورده في كتابه الحافل "تفسير التابعين" ضمنهم، وصرّح في مواضع منه بأنه من أتباعهم -ينظر: ٢/ ٥٨٥، ٦٩٤، ٩٥٤ - ثم أكّد ذلك في دراسته الماتعة الموسومة بـ "التفسير بالأثر بين ابن جرير وابن أبي حاتم" ص ٨٨. لكن التصريح بأنه تابعي مروي عن بعض كبار أئمة الحديث المتقدمين، كابن أبي حاتم الذي أورد رواية عن مقاتل بن حيان ثم قال: "وكان مقاتل ما فسَّر؛ فسَّره عن رجال من التابعين، منهم الضحاك بن مزاحم، وجابر بن زيد". ينظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥١٨ برقم (٢٧٥٠). وهو صنيع أشهر المصنفين في الرجال وطبقاتهم، كابن سعد الذي أدرجه ضمن الطبقة الثانية ممن روى عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عباس، وغيرهما. ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٢٤٦، ٣٠٠، وكذلك الذهبي الذي سلكه في الطبقة الثانية من التابعين. ينظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٨٧، ٥٩٩، المعين في طبقات المحدثين ص ٣٧. (٣) بل وفي طبقة أواسط التابعين حيث توفي عام ١٠٥ هـ على أعلى تقدير - وقد جاوز الثمانين، فهو قرين مجاهد بن جبر (ت: ١٠٢ هـ) مولدًا ووفاةً على وجه التقريب. (٤) ينظر مبحثًا موسعًا عن ذلك في كتاب: تفسير اتباع التابعين: عرض ودراسة ص ٣٤ - ٤٠. (٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٩٨. (٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٥٢. وقال الذهبي في ترجمته: "صاحب التفسير". سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٩٨، تاريخ الإسلام ٣/ ٦٣.

стр. 293

والضحاك" (١)، وقال ابن كثير: "كان الضحاك إمامًا في التفسير" (٢). أما مقدار ما وصلنا من تفسيره فقد بلغت آثاره من التفسير الاجتهادي في الموسوعة (٢١٤٣) أثرًا، وهي حصيلة كبيرة مقارنة بمفسرين آخرين مشاهير من التابعين، كعكرمة. * أسباب تقدمه في التفسير وكثرة آثاره: ١ - تفرغه لعلم التفسير رواية ودراية: ففي باب الرواية سنده من أشهر أسانيد الرواية عن ابن عباس (٣)، أما في تفسيره الاجتهادي فهو تفسير يبلغ الذروة، أثنى عليه كثير من المتقدمين والمتأخرين كما تقدم. ٢ - اعتناء تلاميذه بنقل تفسيره: خصوصًا جويبر بن سعيد الأزدي (٤)، وأبو روق، وعبيد بن سليمان. ٣ - البعد عن الفتن: حيث عاصر كثيرًا من الفتن التي عصفت بالأمة، لكن لم يرد أنه شارك في أي منها، بل كان يبتعد عن الحكام، والعمل لهم (٥). ٤ - طول عمره: حيث توفي وقد جاوز الثمانين من عمره، أمضاها في التعليم والتفسير ونشره. ٥ - اعتناء نقلة التفسير بنقل تفسيره: يأتي على رأسهم ابن جرير الذي نقل أغلب تفسيره (٦). _________ (١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥١. (٢) البداية والنهاية ٩/ ٢٣٠. (٣) لكن حكم بانقطاعه عند جمهور المحدثين باعتبار عدم صحة سماع الضحاك من ابن عباس، وعلى التسليم بذلك فقد أجيب بأن الضحاك أخذ تفسير ابن عباس من سعيد بن جبير، فالواسطة معلومة، وعليه فالسند متصل. ومع كل ذلك فأسانيد التفسير والنسخ التفسيرية المشهورة لها تعامل آخر عند المحدثين المتقدمين، كما سيأتي في بحث "منهج المحدثين في نقد مرويات التفسير". (٤) وهو أكثر من روى عن الضحاك مع ضعفه. (٥) فقد عزا السيوطي في الدر المنثور ١١/ ٤٤١ عند تفسير قوله تعالى: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ إلى عَبد بن حُمَيد، وابن المنذر أن سلمة بن نبيط قال: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك فقال: اذهب بعطاء أهل بخارى فأعطهم فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: ما عليك أن تذهب فتعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئًا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. (٦) بحسب إحصاء د. محمد بن عبد اللَّه الخضيري فقد بلغت آثار تفسير الضحاك عند ابن جرير (١٤٣٩) أثرًا، وعليه فهو في المرتبة الخامسة بين التابعين بعد مجاهد وقتادة والسدي والحسن. ينظر: بحث التفسير بالأثر بين ابن جرير وابن أبي حاتم ص ٨٧، ٨٨، مجلة الدراسات القرآنية (تبيان لاحقًا)، ع ٤.

стр. 294

ومع تقدم الضحاك في التفسير لكن لم تبلغ آثار تفسيره مبلغ الطبقة الأولى في المرويات، ولذلك أسباب لعل من أبرزها: ١ - كثرة اشتغاله بالرواية خصوصًا عن ابن عباس، وتقدم أن طريق الضحاك من أشهر طرق روايات ابن عباس، ومن أكثرها نقلًا له. ٢ - قلة تنقل الضحاك، حيث لم يرد في سيرته ما يدل على ذلك. ولا شك أن لذلك دورًا في ضعف انتشار تفسيره. ٣ - يظهر من سيرة الضحاك شدة الورع والبعد عن الناس، فقد يكون لذلك دور في ضعف انتشار تفسيره. واللَّه أعلم.

стр. 295

ثانيًا الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) (١) هو الحسن بن أبي الحسن، البصري، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت، وقيل غير ذلك، واسم أبي الحسن يسار، يقال: إنه من سبي ميسان، سكن المدينة، وأُعتق فيها، وتزوج في خلافة عمر، فوُلد له بها الحسن عام ٢١ هـ. واسم أم الحسن: خيرة، مولاة أم سلمة أم المؤمنين ﵂. نشأ الحسن بوادي القرى فانفتق لسانه بالفصاحة والبعد عن العجمة واللحن، وعاصر خلافة عثمان بالمدينة وسمعه يخطب، وشهد يوم الدار وله ١٤ سنة، ثم حُبِّب إليه الجهاد في مقتبل شبابه فرحل إلى خراسان مجاهدًا في خلافة معاوية، ثم اتجه إلى العلم، واستقر في البصرة، حتى صار عالمها ومفتيها، إلى توفي بها عام ١١٠ هـ. * منزلته في العلم والتفسير: تقدم أنَّ الحسن نشأ بالمدينة ورأى علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد اللَّه، وعائشة، وغيرهم من الصحابة ﵃، لكن لم يصح سماعه إلا من بعضهم كأنس بن مالك، وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، وأبي بكرة الثقفي، والنعمان بن بشير، وجابر، وذلك لأنه لم يطلب الحديث في صباه، وإن كان يروي عن كثير من الصحابة لكن كثيرًا منها مرسل، قال الذهبي: "وكان يدلس ويرسل ويحدث بالمعاني، ومناقبه كثيرة ومحاسنه غزيرة، كان رأسًا في العلم والحديث، إمامًا مجتهدًا كثير الاطلاع، رأسًا في القرآن وتفسيره، رأسًا في الوعظ والتذكير، رأسًا في الحلم والعبادة، رأسًا في الزهد والصدق، رأسًا في _________ (١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٧/ ١٥٦، تهذيب الكمال ٦/ ٩٧، سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٦٣، تهذيب التهذيب ١/ ١٣٤، تفسير التابعين ١/ ٢٠٠.

стр. 296

الفصاحة والبلاغة، رأسًا في الأيد والشجاعة" (١). كما كان ﵀ مقرئا فذًّا رأسًا في الإقراء. وتفسير الحسن يبلغ الذروة من حسن البيان وقوة التأثير، وقد تناقله أهل العلم فيما بينهم، حتى وصلتنا آثاره فبلغت في الموسوعة (٣٢٧٢) أثرًا، ولعل من أهم أسباب تقدمه وبلوغه هذه المرتبة (٢) مما يلي: ١ - فصاحته، وحسن تعبيره، وقوة تأثيره في الأسماع: ولا شك أن مثل تلك المواعظ أدعى لانتشارها وشيوعها وحرص الناس على سماعها وتناقلها، ومن هنا كانت أقوال الحسن مصادر لكتب في عدة فنون كالزهد واللغة والأدب وغيرها. ٢ - تصدره للتعليم، وحرصه على نشره، وتصديه للتفسير والوعظ، والتذكير بين العامه: ولا شك أن مثل ذلك أدعى للتناقل والانتشار. ٣ - حرصه على كتابة العلم: ومن هنا جاء عنه "أنه كان لا يرى بكتاب العلم بأسًا، وقد كان أملى التفسير فَكُتِب" (٣). ٤ - قوة الاستنباط والاجتهاد في التفسير: وهذا ظاهر من استطراده فى تفسير الآية واتخاذها سبيلًا للوعظ والترهيب والترغيب. ٥ - تفننه في مختلف العلوم والفنون: فهو المقرئ والفقيه والمفسر والعالم بلغة العرب وغريبها، ولا شك أن الجامع لهذه العلوم أقدر على الاجتهاد والاستنباط، خصوصًا إذا جمع مع ذلك الفصاحة والتعبير المؤثر. ٦ - البعد عن الفتن: حيث عاصر كثيرًا من الفتن التي عصفت بالأمة، خصوصًا فتنة ابن الأشعث التي خرج فيها عامة قراء الكوفة والبصرة وعلمائهما، لكنه نهى عن ذلك، وإن كان أُجبِر على الخروج بعد ذلك لكنه تمكن أن ينجو منهم، ومن هنا بقي في موضعه يعلم ويدعو ويعظ، بينما سقط كثير ممن خرج في الفتنة أو تخفى وطورد. ٧ - طول عمره: حيث توفي عام ١١٠ هـ وله ٨٨ سنة، أمضاها في تعليم الناس وإرشادهم. ٨ - تداعي كبار نقلة التفسير وغيرهم على نقل تفسيره وحِكَمِه: يأتي على رأسهم _________ (١) تاريخ الإسلام ٣/ ٢٦. (٢) ينظر: تفسير التابعين ١/ ٢٢٠. (٣) جامع بيان العلم وفضله ١/ ٣٢٣.

стр. 297

يحيى بن سلّام، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهم، حتى ربما استطردوا فنقلوا حِكَمه ومواعظه التي هي خارجة عن معنى التفسير. ومع تقدم الحسن في التفسير لكن لم تبلغ مرويات تفسيره مبلغ الطبقة الأولى في المرويات، ولذلك أسباب لعل من أبرزها: ١ - عدم تخصص أحد تلاميذه بالرواية عنه: كما وقع لابن عباس ومجاهد وقتادة، إضافة إلى أن بعض من نقل عنه نسخة من تفسيره كان من كبار المبتدعة، وهو عمرو بن عبيد (١). ٢ - اشتغاله بالفقه والأحكام وتصدره للفتوى وتنوع علومه، مما جعله غير متفرغ للتفسير بخاصة، ولا شك أن من كان كذلك كان إنتاجه التفسيري أقل. ٣ - تأخره في طلب العلم وعدم حرصه على الرحلة لطلبه، وقلة أسفاره حتى قيل أنه لم يحج إلا مرتين، وبالتالي قلة مشايخه، مما فوَّت عليه إدراك كبار علماء الأمة بالتفسير خصوصًا ابن عباس، فقد ذُكر أن الحسن لم يصح سماعه منه (٢). _________ (١) نقل من هذه النسخة يحيى بن سلام لكن لا يكاد غيره ينقل عنها. (٢) ينظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٦٦.

стр. 298

ثالثًا إسماعيل السُّدِّيّ (ت: ١٢٧ هـ) (١) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُّدِّيّ، أبو محمد القرشي الكوفي الأعور، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة، وقيل: مولى بني هاشم، أصله حجازي، سكن الكوفة، وكان يقعد في سُدَّة باب الجامع بالكوفة، فلُقِّب السُّدِّيّ (٢). وهو في عداد صغار التابعين. وقد ثبتت روايته عن أنس بن مالك، وفي سماعه من ابن عباس نظر، وقيل: إنما رآه، ورأى أبا هريرة وابن عمر وغيرهم ﵃. كما روى عن أبي عبد الرحمن السلمي، ومرة بن شراحيل الهمداني (مرة الطيب) صاحب ابن مسعود، وعن أبي مالك غزوان الغفاري، وأبي صالح باذام. روى عنه: شعبة، والثوري، وزائدة، وإسرائيل، والحسن بن صالح، وأبو عوانة، وأسباط بن نصر، والمطلب بن زياد، وأبو بكر بن عياش، وآخرون. * منزلته في التفسير: اشتهر السُّدِّيّ بالتفسير وعُرف به، قال العجلي: "عالم بالتفسير راوية له"، وقال الذهبي: "الإمام، المفسر" (٣). وقد ورد انتقاد للسُّدِّيّ في تفسيره من بعض التابعين كالشعبي (٤)، لكن في المقابل _________ (١) ينظر في ترجمته: تهذيب الكمال ٣/ ١٣٢، تاريخ الإسلام ٣/ ٣٧١، سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٤، تفسير التابعين: ١/ ٣٠٠. (٢) تهذيب الكمال ٣/ ١٣٢. ويعرف بالسُّدي الكبير، تمييزًا عن السُّدي الصغير، قال الذهبي في تاريخ الإسلام ٣/ ٣٧٢: "فأما السُّدي الصغير فهو محمد بن مروان، أحد المتروكين، معاصر لوكيع". والصغير هو راوي تفسير الكلبي. ينظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٣٢. (٣) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٤. (٤) قال عبد اللَّه بن حبيب بن أبي ثابت: سمعت الشعبي، وقيل له: إن إسماعيل السُّدي قد أُعطي حظًّا من =

стр. 299

أثنى عليه أغلب أهل العلم: فهذا إسماعيل بن أبي خالد (ت: ١٤٣ هـ) -من أقرانه- يقول عنه: "كان السُّدِّيّ أعلم بالقرآن من الشعبي" (١). ومر إبراهيم النخعي (ت: ٩٦ هـ) بالسدي، وهو يفسر، فقال: "إنه ليفسر تفسير القوم" (٢). والحق أن إسماعيل السُّدِّيّ كان رأسًا في التفسير روايةً ودرايةً، بل هو من أكثر تابعي الكوفة روايةً ودرايةً فيه (٣)، ففي باب الرواية روى كثيرًا من تفسير ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة بسنده المشهور عن مرة الهمداني، وعن أبي مالك وأبي صالح (٤)، بل هو أكثر العراقيين رواية لتفسير هذين الصحابيين الجليلين (٥). كذلك كان مكثرًا في رواية أسباب النزول. أما في باب التفسير النظري الاجتهادي فقد كانت له أيضًا منزلة كبيرة، -وإن كان باب الرواية عليه أغلب (٦) - ووصلنا عنه آثار كثيرة، بلغت في الموسوعة (٣١٧٨) أثرًا. ولعل أبرز الأسباب في كثرة تفسيره ما يلي (٧): ١ - تفرغه للتفسير وانقطاعه له، فقلما تجد له آثارًا في سوى التفسير، لذا كان يوصف بالمفسر ونحو ذلك. ٢ - كثرة مصادره واهتمامه بالرواية، وهذا واضح في كثرة مروياته لأسباب النزول والإسرائيليات. ٣ - كثرة روايته للإسرائيليات حتى فاق المشاهير من رواة الإسرائيليات ككعب ووهب، في الرواية والسرد والاستطراد، والإطالة والإغراب. _________ = علم القرآن، قال: إن إسماعيل قد أعطي حظًّا من جهل بالقرآن. قال الإمام الذهبي معقبًا: "ما أحد إلا وما جهل من علم القرآن أكثر مما علم، وقد قال إسماعيل بن أبي خالد: كان السُّدي أعلم بالقرآن من الشعبي رحمهما اللَّه". سير أعلام النبلاء: ٥/ ٢٦٥. (١) تاريخ الإسلام ٣/ ٣٧٢. (٢) تاريخ الإسلام ٣/ ٣٧٢، وقد قال بعض المعاصرين: إن هذا الكلام من النخعي خرج مخرج الذم، بناء على مفهوم كلام أحد رواة الأثر، وأنه قصد بالقوم المرجئة. ينظر: التقرير في أسانيد التفسير ص ٩٨. (٣) تفسير التابعين ١/ ٣٠٠. (٤) وقد تقدم الحديث عنه في طرق تفسير ابن عباس. (٥) تفسير التابعين ١/ ٣٠٣. (٦) المرجع السابق ١/ ٣٠٢. (٧) المرجع السابق ١/ ٣٠٠.

стр. 300

٤ - عناية تلميذه أسباط بن نصر بنقل تفسيره وتفرغه لذلك. ٥ - تأخر وفاته حيث امتد به العمر حتى عام ١٢٧ هـ، واحتاج الناس في ذلك العهد أكثر إلى التفسير، خصوصًا في الكوفة -بلد السُّدِّيّ- التي قلَّ فيها المتصدّون للتفسير. ومع تقدم السُّدِّيّ في التفسير لكن لم تبلغ آثار تفسيره الاجتهادي مبلغ الطبقة الأولى، ولذلك أسباب لعل من أبرزها: ١ - غلبة تفسيره الروائي النقلي على التفسير الدرائي الاجتهادي. ٢ - الوسط العلمي في عهد التابعين بالكوفة والذي كان يقوم على التورع عن الخوض في تفسير القرآن والتوسع فيه، ومن هنا كان انتقاد الشعبي للسدي، ولا بد لمثل ذلك أن يؤثر في قبول تفسير السُّدِّيّ، واللَّه أعلم.

стр. 301

رابعًا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢ هـ) (١) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم القرشي العدوي -بالولاء- المدني، نشأ في المدينة النبوية، في أسرة علم وعمل، فجده "أسْلَم" (ت: ٨٠ هـ) مولى عمر بن الخطاب من كبار التابعين وثقاتهم روى له الجماعة (٢)، وأبوه "زيد بن أسْلَم" (ت: ١٣٦ هـ) من الطبقة الوسطى من التابعين، ومن ثقات علماء المدينة في الحديث والتفسير، روى له الجماعة أيضًا (٣). روى عن أبيه زيد بن أسلم، وعن محمد بن المنكدر (ت: ١٣٠ هـ)، وأبي حازم سلمة بن دينار (ت: بعد ١٤٠ هـ)، وغيرهم. وعنه عبد اللَّه بن وهب (ت: ١٩٧ هـ)، ووكيع بن الجراح (ت: ١٩٧ هـ)، وسفيان بن عيينة (ت: ١٩٨ هـ)، وعبد الرزاق الصنعاني (ت: ٢١١ هـ)، وأصبغ بن الفرج (ت: ٢٢٥ هـ)، وغيرهم. وهو ضعيف الرواية عند أهل الحديث، ضعَّفه أحمد، ويحيى بن معين، وابن المديني، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم (٤)، قال أبو حاتم: "ليس بقوي في الحديث، كان في نفسه صالحًا، وفي الحديث واهيًا" (٥). * مكانته في التفسير وآثاره: أما في التفسير فله شأن آخر، فهو من أعلام مفسري تبع الأتباع، أخذ علم التفسير عن أبيه، قال الذهبي: "كان عبد الرحمن صاحب قرآن وتفسير، جمع تفسيرًا _________ (١) ينظر في ترجمته: تهذيب الكمال ١٧/ ١١٤، تاريخ الإسلام ٤/ ٩٠٤، سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٤٩، تهذيب التهذيب ٦/ ١٦١، تفسير أتباع التابعين ص ١٤٨. (٢) تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٤/ ٩٨. (٣) تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٥/ ٣١٦. (٤) تهذيب التهذيب ٦/ ١٦١. (٥) تهذيب الكمال ١٧/ ١١٨، تهذيب التهذيب ٦/ ١٦١.

стр. 302

في مجلد، وكتابًا في الناسخ والمنسوخ (١) " (٢)، ولم يصل إلينا هذا التفسير، وهو مبثوث في كتب المتقدمين من نقلة التفسير المأثور. وتفسيره يبلغ الذروة، لذا اعتنى به أئمة التفسير، واحتفوا به احتفاءً عظيمًا، لا سيَّما ابن جرير، وابن أبي حاتم (٣)، وقد بلغت آثاره في الموسوعة (٢٢٠٩) آثار. * أسباب تقدمه في التفسير وكثرة آثاره: ١ - تفرغه لعلم التفسير: حيث اشتهر به وارتضوه فيه دون الرواية، كما تقدم. ٢ - استقراره بمالمدينة النبوية: التي كانت -هي ومكة- محط رحلات المسلمين عمومًا، وطلبة العلم خصوصًا، لذا نجد أن أغلب من نشر علمه من تلاميذه هم من الطارئين على المدينة. ٣ - اعتناء تلاميذه بنقل تفسيره: يأتي على رأسهم عبد اللَّه بن وهب المصري (ت: ١٩٧ هـ)، الذي روى أغلب تفسيره، ثم أصبغ بن الفرج المصري (ت: ٢٢٥ هـ). ٤ - طول عمره: حيث امتد به العمر إلى أن توفي عام ١٨٢ هـ. ٥ - اعتناء كبار نقلة التفسير بنقل تفسيره: خصوصًا ابن جرير، ثم ابن أبي حاتم. _________ (١) ولم يصلنا ناسخه، لكن نسبته إليه مشهورة. ينظر: الفهرست ص ٢٥٣. (٢) سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٤٩. (٣) ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص ١٥١ - ١٥٥.

стр. 303

خامسًا يحيى بن سلّام (ت: ٢٠٠ هـ) (١) يحيى بن سلّام بن أبي ثعلبة التيمي، أبو زكريا البصري، ثم المغربي القيرواني، ولد بالكوفة عام ١٢٤ هـ، وانتقل إلى البصرة فتلقى العلم عن علمائها من تلاميذ الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) وقتادة (ت: ١١٧ هـ)، خصوصًا: سعيد بن أبي عروبة (ت: ١٥٦ هـ)، وشعبة بن الحجاج (ت: ١٦٠ هـ)، وحماد بن سلمة (ت: ١٦٧ هـ)، والمبارك بن فضالة (ت: ١٦٦ هـ). ورحل إلى الكوفة فأخذ عن سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ)، وإلى المدينة فأخذ عن مالك (ت: ١٧٩ هـ)، وإلى مصر فأخذ عن ابن لهيعة (ت: ١٧٤ هـ)، والليث بن سعد (ت: ١٧٥ هـ)، كما أخذ القراءات عن أصحاب الحسن البصري، وكان له اختيار في القراءة عن طريق الآثار. وانتقل في آخر حياته إلى إفريقية (القيروان)، ومكث بها حوالي عشرين سنة، بَثَّ فيها علمه، وألقى تفسيره، ونال مكانة مرموقة بين أهلها وحكامها، وفي أواخر حياته خرج إلى الحج، وعند عودته توفي بمصر عام ٢٠٠ هـ. * منزلته في العلم والتفسير: أثنى عليه أهل العلم، فقال أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ): "كان ثقةً ثبتًا، عالمًا بالكتاب والسُّنَّة، وله معرفة باللغة والعربية" (٢). وقد جمع وصنَّف تصانيف عدة، ففي علوم القرآن يُنسب إليه كتاب "التصاريف: تفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه _________ (١) ينظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٩٧، ميزان الاعتدال ٤/ ٣٨١، غاية النهاية في طبقات القراء ٢/ ٣٧٣، مقدمة تحقيق تفسير يحيى بن سلام ١/ ١١، رسالة "منهج يحيى بن سلام في التفسير" لهاشم الخولي، تفسير أتباع التابعين ص ١٧٥ - ١٨٨. (٢) سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٩٧، غاية النهاية في طبقات القراء ٢/ ٣٧٣، مقدمة تحقيق تفسير يحيى بن سلام ١/ ١٣.

стр. 304

وتصرفت معانيه" (١)، و"تفسير القرآن". وفي الحديث له كتاب "الجامع"، كذلك له اختيارات في الفقه (٢). أما تفسيره فقد ألَّفه بإفريقية وأثنى عليه أهل العلم، فقال أبو عمرو الداني: "سكن أفريقية دهرًا، وسمع الناس بها كتابه في تفسير القرآن، وليس لأحد من المتقدمين مثله" (٣)، وقد اعتنى به الأندلسيون والمغاربة اعتناءً كبيرًا؛ حتى ذُكرت له عندهم مختصرات عِدَّة، من أشهرها: مختصر ابن أبي زَمَنِين (ت: ٣٩٩ هـ) (٤). أما عند المشارقة فلم أقف على أحد من أئمة نقلة التفسير المسند -كالطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم- يروي عنه! سواء من تفسيره الاجتهادي أو النقدي، ولعل سبب ذلك عدم وقوفهم على تفسيره (٥). ويظهر أن نسخ تفسير يحيى بن سلام الكاملة قد فقدت بعد ذلك، لذا لم نجد المعتنين بالتفسير المأثور من المتأخرين ينقل عنه، كابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ)، وكذا السيوطي (ت: ٩١١ هـ) في "الدر المنثور" الذي لم ينقل عنه شيئًا من تفسيره النقلي أو الاجتهادي. لكن شاء اللَّه أن تبقى أجزاء متفرقة منه في مهده الأول (تونس)، ظلت حبيسة في مكتباتها، إلى أن هيَّأ اللَّه له الدكتورة الفاضلة هند شلبي التي قامت بجمع متفرقه، وتحرير نصِّه، وتحقيق أجزائه، وأصدرت ما تم من سوره في مجلدين؛ من سورة النحل إلى سورة الصافات (٦)، وقد اعتمدنا عليه في استخراج تفسير يحيى بن سلام في هذه الموسوعة، وأما السور الأخرى فقد استُخرج من مختصره تفسير ابن أبي زمنين، كما تقدم، وبهذا ترصَّعت موسوعة التفسير المأثور بهذه الميزة عن مثيلاتها، فبلغت آثار تفسير يحيى (٢٦٢٨) أثرًا، لا تكاد تجد أي منها في كتب التفسير المأثور المسندة. _________ (١) طبع بتحقيق: د. هند شلبي، الشركة التونسية، ١٩٧٩ م. وينظر: بيان مدى نسبته إليه في كتاب تفسير أتباع التابعين ص ٣٥١. (٢) ينظر: مقدمة تحقيق تفسير يحيى بن سلام ١/ ١٣. (٣) غاية النهاية في طبقات القراء ٢/ ٣٧٣. (٤) طبع بتحقيق: عبد اللَّه حسين بن عكاشة، ومحمد مصطفى الكنز، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط ١، ١٤٢٣/ ٢٠٠١ م، ٥ أجزاء. (٥) لكن أورد آثارًا من تفسيره بعض المفسرين المشارقة المتأخرين، من أبرزهم: الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ). ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ١٧٧. (٦) صدر عام ١٤٢٥ هـ -٢٠٠٤ م، عن دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ٩١٣ صفحة في مجلدين.

стр. 305

* أسباب تقدمه في التفسير وكثرة المروي عنه: هناك أسباب عدة أدت إلى كثرة آثار تفسير يحيى بن سلام، لعل من أبرزها: ١ - التخصص في علم التفسير رواية ودراية: فقد كان يحيى بن سلام عالمًا متفننًا، لكن يظهر أن أغلب علمه تركز في التفسير حتى صار يعرف به أكثر من غيره. ٢ - التصنيف في التفسير: وهو من أوسع المجالات التي تحفظ للعالِم علمه، ولولا أن يحيى صنّف تفسيره، ثم وصوله إلينا لما وقفنا إلا على النزر اليسير من تفسيره. ٣ - كثرة رحلاته، وبالتالي تعدد مصادره، فقد رحل إلى كثير من البلاد وأخذ عن مختلف أعلام عصره كما تقدم، ولا شك أن لذلك دورًا كبير في تنوع علمه وكثرة اجتهاده. ٤ - قدرته على الاستنباط والاجتهاد في التفسير: وهو ناتج عن السبب السابق. ومع ما تقدم من تبوؤ يحيى بن سلّام مكانة مرموقة في التفسير إلا أنه لم يبلغ مرتبة الطبقة الأولى من المكثرين في التفسير في هذه الموسوعة، ولعل من أبرز أسباب ذلك ما يلي: ١ - عدم وصول تفسيره كاملًا إلينا. ٢ - أن تفسير يحيى بن سلّام لم يكن كله من اجتهاده وإنما شطره من أقواله، والشطر الآخر مما يعزوه إلى مفسري السلف؛ إن لم يكن أغلبه. * * *

стр. 306

الطبقة الثالثة من المكثرين في التفسير من السلف (من تجاوزت آثارهم التفسيرية ١٠٠٠ أثر دون أن تبلغ ٢٠٠٠) وقد تحصل لدينا من خلال إحصاءات الموسوعة اندراج ثلاثة من مفسري السلف في هذه الطبقة، كلهم من طبقتي التابعين وأتباعهم: فمن التابعين: سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ)، وعكرمة مولى ابن عباس (ت: ١٠٥ هـ). ومن أتباع التابعين: عبد الملك ابن جُرَيْج (ت: ١٥٠ هـ). وهذه ترجمة موجزة لكل منهم تبين مكانته في التفسير وأسباب كثرة تفسيره، وفي المقابل أسباب عدم بلوغه مرتبة الطبقة الأولى من المكثرين، مرتبين بحسب وفياتهم:

стр. 307

أولًا سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) (١) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، الوالبي مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفي، "الإمام، الحافظ، المقرئ، المفسر" (٢)، من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين. روى عن: ابن عباس -فأكثر وجوَّد- وعن ابن عمر، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري. وغيرهم ﵃ أجمعين. قرأ القرآن على: ابن عباس. وقرأ عليه: أبو عمرو بن العلاء، والمنهال بن عمرو، وغيرهم (٣). وحدث عنه: أيوب السختياني، وجعفر بن أبي المغيرة، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وسليمان الأعمش، وعطاء بن السائب، وغيرهم. * مكانته في التفسير وآثاره: لازم سعيد بن جبير شيخه ابن عباس فأخذ عنه التفسير، وروى عنه حتى فاق أقرانه، قال علي بن المديني: "ليس في أصحاب ابن عباس مثل سعيد بن جبير. قيل: ولا طاووس؟ قال: ولا طاووس، ولا أحد". ومن شدة تعلقه بابن عباس كان يتردد عليه من الكوفة إلى مكة كل سنة، حتى أنه ربما رحل إليه لأجل مسألة واحدة (٤). وقد ظهر أثر تلك الملازمة في كثرة رواياته تفسير ابن عباس، حتى كان أكثر أصحابه الملازمين له رواية عنه (٥). _________ (١) ينظر في ترجمته: تهذيب الكمال ١٠/ ٣٦٤، تاريخ الإسلام ٢/ ١١٠٠، سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٢٣، غاية النهاية في طبقات القراء ١/ ٣٠٥، تفسير التابعين: ١/ ١٣٧. (٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٢٣. (٣) غاية النهاية في طبقات القراء ١/ ٣٠٥. (٤) ينظر: صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ ٥/ ١٨٢. صحيح مسلم ٤/ ٢٣١٧. (٥) ينظر: تفسير التابعين ١/ ١٤٨.

стр. 308

أما تفسيره الاجتهادي فيُعَدُّ من أكثر تلاميذ ابن عباس تفسيرًا بعد مجاهد، وقد بلغت آثاره في الموسوعة (١٧٣٥) أثرًا، ولعل من أهم أسباب ذلك ما يلي (١): ١ - ملازمته لابن عباس وكثرة أخذه عنه، كما تقدم. ٢ - كتابته للتفسير سواء أثناء الطلب عن ابن عباس، أو بعد ذلك، كما في الصحيفة التي كتبها لعبد الملك بن مروان بطلب منه، وهذه الصحيفة تُعَدّ من أقدم مدونات التفسير التي تدل على أن التفسير دوَّن في وقت مبكر (٢). ٣ - تصدره للناس وتصديه للتفسير وحرصه على نشر علمه، فقد رُوي عنه قوله: "وددت أن الناس أخذوا ما عندي، فإنه مما يهمني". وقال أيضًا: "لأن أنشر علمي، أحب إليَّ من أن أذهب به إلى قبري" (٣). ٤ - اعتناؤه بتفسير آيات الأحكام، بخلاف أقرانه المكثرين من تلاميذ ابن عباس كمجاهد وعكرمة. ٥ - كثرة روايته للإسرائيليات، أيضًا بخلاف أقرانه من تلاميذ ابن عباس، ويظهر أنه تأثر بشيخه في ذلك. ٦ - تميزه بالتفسير التحليلي للآية (٤). وهو منهج مخالف لطريقة المتقدمين في التفسير التي كانت تقتصر على تفسير ما يحتاج إلى تفسير دون باقي الألفاظ وسائر الآيات. وفي المقابل هناك أسباب أخرى كان لها الأثر في قصور آثاره التفسيرية عن بلوغ مرتبة الطبقة الأولى والثانية من المكثرين في التفسير، وتقدم بعض مفسري السلف عليه، لعل من أبرزها: _________ (١) ينظر: تفسير التابعين ١/ ١٤٨. (٢) يراجع: مبحث مراحل تدوين التفسير، وكذلك الحاشية بعد التالية. (٣) ينظر: تهذيب الكمال ١٠/ ٣٦٧، سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٢٦. (٤) وهذا بارز في النسخة التي يرويها عنه عطاء بن دينار، وعطاء لم يسمع من سعيد مباشرة، وانما وجد في الديوان بدمشق صحيفة التفسير التي كتبها سعيد بن جبير لعبد الملك بن مروان بطلب منه، فروى منها. ينظر: الجرح والتعديل ٣/ ٣٣١. وقد اعتنى ابن أبي حاتم برواية عطاء عن سعيد، ويظهر أن ما يرويه هو من تلك الصحيفة، ولو وصلنا تفسير ابن أبي حاتم كاملًا لأمكن جمع هذه الصحيفة كلها أو جلها! وقد أورد ابن أبي حاتم عشرات الروايات من هذه الطريق -كما سترى في الموسوعة-، بينما لم يورد ابن جرير منها إِلا في ثلاثة مواضع فقط! ولعل هذا كان سببًا في كون آثار سعيد بن جبير التفسيرية عند ابن أبي حاتم أكثر منها عند ابن جرير. ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص ٣٢٠.

стр. 309

١ - عدم استفراغ علمه للتفسير كما كان مجاهد وعكرمة ومقاتل بن سليمان، بل كان ﵀ مشاركًا في القراءات والفقه والحديث رأسًا في كل منها. لذا وصفه الذهبي بأنه، "الإمام، الحافظ، المقرئ، المفسر" (١). ٢ - كثرة اشتغاله برواية تفسير شيخه ابن عباس، وهذا بخلاف مجاهد ﵀. ٣ - دخوله في فتنة ابن الأشعث الذي خرج على الحجاج بن يوسف عام ٨٢ هـ، ثم بعد انكسارهم ظل سعيد متخفيًا من الحجاج متواريًا عنه، ومتنقلًا في مختلف البلاد قال الذهبي: "خرَج مع ابن الأشعَث على الحجَّاج، ثُمَّ إنَّه اختَفَى وتَنَقَل في النَّوَاحِي اثنَتَيْ عَشْرة سنةً" (٢). ولا شك أن لذلك تأثيرًا كبيرًا في قلة تصديه لنشر العلم والتصدر للناس. ٤ - قِصر عمره مقارنة بأقرانه من تلاميذ ابن عباس، حيث قبض الحجاج عليه وقتله صبرًا وظلمًا عام ٩٥ هـ (٣). ٥ - عدم وجود تلاميذ اختصوا بنقل آثاره ورواياتها، وإن كان عطاء بن السائب من أكثرهم، لكن لا تبلغ عنايته بمرويات شيخه كعناية ابن أبي نجيح بتفسير مجاهد، أو سعيد بن أبي عروبة بتفسير قتادة، واللَّه أعلم. _________ (١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٢٣. وينظر في ترجمته: تهذيب الكمال ١٠/ ٣٦٤، تاريخ الإسلام ٢/ ١١٠٠. (٢) تاريخ الإسلام ٢/ ١١٠١. (٣) اشتهر أن عُمر سعيد حين قتل كان ٤٩ عامًا -ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٢٧٥، وغيرها- ولكن هذا أمر مستبعد! لأنه على هذا القول سيكون مولده عام ٤٦ هـ، وسيكون عمره عند وفاة ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ٢٢ سنة! فأين طول ملازمته لابن عباس وكثرة ترحله إليه وإفتاؤه بين يديه، وتوجيه ابن عباس الناس لسؤاله في مثل هذه السن؟ ! ! أيضًا على هذه السن إذا ما قورن سعيد بأصحاب ابن عباس الآخرين يكون أصغر منهم بما يقارب العقدين! فكيف يُقرن بهم؛ وهو دونهم بكثير! ! ومن هنا لما ذكر الذهبي هذا القول ردَّه فقال: ". . . ومن زعم أنه عاش تسعًا وأربعين سنة لم يصنع شيئًا، وقد مر قوله لابنه: ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين. فعلى هذا يكون مولده في خلافة أبي الحسن علي بن أبي طالب ﵁. ينظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٤١، تاريخ الإسلام ٢/ ١١٠٢؛ أي: أنه ولد في حدود عام ٣٨ هـ، واللَّه أعلم.

стр. 310

ثانيًا عكرمة مولى ابن عباس (ت: ١٠٥ هـ) (١) القرشي الهاشمي مولاهم، أبو عبد اللَّه المكي ثم المدني، مولى عبد اللَّه بن عباس ﵄، أصله من بربر المغرب، كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لابن عباس لما ولي البصرة لعلي بن أبي طالب ﵁ (٢). روى عن عائشة، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وعبد اللَّه بن عمرو، وعبد اللَّه بن عمر، وأبي سعيد الخدري ﵃. ولازم مولاه ابن عباس الذي حرص على تعليمه لما رأى فيه من ملامح النجابة والذكاء والحفظ، حتى كان يضع في رجله الكبل على تعليم القرآن والفقه والسنن، كما قال عكرمة. وقد كان لتلك الملازمة أثر كبير في بناء الشخصية العلمية لعكرمة، فورث عنه علمًا كثيرًا؛ خصوصًا في التفسير، قال ﵀: "طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب وابن عباس في الدار" (٣). * مكانته في التفسير وآثاره: تبوأ عكرمة مكانة عظيمة في التفسير حتى شهد بذلك أقرانه، وأثنى عليه مترجموه، قال جابر بن زيد: "هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا أعلم الناس". وقال الشعبي: "ما بقي أحد أعلم بكتاب اللَّه من عكرمة"، وسئل سعيد بن جبير: تعلم أحدًا أعلم منك؛ قال: "نعم، عكرمة"، وقال قتادة: "أعلم الناس بالتفسير عكرمة"، وقال سفيان الثوري: "خذوا التفسير عن أربعة: سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك". وقال ابن أبي حاتم: "سئل أبي عن عكرمة، وسعيد بن جبير: أيهما أعلم بالتفسير؟ فقال: أصحاب ابن عباس عيال على عكرمة". _________ (١) تنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٥/ ٢٨٨، تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٦٤، تاريخ الإسلام ٣/ ١٠٧، سير أعلام النبلاء ٥/ ١٤، تفسير التابعين: ١/ ١٥٦. (٢) وعليه -كما قال الذهبي-: "فلا يبعد سماعه من علي"، تاريخ الإسلام ٣/ ١٠٧. (٣) سير أعلام النبلاء ٥/ ١٤.

стр. 311

ومما يدل على سعة علمه وتفوقه على أقرانه ما رواه حبيب بن أبي ثابت، قال: "اجتمع عندي خمسة لا يجتمع مثلهم أبدًا: عطاء، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، فأقبل مجاهد وسعيد يلقيان على عكرمة التفسير، فلم يسألاه عن آية إِلا فسرها لهما، فلما نفد ما عندهما، جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، وآية كذا في كذا". وهكذا كان عكرمة إذا تُرجم له وُصف بالمفسر وصاحب التفسير، ونحو ذلك، قال الذهبي: "العلَّامة، الحافظ، المُفَسِّر"، وقال الحافظ ابن حجر: "ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة" (١). فهو بحق من أشهر مفسري التابعين وأعلمهم، ويمكننا إجمال أسباب سبقه وتقدمه فيما يلي (٢): ١ - طول ملازمته لابن عباس، كما تقدم. ٢ - قدرته على الاستنباط والاجتهاد في التفسير. ٣ - تفرغه لعلم التفسير رواية ودراية، حتى كان يُعرف به إذا ذكر، كما تقدم. ٤ - معرفته بلغات العرب وأشعارها، وإعمال ذلك في التفسير، وقد ورث ذلك المنهج من شيخه ابن عباس. ٥ - كثرة رحلاته، وبالتالي تعدد مصادره، فقد رحل إلى العراق وخراسان، واليمن والشام ومصر والمغرب، واستقر في آخر حياته بالمدينة حتى توفي بها. ٦ - حرصه على نشر علمه بين تلاميذه حتى كان يطلب أن يُسأل، كذلك كان يعقد مجالس العلم والتفسير في البلاد التي زارها، ومشهورة قصة زيارته للبصرة وأن الحسن البصري أمسك عن التفسير والفتيا ما دام عكرمة بالبصرة (٣). * عدد آثاره في الموسوعة: من خلال كل ما سبق يُتوقع أن لا يضاهي أحدٌ عكرمة في كثرة المنقول من تفسيره، لكن الواقع عكس ذلك! فقد بلغ عدد آثاره في الموسوعة (١٣٨٢) أثرًا، وهذا أقل بكثير من أقرانه المكثرين -خصوصًا مجاهد الذي كان مع عكرمة أكثر _________ (١) تقريب التهذيب، ص ٣٩٧. (٢) ينظر ذلك بتوسع: تفسير التابعين ١/ ١٦٩ - ١٧٩. (٣) سير أعلام النبلاء ٥/ ١٨.

стр. 312

أصحاب ابن عباس ملازمة له- وهنا يأتي السؤال عن سبب ذلك مع إمامة عكرمة في التفسير وشهرته وتقدمه فيه، نجمل أسباب ذلك في سببين اثنين: ١ - اتهامه بالكذب على ابن عباس. ٢ - ما اشتهر من انتحاله لمذهب الخوارج. وهما من أبرز الأسباب التي زهّدت معاصري عكرمة ومَن بَعده في مروياته وتفسيره، واتخاذهم موقفًا ضده، فقد ذمّه سعيد بن المسيب، ولم يرو عنه ابن سيرين إِلا مبهمًا (١)، وتكلم فيه الإمام مالك. حتى رُوِي أنه مات بالمدينة وأُتي بجنازته فما أحد من أهل المسجد حلّ حبوته إليها، بل قيل: إنه لم يحمله أحد، اكتروا له أربعة. وعقّب الذهبي على ذلك فقال: "ما تركوا عكرمة -مع علمه- إِلا عن بلية كبيرة في نفوسهم له ﵁" (٢). وقد تباينت آراء النقاد في ثبوت هذه التهم -خصوصًا انتحاله بعض آراء الخوارج- ما بين مثبت ومنكر، قال الذهبي بعد ما أورد بعض كلام الفريقين: "فالذين أهدروه كبار، والذين احتجوا به كبار، واللَّه أعلم بالصواب" (٣). وقال ابن حجر مُعقِّبًا على تلك الآراء المتضاربة: "والذي أنكر عليه مالك إنما هو بسبب رأيه، على أنه لم يثبت عنه من وجه قاطع أنه كان يرى ذلك، وإنما كان يوافق في بعض المسائل فنسبوه إليهم، وقد برَّأه أحمد والعجلي من ذلك، فقال في كتاب "الثقات" له: عكرمة مولى ابن عباس ﵄؛ مكي تابعي ثقة برئ مما يرميه الناس به من الحرورية" (٤). وقد أنصف ابن منده في تلك القضية فقال: "وأما حال عكرمة في نفسه، فقد عدّله أمَّةٌ من نبلاء التابعين فمن بعدهم، وحدَّثوا عنه، واحتّجوا بمفاريده في الصفات والسنن والأحكام، روى عنه زهاء ثلاثمائة رجل من البلدان، منهم زيادة على سبعين رجلًا من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة لا تكاد توجد لكثير من التابعين، على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه، ولم يستغنوا عن حديثه، وكان _________ (١) فقد روى ابن سعد في طبقاته ٧/ ١٩٤، عن خالد الحذاء أنه قال: "كل شيء قال محمد: نبئت عن ابن عباس، إنما سمعه من عكرمة، لقيه أيام المختار بالكوفة". (٢) سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٤. (٣) سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٤. (٤) هدي الساري "مقدمة فتح الباري" ص ٤٢٨.

стр. 313

يُتلقى حديثه بالقبول، ويُحتج به قرنًا بعد قرن، وإمامًا بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة الذين أخرجوا الصحيح، وميّزوا ثابته من سقيمه، وخطأه من صوابه، وأخرجوا روايته، وهم البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، فأجمعوا على إخراج حديثه، واحتجّوا به، على أن مسلمًا كان أسوأهم رأيًا فيه، وقد أخرج عنه مقرونًا وعدَّله بعدما جرَّحه" (١). ولا شك أن مثل تلك التهم تُقلل من اعتناء الرواة والنقلة برواية علمه وتفسيره، ولهذا جاء عن سعيد بن جبير قوله: "لو كفّ عنهم عكرمة من حديثه لشُدَّت إليه المطايا" (٢)، وعن طاووس: "لو أن مولى ابن عباس اتقى اللَّه وكفَّ من حديثه لشُدَّت إليه المطايا" (٣). ٣ - كثرة اشتغاله بالرواية عن شيخه ابن عباس، فقد كان من أكثر أصحاب ابن عباس نقلًا لتفسيره ونشرًا لعلمه، بل جاء عنه قوله: "كل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس" (٤)، ومما يلاحظ هنا مخالفة عكرمة لقرينه مجاهد في هذه السمة. ٤ - عدم وجود من تخصص لنقل تفسيره وانقطع لذلك كما كان لقرينه مجاهد، بل تعدد الرواة عنه، ولعل لكثرة تنقله وكثرة رحلاته دور في عدم تفرد أحد تلاميذه بنقل جل علمه. * وفاته: توفي عكرمة بالمدينة عام ١٠٤ هـ، وقيل: ١٠٥ هـ، وقيل: ١٠٧ هـ (٥)، وقد تجاوز الثمانين من عمره. _________ (١) تهذيب التهذيب ٧/ ٢٧٢، نقلًا عن ابن منده في صحيحه. (٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٨٥. (٣) تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٨٧. وينظر مبحث مستفيض عن ذلك في: تفسير التابعين: ١/ ١٦٩ - ١٧٩. (٤) الإتقان ٤/ ٢٤١. (٥) وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ١٠٥ هـ.

стр. 314

ثالثًا عبد الملك ابن جُرَيْج (ت: ١٥٠ هـ) (١) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج الأموي مولاهم، رومي الأصل (٢)، ولد بمكة عام ٨٠ هـ، وتوفي بها عام ١٥٠ هـ (٣). قال عنه الذهبي: "الإمام، العلامة، الحافظ، شيخ الحرم، أبو خالد، وأبو الوليد القرشي الأموي، المكي، صاحب التصانيف، وأول من دوَّن العلم بمكة" (٤). وقد روى عن عشرات التابعين، ولازم عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) سبع عشرة سنة، فأكثر عنه حتى حفظ لنا علمه من كثرة سؤالاته له، وحدّث عن مجاهد (٥)، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، والقاسم بن أبي بزة، وغيرهم (٦). وعنه الأوزاعي، والليث، والسفيانان؛ الثوري وابن عيينة، والحمادان؛ ابن سلمة وابن زيد، ووكيع بن الجراح، وعبد الرزاق الصنعاني، وغيرهم (٧). وهو من أوائل من صنَّف العلم (٨)، وقد كتب في التفسير والسنن وغيرهما، وأثنى عليه جمع من العلماء، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: "كان من أوعية العلم". غير أنه اتهم بالتدليس، حتى حذّروا من عنعنته، قال الذهبي: "الرجل في نفسه ثقة، _________ (١) تنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٥/ ٤٩١، تهذيب الكمال ١٨/ ٣٣٨، تاريخ الإسلام ٣/ ٩١٩، سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٥، تفسير أتباع التابعين ص ٩٦. (٢) تهذيب الكمال ١٨/ ٣٣٨. (٣) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٣٤: "عاش سبعين سنة، فسنُّه وسنُّ أبي حنيفة واحد، ومولدهما وموتهما واحد". (٤) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٤. (٥) وقيل: إنه لم يسمع من مجاهد إِلَّا حرفًا. ينظر: تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٣٦. (٦) ينظر مسرد لمشايخه في: تهذيب الكمال ١٨/ ٣٣٨، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦. (٧) ينظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٦. (٨) قيل: إنه أول من صنف مطلقًا، وقيل: إنه أول من صنف بمكة. ينظر: الجرح والتعديل ٥/ ٣٥٧، تدريب الراوي ١/ ٨٩. والمراد بالتصنيف الجمع والتبويب والترتيب، وليس مجرد التدوين.

стр. 315

حافظ، لكنه يدلس بلفظة (عن)، و (قال)، وقد كان صاحب تعبد وتهجد، وما زال يطلب العلم حتى كبر وشاخ" (١). * مكانته في العلم والتفسير وآثاره: كان ابن جريج من بحور العلم وأوعيته، تفرد بالإمامة في الحرم بعد عطاء، ومجاهد، وخلَفَهما (٢)، ويُعدّ أول من صنَّف في التفسير، قال ابن تيمية: "فأول من صنف ابن جريج شيئًا في التفسير" (٣)، وهو عَلَم من أعلام التفسير بنوعيه الرواية والدراية، وذكرت له كتبُ التراجم أجزاء في التفسير (٤)، لكن لم يصلنا ذلك التفسير، وإنما وصلتنا عنه آثار روائية لتفسير غيره، واجتهادية من قوله؛ منثورة في كتب التفسير المأثور، وهي مرويات كثيرة، خصوصًا ما رواه عن شيخه عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ)، وعن مجاهد (ت: ١٠٢ هـ) الذي بلغت مروياته عنه ما يقارب ثلث مروياته في التفسير، أما ما روي من تفسيره الاجتهادي فهو أقل، حاول جمعه بعض المعاصرين (٥). وقد اعتنى بإيراد تفسيره روايةً ودرايةً جمع من نقلة التفسير المأثور، كتلميذه عبد الرزاق الصنعاني (ت: ٢١١ هـ)، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأكثر من أخرج تفسيره روايةً ودرايةً ابن المنذر، يظهر ذلك جليًّا فيما طبع من تفسيره، وما عزاه السيوطي إليه في الدر المنثور (٦). وكل ما روته المصادر السابقة من تفسير ابن جريج -وغيرها- ضمته موسوعة التفسير المأثور، وقد أحصيت التفسير الاجتهادي لابن جريج فيها فبلغت (١٠١٥) قولًا تفسيريًّا. ولعل من أبرز أسباب كثرة تفسير ابن جريج بنوعيه الروائي والاجتهادي ما يلي: ١ - ملازمته لشيخه عطاء بن أبي رباح، واعتناؤه بتفسير مجاهد كما تقدم. _________ (١) ينظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٣٢. (٢) المرجع السابق ٦/ ٣٣٢. (٣) مجموع الفتاوى ٢٠/ ٣٢٢. (٤) ينظر: الإرشاد ١/ ٣٩٢. وقد أورد الثعلبي تفسيره في مصادره، ينظر: مقدمة تفسير الثعلبي، تحقيق: خالد العنزي ص ٧٩. (٥) ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة، ص ١٠٠. (٦) ينظر تفصيل ذلك في: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص ١٠١ - ١٠٣.

стр. 316

٢ - تدوينه للعلم وتصنيفه في التفسير، كما تقدم. ٣ - اعتناء تلاميذه بالرواية عنه، خصوصًا محمد بن ثور الصنعاني (ت: ١٩٠ هـ)، وحجاج بن محمد المصيصي (ت: ٢٠٦ هـ) (١). قال أبو يعلى الخليلي: "وعن ابن جريج في التفسير، جماعة رووا عنه، وأطولها ما يرويه بكر بن سهل الدمياطي، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن محمد، عن ابن جريج، وفيه نظر، وروى محمد بن ثور، عن ابن جريج نحو ثلاثة أجزاء كبار، وذلك صححوه، وروى الحجاج بن محمد، عن ابن جريج نحو جزء، وذلك صحيح، متفق عليه" (٢). ٤ - اعتناء نقلة التفسير بنقل تفسيره: يأتي على رأسهم ابن المنذر كما تقدم. ومع تقدم ابن جريج في التفسير لكن لم تبلغ آثار تفسيره الاجتهادي في الموسوعة مبلغ الطبقة الأولى والثانية في المرويات، ولعل لذلك أسبابًا من أبرزهما: ١ - كثرة اشتغاله بالرواية خصوصًا عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح، كما تقدم. ٢ - اشتغاله بالفتوى والفقه والحديث، وعدم تفرغه للتفسير، فقد كان ﵀ إمامًا في الفقه (٣) والحديث (٤)، ولا شك أن من كان كذلك كان إنتاجه التفسيري أقل. ٣ - فقدان أكبر مصدر لتفسير ابن جريج وهو تفسير ابن المنذر الذي لم يطبع منه إِلَّا قطعة يسيرة. * * * _________ (١) ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص ١٠٣. (٢) الإرشاد ١/ ٣٩٢. (٣) قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٣٢: "وعليه تفقه مسلم بن خالد الزنجي، وتفقه بالزنجي الإمام أبو عبد اللَّه الشافعي، وكان الشافعي بصيرًا بعلم ابن جريج، عالمًا بدقائقه". (٤) فقد قال علي بن المديني: "نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة"، فذكرهم، ثم قال: "صار علمهم إلى أصحاب الأصناف ممن صنَّف العلم، منهم من أهل مكة ابن جريج". ينظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٨ - ٣٣٢.

стр. 317

الطبقة الرابعة من المكثرين فى التفسير من السلف (من تجاوزت آثارهم التفسيرية ٥٠٠ أثر دون أن تبلغ ١٠٠٠) وقد تحصل لدينا من خلال إحصاءات الموسوعة اندراج سبعة من مفسري السلف في هذه الطبقة: فمن الصحابه: عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (ت: ٣٢ هـ). ومن التابعين: من كبارهم: أبو العالية (ت: ٩٣). ومن أواسطهم: عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ). ومن صغارهم: الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ). ومن أتباع التابعين: من كبارهم: محمد بن السائب الكلبي (ت: ١٤٦ هـ)، ومقاتل بن حيان (ت: ١٥٠ هـ)، ومحمد بن إسحاق (ت: ١٥٣ هـ). وهذه ترجمة موجزة لكل منهم تبين مكانته في التفسير وأسباب كثرة تفسيره، وفي المقابل أسباب عدم بلوغه مرتبة الطبقة الأولى من المكثرين، مرتبين بحسب وفياتهم:

стр. 318

أولًا عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (ت: ٣٢ هـ) (١) عبد اللَّه بن مسعود بن غافل بن حبيب، أبو عبد الرحمن الهذلي، وأُمه أُم عبد بنت عبد ود، من هذيل أيضًا، وكان يُنسب إليها أحيانًا فيقال: ابن أم عبد. من السابقين الأولين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين (إلى الحبشة، ثم إلى المدينة)، وصلى إلى القِبْلتين، وشهد بدرًا، وسائر المشاهد مع رسول اللَّه ﷺ ، ولازم النبي ﷺ حتى كان يدخل عليه ويخدمه ويلزمه، وكان صاحب وساده، وسواكه، ونعليه، وطهوره (٢)، لذا كان من أشبه الناس بالنبي ﷺ في هديه ودلّه وسمته. وبعد وفاة رسول اللَّه ﷺ أرسله عمر بن الخطاب ابتداء إلى الشام، وشهد اليرموك، ثم سيَّره إلى الكوفة، معلمًا وواليًا على بيت المال، وكتب إلى أهلها: "أما بعد، فإني بعثت إليكم عمارًا [أي: ابن ياسر] أميرًا، وعبد اللَّه [أي: ابن مسعود] معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فاسمعوا لهما واقتدوا بهما، وإني قد آثرتكم بعبد اللَّه على نفسي أثرة" (٣)، فأقام بالكوفة معلمًا وقاضيًا، يعلمهم الحديث والتفسير والفقه، حتى تخرج علي يديه أغلب أعلام كبار التابعين كعلقمة النخعي (ت: ٦٢ هـ)، والربيع بن خثيم (ت: ٦٢ هـ)، ومسروق بن الأجدع (ت: ٦٣ هـ)، وأبي ميسرة عمرو بن شرحبيل (ت: ٦٣ هـ)، وعَبيدة السلماني الكوفي (ت: ٧٢ هـ)، ومرة بن شراحيل (ت: ٧٦ هـ)، وعمرو بن مَيْمُون (ت: ٧٤ هـ)، والأسود بن يزيد النخعي (ت: ٧٥ هـ)، وشُرَيْح القاضي (ت: ٧٨ هـ)، وغيرهم ممن اشتهر بالعلم والعمل والورع والعبادة، حتى _________ (١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٣/ ١٥٠، تهذيب الكمال ١٦/ ١٢١، تاريخ الإسلام ٢/ ٢٠٥، سير أعلام النبلاء ١/ ٤٦١، الإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ١٩٨. (٢) سير أعلام النبلاء ١/ ٤٦٩. (٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٦/ ٧.

стр. 319

قال عنهم علي بن أبي طالب حين رآهم: "أصحاب عبد اللَّه سُرُج هذه القرية" (١). قدم ابن مسعود المدينة في آخر عمره في عهد عثمان ﵁، ومات بها عام ٣٢ هـ، ودفُن بالبقيع، وله ثلاث وستون سنة (٢). * منزلته في العلم والتفسير: كان ابن مسعود من أقرأ الصحابة لكتاب اللَّه، وقد أثنى عليه النبي ﷺ فقال: "من سَرَّه أن يقرأ القرآن رطبًا كما أُنزِل، فليقرأه على قراءة ابن أُم عبد" (٣). وقال عبد اللَّه بن عمرو: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد -فبدأ به- ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وسألم مولى أبي حذيفة" (٤). وقد كان من علماء الصحابة وأجلائهم، وذلك لملازمته النبي ﷺ ، قال عمر بن الخطاب حين رآه نحيفًا قصيرًا لا يكاد يُرى بين الناس: "كُنَيِّف ملئ علمًا"، وقيل لعليِّ بن أبي طالب: أخبرنا عن ابن مسعود، قال: "علم القرآن والسُّنَّة ثم انتهى"، وعن مسروق أنه قال: "انتهى علم أصحاب رسول اللَّه ﷺ إلى ستة: عمر، وعلي، وعبد اللَّه بن مسعود، وأُبَيِّ بن كعب، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى رجلين: علي، وعبد اللَّه" (٥). أما في التفسير فقد كان ابن مسعود من أعلم الصحابة به، حتى قال عن نفسه: "واللَّه لقد أخذت من فيِّ رسول اللَّه ﷺ بضعًا وسبعين سورة، واللَّه لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب اللَّه، وما أنا بخيرهم" (٦). وفي رواية: "والذي لا إله غيره ما من كتاب اللَّه سورة إِلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إِلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب اللَّه مني، تبلغه الإبل، لركبت إليه"، قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادًّا يقول غير ذلك (٧). _________ (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٦/ ١٠. (٢) تاريخ الإسلام ٢/ ٢١٠. (٣) أخرجه أحمد ١٥/ ٤٦٩، (٩٧٥٤). (٤) أخرجه مسلم ٤/ ١٩١٣، ١١٦ (٢٤٦٤). (٥) تاريخ الإسلام ٢/ ٢٠٩. (٦) أخرجه البخاري ٦/ ١٨٦ (٥٠٠٠)، ومسلم (٢٤٦٢) (١١٤). (٧) أخرجه مسلم (٢٤٦٣) (١١٥).

стр. 320

وقد أثنى عليه أقرانه من الصحابة، فعن أبي الأحوص قال: كنا في دار أبي موسى مع نفر من أصحاب عبد اللَّه، وهم ينظرون في مصحف، فقام عبد اللَّه، فقال أبو مسعود [الأنصاري]: "ما أعلم رسول اللَّه ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل اللَّه من هذا القائم"، فقال أبو موسى: "أما لئن قلت ذاك، لقد كان يشهد إذا غِبنا، ويُؤذن له إذا حُجبنا" (١)، وجاء نعي ابن مسعود إلى أبي الدرداء، فقال: "ما ترك بعده مثله" (٢). وقد ترك ﵁ آثارًا تفسيرية عديدة، فكان أكثر الصحابة تفسيرًا بعد ابن عباس (٣)، بلغت في الموسوعة (٧٦١) أثرًا، تدل على سعة علمه بكتاب اللَّه. * أسباب عدم بلوغ آثار تفسير ابن مسعود طبقة المكثرين: عند النظر في مقدار ما أحصيناه في الموسوعة من تفسير ابن مسعود نجد أنه نزر قليل لا يبلغ المكانة التي تُعرف لابن مسعود في علم القرآن، ولعلنا نستشف أبرز أسباب ذلك فيما يلي: ١ - تقدم وفاته، فقد توفي عام ٣٢ هـ، بينما توفي ابن عباس عام ٦٨ هـ، قال ابن تيمية: "وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمّر بعده ابن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ " (٤). ٢ - عدم بث كل ما عنده من تفسير نظرًا لوجوده بين تلاميذ عرب أقحاح لا يحتاجون إلى السؤال عن كثير من الآيات كحال الصحابة (٥). ٣ - اشتغاله بالإقراء والفقه والإفتاء أكثر من التفسير، لذا تجد مرويات تلاميذه وتلاميذهم عنه في الفقه أكثر منها في التفسير (٦). _________ (١) أخرجه مسلم (٢٤٦١) (١١٣). (٢) تاريخ الإسلام ٢/ ٢٠٩. (٣) ينظر: الإتقان ٤/ ٢٣٤، وقد بلغت آثاره في تفسير ابن جرير (٩٨٦) رواية بحسب إحصاء د. محمد عبد اللَّه الخضيري، ينظر. التفسير بالأثر بين ابن جرير وابن أبي حاتم ص ٩٦. (٤) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص ٤١. (٥) يلاحظ أن أغلب تلاميذه -وكذلك طبقتهم- من التابعين المخضرمين الذين هم أقران كثير من الصحابة، لكن فاتهم رؤية النبي ﷺ ، بخلاف تلاميذ ابن عباس فأغلبهم من الموالي غير العرب. (٦) أما في الإقراء فمعلوم مكانة ابن مسعود فيها حتى إن كثيرًا من أسانيد القُرّاء تعود إليه، بل تجد كثيرًا من آثاره في كتب التفسير إنما هي في حكاية قراءاته. =
следующие страницы →