Полный текст (16 717 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
تخصيص بعض العمومات؛ فالعمل عليه صواب، وهذا إن لم ينقل عن أحد منهم خلاف في المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية" (١).
خامسًا: أن القول بخلاف ذلك يلزم منه القول بباطل كثير؛ من مثل عدم تمام بيان النبي ﷺ للقرآن، أو جهل الصحابة بشيء من معاني كتاب اللَّه الذي أنزله اللَّه بلسانهم، وبيَّنه لهم نبيّهم، أو كتمهم لشيء من تلك المعاني عمن بعدهم، وما يتبع ذلك من تصحيح استدلال أهل الأهواء والبدع بجنس ذلك من وجوه الأدلة الباطلة، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "ومن زعم أنه لم يبيِّن لهم معاني القرآن، أو أنه بيَّنها وكتموها عن التابعين، فهو بمنزلة من زعم أنه بيَّن لهم النص على علي، وشيئًا آخر من الشرائع والواجبات، وأنهم كتموا ذلك، أو أنه لم يبيّن لهم معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج، ونحو ذلك مما يزعم القرامطة أن له باطنًا يخالف الظاهر، كما يقولون: إن الصلاة معرفة أسرارهم، والصيام كتمان أسرارهم، والحج زيارة شيوخهم. .، ونحو ذلك من تفسير القرامطة" (٢).
ومن ثم قرر جمهور العلماء أن الصحابة إذا اختلفوا على قولين أو أكثر فلا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث مخالف؛ لأمرين:
أولهما: أن اختلافهم على قولين بمثابة اتفاقهم على قول واحد في أن الحق في أحدهما، ومن ثم ألحقت هذه المسألة في كتب الأصول بباب الإجماع، قال الجويني (٣) (ت: ٤٧٨ هـ): "إذا اختلف أصحاب رسول اللَّه ﷺ على قولين واستمروا على الخلاف، فالذي صار إليه معظم المحققين أن اختراع قول ثالث خرق للإجماع" (٤)، وعلل ذلك بقوله: "إن نفس المصير إلى القول الواحد إجماع على نفي ما عداه، وكذلك إذا حصروا المذاهب في قولين فقد نفوا ما عداهما" (٥)، وقال الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ): "لأنهم أجمعوا على الحصر، فذهولهم عن الحق على ممر الأيام مع كثرتهم محال" (٦).
_________
(١) الموافقات ٤/ ١٢٨. وينظر: درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٨٣، وإعلام الموقعين ٦/ ٢٠.
(٢) بغية المرتاد ص ٣٣١.
(٣) عبد الملك بن عبد اللَّه بن يوسف الجويني، أبو المعالي إمام الحرمين، شيخ الشافعية، صنف: غياث الأمم، ونهاية المطلب، وغيرها، مات سنة (٤٧٨ هـ). ينظر: السير ١٨/ ٤٦٨، وطبقات الشافعية الكبرى ٥/ ١٦٥.
(٤) البرهان في أصول الفقه ١/ ٢٧٣.
(٥) التلخيص في أصول الفقه ٣/ ٩١.
(٦) المنخول من تعليقات الأصول ص ٤١٧. وينظر: الموافقات ٣/ ٢٨٤.
стр. 457
وثانيهما: أن في القول بجواز إحداث قول بعد ما استقر خلاف السلف عليه نسبة الأمة إلى إضاعة شيء من الدين، وعدم اهتدائها إلى الحق في تلك الأزمان، وعلم من بعدهم به، وكل ذلك مما تظاهرت الأدلة ببطلانه كما مر (١).
وهذه بعض نصوص الأئمة في تقرير ذلك: قال أبو حنيفة (ت: ١٥٠ هـ): "إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة نختار من أقوالهم -فلا يخرج عن أقوالهم-، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم" (٢)، وقال الأوزاعي (ت: ١٥٧ هـ): "اصبر نفسك على السُّنَّة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم" (٣)، وقال مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ): "وما تأوَّله منها -أي: النصوص الشرعية- السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا عنه، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج من جماعتهم فيما اختلفوا فيه أوفي تأويله" (٤)، وقال الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ): "هم فوقنا في كل عمل واجتهاد وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يرضى، أو حكي لنا عنه ببلدنا، صاروا فيما لم يعلموا لرسول اللَّه ﷺ فيه سُنَّةً إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله" (٥)، وقال أيضًا: "فلم يكن لي عندي خلافهم، ولا الذهاب إلى القياس والقياس مخرج من جميع أقوالهم" (٦)، وقال أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ): "أرأيت إن أجمعوا هل له أن يخرج من أقاويلهم! هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي لأحد أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا" (٧)، وقال أبو حاتم الرازي (ت: ٣٢٧ هـ): "العلم عندنا ما كان عن اللَّه تعالى؛ من كتاب ناطق ناسخ غير منسوخ،
_________
(١) ينظر: أصول السرخسي ١/ ٣١٠، وقواطع الأدلة ٣/ ٢٦٦، والمستصفى ١/ ١٩٢، والمسودة ٢/ ٦٣٤، وإعلام الموقعين ٥/ ٥٥٠، والبحر المحيط في الأصول ٣/ ٥٨٠، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٢٦٤. وتقرير أهل العلم في هذه المسألة يشمل التفسير والأحكام؛ إذ لا فرق بينهما. ينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٥٩.
(٢) إعلام الموقعين ٥/ ٥٥٥.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ١/ ١٧٤.
(٤) اجتماع الجيوش الإسلامية ص ١٥٥.
(٥) إعلام الموقعين ٢/ ١٥٠. وينظر: المستدرك على مجموع الفتاوى ٢/ ١٢٦.
(٦) الرسالة ص ٥٦٩.
(٧) العدة في أصول الفقه ٤/ ١٠٥٩. وينظر: المسودة ٢/ ٦١٦.
стр. 458
وما صحت الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ مما لا معارض له، وما جاء عن الألباء من الصحابة؛ ما اتفقوا عليه، فإذا اختلفوا لم يخرج من اختلافهم، فإذا خفي ذلك ولم يفهم فعن التابعين، فإذا لم يوجد عن التابعين فعن أئمة الهدى من أتباعهم" (١)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "إجماعهم لا يكون إِلا معصومًا، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم" (٢)، وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "كل ما جاء مخالفًا لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه" (٣).
قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): "وهذا منصوص أبي حنيفة، ومذهب مالك، ونصَّ عليه أحمد، والشافعي في القديم والجديد، وصرح به محمد بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وهو قول جمهور الحنفية، وأصحاب مالك، وجمهور أصحاب أحمد" (٤)، وقال: "وأئمة الإسلام كلهم على قبول قول الصحابي" (٥).
ومن شواهد اعتماد الأئمة الخمسة أقوال السلف ما جاء في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، حيث اختلف السلف في تفسيرها على قولين: الأول: سكر الخمر. والثاني: سكر النوم. ورجح ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) الأول، مستندًا إلى أقوال الصحابة وسبب النزول، فقال: "وذلك للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ بأن ذلك كذلك نهي من اللَّه، وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه" (٦). ورجح ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) بعض الأقوال فقال: "والذي عليه الناس أقوى مما ذكره ابن إسحاق" (٧). وبنحو هذا أيضًا رجح في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]؛ مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: "فمجموع هذا يقتضي أن الجبت والطاغوت هو: كل ما عبد وأطيع من دون اللَّه تعالى. وكذلك قال مالك ﵀: الطاغوت كل ما عبد من دون اللَّه تعالى" (٨).
_________
(١) الفقيه والمتفقه ١/ ٤٣٢.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٤.
(٣) الموافقات ٣/ ٢٨٤.
(٤) إعلام الموقعين ٥/ ٥٥٠. وينظر: مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٤.
(٥) إعلام الموقعين ٥/ ٥٥٤. وينظر: بيان تلبيس الجهمية ٦/ ٤٠١، وإجمال الإصابة في أقوال الصحابة ص ٣٦، والصارم المنكي ص ٣١٨، والموافقات ٤/ ٤٥٧.
(٦) جامع البيان ٧/ ٤٩.
(٧) المحرر الوجيز ٢/ ٢٠٥.
(٨) المحرر الوجيز ٢/ ٥٨٠.
стр. 459
٦ - لغة العرب:
وهي: ما تعبِّر به العرب عن مقاصدها؛ من ألفاظها، وأساليب معانيها التي تورد بها.
والأدلة على صحة الاحتجاج بلغة العرب على معاني كلام اللَّه تعالى كثيرة متوافرة، فقد وصف اللَّه تعالى كتابه بأنه عربي؛ فقال تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وبين أنه بلسان العرب نازل؛ فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، ونفى عنه كل لسان غير لسان العرب فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، قال الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ): "والقرآن يدل على أن ليس من كتاب اللَّه شيء إلا بلسان العرب" (١). فلما كان ذلك كذلك كانت لغة العرب أولى ما يستدل بها على معاني القرآن الكريم؛ لنزوله مطابقًا لألفاظها وأساليبها وعادتها في كلامها، قال ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "الواجب أن تكون معاني كتاب اللَّه المنزل على نبيِّنا محمد ﷺ ، لمعاني كلام العرب موافقةً، وظاهره لظاهر كلامها ملائمًا. .، فإذ كان ذلك كذلك، فبيَّن إذ كان موجودًا في كلام العرب الإيجاز والاختصار، والاجتزاء بالإخفاء من الإظهار، وبالقلة من الإكثار في بعض الأحوال، واستعمال الإطالة والإكثار، والترداد والتكرار. .، أن يكون ما في كتاب اللَّه المنزل على نبيِّه محمد ﷺ من ذلك في كل ذلك له نظيرًا، وله مثلًا وشبيهًا" (٢)، ومن هذا الوجه كان توجيه الصحابة الناس إلى اعتماد كلام العرب في فهم القرآن؛ فقال عمر بن الخطاب ﵁: "أيها الناس: عليكم بديوانكم شعر الجاهلية؛ فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم" (٣)، وقال ابن عباس ﵄: "إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر؛ فإنه ديوان العرب" (٤).
كما اتفق عمل المفسرين من السلف فمن بعدهم على صحة الاستدلال بلغة
_________
(١) الرسالة ص ٤٢.
(٢) جامع البيان ١/ ١٢. وقارن بما في الرسالة ص ٥٢.
(٣) الكشف والبيان ٦/ ١٩، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣٣٢.
(٤) عزاه السيوطي في الدر ٨/ ٢٣٧ لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وغيرهم. وينظر: الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٩٥.
стр. 460
العرب على المعاني القرآنية، وذلك منهم إجماع عملي، وقد سبقهم "إجماع أصحاب رسول اللَّه ﷺ على تفسير القرآن على شرائط اللغة" (١)، وقد أسند أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ) عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس: "أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر" (٢)، ثم قال: "يعني أنه كان يستشهد به على التفسير" (٣)، ويشهد لهذا المعنى قول يوسف بن مهران (٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ): "كنا نسمع ابن عباس كثيرًا ما يسأل عن القرآن، فيقول: هو كذا أو كذا، ما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا؟ " (٥)، وقال أبو عبيد (ت: ٢٢٤ هـ) أيضًا: "في حديث أبي وائل في قول اللَّه : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال: دلوكها: غروبها؛ وهو في كلام العرب: دلكت براح" (٦)، ثم قال: "وفي هذا الحديث حجة لمن ذهب بالقرآن إلى كلام العرب -إذا لم يكن فيه حلال ولا حرام (٧) -؛ ألا تراه يقول: وهو في كلام العرب دلكت براح" (٨).
ومن أمثلة استناد الأئمة الخمسة إلى اللغة ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِن كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء: ١٢]، حيث انتقد ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) قول عطاء أن "الكلالة": المال. مستندًا إلى اللغة بقوله: "الاشتقاق في معنى الكلالة يفسد تسمية المال بها" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] انتقد ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) قول من قال أنهم: العلماء. من وجوه كثيرة، منها: أن استعمال لفظ الربي في هذا ليس معروفًا في اللغة، بل المعروف الجموع الكثيرة، وأن الربي منسوب إلى الرب بخلاف الرباني فهو منسوب إلى ربان السفينة (١٠).
_________
(١) مقدمتان في علوم القرآن ص ٢٠١، وقد حكى الإجماع فيه صاحب كتاب "المباني لنظم المعاني".
(٢) فضائل القرآن ص ٢٠٥.
(٣) المرجع السابق.
(٤) يوسف بن مهران البصري، روى عن ابن عباس ﵄، ذكره ابن سعد (ت: ٢٣٠ هـ) في الطبقة الثانية من التابعين، ووثقه وأبو زرعة (ت: ٢٦٤ هـ). ينظر: الطبقات الكبرى ٧/ ١١٥، والجرح والتعديل ٩/ ٢٢٩.
(٥) الطبقات الكبرى (الجزء المتمم لطبقات الصحابة) ١/ ١٦٢، والجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٩٤.
(٦) غريب الحديث ٢/ ٣٨٨.
(٧) مراده بذلك ما نقله الشرع من المعاني، وصارت له حقيقة شرعية، أو ما كان موضوعه إثبات حكم شرعي؛ فإن اللغة لا مدخل لها في ذلك بعد شهادتها بصحة لفظه وتركيبه على سنن كلام العرب.
(٨) غريب الحديث ٢/ ٣٨٨.
(٩) المحرر الوجيز ٢/ ٤٨٦.
(١٠) تفسيره ٢/ ١٥٤ - ١٥٥.
стр. 461
٧ - أحوال النزول:
والمراد بها: ما يحتف بنزول القرآن الكريم من هيئات وأوقات يتوصل بها إلى معرفة معانيه (١). ويشمل ذلك: زمن النزول ومكانه، وسبب النزول، وقصص الآي من أحوال وأخبار من نزل عليهم القرآن من العرب، ومن قبلهم من الأمم.
ويشهد لصحة الاستناد إلى أحوال النزول في بيان معاني القرآن أن القرآن نزل على معهود العرب، ومجاري أحوالهم وعاداتهم وعلومهم، وهو ما أشار إليه الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) في حديثه عن أمية الشريعة (٢)، مستدلًّا له بنص الوحي في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الأُمّيِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، ومقتضى العقل؛ فلو لم يكن نزول القرآن على ما يعهدون لما كان عندهم معجزًا، ولكانوا يخرجون عن مقتضى التعجيز بقولهم: هذا على غير ما عهدنا، إذ ليس لنا عهد بمثل هذا الكلام؛ من جهة أنه ليس بمفهوم ولا معروف في أحوالنا. وبواقع الحال، وذلك "أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق، واتصاف بمحاسن شيم؛ فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل، وبينت منافع ما ينفع من ذلك، ومضار ما يضر منه" (٣). ومن ثم يتقرر أنه: كما لا يصح فهم القرآن بغير لسان العرب، فكذلك لا يصح فهمه على غير معهود العرب ومجاري أحوالها.
كما أن من القرآن ما لا يمكن فهمه على الصواب بغير معرفة أحوال من نزل فيهم؛ لأنه جار على عرفهم، قال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "ما تقرر من أمية الشريعة، وأنها جارية على مذاهب العرب، ينبني عليه قواعد. .، منها: أنه لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين؛ وهم: العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر، فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثم عرف، فلا يصح أن يجرى في فهمها على ما لا تعرفه" (٤). ومن هنا شرط العلماء العلم بأحوال النزول في العالم ومن أراد أن يتكلم في التفسير، فقال الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ): "لا يحل لأحد يفتي في دين اللَّه إلا رجلًا عارفًا بكتاب اللَّه؛
_________
(١) ينظر في استعمال هذا المصطلح: المحرر الوجيز ١١/ ٤٠٢، ٤١٧، وتفسير ابن كثير ١٢/ ٢٤٢، ١٣/ ١٤١.
(٢) ينظر: الموافقات ٢/ ١٠٩ - ١٥٠.
(٣) الموافقات ٢/ ١١٢.
(٤) الموافقات ٢/ ١٣١.
стр. 462
بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل" (١)، وقال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ): "وفي كتاب اللَّه جلَّ ثناؤه ما لا يعلم معناه إلا بمعرفة قصته" (٢).
والعقل يشهد بأن أحوال النزول خير ما يستعان بها على تعيين المراد من المعاني، قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) عن أسباب النزول: "هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفصيل الآية، وقصد سبيلها، دون الوقوف على قصتها، وبيان نزولها" (٣)، وقال ابن دقيق العيد (ت: ٧٠٢ هـ): "بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز" (٤)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب" (٥).
ومن أمثلة استناد الأئمة الخمسة إلى أحوال النزول في بيان القرآن قول ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) -مستندًا إلى إجماع أهل التأويل، وقصة الآية-: "وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الآية [النساء: ٥١]، ظاهرها يعم اليهود والنصارى، ولكن أجمع المتأولون على أن المراد بها: طائفة من اليهود. والقصص يبين ذلك" (٦). وفي سورة آل عمران قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): "هي مدنية، لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة" (٧).
٨ - الإسرائيليات:
والمقصود بها: ما نقل عن كتب بني إسرائيل في أخبار أقوامهم، والأمم السابقة لأمة محمد ﷺ ، والمبدأ، والمعاد.
ولا يخفى أن الاستدلال بأخبار بني إسرائيل هو من جنس الاستدلال بأخبار العرب وأحوالهم التي نزل فيها القرآن، ومن ثم فما ذكر في (قصص الآي) في
_________
(١) الفقيه والمتفقه ٢/ ٣٣١.
(٢) الصاحبي ص ٤٢.
(٣) أسباب نزول القرآن ص ٩٦.
(٤) البرهان في علوم القرآن ١/ ٢٢. وينظر: الإتقان ١/ ١٩٠.
(٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣٩.
(٦) المحرر الوجيز ٢/ ٥٧٩.
(٧) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٥.
стр. 463
أحوال النزول: من صحة الاستدلال بها لتمام بيان المعنى، وتعيين المراد، وإزالة الشبه والإشكالات يقال مثله في الإسرائيليات، بل أكثر؛ وذلك لمزيد عناية الشريعة بهذا النوع من الأخبار، وقد تجلت تلك العناية في صور؛ منها: بيان الموقف العام من أقوالهم وأخبارهم، وقد جاء ذلك نصًّا في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
ثم: الإذن لهذه الأمة في أن تحدث عن بني إسرائيل، وقد جاء ذلك صريحًا في قوله ﷺ : "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (١)، قال مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ): "المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما علم كذبه فلا" (٢)، وقال الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ): "المعنى: حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم" (٣).
مع إرشاد الأمة إلى الموقف مما لا تعلم صدقه أو كذبه من أخبارهم، وذلك في قوله ﷺ : "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا باللَّه ورسوله. فإن كان باطلًا لم تصدقوه، وإن كان حقًا لم تكذبوه" (٤)؛ فأباح بذلك الانتفاع بهذا النوع من الأخبار على غير سبيل القطع والجزم.
فكل هذا يدل على مزيد عناية الريعة بهذا الباب من الأخبار؛ حيث أحاطت ما ينقل منها بضوابط تحفظ ما فيها من الحق، وتحتاط له، وتبطل ما فيها من الباطل، في غاية من العدل والإنصاف، مع الانتفاع بما لا يعلم كذبه منها.
ومن أمثلة استناد الأئمة الخمسة إلى الإسرائيليات ما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣]، حيث رجح ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) وابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) أن ذلك تحريم إسرائيل العروق ولحوم الإبل على نفسه، استنادًا إلى الإسرائيليات، وتاريخ اليهود وواقعهم، فقال ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول ابن عباس الذي رواه الأعمش، عن حبيب، عن سعيد عنه: أن ذلك: العروق ولحوم الإبل.
_________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ١٧٠ (٣٤٦١).
(٢) فتح الباري ٦/ ٥٧٥.
(٣) المرجع السابق. وينظر: أحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٣٤٧.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ٤/ ٢٣٨ (٣٦٤٤)، وعبد الرزاق في مصنفه ٦/ ١١٠ (١٠١٦٠)، وأحمد في مسنده ٢٨/ ٤٦٠ (١٧٢٢٥)، وإسناده حسن. وله شاهد مختصر عند البخاري في صحيحه ٦/ ٢٠ (٤٤٨٥).
стр. 464
لأن اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمها، كما كان عليه من ذلك أوائلها" (١). ومثله قول ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]: "وأما إفسادهم في الأرض المرة الآخرة فلا اختلاف بين أهل العلم أنه كان قتلهم يحيى بن زكريا" (٢)، وهو ما أسنده قبل ذلك عن جماعة من السلف مما يأثرونه عن أهل الكتاب. ورجح ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) -مستندًا إلى الإسرائيليات- أن المائدة لم تنزل على من سألها مع عيسى ﵇، فقال: "وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى، وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا، ولا أقل من الآحاد" (٣).
٩ - النظائر:
ويراد بها: حمل معنى الآية على نظيره؛ وهو معنى اللفظ الذي يشابهه ويماثله.
وهذا نوع من الاستدلال وقياس المعاني على بعضها، وهو صحيح مقبول، فإن معاني الوحي كلها حق وصدق، وبعضها يصدق بعضا ويشهد له، كما أن من معانيه ما يتكرر في غير ما موضع، بمعان متشابهة أحيانًا، وبمزيد تفصيل وبيان أحيانًا أخرى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وهذا نوع من البيان يشتمله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، وقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِليكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، قال ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "والمقول إذا خرج عن أن يكون أصلًا، أو نظيرًا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة كان واضحًا فساده" (٤).
كما أن حمل النظير على النظير، والجمع بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات مما تقتضيه العقول السليمة، والفطر المستقيمة.
وقد ظهر اعتماد السلف على هذا النوع من البيان لكتاب اللَّه كثيرًا، ومنه قول قتادة (ت: ١١٧ هـ): " ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]، قال: دائمًا؛ ألا ترى أنه يقول: ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩]؛ أي: دائم" (٥)، وقول ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) في قوله:
_________
(١) ينظر: جامع البيان ٥/ ٥٨٦، والمحرر الوجيز ٢/ ٢٨٦.
(٢) ينظر: جامع البيان ١٤/ ٤٦٩.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٥/ ٤٢٣ - ٤٢٤.
(٤) جامع البيان ٩/ ٨٦.
(٥) جامع البيان ١٤/ ٢٤٨.
стр. 465
﴿لِنَقْرَأَهٌ عَلَى النَّاسِ عَلَي مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] قال: "التفسير الذي قال اللَّه: ﴿وَرَتِّلِ القُرْءَانَ تَرْتِلًا﴾ [المزمل: ٤] تفسيره" (١).
ومن أمثلته عند الأئمة الخمسة قول ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) موجهًا بعض المعاني -مستندًا إلى النظائر-: "وقوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقوُنَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] على هذا التأويل معناه: سيحملون عقاب ما بخلوا به. فهو من الطاقة؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِيِنَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وليس من التطويق" (٢). ورجح ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) عموم قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ مستندًا إلى النظائر، فقال: "والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول اللَّه ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ أي: خيارًا. ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] " (٣).
١٠ - السياق:
وهو مجموع المعنى المتصل بالآية مما قبلها وبعدها (سباق الآية ولحاقها).
والأخذ به لازم، ودلالته معتبرة، ولا يصح الخروج عنه إلا بمقتضى دليل، إذ به يتبين مراد المتكلم، وتكشف مشكلات المعاني، قال ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "غير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها؛ من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول تقوم به حجة، فأما الدعاوى فلا تتعذر على أحد" (٤)، وقال ابن دقيق العيد (ت: ٧٠٢ هـ): "يجب اعتبار ما دلَّ عليه السياق والقرائن؛ لأن بذلك يتبين مقصود الكلام" (٥)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): "السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل والقطع بعدم احتمال غير المراد. .، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في
_________
(١) جامع البيان ١٥/ ١١٧.
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٤٣١.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٤٢.
(٤) جامع البيان ٧/ ٦٧٥.
(٥) البحر المحيط في الأصول ٢/ ٣٦٧، وينظر: سلاسل الذهب ص ٢٧١.
стр. 466
مناظرته" (١)، وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "كلام العرب على الإطلاق لا بد فيه من اعتبار معنى المساق" (٢)، وقال: "فلا محيص للمتفهم عن ردِّ آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزاءه، فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض" (٣).
ومن شواهد الاعتماد على السياق في التفسير النبوي قول أم مبشر ﵂: "سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار -إن شاء اللَّه- من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها"، فقالت حفصة: بلى يا رسول اللَّه. فانتهرها، فقالت: ألم يقل اللَّه: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]؟ فقال النبي ﷺ : "وقد قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] " (٤).
ومن أمثلته عند الأئمة الخمسة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، حيث رجح ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ)، وابن عطية (ت: ٥٤١ هـ)، وابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ)، قول من قال: هو يوم أُحد. لدلالة السياق، فقال ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "لأن اللَّه يقول في الآية التى بعدها: ﴿إِذ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ولا خلاف بين أهل التأويل أنه عنى بالطائفتين بني سلمة وبني حارثة، ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول اللَّه ﷺ أن الذي ذكر اللَّه من أمرهما إنما كان يوم أُحد دون يوم الأحزاب" (٥). كما رجح ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) أن المقصود بـ "الخبيث" في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]: المنافق. والمعنى: حتى يميز المنافقين من المؤمنين بالمحن والاختبار، كما ميَّز بينهم يوم أُحد عند لقاء العدو؛ معللًا ذلك بأن: "الآيات قبلها في ذكر المنافقين، وهذه في سياقتها، فكونها بأن تكون فيهم أشبه منها بأن تكون في غيرهم" (٦).
_________
(١) بدائع الفوائد ٤/ ٩. وينظر: الإمام في بيان أدلة الأحكام، للعز بن عبد السلام عن ١٥٩، والبرهان في علوم القرآن ٢/ ٢١٨، ٣/ ٣٠٤، والبحر المحيط في الأصول ٢/ ٣٦٧.
(٢) الموافقات ٣/ ٤١٩.
(٣) المرجع السابق ٤/ ٢٦٦.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ٤٧ (٢٤٩٦).
(٥) ينظر: جامع البيان ٦/ ٧، والمحرر الوجيز ٢/ ٣٣٨، وتفسير القرآن العظيم ٣/ ١٦٩.
(٦) جامع البيان ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٤.
стр. 467
١١ - الدلالات العقلية:
وهي جملة المعارف الفطرية، والعلوم الضرورية، التي تقضي بتصحيح بعض المعاني القرآنية أو إبطالها؛ ومنها دلالة الوأقع المحسوس، والعادة الجارية، والجمع بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات، ونحو ذلك مما تقتضيه غريزة العقل.
واعتبار هذا الوجه مستندًا في بيان المعاني القرآنية راجع إلى اعتباره كذلك في سائر العلوم والمعارف، وعند عامة العلماء والعقلاء، وذلك أن اللَّه تعالى أنزل كتابه فرقانًا بين الحق والباطل: ﴿تبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الفُرقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] (١)، وأنزله بالحق والميزان: ﴿اللَّهُ الَّذِى أَنزَلَ الكِتَابَ بِالحَقِّ وَالمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]، وبعث بهما جميع رسله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]؛ فالكتاب هو: القرآن الكريم؛ المشتمل على الحق، والصدق، واليقين، بأحسن المسائل، وأوضح الدلائل. والميزان هو: العدل، والاعتبار، والأمثال المضروبة، والقياس الصحيح، والعقل الرجيح (٢)، "وكل الدلائل العقلية، من الآيات الآفاقية والنفسية، والاعتبارات الشرعية، والمناسبات والعلل، والأحكام والحكم داخلة في الميزان الذي أنزله اللَّه تعالى، ووضعه بين عباده" (٣)، قال ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "كل معلوم للخلق من أمر الدين والدنيا لا يخرج من أحد معنيين: من أن يكون إما معلومًا لهم بإدراك حواسهم إياه، وإما معلومًا لهم بالاستدلال عليه بما أدركته حواسهم" (٤)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق" (٥)، وقال: "العلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى هذا فإما مزيف مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود" (٦)، وقال ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ): "الأدلة على قسمين: عقلية، وسمعية" (٧).
_________
(١) ينظر: جامع البيان ١٧/ ٣٩٤.
(٢) ينظر: جامع البيان ٢٠/ ٤٨٩، والرد على المنطقيين ١/ ٣٣٣، ٣٨٣، وإعلام الموقعين ٢/ ٢٥٠.
(٣) تيسير الكريم الرحمن ٢/ ٦٠٦. وينظر: مختصر الفتاوى المصرية ص ٥٣١.
(٤) التبصير في معالم الدين ص ١١٣.
(٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤٤.
(٦) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٢٩.
(٧) قانون التأويل ص ٢١٠. وينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ١٣٧ - ١٣٨، والموافقات ٣/ ٢٢٧.
стр. 468
وقد أشار قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] إلى أن الرسل جاءت باعتبار هذا النوع من الدلالات الموصلة إلى الحق، وأرشدت إليه، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "إن الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل، ويعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة، التي يستدل بها على المطالب الدينية، فليست العلوم النبوية مقصورةً على مجرد الخبر، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام، ويجعلون ما يعلم بالعقل قسيمًا للعلوم النبوية، بل الرسل -صلوات اللَّه عليهم- بيَّنت العلوم العقلية التي بها يتم دين الناس علمًا وعملًا. .، والقرآن والحديث مملوء من هذا؛ يبين اللَّه الحقائق بالمقاييس العقلية، والأمثال المضروبة، ويبين طرق التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين، وينكر على من يخرج عن ذلك" (١).
ومن ثم فالدليل العقلي دليل شرعي صحيح مأذون فيه، وليس بخارج عن الشرع، ولا يقابل الدليل الشرعي، وإنما الذي يقابله الدليل غير الشرعي، أو الدليل البدعي. ولذلك لا يصح شرعًا ولا عقلًا ولا واقعًا أن يشهد العقل بما يبطل الشرع أو يخالفه، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "وإذا تبين أن الكتاب والميزان منزلان فلا يجوز أن يتناقض الكتاب والميزان؛ فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، والأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصحيح، والقياس الصحيح، وإنما يكون التناقض بين الحق الصحيح، والباطل الذي ليس بصحيح، فأما الصحيح الذي كله حق فلا يتناقض؛ بل يصدق بعضه بعضًا" (٢)، وقال أيضًا: "ولا يجوز قط أن الأدلة الصحيحة النقلية تخالف الأدلة الصحيحة العقلية" (٣).
وفي تفسير النبي ﷺ ما يشير إلى الاستدلال بهذا النوع من الدلالات: فعن ابن عباس ﵄ قال: "لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر ﵁: أنا أفرج عنكم. فانطلق، فقال: يا نبي اللَّه إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها أموالكم، وإنما فرض
_________
(١) الرد على المنطقيين ١/ ٣٨٢. وينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٠٦.
(٢) جامع المسائل، لابن تيمية، المجموعة الثانية، تحقيق: محمد عزير شمس ص ٢٧٢.
(٣) الرد على المنطقيين ١/ ٣٧٣. وينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ١٤٧.
стр. 469
المواريث لتكون لمن بعدكم"، فكبر عمر ﵁" (١)، وهنا يبرز الاستدلال العقلي على المعاني؛ فإن المواريث فرضت في مال يبقى، وكذا الزكاة بعض من مال موجود، فلو كان الكنز المذموم مطلق جمع المال لما كان لتشريع الزكاة وفرائض المواريث معنًى.
ومن شواهد الاستناد إلى الدلالات العقلية عند الأئمة الخمسة، ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، حيث رجح ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) أن المعني بهذا: عموم الكفار، وأن الإيمان المنسوب إليهم في الآية هو: العهد الذي أخذه اللَّه منهم وهم في صلب أبيهم آدم. فقال: "وذلك أن اللَّه جلَّ ثناؤه جعل جميع أهل الآخرة فريقين: أحدهما سودًا وجوهه، والآخر بيضًا وجوهه، فمعلوم إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان أن جميع الكفار داخلون في فريق من سود وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بيض وجهه، فلا وجه إذًا لقول قائل عنى بقوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعض الكفار دون بعض، وقد عمَّ اللَّه جلَّ ثناؤه الخبر عنهم جميعهم، وإذا دخل جميعهم في ذلك ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها، ثم ارتدوا كافرين بعد إلا حالة واحدة، كان معلومًا أنها المرادة بذلك" (٢)، وبنحوه قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) (٣). وقال ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) منتقدًا بعض الأقوال: "وفي هذا القول نظر؛ لأن التحكم فيه باد" (٤). ورجح ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١] أن الأمر بالتسبيح: "معناه: قل: سبحان اللَّه، وقال قوم: معناه: صل. والقول الأول أصوب؛ لأنه يناسب الذكر، ويستغرب مع امتناع الكلام مع الناس" (٥).
_________
(١) أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ١٢٦ (١٦٦٤)، وأحمد في فضائل الصحابة ١/ ٣٧٤ (٥٦٠)، وأبو يعلى في المسند ٤/ ٣٧٨ (٢٤٩٩)، والبيهقي في السنن ٤/ ٨٣ (٧٠٢٧)، وهو حديث حسن لغيره؛ تنظر شواهده في مسند أحمد ٥/ ٢٧٨ (٢٢٤٤٦)، وجامع الترمذي ٥/ ٢٧٧ (٣٠٩٤)، وسنن ابن ماجه ١/ ٥٩٦ (١٨٥٦)، والكافي الشاف، لابن حجر ٢/ ٢٥٨، وتفسير ابن كثير ٧/ ١٨٥.
(٢) جامع البيان ٥/ ٦٦٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٩٢.
(٤) المحرر الوجيز ٢/ ٦٠.
(٥) المحرر الوجيز ٢/ ٢١٦.
стр. 470
ويمكن تصنيف هذه المستندات بحسب مصدرها إلى قسمين:
الأول: المستندات النقلية؛ وتشمل:
القرآن الكريم، والقراءات، والسُّنَّة النبوية، والإجماع، وأقوال السلف، ولغة العرب، وأحوال النزول، والإسرائيليات.
الثاني: المستندات العقلية، وتشمل:
النظائر، والسياق، والدلالات العقلية.
* * *
стр. 471
ثالثًا الأصول العامة في تعامل الأئمة مع مستندات التفسير
يقوم تعامل الأئمة الخمسة (ابن جرير، وابن عطية، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير) مع مستندات التفسير على جملة أصول، يمكن إجمالها فيما يأتي:
الأول: أن جميع هذه المستندات عندهم أصول معتبرة، يصح الاستناد إليها، والتعويل عليها في قبول المعاني، وردها، والترجيح بينها، وشواهد هذا من استشهاداتهم على المعاني واستدلالهم بها أكثر من أن تحصر، كما هو ظاهر في الأمثلة السابقة في أنواع المستندات. والتفاوت الحاصل بين هؤلاء الأئمة في الإكثار من استعمال بعض هذه المستندات أو الإقلال من بعضها الآخر لا يخرجها عن أن تكون معولًا يستدل به ويعتمد عليه عندهم، وإنما مرد ذلك إلى تفاوت القدرة العلمية، والقوة العقلية، واختلاف مقامات التأليف والفتيا، والقصد إلى التفسير أو الاقتصار على الترجيح مع ما تيسر من الأدلة، ونحو ذلك من الأحوال والمقامات التي تعرض للمفسر منهم (١).
الثاني: كل قول في التفسير لا يستند إلى أحد هذه المستندات فهو باطل مردود، وذلك فرع عن اعتمادها والاستناد إليها دون غيرها، فلا حجة صحيحةً في غيرها، ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، حيث رجح ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) وابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) العموم، وقال ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "أن دليل الظاهر من التنزيل على النهي عن ظاهر كل فاحشة وباطنها، ولا خبر يقطع العذر بأنه عني به بعض دون جميع، وغير جائز إحالة ظاهر
_________
(١) يثار هنا إلى ما في تفسير ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) من اضطراب في تعامله مع الإسرائيليات خصوصًا؛ حيث يرد عددًا من الأقوال لمجرد أنها مروية عن بني إسرائيل، بل لاحتمال كونها مرويةً عنهم ٦/ ٣٤٣، ٤٨٤، ١٠/ ٣٠١، ٤١٣، مع نصّه على صحة الرواية عنهم فيما يجوزه العقل ١/ ١٠، ٩/ ٤١١، ١٣/ ١٨٠، بل واستدلاله الصريح بها ٩/ ١٨٨ - ١٨٩، ٢٣٢، ١٠/ ٤٥٢، ١٢/ ٢٣.
стр. 472
كتاب اللَّه إلى باطن إلا بحجة يجب التسليم لها" (١)، ووافقه ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) فذكر أن هذا التخصيص "لا تقوم عليه حجة، بل هو دعوى مجردة" (٢). وقال ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن اللَّه عنى بذلك: ما ذبح للأصنام والآلهة، وما مات أو ذبحه من لا تحل ذبيحته. .، وأما من قال: عنى بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم اللَّه. فقول بعيد من الصواب؛ لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله، وكفى بذلك شاهدًا على فساده" (٣).
الثالث: لا فرق بين المستندات النقلية والعقلية في استعمال الأئمة الخمسة، ولا يتقدم أحدها على الآخر بهذا الاعتبار؛ إذ كلاهما دليل شرعي معتبر، ومن شواهد ذلك قول ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ): "وإذا تنوزع في تأويل الكلام، كان أولى معانيه به أغلبه على الظاهر، إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليل واضح على أنه معني به غير ذلك" (٤). وقال ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) عن قول: "وهذا قول لا يستند إلى خبر ولا إلى نظر" (٥). وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) في بعض الأقوال: "وهذا قول غريب جدًّا، لا دليل عليه لا من عقل، ولا من نقل" (٦).
الرابع: التفاوت بين المستندات في التقديم والاعتبار عند الأئمة الخمسة يقع من جهة قوة المستند في نفسه، وصراحته في الدلالة، ومن ذلك تقديم بعض المستندات لكثرة أدلتها، كما في قول ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) عند قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦]: "وأشبه القولين بظاهر التنزيل ما قال الحسن، من أن هذه الآية معني بها أهل الكتاب على ما قال، غير أن الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم بتأويل القرآن" (٧)، وكما في ترجيحه بكثرة الرواة للخبر في قوله: "وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب؛ لتظاهر الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ " (٨)، وقال ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) مرجحًا بكثرة القائلين: "والذي عليه الناس أقوى مما ذكره ابن إسحاق" (٩)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): "وقد ذهب أكثر
_________
(١) جامع البيان ٩/ ٦٥٩.
(٢) المحرر الوجيز ٣/ ٤٩١.
(٣) جامع البيان ٩/ ٥٢٩.
(٤) جامع البيان ٩/ ٦٧٨.
(٥) المحرر الوجيز ٣/ ٤٤٤.
(٦) تفسير القرآن العظيم ٥/ ١٧٥.
(٧) جامع البيان ٥/ ٥٦١.
(٨) جامع البيان ٨/ ١٢١.
(٩) المحرر الوجيز ١/ ٤٢٧.
стр. 473
العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى للحديث" (١).
* * *
_________
(١) تفسير القرآن العظيم ٤/ ٧٢.
стр. 474
٦ - منهج المحدِّثين فى نقد مرويات التفسير
إعداد د. محمد صالح محمد سليمان
стр. 475
المقدمة
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فَتَتَباين كثير من الآراء المعاصرة في قضية نقد مرويات التفسير والمغازي بين من يرى التساهل في التعامل معها، ومن يرى التشدد في ذلك؛ ويحشد كل فريق لتقرير رأيه من آراء النقاد وتطبيقاتهم ما يقوي قوله، بلا تحرير في الغالب لمعنى التشدد أو التساهل، وبلا بيان في الغالب لدرجات ومناطات التشدد أو التساهل.
بل وصل الأمر عند البعض إلى تصوير القضية بأن فيها منهجين متغايرين؛ منهج يعتمد التشدد في التعامل مع المرويات وهو منهج المحدِّثين بحسب تصورهم، ومنهج يعتمد التساهل مع المرويات وهو منهج المفسرين بحسب تصورهم، وتلا ذلك تطبيقات عملية منطلقة من المنهج الذي يعتقد كل فريق من المعاصرين صحته، من مثل تجريد كتب التفسير وغيرها من الآثار الضعيفة وإخراج صحيح التفسير، وتناول أسانيد كتب التفسير وغيرها بالحكم على كل إسناد من أسانيدها وبيان اتصاله أو انقطاعه، أو من دعوات معاكسة ترى ضرورة التساهل مع تلك المرويات وإغضاء الطرف عنها.
والبحث إذ يشير لهذا التباين وذلك الاختلاف بين بعض المعاصرين = يقرر كذلك أن ليس ثمة اختلاف في تلك القضية، وأن بعض صور الاختلاف المدَّعى فيها بين بعض المعاصرين لم تؤثر على ذات القضية، ولم يكن له واقع لا في تنظيرات السابقين ولا تطبيقاتهم، وأن منشأ الاختلاف الجديد فيها راجع إلى إشكالات متعددة؛ من أبرزها: عدم استحضار الصورة الكاملة لمنهج المحدثين في التعامل مع كافة المرويات، والاكتفاء بالنظر إلى بعض جزئياته دون بعض، وتعميم بعض إطلاقات الأئمة في بعض الرواة أو المرويات على كافتها، وتقزيم المنهج الممتد الأرجاء في الدراسة الظاهرية للإسناد، وقلة الخبرة بمسالك النقاد ونفوذ بصائرهم إلى الدقائق والخفايا.
والبحث إذ يعالج تلك القضية؛ فمن الضروري بيانه أن بعض منطلقاته خارجة عن
стр. 476
حدود ذلك الاختلاف، وأن محاكمة تلك المنطلقات لذلك الاختلاف المُحْدَث خروج به عن مساره وعدول به عن هدفه.
ذلك أن البحث وإن كان المقصود منه منذ البداية بيان منهجية التعامل مع مرويات التفسير، وبهذا التوجه بدأ؛ فإنه كشف عن أن منهج المحدثين في التعامل مع كافة المرويات منهج واحد لا تختلف كلياته الكبرى ومحاوره الكلية، ولكن تختلف آلياته وإجراءاته ومستويات تطبيقه وتنزيله من علم إلى علم؛ وهذا الاختلاف في مستويات التطبيق والتنزيل هو أمارة دقة المنهج وتكامله، وإن الزعم بأنه منهج واحد حتى في مستويات التنزيل والتطبيق والآليات والإجراءات زعم باطل، إذ فيه عدول تام عن المنهج، وغفلة تامة عن تمام إدراكه، وقصور ضخم في تصوره بَلْه تطبيقه وإعماله، ولذا سيكون مثار تعجب البعض أثناء تناول قضية ثبوت الأخبار خاصة = أن مرويات التفسير لم يكن لها -من وجهة نظرهم- ذلك البروز الذي يتناسب مع كون البحث منعقد لأجلها، وأن البحث يغرِّد بعيدًا عنها، وحقيقة الأمر بخلاف ذلك؛ وإنما مرد ذلك إلى أن فقه منهج ثبوت الأخبار هو الأصل والميزان الذي مَنْ ضَبَطَهُ ضبط كل ما تحته من قضايا ومسائل؛ ذلك أن من المشكلات البحثية الكبرى أن يسلط نظر البحث على جزئيات المسائل ويغفل بحث الكليات الكبرى والأطر المفصلية التي تقوم الجزئيات لخدمتها وتحقيقها.
إن منهج المحدّثين منهج متكامل؛ وليس من الصواب ادعاء الانفصام بينه وبين المرويات المتعلقة بالتفسير والمغازي والفضائل وخروجها عن إطاره وشروطه، وليس من الصواب كذلك إجراؤه على نمط واحد مع كافة المرويات المرتبطة به والداخلة تحت نطاقه، وتعميم إطلاقات نُقَّاده وأحكامهم على كافة المرويات دون التنبه لمواطن تلك الإطلاقات وسياقاتها، ولا لكيفيات تنزيلها؛ ذلك أن حال الناقد البصير بالمنهج مع الرواية كحال الطبيب الحاذق الذي يختلف توصيفه للمرض الواحد باختلاف الأشخاص واختلاف البلدان واختلاف الأحوال، واختلاف درجة المرض قوة وضعفًا؛ بل ربما اختلاف التوصيف للشخص الواحد من وقت إلى وقت ومن حال إلى حال؛ وإنما الصواب في ذلك كله إعماله وفق منهجيته الدقيقة التى تنساب مع كل رواية بحسبها وتتعامل معها بميزان دقيق يناسبها.
وقد تأملت تلك القضية فظهر لي أن معاقد الخطأ في تناولها راجعة إلى عدة أمور؛ أهمها:
стр. 477
١ - عدم مراعاة منهج المحدِّثين بصورته الكاملة، التي كان من نتائجها:
أ- تحويل القضية من ساحة المنهج المتكامل في التعامل مع المرويات إلى ساحة الدراسة الظاهرية للإسناد وحصر القضية فيها.
ب- تصوير قضية منهج التعامل مع أسانيد التفسير بأن فيها منهجًا للمحدِّثين يختلف تمامًا عن منهج المفسرين، وذلك عارٍ تمامًا من الصواب؛ بل كبار المفسرين الذين صنفوا في التفسير -وعلى مصنفاتهم المعول في معظم مرويات التفسير كابن جرير وابن أبي حاتم- لم يخالفوا منهج المحدثين في أسسه وكلياته، وفي فهمه وتطبيقاته في مصنفاتهم التفسيرية.
ج- عدم مراعاة الظروف المحتفة بنشأة الإسناد وأثرها في تفاوت درجات الإسناد بالنسبة للمرويات، وأثر ذلك التفاوت على التعامل معها.
د- عدم مراعاة الانفكاك بين مقام ثبوت الرواية عن قائلها ومقام مضمون الرواية.
٢ - عدم التنبه لغرض المصنفين من إيراد المرويات الضعيفة.
ولذا؛ فعلى المتصدي لنقد الأخبار أو تحقيق الكتب مراعاة تلك الأشياء مجتمعة، والنظر إلى تلك الجوانب مكتملة حتى تتحقق له الفائدة المرجوّة من عمله. وبمقدار النقص في النظر لتلك الجوانب تكون صورة المنهج النقدي مشوّشة وغير مكتملة وينعكس ما فيها من خداج على التطبيقات العملية.
وقد أراد البحث تسليط النظر على تلك الجوانب مكتملة؛ فجاءت خطته مقسّمة على مقدمة وفصلين:
الفصل الأول: جهات النظر في التعامل مع الخبر؛ ويتضمن ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: جهة الثبوت.
المبحث الثاني: جهة المعنى.
المبحث الثالث: جهة أغراض المصنفين.
الفصل الثاني: مرويات التفسير: المحددات والقرائن وتطبيقات المحررين؛ وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: المحددات العامة للتعامل مع مرويات التفسير.
المبحث الثاني: القرائن المختصة بمرويات التفسير وأثرها.
المبحث الثالث: تطبيقات المنهج عند المفسرين المحررين.
стр. 478
الفصل الأول جهات النظر في التعامل مع الخبر
ويتضمن ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: جهة الثبوت.
المبحث الثاني: جهة المعنى.
المبحث الثالث: جهة أغراض المصنفين.
стр. 479
المبحث الأول جهة الثبوت
ويتضمن مدخلا تأسيسيًّا وأربعة مطالب:
المطلب الأول: المعيار الذي عليه المدار في نقد الأخبار.
المطلب الثاني: ارتباط أركان المنهج النقدي بمعيار نقد الأخبار.
المطلب الثالث: ارتباط أركان المنهج النقدي لإجراءات وآليات القبول والرد.
المطلب الرابع: الإسناد وماهية علاقته بالمرويات من حيث الثبوت وعدمه؛ ويتضمن مدخلًا وثلاثة فروع:
مدخل: إطلالة على تاريخ الإسناد.
الفرع الأول: نشأة الإسناد واعتماده.
الفرع الثاني: تفاوت درجات وزمان اعتماد الإسناد في العلوم الشرعية.
الفرع الثالث: المنقطع السند الذي له حكم المتصل الإسناد وشرط الصحة.
стр. 480
مدخل تأسيسي
قضية ثبوت الخبر أو عدم ثبوته هي القضية التي عليها مدار المنهج النقدي لدى المحدِّثين، ولذا سيتناول هذا المبحث الكلام عن ذلك المنهج وأركانه وآلياته المعتمدة لإصدار الحكم بثبوت الخبر أو عدم ثبوته؛ فالمنهج النقدي عند المحدثين له معالمه وكلياته الكبرى التي تضبط إطاره العام، وهذه المعالم والكليات استندت إلى كثير من الأسس في تكوينها وقيامها، وانتظمت بداخلها كثيرًا من الجزئيات المكونة لصورتها، وارتبطت في علاقاتها وامتداداتها بمجموعة من الفنون المتنوعة والتطبيقات المتعددة، واعتمدت على كثير من الجزئيات والقرائن المختلفة باختلاف المقامات والأحوال وغير ذلك مما كان له أكبر الأثر في استواء منهج نقد الأخبار لدى المحدّثين على سوقه، وإثباتِه قدرته التامة ودقته البالغة ومرونته الفائقة في التعامل مع كافة المرويات الداخلة تحت نطاقه، وتحرير الصواب فيها من الخطأ؛ لإخراج الروايات المقبولة من بين فرث ودم الروايات المردودة، فالحكم بالثبوت أو عدم الثبوت مرتبط في ذلك المنهج بشبكة متداخلة من الأركان والآليات والقرائن والامتدادات، لا بد للمتصدي لنقد الأخبار من الإمساك بخيوطها وجمع معاقدها.
إن التكاملية في منهج التعامل مع المرويات والأخبار عند المحدثين لا ينبغي أن تظل دعوى تتردد أصداؤها دون فهم مضمونها، ولا معرفة أركانها، ولا إدراك منطلقاتها؛ بل ينبغي تصور الأسس الكبرى والمعاقد الكلية التي قامت عليها تكاملية المنهج. ومن هنا فإن انطلاق البحث عن منهجية المحدثين في التعامل مع مرويات التفسير أو المغازي أو الأحكام أو غيرها دون وضوح التصور لأسس المنهج ومعاقده ودون تقدير لاختلاف آلياته ودرجات تنزيله وتطبيقه خطأ منهجي، يؤدي إلى الاضطراب والتناقض والتخبط في الطرح، وعدم التحرير في التناول.
ومن هنا أراد البحث بيان المرتكزات الأساسية والمعاقد الكلية التي شكلت التكامل لمنهج المحدِّثين في التعامل مع الأخبار قبولًا وردًّا قبل بيان درجات تنزيله ومستويات تطبيقه مع مرويات التفسير؛ لأنه لا يسلم تحرير الفرع قبل تحرير الأصل، ولا يستقيم فهم الجزء وعلاقته بالكل قبل فهم الكل.
стр. 481
وإنّ أساس الأسس ومرتكز المرتكزات ومنطلق الينطلقات لفهم المنهج النقدي عند المحدثين وإدراك تكامله هو:
١ - تحديد أركانه الكلية.
٢ - تحرير هدفه وغايته.
٣ - تحرير المعيار الضابط لتلك الغاية وما يرتبط بمجموع ذلك.
فأما الأركان الكلية التي قام عليها منهج نقد الأخبار عند المحدثين؛ فهي ثلاثة، وهذه الثلاثة آخذة بمجامع أي خبر من أي جهة من جهاته، وممسكة بزمامه، وضابطة لآليات التعامل معه، وتلك الأركان الثلاثة هي أركان الخبر ذاته، إذ كل خبر من الأخبار ينحصر في أركان ثلاثة:
الأول: مضمون الخبر ونصّه.
والثاني: قائل الخبر.
والثالث: ناقل الخبر وراويه.
فكل خبر منقول قوامه هذه الأركان الثلاثة؛ وعلى هذه الأركان شيّد المنهج النقدي، ورفعت معالمه، وركبت أجزاؤه، ووضعت معاييره في القبول والرد، وحددت درجاته في التعامل مع الأخبار تشددًا وتساهلًا، وحُرِّرت طبقات الرواة وأوصافهم. . . إلخ، مما قام على هذه الأركان دون إغفال أو تغليب لركن منها على حساب آخر، وهذه الأركان آخذ بعضها برقاب بعض، ومتداخل بعضها في بعض؛ بحيث لا يمكن اكتمال المنهج النقدي بركنين منها دون الثالث لشدة ما بينها من تلاحم وارتباط، ولشدة التأثير الساري بينها، وذلك هو أساس تكاملية المنهج لمن أراد فهمها دون الاكتفاء بترديدها أو نقل عبارات الأئمة لإثباتها دون فهم مرادهم بها، وسيأتي لاحقًا تفصيل الكلام عليها.
وأما هدف المنهج وغايته التي يدور عليها منهج المحدثين في التعامل مع الأخبار والمرويات المتعددة، فهي بيان ثبوت هذه المرويات عمّن نُسِبَتْ إليه أو بيان عدم ثبوتها عنه.
وأما المعيار الضابط لتلك الغاية؛ فهو غلبة الظن بصواب الرواية أو خطئها، وفيما يأتي من مطالب بيان ذلك:
стр. 482
المطلب الأول المعيار الذي عليه المدار في نقد الأخبار
الغاية التي يسعى منهج نقد المحدثين لتحقيقها مؤسَّسة على معيار واحد عليه المدار في منهج النقد الحديثي؛ وهو غلبة الظن بصواب الرواية أو غلبة الظن بخطئها، فالمقبول ما غلب على الظن صوابه، والمردود ما غلب على الظن خطؤه. والتعبير بغلبة الظن صريح في أن مسألة القبول والرد في مجملها ومعظمها اجتهادية لا يقين فيها ولا قطع؛ يقول الدارمي في ردّه على بشر المريسي مقررًا أن المدار على غلبة الظن وأنه ليس ثم قطعيات يقينية: "ويلك! إن العلماء لم يزالوا يختارون هذه الآثار ويستعملونها، وهم يعلمون أنه لا يجوز لأحد منهم أن يحلف على أصحها: أن النبي ﷺ قاله البتة، وعلى أضعفها: أن النبي ﷺ لم يقله البتة. ولكنهم كانوا لا يألون الجهد في اختيار الأحفظ منها، والأمثل فالأمثل من رواتها في أنفسهم" (١).
وقال العراقي: "فإِنَّ باب الرِّواية مبنيٌّ على غلبة الظن" (٢).
وقال ابن حجر: "تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلية الظن؛ فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا. لم يتعين خطؤه في نفس الأمر؛ بل هو راجح الاحتمال فيعتمد، ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذ؛ وهو ما يخالف الثقة فيه من هو أرجح منه في حد الصحيح" (٣).
ويقول السيوطي: "إذا قيل هذا حديث صحيح؛ فالمراد بحسب الظاهر وما اقتضاه إسناده، لا أنه مقطوع به في نفس الأمر؛ لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، وكذا إذا قيل: حديث ضعيف؛ فالمراد أنه لم يصح إسناده فحكم بضعفه، عملًا بظاهر الإسناد
_________
(١) نقض الدارمي على بشر المريسي ٢/ ٦٤٤، ٦٤٥.
(٢) طرح التثريب في شرح التقريب ٢/ ١٠٥.
(٣) فتح الباري، لابن حجر ١/ ٥٨٥، وينظر: شرح النووي على مسلم ١/ ١٢٨.
стр. 483
لا أنه كذب في نفس الأمر، لجواز صدق الكاذب، وإصابة من هو كثير الخطأ" (١).
وهذا تقرير لحقيقة غابت عن كثير من التطبيقات المعاصرة؛ وهي أن أبواب الإعلال ونقد الروايات -وإن كان لها أصول تجري عليها وأطر تضبطها- إلا أنها لا تجري على سَنَنٍ واحد؛ بل تتفاوت درجات إعمالها وآليات توظيفها تفاوتًا بَيِّنًا بحسب كل رواية، لكون منهج نقد الأخبار متشعب المسالك مترامي الأطراف معقد التفاصيل بعيد الغور دقيق المسلك، إذ يبلغ من قمة الظهور أحيانًا ما يحسب معه الناظر أن ليس هناك خفاء، ويبلغ من قمة الوعورة والدقة والخفاء أحيانًا ما يظن معه أن ليس معه ظهور، وإنما مرد ذلك إلى كون النقاد يتعاملون مع كل رواية بحسبها وحسب قدرها وأثرها ومضمونها وما احتف بها، وقد عبَّر عن هذا المعنى عدد من العلماء؛ فقد نقل الزركشي عن ابن دقيق العيد قوله: ". . . وأما أهل الحديث؛ فإنهم قد يروون الحديث من رواية الثقات العدول ثم تقوم لهم علل فيه تمنعهم من الحكم بصحته كمخالفة جمع كثير له أو من هو أحفظ منه، أو قيام قرينة تؤثر في أنفسهم غلبة الظن بغلطِهِ، ولم يجر ذلك على قانون واحد يستعمل في جميع الأحاديث" (٢)، وقال ابن تيمية: "ولكل حديث ذوو، ويختص بنظر ليس للآخر" (٣)، وقال ابن رجب: "ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه" (٤).
ومقصود هذه العبارات: أن المعيار الذي عليه مدار قبول الرواية أو ردِّها لا يجري على نسق واحد، ولا ينحصر في قالب بعينه، ولا يتشكل على هيئة واحدة؛ ذلك أن هذا المعيار يتفاوت صعودًا ونزولًا تشددًا وتساهلًا قبولًا وردًّا بحسب كل حالة ورواية، وتكمن مهارة الناقد وحذقه ونفوذ بصره في قدرته على استخدام هذا المعيار مع كل رواية بحسبها، فهو كالطبيب الحاذق يقلب جسد الرواية، ويستكشف أعراضها وينظر في مساراتها وارتباطاتها، وعلاقاتها ومسبباتها حتى يحسن تشخيص حال الرواية؛ بل حال كل أجزائها ومكوناتها، فيميز صحيحها من سقيمها، ويعرف مقدار تفاوتها في الصحة أو السقم، ويحدد حجم السقم ونوعه وأثره وسببه؛ فيعطي
_________
(١) البحر الذي زخر شرح ألفية الأثر ١/ ٢٩٧.
(٢) النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي ١/ ١٠٥.
(٣) مجموع الفتاوى ١٨/ ٤٧.
(٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٨٢.
стр. 484
كل رواية ما تستحق، ويحكم على الراوي الواحد ساعة بقبول روايته، وساعة أخرى بردِّها؛ لا عن هوى بل عن بصرٍ وعلم، فليس ثَمَّ -في الغالب- أمور قاطعة، أو قواعد صارمة، أو أحكام عامة شاملة يصلح إجراؤها على كافة الرواة والمرويات والفنون والمضامين، بحيث تصير أشبه بالمعادلات الرياضية التي لا بد أن تُنْتِجَ مقدماتُها نتائجَها، وهذا سر جلالة هذا المنهج ورقيّه، وسر عمقه وتشعبه.
ولا يعني ما سبق أن هذا المعيار متروك في بحر الرواية يسبح به كل ناقد كيف شاء في أي اتجاه وفي أي طريق بلا ضابط ولا رابط، كلا؛ بل ذلك المعيار له محددات كبرى تضبط اتجاهه، وأطر كلية تؤطر حركته، ومعالم عامة توجه مساره، ومن رحم تلك المحددات تتولد غلبة الظن، وهذه المحددات هي أركان الخبر الثلاثة السابق ذكرها، وهذا يؤكد ما سلف من إمساك المحدثين بمعاقد أركان الخبر وتأسيسهم منهجهم النقدي عليها، وذلك يستدعي منا إلماحًا إلى أركان الخبر، وبيان الارتباط الوثيق بينها وبين معيار القبول والرد، وما يتعلق به من إجراءات وآليات.
стр. 485
المطلب الثاني ارتباط أركان المنهج النقدي بمعيار نقد الأخبار
سَلَفَ القولُ بأن معيار القبول والرد يتحرك في فضاء واسع، وأنه مع ذلك له محددات تضبط حركته وتوجه سيره؛ وهذه المحددات هي ذاتها أركان الخبر، وسنبين تلك المحددات فيما يأتي:
* المحدد الأول: مضمون الخبر وقدْرُه وأثرُه:
وهو أكبر أركان الخبر؛ بل هو الخبر ذاته، وهو المحدد الأكبر لمعيار القبول والرد، والركنان الآخران مرتبطان به ومترتبان عليه في كثير من تفاصيلهما.
ذلك أن الأخبار تتفاوت مضامينها وموضوعاتها، ويختلف تبعًا لذلك -في الشريعة- قدْرُها وأثرُها؛ فالخبر الذي موضوعه أسماء اللَّه وصفاته وما يختص به لا يساويه غيره، والخبر المتعلق بالغيب غير مضمون الخبر المتعلق بالشاهد، ومضمون الخبر المتعلق بالدماء غير مضمون الخبر المتعلق بالأموال، ومضمون الخبر المتعلق بالتشريع ليس كمضمون الخبر المتعلق بغير التشريع، ومضمون الخبر المتعلق بالتاريخ ليس كمضمون الخبر المتعلق بالتفسير أو الأنساب.
ولما كان مقتضى الحكمة والعقل عدم التسوية بين كل هذه المضامين، واعتبار التفاوت القائم بينها، ومراعاة اختلاف الآثار والغايات المرتبطة بكل منها جاء منهج نقد الأخبار لدى المحدثين مؤسسًا على مقتضى تلك الحكمة وذلك العقل، ولذا كان من أولويات هذا المنهج التي استند إليها في قبول الأخبار وردها مراعاة مضامين الأخبار وموضوعاتها، وعدم إجرائها على نسق واحد، ولا معاملتها بمقياس واحد؛ بل لكل مضمون من درجات التشدد أو التساهل في القبول أو الرد ما يناسبه، ويلائم قدره، ويوائم غايته وأثره. وهذا الاختلاف في شروط القبول والرد بحسب المضامين يؤول في النهاية إلى تحقيق المعيار الذي عليه المدار في كل تلك الأخبار؛ وهو الوصول إلى غَلَبَةِ الظن المقتضية لقبولها أو ردها، والتي تتفاوت هي ذاتها في عسر
стр. 486
حصولها لدى الناقد أو يسره بحسب اختلاف مضامينها، في ضوء إجراءات وآليات التعامل معها، فالاختلاف في الإجراءات والآليات والوسائل في كل تلك المضامين اختلاف وسائل لتحقيق الغاية.
وهذا النظر العقلي الدقيق هو أحد الدعائم الكبرى التي تأسس عليها منهج المحدثين في نقد الأخبار المروية عن رسول اللَّه ﷺ بَلْهَ بقية الأخبار، وصوَّرَتْه بدقة عباراتهم المشهورة من نحو قول ابن مهدي في العبارة المشهورة: "إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال؛ تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام؛ تشدَّدنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال" (١)، ومن نحو ما نقله عبدة بن سليمان عن ابن المبارك لما قيل له -وقد روى عن رجل حديثًا-: هذا رجل ضعيف، فقال: "يحتمل أن يروى عنه هذا القدر، أو مثل هذه الأشياء". قال أبو حاتم الرازي: قلت لعبدة: مثل أي شيء كان؟ قال: "في أدب، في موعظة، في زهد، أو نحو هذا" (٢)، ومن نحو قول سفيان: "لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ" (٣)، وقوله: "بما سوى ذلك"؛ يعني: بما سوى الحلال والحرام (٤)، وقول الخطيب البغدادي: "وينبغي للمحدِّث أن يتشدد في أحاديث الأحكام التي يفصل بها بين الحلال والحرام؛ فلا يرويها إلا عن أهل المعرفة والحفظ وذوي الإتقان والضبط، وأما الأحاديث التي تتعلق بفضائل الأعمال وما في معناها فيحتمل روايتها عن عامة الشيوخ" (٥).
فظاهر جدًّا من هذه النّقول أن المدار على مضمون الخبر وموضوعه (الحلال والحرام، الأحكام، فضائل الأعمال، موعظة، أدب)؛ ولذا فالتفاوت الحاصل في معاملة المرويات تشددًا وتساهلًا، وكذا التفاوت الحاصل في النظر للرواة بتمرير
_________
(١) رواه الحاكم في المستدرك ١/ ٦٦٦.
(٢) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢/ ٣٠، ٣١.
(٣) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ١/ ١٣٤.
(٤) وهذا ظاهر جدًّا من عبارته، وأوضحته بجلاء روايات أخرى؛ منها ما أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل عن ٤٠٦ بلفظ: "خذ الحلال والحرام من المشهورين في العلم، وما سوى ذلك فمن المشيخة".
(٥) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٩١.
стр. 487
روايات بعضهم في أحوال وردها في أحوال أخرى من أعظم أسبابه تفاوت مضمون الخبر ذاته.
* المحدد الثاني: معرفة قائل الخبر:
من ضمن المحدّدات التي يتجه إليها نظر الناقد لتكوين دائرة غلبة الظن عنده بقبول الخبر أو ردّه = النظر لقائل الخبر نفسه؛ إذ الأخبار الشرعية عامة لا يخلو قائلها من أحد وجهين: إما أن يكون معصومًا من الخطأ، وإما أن يكون غير معصوم؛ فينظر النقاد إلى قائل الخبر من حيث عصمته من الخطأ أو عدم عصمته، ومن حيث كون الكلام الصادر عنه تشريعًا أو لا، وكذا من حيث طبقته مع مضمون روايته للحكم بكون خبره له حكم الرفع أو لا؛ وإنما قصدت تعديد بعض أحوال القائل تنبيهًا على كون تلك الأحوال وما شابهها من ضمن المؤثرات في حكم الناقد على الخبر، سواء من حيث قبوله وردِّه أو من حيث ارتفاع منزلة الخبر من موقوف إلى مرفوع. . . إلخ؛ إذ تختلف بناء على اختلاف القائل أحوالُ تعامل الناقد مع الرواية تشددًا وتساهلًا قبولًا وردًّا، ولما كانت أجلّ الأقوال منزلة وأرفعها درجة وأعظمها مكانة أحاديث رسول اللَّه ﷺ ؛ حظيت من الاحتياط في قبولها، والتشديد في رواتها، والتدقيق في شروطها بما لم يحظ به غيرها؛ لكون الخبر الصادر عنه ﷺ في مقام التشريع وحيًا معصومًا من الخطأ، وهذا التشدد والاحتياط إنما كان حتى قبل ظهور الإسناد واعتماده؛ فقد كان الصحابة يحتاطون في رواية حديث رسول اللَّه ﷺ ويشددون في ذلك جدًّا، ويصور ابن قتيبة شيئًا من ذلك بقوله: ". . . وكان عمر أيضا شديدًا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك: أن لا يتسع الناس فيها، ويدخلها الشوب؛ ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي. وكان كثير من جلّة الصحابة، وأهل الخاصة برسول اللَّه ﷺ كأبي بكر، والزبير، وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقلون الرواية عنه؛ بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل" (١).
وهذا التشدد والاحتياط التام ورثه نقاد الحديث، فأسسوا عليه طريقة تعاملهم مع
_________
(١) تأويل مختلف الحديث عن ٨٩، ٩٠.
стр. 488
ما يروى عن رسول اللَّه ﷺ ؛ بل اختلف تعاملهم حتى مع نفس المروي عن رسول اللَّه ﷺ بحسب مضمونه كما سلف.
ولا شك أن منطق الفطرة والعقل يقتضي أن يكون احتياطهم وتشددهم في المروي عن رسول اللَّه ﷺ وما يجري مجراه مما له حكم الرفع أكثر وأشد مما سوى ذلك من الأخبار، إذ الثابت عنه تشريع معصوم، والمروي عن غيره رأي غير معصوم، وإذا كانت درجات التشدد والتساهل تختلف صعودًا ونزولًا حتى في المروي عن رسول اللَّه ﷺ فبالأحرى ستختلف درجاتها عمن سواه، ولهذا كان تحصيل غلبة الظن بقبول الخبر عن غير رسول اللَّه ﷺ أيسر من تحصيلها فيما يروى عنه ﷺ .
ولذا؛ نقل عن سعد بن إبراهيم قوله: "ليس يحدث عن رسول اللَّه ﷺ إلا الثقات" (١)، ونقل عن أحمد قوله في جويبر بن سعيد: "ما كَانَ عن الضحاك فهو على ذاك أيسر، وما كَانَ بسند عن النبي ﷺ فهو منكر" (٢).
وكذا تختلف قيمة الأخبار الثابتة عن الصحابة وترتفع درجتها عن أخبار من بعدهم في بعض الأبواب والأحوال، وتختلف تبعًا لذلك درجات التشدد والتساهل المؤثرة في القبول والرد. . . إلخ.
* المحدد الثالث: إصابة ناقل الخبر أو خطؤه:
الحكم الذي يصدره الناقد بقبول الرواية أو ردِّها عبر هذا المحدد مداره على إصابة الراوي أو خطئه؛ فالعلة التي يؤسس الناقد عليها حكمه بقبول الرواية أو ردّها هي وقوع الخطأ في الرواية أو عدم وقوعه، فالخطأ خطأ ولو رواه الثقة، والصواب صواب ولو رواه الضعيف، ولا ينقلب الخطأ صوابًا برواية الثقة له، ولا ينقلب الصواب خطأ برواية الضعيف له (٣)، لأنه ليس ثمَّ توثيق مطلق أو تضعيف مطلق للرواة بحيث يكون القبول ملازمًا لكل مرويات مَنْ وُصِف بالثقة، أو الرد ملازمًا لكل مرويات من وصف بالضعف؛ ولذا فليس من الصواب اعتماد مجرد الأوصاف
_________
(١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢/ ٣١.
(٢) تهذيب الكمال في أسماء الرجال ٥/ ١٦٨.
(٣) وليس معنى ذلك قبول كل ما أصاب فيه الضعيف مطلقًا؛ لكون إصابته في بعض الروايات مفتقرة إلى قرائن أخرى تؤهلها لاعتماد الناقد لها وقبولها.
стр. 489
النقدية للأئمة في كل رواية دون تحقيق مناطات تلك الأوصاف وتنقحيها والخبرة بكيفيات تطبيقها!
قال الخليلي: "وإذا أُسنِدَ لك الحديث عن الزهري وعن غيره من الأئمة فلا تحكم بصحته بمجرد الإسناد، فقد يخطئ الثقة" (١).
وقال أبو الوليد الباجي: "وقد يكون الحديث يرويه الثقة عن الثقة ولا يكون صحيحًا؛ لعلة دخلته من جهة غلط الثقة فيه، وهذه الوجوه كلها لا يعرفها إلا من كان من أهل العلم بهذا الشأن وتتبع طرق الحديث واختلاف الرواة فيه، وعرف الأسماء والكنى (٢).
فكلامهم ظاهر جدًّا في أن نظر الناقد متجه للخطأ من حيث تسربه للخبر أو انتفائه عنه لا لذات الثقة ولا لذات الضعيف؛ لكون الحكم النقدي لا بد أن يكون مؤسسًا على شيء ثابت؛ وهو الجزم بانتفاء الخطأ أو الجزم بوقوعه، وهذا لا يكفي فيه مجرد كون الراوي من حيث الأصل ثقة أو ضعيفًا لما يلي:
أ- أن التوثيق لا يعني العصمة من الخطأ، والتضعيف لا يمنع من إصابة الصواب.
ب- أن الرواة بَشَرٌ تعتريهم مجموعة من العوامل والعوارض الزمانية والمكانية والعلمية وغيرها، التي تجعل رواياتهم تتفاوت صعودًا ونزولًا، قوة وضعفًا، ضبطًا ووهمًا، فمنهم من يعتريه الخطأ لكِبَر سنِّه أو لمرضٍ لحقه أو لاختلاطِ عقله أو لضياعِ كتبه أو لتميزه في حديث بلدٍ دون بلدٍ أو شيخٍ دون شيخ أو لروايته عن شيخٍ في وقتٍ أو حالٍ لم يقبل أهل العلم فيه رواية شيخه، أو لغير ذلك من العوامل والعوارض.
ولما كان الحكم على الرواة يكتنفه جَانِبَا العدالة والضبط؛ نظر النقاد إلى جانب العدالة فردوا أحاديث كل من سقطت عدالته؛ وكان على رأس هؤلاء:
• من عُرِفَ بالكذب في روايته؛ فردوا روايته ولم يعتبروها في شيء من أمور الدين، قال البيهقي في معرض تصنيفه للرواة مقررًا ذلك: ". . . وَضَرْبٌ رواه من كان معروفًا بوضع الحديث والكذب فيه؛ فهذا الضّرب لا يكون مستعملًا في شيء
_________
(١) الإرشاد للخليلي ١/ ٢٠١.
(٢) التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح ١/ ٢٩٧.
стр. 490
من أمور الدين إلا على وجه التّليين" (١).
• المتمادي في غلطه الذي نَبَّهَهُ النُّقَّاد على خطئه فلم يرجع؛ فقد "قِيلَ لشُعبة: من الذي يترك الرواية عنه؟ قال: إذا أكثر عن المعروفين ما لم يعرف من المعروفين من الرواية، أو أكثر الغلط، أو تمادى في غلط مجتمع عليه؛ فلم يتهم نفسه عند اجتماعهم على خلافه، أو يتهم بكذب. أما سوى من وصفت فأروي عنهم" (٢)، وقال حمزة بن يوسف السهمي في سؤالاته للدارقطني: "وسألته عمّن يكون كثير الخطأ؟ قال: إن نبّهوه عليه ورجع عنه فلا يسقط، وإن لم يرجع سقط" (٣).
ولما نظر النُّقّاد إلى جانب الضبط قسّموا الرواة إلى أصناف بحسب تفاوتهم في الضبط؛ قال عبد الرحمن بن مهدي: "المحدثون ثلاثة: رجل حافظ متقن؛ فهذا لا يختلف فيه، وآخر يوهم والغالب على حديثه الصحة؛ فهذا لا يترك حديثه، والآخر يوهم والغالب على حديثه الوهم؛ فهذا متروك الحديث" (٤)، والنقاد وإن اعتمدوا ذلك التصنيف في جملته إلا أنهم لم يجعلوه تصنيفًا مطردًا للرواة في كل رواية وفي كل حال؛ بل عرفوا أن هذا الإجمال يكتنز بداخله كثيرًا من التفاصيل الدقيقة والأحوال الجزئية والقرائن الخفية التي تفتقر إليها عملية قبول الحديث أو رده، وذلك ما عبَّر عنه ابن رجب بعبارته الرائقة التي أصابت المحز: "ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه" (٥)؛ ولذا ردَّ أهل العلم ونقاد الحديث بعض أحاديث الثقات وحكموا ببطلانها، لأنهم تيقنوا من وقوع الخطأ فيها من قبل الثقات: فمن ذلك ما رواه الخطيب بسنده عن محمد بن علي بن حمزة المروزي؛ أنه سأل ابن معين عن حديث رواه نعيم بن حماد، فقال ابن معين: "ليس له أصل. قلتُ: فنعيم بن حماد؟ قال: نعيم ثقة! قلتُ: كيف يحذث ثقةٌ بباطل؟ ! قال: شُبّه له" (٦)؛ فتوثيق ابن معين لنعيم بن حماد لم يمنعه من تضعيف الخبر، وهو كاف وصريح فيما نحن بصدده والأمثلة على ذلك كثيرة (٧).
_________
(١) دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٤.
(٢) الضعفاء للعقيلي ١/ ١٣.
(٣) سؤالات حمزة للدارقطني ص ٧٢.
(٤) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي ص ٤٠٦.
(٥) شرح علل الترمدي ٢/ ٥٨٢.
(٦) تاريخ بغداد (١٣/ ٣٠٩).
(٧) ينظر: الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ص ٨٢ - ١٠٢، فقد حشد كثيرًا من الأمثلة على ذلك.
стр. 491
وكما ردَّ النقاد بعض أحاديث الثقات قبلوا بعض أحاديث الضعفاء لاعتبارات وقرائن قامت عندهم على صحتها؛ ولذا كان من أجوبة ابن حجر على من انتقدوا على البخاري روايته لبعض الضعفاء قوله: وقد تقرر أن البخاري حيث يخرج لبعض مَنْ فيه مقال لا يخرج شيئًا مما أنكر عليه" (١).
وقال ابن رشيد السَّبتي مخاطبًا الإمام مسلمًا: ". . . وكذلك أيضًا حَكَمَ أهل الصناعة فيما أخرجتما من أحاديث الثقات الذين قد اختلطوا؛ فحملوا ذلك على أنه مما رُوي عنهم قبل الاختلاط، أو مما سَلِموا فيه عند التحديث" (٢).
ونقل ابن القيم اعتراضا على مسلم كذلك في إخراجه لبعض الضعفاء في صحيحه، ثم أجاب بقوله: "ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه" (٣)؛ وإذًا "فليس الخوف الذي يعتري الناقد من ذات الراوي، بل هو فيما يمكن أن يكون الراوي فعله في الرواية فأفسدها، فإن غاية ما يمكن أن يصنعه الراوي المتروك أو الضعيف جدًّا، بل والكذاب في الرواية، هو أن يقلب إسنادًا أو يركب متنًا، وهذا قد يقع فيه هين الضعف، بل والثقة أحيانًا إذا ما أخطأ، فقد يدخل عليه حديث في حديث، وقد يقلب فيبدل كذابًا كان في الإسناد، فيضع مكانه ثقة، خطأ لا عمدًا، وقد يأتي إلى حديث معروف بإسناد ضعيف، فيبدل إسناده بإسناد آخر صحيح، وقد يُسقط من الإسناد كذابًا أو متروكًا كان فيه، ويُسوِّي الحديث ثقة عن ثقة، وَهْمًا لا عمدًا؛ غاية ما هنالك، أن الثقة قلّما يقع منه ذلك، بخلاف الضعيف والمتروك؛ فإنه كثيرًا ما يقع منه ذلك، ولهذا ضعفوا الضعيف، ولها يضعفوا الثقة، وإن كانوا لم يترددوا في الحكم على هذا القليل الذي أخطأ فيه الثقة بالنكارة والبطلان" (٤).
_________
(١) مقدمة الفتح ١/ ١٨٩.
(٢) السنن الأبين ص ١٥٨.
(٣) زاد المعاد في هدي خير العباد ١/ ٣٥٣.
(٤) الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ص ١٠٢، ١٠٣، بتصرف.
стр. 492
المطلب الثالث ارتباط أركان المنهج النقدي بإجراءات وآليات القبول والرد
وسينصبُّ الحديث فيه على التساهل والتشدد اللذيْن يدوران في فلك منهج المحدِّثين، ولا يصلح الادعاء بأن المنهج يقوم بأحدهما دون الآخر، بوصف منهج المحدثين بالتشدد، ووصف منهج المفسرين والمؤرخين بالتساهل؛ بل منهج المحدثين جامع بين التشدد والتساهل، فما المقصود بهما وما علاقتهما بالقبول والرد؟
* التساهل والتشدد وعلاقتهما بمعيار التصحيح والتضعيف ومحدداته:
ظهر مما سبق أن ثمة علاقة وطيدة وارتباطًا قويًّا بين معيار القبول والرد من جهة وأركان المنهج النقدي من جهة ثانية؛ بحيث يصبح فهم التشدد والتساهل خارج تلك العلاقة تخرصات وظنون، لا تستند إلى سياقات التشدد والتساهل ومساقاتها في عبارات الأئمة.
ومن العجيب في جُلّ البحوث المعاصرة التي تناولت قضية مرويات التفسير والتاريخ أنها تكرر ذكر هذين المصطلحين، ويتبنى كل طرف من الأطراف موقفًا معينًا تجاه المرويات مدعيًا أن موقفه هو التشدد أو موقفه هو التساهل دون بيان لمرادات الأئمة بالتشدد والتساهل، ولذا كان لزامًا ذكر بعض عبارات الأئمة التي ورد فيها التشدد والتساهل والتدقيق في دلالاتها وسياقاتها؛ لعله يظهر لنا مرادهم بجلاء من التشدد والتساهل.
فمن ذلك:
قول ابن مهدي: "إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال؛ تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام؛ تشدَّدنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال" (١).
_________
(١) ذكره الحاكم في المستدرك ١/ ٦٦٦.
стр. 493
وقول سفيان الثوري: "لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ" (١).
وقوله: "خذوا هذه الرغائب وهذه الفضائل من المشيخة؛ فأما الحلال والحرام فلا تأخذوه إلا عمّن يعرف الزيادة فيه من النقص" (٢).
وقول ابن عيينة: "لا تسمعوا من بقية ما كان في سُنَّة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره" (٣).
وقول الإمام أحمد: "إذا روينا عن رسول اللَّه ﷺ في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد" (٤).
وقوله في محمد بن إسحاق: "أما في المغازي وأشباهه فيُكتَب، وأما فى الحلال والحرام فيُحتَاج إلى مثل هذا. ومدَّ يده وضمَّ أصابعه" (٥).
وقال ابن أبي حاتم بعد ذكره لأوصاف أهل العدالة من الرواة: ". . . هؤلاء أهل العدالة؛ فيتمسك بالذي رووه، ويعتمد عليه، ويحكم به، وتجري أمور الدين عليه، وليعرف أهل الكذب تخرصًا، وأهل الكذب وهمًا، وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ؛ فيكشف عن حالهم وينبأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها، إن كذب فكذب، وإن وهم فوهم، وان غلط فغلط، وهؤلاء هم أهل الجرح، فيسقط حديث من وجب منهم أن يسقط حديثه ولا يعبأ به ولا يعمل عليه، ويكتب حديث من وجب كتب حديثه منهم على معنى الاعتبار، ومن حديث بعضهم الآداب الجميلة والمواعظ الحسنة والرقائق والترغيب والترهيب هذا أو نحوه" (٦).
وقال أيضًا عند الكلام عن مراتب الرواة: "فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث؛ فهذا الذي لا يختلف فيه، ويعتمد على جرحه وتعديله،
_________
(١) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ١/ ١٣٤.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٩١.
(٣) الجرح والتعديل ٢/ ٤٣٥.
(٤) الكفاية للخطيب البغدادي ١/ ١٣٤.
(٥) الجرح والتعديل ٧/ ١٩٣، وبنحوه الدوري في تاريخ ابن معين ٣/ ٦٠.
(٦) الجرح والتعديل ١/ ٦.
стр. 494
ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال. ومتهم العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه؛ فذلك العدل الذي يحتج بحديثه، ويوثق في نفسه. ومنهم الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانًا وقد قَبِلَهُ الجهابذة النقاد؛ فهذا يحتج بحديثه. ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو؛ فهذا يُكْتَبُ من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام. وخامس قد ألصق نفسه بهم ودلّسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب؛ فهذا يترك حديثه ويطرح روايته" (١).
وقال الخطيب البغدادي: "وينبغي للمحدث أن يتشدد في أحاديث الأحكام التي يفصل بها بين الحلال والحرام؛ فلا يرويها إلا عن أهل المعرفة والحفظ وذوي الإتقان والضبط، وأما الأحاديث التي تتعلق بفضائل الأعمال وما في معناها فيحتمل روايتها عن عامة الشيوخ" (٢).
وقال ابن عبد البر: "وأهل العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل فيروونها عن كل، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام" (٣).
وقال أيضًا: "والفضائل تُروى عن كل أحد، والحجة من جهة الإسناد؛ إنما تتقصَّى في الأحكام وفي الحلال والحرام" (٤).
وقال البيهقي: "وأما النوع الثاني من الأخبار؛ فهي أحاديث اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجها، وهذا النوع على ضربين: (ضرب) رواه من كان معروفًا بوضع الحديث والكذب فيه؛ فهذا الضرب لا يكون مستعملًا في شيء من أمور الدين إلا على وجه التَّلْيين. . .، وضرب لا يكون راويه متهمًا بالوضع، غير أنه عرف بسوء الحفظ وكثرة الغلط في رواياته، أو يكون مجهولًا لم يثبت من عدالته وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول؛ فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملًا في الأحكام، كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولة عند الحكّام، وقد يستعمل في الدعوات والترغيب والترهيب، والتفسير والمغازي فيما لا يتعلق به حكم" (٥).
_________
(١) مقدمة الجرح والتعديل ص ١٠.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٩٠.
(٣) جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٠٣.
(٤) جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٥٢.
(٥) دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٤.
стр. 495
وقول يحيى بن سعيد: "تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثِّقونهم في الحديث، ثم ذكر ليثَ بن أبي سُلَيْم، وجُوَيْبِرَ بن سعيدٍ، والضَّحَّاك، ومحمد بن السائب. وقال: هؤلاء لا يُحْمَدُ أَمْرُهم، ويكتب التفسيرُ عنهم" (١).
وبتأمل نصوص تلك النقول السابقة يظهر ما يلي:
١ - أن مدار العبارات الواردة عنهم في التشدد والتساهل على الألفاظ التالية: "خذوا هذه الرغائب عن - فيُكتَب - يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام - فيحتمل روايتها - فيلزم كتبه ويجب حفظه - يتساهلون في الفضائل فيروونها عن كل - والفضائل تُروى عن كل أحد - أحاديث الفضائل تسامح العلماء قديمًا في روايتها عن كل".
فأكثر العبارات الواردة عنهم اقترن التساهل فيها بألفاظ (الأخذ - الرواية - الكتابة - الحفظ)؛ وكلها ألفاظ صريحة في دلالتها على مجرد الرواية، وليس في رواية منها التصريح المطلق بقبول تلك الروايات وجعلها حجة؛ بل غاية ما هنالك تجويز روايتها وكتابتها بالقدر الذي أشارت إليه ألفاظ الأئمة.
وقد بَيّن المعلمي اليماني ذلك بقوله: "معنى التساهل في عبارة الأئمة هو التساهل بالرواية؛ كان من الأئمة من إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح، أو قريب من الصحيح، أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده؛ فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة، ومنهم من إذا وجد الحديث غير شديد الضعيف وليس فيه حكم ولا سُنَّة، إنما هو في فضيلة عمل متفق عليه كالمحافظة على الصلوات في جماعة ونحو ذلك؛ لم يمتنع من روايته، فهذا هو المراد بالتساهل في عباراتهم" (٢)، وزاد ذلك إيضاحًا فقال: "والذي أراه أن تشديد ابن مهدي هو أنه كان يتأمل الحديث الذي قد سمعه؛ فإن كان في العقائد والأحكام بدأ فنظر في إسناده ومتنه، فإذا تبين له أن الحديث شديد الضعف بحيث لا يصلح للحجة ولا للاعتبار لم يروه أصلًا، فإن اضطر لروايته بيّن ضعفه، وإن كان الحديث في غير العقائد والأحكام؛ رواه ما لم يَعْلَمْ أنه موضوع، فإذا علم أنه موضوع لم يروه أصلًا؛ فإن اضطر إلى روايته بيّن وضعه. فهذا الصنيع هو الذي ينطبق على ما نجده في الكتب عن ابن مهدي والإمام أحمد
_________
(١) دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٦.
(٢) الأنوار الكاشفة ص ٨٧، ٨٨.
следующие страницы →