Полный текст (16 717 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
بالعلم والعلماء؛ كقرطبة، وإشبيلية، ومرسية، وبلنسية، وجيان، ولقي وجوه علمائها وقرأ عليهم، وراسل جماعةً من العلماء فأجازوه (١).
تولى قضاء "المرية" (٢) سنة (٥٢٩ هـ) زمن دولة "المرابطين" (٣) التي عاصرها ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) منذ توليها مقاليد حكم الأندلس من (٤٨٣ هـ) إلى (٥٤٠ هـ) تقريبًا، وقال لسان الدين ابن الخطيب عن قيامه بذلك: "توخى الحق، وعدل في الحكم، وأعز الخطة" (٤).
وقد شارك في جهاد النصارى في نواحي الأندلس، حتى وصف بأنه "كان يكثر الغزوات في جيوش الملثمين" (٥)، وقال عن لقائه بأحد مشايخه: "لقيته في "جيان" (٦)، في نهوضي إلى غزوة طلبيزة سنة ثلاث وخمسمئة" (٧)، وشارك في بعض معارك "سرقسطة" (٨) سنة (٥١١ هـ) وكتب رسالةً إلى بعض مشايخه يصف له فيها هذه الغزوة (٩).
وكان أشعري الاعتقاد (١٠)، كما هو ظاهر في مواضع كثيرة من تفسيره (١١)، وله موافقات لأقوال السلف، وللمعتزلة في مواضع، كما أشار إلى ذلك ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ)، وابن حجر الهيتمي (ت: ٩٧٤ هـ) (١٢).
وقد كان من أعيان مذهب الإمام مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ)، وهذا واضح في
_________
(١) ينظر: فهرس ابن عطية ص ٥٩، والصلة ١/ ٣٦٧، والديباج المذهب ٢/ ٥٧.
(٢) مدينة كبيرة تقع على البحر المتوسط، جنوب شرقي الأندلس. ينظر: معجم البلدان ٥/ ١١٩، والروض المعطار ص ٥٣٧.
(٣) ويقال لهم: الملثمون، وهم قوم من بربر المغرب، كان فيهم جد وصلابة في الدين، أقاموا دولةً للإسلام والجهاد في المغرب والأندلس قرابة ستين ممنة، وأميرهم يوسف بن تاشفين. ينظر: الكامل في التاريخ ٨/ ١٣٤، ١٣٧، والمعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١٢٢.
(٤) الإحاطة في أخبار غرناطة ٣/ ٤١٢. وينظر: الديباج المذهب ١/ ١٧٥.
(٥) المعجم، لابن الأبار ص ٢٧١. والملثمون هم المرابطون.
(٦) مدينة كبيرة بالأندلس، تقع شرقي قرطبة. ينظر: معجم البلدان ٢/ ١٩٥، والروض المعطار ص ١٨٣.
(٧) فهرس ابن عطية ص ١٣٧.
(٨) مدينة مشهورة شرق الأندلس، تسمى: المدينة البيضاء؛ لكثرة جصها ورخامها. ينظر: معجم البلدان ٣/ ٢١٢، والروض المعطار ص ٣١٧.
(٩) قلائد العقيان ص ٢٢٤.
(١٠) نسبةً إلى أبي الحسن الأشعري، وهم فرقة خالفوا مذهب أهل السُّنَّة في مسائل في الإيمان والقدر والصفات وغيرها. ينظر: الملل والنحل ١/ ٩٤، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٢٢٩.
(١١) ينظر: المحرر الوجيز ٢/ ٢٨، ٣/ ٦٩، ٢١١ - ٢١٣، ٦/ ٧٩.
(١٢) ينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦١، والفتاوى الحديثية ص ٢٤٢.
стр. 422
تفسيره، وعند من ترجم له (١).
وقد جاءت مصنفات ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) قليلةً في جنب سعة علمه، وما برع فيه من الفنون، والذي ذكر له من ذلك هو:
١ - "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز"، وهو أشهر كتبه، حتى قيل فيه: "لو لم يكن له إِلا التفسير لكفى" (٢)، وبه ظهر فضله وعلمه، قال علي بن سعيد (ت: ٦٨٥ هـ) في تذييله على رسالة ابن حزم (ت: ٤٥٦ هـ) في "مفاخر أهل الأندلس": "ولأبي محمد ابن عطية الغرناطي في تفسير القرآن الكتاب الكبير الذي اشتهر، وطار في الغرب والشرق" (٣)، وقد تفرغ له وأفنى فيه سني حياته كما أشار في مقدمته (٤)، فجاء محررًا مستوعبًا وجيزًا كما أراد؛ قال ابن الأبار (ت: ٦٥٨ هـ): "وتأليفه في التفسير جليل الفائدة، كتبه الناس كثيرًا، وسمعوه منه، وأخذوه عنه" (٥)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسُّنَّة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل" (٦)، وقال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): "هو أجل من صنف في علم التفسير، وأفضل من تعرض للتنقيح فيه والتحرير" (٧)، وقال لسان الدين ابن الخطيب (ت: ٧٧٦ هـ): "وألف كتابه المسمى بالوجيز، فأحسن فيه وأبدع، وطار لحسن نيته كل مطار" (٨)، وقال السيوطي (ت: ٩١١ هـ): "وألف تفسير القرآن الكريم، وهو أصدق شاهد له بإمامته في العربية وغيرها" (٩).
وصار هذا التفسير موضع عناية كثير من العلماء نقلًا واعتمادًا؛ كالقرطبي (ت: ٦٧١ هـ) (١٠)، وأبي حيان (ت: ٧٤٥ هـ) (١١)، وجمعًا ومقارنةً بغيره من التفاسير؛ كابن بزيزة التميمي التونسي (ت: ٦٦٢ هـ) (١٢)، وأبي زكريا الشاوي (ت: ١٠٩٦ هـ) (١٣)، وتهذيبًا
_________
(١) ينظر: الديباج المذهب ٢/ ٥٧، وشجرة النور الزكية ١/ ١٢٩.
(٢) فوات الوفيات ٢/ ٢٥٦.
(٣) نفح الطيب ٣/ ١٧٩.
(٤) المحرر الوجيز ١/ ٧ - ٨. وينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم ص ٨٣.
(٥) المعجم ص ٢٦١.
(٦) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦١.
(٧) البحر المحيط ١/ ٢٠.
(٨) الإحاطة ٣/ ٤١٢.
(٩) بغية الوعاة ٢/ ٧٣. وينظر: البحر المحيط ١/ ٢٠.
(١٠) ينظر: مقدمة ابن خلدون ٢/ ١٢١، وهذا ظاهر جدًّا في تفسير القرطبي.
(١١) ينظر: البحر المحيط ١/ ٢٠.
(١٢) ينظر: مقدمة فهرس ابن عطية ص ٣٦.
(١٣) طبع كتابه في مجلدين، عن دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٣٠ هـ.
стр. 423
واختصارًا؛ كأبي عبد الرحمن الثعالبي (ت: ٨٧٥ هـ) (١)، وقال أبو محمد ابن فرحون (ت: ٧٦٩ هـ): "لازمت تفسير ابن عطية حتى كدت أحفظه" (٢).
٢ - "فهرس ابن عطية"، وفيه تراجم ثلاثين شيخًا التقاهم وقرأ عليهم وأجازوه.
٣ - كتاب "في الأنساب".
وقد أشاد العلماء بعلم ابن عطية؛ ومما قيل فيه: "كان فقيهًا عالمًا غايةً في الدهاء والذكاء والتهمم بالعلم، سري الهمة في اقتناء الكتب" (٣)، "أحد رجالات الأندلس الجامعين إلى الفقه الحديث والتفسير والأدب، وبيته عريق في العلم" (٤)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "كان ابن عطية أقعد بالعربية والمعاني من هؤلاء (٥)، وأخبر بمذهب سيبويه والبصريين" (٦).
توفي في "لورقة" سنة (٥٤١ هـ)، وقيل: (٥٤٢ هـ)، وقيل: (٥٤٦ هـ)، عن ستين سنة (٧).
٣ - ابن تيمية
هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد اللَّه بن الخضر بن محمد الحراني، تقي الدين أبو العباس ابن تيمية الدمشقي، شيخ الإسلام، ولد بحران (٨) سنة (٦٦١ هـ)، وكان أبيض، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، كأن عينيه لسانان ناطقان، فصيحًا، مفوهًا، لم يتزوج أو يتسرى (٩).
خرج مع أسرته حين هاجرت إلى دمشق بسبب عسف التتار بحران سنة (٦٦٧ هـ)،
_________
(١) الحلل السندسية ١/ ٦٢٩.
(٢) الديباج المذهب ١/ ٤٥٥.
(٣) الإحاطة في أخبار غرناطة ٣/ ٤١٢ تصرف. وينظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٥٨٧.
(٤) المعجم، لابن الأبار ص ٢٧٢.
(٥) يعني: الزجاج، وابن الجوزي، والبغوي، والمهدوي، وفي تتمة كلامه قال عنهم: "وأولئك لهم براعة وفضيلة في أمور يبرزون فيها على ابن عطية، لكن دلالة الألفاظ من جهة العربية هو بها أخبر، وإن كانوا هم أخبر بشيء آخر من المنقولات أو غيرها". مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٣١.
(٦) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٣١.
(٧) للتوسع في ترجمته ينظر: مقدمة الفهرس، لابن عطية ص ١٥، والمعجم، لابن الأبار ص ٢٧٢، والصلة ٢/ ٣٨٧، والديباج المذهب ٢/ ٥٨، وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٥٨٧، وبغية الوعاة ٢/ ٧٣.
(٨) مدينة تديمة بين الرها والرقة. ينظر: معجم البلدان ٢/ ٢٣٥.
(٩) ذيل تاريخ الإسلام، وتتمة المختصر، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٢٠٩، ٢٧٤.
стр. 424
وكان صغيرًا (١)، ونشأ في بيت علم وفقه وعبادة، فحفظ القرآن في صغره، وتلقى العلوم من أول عمره على أبيه، وترقى في كنف أسرته في مراتب العفاف والتأله، عابدًا ناسكًا ذاكرًا للَّه على كل حال (٢). ثم أخذ في طلب العلم عن علماء دمشق وغيرها؛ حتى زاد شيوخه عن مئتي شيخ (٣)، وأول من سمع منه: ابن عبد الدائم (ت: ٦٦٨ هـ) سنة (٦٦٧ هـ) (٤)، "وعني بالحديث وقرأ ونسخ، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالًا كليًّا، حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك؛ هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة" (٥)، "ومات والده -وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم- فدرس بعده بوظائفه وله إحدى وعشرون سنةً، واشتهر أمره، وبعد صيته في العالم" (٦).
وكان على اعتقاد السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة، سالكًا طريقة أهل السُّنَّة والجماعة، شارحًا لها، ومدافعًا عنها بلسانه ويده، فألف التصانيف الكثيرة في بيان ذلك المعتقد، وجاهد بقلمه المشركين من أهل الكتاب وغيرهم، وناظر المبتدعة وأهل الأهواء، وأبطل كل ما خالف الهدي الأول من الأديان والمذاهب (٧)، وصارت مؤلفاته في ذلك أصولًا يرجع إليها، ويعول عليها.
ومع بلوغه درجة الاجتهاد المطلق، والالتزام بما يتبين له من الدليل دون تقليد (٨) = إِلا أن أصول نشأته كانت على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ)، وخلف أباه وغيره في التدريس في مدارس الحنابلة، وألف في المذهب كتبًا وتحريرات وفتاوى معتمدة، قال الصفدي (ت: ٧٦٤ هـ): "تمذهب للإمام أحمد بن حنبل، فلم يكن
_________
(١) العقود الدرية ص ٥. وينظر: مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٨٨.
(٢) العقود الدرية ص ٩. وينظر: عيون التواريخ، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٣٣٧.
(٣) التبيان لبديعة البيان، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٤٢٦.
(٤) مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٨٨.
(٥) العقود الدرية ص ٩. وينظر: الأعلام العلية ص ٧٤٢.
(٦) العقود الدرية ص ٩.
(٧) ينظر: أعيان العصر وأعوان المصر، والوافي بالوفيات، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٢٨٦، ٣٠٦.
(٨) ينظر: مختصر طبقات علماء الحديث، والذيل على طبقات الحنابلة، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٩٣، ٤٠٢.
стр. 425
أحد في مذهبه أنبه منه ولا أنبل" (١)، وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ): "وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم عليه الدليل عنده" (٢).
وصف العلماء علمه بالتفسير، فقال ابن عبد اللهادي (ت: ٧٤٤ هـ): "وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجمع على كرسي من حفظه، فكان يورد ما يقوله من غير توقف ولا تلعثم. .، وكان إذا ذكر التفسير أبهت الناس من كثرهّ محفوظه، وحسن إيراده، وإعطائه كل قول ما يستحقه من الترجيح والتضعيف والإبطال. .، وكان يجلس في صبيحة كل جمعة على الناس يفسر القرآن العظيم" (٣)، وقال الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ): "كان آيةً من آيات اللَّه في التفسير، والتوسع فيه، لعله يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين" (٤)، وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ): "وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبقي يفسر في سورة نوح عدة سنين أيام الجمع" (٥)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) لأحد أخص أصحابه ابن رشيق المغربي (ت: ٧٤٩ هـ): "ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير، ثم أسأل اللَّه الفهم؛ وأقول: يا معلم إبراهيم علمني" (٦).
أما مصنفاته فقد بلغت الغاية كثرةً وشهرةً وتحريرًا وتأثيرًا، فقد بدأ التصنيف وله سبع عشرة سنة (٧)، وكان سريع التأليف؛ كتب بعض مصنفاته في قعدة، ويكتب في اليوم ما يبيض منه في مجلد، وكثيرًا ما يكتب من حفظه الكتب الكبار، ومنها ما كتبه في السجن في غاية التحرير من حفظه بلا مراجع (٨).
وذكر الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) أن مصنفاته تزيد على خمسمئة مجلد (٩)، أما فتاويه فلا
_________
(١) أعيان العصر وأعوان النصر، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٢٨٥.
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٤٠٢.
(٣) مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٩٠ - ١٩٣.
(٤) ذيل تاريخ الإسلام، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٢٠٦.
(٥) الذيل على طبقات الحنابلة، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٤٠٢، بتصرف.
(٦) أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٢٢١.
(٧) ينظر: مختصر طبقات علماء الحديث، والذيل على طبقات الحنابلة، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٨٩، ٤٠١.
(٨) ينظر: أعيان العصر وأعوان النصر، والذيل على طبقات الحنابلة، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٢٨٧، ٤٠٥.
(٩) ينظر: لقطة العجلان، ومختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٨٦، ١٩٥.
стр. 426
تدخل تحت الحصر (١)، ومن أشهر مؤلفاته: درء تعارض العقل والنقل، وبيان تلبيس الجهمية، ومنهاج السُّنَّة النبوية، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، والاستقامة، والتدمرية، والحموية، والواسطية، وتلخيص كتاب الاستغاثة، وغيرها (٢).
ومما كتب في التفسير وعلومه: تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء، والمقدمة في أصول التفسير. وجمع تفسيره المفرق وكلامه على الآيات في أكثر من مجموع، كما جمع كلامه على علوم القرآن وأصول التفسير (٣).
وقد اجتمعت كلمة من رآه وعرفه على الثناء عليه، والإقرار بإمامته ونبوغه وعلمه وفضله واجتهاده وتألهه؛ قال ابن الزملكاني (ت: ٧٢٧ هـ): "كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم -سواء كان من علوم الشرع أو غيرها- إِلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه" (٤)، وقال ابن سيد الناس (ت: ٧٣٤ هـ): "ألفيته ممن أدرك من العلم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه" (٥) وقال البرزالي (ت: ٧٣٩ هـ): "الإمام المجمع على فضله ونبله ودينه، كان إمامًا لا يلحق له غبار في كل شيء، وبلغ رتبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين" (٦)، وقال المزي (ت: ٧٤٢ هـ): "ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب اللَّه وسُنَّة رسوله، ولا أتبع لهما منه" (٧)، وقال الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ): "كان آيةً في الذكاء وسرعة الإدراك، رأسًا في معرفة الكتاب والسُّنَّة والاختلاف، بحرًا في النقليات، هو في زمانه فريد عصره علمًا
_________
(١) ينظر: تقريظ ابن حجر على الرد الوافر، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٤٨٦.
(٢) ينظر: أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٢٢٠، ٦٦٦.
(٣) ينظر: تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية، المطبوع عن دار ابن الجوزي ١/ ١٥، ٢٦، وإمتاع ذوي العرفان بما اشتملت عليه كتب شيخ الإسلام من علوم القرآن.
(٤) مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٩٠.
(٥) أجوبة ابن سيد الناس عن سؤالات ابن أيبك الدمياطي، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٣٤.
(٦) مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٩٢.
(٧) مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٩٠.
стр. 427
وزهدًا وشجاعةً وسخاءً، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وكثرة تصانيف، وهو أعظم من أن تصفه كلمي، أو ينبه على شأوه قلمي" (١).
توفي مسجونًا بقلعة دمشق، سنة (٧٢٨ هـ)، عن سبع وستين سنة (٢).
٤ - ابن القيم
هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، أبو عبد اللَّه شمس الدين، الشهير: بابن قيم الجوزية (٣). ولد سنة (٦٩١ هـ)، ونشأ بدمشق في رعاية والده "الشيخ الصالح العابد الناسك. .، وكانت له في الفرائض اليد الطولى" (٤)، فأخذ علم الفرائض عن أبيه، ثم جد في طلب العلم عن جلة من علماء وقته، ورحل إلى القاهرة غير مرة، وحج مرات كثيرةً، وأَمَّ في المدرسة الجوزية وغيرها (٥).
وممن أخذ عنهم من العلماء الشهاب العابر (ت: ٦٩٧ هـ)، وأبو الفتح البعلبكي (ت: ٧٠٩ هـ)، وبدر الدين ابن جماعة (ت: ٧٣٣ هـ)، والمزي (ت: ٧٤٢ هـ)، وابن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ). ولازم شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) من سنة (٧١٢ هـ) بعد عودة ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) من القاهرة، وأكثر عنه، وتأثر به غايةً، حتى صار أبرز تلاميذه؛ قال الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ): "كان من عيون أصحاب ابن تيمية" (٦)، وقال الصفدي (ت: ٧٦٤ هـ): "ولم يخلف الشيخ العلامة تقي الدين ابن تيمية مثله" (٧)، ولذا تتلمذ له جماعة من كبار علماء وقته؛ كابن عبد اللهادي (ت: ٧٤٤ هـ)، والذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، وابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ)، وابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) (٨).
_________
(١) مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٩٤.
(٢) للتوسع في ترجمته ينظر: العقود الدرية، لابن عبد الهادي، والأعلام العلية، للبزار، وتاريخ ابن الوري ٢/ ٢٧٥، والبداية والنهاية ١٨/ ٢٩٦، والجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية.
(٣) الجوزية مدرسة مشهورة للحنابلة بدمشق، نسبةً إلى واقفها (ابن الجوزي) يوسف ابن الواعظ المشهور (ت: ٦٥٦ هـ). ينظر: منادمة الأطلال ص ٢٢٧، والأعلام ٩/ ٣١٢.
(٤) البداية والنهاية ١٨/ ٢٣٥.
(٥) ينظر: السلوك لمعرفة دول الملوك ٤/ ١٣٢، والبداية والنهاية ١٨/ ٥٢٣، ٥٤٠، وذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٤٤٩.
(٦) العبر ٤/ ١٥٥.
(٧) الوافي بالوفيات ٢/ ١٩٦.
(٨) ينظر: الوافي بالوفيات ٢/ ١٩٥، والنجوم الزاهرة ١٠/ ٢٤٩.
стр. 428
وقد كان على اعتقاد السلف أهل السُّنَّة والجماعة، شارحًا له، داعيًا إليه، وكتبه في تقرير ذلك كثيرة مشهورة.
وكان من علماء الحنابلة فقهًا وتدريسًا، مع غير التزام بالتقليد إذا بان له الدليل، وهو في هذا على ما كان عليه شيخه ابن تيمية، كما حكى عنه فقال: "وقد أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي، وهي وقف على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم. فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له" (١)، وقال: "كثيرًا ما ترد المسألة نعتقد فيها خلاف المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده، فنحكي المذهب الراجح ونرجحه، ونقول هذا هو الصواب" (٢).
وقد بورك له فى التصنيف، فقاربت مصنفاته مئة مصنف، واشتهرت وانتشرت، قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ): "صنف تصانيف كثيرةً جدًّا في أنواع العلم" (٣)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ): "وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف" (٤)، ومن أشهرها: مفتاح دار السعادة، وزاد المعاد في هدي خير العباد، وروضة المحبين، وبدائع الفوائد، وتهذيب مختصر سنن أبي داود، والفروسية. وهذه الستة السابقة ألفها في حال سفره، وبعده عن مكتبته، وكتب أيضًا: إعلام الموقعين عن رب العالمين، وأحكام أهل الذمة، والروح، وحادي الأرواح، وغيرها كثير (٥).
وكتب في علوم القرآن: التبيان في أيمان القرآن، وأمثال القرآن، وقصد إلى تفسير "المعوذتين" وسورة "الكافرون"، وله مباحث وتحقيقات في مسائل من علوم القرآن، وتفسير لجملة من الآيات، جمعت في أكثر من مصنف؛ من أجمعها: بدائع التفسير الجامع لما فسره الإمام ابن القيم الجوزية (٦).
وقد كثرت عبارات العلماء في الثناء عليه، وبيان مكانة علمه وفضله، قال المزي (ت: ٧٤٢ هـ): "هو في هذا الزمان كابن خزيمة في زمانه" (٧)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ): "كان جريء الجنان، واسع العلم، عارفًا بالخلاف ومذاهب السلف" (٨)، وقال
_________
(١) إعلام الموقعين ٢/ ١٧٠.
(٢) إعلام الموقعين ٤/ ١٣٥.
(٣) ذيل طبقات الحنابلة ٥/ ١٧٤.
(٤) الدرر الكامنة ٥/ ١٣٩.
(٥) ينظر: ابن قيم الجوزية حياته آثاره موارده ص ١٨٥، ١٩٧.
(٦) المرجع السابق، وينظر: بدائع التفسير ١/ ٥، ٣/ ٣٨٠، ٣٨٦.
(٧) الرد الوافر ص ٦٨.
(٨) الدرر الكامنة ٥/ ١٣٨.
стр. 429
السيوطي (ت: ٩١١ هـ): "صنف وناظر واجتهد، وصار من الأئمة الكبار في التفسير والحديث والفروع والأصلين والعربية" (١).
توفي بدمشق سنة (٧٥١ هـ)، عن ستين سنة (٢).
٥ - ابن كثير
هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء القرشي، عماد الدين أبو الفداء الدمشقي، ولد ببصرى الشام حدود سنة (٧٠٠ هـ)، ونشأ في بيت علم؛ فقد كان أبوه فقيهًا عالمًا، لكنه توفي سنة (٧٠٣ هـ) فلم يأخذ عنه، وانتقل بعد ذلك بصحبة أخيه عبد الوهاب إلى دمشق سنة (٧٠٧ هـ)، واشتغل على يديه بالعلم.
ثم حفظ القرآن وعمره (١١) سنة، واجتهد في طلب العلم على من أدرك وقته من العلماء، فأخذ عن ابن عساكر (ت: ٧٢٣ هـ)، وابن قاضي شهبة (ت: ٧٢٦ هـ)، والبرزالي (ت: ٧٣٩ هـ)، والمزي (ت: ٧٤٢ هـ)، والذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، وابن القيم (ت: ٧٥١ هـ)، وغيرهم. وأخذ وأكثر عن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ)، ولازمه وتأثر به، وكانت له به خصوصية، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ): "وأخذ عن ابن تيمية، ففتن بحبه، وامتحن بسببه" (٣). وأخذ عنه جماعة من العلماء، كبدر الدين الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ)، وزين الدين العراقي (ت: ٨٠٦ هـ)، وابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ)، وغيرهم (٤).
وقد كان على اعتقاد السلف أهل السُّنَّة والجماعة، مقررًا لها، ومدافعًا عنها، يظهر ذلك جليًّا في مواضع كثيرة من تفسيره.
وكان من أئمة الشافعية في وقته، وأفتى، ودرس في عدد من مدارس الشام، وكتب في طبقات الشافعية.
أما مصنفاته فقد "سارت في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته" (٥)، واشتهر منها تفسيره: "تفسير القرآن العظيم"، وذاع به صيته، وصار موضع عناية من
_________
(١) بغية الوعاة ١/ ٦٣.
(٢) للتوسع في ترجمته ينظر: العبر ٤/ ١٥٥، والوافي بالوفيات ٢/ ١٩٥، والبداية والنهاية ١٨/ ٥٢٣، وذيل طبقات الحنابلة ٥/ ١٧٠، والدرر الكامنة ٥/ ١٣٧، وابن قيم الجوزية حياته آثاره موارده.
(٣) الدرر الكامنة ١/ ٤٤٥.
(٤) تذكرة الحفاظ ٤/ ٢٠١، وإنباء الغمر ١/ ٣٩.
(٥) الدرر الكامنة ١/ ٤٤٥.
стр. 430
بعده؛ تهذيبًا واختصارًا وحواشي وإقراءً، قال السيوطي (ت: ٩١١ هـ): "له التفسير الذي لم يؤلف على نمطه مثله" (١).
وكتب في التاريخ: "البداية والنهاية"، قال ابن تغري بردي (ت: ٨٧٤ هـ): "وهو في غاية الجودة" (٢)، وله أيضًا: جامع المسانيد والسنن، واختصار علوم الحديث، والفصول في سيرة الرسول ﷺ ، وغيرها كثير.
وقد أثنى عليه علماء عصره ومن بعدهم، فقال الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ): "الإمام الفقيه المحدث البارع، فقيه متفنن، ومحدث متقن، ومفسر نقال، وله تصانيف مفيدة" (٣)، وقال ابن ناصر الدين الدمشقي (ت: ٧٤٢ هـ): "الشيخ العلامة الحافظ، ثقة المحدثين، عمدة المؤرخين، علم المفسرين" (٤)، وقال ابن تغري بردي (ت: ٨٧٤ هـ): "الإمام العلامة، كان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والفقه والعربية" (٥).
وقد أضر في آخر عمره، وتوفي بدمشق سنة (٧٧٤ هـ)، عن أربع وسبعين سنة (٦).
* * *
_________
(١) طبقات الحفاظ ص ٥٣٤. وينظر: منهج ابن كثير في التفسير ص ٦٤، وقد طبع هذا التفسير ما لا يحصى من الطبعات، وقاربت مختصراته (١٥) مختصرًا؛ أولها لتلميذه أبي المحامد الكازروني.
(٢) المنهل الصافي ٢/ ٤١٥.
(٣) المعجم المختص بالمحدثين ص ٧٥.
(٤) الرد الوافر ص ٩٢.
(٥) المنهل الصافي ٢/ ٤١٤.
(٦) للتوسع في ترجمته ينظر: الدرر الكامنة ١/ ٤٤٥، وإنباء الغمر ١/ ٣٩، والرد الوافر ص ٩٢، والمنهل الصافي ٢/ ٤١٤، وطبقات الحفاظ، للسيوطي ص ٥٣٤.
стр. 431
ثانيًا تعامل أئمة التفسير الخمسة مع آثار السلف
يمكن إجمال طريقة تعامل الأئمة الخمسة مع آثار السلف في التفسير من خلال خمسة عناصر:
١ - تعظيم آثار السلف .
٢ - جمعها واستيعابها.
٣ - توجيهها.
٤ - نقدها.
٥ - الاستدلال بها والاعتماد عليها.
وفيما يأتي بيان ذلك، مع التنبه إلى أمرين:
أولهما: أن هذه العناصر شائعة في كلام الأئمة الخمسة وتطبيقاتهم في التفسير، وعليها قامت تفاسيرهم، ولا تغيب عن الناظر في أي موضع من كتبهم، وإنما قصدنا فيما يأتي إلى الإشارة بنماذج للإيضاح من داخل الموسوعة، مع ما تفيده من إثبات المنهج العام للأئمة في هذا الباب.
ثانيهما: أن هناك نوعًا من التفاوت غير القادح في أصل المنهج العام للأئمة الخمسة في التعامل مع آثار السلف من حيث الجملة؛ فابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) مثلًا فاق غيره في الجمع والسرد والترجيح والتعليل، وابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) فاق غيره في التوجيه، وابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) تميز في نقد الأقوال، واستيعاب الأدلة، وتنويعها، وابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) برز في جانب التوجيه، والجمع بين الأقوال، وابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) أبرز جانب الاستدلال بالسُّنَّة، وهكذا.
١ - تعظيم آثار السلف:
انعقدت كلمة الأئمة الخمسة على تعظيم السلف، والإقرار بفضلهم، واعتقاد
стр. 432
تقدمهم على من بعدهم في كل دين وعلم وخير وهدى، وذلك ظاهر من تفاسير الأئمة للآيات التي أثنت على السلف، مع نصوص من صريح كلامهم، ومن أصرح ذلك نقل ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) الإجماع على فضل السلف على من بعدهم في كل فضيلة، حيث قال: "من المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسُّنَّة وما اتفق عليه أهل السُّنَّة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير هذه الأمة في الأعمال والأقوال والاعتقادات وغيرها من كل فضيلة، أن خيرها القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة؛ من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وبيان وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل. هذا لا يدفعه إِلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام" (١)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): "وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا لأنفسنا، وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمةً وعلمًا ومعرفةً وفهمًا عن اللَّه ورسوله ونصيحةً للأمة، وقلوبهم على قلب نبيهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضًا طريًّا لم يشبه إشكال، ولم يشبه خلاف، ولم تدنسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس" (٢)، وقال ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ): "كل ما أخذ عن الصحابة فحسن متقدم" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] قال ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "دلالة ظاهر هذه الآية تدل على أنها تقريظ للنبي ﷺ وأصحابه ﵃" (٤)، وقال في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]: "رضي اللَّه عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيّه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه" (٥)، وقال ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ): "قال عامر بن شراحيل الشعبي: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ من أدرك بيعة الرضوان. ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ يريد سائر الصحابة، ويدخل في هذا اللفظ
_________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٨.
(٢) إعلام الموقعين ١/ ٦٤.
(٣) المحرر الوجيز ١/ ٢٣.
(٤) جامع البيان ٧/ ١٥٧.
(٥) جامع البيان ١١/ ٦٤٢.
стр. 433
التابعون وسائر الأمة لكن بشريطة الإحسان، وقد لزم هذا الاسم الطبقة التي رأت من رأى النبي ﷺ ، ولو قال قائل: إن السابقين الأولين هم جميع من هاجر إلى أن انقطعت الهجرة. لكان قولًا يقتضيه اللفظ، وتكون ﴿مِنَ﴾ لبيان الجنس، و ﴿وَالَّذِينَ﴾ في هذه الآية عطف على قوله ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ " (١)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): "يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان. .، وأما أهل السُّنَّة فإنهم يترضون عمن ﵁، ويسبون من سبَّه اللَّه ورسوله، ويوالون من يوالي اللَّه، ويعادون من يعادي اللَّه، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدئون، ولهذا هم حزب اللَّه المفلحون، وعباده المؤمنون" (٢)، وقال ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) عند قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]: "إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور" (٣)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): "ثنى بالثناء على أصحابه ﵃" (٤).
٢ - جمع آثار السلف واستيعابها في التفسير:
وهذا فرع عن اعتقاد إمامتهم على من بعدهم في كل دين وعلم وفضل، مع ما فيه من حسن تحقيق للمعاني بمعرفة كل ما قيل فيها من الأقوال، ومن ثم حسن توجيهها بما يوافق مقاصدهم. قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) مبينًا أهمية ذلك المنهج: "أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب أو جاهلًا فقد أخطأ كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالًا متعددةً لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنًى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبي زور واللَّه الموفق للصواب" (٥).
_________
(١) المحرر الوجيز ٤/ ٣٩٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٤/ ١٧٧.
(٣) المحرر الوجيز ٧/ ٦٨٩. وينظر: جامع البيان ٢١/ ٣٢١.
(٤) تفسير القرآن العظيم ١٣/ ١٣٢.
(٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦٨. ونقل ذلك عنه ابن كثير في مقدمة تفسيره ١/ ١١.
стр. 434
بل نص ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) على خطأ من لا ينقل عن بعض السلف ما يراه قد أخطأ فيه، وذكر أن: "الصواب ذكر أقوال السلف وإن كان فيها ضعيف؛ فالحجة تبين ضعفه، فلا يعدل عن ذكر أقوالهم" (١)، وهذا من مقتضى العدل والإنصاف.
وقد تميز ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) بجمع واستيعاب أقوال السلف في تفسير الآيات، بل نص على ذلك في مقدمة تفسيره، فقال: "ونحن في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه: منشئون -إن شاء اللَّه ذلك- كتابًا مستوعبًا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه جامعًا، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيًا، ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه الأمة، واختلافها فيما اختلفت فيه منه" (٢).
وصار تفسير ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) بذلك مصدرًا متقدمًا معتمدًا لدى من بعده من العلماء في معرفة ما ورد عن السلف في معنى الآية، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ): "الذين اعتنوا بجمع التفسير من طبقة الأئمة الستة: أبو جعفر بن جرير الطبري، ويليه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس الرازي، ومن طبقة شيوخهم: عبد بن حميد بن نصر الكشي. فهذه التفاسير الأربعة قلَّ أن يشذ عنها شيء من التفسير المرفوع والموقوف على الصحابة والمقطوع عن التابعين. وقد أضاف الطبري إلى النقل المستوعب أشياء لم يشاركوه فيها، كاستيعاب القراءات والإعراب والكلام في أكثر الآيات على المعاني والتصدي لترجيح بعض الأقوال على بعض، وكل من صنف بعده لم يجتمع له ما اجتمع فيه؛ لأنه في هذه الأمور في مرتبة متقاربة، وغيره يغلب عليه فن من الفنون فيمتاز فيه ويقصر في غيره" (٣).
وقد قام منهج الأئمة الأربعة بعد ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) على ذلك المنهج في استيعاب أقوال السلف في الآيات، وهذا ظاهر في تفسير ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ)، ومما يشير إلى ذلك قوله في مقدمة تفسيره مبينًا منهجه: "وأثبت أقوال العلماء في المعاني منسوبةً إليهم على ما تلقى السلف الصالح -رضوان اللَّه عليهم- كتاب اللَّه من مقاصده العربية، السليمة من إلحاد أهل القول بالرموز، وأهل القول بعلم الباطن، وغيرهم" (٤)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): "إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السُّنَّة
_________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤٨.
(٢) جامع البيان ١/ ٧.
(٣) العجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٠٢.
(٤) المحرر الوجيز ١/ ٩.
стр. 435
رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك؛ لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين" (١)، وهو في هذا متابع لابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) وآخذ عنه (٢). وهذا المنهج ظاهر جدًّا في تفاسير هؤلاء الأئمة بما يغني عن الاستشهاد له.
٣ - توجيه آثار السلف:
ومعنى التوجيه: بيان وجه القول، ومقصده. كما هو مقتضاه في اللغة، واستعمال أهل العلم، ولا سيما المفسرون له.
وقد تميز الأئمة الخمسة بين عامة المفسرين بحسن توجيه أقوال السلف إلى ما يليق بها من المعاني؛ من جهة مقاصدهم، ومراتبهم في العلم والدين.
وكان المقدم فيهم إمام المفسرين ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ)، فقد أبان في تفسيره عن صحة فهم لمقاصد السلف من أقوالهم، مع دقة البيان عنهم، وقدرته على جمع المعاني المؤتلفة في معنًى عام يتقن التعبير عنه. ومن شواهد ذلك قوله عند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]: " ﴿وَالْحُكْمَ﴾؛ يعني: الفهم بالكتاب ومعرفة ما فيه من الأحكام. وروي عن مجاهد في ذلك. .، قال: الحكم هو اللب. وعنى مجاهد إن شاء اللَّه ما قلت؛ لأن اللب هو العقل، فكأنه أراد أن اللَّه آتاهم العقل بالكتاب، وهو بمعنى ما قلنا من أنه الفهم به" (٣)، وقال: "روي عن قتادة في تأويل قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] أنه: يكذبون. وأحسب أن قتادة عنى بتأويله ذلك كذلك أنهم يكذبون في وصفهم اللَّه بما كانوا يصفونه به؛ من ادعائهم له بنين وبنات، لا أنه وجه تأويل الوصف إلى الكذب" (٤)، وقال بعد أن أورد أقوال السلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]: "وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه، وإن كانت مختلفة الألفاظ، فإن معانيها متفقة. . . " (٥).
وقرر ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) في هذا الباب أنه لا وجه لتوجيه كلام أحد من السلف
_________
(١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦٤.
(٣) جامع البيان ٩/ ٣٨٧.
(٤) جامع البيان ٩/ ٤٥٧.
(٥) جامع البيان ١/ ٥٨٦.
стр. 436
بعد بيانه هو عن مقصده منه، كما في قوله بعد أن أورد قولًا لابن عباس ﵄، ومجاهد (ت: ١٠٤ هـ): "وقد بيَّن ابن عباس ومجاهد ما أرادا من المعنى في قراءتهما ذلك على ما قرآ، فلا وجه لقول هذا القائل ما قال مع بيانهما عن أنفسهما ما قصدا إليه من معنى ذلك" (١).
وتلا ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) في ذلك المنهج باقي الأئمة، ومن شواهد ذلك توجيه ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ): أثر قتادة: (﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]؛ أي: خيارًا كله لا رذل فيه، يشبه ثمار الدنيا)، حيث قال: "كأنه يريد متناسبًا في أن كل صنف هو أعلى جنسه، فهذا تشابه ما" (٢)، وقال فيه ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): "المراد بالتشابه التوافق والتماثل" (٣).
وكذا توجيه ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، حيث ذكر أقوال السلف فيها، وبيَّن أن "الآية تعم الجميع، وهذه الأقوال تمثيل لا خلاف" (٤).
ومثله توجيه ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) تفسير جماعة من السلف بأن (الريب: الشك)، حيث قال: "هذا تقريب؛ وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة، فكما أن اليقين ضمن السكون والطمأنينة، فالريب ضده ضمن الاضطراب والحركة، ولفظ (الشك) وإن قيل: إنه يستلزم هذا المعنى. لكن لفظه لا يدل عليه" (٥).
وذكر ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) قول زيد بن أسلم: (﴿الم﴾ [البقرة: ١] اسم من أسماء القرآن)، وقال: "ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد: أنه اسم من أسماء السور، فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] اسمًا للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت ﴿المص﴾، إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف، لا لمجموع القرآن" (٦).
٤ - نقد آثار السلف:
اعتنى الأئمة الخمسة بنقد أقوال السلف عناية ظاهرةً؛ فصححوا وأبطلوا، ورجحوا وضعفوا، ووازنوا بين الأقوال، وأشاروا إلى ما في بعضها من نكارة أو
_________
(١) جامع البيان ١٠/ ٣٧٠.
(٢) المحرر الوجيز ١/ ١٥٢.
(٣) تفسيره ١/ ١١٢.
(٤) المحرر الوجيز ١/ ١٠٧.
(٥) تفسيره ١/ ١٣٧ بتصرف.
(٦) تفسير القرآن العظيم ١/ ٢٥١.
стр. 437
غرابة؛ وذلك أنه لا تلازم بين اعتقاد فضل السلف وإمامتهم في العلم والدين، واعتقاد عصمتهم عن الخطأ، بل يقع من آحادهم ما يقع من غيرهم من الخطأ والسهو والنسيان، ونحو ذلك.
وقد جاء نقد الأئمة الخمسة لآثار السلف في صورتين:
أ - نقد متون مرويات السلف، كما في قول ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) بعد أن أورد قول ابن عباس ﵄: " ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩]، يقول: معرضة"، ثم قال: "وأخشى أن يكون خبر علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس هذا، غلطًا، وأن يكون موضع (معرضةً) (مغيرةً)، لكن صحف فيه" (١)، وقوله أيضًا: "فإن ظن ظان أن الخبر الذي روي عن محمد بن كعب صحيح، فإن في استحالة الشك من الرسول ﷺ في أن أهل الشرك من أهل الجحيم، وأن أبويه كانا منهم ما يدفع صحة ما قاله محمد بن كعب، إن كان الخبر عنه صحيحًا" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] قال الحسن بن صالح: "استحملوه النعال"، فقال ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ): "وهذا بعيد شاذ" (٣)، وذكر قول عبد اللَّه بن الحارث: أن ابن عباس سأل كعبًا عن ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]؟ فقال: هي الكروم والأعناب بالسريانية. فقال: "وأظن هذا وهمًا اختلط بالفردوس" (٤)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) منتقدًا قول سفيان الثوري: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]: تظلمون أنفسكم. "وهذا القول فيه نظر؛ فإن كل ذنب يذنبه الإنسان فقد ظلم فيه نفسه، سواءً فعله سرًّا أو علانيةً" (٥). وفي قول سعيد بن المسيب عند قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣]، قال: (يرون أن هذه الآية التي بعدها نسختها: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فهن من أيامى المسلمين)، قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) منتقدًا: "هذا أفسد من الكل؛ فإنه لا تعارض بين هاتين الآيتين، ولا تناقض إحداهما الأخرى، بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامي، وحرم نكاح الزانية كما حرم نكاح المعتدة والمحرمة وذوات المحارم، فأين الناسخ والمنسوخ في هذا؟ ! " (٦)، وفي خبر زيد بن ثابت ﵁ قال:
_________
(١) جامع البيان ٢٣/ ٤٣٥. ويصحح ذلك أن ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) أخرجه بلفظ: "مغيرةً". كما في الإتقان ٢/ ٤١، ط. محمد أبو الفضل.
(٢) جامع البيان ٢/ ٤٨٢. وينظر: ١/ ٤٨٩، ٢/ ١٥٤، ٢٣/ ٤٥٣، ٢٤/ ٦١٨.
(٣) المحرر الوجيز ٤/ ٣٨٥.
(٤) المحرر الوجيز ٤/ ٦٢.
(٥) تفسيره ١/ ٤٤٢.
(٦) تفسيره ٢/ ٢٣٣.
стр. 438
"أملى علي رسول اللَّه ﷺ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، إلى قوله ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. فقال معاذ بن جبل: فتبارك اللَّه أحسن الخالقين. فضحك رسول اللَّه ﷺ . فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول اللَّه؟! قال: "بها ختمت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ". قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) منتقدًا: "جابر بن يزيد الجعفي ضعيف جدًّا، وفي خبره هذا نكارة شديدة؛ وذلك أن السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضًا" (١).
ب - نقد أسانيد مرويات السلف، كما في قول ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "وذلك قول يروى عن ابن عباس، تركنا ذكره؛ لأن في إسناده من لا نستجيز ذكره" (٢)، وكذا قوله في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٩]: "وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود بأعيانهم، من وجه لم تثبت صحته" (٣)، وعلق ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) على أثر لابن عباس ﵄ بقوله: "الإسناد في مثل هذا غير وثيق" (٤)، وقال ابن تيميه (ت: ٧٢٨ هـ) معلقًا على بعض الآثار في التفسير: "وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه، وهذا مما أنكره عليه العلماء، فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس، وهو عند أهل العلم بالرجال متروك، بل كذاب" (٥)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) عن قول ينسب لابن عباس ﵄: "وهذا القول ضعيف جدًّا، وهو منقطع عن ابن عباس، والصحيح عنه خلافه" (٦)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) عن أثر متكرر في التفسير: "هذا الإسناد ضعيف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي، أو من دونه، واللَّه أعلم. وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة، فلا يغتر بها؛ فإن السند ضعيف" (٧).
٥ - الاستدلال بآثار السلف والاعتماد عليها (٨):
وهذه ثمرة اعتقاد إمامة السلف في الدين والعلم، وكمالهم في الفضل والعقل،
_________
(١) تفسير القرآن العظيم ١٠/ ١١٦.
(٢) جامع البيان ١٩/ ٦٠٦.
(٣) جامع البيان ٩/ ١٨٥.
(٤) المحرر الوجيز ١/ ١٨٠.
(٥) تفسيره ١/ ٢٧١.
(٦) تفسيره ١/ ١٧١.
(٧) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٣٨.
(٨) خصصت هذا المبحث بمزيد بيان لشدة تعلقه بمادة الموسوعة.
стр. 439
كما أنها أجل غاية حملت العلماء على جمع واستيعاب أقوال السلف، وتفهمها وتوجيهها، وفحصها ونقدها.
ومن جليل ما يتنبه إليه هنا: أن تعظيم هؤلاء الأئمة للسلف، والاستدلال بآثارهم، واعتقاد تقدمهم على من بعدهم في كل علم ودين ليس أثرًا من الإيمان بالنصوص الموجبة لذلك فحسب؛ وإنما جاء نابعًا أيضًا من مقتضيات ومزايا توفرت لعلومهم ولم تتوفر لمن بعدهم، أو لم تكن فيمن بعدهم كما كانت فيهم؛ كمعاصرة النزول، ومشاهدة قرائن التنزيل، وسليقية اللغة، وشدة حرصهم على تعرف ألفاظ القرآن ومعانيه، ونحو ذلك. فدلالة العقل، ومقتضى الفطرة، والعادة المطردة أيدت مقتضى النصوص في تقرير هذا الأصل العلمي المنهجي، ومن نقول الأئمة في بيان ذلك قول ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "التفسير الثابت عن الصحابة والتابعين إنما قبلوه لأنهم قد علموا أن الصحابة بلغوا عن النبي ﷺ لفظ القرآن ومعانيه جميعًا، كما ثبت ذلك عنهم، مع أن هذا مما يعلم بالضرورة عن عادتهم؛ فإن الرجل لو صنف كتاب علم في طب أو حساب أو غير ذلك، وحفظه تلامذته، لكان يعلم بالاضطرار أن هممهم تشوق إلى فهم كلامه ومعرفة مراده، وأن بمجرد حفظ الحروف لا تكتفي به القلوب، فكيف بكتاب اللَّه الذي أمر ببيانه لهم، وهو عصمتهم، وهداهم، وبه فرق اللَّه بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وقد أمرهم بالإيمان بما أخبر به فيه، والعمل بما فيه، وهم يتلقونه شيئًا بعد شيء، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ الآية [الفرقان: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم، ولا ما يقرؤونه، ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول، ولا يسألونه عن ذلك، ولا يبتدئ هو بيانه لهم! ! هذا مما يعلم بطلانه أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله" (١)، وقال: "بل من المعلوم أن رغبة الرسول في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه؛ فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود، إذ اللفظ إنما يراد للمعنى" (٢)، وقال أيضًا: "من المحال أن تكون القرون الفاضلة؛ القرن الذي بعث فيه رسول اللَّه ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،
_________
(١) بغية المرتاد ص ٣٣٠.
(٢) مجموع الفتاوى ٥/ ١٥٧.
стр. 440
كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق، وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع؛ أما الأول: فلأن من في قلبه أدنى حياة، وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب، والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده، وأعظم مطالبه. .؛ وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي -الذي هو من أقوى المقتضيات- أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة، في مجموع عصورهم، هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضًا عن اللَّه، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر اللَّه تعالى، فكيف يقع في أولئك! وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم، ولا عاقل عرف حال القوم" (١). وسيأتي مزيد بيان لهذا في مستند أقوال السلف فيما يأتي.
وقد أقام الأئمة الخمسة تفاسيرهم على اعتماد أقوال السلف أصلًا في فهم معاني القرآن؛ يحتكم إليه، ويعتمد عليه، وتوزن به الأقوال صوابًا وخطأً، وقبولًا وردًّا؛ فقد قرر ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) في مقدمة تفسيره أن ضابط إصابة الحق في التفسير: عدم الخروج عن أقوال السلف؛ فقال: "أحق المفسرين بإصابة الحق في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد السبيل أوضحهم حجةً فيما تأول وفسر. .، كائنًا من كان ذلك المتأول والمفسر، بعد ألا يكون خارجًا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة" (٢).
بل جعل الخروج عن أقوال السلف شاهدًا كافيًا على خطأ ذلك القول، كما في قوله: "وذلك قول لقول أهل التأويل مخالف، وكفى بخروجه عن قول أهل العلم من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من الخالفين، على خطئه شاهدًا" (٣).
وبيَّن في كثير من المواضع من تفسيره عدم جواز القول بخلاف قول السلف وإن كان محتملًا، ومن قوله في ذلك: "وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها؛ فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنًى منها" (٤)، ورد قولًا وقال: "وهذا قول
_________
(١) مجموع الفتاوى ٥/ ٧.
(٢) جامع البيان ١/ ٨٩.
(٣) جامع البيان ٧/ ١١٦.
(٤) جامع البيان ٢/ ١٣٨.
стр. 441
مخالف تأويل من ذكرنا تأويله من أهل العلم في تأويل ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وإن كان صحيحًا على مذهب العربية" (١)، وعلل ذلك بأن انحصار أقوال السلف في قولين فأكثر إجماع منهم على أن الصواب في أحدها، ومن شواهد ذلك قوله: "وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس. .؛ لأنه لا خلاف بين جميع أهل التأويل أن تأويل ذلك غير خارج عن أحد الوجهين اللذين وصفت. .، فإذ كان لا قول في تأويل ذلك إِلا أحد القولين اللذين وصفت، ثم كان أحدهما غير موجودة على صحته الدلالة من الوجه الذي يجب التسليم له صح الوجه الآخر" (٢)، وقوله: "وهذا قول لا نعلم له قائلًا من متقدمي العلم قاله وإن كان له وجه؛ فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز عندنا أن يتعدى ما أجمعت عليه الحجة، فما صح من الأقوال في ذلك إِلا أحد الأقوال التي ذكرناها عن أهل العلم" (٣)، ومن ثم كان ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) يتقي ما لم يسبقه إليه أحد من السلف، كما في قوله عند قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]: "وقد كان -لو أن المفسرين كانوا فسروه كذلك-: وهزي إليك رطبًا بجذع النخلة. بمعنى: على جذع النخلة وجهًا صحيحًا، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك" (٤).
واعتمد ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) أقوال السلف في استدلاله في مواضع، كما في قوله: "ولفظ الآية إنما يعطي طلب المغفرة، وهكذا تأوله من ذكرناه من الصحابة" (٥).
أما ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) فقد تصدى لتقرير هذا الأصل العظيم في كثير من كلامه؛ فبيَّن أن الصحابة تلقوا بيان القرآن عن رسول اللَّه ﷺ ، كما في قوله: "يجب أن يعلم أن النبي ﷺ بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى (﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا" (٦)، وقال: "بل من المعلوم أن رغبة الرسول في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه؛ فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود، إذ اللفظ إنما يراد للمعنى" (٧).
وبيَّن وجه اقتضاء ذلك من جهة العادة فقال: "التفسير الثابت عن الصحابة والتابعين إنما قبلوه لأنهم قد علموا أن الصحابة بلغوا عن النبي ﷺ لفظ القرآن
_________
(١) جامع البيان ٣/ ٨٩.
(٢) جامع البيان ١/ ٥٣٣.
(٣) جامع البيان ٢٣/ ١٧٩.
(٤) جامع البيان ١٥/ ٥١٢.
(٥) المحرر الوجيز ١/ ٤١١.
(٦) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣١.
(٧) مجموع الفتاوى ٥/ ١٥٧.
стр. 442
ومعانيه جميعًا، كما ثبت ذلك عنهم، مع أن هذا مما يعلم بالضرورة عن عادتهم؛ فإن الرجل لو صنف كتاب علم في طب أو حساب أو غير ذلك، وحفظه تلامذته، لكان يعلم بالاضطرار أن هممهم تشوق إلى فهم كلامه ومعرفة مراده، وأن بمجرد حفظ الحروف لا تكتفي به القلوب، فكيف بكتاب اللَّه الذي أمر ببيانه لهم، وهو عصمتهم، وهداهم، وبه فرق اللَّه بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وقد أمرهم بالإيمان بما أخبر به فيه، والعمل بما فيه، وهم يتلقونه شيئًا بعد شيء، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ الآية [الفرقان: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم، ولا ما يقرؤونه، ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول، ولا يسألونه عن ذلك، ولا يبتدئ هو بيانه لهم! ! هذا مما يعلم بطلانه أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله" (١).
وبيَّن ذلك من جهة العقل والفطرة أيضًا فقال: "من المحال أن تكون القرون الفاضلة؛ القرن الذي بعث فيه رسول اللَّه ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق، وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع؛ أما الأول: فلأن من في قلبه أدنى حياة، وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب، والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده، وأعظم مطالبه. .، وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي -الذي هو من أقوى المقتضيات- أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة، في مجموع عصورهم، هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضًا عن اللَّه، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر اللَّه تعالى، فكيف يقع في أولئك! وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم، ولا عاقل عرف حال القوم" (٢).
ثم بيَّن اللوازم الباطلة المترتبة على القول بجهل الصحابة ببعض معاني القرآن
_________
(١) بغية المرتاد ص ٣٣٠.
(٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٥.
стр. 443
الكريم، فقال: "ومن زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن، أو أنه بيَّنها وكتموها عن التابعين، فهو بمنزلة من زعم أنه بيَّن لهم النص على علي، وشيئًا آخر من الشرائع والواجبات، وأنهم كتموا ذلك، أو أنه لم يبين لهم معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج، ونحو ذلك مما يزعم القرامطة أن له باطنًا يخالف الظاهر، كما يقولون: إن الصلاة معرفة أسرارهم، والصيام كتمان أسرارهم، والحج زيارة شيوخهم. .، ونحو ذلك من تفسير القرامطة" (١)، ومن ثم يتقرر أن العدول عن فهم السلف أصل الضلال والخطأ في تفسير القرآن الكريم، وقال في هذا: "أصل وقوع أهل الضلال في مثل هذا التحريف: الإعراض عن فهم كتاب اللَّه تعالى كما فهمه الصحابة والتابعون" (٢)، وقال: "من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا في ذلك، بل مبتدعًا" (٣).
وقد اعتنى ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ببيان وجوب اعتماد الأقوال السلفية في فهم الدين، ففصل دلالة قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] في عشر صفحات، وذكر بعدها ستةً وأربعين وجهًا مستدلّا بها على هذا المعنى (٤)، ومما قاله في ذلك: "فالصحابة أخذوا عن رسول اللَّه ﷺ ألفاظ القرآن ومعانيه، بل كانت عنايتهم بأخذ المعاني من عنايتهم بالألفاظ؛ يأخذون المعاني أولًا، ثم يأخذون الألفاظ ليضبطوا بها المعاني حتى لا تشذ عنهم. قال حبيب بن عبد اللَّه البجلي، وعبد اللَّه بن عمر: "تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيمانًا"، فإذا كان الصحابة تلقوا عن نبيهم معاني القرآن كما تلقوا عنه ألفاظه لم يحتاجوا بعد ذلك إلى لغة أحد؛ فنقل معاني القرآن عنهم كنقل ألفاظه سواءً" (٥)، وعلق على قول ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "إجماعهم لا يكون إِلَّا معصومًا، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم" (٦)، فقال: "وهذا منصوص أبي حنيفة، ومذهب مالك، ونص عليه أحمد، والشافعي في القديم والجديد، وصرح به محمد بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وهو قول جمهور الحنفية، وأصحاب مالك، وجمهور أصحاب أحمد" (٧)، وقال: "وأئمة
_________
(١) بغية المرتاد ص ٣٣١.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٣٨٣.
(٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦١.
(٤) إعلام الموقعين ٥/ ٥٥٦.
(٥) مختصر الصواعق المرسلة ص ٥١١.
(٦) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٤.
(٧) إعلام الموقعين ٥/ ٥٥٠. وينظر: مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٤.
стр. 444
الإسلام كلهم على قبول قول الصحابي" (١).
أما ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) فقد نقل في مقدمة تفسيره ما بيَّنه ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) في هذا المعنى، وقرر صحة اعتماد أقوال السلف في التفسير (٢).
_________
(١) إعلام الموقعين ٥/ ٥٥٤. وينظر: بيان تلبيس الجهمية ٦/ ٤٠١.
(٢) ينظر: مقدمة تفسير القرآن العظيم ١/ ٧، ١١ - ١٢.
стр. 445
٥ - مستندات التفسير تعريفها وتصنيفها وتعامل الأئمة معها
إعداد د. نايف بن سعيد الزهراني
стр. 446
أولًا تعريف المستندات
المستندات لغةً: السين والنون والدال أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء، يقال: سند إلى الشيء، واستند إليه، إذا ركن إليه، واعتمد عليه، واتكأ (١)، "والسند معتمد الإنسان، كالمستند" (٢).
واصطلاحًا: ما يعتمد عليه في إثبات قضية أو نفيها (٣).
* * *
_________
(١) ينظر: مقاييس اللغة ١/ ٥٧٢، ولسان العرب ٤/ ٢٠٥، والمعجم الوسيط ص ٤٥٣.
(٢) تاج العروس ٨/ ٢١٥.
(٣) ينظر: التعريفات ص ١٢٤، ٢١٠، وكشاف اصطلاحات الفنون ص ٩٨٤.
стр. 447
ثانيًا حصر مستندات التفسير وتصنيفها
دلَّ استقراء المستندات المستعملة في إثبات المعاني أو نفيها في التفسير على انحصارها في الوجوه الآتية (١):
١ - القرآن الكريم:
وهو: كلام اللَّه المنزل على نبيِّه محمد ﷺ ، المعجز بنفسه، المتعبد بتلاوته (٢).
وهو أجلّ ما يستند إليه في بيان معاني الآيات؛ فإن خير من يفسر القرآن من تكلم به؛ وهو اللَّه سبحانه، إذ لا أحد أعلم من اللَّه جلَّ وعلا بمعاني كلامه، قال الزمخشري (ت: ٥٣٨ هـ): "وأسد المعاني ما دلَّ عليه القرآن" (٣)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر" (٤)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): "وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير" (٥)، وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "إن كثيرًا من القرآن لا يفهم معناه حق الفهم إِلا بتفسير موضع آخر، أو سورة أخرى" (٦).
كما انعقد إجماع العلماء على أنه أعلى درجات البيان لمعاني القرآن، قال الفراهي (٧) (ت: ١٣٤٩ هـ): "أجمع أهل التأويل من السلف إلى الخلف أن القرآن يفسر
_________
(١) تمر في مواضع من الموسوعة تعبيرات مختلفة عن المستندات المذكورة هنا؛ وذلك تابع لاستعمال الأئمة الخمسة لتلك العبارات؛ كذكرهم: التاريخ، وعادة العرب، وأقرب مذكور، والعموم، والواقع، والعادة، ونحوها. وهذه المستندات راجعة إلى الأصول المذكورة هنا، كالتاريخ مثلًا فإنه يرجع إلى مستند أحوال النزول، ومستند عادة العرب راجع إلى اللغة، وأقرب مذكور عائد إلى السياق. وهكذا.
(٢) ينظر: أصول في التفسير ص ٧، وأسماء القرآن وأوصافه من القرآن الكريم ص ٤١.
(٣) الكشاف ٣/ ٤٥٨.
(٤) مجموع الفتاوي ١٣/ ٣٦٣.
(٥) التبيان في أيمان القرآن ص ٢٧٨.
(٦) الموافقات ٤/ ٢٧٥.
(٧) عبد الحميد بن عبد الكريم الأنصاري، حميد الدين أبو أحمد الفراهي، عالم لغوي مفسر، صنف: =
стр. 448
بعضه بعضًا، وأنه هو أوثق تعويلًا، وأحسن تأويلًا" (١)، وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) في مقدمة تفسيره: "واعلم أن من أهم المقصود بتأليفه أمران: أحدهما: بيان القرآن بالقرآن، لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها: تفسير كتاب اللَّه بكتاب اللَّه" (٢).
ومن شواهد الاستناد إليه في بيان معاني القرآن قول ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]: "والصواب من القول في ذلك قول من قال: عني بها ليلة القدر؛ لأن اللَّه أخبر -تعالى ذكره- أن ذلك كذلك بقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] " (٣). وانتقد ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) بعضا من الأقوال بقوله: "وهذه الأقوال كلها ضعيفة، ودعاوى لا تستند إلى قرآن ولا حديث" (٤).
٢ - القراءات القرآنية:
والمقصود بها: كيفية أداء الكلمات القرآنية اتفاقًا واختلافًا، مع عزو كل وجه لناقله (٥). وتنقسم إلى قسمين:
الأول: القراءة الصحيحة، وهي ما اجتمع فيها ثلاثة شروط:
١ - استفاضتها وشهرتها بين القراء.
٢ - موافقتها وجهًا صحيحًا في العربية.
٣ - موافقتها لرسم مصاحف المسلمين.
الثاني: القراءة الشاذة، وهي كل قراءة تخلف عنها شرط من شروط القراءة الصحيحة.
قال ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "ثم كل من اختار حرفًا من المقبولين من الأئمة المشهورين بالسُّنَّة، والاقتداء بمن مضى من علماء الشريعة راعى في اختياره: الرواية أولًا، ثم موافقة المصحف الإمام ثانيًا، ثم العربية ثالثًا. فمن لم يراع الأشياء الثلاثة في اختياره لم يقبل اختياره، ولم يتداوله أهل السُّنَّة والجماعة" (٦).
والفرق بينهما هنا: أن القراءة الشاذة لا يقطع بقرآنيتها، ولا تصح الصلاة بها.
_________
= مفردات القرآن، وإمعان في أقسام القرآن، توفي سنة (١٣٤٩ هـ). ينظر: مقدمة مفردات القرآن ص ١١.
(١) دلائل النظام ص ٨٣.
(٢) أضواء البيان ١/ ٨.
(٣) جامع البيان ٢١/ ٦.
(٤) المحرر الوجيز ٣/ ٤٣٤.
(٥) ينظر: منجد المقرئين ص ٤٩، والبدور الزاهرة ص ٧.
(٦) شرح الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع، للمنتوري ٢/ ٨٦٤.
стр. 449
أما الاستناد إليهما في بيان المعاني فصحيح معتبر؛ فإن الاحتجاج بالقراءة الصحيحة -بشروطها الثلاثة السابقة- من جنس الاحتجاج بالقرآن الكريم؛ لأن كل قراءة صحيحة بمثابة آية مستقلة، وذلك أن كيفيات أداء الكلمات القرآنية إنما ثبتت بتنزيل من اللَّه تعالى ذكره، فعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه" (١)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "وقد بيَّنَّا أن القراءتين كالآيتين، فزيادة القراءات كزيادة الآيات" (٢)، وقال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): "وقد تقرر أن القراءتين بمنزلة الآيتين" (٣)، وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ): "إن القراءتين إذا ظهر تعارضهما (٤) في آية واحدة لهما حكم الآيتين كما هو معروف عند العلماء" (٥).
أما الاحتجاج بالقراءات الشاذة على المعاني فالعلماء فيه على رأيين، أصحهما: صحة الاحتجاج بالقراءات الشاذة، وهو مذهب أبي حنيفة (ت: ١٥٠ هـ)، والشافعي (ت: ٢٠٤ هـ)، وأحمد (ت: ٢٤١ هـ)، وعليه أكثر العلماء، وعامة المفسرين، وذكره ابن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ) إجماعًا (٦)، ولا يكاد يرى أثر هذا الخلاف في كتب التفسير، بل الأصل فيها نقل هذه القراءات، والاحتجاج بها ضمن قواعد الاستدلال المعتبرة، قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ): "فأما ما جاء من هذه الحروف التي لم يؤخذ علمها إِلا بالإسناد والروايات التي تعرفها الخاصة من العلماء دون عوام الناس فإنما أراد أهل العلم منها أن يستشهدوا بها على تأويل ما بين اللوحين، ويكون دلائل على معرفة معانيه، وعلم وجوهه، وذلك كقراءة حفصة وعائشة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) [البقرة: ٢٣٨] (٧)، وكقراءة ابن مسعود: (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم) [لمائدة: ٣٨] (٨). .، فهذه الحروف وأشباه لها كثيرة قد صارت مفسرةً للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن بعض التابعين في التفسير فيستحسن ذلك، فكيف إذا روي عن لباب أصحاب محمد ﷺ ، ثم صار في
_________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ١٩٤ (٥٠٤١)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٤٢٢ (٨١٨).
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٤٠٠.
(٣) فتح القدير ١/ ٢٢٦.
(٤) القراءات المقبولة لا تتعارض، بل تتخالف.
(٥) أضواء البيان ٢/ ١١.
(٦) الاستذكار ٢/ ٣٥. وينظر: فضائل القرآن، لأبي عبيد ص ١٩٥، ومجموع الفتاوى ٢٠/ ٢٦٠، ومختصر ابن اللحام ص ٧٢، وشرح الكوكب المنير ٢/ ١٣٩.
(٧) قراءة شاذة. ينظر: قراءات النبي ﷺ ، للدوري ص ٧٧، والمصاحف ١/ ٣٥٢، ٣٦٥، ٣٧١.
(٨) قراءة شاذة. ينظر: القراءات الشاذة، لابن خالويه ص ٣٣.
стр. 450
نفس القراءة! فهو الآن أكثر من التفسير وأقوى، وأدنى ما يستنبط من علم هذه الحروف: معرفة صحة التأويل. على أنها من العلم الذي لا يعرف العامة فضله، إنما يعرف ذلك العلماء" (١).
ومن شواهد استناد الأئمة الخمسة للقراءات قول ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، حيث اختار أن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مستأنف؛ مستندًا إلى قراءة أُبي وابن عباس: (ويقول الراسخون في العلم)، وقراءة عبد اللَّه: ﴿إن تأويله إِلا عند اللَّه، والراسخون في العلم يقولون﴾ (٢). وذهب ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ)، وابن عطية (ت: ٥٤١ هـ)، وابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) إلى أن معنى ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]: وما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان، كالأسد والنمر ونحوهما. استنادًا إلى أدلة منها قراءة ابن عباس: (وأكيل السبع) (٣).
٣ - السُّنَّة النبوية:
ويراد بها: كل ما أثر عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، مما لم ينطق به الكتاب العزيز (٤).
وهي من أجلِّ ما يستند إليه في بيان معاني القرآن بإجماع من المسلمين، قال الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ): "لم أسمع أحدًا -نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم- يخالف في أن فرض اللَّه اتباع أمر رسول اللَّه ﷺ ، والتسليم لحكمه" (٥)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "السُّنَّة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب اتباعها" (٦)، وقال أيضًا: "اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين أن السُّنَّة تفسر القرآن وتبينه، وتعبِّر عن مجمله" (٧)، وقال ابن الوزير (ت: ٨٤٠ هـ): "النوع الثالث: التفسير النبوي، وهو مقبول بالنص والإجماع" (٨).
وقد نصَّ العلماء على تقديم دليل السُّنَّة في البيان عن معاني القرآن على غيره من
_________
(١) فضائل القرآن ص ١٩٥. وينظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٣٦، والإتقان ٢/ ٥٣٣.
(٢) جامع البيان ٥/ ٢٢١ - ٢٢٢.
(٣) ينظر: جامع البيان ٨/ ٦٢، والمحرر الوجيز ٣/ ٩٧، وتفسير القرآن العظيم ٣/ ٢٢.
(٤) ينظر: لسان العرب ١٧/ ٨٩، وشرح الكوكب المنير ٢/ ١٥٩، ومذكرة أصول الفقه ص ١٦٧.
(٥) جماع العلم ص ١١.
(٦) مجموع الفتاوى ١٩/ ٨٥.
(٧) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦٣.
(٨) إيثار الحق على الخلق ص ١٥٢.
стр. 451
أنواع الأدلة عدا نص القرآن، كما قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ): "السُّنَّة هي المفسرة للتنزيل، والموضحة لحدوده وشرائعه" (١)، وقال أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ): "السُّنَّة عندنا آثار رسول اللَّه ﷺ ، والسُّنَّة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن" (٢)، وقال أبو عمرو بن العلاء (ت: ١٥٤ هـ) وعبد الرحمن بن مهدي (ت: ١٩٨ هـ): "الحديث يفسر القرآن" (٣)، وقال ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "ورسول اللَّه أعلم بمعاني وحي اللَّه وتنزيله" (٤)، وقال أيضًا: "ولا أحد أعلم بما عنى اللَّه ﵎ بتنزيله منه ﵇" (٥).
ومن شواهد اعتماد الأئمة الخمسة على السُّنَّة في البيان قول ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]، حيث اختار أنه السارف لربع دينار أو قيمته؛ مستندًا إلى السُّنَّة، فقال: "والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: الآية معني بها خاص من السراف؛ وهم سراق ربع دينار فصاعدًا أو قيمته؛ لصحة الخبر عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "القطع في ربع دينار فصاعدًا" (٦) " (٧). ورجح ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) مستندًا إلى السُّنَّة بأن الدرجات في قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٦]: "هي المذكورة في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري في صحيحه، عن النبي ﷺ أنه قال: "من آمن باللَّه ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، فإن حقًّا على اللَّه أن يدخله الجنة، هاجر في سبيله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، قالوا: يا رسول اللَّه، أفلا تخبر الناس بذلك؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيله، كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" (٨) " (٩). وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤) في معنى ﴿الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]: "والصحيح أن الحواري: الناصر. كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللَّه ﷺ
_________
(١) الفقيه والمتفقه ١/ ٢٣٤.
(٢) طبقات الحنابلة ١/ ٢٢٦.
(٣) تهذيب الكمال ٣٤/ ١٢٧، وتاريخ بغداد ٢/ ٥٨٠.
(٤) جامع البيان ١٦/ ٤٤٩.
(٥) المرجع السابق ٦/ ٢٧٦. وينظر: ٣/ ٤٠٦، ٢٤/ ٧٣٧.
(٦) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في سننه (٤٩٤٥)، وأخرجه البخاري في صحيحه (٦٧٨٩، ٦٧٩١)، ومسلم في صحيحه (١٦٨٤)، وغيرهما بنحوه.
(٧) جامع البيان ٨/ ٤٠٩.
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٧٩٠).
(٩) تفسيره ١/ ٢٩٢.
стр. 452
قال: "إن لكل نبي حواريًّا، وحواري الزبير" (١) " (٢).
٤ - إجماع أهل التأويل:
ويراد به: اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ من المفسرين بعد وفاته في عصر من العصور على معنًى لآيات القرآن الكريم.
وقد اتفق أهل العلم على أن الإجماع حجة شرعية، يجب الأخذ به، وتحرم مخالفته، وأن اللَّه تعالى عصم هذه الأمة في إجماعها؛ فلا تجتمع على باطل أبدًا، وإذا أجمعت على أمر فهو الحق، قال الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣ هـ): "إجماع أهل الاجتهاد في كل عصر حجة من حجج الشرع، ودليل من أدلة الأحكام، مقطوع على مغيبه، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ" (٣)، والأدلة الشرعية على حجية الإجماع كثيرة متظاهرة؛ من نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقوله ﷺ : "من أراد بحبوحة (٤) الجنة فليلزم الجماعة" (٥)، وقد ثبت عن علماء كل عصر -من الصحابة والتابعين فمن بعدهم- القطع بتخطئة المخالف للإجماع، وشددوا النكير عليه، وعدوا ذلك مروقًا من الدين، وما حملهم على ذلك إِلا وجود مستند قاطع دل على تخطئة المخالف، ووجوب اتباع الإجماع (٦)، وهذا مما جرت به العادة في مثله.
ومن شواهد اعتماد الأئمة الخمسة الإجمال في التفسير ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، حيث انتقد ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) قول من قال: عنى بذلك كل ذبيحة لم يذكر اسم اللَّه عليها. فقال:
_________
(١) أخرجه الخاري في صحيحه (٢٨٤٦)، ومسلم في صحيحه (٢٤١٥).
(٢) تفسيره ٣/ ٦٨.
(٣) الفقيه والمتفقه ١/ ٣٩٧. وينظر: الرسالة ص ٤٧٢، ٤٧٥، ومجموع الفتاوى ١٩/ ١٧٦، ٢٠/ ١٠.
(٤) هي التمكن في المقام. ينظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٩٩.
(٥) أخرجه الترمذي في الجامع ٤/ ٤٦٥ (٢١٦٥)، وابن ماجه في السنن ٤/ ٤٠ (٢٣٦٣) مختصرًا، وأحمد في المسند ١/ ٢٦٩ (١١٤)، والنسائي في السنن الكبرى ٨/ ٢٨٤ (٩١٧٥)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٩٧ (٣٨٧). من حديث عمر ﵁، وإسناده صحيح، وطرقه كثيرة، قال الترمذي (ت: ٢٩٧ هـ): "حديث حسن صحيح غريب. .، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر"، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي.
(٦) ينظر: الكوكب المنير ٢/ ٢٢٣، وقوادح الاستدلال بالإجماع ص ١٤٥.
стр. 453
"والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن اللَّه عنى بذلك: ما ذبح للأصنام والآلهة، وما مات أو ذبحه من لا تحل ذبيحته. وأما من قال: عني بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم اللَّه. فقول بعيد من الصواب لشذوذه، وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله، وكفى بذلك شاهدًا على فساده" (١). وبيَّن ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) المراد بـ "الإخوة" في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]، فقال: "أجمع العلماء على أن الإخوة في هذه الآية الإخوة لأم؛ لأن حكمهم منصوص في هذه الآية على صفة، وحكم سائر الإخوة مخالف له، وهو الذي في كلالة آخر السورة" (٢).
٥ - أقوال السلف:
يطلق مصطلح "السلف" ويراد به أحد مفهومين:
الأول: الصحابة والتابعون وأتباع التابعين. أو هم: جمهور الصحابة والتابعين وأتباع التابعين. وهذه الدلالة التاريخية لهذا المصطلح، ومستندها حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٣)، والقرن هم: أهل كل زمان واحد متقارب يشتركون في أمرٍ مقصودٍ (٤). ومن ثم فقرن النبي ﷺ هم الصحابة، والثاني: التابعون، والثالث: تابعوهم (٥).
الثاني: الصحابة والتابعون وأتباعهم؛ ممن التزم الكتاب والسُّنَّة ولم يتلبس ببدعة، ومن تبعهم بإحسان. وهذه الدلالة المنهجية لهذا المصطلح، ومستندها ما ورد في بيان الفرقة الناجية في حديث الافتراق المشهور: "مما أنا عليه وأصحابي" (٦)؛ حيث ربط النبي ﷺ الفرقة الناجية بما كانوا عليه من منهج محدد واضح المعالم، لا بحقبة زمنية مجردة.
_________
(١) جامع البيان ٩/ ٥٢٩.
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٤٨٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ١٧١ (٢٦٥٢)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٦٨ (٢٥٣٣).
(٤) ينظر: لسان العرب ١٧/ ٢٠٩، والنهاية في غريب الحديث ٤/ ٤٥، وفتح الباري ٧/ ٨.
(٥) ينظر: شرح مسلم، للنووي ٦/ ٦٧، وتنبيه الرجل العاقل ٢/ ٥٧٧، ومجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧.
(٦) أخرجه الترمذي في الجامع ٥/ ٢٦ (٢٦٤١)، والمروزي في السُّنَّة ص ٢٣ (٥٩)، والحاكم في المستدرك ١/ ٢١٨ (٤٤٤). وقال الترمذي (ت: ٢٩٧ هـ): "حديث مفسر غريب"، وله شواهد صحيحة يرتقي بها إلى القبول؛ ذكر بعضها الحاكم (ت: ٤٠٥ هـ) وقال: "هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث". وقد جاء في تفسير هذه اللفظة ومعناها نصوص شرعية كثيرة تنظر في: الاعتصام ص ٤٧٠، ٤٧٦.
стр. 454
ومفهوم السلف بهذه الدلالة أساس للدلالة التاريخية السابقة؛ فإنه ما يشترك فيه أهل تلك القرون، ويجتمعون عليه، كما أنه صفة جمهورهم كذلك. ويزيد هذا المفهوم عن الدلالة التاريخية باشتماله من انتسب إلى السلف ممن تأخر به الزمن عنهم، والانتساب إليهم صحيح مقبول، كما قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق؛ فإن مذهب السلف لا يكون إِلا حقًّا" (١)، وحقيقة الانتساب إلى السلف: التزام منهجهم في تلقي النصوص، وفهمها، والاستدلال بها (٢).
وفي حجية هذا المستند يتقرر أنه إذا أجمع السلف على قول فهو الحق، واتباعهم فيه واجب تحرم مخالفته، كما سبق بيان ذلك في مستند الإجماع.
أما ما دون ذلك من أقوال السلف؛ مما قاله بعضهم وانتشر عنه أو لم ينتشر، فالصحيح أنه حجة في دين اللَّه بشرطين:
الأول: ألا يخالف نصًّا ثابتًا من كتاب أو سُنَّة.
الثاني: ألا يخالفه أحد من الصحابة، فإن خالفه صحابي فالأولى منهما ما شهد له دليل الوحي.
وما كان كذلك فيصح الاحتجاج به، وتحرم مخالفته، ولا يجوز الإحداث بعده (٣).
وقد تظاهرت الأدلة النقلية والعقلية على تقرير ذلك، ومنها:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فالآية صريحة في الثناء على من اتبع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؛ وهم أئمة السلف وقادتهم ﵃، والاتباع يتضمن صحة ما هم عليه من الدين؛ ومن ذلك سلامة فهمهم لكتاب اللَّه تعالى، والثناء على
_________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٩.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٤/ ١٧٢، والاعتصام ص ٤٣٩.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٤، وإجمال الإصابة في أقوال الصحابة ص ٥٦، وإعلام الموقعين ٦/ ٣٦، والموافقات ٤/ ١٢٨، ٤٤٦، وقطف الأزهار ص ٩١.
وقد نبَّه ابن قدامة (ت: ٦٢٠ هـ) إلى أن المراد بالمخالفة هنا: "نفي ما أثبتوه، أو إثبات ما نفوه"؛ وليس زيادة البيان، والتمثيل، وما لا يبطل أقوالهم. ينظر: نزهة الخاطر العاطر ١/ ٣١١.
стр. 455
من اتبعهم في ذلك، وقد احتج الإمام مالك (ت: ١٧٩ هـ) بهذه الآية على وجوب اتباع الصحابة ﵃ (١).
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧]، فعلق اللَّه تعالى الهداية بالإيمان لمثل ما آمن به النبي ﷺ وأصحابه ﵃، فالإيمان التام إيمانهم، ولا شك أن ذلك نتيجة فهمهم السليم لكتاب اللَّه تعالى، فمن أخذ بما كانوا عليه في ذلك فقد أخذ بالهدى والحق، وسلم من الشقاق.
ثالثًا: أن الصحابة هم أهل اللسان الذي نزل به القرآن، فاعتبار أقوالهم من هذا الوجه مكمل للوجه الشرعي الموجب لذلك، قال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "وأما بيان الصحابة فإن أجمعوا على ما بيَّنوه فلا إشكال في صحته. .، وإن لم يجمعوا عليه فهل يكون بيانهم حجةً، أم لا؟ هذا فيه نظر وتفصيل، ولكنهم يترجح الاعتماد عليهم في البيان من وجهين: أحدهما: معرفتهم باللسان العربي؛ فإنهم عرب فصحاء، لم تتغير ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم، فهم أعرف في فهم الكتاب والسُّنَّة من غيرهم، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان صح اعتماده من هذه الجهة" (٢)، وقال: "ما نقل من فهم السلف الصالح للقرآن فإنه كله جار على ما تقضي به العربية" (٣).
رابعًا: أن الصحابة أعرف الناس بأسباب النزول وملابساته، وحال من نزل عليهم القرآن، وذلك من أعظم ما يستعان به على فهم مراد اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، وهذا مما اختصوا به عن غيرهم، ولم يشركهم فيه أحد ممن بعدهم، قال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) مبينًا الوجه الثاني من وجوه ترجيح الاعتماد على بيان الصحابة ﵃: "الثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسُّنَّة؛ فهم أقعد في فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات، أو
_________
(١) ينظر: إعلام الموقعين ٥/ ٥٥٦. وقد اعتنى ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ببيان وجوب اعتماد الأقوال السلفية في كتابه هذا، ففصل دلالة هذه الآية في (١٠) صفحات ٥/ ٥٥٦ - ٥٦٦، وذكر بعدها (٤٦) وجهًا مستدلًّا بها على هذا المعنى ٥/ ٥٥٦، وكذلك فعل الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) في الموافقات ٤/ ٤٤٦، وينظر: فهم السلف الصالح للنصوص الشرعية، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السُّنَّة ٢/ ٥٠١.
(٢) الموافقات ٤/ ١٢٧.
(٣) الموافقات ٤/ ٢٥٣.
стр. 456
تخصيص بعض العمومات؛ فالعمل عليه صواب، وهذا إن لم ينقل عن أحد منهم خلاف في المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية" (١).
خامسًا: أن القول بخلاف ذلك يلزم منه القول بباطل كثير؛ من مثل عدم تمام بيان النبي ﷺ للقرآن، أو جهل الصحابة بشيء من معاني كتاب اللَّه الذي أنزله اللَّه بلسانهم، وبيَّنه لهم نبيّهم، أو كتمهم لشيء من تلك المعاني عمن بعدهم، وما يتبع ذلك من تصحيح استدلال أهل الأهواء والبدع بجنس ذلك من وجوه الأدلة الباطلة، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "ومن زعم أنه لم يبيِّن لهم معاني القرآن، أو أنه بيَّنها وكتموها عن التابعين، فهو بمنزلة من زعم أنه بيَّن لهم النص على علي، وشيئًا آخر من الشرائع والواجبات، وأنهم كتموا ذلك، أو أنه لم يبيّن لهم معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج، ونحو ذلك مما يزعم القرامطة أن له باطنًا يخالف الظاهر، كما يقولون: إن الصلاة معرفة أسرارهم، والصيام كتمان أسرارهم، والحج زيارة شيوخهم. .، ونحو ذلك من تفسير القرامطة" (٢).
ومن ثم قرر جمهور العلماء أن الصحابة إذا اختلفوا على قولين أو أكثر فلا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث مخالف؛ لأمرين:
أولهما: أن اختلافهم على قولين بمثابة اتفاقهم على قول واحد في أن الحق في أحدهما، ومن ثم ألحقت هذه المسألة في كتب الأصول بباب الإجماع، قال الجويني (٣) (ت: ٤٧٨ هـ): "إذا اختلف أصحاب رسول اللَّه ﷺ على قولين واستمروا على الخلاف، فالذي صار إليه معظم المحققين أن اختراع قول ثالث خرق للإجماع" (٤)، وعلل ذلك بقوله: "إن نفس المصير إلى القول الواحد إجماع على نفي ما عداه، وكذلك إذا حصروا المذاهب في قولين فقد نفوا ما عداهما" (٥)، وقال الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ): "لأنهم أجمعوا على الحصر، فذهولهم عن الحق على ممر الأيام مع كثرتهم محال" (٦).
_________
(١) الموافقات ٤/ ١٢٨. وينظر: درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٨٣، وإعلام الموقعين ٦/ ٢٠.
(٢) بغية المرتاد ص ٣٣١.
(٣) عبد الملك بن عبد اللَّه بن يوسف الجويني، أبو المعالي إمام الحرمين، شيخ الشافعية، صنف: غياث الأمم، ونهاية المطلب، وغيرها، مات سنة (٤٧٨ هـ). ينظر: السير ١٨/ ٤٦٨، وطبقات الشافعية الكبرى ٥/ ١٦٥.
(٤) البرهان في أصول الفقه ١/ ٢٧٣.
(٥) التلخيص في أصول الفقه ٣/ ٩١.
(٦) المنخول من تعليقات الأصول ص ٤١٧. وينظر: الموافقات ٣/ ٢٨٤.
стр. 457
وثانيهما: أن في القول بجواز إحداث قول بعد ما استقر خلاف السلف عليه نسبة الأمة إلى إضاعة شيء من الدين، وعدم اهتدائها إلى الحق في تلك الأزمان، وعلم من بعدهم به، وكل ذلك مما تظاهرت الأدلة ببطلانه كما مر (١).
وهذه بعض نصوص الأئمة في تقرير ذلك: قال أبو حنيفة (ت: ١٥٠ هـ): "إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة نختار من أقوالهم -فلا يخرج عن أقوالهم-، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم" (٢)، وقال الأوزاعي (ت: ١٥٧ هـ): "اصبر نفسك على السُّنَّة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم" (٣)، وقال مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ): "وما تأوَّله منها -أي: النصوص الشرعية- السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا عنه، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج من جماعتهم فيما اختلفوا فيه أوفي تأويله" (٤)، وقال الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ): "هم فوقنا في كل عمل واجتهاد وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يرضى، أو حكي لنا عنه ببلدنا، صاروا فيما لم يعلموا لرسول اللَّه ﷺ فيه سُنَّةً إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله" (٥)، وقال أيضًا: "فلم يكن لي عندي خلافهم، ولا الذهاب إلى القياس والقياس مخرج من جميع أقوالهم" (٦)، وقال أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ): "أرأيت إن أجمعوا هل له أن يخرج من أقاويلهم! هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي لأحد أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا" (٧)، وقال أبو حاتم الرازي (ت: ٣٢٧ هـ): "العلم عندنا ما كان عن اللَّه تعالى؛ من كتاب ناطق ناسخ غير منسوخ،
_________
(١) ينظر: أصول السرخسي ١/ ٣١٠، وقواطع الأدلة ٣/ ٢٦٦، والمستصفى ١/ ١٩٢، والمسودة ٢/ ٦٣٤، وإعلام الموقعين ٥/ ٥٥٠، والبحر المحيط في الأصول ٣/ ٥٨٠، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٢٦٤. وتقرير أهل العلم في هذه المسألة يشمل التفسير والأحكام؛ إذ لا فرق بينهما. ينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٥٩.
(٢) إعلام الموقعين ٥/ ٥٥٥.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ١/ ١٧٤.
(٤) اجتماع الجيوش الإسلامية ص ١٥٥.
(٥) إعلام الموقعين ٢/ ١٥٠. وينظر: المستدرك على مجموع الفتاوى ٢/ ١٢٦.
(٦) الرسالة ص ٥٦٩.
(٧) العدة في أصول الفقه ٤/ ١٠٥٩. وينظر: المسودة ٢/ ٦١٦.
стр. 458
وما صحت الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ مما لا معارض له، وما جاء عن الألباء من الصحابة؛ ما اتفقوا عليه، فإذا اختلفوا لم يخرج من اختلافهم، فإذا خفي ذلك ولم يفهم فعن التابعين، فإذا لم يوجد عن التابعين فعن أئمة الهدى من أتباعهم" (١)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "إجماعهم لا يكون إِلا معصومًا، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم" (٢)، وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "كل ما جاء مخالفًا لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه" (٣).
قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): "وهذا منصوص أبي حنيفة، ومذهب مالك، ونصَّ عليه أحمد، والشافعي في القديم والجديد، وصرح به محمد بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وهو قول جمهور الحنفية، وأصحاب مالك، وجمهور أصحاب أحمد" (٤)، وقال: "وأئمة الإسلام كلهم على قبول قول الصحابي" (٥).
ومن شواهد اعتماد الأئمة الخمسة أقوال السلف ما جاء في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، حيث اختلف السلف في تفسيرها على قولين: الأول: سكر الخمر. والثاني: سكر النوم. ورجح ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) الأول، مستندًا إلى أقوال الصحابة وسبب النزول، فقال: "وذلك للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ بأن ذلك كذلك نهي من اللَّه، وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه" (٦). ورجح ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) بعض الأقوال فقال: "والذي عليه الناس أقوى مما ذكره ابن إسحاق" (٧). وبنحو هذا أيضًا رجح في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]؛ مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: "فمجموع هذا يقتضي أن الجبت والطاغوت هو: كل ما عبد وأطيع من دون اللَّه تعالى. وكذلك قال مالك ﵀: الطاغوت كل ما عبد من دون اللَّه تعالى" (٨).
_________
(١) الفقيه والمتفقه ١/ ٤٣٢.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٤.
(٣) الموافقات ٣/ ٢٨٤.
(٤) إعلام الموقعين ٥/ ٥٥٠. وينظر: مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٤.
(٥) إعلام الموقعين ٥/ ٥٥٤. وينظر: بيان تلبيس الجهمية ٦/ ٤٠١، وإجمال الإصابة في أقوال الصحابة ص ٣٦، والصارم المنكي ص ٣١٨، والموافقات ٤/ ٤٥٧.
(٦) جامع البيان ٧/ ٤٩.
(٧) المحرر الوجيز ٢/ ٢٠٥.
(٨) المحرر الوجيز ٢/ ٥٨٠.
стр. 459
٦ - لغة العرب:
وهي: ما تعبِّر به العرب عن مقاصدها؛ من ألفاظها، وأساليب معانيها التي تورد بها.
والأدلة على صحة الاحتجاج بلغة العرب على معاني كلام اللَّه تعالى كثيرة متوافرة، فقد وصف اللَّه تعالى كتابه بأنه عربي؛ فقال تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وبين أنه بلسان العرب نازل؛ فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، ونفى عنه كل لسان غير لسان العرب فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، قال الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ): "والقرآن يدل على أن ليس من كتاب اللَّه شيء إلا بلسان العرب" (١). فلما كان ذلك كذلك كانت لغة العرب أولى ما يستدل بها على معاني القرآن الكريم؛ لنزوله مطابقًا لألفاظها وأساليبها وعادتها في كلامها، قال ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "الواجب أن تكون معاني كتاب اللَّه المنزل على نبيِّنا محمد ﷺ ، لمعاني كلام العرب موافقةً، وظاهره لظاهر كلامها ملائمًا. .، فإذ كان ذلك كذلك، فبيَّن إذ كان موجودًا في كلام العرب الإيجاز والاختصار، والاجتزاء بالإخفاء من الإظهار، وبالقلة من الإكثار في بعض الأحوال، واستعمال الإطالة والإكثار، والترداد والتكرار. .، أن يكون ما في كتاب اللَّه المنزل على نبيِّه محمد ﷺ من ذلك في كل ذلك له نظيرًا، وله مثلًا وشبيهًا" (٢)، ومن هذا الوجه كان توجيه الصحابة الناس إلى اعتماد كلام العرب في فهم القرآن؛ فقال عمر بن الخطاب ﵁: "أيها الناس: عليكم بديوانكم شعر الجاهلية؛ فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم" (٣)، وقال ابن عباس ﵄: "إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر؛ فإنه ديوان العرب" (٤).
كما اتفق عمل المفسرين من السلف فمن بعدهم على صحة الاستدلال بلغة
_________
(١) الرسالة ص ٤٢.
(٢) جامع البيان ١/ ١٢. وقارن بما في الرسالة ص ٥٢.
(٣) الكشف والبيان ٦/ ١٩، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣٣٢.
(٤) عزاه السيوطي في الدر ٨/ ٢٣٧ لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وغيرهم. وينظر: الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٩٥.
стр. 460
العرب على المعاني القرآنية، وذلك منهم إجماع عملي، وقد سبقهم "إجماع أصحاب رسول اللَّه ﷺ على تفسير القرآن على شرائط اللغة" (١)، وقد أسند أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ) عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس: "أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر" (٢)، ثم قال: "يعني أنه كان يستشهد به على التفسير" (٣)، ويشهد لهذا المعنى قول يوسف بن مهران (٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ): "كنا نسمع ابن عباس كثيرًا ما يسأل عن القرآن، فيقول: هو كذا أو كذا، ما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا؟ " (٥)، وقال أبو عبيد (ت: ٢٢٤ هـ) أيضًا: "في حديث أبي وائل في قول اللَّه : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال: دلوكها: غروبها؛ وهو في كلام العرب: دلكت براح" (٦)، ثم قال: "وفي هذا الحديث حجة لمن ذهب بالقرآن إلى كلام العرب -إذا لم يكن فيه حلال ولا حرام (٧) -؛ ألا تراه يقول: وهو في كلام العرب دلكت براح" (٨).
ومن أمثلة استناد الأئمة الخمسة إلى اللغة ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِن كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء: ١٢]، حيث انتقد ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) قول عطاء أن "الكلالة": المال. مستندًا إلى اللغة بقوله: "الاشتقاق في معنى الكلالة يفسد تسمية المال بها" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] انتقد ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) قول من قال أنهم: العلماء. من وجوه كثيرة، منها: أن استعمال لفظ الربي في هذا ليس معروفًا في اللغة، بل المعروف الجموع الكثيرة، وأن الربي منسوب إلى الرب بخلاف الرباني فهو منسوب إلى ربان السفينة (١٠).
_________
(١) مقدمتان في علوم القرآن ص ٢٠١، وقد حكى الإجماع فيه صاحب كتاب "المباني لنظم المعاني".
(٢) فضائل القرآن ص ٢٠٥.
(٣) المرجع السابق.
(٤) يوسف بن مهران البصري، روى عن ابن عباس ﵄، ذكره ابن سعد (ت: ٢٣٠ هـ) في الطبقة الثانية من التابعين، ووثقه وأبو زرعة (ت: ٢٦٤ هـ). ينظر: الطبقات الكبرى ٧/ ١١٥، والجرح والتعديل ٩/ ٢٢٩.
(٥) الطبقات الكبرى (الجزء المتمم لطبقات الصحابة) ١/ ١٦٢، والجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٩٤.
(٦) غريب الحديث ٢/ ٣٨٨.
(٧) مراده بذلك ما نقله الشرع من المعاني، وصارت له حقيقة شرعية، أو ما كان موضوعه إثبات حكم شرعي؛ فإن اللغة لا مدخل لها في ذلك بعد شهادتها بصحة لفظه وتركيبه على سنن كلام العرب.
(٨) غريب الحديث ٢/ ٣٨٨.
(٩) المحرر الوجيز ٢/ ٤٨٦.
(١٠) تفسيره ٢/ ١٥٤ - ١٥٥.
следующие страницы →