Полный текст (16 717 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
٢ - تدوينه للعلم وتصنيفه في التفسير، كما تقدم.
٣ - اعتناء تلاميذه بالرواية عنه، خصوصًا محمد بن ثور الصنعاني (ت: ١٩٠ هـ)، وحجاج بن محمد المصيصي (ت: ٢٠٦ هـ) (١). قال أبو يعلى الخليلي: "وعن ابن جريج في التفسير، جماعة رووا عنه، وأطولها ما يرويه بكر بن سهل الدمياطي، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن محمد، عن ابن جريج، وفيه نظر، وروى محمد بن ثور، عن ابن جريج نحو ثلاثة أجزاء كبار، وذلك صححوه، وروى الحجاج بن محمد، عن ابن جريج نحو جزء، وذلك صحيح، متفق عليه" (٢).
٤ - اعتناء نقلة التفسير بنقل تفسيره: يأتي على رأسهم ابن المنذر كما تقدم.
ومع تقدم ابن جريج في التفسير لكن لم تبلغ آثار تفسيره الاجتهادي في الموسوعة مبلغ الطبقة الأولى والثانية في المرويات، ولعل لذلك أسبابًا من أبرزهما:
١ - كثرة اشتغاله بالرواية خصوصًا عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح، كما تقدم.
٢ - اشتغاله بالفتوى والفقه والحديث، وعدم تفرغه للتفسير، فقد كان ﵀ إمامًا في الفقه (٣) والحديث (٤)، ولا شك أن من كان كذلك كان إنتاجه التفسيري أقل.
٣ - فقدان أكبر مصدر لتفسير ابن جريج وهو تفسير ابن المنذر الذي لم يطبع منه إِلَّا قطعة يسيرة.
* * *
_________
(١) ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص ١٠٣.
(٢) الإرشاد ١/ ٣٩٢.
(٣) قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٣٢: "وعليه تفقه مسلم بن خالد الزنجي، وتفقه بالزنجي الإمام أبو عبد اللَّه الشافعي، وكان الشافعي بصيرًا بعلم ابن جريج، عالمًا بدقائقه".
(٤) فقد قال علي بن المديني: "نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة"، فذكرهم، ثم قال: "صار علمهم إلى أصحاب الأصناف ممن صنَّف العلم، منهم من أهل مكة ابن جريج". ينظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٨ - ٣٣٢.
стр. 317
الطبقة الرابعة من المكثرين فى التفسير من السلف (من تجاوزت آثارهم التفسيرية ٥٠٠ أثر دون أن تبلغ ١٠٠٠)
وقد تحصل لدينا من خلال إحصاءات الموسوعة اندراج سبعة من مفسري السلف في هذه الطبقة:
فمن الصحابه: عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (ت: ٣٢ هـ).
ومن التابعين:
من كبارهم: أبو العالية (ت: ٩٣).
ومن أواسطهم: عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ).
ومن صغارهم: الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ).
ومن أتباع التابعين:
من كبارهم: محمد بن السائب الكلبي (ت: ١٤٦ هـ)، ومقاتل بن حيان (ت: ١٥٠ هـ)، ومحمد بن إسحاق (ت: ١٥٣ هـ).
وهذه ترجمة موجزة لكل منهم تبين مكانته في التفسير وأسباب كثرة تفسيره، وفي المقابل أسباب عدم بلوغه مرتبة الطبقة الأولى من المكثرين، مرتبين بحسب وفياتهم:
стр. 318
أولًا عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (ت: ٣٢ هـ) (١)
عبد اللَّه بن مسعود بن غافل بن حبيب، أبو عبد الرحمن الهذلي، وأُمه أُم عبد بنت عبد ود، من هذيل أيضًا، وكان يُنسب إليها أحيانًا فيقال: ابن أم عبد.
من السابقين الأولين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين (إلى الحبشة، ثم إلى المدينة)، وصلى إلى القِبْلتين، وشهد بدرًا، وسائر المشاهد مع رسول اللَّه ﷺ ، ولازم النبي ﷺ حتى كان يدخل عليه ويخدمه ويلزمه، وكان صاحب وساده، وسواكه، ونعليه، وطهوره (٢)، لذا كان من أشبه الناس بالنبي ﷺ في هديه ودلّه وسمته.
وبعد وفاة رسول اللَّه ﷺ أرسله عمر بن الخطاب ابتداء إلى الشام، وشهد اليرموك، ثم سيَّره إلى الكوفة، معلمًا وواليًا على بيت المال، وكتب إلى أهلها: "أما بعد، فإني بعثت إليكم عمارًا [أي: ابن ياسر] أميرًا، وعبد اللَّه [أي: ابن مسعود] معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فاسمعوا لهما واقتدوا بهما، وإني قد آثرتكم بعبد اللَّه على نفسي أثرة" (٣)، فأقام بالكوفة معلمًا وقاضيًا، يعلمهم الحديث والتفسير والفقه، حتى تخرج علي يديه أغلب أعلام كبار التابعين كعلقمة النخعي (ت: ٦٢ هـ)، والربيع بن خثيم (ت: ٦٢ هـ)، ومسروق بن الأجدع (ت: ٦٣ هـ)، وأبي ميسرة عمرو بن شرحبيل (ت: ٦٣ هـ)، وعَبيدة السلماني الكوفي (ت: ٧٢ هـ)، ومرة بن شراحيل (ت: ٧٦ هـ)، وعمرو بن مَيْمُون (ت: ٧٤ هـ)، والأسود بن يزيد النخعي (ت: ٧٥ هـ)، وشُرَيْح القاضي (ت: ٧٨ هـ)، وغيرهم ممن اشتهر بالعلم والعمل والورع والعبادة، حتى
_________
(١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٣/ ١٥٠، تهذيب الكمال ١٦/ ١٢١، تاريخ الإسلام ٢/ ٢٠٥، سير أعلام النبلاء ١/ ٤٦١، الإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ١٩٨.
(٢) سير أعلام النبلاء ١/ ٤٦٩.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٦/ ٧.
стр. 319
قال عنهم علي بن أبي طالب حين رآهم: "أصحاب عبد اللَّه سُرُج هذه القرية" (١).
قدم ابن مسعود المدينة في آخر عمره في عهد عثمان ﵁، ومات بها عام ٣٢ هـ، ودفُن بالبقيع، وله ثلاث وستون سنة (٢).
* منزلته في العلم والتفسير:
كان ابن مسعود من أقرأ الصحابة لكتاب اللَّه، وقد أثنى عليه النبي ﷺ فقال: "من سَرَّه أن يقرأ القرآن رطبًا كما أُنزِل، فليقرأه على قراءة ابن أُم عبد" (٣). وقال عبد اللَّه بن عمرو: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد -فبدأ به- ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وسألم مولى أبي حذيفة" (٤). وقد كان من علماء الصحابة وأجلائهم، وذلك لملازمته النبي ﷺ ، قال عمر بن الخطاب حين رآه نحيفًا قصيرًا لا يكاد يُرى بين الناس: "كُنَيِّف ملئ علمًا"، وقيل لعليِّ بن أبي طالب: أخبرنا عن ابن مسعود، قال: "علم القرآن والسُّنَّة ثم انتهى"، وعن مسروق أنه قال: "انتهى علم أصحاب رسول اللَّه ﷺ إلى ستة: عمر، وعلي، وعبد اللَّه بن مسعود، وأُبَيِّ بن كعب، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى رجلين: علي، وعبد اللَّه" (٥).
أما في التفسير فقد كان ابن مسعود من أعلم الصحابة به، حتى قال عن نفسه: "واللَّه لقد أخذت من فيِّ رسول اللَّه ﷺ بضعًا وسبعين سورة، واللَّه لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب اللَّه، وما أنا بخيرهم" (٦). وفي رواية: "والذي لا إله غيره ما من كتاب اللَّه سورة إِلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إِلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب اللَّه مني، تبلغه الإبل، لركبت إليه"، قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادًّا يقول غير ذلك (٧).
_________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٦/ ١٠.
(٢) تاريخ الإسلام ٢/ ٢١٠.
(٣) أخرجه أحمد ١٥/ ٤٦٩، (٩٧٥٤).
(٤) أخرجه مسلم ٤/ ١٩١٣، ١١٦ (٢٤٦٤).
(٥) تاريخ الإسلام ٢/ ٢٠٩.
(٦) أخرجه البخاري ٦/ ١٨٦ (٥٠٠٠)، ومسلم (٢٤٦٢) (١١٤).
(٧) أخرجه مسلم (٢٤٦٣) (١١٥).
стр. 320
وقد أثنى عليه أقرانه من الصحابة، فعن أبي الأحوص قال: كنا في دار أبي موسى مع نفر من أصحاب عبد اللَّه، وهم ينظرون في مصحف، فقام عبد اللَّه، فقال أبو مسعود [الأنصاري]: "ما أعلم رسول اللَّه ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل اللَّه من هذا القائم"، فقال أبو موسى: "أما لئن قلت ذاك، لقد كان يشهد إذا غِبنا، ويُؤذن له إذا حُجبنا" (١)، وجاء نعي ابن مسعود إلى أبي الدرداء، فقال: "ما ترك بعده مثله" (٢).
وقد ترك ﵁ آثارًا تفسيرية عديدة، فكان أكثر الصحابة تفسيرًا بعد ابن عباس (٣)، بلغت في الموسوعة (٧٦١) أثرًا، تدل على سعة علمه بكتاب اللَّه.
* أسباب عدم بلوغ آثار تفسير ابن مسعود طبقة المكثرين:
عند النظر في مقدار ما أحصيناه في الموسوعة من تفسير ابن مسعود نجد أنه نزر قليل لا يبلغ المكانة التي تُعرف لابن مسعود في علم القرآن، ولعلنا نستشف أبرز أسباب ذلك فيما يلي:
١ - تقدم وفاته، فقد توفي عام ٣٢ هـ، بينما توفي ابن عباس عام ٦٨ هـ، قال ابن تيمية: "وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمّر بعده ابن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ " (٤).
٢ - عدم بث كل ما عنده من تفسير نظرًا لوجوده بين تلاميذ عرب أقحاح لا يحتاجون إلى السؤال عن كثير من الآيات كحال الصحابة (٥).
٣ - اشتغاله بالإقراء والفقه والإفتاء أكثر من التفسير، لذا تجد مرويات تلاميذه وتلاميذهم عنه في الفقه أكثر منها في التفسير (٦).
_________
(١) أخرجه مسلم (٢٤٦١) (١١٣).
(٢) تاريخ الإسلام ٢/ ٢٠٩.
(٣) ينظر: الإتقان ٤/ ٢٣٤، وقد بلغت آثاره في تفسير ابن جرير (٩٨٦) رواية بحسب إحصاء د. محمد عبد اللَّه الخضيري، ينظر. التفسير بالأثر بين ابن جرير وابن أبي حاتم ص ٩٦.
(٤) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص ٤١.
(٥) يلاحظ أن أغلب تلاميذه -وكذلك طبقتهم- من التابعين المخضرمين الذين هم أقران كثير من الصحابة، لكن فاتهم رؤية النبي ﷺ ، بخلاف تلاميذ ابن عباس فأغلبهم من الموالي غير العرب.
(٦) أما في الإقراء فمعلوم مكانة ابن مسعود فيها حتى إن كثيرًا من أسانيد القُرّاء تعود إليه، بل تجد كثيرًا من آثاره في كتب التفسير إنما هي في حكاية قراءاته. =
стр. 321
ثانيًا أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) (١)
رُفَيع بن مهران الرياحي التميمي مولاهم، من كبار التابعين المخضرمين، أدرك زمان النبي ﷺ وهو شاب، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، ورحل إلى المدينة، فلازم أُبيّ بن كعب وأخذ عنه القراءة والتفسير، كما قرأ على عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وابن عباس ﵃ أجمعين، وسمع من: عمر، وعلي، وأُبي، وأبي ذر، وابن مسعود، وعائشة، وأبي موسى، وأبي أيوب، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعدة. روى عنه قتادة، وداود بن أبي هند، والربيع بن أنس، وثابت البناني، وغيرهم.
* منزلته في العلم والتفسير:
كان ﵀ إمامًا في القراءة، بل كان أقرأ التابعين وأعلاهم سندًا، حتى قال أبو بكر بن أبي داود: "ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية" (٢)، ولا عجب في ذلك، إذا عُرف عمن تلقى القرآن، كما تقدم. وقد قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء والأعمش وغيرهما، ومن هنا نعته الذهبي فقال: "الإمام، المقرئ، الحافظ،
_________
= وأما الفقه فهو من أشهر فقهاء الصحابة، بل قال الشعبي عنه: "ما كان أحد من أصحاب النبي ﷺ أفقه من صاحبنا عبد اللَّه" -طبقات ابن سعد ٦/ ١٠ - ، وقد تخرج أشهر تلاميذه عليه في الفقه كمسروق وعلقمة فكانوا نواة مذهب أهل الكوفة في الفقه، الذين أحذ عنهم إبراهيم النخعي (ت: ٩٦ هـ) وعنه حماد بن أبي سليمان (ت: ١٢٠ هـ) الذي كان أعظم تلاميذه أبا حنيفة النعمان (ت: ١٥٠ هـ) صاحب المذهب المعروف.
وهكذا جاء تلاميذ ابن مسعود من بعده أكثر اشتغالًا في الفقه والإقراء، قال إبراهيم النخعي: "كان أصحاب عبد اللَّه الذين يقرؤون ويفتون ستة: علقمة والأسود ومسروق وعبيدة والحارث بن قيس وعمرو بن شرحبيل" -طبقات ابن سعد ٦/ ١٠ - .
(١) ينظر في ترجمته: تاريخ دمشق ١٨/ ١٥٩، تهذيب الكمال ٩/ ٢١٤، معرفة القراء الكبار ١/ ٥٠، تاريخ الإسلام ٢/ ١٢٠٢، سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٠٧، تفسير التابعين ١/ ٢٨٨.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٠٨، غاية النهاية في طبقات القراء ١/ ٢٨٥.
стр. 322
المفسر" (١).
أما التفسير فقد كان من أعلم التابعين به، أخذه مع القراءة عن أُبي بن كعب، كما روى عن أُبيّ تفسيره، بل كان عليه مدار مرويات تفسير أُبي ﵁ المنقولة والمبتوثة في كتب التفسير المسندة (٢).
كذلك أخذ التفسير عن ابن عباس ﵄ (٣)، الذي كان يدنيه ويقدِّره، قال أبو العالية: كان ابن عباس يرفعني على السرير، وقريش أسفل من السرير، فتغامزت بي قريش. فقال ابن عباس: "هكذا العلم يزيد الشريف شرفًا، ويجلس المملوك على الأسرة" (٤).
فما ظنك بمن أخذ القراءة والتفسير عن هذين العلمين من أعلام الصحابة؟! نعم لقد تخرج أبو العالية عليهما فكان علَمًا من أعلام كبار التابعين، بل هو أكثرهم تفسيرًا، لا تجد منهم مفسرًا يضاهيه في آثار التفسير أو يدانيه، وقد بلغت في موسوعة التفسير المأثور (٥٨٩) أثرًا، ولا شك أنها قليلة بجانب ما عُرف عن مكانة أبي العالية في التفسير.
* أسباب قلة الآثار المروية عن أبي العالية في التفسير (٥):
هناك أسباب عديدة، يمكننا أن نستشفها من سيرة أبي العالية وترجمته، لعل من أبرزها:
١ - قلة تصديه للفتوى ومجالس العامة وإيثاره للخفاء، وكراهيته لاجتماع الناس عليه، حتى أنه كان إذا جلس إليه أكثر من أربعة، قام، فتركهم (٦).
_________
(١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٠٧.
(٢) وهي نسخة تفسيرية مشهورة، قال السيوطي: "وأما أُبي بن كعب فعنه نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عنه، وهذا إسناد صحيح، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم منها كئيرًا، وكذا الحاكم في مستدركه، وأحمد في مسنده: الإتقان ٤/ ٢٤٠. وينظر: أسانيد نسخ التفسير ص ٨٣.
(٣) ينظر: تفسير أتباع التابعين، ١/ ٢٩١.
(٤) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٠٧، ثم عقب عليه بقوله: "هذا كان سرير دار الإمرة، لما كان ابن عباس متوليها لعلي ﵄".
(٥) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ٢٩٦.
(٦) ينظر: تهذيب الكمال ٩/ ٢١٧، سير أعلام النبلاء ٤/ ٢١٠. وهذا بخلاف الحسن البصري ﵀، وينظر مقارنة بين هذين الإمامين في: تفسير أتباع التابعين ١/ ٤٤٦ - ٤٤٨.
стр. 323
٢ - قلة الرواة عنه: فعن أبي داود قال: "ذهب علم أبي العالية، لم يكن له رواة" (١)، ومن هنا نجد أن أغلب ما روي عن أبي العالية إنما هو من طريق الربيع بن أنس، ولولا رواية الربيع عنه لما تبقى شيء يذكر من تفسير أبي العالية (٢).
٣ - تشدده في الرواية وكتابة العلم.
* وفاته:
اختلف في وفاته، فقيل: توفي عام ٩٠ هـ، وقيل: عام ٩٣ هـ (٣)، وقيل غير ذلك.
* * *
_________
(١) تهذيب الكمال ٩/ ٢١٧.
(٢) وفي المقابل يلاحظ أن هناك تشابهًا كبيرًا بين تفسير الربيع بن أنس المنسوب إليه وتفسير شيخه أبي العالية، وفي الموسوعة شواهد ذلك، خصوصًا في تفسير سورة البقرة، وستأتي مناقشة ذلك في ترجمة الربيع.
(٣) وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ٩٣ هـ.
стр. 324
ثالثًا عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) (١)
عطاء بن أبي رباح، أبو محمد بن أسلم القرشي مولاهم، المكي، كان من موَلَّدي الجَنَد من مخاليف اليمن، وذلك في خلافة عثمان. ونشأ بمكة.
روى عن عائشة، وأبي هريرة، وأسامة بن زيد، وأم سلمة، وابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم رضي. وروى عنه: عبد اللَّه بن أبي نجيح، وابن إسحاق، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والليث بن سعد، وابن جريج، وهو من أخص أصحابه به الذين رووا فقهه وتفسيره واستخرجوا علمه.
* منزلته في العلم والتفسير:
أثنى على علمه شيخُه ابن عباس فقال: "يا أهل مكة، تجتمعون عليّ وعندكم عطاء"، وقال الأوزاعي: "مات عطاء يوم مات، وهو أرضى أهل الأرض عند الناس"، وعن قتادة قال: "هؤلاء أئمة الأمصار: الحسن، وإبراهيم بالعراق، وسعيد بن المسيب، وعطاء بالحجاز". ونعته الذهبي فقال: "كان إمامًا سيدًا أسود مفلفل الشعر، من موَلَّدي الجنَد، فصيحًا، علّامةً، انتهت إليه الفتوى بمكة مع مجاهد" (٢).
أما التفسير فقد كان من أكابر تلاميذ حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس ﵄، ولكن كان من أقلهم آثارًا في التفسير، حيث بلغت في الموسوعة (٤٨١) أثرًا (٣)، ولا شك أن لذلك أسبابًا أعاقته عن بلوغ مراتب أقرانه من أكابر
_________
(١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٢/ ٣٨٦، تهذيب الكمال ٢٠/ ٦٩، تاريخ الإسلام ٢/ ٢٧٧، سير أعلام النبلاء ٥/ ٧٨، تفسير التابعين ١/ ١٨٤.
(٢) تاريخ الإسلام ٣/ ٢٧٨.
(٣) وإذا أضيف إليها ما يحتمل كونه له من الآثار التي جاءت عن عطاء مهملًا دون وجود قرائن تدل على أنه المراد، والتي بلغت في الموسوعة ٣٢٢ أثرًا فلا شك أنها ستتجاوز ٦٠٠ أثر بكثير، وذلك أن الأغلب =
стр. 325
أصحاب ابن عباس كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير في التفسير رواية ودراية، من ذلك (١):
١ - اشتغاله بالفقه والفتوى والحديث، أكثر من التفسير، خصوصًا ما يتعلق بأحكام الحج والمناسك، وهذا ما شهد به أهل العلم، قال ربيعة الرأي: "فاق عطاء أهل مكة في الفتوى" (٢)، وقال الأوزاعي وهو يعدِّد ما تميز به التابعون: "ذهب عطاء بالمناسك" (٣)، بل ورد عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قوله: "ما بقي على ظهر الأرض أحد أعلم بمناسك الحج من عطاء" (٤). والناظر في آثار تفسير عطاء يجد أن أغلبها يدور حول آيات الأحكام، لا سيما المناسك.
٢ - تحرّجه من التفسير برأيه: من ذلك ما جاء عن أقرب تلاميذه إليه وهو ابن جريج حيث قال: كنت أسأل عطاء عن كل شيء يعجبني، فلما سألته عن البقرة وآل عمران قال: "أعفني عن هذا" (٥).
٣ - عدم تصدره لمجالس العلم وقلة تلاميذه: فعن أبي بكر بن عياش أن عطاء كان لا يتكلم حتى يسأل (٦)، وعن إسماعيل بن أمية، قال: "كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم، يُخيَّل لنا أنه يُؤيَّد" (٧). وعن الأوزاعي قال: "كان عطاء أرضى الخاس عند الخاس، وما كان يشهد مجلسه إِلا سبعة أو ثمانية" (٨)،
_________
= إذا أُطلق عطاء فإنما يُراد به ابن أبي رباح، لكن وجدنا بعض الآثار التي أطلق فيها عطاء وتبين أن المراد عطاء الخراساني، مما حدا بنا إلى عزو هذه الآثار إلى عطاء مهملًا كما في الأصل. من ذلك: ما عزاه السيوطي في الدر ٨/ ٣٨٦، إلى أبي الشيخ عن عطاء في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. قال: "هم الكرامُ الكاتبون؛ حفظةٌ من اللَّه على بني آدم أمروا به". وهو موجود بنصه في تفسير عطاء الخراساني الذي أخرجه أبو جعفر الرملي في جزئه ص ١١٢، وينظر أيضًا: الدر المنثور ١١/ ١٧٣، يقابله تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩١. كذلك أيضًا: الدر المنثور ١١/ ١٨١، يقابله تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٨. ومثله في تفسير الثعلبي ١٠/ ١٣٥ يقابله في حلية الأولياء ٥/ ٢٠٠.
ومما يجدر ذكره أن ما تأكدنا منه أنه لأحدهما أثبتنا تمييزه بين معقوفين للدلالة على أنه ليس فى المصدر.
(١) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ٢٩٦.
(٢) تهذيب الكمال ٢٠/ ٧٨.
(٣) تهذيب الكمال ٢٠/ ٧٨.
(٤) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٨٦.
(٥) تهذيب الكمال ٢٠/ ١١٦.
(٦) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٧٥.
(٧) تهذيب الكمال ٢٠/ ٧٩.
(٨) تاريخ دمشق لابن عساكر ٤٠/ ٣٩١.
стр. 326
ولو لم يلازمه ابن جريج ويستثير علمه بالسؤال (١) ويروي ذلك عنه لذهب أكثر علم عطاء.
هذه أهم أسباب عدم بروز عطاء بن أبي رباح في التفسير مع أنه ﵀ طال عمره حتى توفي عام ١١٤ هـ. واللَّه أعلم.
_________
(١) والناظر في آثار عطاء يجد أن أغلبها روي من طريق ابن جريج، خصوصًا في تفسير الآيات، وكثير منها ورد مصرحًا بمبادرته لسؤال عطاء.
стр. 327
رابعًا الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ) (١)
الربيع بن أنس بن زياد البكري البصري ثم الخراساني المروزي، من بكر بن وائل من أنفسهم، وكان من أهل البصرة، ثم نزل مرو هاربًا من الحجاج، فمكث فيها إلى أن ظهرت دعوة بني العباس، فطُلب فاختفى، ثم سجنه أبو مسلم الخراساني تسعة أعوام، حتى مات في سجنه -فيما ذُكر-، وذلك في خلافة أبي جعفر المنصور عام ١٣٩ هـ، وقيل: عام ١٤٠ هـ.
سمع: أنس بن مالك، وقال ابن سعد: لقي ابن عمر، وجابرًا ﵁.
كما أخذ عن أبي العالية الرياحي، وأكثر عنه، حتى كان راويته الذي روى أغلب علمه وحفظه لمن بعده، وتقدم في ترجمة أبي العالية أن علمه ذهب لعدم وجود من يروي عنه، إِلا ما رواه الربيع.
كذلك أخذ عن الحسن البصري، وفي ذلك يقول: "اختلفت إلى الحسن عشر سنين -أو ما شاء اللَّه من ذلك- فليس من يوم إِلا وأنا أسمع منه شيئًا لم أسمعه قبل ذلك" (٢).
روى عن الربيع: سليمان التيمي، والأعمش -وهما من أقرانه-، وليث بن أَبي سليم، ومقاتل بن حيان، والحسين بن واقد، وسفيان الثوري، وأبو جعفر الرازي، وعبد اللَّه بن المبارك، وآخرون.
وكان عالم مرو في زمانه.
* مكانته في التفسير وآثاره:
قال عنه ابن خلفون: "كان عالمًا بتفسير القرآن" (٣). وقال الذهبي: "روى كثيرًا
_________
(١) تنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/ ٣٧٠، الجرح والتعديل ٣/ ٤٢، تهذيب الكمال ٩/ ٦١، إكمال تهذيب الكمال ٤/ ٣٢٩، تاريخ الإسلام ٣/ ٦٤٦، سير أعلام النبلاء ٦/ ١٧٠.
(٢) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/ ٤٢.
(٣) إكمال تهذيب الكمال ٤/ ٣٢٩.
стр. 328
من التفسير والمقاطيع" (١).
وقد أخذ التفسير عن أبي العالية فأكثر عنه كما تقدم، وروى أغلب تفسير أبي العالية، لكن الملاحظ أن كثيرًا من تفسيره الاجتهادي يكاد يطابق تفسير أبي العالية، فتجد الطبري -مثلًا- يرويه بسنده إلى الربيع موقوفًا عليه، بينما يرويها ابن أبي حاتم عن الربيع عن أبي العالية (٢). مما جعل البعض يكاد يجزم بأن جميعه عن أبي العالية وليس للربيع فيه إِلا الرواية والنقل دون الدراية والاجتهاد، ومن هنا عدَّ الربيع من الرواة وليس من المفسرين (٣)، لكن يبقى الأمر على ظاهره، والأصل أن القول يُنسب إلى قائله، حتى يصرِّح بأنه يرويه عن غيره، والعمل على ذلك عند كبار نقَلَة التفسير المأثور كابن جرير الطبري؛ الذي نسب أغلب تلك الآثار إلى الربيع (٤)، وعلى القول أنها لأبي العالية فطالما أنه تبنى تلك الآراء فهي من قوله أيضًا وتُنسب إليه. وقد حاول الثعلبي عند ذكر مصادر تفسيره التخلص من هذا الإشكال فنسب النسخة التفسيرية التي يرجع إليها من تفسيريهما إليهما معًا فقال: "تفسير أبي العالية والربيع" ثم ساق سنده إلى أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية (٥).
وقد سارت الموسوعة على نسبة التفسير إلى الربيع كما هي في المصادر، فبلغت آثار تفسيره الاجتهادية (٨٧٨) أثرًا (٦)، وهو عدد لا بأس به لكنه لا يرقى لأن يكون في الطبقات الأُوَل من مفسري السلف، مع أن الربيع طال به العمر ونزل في بيئة بِكْر يستطيع أن يبث بها علمه ويكثر، وهي مدينة مرو بخراسان، فما الأسباب التي أدت إلى ذلك؟ !
لعل من أبرز أسباب قلة تفسير الربيع بن أنس ما يلي:
_________
(١) تاريخ الإسلام ٣/ ٦٤٦.
(٢) ينظر -على سبيل المثال-: تفسير الآيات ٢٦ - ٣٣ من سورة البقرة في الموسوعة.
(٣) ينظر: تفسير التابعين ١/ ٤٤٤ - ٤٤٦.
(٤) يلاحظ أن ابن أبي حاتم الذي يروي تلك الآثار عن أبي العالية كثيرًا ما يثني بتلك الروايات عن الربيع معلقة، مما يدل على أنه يرى أيضًا نسبة الأثر إلى الربيع.
(٥) ينظر: تفسير الثعلبي، ط. دار التفسير ٢/ ٨٥ - ٨٨.
(٦) يلاحظ أن أغلبها في الربع الأول من القرآن لا سيما في سورة البقرة، ولعل سبب ذلك هو أن ابن أبي حاتم يروي أغلب تلك الآثار عن أبي العالية، ثم يعلق نحوها عن الربيع، وقد ذكر في مقدمته أن كل ما يعلقه عن الربيع في سورة البقرة فهي مسندة بسنده الذي ذكره في المقدمة. ينظر: تفسير ابن أبي حاتم ١/ ١٥، وبهذا الصنيع روى عن أبي العالية والدي ومقاتل بن حيان.
стр. 329
١ - كثرة اشتغاله بالرواية عن شيخه أبي العالية، بل اعتماده عليه في أغلب تفسيره، مما يدل على أن الربيع لم يجتهد كثيرًا في التفسير، وهو سبب كافٍ لأن يقل نتاجه التفسيري.
٢ - حصول بعض الفتن له: حيث غادر البصرة إلى خراسان هربًا من الحجاج، ولبث عدد سنين هناك، ثم سجن آخر حياته، قال أبو داود: "سجن بمرو ثلاثين سنة". قال الذهبي معقبًا على ذلك: "سجنه أبو مسلم تسعة أعوام، وتحيل ابن المبارك حتى دخل إليه، فسمع منه" (١)، وكوْن ابن المبارك لم يتمكن من الأخذ عنه إِلا بالحيلة يدل على أنه انقطع تمامًا عن طلبة العلم وعن بثِّ علمه.
٣ - عدم وجود رواة اختصوا بنقل آثاره وروايتها، إِلا ما كان من أبي جعفر الرازي (٢) الذي نقل تفسيره وتفسير شيخه أبي العالية، ويكاد أغلب ما وجد من تفسيريهما منقول من طريق نسخته (٣).
_________
(١) سير أعلام النبلاء ٦/ ١٧٠.
(٢) أبو جعفر الرازي: عيسى بن ماهان التيمي، مولاهم، مشهور بكنيته. من كبار أتباع التابعين، أصله من مرو، من قرية يقال لها برز، وهي القرية التي نزلها الربيع بن أنس أولًا، وبها سمع أبو جعفر من الربيع بن أنس، ثم تحول أبو جعفر بعد ذلك إلى الري، فمات بها في حدود عام ١٦٠ هـ، وكان يقدم بغداد والكوفة للحج فيسمعون منه، وهو صدوق سيئ الحفظ.
ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٨٠، التقريب (٨٠٧٧).
(٣) تنظر أسانيد هذه النسخة عند: الطبري وابن أبي حاتم والثعلبي في كتاب أسانيد نسخ التفسير ص ١١٠ - ١١٢.
стр. 330
خامسًا محمد بن السائب الكلبي (ت: ١٤٦ هـ) (١)
محمد بن السائب الكلبي، أبو النضر الكوفي الأخباري، مولده بالكوفة، وكذلك وفاته عام ١٤٦ هـ.
روى عن أبي صالح باذام، والشعبي وغيرهما، وعنه ابنه هشام صاحب النسب، ومحمد بن إسحاق، ومعمر بن راشد، وسفيان الثوري، وأبو بكر بن عياش، وابن المبارك، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
وهو متهم بالكذب عند المحدثين، يروي المناكير، قال الذهبي: "أجمعوا على تركه، واتهم بالأخوين: الكذب والرفض" (٢). بل نُسب إلى السبئية، وهم من غلاة الشيعة الذين يعتقدون برجعة علي بن أبي طالب ﵁، وحُكي عنه أقوال تدل على ذلك (٣)، ويبدو أنه لم يُظهر ذلك المعتقد فيما رواه أئمة نَقَلة التفسير من تفسيره الاجتهادي ولم يؤثر فيه، بل نُقل عنه ما يخالف ذلك (٤).
* مكانته في التفسير وموقف المفسرين منه:
الكلبي من أئمة التفسير روايةً ودرايةً، أثنى على تفسيره بعض معاصريه ومن بعدهم، قال ابن عدي عنه: "حدَّث عنه ثقات من الناس ورضوه في التفسير، وأما الحديث ففيه مناكير" (٥)، وقال الذهبي: "وهو آية في التفسير واسع العلم على ضعفه" (٦). لكن اتقى أهلُ العلم تفسيرَه، خصوصًا ما يرويه، فهو ذاهب الحديث كما
_________
(١) ينظر في ترجمته: الكامل في الضعفاء ٧/ ٢٨٤، تاريخ الإسلام ١٤/ ٤٤٨، تفسير أتباع التابعين ص ٤٦ - ٦١.
(٢) تاريخ الإسلام ١٤/ ٤٤٨، العبر ١/ ٣٨.
(٣) ينظر: تاريخ الإسلام ١٤/ ٤٤٨.
(٤) ينظر: تفسير أتباع التابعين، ص ٤٧.
(٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٨٤، تهذيب الكمال ٢٥/ ٢٥١.
(٦) تاريخ الإسلام ١٤/ ٤٤٨.
стр. 331
تقدم، وروايته لتفسير ابن عباس عن أبي صالح باذام من أضعف طرق تفسير ابن عباس (١).
وقد ذُكر له مصنفات في التفسير وعلومه (٢)، أشهرها كتاب التفسير الذي أثبته له أغلب مَن ترجمه، وأفاد منه الكثير من المفسرين، ووُصف بأنه كبير؛ فَسَّر جميع القرآن، قال إبراهيم الحربي: "تفسير الكلبي مثل تفسير مقاتل سواء" (٣)، وقال ابن عدي: "ليس لأحد تفسير أطول ولا أشبع منه" (٤)، قال الذهبي مُعقّبًا على ذلك: "يعني من الذين فسَّروا القرآن في المائة الثانية، ومن الذين ليس في تفسيرهم سوى قولهم" (٥)، كما وُصف بأنه يفسر السورة من أولها إلى آخرها (٦).
أما موقف أئمة نقلة التفسير المأثور من تفسير الكلبي (٧) فإن أغلبهم اتقى تفسيره على تفاوت بينهم في ذلك، فاتقاه بالكلية ابن أبي حاتم، واتقى أكثره ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) الذي لم يرو عنه إِلا مواضع قليلة، أبهم بعضها.
وأكثر المتقدمين إيراذا لتفسيره يحيى بن سلّام (ت: ٢٠٠ هـ)، وعبد الرزاق الصنعاني (ت: ٢١١ هـ)، وأكثر من أورد تفسيره روايةً ودراية من المصادر التي بين أيدينا الثعلبيُّ (ت: ٤٢٧ هـ) في تفسيره "الكشف والبيان"، وقد أورد سنده إليه في مقدمته (٨).
* عدد آثاره في الموسوعة:
مما سبق يتبين أنه لا ينبغي اطراح تفسير الكلبي بالكلية، بل يروى تفسيره الاجتهادي وآراؤه في التفسير، وينتقى منها، ويؤخذ بها إذا كانت معتمدةً على اللغة ولم تتضمن ما يُنكر، ولا يضر كونه ضعيفًا في الرواية متهمًا بالكذب، إذ المنقول
_________
(١) خصوصًا إذا روى عنه محمد بن مروان السُّدي الصغير، حتى عُرفت بسلسلة الكذب. ينظر: العجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٦٣، الإتقان ٦/ ٢٣٤٢. وقد روي عن سفيان الثوري أنه قال: "قال لنا الكلبي: ما حدثت عني عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب فلا ترووه". الجرح والتعديل ٧/ ٢٧٠.
(٢) ينظر: تفسير أتباع التابعين، ص ٤٩.
(٣) تهذيب الكمال ٢٨/ ٤٤٢.
(٤) الكامل في الضعفاء؛ تحقيق: سهيل زكار ويحيى غزَّاوي ١٦/ ١٢٠.
(٥) تاريخ الإسلام ١٤/ ٤٤٨.
(٦) الجرح والتعديل ٧/ ٢٧٠.
(٧) ينظر ذلك بالتفصيل: تفسير أتباع التابعين ص ٥١ - ٥٤.
(٨) ينظر: مقدمة الكشف والبيان، تحقيق: د. خالد بن عون العنزي ص ٣٠.
стр. 332
هو قوله واجتهاده لا قول غيره، وأغلب ما رواه أساطين أئمة التفسير المسندين عنه هو من هذا الباب (١)، قال يحيى بن سعيد القطان (ت: ١٩٨ هـ): "تساهلوا في التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث"، ثم ذكر ليث بن أبي سليم، وجويبر بن سعيد، والضحاك، ومحمد بن السائب، وقال: "هؤلاء لا يُحمد حديثهم، ويكتب التفسير عنهم" (٢).
وقد نهضت موسوعة التفسير المأثور بجمعه من خلال تتبع تفسيره الاجتهادي والنقلي من الكتب المسندة المطبوعة، فبلغ تفسيره الاجتهادي فيها (٩٠٥) آثار، وهو عدد قليل نسبيًّا إذا قورن بما وُصف به تفسرِ الكلبي، من كونه كاملًا يفسر جميع السور، ولعل من أبرز أسباب ذلك:
١ - ما اشتهر عنه من فساد في المعتقد.
٢ - تحذير أهل العلم منه.
٣ - عدم وصول مؤلفاته إلينا.
٤ - عدم اعتناء أعلام نقلة التفسير بنقل تفسيره.
٥ - روايته تفسير ابن عباس من طريق شيخه أبي صالح واختلاط ذلك بتفسيره.
_________
(١) ينظر مناقشة ذلك في: تفسير أتباع التابعين، ص ٥٨ - ٦١.
(٢) ينظر: دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٥ - ٣٧، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، برقم (١٥٨٨).
стр. 333
سادسًا مقاتل بن حيان (ت: ١٥٠ هـ) (١)
مقاتل بن حيان، أبو بسطام البلخي النبطي الخراز، مولى بكر بن وائل.
روى عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والضحاك بن مزاحم، وعكرمة، والحسن البصري، وقتادة، وغيرهم. وعنه عبد اللَّه بن المبارك، وبكير بن معروف، وإبراهيم بن أدهم، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم، وغيرهم.
وقد كان من العلماء الثقات العاملين، ذا نسك وفضل، صاحب سُنَّة، قال عنه الذهبي: "الإمام العالم المحدث، الثقة" (٢). هرب من خراسان أيام أبي مسلم الخراساني إلى بلاد كابل، فدعاهم إلى اللَّه، فأسلم على يده خلق. توفي في حدود الخمسين ومئة.
* مكانته في التفسير وآثاره:
كان ﵀ مُحدِّثا مفسرًا، واشتهر بالتفسير حتى كان يطلق عليه البعض عند ذكره: صاحب التفسير (٣)، وقال ابن حبان: "كان ممن عنى بعلم القرآن" (٤).
أخذ التفسير عن كبار مفسري التابعين، فقد روى الطبري بسنده عن الشافعي، قال: "أخبرنا أبو سعيد بن معاذ بن موسى الجعفري، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال بكير: قال مقاتل: "أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك في قول اللَّه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]. . إلخ" (٥).
_________
(١) تنظر ترجمته في: مشاهير علماء الأمصار ٢/ ١٩٥، تهذيب الكمال ٢٨/ ٤٣١، سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤٠، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٤٨، تفسير أتباع التابعين، ص ٨٨ - ٩٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤٠.
(٣) ينظر -مثلًا-: قول الخطيب البغدادي عنه عند ترجمة أخيه يزيد: تاريخ بغداد ١٤/ ٣٣٢.
(٤) مشاهير علماء الأمصار ٢/ ١٩٥.
(٥) تفسير الطبري ٩/ ٩٢.
стр. 334
وقد نقل تفسيره تلميذه بكير بن معروف (ت: ١٦٣ هـ) (١)، وأورد الثعلبي إسناده إليه في مقدمة تفسيره (٢)، مما يُثبِت وجود كتاب تفسير مستقل له؛ لكنه لم يصلنا (٣).
ونظرًا لما اشتُهر به مقاتل من علم التفسير؛ إضافة لما عُرف عنه من العلم والعمل والصدق والصلاح والفضل مع توثيق أغلب المحدثين له فقد اعتنى المفسرون المتقدمون والمتأخرون بتفسيره، وكان ابن أبي حاتم من أكثرهم عنايةً بنقله، وبهذا حفظ لمن بعده تفسير مقاتل بن حيان (٤).
وقد أحصيت تفسيره المباشر في الموسوعة فبلغ (٦٠١) تقريبًا، وهو عدد جيد نسبتا، لكن لا يرقى لبلوغ المراتب المتقدمة، ولذلك أسباب لعل من أبرزها ما يلي:
١ - عدم وصوله كتاب تفسيره إلينا.
٢ - عدم اعتناء أكثر أئمة نقلة التفسير بنقل تفسيره كثيرًا -سوى ابن أبي حاتم-، خصوصًا الطبري الذي لم يورد له إِلا بضعة آثار (٥).
٣ - أن كثيرًا من تفسير ابن أبي حاتم -الذي حفظ أغلب تفسير مقاتل- مفقود.
٤ - قِلَّة تلاميذه، حيث يكاد جميع تفسيره يُروى من طريق تلميذه بكير بن معروف (ت: ١٦٣ هـ).
_________
(١) بكير بن معروف البلخي الأزدي، ويقال: الدامغاني، كان على قضاء نيسابور، ثم سكن دمشق، قال عنه ابن حجر: صدوق فيه لين. توفي عام ١٦٣ هـ. ينظر: تهذيب الكمال ٤/ ٢٥٢، تقريب التهذيب (٧٧٦).
(٢) ينظر: مقدمة الكشف والبيان عن تفسير آي القرآن، لأبي إسحاق الثعلبي، تحقيق: د. خالد بن عون العنزي ص ٦٩.
(٣) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ٩٠.
(٤) وأغلب ما أورد ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور، من تفسير مقاتل بن حيان كان من رواية ابن أبي حاتم.
(٥) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ٩١ - ٩٢ للوقوف على مدى اعتناء نقلة التفسير المأثور بتفسيره.
стр. 335
سابعًا محمد بن إسحاق (ت: ١٥٣ هـ) (١)
محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، أبو بكر -وقيل: أبو عبد اللَّه- المطلبي، مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف ﵁، كان جده يسار من سبي عين التمر.
ولد عام ٨٠ هـ، ورحل إلى كثير من البلاد، كالكوفة، والري، ومصر، وبغداد التي أقام بها آخر حياته حتى توفي عام ١٥١ هـ، وقيل: ١٥٢ هـ، وقيل: ١٥٣ هـ (٢).
حدَّث عن كثير من التابعين، منهم: أبان بن عثمان، وسعيد المقبري، وعبد الرحمن بن هرمز، والزهري، وعمرو بن شعيب، وأبي جعفر الباقر، ومكحول، ومحمد بن المنكدر، وغيرهم. وحدّث عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، وشعبة بن الحجاج، والسفيانان، والحمادان، وغيرهم (٣)، وله مكانة عظيمة عند أهل الحديث، نظرًا لسعة روايته وكثرة مَنْ روى عنه، حتى قال عنه شيخه الزهري (ت: ١٢٤ هـ): "لا يزال بالمدينة علم ما بقي هذا" (٤). قال عنه الذهبي: "هو أوَّل من دوَّن العلم بالمدينة، وذلك قبل مالك وذَوِيه، وكان في العلم بحرًا عجاجًا" (٥).
وقد كان واسع العلم، متفننًا، لا سيَّما في السِّيَر والمغازي، فهو أول من جمعها (٦)، وقال الشافعي: "من أراد أن يتبحر في المغازي، فهو عيال على محمد بن إسحاق" (٧)، ومن أشهر مصنفاته كتابه (المغازي) الذي جعله في ثلاثة أقسام:
_________
(١) تنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٢١ - ٣٢٢، تاريخ بغداد ١/ ٢٣١، سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤، تهذيب التهذيب ٩/ ٣٨ - ٤٦، تفسير أتباع التابعين ص ١٠٩ - ١٢١.
(٢) سير أعلام النبلاء ٧/ ٤٢. وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام ١٥٣ هـ.
(٣) تاريخ بغداد ١/ ٢٣١، سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤.
(٤) الجرح والتعديل ٧/ ١٩١.
(٥) سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٦.
(٦) المرجع السابق ٧/ ٣٦.
(٧) المرجع السابق ٧/ ٣٦.
стр. 336
المبتدأ، والمبعث، والمغازي، وقد هذَّبه عبد الملك بن هشام (ت: ٢١٨ هـ) (١) في كتابه الذي اشتهر بـ "سيرة ابن هشام".
أما منزلته في الرواية فقد تضاربت أقوال أهل العلم في توثيقه، فمنهم من وثَّقه وحسَّن حديثه، ومنهم من ضعَّفه، قال الذهبي بعد ذكر من جرَّحه: "وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأشياء، منها: تشيُّعه، ونُسِب إلى القَدَر، ويُدلِّس في حديثه، فأما الصدق، فليس بمدفوع عنه" (٢).
* مكانته في التفسير وآثاره وموقف المفسرين منه (٣):
لم أقف في ترجمة ابن إسحاق على أنه تصدّر للتفسير أو صنَّف فيه، وإنما عُرف عنه الرواية في الحديث، والتوسع في القصص والأخبار والسيرة، أما ما نُقل عنه من تفسير فمما فسّره من الآيات المتعلقة بالقصص والمغازي والسيرة في كتابه عن السيرة، حيث كان يعقب سرد أحداث السيرة بتفسير الآيات المتعلقة بها ويربطها بمعاني القرآن روايةً ودرايةً، ومن ثم كان أغلب آثار تفسيره تدور حول الآيات المتعلقة بالمبدأ والسيرة والمغازي وقصص القرآن -ومن ضمنها الإسرائيليات التي أخذت مساحة واسعة من مرويات تفسيره-، أما ما سوى ذلك فقليل جدًّا (٤).
وقد أورد الثعلبي كتابه "المغازي" ضمن مصادره في التفسير (٥)، كما نقل آثاره في التفسير كثيرٌ من أئمة المفسرين، كابن جرير الطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ومن المتأخرين ابن كثير، والسيوطي في الدر المنثور، رواية، ودراية (٦).
وقد بلغت آثار تفسيره الاجتهادي في الموسوعة (٨٠٦) آثار كلها -إِلا ما ندر- في الموضوعات السابقة.
_________
(١) عبد الملك بن هشام بن أيوب، أبو محمد الذهلي، وقيل: الحميري، النحوي، الأخباري، البصري نزيل مصر، قال الذهبي: "هذَّب السيرة النبوية، وسمعها من زياد البكائي صاحب ابن إسحاق"، توفي عام ٢١٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٢٨.
(٢) سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٩.
(٣) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ١١٢ - ١١٤.
(٤) وهو يُعنى عند تفسير تلك الآيات بأسباب النزول، وتعيين من نزلت فيهم الآيات عناية بالغة، نظرًا لأهميتها في السيرة، إضافة إلى بيان الغريب عند توضيح معنى تلك الآيات. ينظر تفصيل ذلك في: تفسير أتباع التابعين ص ١١٦ - ١٢١.
(٥) ينظر: مقدمة الكشف والبيان عن تفسير القرآن ص ١٤٥ - ١٤٩.
(٦) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ١١٢ - ١١٤.
стр. 337
ولعل أبرز أسباب عدم بلوغه المرتبة المتقدمة في التفسير ما يلي:
١ - أنه لم يتصدر للتفسير، ولم يرد ذلك عنه عند مترجميه.
٢ - أنه لم يصنِّف في التفسير، إِلا ما جاء في مغازيه.
٣ - أنه لم يفسِّر القرآن كاملًا (١).
٤ - انشغاله بالرواية في التفسير -وفي غيره- أكثر من الاجتهاد.
* * *
_________
(١) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ١١٤. وفيه بعد ذكر ما سبق: "وعليه فإن الحكم بأنه من المفسرين فيه تجوّز، وإنما اندرج ضمن مفسري أتباع التابعين لأن أئمة المفسرين نقلوا ما جاء في سيرته من الآيات التي فسَّرها، والمرويات التي لها علاقة بتلك الآيات، والأقرب أن يوصف بأنه مشارك في التفسير".
стр. 338
خاتمة الفصل الأول
لعله يحسن أن نختم هذا الفصل بجدول يوضح الترتيب العددي للمكثرين في التفسير من السلف بحسب إحصاء آثارهم في الموسوعة، مع تفصيل عن آثار كل منهم في كل ربع من القرآن:
طبقات المكثرين م المفسر الفاتحة - الأنعام الأعراف - الكهف مريم - فاطر يس - الناس المجموع الطبقة الأولى ١ مقاتل بن سليمان ٢٤٠٠ ٢٦٨٣ ٢٣٦٨ ٢٧٧٧ ١٠٢٢٨ ٢ عبد اللَّه بن عباس ٢٥٥١ ٢٠٩١ ١٧٤٠ ٢٥٤٠ ٨٩٢٢ ٣ قتادة بن دعامة ١٤١٩ ١٣١٩ ١٣٥٩ ١٦٢٩ ٥٧٢٦ ٤ مجاهد بن جبر ١٣٠٨ ١١٨٢ ١٠١٧ ١٢٣٧ ٤٧٤٤ الطبقة الثانية ٥ الحسن البصرى ١٠٥٩ ٧١٦ ٦٦٨ ٨٢٩ ٣٢٧٢ ٦ إسماعيل السُّدِّي ١٠٧٣ ٨١٦ ٧٦١ ٥٢٨ ٣١٧٨ ٧ يحيى بن سلَّام ٥٢ ٦٢٨ ١٧٠٢ ٢٤٦ ٢٦٢٨ ٨ عبد الرحمن بن زيد ٥٣٦ ٤٤٩ ٤٨٣ ٧٤١ ٢٢٠٩ ٩ الضحاك بن مزاحم ٦٢٦ ٥٢٠ ٣٧٨ ٦١٩ ٢١٤٣ الطبقة الثالثة ١٠ سعيد بن جبير ٦٩٧ ٣٨٨ ٣٥٢ ٢٩٨ ١٧٣٥ ١١ عكرمة مولى ابن عباس ٤٠٦ ٢٦٤ ٢٩٢ ٤٢٠ ١٣٨٢ ١٢ عبد الملك بن جريج ٣٠١ ٢٢٥ ٢٦٣ ٢٢٦ ١٠١٥ الطبقة الرابعة ١٣ محمد بن السائب الكلبي ٢٤٥ ١٧٨ ٢١٩ ٢٦٣ ٩٠٥ ١٤ الربيع بن أنس ٦١٠ ١١٣ ٥٩ ٩٦ ٨٧٨ ١٥ محمد بن إسحاق ٣٣١ ٣١٤ ١١٨ ٤٣ ٨٠٦ ١٦ عبد اللَّه بن مسعود ٢٧٨ ١٢٩ ١٢٢ ٢٣٢ ٧٦١ ١٧ مقاتل بن حيان ٣٩٠ ٧٠ ٨١ ٦٠ ٦٠١ ١٨ أبو العالية ٣٥٢ ٧٠ ٧٦ ٩١ ٥٨٩ ١٩ عطاء بن أبي رباح ٣١٦ ٦٠ ٦١ ٤٤ ٤٨١
стр. 339
الفصل الثاني المُقلُّون من مفسري السلف
أولًا: من تجاوزت آثاره ٤٠٠ ولم تبلغ ٥٠٠ أثر.
ثانيًا: من تجاوزت آثاره ٣٠٠ ولم تبلغ ٤٠٠ أثر.
ثالثًا: من تجاوزت آثاره ٢٠٠ ولم تبلغ ٣٠٠ أثر.
رابعًا: من تجاوزت آثاره ١٠٠ ولم تبلغ ٢٠٠ أثر.
стр. 340
توطئة
أردت بالمُقلّين من مفسري السلف مَن تجاوزت آثار تفسيرهم ١٠٥ أثر ولم يبلغوا ٥٠٠ أثر، وذلك من خلال إحصاءات الموسوعة، ونظرًا لتفاوت ما بينهم فقد سلكتهم في أربع طبقات:
أولًا: من تجاوزت آثاره ٤٠٠ ولم تبلغ ٥٠٠ أثر:
من الصحابة: علي بن أبي طالب ﵁ (ت: ٤٠ هـ).
من التابعين: النخعي (ت: ٩٦ هـ)، والشعبى (ت: ١٠٦ هـ)، ومحمد بن كعب (ت: ١١٧ هـ).
من أتباعهم: سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ).
ثانيًا: من تجاوزت آثاره ٣٠٠ ولم تبلغ ٤٠٥ أثر:
من التابعين: عطاء الخراساني (ت: ١٣٥ هـ).
ثالثًا: من تجاوزت آثاره ٢٠٠ ولم تبلغ ٣٠٠ أثر:
من الصحابة: عبد اللَّه بن عمر ﵄ (ت: ٧٢ هـ).
من التابعين: أبو مالك الغفاري، ووهب بن منبه (ت: ١١٤ هـ)، والزهري (ت: ١٢٤ هـ)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ).
من أتباعهم: سفيان بن عيينة (ت: ١٩٨ هـ).
رابعًا: من تجاوزت آثاره ١٠٠ ولم تبلغ ٢٠٠ أثر:
من الصحابة: عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ)، وأُبيّ بن كعب (ت: ١٩ هـ)، وعائشة بنت الصديق (ت: ٥٧ هـ)، وأبو هريرة (ت: ٥٧ هـ) ﵃.
من التابعين: كعب الأحبار (ت: ٣٢ هـ)، وسعيد بن المسيب (ت: ٩٣ هـ)، وطاووس بن كيسان (ت: ١٠٦ هـ).
من أتباعهم: مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ).
وفيما يلي تعريف موجز بكل منهم مع بيان مختصر لأبرز الأسباب التي أدت إلى قلة آثاره في التفسير مرتبتين بحسب وفياتهم.
стр. 341
أولًا من تجاوزت آثاره ٤٠٠ ولم تبلغ ٥٠٠ أثر
١ - علي بن أبي طالب ﵁ (ت: ٤٠ هـ) (١)
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أمير المؤمنين، أبو الحسن القرشي الهاشمي، ابن عم رسول اللَّه ﷺ ، وزوج ابنته فاطمة، ومن أوائل السابقين إلى الإسلام، ورابع الخلفاء الراشدين، شهد المشاهد كلها مع الرسول ﷺ إِلا تبوك، فإن رسول اللَّه ﷺ خلفه على أهله.
* منزلته في العلم ومكانته في التفسير وآثاره:
نشأ ﵁ في بيت النبوة حيث ضمه النبي ﷺ إليه قبل البعثة تخفيفًا على عمه أبي طالب الذي كان قليل المال، ولما بُعث الرسول ﷺ كان من أول من صدق به، ولا شك أن لذلك أثرًا في تضلعه في العلم، فقد "روى الكثير عن النبي ﷺ ، وعرض عليه القرآن وأقرأه" (٢)، فكان ﵁ من كبار مقرئي الصحابة الذين تدور عليهم أسانيد القراء، ونشأ ﵁ "بحرًا في العلم، قوي الحُجَّة، سليم الاستنباط، أُوتِيَ الحظ الأوفر من الفصاحة والخطابة والشعر" (٣)، روى علقمة عن ابن مسعود قال: "كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة عليّ بن أبي طالب" (٤). وقد "جمع عليّ ﵁ إلى مهارته في القضاء والفتوى، علمه بكتاب اللَّه، وفهمه لأسراره وخفي معانيه، فكان أعلم الصحابة بمواقع التنزيل ومعرفة التأويل" (٥)، فعن أبي الطفيل قال: شهدت عليًّا
_________
(١) تنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٦/ ١٢، تاريخ الإسلام ٢/ ٣٥١. التفسير والمفسرون ١/ ٦٧.
(٢) تاريخ الإسلام ٢/ ٣٥١.
(٣) التفسير والمفسرون ١/ ٦٧، بتصرف يسير.
(٤) الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢/ ٣٣٨.
(٥) التفسير والمفسرون ١/ ٦٧.
стр. 342
يخطب وهو يقول: "سلوني فواللَّه لا تسألوني عن شيء إِلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب اللَّه فواللَّه ما من آية إِلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل" (١)، وعن ابن مسعود قال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إِلا له ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن" (٢).
وقد تفرغ ﵁ للقضاء والفتيا والإقراء والتعليم في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، وكذلك التفسير، فكان أكثر الخلفاء الراشدين تفسيرًا، وقرأ عليه كثير من الصحابة والتابعين، كما أخذ عنه التفسيرَ الكثيرُ منهم، يأتي على رأسهم حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس ﵄، فقد جاء عنه أنه قال: "ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي" (٣)، قال ابن عطية: "فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب ويتلوه ابن عباس ﵄" (٤).
ومع ما ذكر من مكانة عظيمة لعلي ﵁ في علم القرآن إِلا أنه لم يرد عنه في دواوين تفاسير أهل السُّنَة إِلا القليل من آثار التفسير، بلغت في هذه الموسوعة (٤٤٨) أثرًا، ولعل أبرز أسباب ذلك فيما يلي:
١ - انشغاله بالفقه والفتيا والقضاء والإقراء أكثر منه في التفسير.
٢ - انشغاله بعد توليه الخلافة بأعبائها والفتن التي صاحبتها.
٣ - وجوده قبل الخلافة في المدينة، وهو وسط علمي متين لا يحتاج كثير منهم إلى السؤال مقارنة بالأمصار المفتوحة كالبصرة والكوفة، التي يحتاج أهلها إلى التعلم خصوصًا أن أكثرهم من غير العرب.
٤ - تقدم وفاته نسبيًّا مقارنة بابن عباس ﵄.
٥ - ما ذكره د. محمد حسين الذهبي حين قال: "كثرت الرواية في التفسير عن عليّ ﵁، كثرة جاوزت الحد، الأمر الذى لفت أنظار العلماء النُقَّاد، وجعلهم يتتبعون الرواية عنه بالبحث والتحقيق، ليميزوا ما صح من غيره، وما صح عن علي في التفسير قليل بالنسبة لما وُضِع عليه، ويرجع ذلك إلى غُلاة الشيعة، الذين أسرفوا في حبه فاختلقوا عليه ما هو بريء منه، إما ترويجًا لمذهبهم وتدعيمًا له، وإما لظنهم
_________
(١) الإتقان في علوم القرآن ٤/ ٢٣٣، وينظر: تاريخ الإسلام ٢/ ٣٥١.
(٢) حلية الأولياء ١/ ٦٥.
(٣) تفسير ابن عطية ١/ ٤١.
(٤) تفسير ابن عطية ١/ ٤١.
стр. 343
الفاسد أن الإغراق في نسبة الأقوال العلمية إليه يُعلي من قدره، ويرفع من شأنه العلمي. وأظن أن ما نُسب إلى علي من قوله: "لو شئتُ أن أُوْقِرَ سبعين بعيرًا من تفسير أم القرآن لفعلت" لا أصل له، اللَّهُمَّ إِلا في أوهام الشيعة، الذين يغالون في حبه، ويتجاوزون الحد في مدحه. ثم هناك ناحية أخرى أغرت الوُضَّاع بالكذب عليه، تلك الناحية هي نسبته إلى بيت النبوة، ولا شك أن هذه الناحية، تُكسب الموضوع قبولًا، وتعطيه رواجًا وذيوعًا على ألسن الناس، والحق أن كثرة الوضع على عليٍّ ﵁ أفسدت الكثير من علمه، ومن أجل ذلك لم يعتمد أصحاب الصحيح فيما يروونه عنه إِلا على ما كان من طريق الأثبات من أهل بيته، أو من أصحاب ابن مسعود، كعبيدة السلماني وشُريح، وغيرهما" (١).
٢ - إبراهيم النخعي (ت: ٩٦ هـ) (٢)
إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو النخعي، أبو عمران الكوفي، فقيه أهل الكوفة، أمه مليكة بنت يزيد أخت الأسود بن يزيد النخعي. توفي سنة ٩٦ هـ (٣).
أخذ القراءة عرضًا عن علقمة، والأسود، وقرأ عليه: الأعمش، وطلحة بن مصرف.
ولم يُحدِّث عن أحد من الصحابة مع أنه أدرك جماعة منهم. قال الذهبي: "ولم نجد له سماعًا من الصحابة المتأخرين الذين كانوا معه بالكوفة كالبراء، وأبي جحيفة، وعمرو بن حريث. وقد دخل على أم المؤمنين عائشة وهو صبي، ولم يثبت له منها سماع، على أن روايته عنها في كتب أبي داود، والنسائي، والقزويني، فأهل الصنعة يَعُدُّون ذلك غير متصل، مع عدِّهم كلهم لإبراهيم في التابعين، ولكنه ليس من كبارهم" (٤). قال الشعبي لما بلغه موته: "ما خلف بعده مثله" (٥). وقال الذهبي: "وكان بصيرًا بعلم ابن مسعود، واسع الرواية، فقيه النفس، كبير الشأن، كثير
_________
(١) التفسير والمفسرون ١/ ٦٨. كذا ذكر ﵀ هذه العلة، ولم يعز ذلك إلى أحد من المتقدمين، وقد بحثت عما ذكر بأنه "كثرت الرواية في التفسير عن عليّ ﵁، كثرة جاوزت الحد، الأمر الذي لفت أنظار العلماء النُقَّاد، وجعلهم يتتبعون الرواية عنه بالبحث والتحقيق، ليميزوا ما صح من غيره" فلم أقف على من ذكر ذلك، واللَّه أعلم.
(٢) تنظر ترجمته: طبقات ابن سعد ٦/ ٢٧١، حلية الأولياء ٤/ ٢١٩، تهذيب الكمال ٢/ ٢٣٣، تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٥٢، سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٢٠، تهذيب التهذيب ١/ ١٧٧، تفسير التابعين ١/ ٣٣١.
(٣) تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٥٢.
(٤) سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٢٠.
(٥) تذكرة الحفاظ ١/ ٥٩.
стр. 344
المحاسن -رحمه اللَّه تعالى-" (١).
* مكانته في التفسير وآثاره:
لم يتعرض إبراهيم النخعي للتفسير كثيرًا، لذا قلَّ عنه ما ورد من آثار في التفسير، فقد بلغت في الموسوعة (٤٦٧) أثرًا، وهو عدد قليل مقارنة بما عُرف عنه من علم، ومن تلاميذ كُثُر، احتفوا به وحفظوا علمه ونشروه، حتى قال له الشعبي يومًا: "أما إني أفقه منك حيًّا، وأنت أفقه مني ميتًا، وذاك أن لك أصحابًا يلزمونك، فيحيون علمك" (٢). ولعل من أبرز أسباب قلة تفسيره ما يلي (٣):
١ - انشغاله بالفقه والأحكام: فقد اعتنى بالفقه عناية كبيرة، حتى صار فقيه الكوفة ومفتيها في زمنه، وقد كان واسع الاجتهاد دقيق الاستنباط والقياس، بل يمكن القول: إنه مؤسس قواعد مدرسة الرأي بالعراق التي أخرجت أبا حنيفة -تلميذ حماد بن أبي سليمان تلميذ إبراهيم- صاحب المذهب الفقهي المشهور. ومن هنا نجد أن كثيرًا من المروي عنه في التفسير إنما كان في تفسير آيات الأحكام.
٢ - تورعه عن التفسير والقول في القرآن: وهذا مسلك مشهور عنه -وعن كبار طبقة التابعين من أهل الكوفة- قال ﵀: "كان أصحابنا يكرهون تفسير القرآن ويهابونه" (٤). ولا شك في أثر مسلك أصحابه عليه، لا سيما أنه لم يأخذ عن غيرهم كما هو معلوم.
٣ - إيثاره الخمول والتخفي وكراهيته للشهرة: قال عنه الذهبي: "وكان يتوقى الشهرة، ولا يجلس إلى الأسطوانة". . . وجاء من وجوه عن إبراهيم أنه كان لا يتكلم في العلم إِلا أن يُسأل (٥)، ثم تضاعف ذلك الأمر باختفائه عن أعين الناس متواريًا من الحجاج.
٤ - قِصَر عمره وتقدم وفاته: حيث توفي عام ٩٦ هـ وله تسع وأربعون (٦)، وهو عمر قصير مقارنة بأقرانه من مشاهير مفسري صغار التابعين كقتادة (ت: ١١٧ هـ)، والسُّدِّي (ت: ١٢٧ هـ)، أو الطبقة الوسطى منهم الذين جاوزوا الثمانين كمجاهد (ت: ١٠٢ هـ)، وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ)، والضحاك (ت: ١٠٥ هـ)، والحسن البصري (ت: ١١٠ هـ)، وغيرهم.
_________
(١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٢٠.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٢٦.
(٣) ينظر: تفسير التابعين ١/ ٣٣٣ - ٣٤٠.
(٤) حلية الأولياء ٤/ ٢٢٢.
(٥) تذكرة الحفاظ ١/ ٥٩.
(٦) تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٥٢.
стр. 345
٣ - عامر الشعبي (ت: ١٠٥ هـ) (١)
عامر بن شراحيل الشعبي، أبو عمرو الكوفي. ولد لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب، على المشهور. توفي سنة أربع ومائة، وله اثنتان وثمانون سنة. وقيل: سنة خمس ومائة. وقيل: في أول سنة ست ومائة، وقيل غير ذلك (٢). وهو معدود في الطبقة الوسطى من التابعين.
وقد أدرك خمسمائة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أو أكثر. فروى عن: علي بن أبي طالب ﵁ يسيرًا، وعن المغيرة بن شعبة، وعمران بن حصين، وعائشة، وأبي هريرة، وجرير البجلي، وعدي بن حاتم، وابن عباس ﵃، كما أخذ عن كبار التابعين، كعلقمة ومسروق.
قرأ القرآن على علقمة، وأبي عبد الرحمن السلمي. وقرأ عليه: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد كان ﵀ حافظًا واعيًا، قال ابن شبرمة: سمعت الشعبي يقول: "ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته، ولا أحببت أن يُعيده عَلَيّ". كما كان عالمًا بالسيرة والمغازي، حتى قيل إن ابن عمر مر عليه وهو يحدث بالمغازي فقال: "لقد شهدت القوم، فلهو أحفظ لها، وأعلم بها"، كما كان رحمه علَّامة باللغة راوية للشعر، فعن محمد بن فضيل عنه أنه قال: "ما أروي شيئًا أقل من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهرًا لا أعيد".
وبلغ من مكانته العلمية أنه كان يُلقي العلم والصحابة متوافرون، فعن ابن سيرين، قال: "قدمت الكوفة وللشعبي حلقة عظيمة، والصحابة يومئذ كثير".
وقد أثنى على علمه معاصروه ومَن بعدهم، فقال عنه الحسن البصري حين نعاه: "كان واللَّه كبير العلم، عظيم الحلم، قديم السلم، من الإسلام بمكان"، وعن مكحول قال: "ما رأيت أفقه من الشعبي"، وقال سفيان بن عيينة: "كان الناس بعد أصحاب رسول اللَّه ﷺ : ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه"، ووصفه الذهبي فقال: "كان إمامًا حافظًا فقيهًا متفنِّنًا ثبتًا متقنًا" (٣).
_________
(١) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد ٦/ ٢٤٦، تهذيب الكمال ١٤/ ٢٨، تذكرة الحفاظ ١/ ٦٦، تاريخ الإسلام ٣/ ٧٠، سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٩٤، تفسير التابعين ١/ ٣١٦.
(٢) وقد اعتمدت الموسوعة تاريخ وفاته عام ١٠٥ هـ.
(٣) تذكرة الحفاظ ١/ ٦٣.
стр. 346
* مكانته في التفسير وآثاره:
ما بلغه الشعبي من العلم والحفظ والرواية والفقه والمعرفة بالمغازي واللغة والشعر يؤهله لأن يكون مفسرًا عَلَمًا، بل هو كذلك فقد قال: "واللَّه ما من آية إلا قد سأَلتُ عنها" (١)؛ إلا أن ما رُوي عنه من آثار في تفسير القرآن كان قليلًا، بلغت في الموسوعة (٤١٠) آثار فقط، ولعل من أبرز أسباب قلة نتاجه التفسيري ما يلي (٢):
١ - تورعه عن كثرة الفتيا والتحديث عامة وعن التفسير خاصة، فقد كان يكره السؤال، وكثيرًا ما يُسأل فيقول: لا أدري، بل كان ينكر على من يكثر من التحديث. هذا في العلم عامة، وهو كذلك في التفسير، فقد كان يتهيَّب القول فيه مع علمه به، قال ﵀: "واللَّه ما من آية إلا قد سأَلتُ عنها، ولكنها الرواية عن اللَّه" (٣). وجاء عنه قوله: "ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح، والرأي" (٤). بل كان ينكر على من يكثر من تفسير القرآن، ويصفه بأنه ليس أهلًا لذلك؛ ومن ذلك إنكاره على أبي صالح باذام، والسدي (٥).
٢ - انشغاله برواية الحديث والسنن، ثم الفقه والأحكام: فقد كان حافظ زمانه وأعلمهم بالسنن، شهد له بذلك معاصروه ومن بعدهم، فعن عاصم بن سليمان قال: "ما رأيت أحدًا أعلم بحديث أهل الكوفة والبصرة والحجاز والآفاق من الشعبي" (٦)، كذلك كانت له عناية عظيمة بالأحكام الفقهية لكن من خلال الآثار والسنن، لذا تجد كثيرًا من آثاره في التفسير متعلقة بآيات الأحكام.
٣ - ما تعرض له من الفتن: حيث هرب من المختار الثقفي -أيام استيلائه على الكوفة عام ٦٥ هـ- إلى المدينة: "وهناك روى عن ابن عمر ﵄، وتعلم الفرائض عن الحارث الأعور" (٧)، ثم شارك في فتنة ابن الأشعث حين خرج على الحجاج الثقفي عام ٨١ هـ، ولما قضى الحجاج عليها هرب الشعبي إلى خراسان مجاهدًا في جيش قتيبة بن مسلم، وهناك قُبض عليه وسُيِّر إلى الحجاج، لكن شاء اللَّه أن ينجو من سيف الحجاج بحسن اعتذاره، فعفا الحجاج عنه.
_________
(١) تفسير الطبري ١/ ٨١.
(٢) ينظر: تفسير التابعين ١/ ٣١٧.
(٣) تفسير الطبري ١/ ٨١.
(٤) تفسير الطبري ١/ ٨١.
(٥) ينظر: تفسير الطبري ١/ ٨١، تهذيب الكمال ٣/ ١٣٦.
(٦) سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٠٢.
(٧) تذكرة الحفاظ ١/ ٦٣.
стр. 347
٤ - محمد بن كعب القرظي المدني (ت: ١١٧ هـ) (١)
محمد بن كعب بن حيان بن سليم، بن أسد القرظي، أبو حمزة -وقيل: أبو عبد اللَّه- المدني، من قبيلة بني قريظة اليهودية، وكان أبوه من سبيهم، ممن لم ينجت يوم قريظة فترك، سكن الكوفة، حيث ولد محمد، وذلك في آخر خلافة عليّ ﵁ سنة أربعين، ثم تحول إلى المدينة فسكنها فكان محمد في عداد تابعي أهل المدينة، في الطبقة الوسطى منهم، واختلف في وفاته كثيرًا فقيل: عام ١٠٨ هـ، وقيل: ١١٧ هـ، وقيل: ١١٨ هـ، وقيل: ١١٩ هـ، وقيل: ١٢٠ هـ (٢)، وهو في حدود الثمانين من عمره.
سمع بعض الصحابة وروى عنهم، كجابر بن عبد اللَّه، وابن عباس، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وغيرهم ﵃. وحدث عنه جماعة، منهم: الحكم بن عتيبة، وزياد بن محمد الأنصاري، ومحمد بن المنكدر، وزيد بن أسلم، وأبو صخر الخراط، وموسى بن عبيدة الرَّبَذي، وأبو معشر المدني.
وكان ممّن جمع بين العِلْم والعمل. قال ابن سعد: "كان ثقة، عالمًا، كثير الحديث، ورعًا". وقال ابن حبان: "كان من أفاضل أهل المدينة علمًا وفقهًا".
* مكانته في التفسير وآثاره:
قال عون بن عبد اللَّه: "ما رأيت أحدًا أعلم بتأويل القرآن من القرظي"، وقال العجلي: "مدني، تابعي، ثقة، رجل صالح، عالم بالقرآن"، وقال عنه ابن حبان: "من عُبّاد أهل المدينة وعلمائهم بالقرآن" (٣)، وقال الذهبي: "كان من أئمة التفسير" (٤)، وقد كان ﵀ ممن يقف مع آيات القرآن ويكثر من التدبر والتأمل فيها، وفي ذلك يقول: "عجائب القرآن توردني على أمور حتى إنه لينقضي الليل ولم أفرغ من حاجتي" (٥)، وقال ﵀: "لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ "إذا زلزلت"،
_________
(١) تنظر ترجمته: التاريخ الكبير ١/ ٢١٦، مشاهير علماء الأمصار ص ١٠٧، حلية الأولياء ٣/ ٢١٢، تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٤٦، سير أعلام النبلاء ٥/ ٦٧. تاريخ الإسلام ٣/ ١٦٢.
(٢) وقد اعتمدت الموسوعة تاريخ وفاته عام ١١٧ هـ.
(٣) تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٤٦.
(٤) سير أعلام النبلاء ٥/ ٦٧.
(٥) تاريخ الإسلام ٣/ ١٦٢.
стр. 348
و"القارعة"، وأتردد وأتفكر، أحب إلَيّ من أن أهذَّ القرآن ليلتي هذًّا، أو قال: أنثره نثرًا" (١).
وقد بلغت آثاره في الموسوعة (٤١٩) أثرًا تفسيريًّا، وهو بهذا أكثر تابعي أهل المدينة تفسيرًا بحسب ما جاء في الموسوعة، لكنه عدد قليل نسبيًّا مقارنة بغيره من كبار مفسري التابعين، وبما عُرف عنه من علمه بالقرآن، ولعل من أبرز أسباب قِلَّتها ما يلي:
١ - شدة ورعه، لذا لم يشتهر عنه التصدر لإلقاء التفسير. وإنما كان أكثر ما يقص ويعظ في المسجد، وكان معه قوم أمثاله يجلسون يتذاكرون القرآن. قال محمد بن فضيل البزاز: "كان لمحمد بنِ كعب جلساء كانوا من أعلم الناس بتفسير القرآن، وكانوا مجتمعين في مسجد الرَّبَذَة، فأصابتهم زلزلة، فسقط عليهم المسجد، فماتوا جميعًا تحته" (٢).
٢ - ما عرف عن أقرانه التابعين المدنيين من تهيُّب الخوض في التفسير (٣)؛ ربما كان لذلك أثر عليه في عدم توسعه في التفسير في ذلك الوسط العلمي.
٣ - إقامته في المدينة النبوية، مهد السنن والآثار، وهو مجتمع علمي متين ورث الآثار والرواية، أغناهم ذلك عن الاجتهاد والرأي، ولا يحتاج كثير منهم إلى السؤال عن النوازل والحوادث مقارنة بالأمصار المفتوحة كالبصرة والكوفة التي احتاج أهلها إلى التعلم خصوصًا أن أكثرهم من غير العرب.
٤ - قلة تلاميذه: فلم تذكر المصادر إلا القليل من طلابه، وأكثرهم غير مشهور في التفسير.
٥ - سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) (٤)
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد اللَّه الكوفي، من كبار أتباع التابعين، ولد بالكوفة عام ٩٧ هـ، وتوفي بالبصرة عام ١٦١ هـ.
_________
(١) تاريخ الإسلام ٣/ ١٦٢.
(٢) تاريخ الإسلام ٣/ ١٦٢.
(٣) فعن عبيد اللَّه بن عمر، قال: "لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد اللَّه، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع". تاريخ الإسلام ٣/ ١٦٢.
(٤) ينظر في ترجمته: تهذيب الكمال ١١/ ١٥٣، سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٢٩. تاريخ الإسلام ٣/ ١٦٢، مقدمة تحقيق تفسير سفيان الثوري، تفسير أتباع التابعين ص ١٢٤ - ١٣٢.
стр. 349
وهو معدود ضمن كبار أتباع التابعين، فقد حدّث عن عشرات التابعين ومعاصريهم، كأبيه، وأبي إسحاق السبيعي، ومحمد بن المنكدر، وأبي الزناد، وسليمان التيمي، وزيد بن أسلم، وحميد الطويل، وحبيب بن أبي ثابت، وإسماعيل السُّدِّيّ، وأيوب السختياني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم. وعنه ابن جريج، والأوزاعي، وشعبة بن الحجاج، وعبد اللَّه بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي، ومِهران بن أبي عمر العطار، وعبد الرزاق الصنعاني، ومحمد بن يوسف الفريابي، وغيرهم (١).
وقد كان ﵀ من كبار علماء زمانه، بل فَاقَهُم في الحفظ والحديث والفقه والزهد، قال الذهبي: "كان سفيان رأسًا في الزهد، والتَّألُّه، والخوف، رأسًا في الحفظ، رأسًا في معرفة الآثار، رأسًا في الفقه، لا يخاف في اللَّه لومة لائم، من أئمة الدين" (٢). وعُدَّ ﵀ من المصنفين المكثرين في العلماء المتقدمين، ومما ذُكِر من تصانيفه: "الجامع الكبير في الفقه والاختلاف"، "الجامع الصغير"، كتاب "الفرائض"، كتاب "التفسير" (٣).
* مكانته في التفسير وآثاره:
يُعدّ سفيان الثوري من أكابر مفسري عصره، قال عبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١ هـ): "سمعت سفيان يقول: سلوني عن علم القرآن والمناسك فإني عالم بها" (٤)، وقد وصلنا تفسيره برواية تلميذه أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت: ٢٢٠ هـ) (٥)، ويظهر أنه ليس كل تفسيره، فقد وجدت روايات عنه ليست فيه.
وقد اعتنى نَقَلةُ التفسير المأثور بتفسيره النقلي والاجتهادي، كتلميذه عبد الرزاق
_________
(١) ينظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٣٠ - ٢٣٦.
(٢) سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٤١.
(٣) ولم يصلنا من تصانيفه سوى تفسيره، ينظر: الفهرست ص ٢٧٧، مقدمة محقق تفسير سفيان الثوري ص ٣٣.
(٤) سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٤٧.
(٥) طبع قديمًا في الهند بتحقيق امتياز على عرشي، عن نسخة وحيدة ناقصة الأول والآخر، وهي مرتبة السور لكن غير مرتبة الآيات، وعدد رواياتها (٩١١) رواية عن الصحابة والتابعين، أكثرها عن مفسري مكة، وفيها روايات مرفوعة نادرة، وكثير من رواياته منقطعة. ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ١٢٧.
стр. 350
الصنعاني، وابن جرير -وهو من أكثرهم عناية به-، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
بلغت آثاره من التفسير النظري في الموسوعة (٤١١) أثرًا مما تحققنا أنها من قوله (٢)، وهذا نتاج تفسيري قليل نسبيًّا مع ما عُرف من مكانة سفيان ﵀، ولعل من أبرز أسباب ذلك ما يلي (٣):
١ - قلة اجتهاده في التفسير: حيث كان منهجه عدم القول في القرآن برأيه، بل اتباع الصحابة والتابعين.
٢ - أن من منهجه ألا يفسر من القرآن إلا ما أشكل، وينتقد من يفسر السورة من أولها إلى آخرها.
٣ - عدم تفرغه للتفسير: فقد كان ﵀ رأسًا في الحديث والفقه والتفسير وألّف في كل منها، وكان له مذهب فقهي معروف، ولا شك أن التقلب في مثل هذه العلوم يضعف الإنتاج التفسيري، واستفراغ الجهد فيه يقوِّيه.
٤ - ما تعرض له من الفتن آخر حياته، حيث عاش متخفيًّا متنقلًا بين العراق ومكة، مطارَدًا من قِبَل الخليفة أبي جعفر المنصور، حتى توفي ﵀ بالبصرة عام ١٦١ هـ.
* * *
_________
(١) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ١٢٥ - ١٢٧.
(٢) ويبقى (١١١) قولًا مرويًّا عن سفيان دون تمييز.
(٣) ينظر: تفسير أتباع التابعين ص ١٢٩، ٣٧٧ - ٣٨٠.
стр. 351
ثانيًا من تجاوزت آثاره ٣٠٠ ولم تبلغ ٤٠٠ أثر
عطاء الخراساني (ت: ١٣٥ هـ) (١)
عطاء بن أبي مسلم الخراساني، أبو أيوب -ويقال: أبو عثمان- البلخي، نزيل الشام، مولى المهلب بن أبي صفرة الأزدي، واسم أبيه أبي مسلم: عبد اللَّه، ويقال: ميسرة.
مولده عام ٥٠ هـ بخراسان ونشأته وطلبه للعلم فيها حتى تولى القضاء بها، ثم تحول إلى الشام في منتصف حياته معلما ومجاهدًا، توفي بأريحا ودفن ببيت المقدس سنة ١٣٥ هـ ﵀.
أرسل عن: أبي الدرداء، وابن عباس -كثيرًا-، والمغيرة بن شعبة، وطائفة. وقال ابن معين: سمع من ابن عمر. وقال الدارقطني: "هو في نفسه ثقة، لكنه لم يلق ابن عباس". وروى عن: سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، والزهري، وغيرهم. وعنه: ابن جريج، وشعبة بن الحجاج، ومعمر بن راشد، والأوزاعي، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وابنه عثمان بن عطاء، ويونس بن يزيد، وغيرهم.
وقد كان فقيهًا ومحدثًا، عالمًا عاملًا واعظًا مؤثرًا، مجاهدًا، مفتيًا، محبًّا لنشر العلم، وفي ذلك يقول ابنه عثمان عنه: "أوثق عملي في نفسي نشر العلم، وكان يجلس أبي مع المساكين، فيعلمهم، ويحدثهم".
_________
(١) ينظر في ترجمته: تهذيب الكمال ٢٠/ ١٠٧، سير أعلام النبلاء ٦/ ١٤١، تاريخ الإسلام ٣/ ٧٠١، أقوال عطاء الخراساني في التفسير من سورة الكهف إلى الناس: جمعًا ودراسة مقارنة، رسالة جامعية لمحمد عبد الجواد الصاوي، لم تطبع.
стр. 352
* مكانته في التفسير وآثاره:
كان عطاء الخراساني واعظا بليغًا، وكان لوعظه وقْعٌ في القلوب، وكثير من تلك المواعظ تتضمن آثارًا تفسيرية، وهي مبثوثة في كتب نقلة التفسير، خصوصًا تفسير ابن أبي حاتم، وقد ذُكر له بعض المؤلفات في التفسير وعلوم القرآن، قال الداوودي: "له كتاب "تنزيل القرآن" و"تفسيره" و"ناسخه ومنسوخه" رواية يونس بن راشد الحراني عنه" (١).
وقد وصلنا تفسيره من طريق تلميذه يونس بن يزيد، وذلك في الجزء الذي رواه أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الرملي (ت: ٢٩٥ هـ) المتضمن لتفسير كل من يحيى بن يمان، وتفسير لنافع بن أبي نعيم القارئ، وتفسير مسلم بن خالد الزنجي، إضافة إلى تفسير عطاء الخراساني (٢)، ومعظم مروياته من تفسيرات عطاء القولية التي بلغت (١٧٧) قولًا.
وقد بلغت آثار عطاء في موسوعة التفسير (٣٥٠) (٣) أثرًا، وهو عدد لا بأس به يفوق عددًا من مشاهير التابعين، كسعيد بن المسيب والزهري، وزيد بن أسلم، ولعل أهم أسباب بلوغ هذا العدد هو كثرة وعظه وحبه لنشر العلم، وكتابته للتفسير، كما تقدم. وفي المقابل نجد أنه لم يبلغ مبلغ المكثرين في التفسير نظرا لعدم تفرغه للتفسير، حيث اشتهر بالوعظ والإفتاء والجهاد، كما تقدم، كذلك اشتغاله بالرواية كثيرًا خصوصًا تفسير ابن عباس، إضافة إلى قلة وجود تلاميذ اختصوا به ونشروا علمه، واللَّه أعلم.
* * *
_________
(١) طبقات المفسرين للداوودي ١/ ٣٨٥.
(٢) صدر في جزء صغير بتحقيق: د. حكمت بشير عن مكتبة الدار بالمدينة، ١٤٠٨ هـ.
(٣) هذا سوى ٣٢٢ رواية أخرى عن عطاءٍ مهملًا، يُحتمل أن يكون له فيها نصيب.
стр. 353
ثالثًا من تجاوزت آثاره ٣٠٠ ولم تبلغ ٣٠٠ أثر
١ - عبد اللَّه بن عمر ﵄ (ت: ٧٣ هـ) (١)
عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي، أسلم صغيرًا مع أبيه بمكة وهاجر معه إلى المدينة، وردَّه النبي ﷺ في بدر وأُحد لصغره وهو دون الخامسة عشر، ثم قَبِله في الخندق حين بلغها، وشهد ما بعدها من المشاهد، وبعد وفاة النبي ﷺ استقر بالمدينة معلمًا، وقدم الشام، والعراق، والبصرة، وفارس غازيًا، واعتزل الفتنة بعد استشهاد عثمان ﵁، وكان ينهى عن الخوض فيها في عهد معاوية، وكذلك بعد وفاته، وامتد به العمر إلى أن توفي بمكة في بداية خلافة عبد الملك بن مروان عام ٧٣ هـ بعد مقتل ابن الزبير ﵄ بقليل.
وقد كان من أكثر الصحابة اتباعا لسُنَّة النبي ﷺ وآثاره، ومن المكثرين عنه حديثًا، روى عنه كثير من التابعين، يأتي على رأسهم أصحابه المدنيون الذين لازموه كابنه سالم ومولاه نافع، وسعيد بن المسيب. كما كان ﵁ خيِّرًا عالمًا عاملًا عابدًا ورعًا، قال سعيد بن المسيب: "كان ابن عمر يوم مات خير من بقي، وكان مفتي المدينة بعد زيد بن ثابت".
* مكانته في التفسير وآثاره:
مع أن ابن عمر ﵄ كان من أكثر الصحابة تتبعا لسُنَّة النبي ﷺ إلا أنه كان يتورع عن التحديث، ويتورع أكثر منه في تفسير القرآن، لذا ذكر أنه لم يكن يعجبه منهج ابن عباس في التوسع في التفسير حتى سأله رجل عن قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ
_________
(١) تنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٤/ ١٤٢، حلية الأولياء ١/ ٣١٨، سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٠٣، تاريخ الإسلام ٢/ ٨٤٣، تهذيب التهذيب ٥/ ٣٢٨.
стр. 354
كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]، فقال له: "اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني ما قال، فذهب إلى ابن عباس فسأله، فقال ابن عباس: "كانت السماوات رتقًا لا تمطر، وكانت الأرض رتقًا لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات" فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال: "إن ابن عباس قد أوتي علمًا، صدق هكذا كانتا"، ثم قال ابن عمر: "قد كنت أقول: ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه قد أوتي علمًا" (١). من هنا يتبين لنا منهج ابن عمر في التفسير وما ترتب عليه من قلة تفسيره للقرآن، وهو الواقع فعلًا، فمع أنه ﵁ من أكثر الصحابة حديثًا، وفقهًا، وقد طال به العمر، واجتنب الفتن، إلا أن آثاره في تفسير القرآن قليلة، بلغت في الموسوعة (٢٨٩) أثرًا، أغلبها في آيات الأحكام.
٢ - أبو مالك غزوان الغفاري الكوفي (ت: ٩١ - ١٠٠ هـ) (٢)
أبو مالك غزوان الغفاري الكوفي، مشهور بكنيته، روى عن ابن عباس، والبراء بن عازب. وعنه: سلمة بن كهيل، وحصين بن عبد الرحمن، وإسماعيل السُّدِّيّ. وثَّقَه يحيى بن معين. وهو معدود في الطبقة الوسطى للتابعين، والمعلومات عنه شحيحة في كتب التراجم، أرَّخ الذهبي وفاته ما بين عامي ٩١ - ١٠٠ هـ.
* منزلته في العلم والتفسير:
اشتهر أبو مالك بالتفسير أكثر من غيره من العلوم، ومن هنا ترجم له ابن سعد فقال: "صاحب التفسير. وكان قليل الحديث" (٣)، ومروياته في التفسير عديدة، رواية ودراية، وأغلب مروياته النقلية من تفسير ابن عباس عن طريق تلميذه السُّدِّيّ (٤)، أما تفسيره الاجتهادي فقد بلغ في الموسوعة (٢٨٥) أثرًا في جميع أجزاء القرآن، وفي جميع موضوعات التفسير حتى حروف المعاني، وهو تفسير نفيس يشهد بمكانته في هذا العلم، وأغلبه من طريق تلميذه إسماعيل السدي، يليه ما يرويه حصين بن عبد الرحمن.
_________
(١) حلية الأولياء ١/ ٣٢٠.
(٢) تنظر ترجمته في: تهذيب الكمال ٢٣/ ١٠٠، تاريخ الإسلام ٢/ ١١٥٥.
(٣) الطبقات الكبرى ٦/ ٢٩٩، وكذا وصفه ابن معين، ينظر: تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز ٢/ ٨٤.
(٤) وهو سند السُّدي المشهور عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس.
стр. 355
٣ - وهب بن منَبِّه (ت: ١١٤ هـ) (١)
وهب بن منبه بن كامل بن سيج ابن ذي كبار، أبو عبد اللَّه الأبناوي، اليماني، الذماري، الصنعاني، ولد سنة ٣٤ هـ في خلافة عثمان ﵁، وذُكر أن أصل أبيه مُنَبِّه "من أهل هراة، خرج فرُفع إلى فارس أيام كسرى، وكسرى أخرجه من هراة، ثم إنه أسلم على عهد النبي ﷺ فحَسُن إسلامه، فمسكن ولده وتوالد أولاده باليمن، وكان وهب بن منبه يختلف إلى هراة ويتفقد أمر هراة" (٢). ومع هذا فقد اشتهر لدى المعاصرين أنه من مُسلِمة أهل الكتاب!! ولم أجد من صرحَّ بذلك من المتقدمين!! سوى أنه كان مُلِمًّا بكتب الأولين والأنبياء السابقين، وليس في ذلك دلالة صريحة على أنه نشأ على غير الإسلام ثم أسلم، بل ما ورد من كونه وُلد في الإسلام وأن أباه أسلم على عهد النبي ﷺ يدل على أنه وُلد مسلمًا، توفي ﵀ عام ١١٤ هـ، وقيل: ١١٠ هـ، وقيل غير ذلك (٣). وهو معدود في الطبقة الوسطى من التابعين، روى عن: ابن عباس، وعبد اللَّه بن عمرو، وأبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد الخدري ﵃. قال الذهبي: "كان صدوقًا عالمًا، قد قرأ كتب الأولين وعرف قصص الأنبياء ﵈، وكان يُشبَّه بكعب الأحبار في زمانه، وكلاهما تابعي لكن مات قبله بنحو من ثمانين سنة، فمولد وهب قريب من وفاة كعب" (٤). وقد كان ثقة عابدًا عاملًا، ذا مواعظ بليغة، وأقوال مأثورة (٥).
* مكانته في التفسير:
أكثر ما عُرف به وهب هو الدعوة والوعظ والنصح والإرشاد، مع الصلاح والعبادة، وقد كان لعلمه البالغ بكتب الأولين وأخبار الإسرائيليات أثر في وعظه لما في بعضها من العظة والعبرة، أما في الفقه والحديث والتفسير فلم يكن وهب بالمكثر، وما رُوي له من أحاديث مرفوعة فهي معدودة، وكذا في التفسير لم يكن مشهورًا به ومتصديًا له، وإنما عُرف بالتحديمث بالإسرائيليات وأخبار الأولين لذا
_________
(١) ينظر في ترجمته: تهذيب الكمال ٣١/ ١٤٠، تاريخ الإسلام ٣/ ٣٣٤.
(٢) تهذيب الكمال ٣١/ ١٤٣، بتصرف يسير.
(٣) تهذيب الكمال ٣١/ ١٦٠. وقد اعتمدت الموسوعة تاريخ وفاته عام ١١٤ هـ.
(٤) تاريخ الإسلام ٣/ ٣٣٤.
(٥) ينظر: تهذيب الكمال ٣١/ ١٤٣ - ١٥٩.
следующие страницы →