← Тафсир

Тафсир · id 639

موسوعة التفسير المأثور

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (16 717 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وكما ردَّ النقاد بعض أحاديث الثقات قبلوا بعض أحاديث الضعفاء لاعتبارات وقرائن قامت عندهم على صحتها؛ ولذا كان من أجوبة ابن حجر على من انتقدوا على البخاري روايته لبعض الضعفاء قوله: وقد تقرر أن البخاري حيث يخرج لبعض مَنْ فيه مقال لا يخرج شيئًا مما أنكر عليه" (١). وقال ابن رشيد السَّبتي مخاطبًا الإمام مسلمًا: ". . . وكذلك أيضًا حَكَمَ أهل الصناعة فيما أخرجتما من أحاديث الثقات الذين قد اختلطوا؛ فحملوا ذلك على أنه مما رُوي عنهم قبل الاختلاط، أو مما سَلِموا فيه عند التحديث" (٢). ونقل ابن القيم اعتراضا على مسلم كذلك في إخراجه لبعض الضعفاء في صحيحه، ثم أجاب بقوله: "ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه" (٣)؛ وإذًا "فليس الخوف الذي يعتري الناقد من ذات الراوي، بل هو فيما يمكن أن يكون الراوي فعله في الرواية فأفسدها، فإن غاية ما يمكن أن يصنعه الراوي المتروك أو الضعيف جدًّا، بل والكذاب في الرواية، هو أن يقلب إسنادًا أو يركب متنًا، وهذا قد يقع فيه هين الضعف، بل والثقة أحيانًا إذا ما أخطأ، فقد يدخل عليه حديث في حديث، وقد يقلب فيبدل كذابًا كان في الإسناد، فيضع مكانه ثقة، خطأ لا عمدًا، وقد يأتي إلى حديث معروف بإسناد ضعيف، فيبدل إسناده بإسناد آخر صحيح، وقد يُسقط من الإسناد كذابًا أو متروكًا كان فيه، ويُسوِّي الحديث ثقة عن ثقة، وَهْمًا لا عمدًا؛ غاية ما هنالك، أن الثقة قلّما يقع منه ذلك، بخلاف الضعيف والمتروك؛ فإنه كثيرًا ما يقع منه ذلك، ولهذا ضعفوا الضعيف، ولها يضعفوا الثقة، وإن كانوا لم يترددوا في الحكم على هذا القليل الذي أخطأ فيه الثقة بالنكارة والبطلان" (٤). _________ (١) مقدمة الفتح ١/ ١٨٩. (٢) السنن الأبين ص ١٥٨. (٣) زاد المعاد في هدي خير العباد ١/ ٣٥٣. (٤) الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ص ١٠٢، ١٠٣، بتصرف.

стр. 492

المطلب الثالث ارتباط أركان المنهج النقدي بإجراءات وآليات القبول والرد وسينصبُّ الحديث فيه على التساهل والتشدد اللذيْن يدوران في فلك منهج المحدِّثين، ولا يصلح الادعاء بأن المنهج يقوم بأحدهما دون الآخر، بوصف منهج المحدثين بالتشدد، ووصف منهج المفسرين والمؤرخين بالتساهل؛ بل منهج المحدثين جامع بين التشدد والتساهل، فما المقصود بهما وما علاقتهما بالقبول والرد؟ * التساهل والتشدد وعلاقتهما بمعيار التصحيح والتضعيف ومحدداته: ظهر مما سبق أن ثمة علاقة وطيدة وارتباطًا قويًّا بين معيار القبول والرد من جهة وأركان المنهج النقدي من جهة ثانية؛ بحيث يصبح فهم التشدد والتساهل خارج تلك العلاقة تخرصات وظنون، لا تستند إلى سياقات التشدد والتساهل ومساقاتها في عبارات الأئمة. ومن العجيب في جُلّ البحوث المعاصرة التي تناولت قضية مرويات التفسير والتاريخ أنها تكرر ذكر هذين المصطلحين، ويتبنى كل طرف من الأطراف موقفًا معينًا تجاه المرويات مدعيًا أن موقفه هو التشدد أو موقفه هو التساهل دون بيان لمرادات الأئمة بالتشدد والتساهل، ولذا كان لزامًا ذكر بعض عبارات الأئمة التي ورد فيها التشدد والتساهل والتدقيق في دلالاتها وسياقاتها؛ لعله يظهر لنا مرادهم بجلاء من التشدد والتساهل. فمن ذلك: قول ابن مهدي: "إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال؛ تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام؛ تشدَّدنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال" (١). _________ (١) ذكره الحاكم في المستدرك ١/ ٦٦٦.

стр. 493

وقول سفيان الثوري: "لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ" (١). وقوله: "خذوا هذه الرغائب وهذه الفضائل من المشيخة؛ فأما الحلال والحرام فلا تأخذوه إلا عمّن يعرف الزيادة فيه من النقص" (٢). وقول ابن عيينة: "لا تسمعوا من بقية ما كان في سُنَّة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره" (٣). وقول الإمام أحمد: "إذا روينا عن رسول اللَّه ﷺ في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد" (٤). وقوله في محمد بن إسحاق: "أما في المغازي وأشباهه فيُكتَب، وأما فى الحلال والحرام فيُحتَاج إلى مثل هذا. ومدَّ يده وضمَّ أصابعه" (٥). وقال ابن أبي حاتم بعد ذكره لأوصاف أهل العدالة من الرواة: ". . . هؤلاء أهل العدالة؛ فيتمسك بالذي رووه، ويعتمد عليه، ويحكم به، وتجري أمور الدين عليه، وليعرف أهل الكذب تخرصًا، وأهل الكذب وهمًا، وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ؛ فيكشف عن حالهم وينبأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها، إن كذب فكذب، وإن وهم فوهم، وان غلط فغلط، وهؤلاء هم أهل الجرح، فيسقط حديث من وجب منهم أن يسقط حديثه ولا يعبأ به ولا يعمل عليه، ويكتب حديث من وجب كتب حديثه منهم على معنى الاعتبار، ومن حديث بعضهم الآداب الجميلة والمواعظ الحسنة والرقائق والترغيب والترهيب هذا أو نحوه" (٦). وقال أيضًا عند الكلام عن مراتب الرواة: "فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث؛ فهذا الذي لا يختلف فيه، ويعتمد على جرحه وتعديله، _________ (١) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ١/ ١٣٤. (٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٩١. (٣) الجرح والتعديل ٢/ ٤٣٥. (٤) الكفاية للخطيب البغدادي ١/ ١٣٤. (٥) الجرح والتعديل ٧/ ١٩٣، وبنحوه الدوري في تاريخ ابن معين ٣/ ٦٠. (٦) الجرح والتعديل ١/ ٦.

стр. 494

ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال. ومتهم العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه؛ فذلك العدل الذي يحتج بحديثه، ويوثق في نفسه. ومنهم الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانًا وقد قَبِلَهُ الجهابذة النقاد؛ فهذا يحتج بحديثه. ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو؛ فهذا يُكْتَبُ من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام. وخامس قد ألصق نفسه بهم ودلّسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب؛ فهذا يترك حديثه ويطرح روايته" (١). وقال الخطيب البغدادي: "وينبغي للمحدث أن يتشدد في أحاديث الأحكام التي يفصل بها بين الحلال والحرام؛ فلا يرويها إلا عن أهل المعرفة والحفظ وذوي الإتقان والضبط، وأما الأحاديث التي تتعلق بفضائل الأعمال وما في معناها فيحتمل روايتها عن عامة الشيوخ" (٢). وقال ابن عبد البر: "وأهل العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل فيروونها عن كل، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام" (٣). وقال أيضًا: "والفضائل تُروى عن كل أحد، والحجة من جهة الإسناد؛ إنما تتقصَّى في الأحكام وفي الحلال والحرام" (٤). وقال البيهقي: "وأما النوع الثاني من الأخبار؛ فهي أحاديث اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجها، وهذا النوع على ضربين: (ضرب) رواه من كان معروفًا بوضع الحديث والكذب فيه؛ فهذا الضرب لا يكون مستعملًا في شيء من أمور الدين إلا على وجه التَّلْيين. . .، وضرب لا يكون راويه متهمًا بالوضع، غير أنه عرف بسوء الحفظ وكثرة الغلط في رواياته، أو يكون مجهولًا لم يثبت من عدالته وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول؛ فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملًا في الأحكام، كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولة عند الحكّام، وقد يستعمل في الدعوات والترغيب والترهيب، والتفسير والمغازي فيما لا يتعلق به حكم" (٥). _________ (١) مقدمة الجرح والتعديل ص ١٠. (٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٩٠. (٣) جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٠٣. (٤) جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٥٢. (٥) دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٤.

стр. 495

وقول يحيى بن سعيد: "تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثِّقونهم في الحديث، ثم ذكر ليثَ بن أبي سُلَيْم، وجُوَيْبِرَ بن سعيدٍ، والضَّحَّاك، ومحمد بن السائب. وقال: هؤلاء لا يُحْمَدُ أَمْرُهم، ويكتب التفسيرُ عنهم" (١). وبتأمل نصوص تلك النقول السابقة يظهر ما يلي: ١ - أن مدار العبارات الواردة عنهم في التشدد والتساهل على الألفاظ التالية: "خذوا هذه الرغائب عن - فيُكتَب - يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام - فيحتمل روايتها - فيلزم كتبه ويجب حفظه - يتساهلون في الفضائل فيروونها عن كل - والفضائل تُروى عن كل أحد - أحاديث الفضائل تسامح العلماء قديمًا في روايتها عن كل". فأكثر العبارات الواردة عنهم اقترن التساهل فيها بألفاظ (الأخذ - الرواية - الكتابة - الحفظ)؛ وكلها ألفاظ صريحة في دلالتها على مجرد الرواية، وليس في رواية منها التصريح المطلق بقبول تلك الروايات وجعلها حجة؛ بل غاية ما هنالك تجويز روايتها وكتابتها بالقدر الذي أشارت إليه ألفاظ الأئمة. وقد بَيّن المعلمي اليماني ذلك بقوله: "معنى التساهل في عبارة الأئمة هو التساهل بالرواية؛ كان من الأئمة من إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح، أو قريب من الصحيح، أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده؛ فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة، ومنهم من إذا وجد الحديث غير شديد الضعيف وليس فيه حكم ولا سُنَّة، إنما هو في فضيلة عمل متفق عليه كالمحافظة على الصلوات في جماعة ونحو ذلك؛ لم يمتنع من روايته، فهذا هو المراد بالتساهل في عباراتهم" (٢)، وزاد ذلك إيضاحًا فقال: "والذي أراه أن تشديد ابن مهدي هو أنه كان يتأمل الحديث الذي قد سمعه؛ فإن كان في العقائد والأحكام بدأ فنظر في إسناده ومتنه، فإذا تبين له أن الحديث شديد الضعف بحيث لا يصلح للحجة ولا للاعتبار لم يروه أصلًا، فإن اضطر لروايته بيّن ضعفه، وإن كان الحديث في غير العقائد والأحكام؛ رواه ما لم يَعْلَمْ أنه موضوع، فإذا علم أنه موضوع لم يروه أصلًا؛ فإن اضطر إلى روايته بيّن وضعه. فهذا الصنيع هو الذي ينطبق على ما نجده في الكتب عن ابن مهدي والإمام أحمد _________ (١) دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٦. (٢) الأنوار الكاشفة ص ٨٧، ٨٨.

стр. 496

وأكثر الأئمة" (١)، وتجد ذلك جليًّا في مثل ما ذكره ابن حجر عن صنيع البخاري في صحيحه مع مرويات فليح بن سليمان بقوله: "ولم يخرج البخاري من حديثه في الأحكام إلا ما توبع عليه، وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من أفراده" (٢). ٢ - أن التشدد والتساهل في عباراتهم مقيد بقيدين متلازمين: الأول: مضمون الخبر: ذلك أن المرويات تتفاوت بحسب موضوعاتها ومضامينها؛ فيعتمد التشدد في الأحكام العلمية والعملية (العقائد والحلال والحرام)، ويعتمد التساهل في الأبواب المتعلقة بالترغيب والترهيب والفضائل والمواعظ والآداب. الثاني: مرتبة الرواة في الجرح: فيجوزون رواية وكتابة ما كان من قبيل الترغيب والترهيب والفضائل والآداب والمواعظ عن الرواة الذين هم دون الثقات وفوق المتروكين والكذّابين؛ وهم الرواة الذين وصفهم بعض الأئمة بـ "المشايخ"، ومَن تتبع النص المتقدم عن ابن أبي حاتم في تمييز الرواة ومراتبهم سيظهر له أن ابن أبي حاتم جعل مآل الرواة إلى ثلاثة أحوال: أ- مَنْ يحتج بحديثه غالبًا. ب- مَنْ يُكتَبُ حديثُه. ج- مَنْ يُترك حديثه جملة. والتساهل يكون مع أهل الطبقة الثانية الذين لم تتحقق فيهم شروط الاحتجاج، ولم يصلوا إلى درجة الترك؛ فالراوي من هذه الطبقة كما قال ابن أبي حاتم: "يُكتَبُ من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام"، وهذا التلازم الظاهر في عبارات الأئمة بين مضمون الروايات ومراتب الرواة يعني أن التساهل لا يحصل بمجرد كون الرواية متعلقة بأبواب الترغيب والترهيب والفضائل، ولا بمجرد وجود الرواة المتساهل معهم؛ بل التساهل متخلق من المزواجة بينهما. ٣ - أن تجويز رواية وكتابة هذه الطبقة من الرواة فيما سوى العقائد والأحكام _________ (١) أحكام الحديث الضعيف للمعلمي اليماني ضمن مجموع الرسائل الحديثية عن ١٧٢، ١٧٣. (٢) فتح الباري ١/ ١٤٢.

стр. 497

يكون للنظر والاعتبار، بحيث يجري نظر الناقد في مروياتهم تلك وما احتف بها من أمارات وقرائن تقوي قبولها أو رفضها؛ ومن تلك القرائن: تخصص الراوي في فن ما وطول اشتغاله به، أو جودة مروياته عن شيخ ما، أو موافقة مروياته لأصل من الأصول المعتبرة. . . إلخ، وقد صرح ببعض هذه القرائن بعض الأئمة؛ منهم الخطيب البغدادي بقوله: ". . . إلا أن العلماء قد احتجوا في التفسير بقوم لم يحتجوا بهم في مسند الأحاديث المتعلقة بالأحكام؛ وذلك لسوء حفظهم الحديث وشغلهم بالتفسير فهم بمثابة عاصم بن أبي النجود حيث احتج به في القراءات دون الأحاديث المسندات لغلبة علم القرآن عليه فصرف عنايته إليه" (١). فتصريحه بالاحتجاج بهم مقيد بقرينتين واضحتين في كلامه: الأولى: أن هؤلاء الرواة من أصحاب الضعف المحتمل وقد مثَّل لهم بعاصم بن أبي النجود. الثانية: أن لهم اشتغالًا بالتفسير وتخصّصًا فيه؛ دفع عن مروياتهم الخطأ المخوف من قبل سوء حفظهم. وقد أشار البيهقي إلى قرينة أخرى في تعليله لكلام يحيى القطان عن تساهل المحدِّثين مع بعض رواة التفسير؛ فقال: "وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم؛ لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب؛ وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط" (٢)، فلما وجدت قرينة موافقة مروياتهم لما شهدت به اللغة تساهل النقاد في روايتها. ٤ - التساهل لا يكون مع الرواة المعروفين بالكذب؛ بل هؤلاء يطرح حديثهم على كل حال، ونصوص الأئمة السابقة ظاهرة في ذلك من مثل: "فهذا يترك حديثه ويطرح روايته"، ومثل: "فهذا الضرب لا يكون مستعملًا في شيء من أمور الدين إلا على وجه التّليين" (٣). ٥ - أن التساهل لا يكون فيما ثبت خطؤه ولو كان من رواية أكابر الثقات، وقد سبق تقرير ذلك؛ "والمنكر أبدًا منكر" (٤). _________ (١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ١٩٤. (٢) دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٧. (٣) دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٣. (٤) العلل للمروزي ص ٢٨٧.

стр. 498

ويستفاد مما سبق أن التساهل عندهم هو مجرد تجويز الرواية أو الأخذ أو الكتابة أو الحفظ لأنواع من الأخبار معينة محددة عمن لم يبلغ حديثهم درجة الاحتجاج به ولا درجة الترك له، ثم يكون بعد ذلك نظر النقاد في تلك المرويات واعتبارها للتثبت من كون ما فيهم من قدح لم ينسحب على المرويات في تلك الأنواع في ضوء القرائن المحتفة بمروياتهم؛ فإن خلت من الموادح وتثبتوا من صحتها اعتمدوها. فإن قال قائل: إن مجرد الرواية أو الكتابة أو الحفظ جائز حتى فى أحاديث الكذابين؟ ! فالجواب: أن مجرد الرواية عن الكذّابين ليس جائزًا بإطلاق؛ بل ذلك بقيد معرفة حديثهم وتمييزه حتى لا يختلط بالسقيم، ولهذا جرح النقاد بعض الرواة بأنهم لا تحل الرواية عنهم أو لا يحل كتابة حديثهم، ولهذا قال سفيان الثوري: "إني لأكتب الحديث على ثلاثة وجوه: فمنه ما أتدين به، ومنه ما أعتبر به، ومنه ما أكتبه لأعرفه" (١)؛ فما يتدين به أحاديث من يحتج بهم، وما يعتبر به أحاديث من دونهم ممن لم يبلغوا درجة الترك، وما يكتبه ليعرفه أحاديث المتروكين والكذابين. وقصة إنكار أحمد بن حنبل على يحيى بن معين كتابة صحيفة معمر عن أبان عن أنس معروفة، وفيها قول أحمد منكِرًا: "تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك قائل: إنك تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟ ! فقال: رحمك اللَّه يا أبا عبد اللَّه؛ أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء بعده إنسان فيجعل بدل أبان ثابتًا ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس بن مالك، فأقول له: "كذبت؛ إنما هي عن معمر عن أبان لا عن ثابت" (٢). وها هو محمد بن رافع يقول: "رأيت أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هارون ومعه كتاب زهير عن جابر، وهو يكتبه؛ قلت: يا أبا عبد اللَّه؛ أنت تنهانا عن جابر وتكتبه؟ قال: نعرفه" (٣). وغير ذلك من الأخبار الدالة على هذا المسلك؛ فنخلص _________ (١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ١٩٣. (٢) السابق ٢/ ١٩٢. (٣) السابق.

стр. 499

من ذلك، وفي ضوء عبارات النقاد السابقة إلى أن محددات التساهل هي: أ- التسامح في رواية أو كتابة ما ليس من أصول الدين وأصول أحكامه عن رواة مجروحين في ضبطهم بما ينزل بمروياتهم عن درجة الاحتجاج، ولا ينزل بها إلى درجة الترك. ب- النظر في تلك المرويات واختبارها في ضوء أحوال الرواة وموضوع الروايات والقرائن المحتفة بكليهما. ج- قبول ما أصاب الراوي فيه من تلك المرويات؛ بتجويز تفرده فيما يحتمل تفرد مثله، أو قبول رواياته فيما عرف تخصصه به. . . إلخ، بحسب ما تسمح به القرائن من مساحات ومعطيات.

стр. 500

المطلب الرابع الإسناد وطبيعة علاقته بالمرويات من حيث الثبوت وعدمه المتصدي لنقد الأخبار وفق منهج المحدثين بالإضافة لما سبق تقريره في الجانب الأول؛ ينبغي أن يكون على بصر كذلك قبل إصدار الحكم النقدي على الخبر بالثبوت وعدمه بكثير من المسائل المرتبطة بالإسناد، التي تكون الغفلة عنها موقعة في مخالفة منهج المحدثين في نقد الأخبار، وسيأتي بيان ذلك في مدخل وثلاثة فروع (١): * مدخل: إطلالة على تاريخ الإسناد: إن مراعاة الأنساق التاريخية والزمانية التي كان لها تأثير قوي في تطور العلم، وتطوير أدواته، واستحداث مستجداته أمر لا ينفك في أهميته عن مسائل العلم ذاته، بل هو أوجب وأهم؛ إذ لا يتم تصور كثير من مسائل الفن الواحد على وجهها، ولا يحصل تمام فهمها إلا بمعرفة المؤثرات التي ساهمت في تخليقها والأسس التي قامت عليها والتطورات التي لحقتها، وإن كثيرًا من الانفصام الحاصل بين صورة العلم في زمان ما وصورته في زمان آخر سببها الحقيقي عدم استحضار الأحوال التاريخية التي صاحبت كل مرحلة من مراحل الفن. ومن هنا أراد البحث عند تناول الكلام عن مرويات التفسير الإلماح إلى أن لكل زمن أحداثه ووقائعه التي تلقي بظلالها على جُلّ ما فحِه فتطبعه بطابعها، أو تمسه بريحها، أو تدفعه إلى مواكبتها، لتحصل المعايشة بينها داخل هذا النطاق الزمني، وتلك سُنَّة من سنن اللَّه الجارية في خلقه في البلاد والأمم والأفراد والعلوم وغيرها. وإن الناظر من بوابة الزمن إلى المراحل التي مرّت بها المرويات الشرعية عمومًا _________ (١) فضل الإسناد وكلام أئمة السلف ونقاد الحديث عنه لا يخفى على القارئ الكريم؛ ولذا آثر البحث التخفف من ذكر الكلام عن فضله وأهميته لذيوع ذلك واشتهاره بحيث لا ينازع فيه إلا جاحد أو معاند.

стр. 501

وحديث رسول اللَّه ﷺ منها خاصة سيجد تلك العلاقة وذلك التأثير والتأثر باديًا؛ بل سيوقن عند النظر في الخلفيات والمآلات أن ذلك كان من أكبر الأسباب التي قدرها اللَّه لحفظ دينه، إذ كان العلماء في كل زمن يستحدثون من الوسائل والآليات والأدوات ما تقتضيه حاجة ذلك الزمن وما تفرضه أحداثه، وما تسلزمه مستجداته. وإنه لا ينبغي إتيان البيوت من ظهورها؛ بل ينبغي إتيانها من أبوابها، ذلك أن التعامل مع المرويات في العلوم والفنون وإصدار الحكم على أسانيدها بالصحة والضعف والتسوية بينها في التعامل وادعاء أن ذلك منهج المحدثين فيه إتيان للبيوت من ظهورها؛ وإنما إتيانها من أبوابها يلزم كل طارق أن يعرف الواقع التاريخي، ويستوعب الظرف الزماني للإسناد من جهتين رئيستين: أولها: من جهة نشأته واعتماده وسيلة لنقل المرويات. ثانيها: من جهة تفاوت درجات وزمان اعتماده في العلوم الشرعية وآثار ذلك عليها.

стр. 502

الفرع الأول نشأة الإسناد واعتماده ١ - الرواية في مراحلها الأولى: لقد كان الصحابة ﵃ في غاية الحرص على سماع أحاديث النبي ﷺ وتلقيها، حتى وصل الحال ببعضهم -في حياة النبي ﷺ من شدة الحرص على الحديث إلى التناوب مع بعض إخوانه في تحمل أمور العيش؛ لتتاح الفرصة لكل منهم بشرف السماع ثم بالنقل لأخيه، واستمرت عادتهم تلك حتى بعد وفاة النبي ﷺ ، وكان الكذب على رسول اللَّه ﷺ أو غيره حينها غير معهود لديهم، ولم يكن يتهم بعضهم بعضًا، فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن البراء بن عازب أنه قال: "ليس كلنا سمع حديث رسول اللَّه ﷺ ؛ كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ" (١)، وروى كذلك عن أنس ﵁ أنه قال: "ليس كل ما نحدثكم عن رسول اللَّه ﷺ سمعناه منه، ولكن حدثنا أصحابنا ونحن قوم لا يكذب بعضنا بعضًا" (٢). ورغم كون الكذب على رسول اللَّه ﷺ منتف عنهم؛ إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لديهم بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ لاحتمال وقوع الخطأ غير المتعمد من بعضهم، ولذلك استحدثوا من وسائل التحري والاحتياط لحديث رسول اللَّه ﷺ ما لم يكن موجودًا في حياته ﷺ ، وكانت فاجعة وفاته ﷺ هي الأساس في استحداث تلك الوسائل؛ وكان من وسائلهم: أ- الإشهاد على الرواية: فكتب الصحاح والسنن تروي عن أبي بكر (٣) وعمر (٤) اشتراطهما على الراوي الإشهاد على ما ينسبه لرسول اللَّه ﷺ ، حتى عدَّ الذهبي (٥) أبا بكر ﵁ أول من احتاط في قبول الأخبار؛ بل نقل الذهبي عن ابن أبي مليكة _________ (١) الكفاية ١/ ٣٨٥. (٢) المرجع السابق. (٣) وذلك في ميراث الجدة، وطلبه من المغيرة شاهدًا معه على قضاء رسول اللَّه ﷺ لها بالسدس. ينظر: جامع الترمذي ٤/ ٤١٩، وسنن أبي داود ٣/ ١٢١. (٤) وذلك في حديث أبي موسى الأشعري في الاستئذان ثلاثًا؛ كما في صحيح البخاري ٥/ ٢٣٠٥، وصحيح مسلم ٣/ ١٦٩٤. (٥) تذكرة الحفاظ ١/ ٩.

стр. 503

مرسلًا "أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم؛ فقال: إنكم تحدثون عن رسول اللَّه ﷺ أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافًا؛ فلا تحدثوا عن رسول اللَّه ﷺ شيئًا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللَّه؛ فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه". ثم علق الذهبي بقوله: "فهذا المرسل يدلّك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار، والتحري لا سَدّ باب الرواية؛ ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السُّنَّة، فلما أخبره الثقة، ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر، ولم يقل حسبنا كتاب اللَّه كما تقوله الخوارج" (١)، ولم يكن ذلك منهم لتخوفهم من الكذب أو لاتهامهم أحدًا من الصحابة بالكذب؛ بل لخوفهم من وقوع الخطأ في رواية حديث رسول اللَّه ﷺ . ب- الإقلال من الرواية: فقد كان بعض الصحابة يتوقى الإكثار من الحديث خوفًا من الوقوع في الغلط؛ ومن أشهر ما روي في ذلك قول عبد اللَّه بن الزبير: قلت للزبير: لا أسمعك تحدث عن رسول اللَّه ﷺ كما يحدث فلان وفلان! قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: "من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار" (٢)، وكان عمر ﵁ "شديدًا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها ويدخلها الشوب؛ ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي. وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول اللَّه ﷺ كأبي بكر، والزبير، وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقفون الرواية عنه؛ بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل" (٣). ٢ - ظهور الكذب وأثره في نشأة الإسناد: مضى الزمان الأول وتغيرت كثير من الأحوال، ووقعت الفرقة وظهرت البدعة، ونبتت نابتة الكذب التي تبحث عن تأييد بدعها وتسويغ آرائها؛ فتبدل حال الرواية، ودخلت الريبة في القلوب، وقلَّت الثقة بالنقول؛ وقد صوَّرت رواية مسلم عن ابن عباس شيئًا من هذا التغير والتحول، فقد روى بسنده عن مجاهد قال: "جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث، ويقول: قال رسول اللَّه ﷺ ، قال رسول اللَّه ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يأذن (٤) _________ (١) تذكرة الحفاظ ١/ ٩. (٢) صحيح البخاري ١/ ٣٣. (٣) تأويل مختلف الحديث ص ٨٩، ٩٠. (٤) لا يأذن؛ أي: لا يستمع، يقال: أذنت للشيء آذن له، إذا استمعت له. تهذيب اللغة ١٥/ ١٥.

стр. 504

لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس؛ ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا تسمع؟ ! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول اللَّه ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا؛ فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" (١)، قال القسطلاني: "وقوله: مرّة؛ أي: وقتًا، ويعني به: قبل ظهور الكذب" (٢)، وقد كان ظهور البدع واختلاق الكذب المسوغ لها حدثًا كبيرًا استدعى إيجاد آلية جديدة تدفع شر هذا الخطر الناجم؛ فنشأت العناية بالإسناد واعتماده آلية ملزمة لنقل الأخبار. قال محمد بن سيرين: "كان في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد؛ فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد لكي يأخذوا حديث أهل السُّنَّة ويدعوا حديث أهل البدع" (٣)؛ يصوّر محمد بن سيرين بعبارته هذه أثر الأحداث والمستجدات في استحداث آليات جديدة لصيانة السُّنَّة وحفظها من عبث العابثين، وذلك أن الزمن الأول كان زمن إيمان واجتماع فكان الكذب منتف عن جملة أهله، وكانت الروايات في مأمن؛ فلما تبدل الحال استدعى ذلك مزيدًا من الدقة والتحري لدفع شرر الكذب والاختلاق الناشئ، فسأل نقلة العلم وحملته عما لم يكونوا يسألون، ودققوا فيما لم يكونوا يدققون، ووجدوا في الإسناد بغيتهم، فاعتمدوه آلية في نقل الأخبار. ومما يبيِّن جدة استعمال آلية الإسناد في زمانهم تلك الرواية التي ساقها الرامهرمزي بسنده عن الشعبي، عن الربيع بن خثيم قال: "من قال لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. فله كذا وكذا، وسمّى من الخير"، قال الشعبي: فقلت: مَنْ حدّثك؟ قال: عمرو بن ميمون، وقلت: من حدثك؟ فقال: أبو أيوب صاحب رسول اللَّه ﷺ ، قال يحيى بن سعيد: وهذا أول ما فتش عن الإسناد (٤). وبدأت آلية الإسناد في الدخول إلى ساحة المرويات؛ لتؤدي مهمتها في حفظ السُّنَّة وصيانتها من عبث العابثين واختلاق المختلقين وانتحال المبطلين، ثم صارت آلية الإسناد أصلًا معتمدًا في نقل كثير من مرويات الشريعة مما هو من أقوال الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم. _________ (١) مقدمة صحيح مسلم ١/ ١٣. (٢) إرشاد الساري ٩/ ٧٣. (٣) كتاب العلل الصغير للترمذي المطبوع بآخر جامعه ٦/ ٢٣٤. (٤) المحدث الفاصل ١/ ٢٠٨.

стр. 505

وجدير بالذكر هنا في ختام الحديث عن تلك الجهة الإلماح إلى عدة أمور: • خلو واقع الرواية في الأزمنة الأولى من الكذب والبدع كان أحد المستندات التي سوغت للبعض قبول مراسيل كبار التابعين، وهذا مما يؤكد أهمية الوعي بالواقع وأثره في الرواية. • أن وظيفة الإسناد بيان "اتصال النسب العلمي بين راوي الشيء وصاحب الشيء المروي، حتى يثبت العلم بذلك المروي على وجه من الصحة" (١). • أن مدار الحكم بصحة الرواية وإن كان مرتبطًا بالإسناد إلا أنه ليس منحصرًا في الإسناد، ولا يستقل به الإسناد كما هو ظاهر كثير من التطبيقات المعاصرة؛ بل في حصره في الإسناد تقزيم لمنهج النقد الحديثي وتشويه لصورته؛ لأن النقاد كان نظرهم كما سبق إلى أركان الخبر الثلاثة متفرقة ومجتمعة، فينظرون إلى كل ركن منها على حدة ولا يتجاسرون بإصدار الحكم وفق النتائج الجزئية التي أفرزتها النظرة إلى كل ركن؛ بل يعيدون النظر إليها مرة أخرى مكتملة ويلمحون ما بينها من ارتباط وتأثر وتأثير وتنافر وتقارب، فيعلون المتن بالسند، ويعلون السند بالمتن. . . إلخ مما سبقت الإشارة إليه. _________ (١) تاريخ آداب العربية ١/ ١٨٧.

стр. 506

الفرع الثاني تفاوت درجات وزمان اعتماد الإسناد في العلوم الشرعية إن الإسناد وإن كان عاملًا مشتركًا بين كثير من المنقولات في العلوم الشرعية واللغوية؛ إلا أن درجة الاعتماد عليه واعتباره وسيلة لنقد المنقولات تتفاوت بتفاوت العلوم والفنون، وكلام الأئمة في التشدد والتساهل في المرويات السابق ذكره هو تجسيد حقيقي لهذا التفاوت الحاصل في توظيف الأسانيد ودرجات الاعتماد عليها، كما أن هناك أنواعًا من المرويات كان الإسناد فيها مجرد زينة على حد عبارة الخطيب البغدادي الذي عقد بابًا بعنوان: "ما لا يفتقر كتبه إلى الإسناد": قال فيه: "وأما أخبار الصالحين، وحكايات الزهاد والمتعبدين، ومواعظ البلغاء، وحكم الأدباء، فالأسانيد زينة لها، وليست شرطًا في تأديتها" (١)، ثم روى بإسناده أن رجلًا خراسانيًّا كان "جالسًا عند يزيد بن هارون يكتب الكلام ولا يكتب الإسناد، فقيل له: ما لك لا تكتب الإسناد؟! فقال: "أنا خانه خواهم نبازار": تفسيره قال: "أنا للبيت أريده لا للسوق"، قال الخطيب: "إن كان الذي كتبه الخراساني من أخبار الزهد والرقائق وحكايات الترغيب والمواعظ؛ فلا بأس بما فعل، وإن كان ذلك من أحاديث الأحكام، وله تعلق بالحلال والحرام فقد أخطأ في إسقاط أسانيده؛ لأنها هي الطريق إلى تبيينه، فكان يلزمه السؤال عن أمره، والبحث عن صحته" (٢)، ولذا "فليس كل إسناد نراه يعني أنه وسيلة نقد ذلك المنقول بتطبيق منهج المحدثين الذين ينقلون به أحاديث النبي ﷺ ؛ لأن الإسناد كان سمة من سمات علوم الإسلام كلها، فإبرازه لم يكن دائمًا لأجل الاعتماد الكلي عليه في نقد ذلك المنقول" (٣). وقد أشار الرافعي إلى هذا الملمح، فبعد أن ذكر العناية بأسانيد الحديث النبوي وتشديد العلماء في قبولها وفي أحوال رواتها ونقلتها؛ قال مبيِّنًا الفارق بين حال الإسناد ووظيفته في نقل السُّنَّة وبين حاله ووظيفته في نقل الأدب: "ذلك شأن _________ (١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي ٢/ ٢١٣، ت: د. محمود الطحان. (٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢١٤. (٣) الأخبار التاريخية للشريف حاتم، مقال منشور بمكتبة موقع ملتقى أهل الحديث.

стр. 507

الإسناد في الحديث وعنايتهم بحفظه؛ أما الإسناد في الأدب فلا يراد منه إلا توثيق الرواية وإثبات صحتها، وضمان عهدتها، لا أن يطلب الراوية بذكر الإسناد حكاية ما يرويه على أنه معدل، وإثبات ما يسنده على أنه إلى مقنع؛ فإن اللغة ترجع إلى أقيسة معروفة، وإن ما شذ عن هذه الأقيسة موضوع قطعًا إلا أن يحمل عن الثقة، أو ينفرد به أهل الكفاية فيوردونه على أنه من الأفراد والنوادر؛ وإن الشعر والخبر قد فشا فيهما الكذب والتوليد منذ القرن الأول، ونشأ كثيرون من الرواة يشدون من العلوم الموضوعة، وينفقون من الأخبار المكذوبة، ويموهون بمزج هذه الأمور على الناس، ويخترعون الأشعار الكثيرة عند مناقلة الكلام وموازنة الأمور؛ ومع ذلك فلم يعن بأمرهم أهل التفتيش والتحقيق من العلماء، إلا حيث يكون الخبر أو الشعر مظنة الشاهد وموضع المثل، فهناك يضربون دونه الإسناد؛ مخافة أن يجري في شيء من العلوم التي هي قوام الأصلين من الكتاب والسُّنَّة؛ فحيث وجدت المعنى الديني تجد التثبت والتحقيق الذي لا مساغ فيه إلى خطرات الظنون، فضلًا عن فَرَطات الأوهام؛ ومتى انتفى هذا المعنى عن شيء فأمره عندهم بحساب ما يدور عليه. . . والأسانيد في الأدب قصيرة؛ لأن الرواة ما زالوا يحملون عن العرب قرونًا بعد الإسلام، ومن حمل شيئًا فهو سنده؛ ثم إن الرواية قد درست بعد القرن الخامس على أبعد الظن، ولم يبق إلا بعض الأسانيد العلمية كما سيجيء؛ فكان عُمْر الإسناد ثلاثة قرون على الأكثر، دع عنك ما كان من شأنهم في هذا الإسناد؛ فإن الصدور منهم يكتفون بالنسبة غالبًا -وهي بعض طرق الرواية كما ستعرفه- فيقولون: روينا عن فلان، وحُدّثنا عن فلان، ويكون بين الراوي والمروي عنه جيلان وأكثر. بيد أن كل ذلك لا يدفع الثقة بما يرويه أهل الضبط والتحصيل منهم، وهم قوم معدودون يعرفونهم بالعدالة؛ ثم لأنهم يأخذون عن الثقات، ولأن أكثر ما يروونه لا وجه للخلاف فيه، وإذا اختلفوا في شيء فلا يكون ذلك قادحًا فيهم؛ لأن مظنة الخلاف إنما تكون في ضعف الرواية أو الراوية" (١). إن دراسة حال الناس في الأزمنة الأولى من حيث علاقتهم بالفنون والعلوم وحصول بعضها سليقة وبعضها اكتسابًا. . . إلخ، وكذا دراسة واقع العلوم ومراتبها ومعرفة معاييرها في القبول والرد وإدراك التفاوت الحاصل في ذلك كله = له أثر بالغ _________ (١) تاريخ آداب العرب للرافعي ١/ ١٩٢.

стр. 508

في التعامل مع المرويات، وإهماله وإغفاله موقع في الخطأ والخلل؛ ذلك أن نشاط الرواة في حفظ الأسانيد وضبطها لم يكن على درجة واحدة في كل المرويات، بل تفاوت اهتمامهم باختلاف دوافعه ومنطلقاته ومؤثراته، والتي يمكن رصد أبرزها فيما يلي: أولها: قائل الخبر: تفاوت نشاط الرواة بحسب قائل الخبر وجلالته، ولذا كان معظم نشاطهم في ضبط الأسانيد وحفظها وروايتها متجهًا إلى تحقيق الغاية التي من أجلها كان الإسناد وهو ضبط المنقول عن رسول اللَّه ﷺ خاصة، وتمييز الثابت من غير الثابت عنه ﷺ ؛ لأن عليه مدار الدين، وقيام مصالح العباد، وضبط أحكام المعاش والمعاد، بخلاف غيره، ولم يكن نشاطهم لحفظ المروي عن سواه كنشاطهم لحفظ المروي عنه ﷺ ، ولا يعني ذلك أن ما سواه ضاع كله فلم يحفظ؛ وإنما المراد أن كثيرًا من الرواة صرفوا جلّ اهتمامهم إلى المرفوع خاصة، وقل اهتمامهم بما دونه، ومن دلائل ذلك ما رواه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه بسنده عن صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا والزهري، ونحن نطلب العلم، فقلت: نكتب السنن؛ فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ، ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه؛ فإنه سُنَّة، فقلت له: إنها ليس بسُنَّة، فلا نكتبه، قال: فكتبه، ولم نكتبه، فأنجح، وضيعنا" (١). ثانيها: مضمون الخبر: تفاوت اهتمام الرواة في نقل الأخبار وضبط أسانيدها ومتونها بحسب مضمونها؛ فصرفوا جُلّ اهتمامهم إلى حفظ وضبط ما به يحفظ الدين، وَتَبِينُ به معالمه، وَتُضْبَطُ أصوله، وَتُحفظ به حدوده، وَتُصان به حقوق المجتمعات والأسر والأفراد؛ ولذا قال أبو الزناد: "كنا نكتب الحلال والحرام، وكان الزهري يكتب كل ما سمع؛ فلما احتيج إليه علمتُ أنه أعلم الناس" (٢). ثالثها: مدى الحاجة إلى الخبر: نشاط الرواة كان مبنيًّا على الاهتمام بما كثرت حاجتهم إليه؛ لا بما كان حاصلًا عندهم ومتحققًا ومشتهرًا. وإذا كانت الحاجة عمومًا هي الدافع للعمل والمحفز للنشاط والحركة؛ فإن العلم وحفظه وتفاوت الاهتمام بفروعه مرتبط بذلك الأمر الفطري، ولذا فقد حفظت الأمة في مجموعها ما تقوم به الشريعة في كافة فروع العلم المرتبطة بها؛ إلا أن هذا _________ (١) تاريخ أبي زرعة ص ٤١٢. (٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ١٨٨.

стр. 509

الحفظ تفاوت بسبب مقدار الحاجة إليه، ذلك أن كثيرًا مما يحتاج إليه المتأخرون عن أزمنة الرواية ويرونه بالغ الأهمية لم تكن حاجة الناس إليه ماسة في أزمنة الرواية الأولى؛ بل كان بعضه حاصلًا لديهم بالسليقة وبعضه حاصلًا بالاشتهار في واقعهم وزمانهم لتلبسهم بشهوده ومشاهدته أو قربهم من زمان ومكان وقوعه، فأغناهم حصوله وشهرته عن المبالغة في طلبه وتتبعه، والتدقيق في حفظه وضبطه كمبالغتهم وتدقيقهم فيما تمس حاجتهم إليه، بل حاجة عموم المكلفين في جميع الأزمنة إلى معرفته وتعلمه من أصول الدين وأصول الأحكام، فانصرفت كثير من الجهود في الأزمنة الأولى إلى حفظ ما مسَّت الحاجة إلى روايته ونقله، واشتغل جُلُّ الثقات وكبار الحفاظ بذلك، ولك أن تتأمل هذا في أبواب السير والمغازي والتفسير مثلًا، وكيف أن كثيرًا من كبار المحدِّثين وأئمة الرواية انعدمت الرواية عنهم في هذه الأبواب أو قلّت مقارنة بمروياتهم الكثيرة في أبواب أخرى. فمن أمثلة ما أغنت شهرته وذيوعه عن التدقيق فيه والمبالغة في تمييز صوابه من خطأه: المغازي والسِّيَر؛ فهي مع ما تحمله من عوامل الذيوع والانتشار في ذاتها باعتبارها القصصي = فقد كانت موطنًا للفخر والاعتزاز، ينقلها العالم للجاهل والصغير للكبير حتى بلغ الأمر أن قال علي بن الحسين: "كنا نعلم مغازي رسول اللَّه ﷺ كما نعلم السورة من القرآن" (١). وقال إسماعيل بن محمد بن سعد: "كان أبي يعلمنا مغازي رسول اللَّه ﷺ وسراياه ويعدها علينا؛ ويقول: هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها" (٢). وهو ما أدى إلى انشغال جُلّ العلماء والحفاظ والرواة بالتدقيق في غيرها لندرة الخطأ المتوقع من جانبها، وللقدرة على تمييزه بعد وقوعه لكثرة شيوعه واشتهاره. ومن أمثلة ما كان حاصلًا عندهم بالسَّجِيّة والطبيعة فلم تكن الحاجة ماسة له ولم يكن الخطأ مخوفًا من قبله: تفسير القرآن فيما كان بيانه حاصلًا بلغة العرب؛ لأن الأصل أن القرآن مفهوم لهم بمجرد سماعهم له إلا ما كان فيه بيان خاص من الشارع، وقد بَيَّنَ هذا البيهقي بقوله: "وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم؛ لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب _________ (١) المصدر السابق. (٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ١٩٥.

стр. 510

فقط" (١)، فالخطأ الواقع هنا مأمون جانبه؛ لأنه يظهر بطلانه وخطؤه للصغير والكبير والعالم والجاهل. وبناء على ذلك فمن تطلب في هذه الأبواب أعلى الأسانيد وأجودها، أو ابتغى أن يكون معظم رواتها من حذاق الحفاظ وكبار الثقات كما هو الحال في العقائد والأحكام فلن يرجع من ذلك بشيء؛ لأن تطلب مثل ذلك سعي وراء سراب، وتسربل بالخيال، لا لشيء سوى أنه يجافي واقع العلوم وطبيعتها، ولا يراعي نشأتها ومنبتها، ولا ينتبه لتطورها وسيرها، ولا يقف على الدوافع التي نشَّطت حركة الضبط والرواية في بعضها، ولا الموانع التي منعت ذلك في بعضها، ولا يعترف بتعدد معايير القبول والرد وتباينها بين كل هذه العلوم. وأحسب أن عبارة الإمام أحمد المشهورة: "ثلاثة ليس لها إسناد: التفسير، والملاحم، والمغازي" (٢) بحاجة في ضوء ما تقدم إلى النظر إليها من زاوية مختلفة؛ فقد غلب على كثير من الدراسات المعاصرة نقل الاختلاف فيها بين كونها مرادًا بها المرفوع أو مرادًا بها كتب مخصوصة، كما اعتمدها البعض تكأة لقبول كل ما يروى في التفسير والمغازي والملاحم دون تدقيق ونظر باعتبار أن كل ما فيها ضعيف؛ لكن البحث هنا يلفت النظر إلى أهمية فقه الغاية المقصودة من تلك العبارة وعدم التوقف عند مجرد معناها. وأحسب أن الغاية من تلك العبارة هي الإخبار عن وإقع هذه العلوم وطبيعتها، وأن لها نمطًا خاصًّا في التعامل معها يباين بقية المرويات، وأنه لا يمكن انفكاكها عن هذا الواقع، ولا يمكن انفكاك التعامل معها تصحيحًا وتضعيفًا عن هذا الواقع، وتأيَّد هذا عندي بالسياقات التي أورد ابن تيمية فيها تلك العبارة في مواطن مختلفة؛ فمن ذلك قوله: ". . . فالمقصود أن المنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب اللَّه الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم؛ ولهذا قال الامام أحمد: ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازي. ويروى: ليس لها أصل؛ أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير والشعبي والزهري وموسى بن _________ (١) دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٧. (٢) رواه ابن عدي في الكامل ١/ ١١٩، وعنه الخطيب البغدادي في الجامع ٢/ ١٦٢، وفي رواية عنه: "ثلاثة لا أصل لها".

стр. 511

عقبة وابن إسحاق ومن بعدهم. . . " ثم تكلم عن المراسيل وحكمها وآليات قبولها (١). وقال أيضًا: "وأما أحاديث سبب النزول؛ فغالبها مرسل ليس بمسند، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل: ثلاث علوم لا إسناد لها -وفي لفظ: ليس لها أصل-: التفسير، والمغازي، والملاحم؛ يعني: أن أحاديثها مرسلة، والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها. . . إلخ" (٢). وقال أيضًا: "وقال الإمام أحمد: ثلاث علوم ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير. وفي لفظ: ليس لها أسانيد؛ ومعنى ذلك: أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة؛ فإذا كان الشيء مشهورًا عند أهل الفن قد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره" (٣)؛ وظاهر جدًّا من السياقات المختلفة التي ساق ابن تيمية فيها تلك العبارة ربطه بينها وبين كون هذه العلوم أغلبها مراسيل؛ ولذا تكلم بعد إيرادها في كل المواطن عن المرسل وآليات قبوله، ثم بيَّن أن هذه المرويات رغم انقطاعها إلا أنها اشتهرت عند المتخصصين وتعددت طرقها، مما جعل أهل العلم يرجعون إليها ويدققون فيها. وجلي إذًا أن فقه واقع الزمن الذي نشأت فيه الرواية، واشترطت في نقلها الأسانيد له أثر كبير في معرفة أسس التعامل مع المرويات وفهم منهج المحدثين في قبولها أو ردها؛ ذلك أن هذا المنهج انطلق أساسًا من هذا الواقع وراعى كل جزئياته وكان من الأسس التي قام عليها والتي لا يمكن إهمالها مراعاة الواقع الزمني والواقع الإنساني وميوله واحتياجاته ورغباته، ولم يحدث أبدًا نوع تصادم بين منهج المحدثين وبين تلك المرويات في كافة فنون الشريعة. _________ (١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤٥ - ٣٤٦. (٢) منهاج السُّنَّة ٧/ ٤٣٥. (٣) تلخيص كتاب الاستغاثة ١/ ٧٦.

стр. 512

الفرع الثالث الإسناد وشرط الصحة لسنا هنا بحاجة إلى تكرير ما سبق ذكره والتأكيد عليه من كون الحكم بالصحة الحديثية لا ينحصر في الإسناد ولا ينفصل عن الإسناد، وأن نظر الناقد يتجاوز اتصال الإسناد إلى التثبت من عدم تطرق الخطأ للرواية؛ لأن المعيار الذي عليه المدار غلبة الظن بصواب الرواية أو غلبة الظن بخطئها، وإنما المقصود هنا التنبيه على ثلاثة أمور -وخاصة ثالثها- لها أهميتها البالغة في فهم منهج نقاد المحدثين في إصدار الأحكام على أسانيد المرويات. الأمر الأول: أن مصطلح الصحة يتنازعه مع المحدثين غيرهم كالفقهاء والأصوليين، ولكن مفهوم الصحة عند الفريقين مختلف؛ فالمتنازع عليه المفهوم لا المصطلح، وسيأتي بيان ذلك قريبًا. الثاني: الاتصال شرط الصحة: المقصود بالصحة هنا الحكم على الرواية بصحة ثبوتها عن قائلها، والمقصود بالاتصال اتصال الإسناد وخلوه من الانقطاع. وقد اشترط النقاد شروطًا عليها مدار الحكم بالصحة منها اتصال الإسناد، ولذا لا يطلق نقاد المحدثين وصف الصحة الإسنادية على الخبر الذي لم يتصل إسناده؛ لكون قيد "اتصال السند" أحد قيود الحكم بالصحة، فإذا اجتمعت شروط الصحة في الرواية من عدالة الرواة وضبطهم واتصل سند الرواية وخلت من الشذوذ والعلة حكم عليها بصحة ثبوتها عن قائلها. الثالث: المنقطع الذي له حكم المتصل: وهو المقصود أساسًا هنا من هذه الممهدات؛ ذلك أن من المنقطع ما له حكم المتصل، فإذا كان المعيار الذي عليه المدار غلبة الظن بصحة الرواية أو غلبة الظن بخطئها أنتج ذلك أن الخطأ المخوف من وقوعه في الرواية لا ينتفي دومًا باتصال الإسناد، ولا يثبت دومًا بانقطاعه، ولهذا فإن النقاد قد يحكمون بضعف ما اتصل سنده، ويجعلود ما انقطع سنده في حكم المتصل لاعتبارات وقرائن أوجبت عندهم ضعف المتصل وصحة المنقطع؛ لأن المدار في الحكم على تحقق صحة النقل عن قائله أو خطئه لا على اتصال سنده.

стр. 513

فأما ما ردَّه أهل العلم مع اتصال سنده؛ فذلك مرجعه إلى عدم اكتمال شروط الصحة فيه، وهو أظهر من أن يمثَّل عليه دفعًا للإطالة. وأما ما جعل الأئمة له حكم المتصل مع انقطاع سنده فمرده إلى تثبت النقاد من انتفاء الخطأ عن الرواية المنقطعة الإسناد، وأنه رغم انقطاعها إلا أنها احتفت بها قرائن دفعت الخطأ المظنون من قبل انقطاع سندها كمعرفة الواسطة أو اختصاص الراوي. . . إلخ؛ فقد تخفف عن الرواية المنقطعة وصفها بالصحة لتخلف شرط الاتصال، ففارقت الصحيح من هذه الجهة واشتركت معه في انتفاء الخطأ عنها، فجعل لها حكم المتصل من تلك الجهة. قال أبو داود في رسالته: "وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومدلّس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل، وهو مثل الحسن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحكم عن مقسم" (١). فقوله: "على معنى أنه متصل" صريح جدًّا في كون بعض المنقطعات تُمْنَح حكم المتصل. يقول د. إبراهيم اللاحم: "الانقطاع ليس على درجة واحدة، بل هو متفاوت جدًّا، فإذا عرف هذا لم يكن مستغربًا أن نجد في "الصحيح" ما صورته الانقطاع واحتف به ما يجعله في حكم المتصل" (٢). وعلى هذا المسلك جرى النقاد في كثير من تطبيقاتهم مع المنقطعات التي يحتف بها من القرائن ما يدفع الريبة والخطأ المخوف من قبل انقطاعها؛ فمن ذلك مثلًا: رواية أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه، قال ابن تيمية: ". . . ويقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه؛ لكن هو عالم بحال أبيه متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه وهذه حال متكررة من عبد اللَّه ﵁ فتكون مشهورة عند أصحابه فيكثر المتحدث بها، ولم يكن في أصحاب عبد اللَّه من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة، فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه" (٣). وقال ابن رجب: "قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث _________ (١) رسالة أبي داود ص ٣٠. (٢) الاتصال والانقطاع ص ٤٣٣. (٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٤٠٤.

стр. 514

أبي عبيدة عن أبيه في المسند -يعني: في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها وأنه لم يأت فيها بحديث منكر" (١). وظاهر جدًّا من خلال كلامي ابن تيمية وابن رجب أثر القرائن المحتفّة بالخبر المنقطع في رفعه إلى أن يكون في حكم المتصل؛ من نحو اختصاص الراوي بحديث شيخ معين وإتقانه له، وشهرته بين تلاميذ الشيخ بإتقان روايته. . . إلخ، بل بلغ الأمر بقوة القرائن أن قال ابن تيمية في النقل السابق: "فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه" (٢). ومن ذلك أيضًا: رواية سعيد بن المسيب عن عمر (٣)؛ فقد قال الشافعي: ". . . وإذا اتصل الحديث عن رسول اللَّه ﷺ وصح الإسناد به فهو سُنَّة، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع سعيد بن المسيب، قال أبو محمد ابن أبي حاتم ﵀: يعني ما عدا منقطع سعيد بن المسيب أن يعتبر به" (٤) وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: سعيد بن المسيب عن عمر مرسل، يدخل في المسند على المجاز" (٥). وقال ابن عبد البر: "ورواية سعيد بن المسيب عن عمر. . . تجري مجرى المتصل وجائز الاحتجاج بها عندهم" (٦)، ومن ذلك أيضًا: رواية إبراهيم النخعي عن ابن مسعود (٧) وغيرها. * * * _________ (١) شرح علل الترمذي ١/ ٥٤٤. (٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٤٠٤. (٣) ينظر مثلًا: التمهيد لابن عبد البر ١/ ٣٠، جامع التحصيل ١/ ١٨٤. (٤) المراسيل لابن أبي حاتم ص ٦. (٥) المراسيل لابن أبي حاتم ص ٧١. (٦) التمهيد ١٢/ ١١٦. (٧) ينظر مثلًا: الكامل لابن عدي ٤/ ١٠٤، التمهيد لابن عبد البر ١/ ٣٠، شرح علل الترمذي ١/ ٤٥٢.

стр. 515

المبحث الثاني جهة المعنى دائرة قبول الخبر أوسع من دائرة الصحة الثبوتية بمفهوم المحدِّثين؛ فقد يقبل المفسرون والفقهاء والأصوليون وغيرهم ما لم يقبله المحدثون، ويحكمون بصحة ما ضعفه المحدثون، لكن مفهوم الصحة عندهم يباين مفهوم الصحة عند المحدثين؛ فصحة الخبر أو عدم صحته عند المحدثين دائرة على ثبوت الخبر عن قائله أو عدم ثبوته، وأما صحته عند غيرهم فلا تنحصر في دائرة الثبوت بل ترتبط به وبغيره من المعايير الأخرى بعد التثبت من صحة معنى الخبر وسلامة مضمونه. وبيان ذلك أن زاوية النظر في المنهج الحديثي على ثبوت الخبر عن قائله بغض النظر عن صواب قوله أو خطئه، فغاية ما يشتغل به الناقد بيان الثبوت أو عدم الثبوت، أما زاوية النظر عند الفقهاء والمفسرين وغيرهم فلا تحصر القبول في الثبوت؛ بل تقبل الثابت وغيره مما صح معناه وتحكم بصحته، بل وتحتج به بعد تحقق معايير القبول والاحتجاج فيه. واختلاط زاويتي الاشتغال عند الناظر يوقع في الإشكال واللبس فتختلط عليه الأمور، وقد كان الأئمة على وعي بذلك ولم يجدوا غضاضة في قبول ما صح معناه وإن كان في ثبوته نظر؛ لتباين الجهتين عندهم، جهة الثبوت، وجهة القبول والاحتجاج. فهذا الإمام الشافعي يقول: ". . . فاستدللنا بما وصفت مِنْ نقل عامة أهل المغازي عن النبي ﷺ أن: "لا وصية لوارث" على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة، مع الخبر المنقطع عن النبي، وإجماع العامة على القول به" (١). وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن دية المُعَاهَد؟ فقال: على النصف من دية _________ (١) الرسالة ص ١٣٧.

стр. 516

المسلم، أذهبُ إلى حديث عمرو بن شعيب. قيل له: تحتج بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده؟ قال: ليس كلها. روى هذا فقهاء أهل المدينة قديمًا، ويُروى عن عثمان ﵀" (١). وذكر ابن رجب كلام العلماء في الاحتجاج بالمرسل، ثم قال: "واعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب؛ فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعيّن إذا كان مرسلًا، وهو ليس بصحيح على طريقتهم؛ لانقطاعه وعدم اتصال إسناده. وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دلَّ عليه الحديث فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أنه له أصلًا قوي الظن بصحة ما دل عليه فاحتج به مع ما احتف به من القرائن. وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة، كالشافعي وأحمد وغيرهما مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذ" (٢). ونقل ابن حجر عن ابن عبد البر حكمه على حديث بالصحة مع ظهور ضعف إسناده ثم علق بقوله: "حَكَمَ ابن عبد البر -مع ذلك- بصحته لتلقي العلماء له بالقبول، فردَّه من حيث الإسناد وقبله من حيث المعنى" (٣). وقد ذكر السيوطي عن طائفة من العلماء أنه "يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه العلماء بالقبول وإن لم يكن له سند صحيح" (٤). يقول الشريف حاتم العوني: "كان المحدِّثون يفرقون بين شروط قبول الحديث النبوي وبين تحقق القبول سواء في الحديث النبوي أو في غيره من العلوم الشرعية. ومن أمثلة ذلك: أن الإمام الأوزاعي سئل عن المناولة -أن يناول الشيخ الطالب الكتاب- فقال: أتدين بها ولا أحدث بها. فانظر كيف فرَّق بين شروط القبول المطلوبة في الحديث وبين القبول. فقوله: "أتدين بها"؛ يعني: أنه يقبلها ويحتج بها وإن كان لا يستجيز أن يروي بما أخذه مناولة. _________ (١) أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض من كتاب الجامع للخلال ٢/ ٣٨٧ برقم (٨٦٧). (٢) شرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٥٤٣. (٣) التلخيص الحبير ١/ ٨. (٤) البحر الذي زخر شرح ألفية الأثر ٣/ ١٢٨٠.

стр. 517

وقريب من هذا ما ذكره ابن رجب في مسألة المرسل، ومحاولة الجمع بين مذهب الفقهاء والمحدِّثين في هذه المسألة. . . ولذا لأن من شروط الصحة الاتصال، ولا يعني ذلك أن المحدِّثين لا يحتجون بالحديث المرسل المعتضد لكنهم لا يصفونه بأنه صحيح بإطلاق اللفظ الاصطلاحي. إذن، هناك فرق عند المحدثين بين الحجة والصحيح، فدلالة لفظ الحجة أوسع من دلالة لفظ صحيح؛ فدلالة لفظ صحيح لها شروط معينة غير دلالة حجة، ولذا فقد يحتجون بأحاديث مراسيل ولا يطلقون عليها لفظ الصحة" (١). فيتحرر من هذا أن لا تلازم في المروي عن غير رسول اللَّه ﷺ بين مقام ثبوت الرواية عن قائلها ومقام صحة المعنى التفسيري وصوابه، فقد تكون الرواية في أعلى درجات الثبوت والصحة إِلا أن معناها خطأ لا يصح تفسير الآية به، وقد تكون الرواية ضعيفة إِلا أن معناها يصح تفسير الآية به، وهذا المبحث وما بعده يفيد في تقييم ظاهرة جديدة طفت على الساحة العلمية في الحياة المعاصرة وهي تجريد الكتب من الآثار الضعيفة وإخراج ما يسمى بـ "صحيح التفسير"، "صحيح الفقه"، "صحيح السيرة" وسيأتي الحديث عن ذلك ضمن تتمات هذا الفصل. * * * _________ (١) محاضرة أسانيد التفسير للشريف حاتم.

стр. 518

المبحث الثالث جهة أغراض المصنفين من أهم ما ينبغي على الناظر في مرويات التفسير وغيرها وبخاصة المتصدي لنقدها معرفة الغرض الذي من أجله ساق المصنف الخبر، وكيفية إيراده له، ومدى تحقيق إيراده لغرضه، وهذا مقام يفارق تمامًا ما سبق الكلام فيه من صحة المرويات أو ضعفها؛ فليس ضعف الرواية مانعًا للمصنف من إيرادها واستعمالها لغرض يريد بيانه، وليس ضعف الراوي مانعًا من ذكر المصنف لبعض رواياته لغرض يرمي إليه، وليس هذا خاصًّا بكتب التفسير بل هو عام في كل تصنيف، فها هو مسلم بن الحجاج لمّا بلغه إنكار أبي زرعة عليه إخراجه حديث أسباط بن نصر وقَطَن بن نُسير وأحمد بن عيسى في صحيحه كان جوابه: "إنما قلت صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقَطَن وأحمد ما قد رواه الثقات عَنْ شيوخهم، إِلا أنه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول؛ فاقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات" (١). وعودًا على مرويات التفسير نجد ابن أبي حاتم يسأل أباه عن حديث فيجيبه بأنه باطل، ورغم هذا يورده بنفس السند في تفسيره؛ فقد قال: "وسألت أبي عن حديث رواه معاوية بن حفص عن أبي زياد الخلفاني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه؛ قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن قول اللَّه : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]؛ قال: هؤلاء من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب؟ فسمعت أبي يقول: هذا حديث باطل" (٢). وقال في التفسير: "حدثنا أبي، ثنا محمد بن المصفى، ثنا معاوية بن حفص عن أبي زياد الخلفاني عن _________ (١) تاريخ بغداد ٥/ ٢٩. (٢) علل الحديث لابن أبي حاتم ٥/ ٢٥، برقم (١٩٧٩).

стр. 519

محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه؛ قال: سئل رسول اللَّه ﷺ . . . " (١) وساق الحديث، ولم يبلغ ابن أبي حاتم من السهو والغفلة وهو الناقد الحاذق أن يذهل عن كونه باطلًا وهو يورده في التفسير، فقد تكرر هذا منه وإن تفاوتت صورته (٢) مما يدل على أن له غرضًا في ذلك، لا أنه ذهل ونسي كما يحلو لبعض الباحثين الاسترواح برمي الأئمة بالغفلة بدلًا من التفكير في استكشاف صنيعهم وأغراضهم! والطبري يورد خبرًا فيه ضعف ثم يبيِّن علة إيراده بقوله: "فهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع على صحة القول به أولى من خبر عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب" (٣). فللأئمة في التصنيف وفي ترتيب الأدلة والمسائل وعرض الأقوال أغراض ومقاصد؛ وهي جديرة أن تبحث وخاصة فيما ضعف من الأخبار وأغراضهم من إيرادها وكيفيات ذلك الإيراد. يقول ابن تيمية: "والأئمة كانوا يروون ما في الباب من الأحاديث التي لم يُعْلَم أنها كذب من المرفوع والمسند والموقوف وآثار الصحابة والتابعين؛ لأن ذلك يقوي بعضه بعضًا كما تُذكر المسألة من أصول الدين ويذكر فيها مذاهب الأئمة والسلف، فثَمَّ أمور تُذكر للاعتماد، وأمور تذكر للاعتضاد، وأمور تُذكر لأنها لم يُعْلَم أنها من نوع الفساد" (٤). وقد رَدَّ ابن تيمية على إيراد البكري عليه ذكره لحديث من رواية ابن لهيعة وهو حديث: "إنه لا يستغاث بي؛ إنما يستغاث باللَّه"، فقال: "هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه، بل ذكر في ضمن غيره ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسُّنَّة، كما أنه إذا ذكر حكم بدليل معلوم ذكر ما يوافقه من الآثار والمراسيل وأقوال العلماء وغير ذلك لما في ذلك من الاعتضاد والمعاونة، لا لأن الواحد من ذلك يعتمد عليه في حكم شرعي، ولهذا كان العلماء متفقين على جواز _________ (١) تفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٠. (٢) ففي العلل أن أباه أخبره عن حديث سأله عنه بأنه منكر، ورغم هذا أورده بنفس السند في تفسيره وسمى فيه الراوي المبهم. ينظر: علل الحديث لابن أبي حاتم ٤/ ٦٥٥، برقم (١٧١٠)، تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٩٠٦، برقم (٥٠٥٣)، وينظر مثال آخر في: العلل ٤/ ٧١٤، برقم (١٧٦٠) مع تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٩٥٦) برقم (١٠٤٥٩)، وان كان قد ساقه بإسناد آخر بعد إيراد السند المعلل ولكن المقصود بيان الفكرة ونفي الذهول المزعوم. (٣) تفسير الطبري ٣/ ٧١٦. (٤) الصفدية ١/ ٢٨٧.

стр. 520

الاعتضاد والترجيح بما لا يصلح أن يكون هو العمدة من الأخبار التي تكلم في بعض رواتها لسوء حفظ أو نحو ذلك وبآثار الصحابة والتابعين؛ بل بأقوال المشايخ والإسرائيليات والمنامات مما يصلح للاعتضاد، فما يصلح للاعتضاد نوع وما يصلح للاعتماد نوع. . . ولو كان عبد اللَّه بن لهيعة ذاكرًا لا آثِرًا ولم ينكره المسلمون عليه لكان في ذلك مستند لهذا الإطلاق؛ فإن الرجل قاضي مصر في ذلك الزمان وهو من أكبر العلماء المفتين ونظير لليث بن سعد، والغلط الذي وقع في حديثه لا يمنعه أن يكون من أهل الاجتهاد والفتيا مثل محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة وكان زمانهما متقاربًا؛ فإنه من أعيان الفقهاء المفتين وإن كان في حديثه ضعف، وكذلك شريك بن عبد اللَّه وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وغيرهم من المشهورين بالفتيا؛ إذا تكلم في حديثهم لم يمنع هذا أن يكونوا من المجتهدين المفتين. إذا كان النزاع في إطلاق لفظ وقد أطلقه أحد هؤلاء العلماء إما آثرًا وإما ذاكرًا وسمعه الناس منه ونقلوه عنه ولم يعرف أن أحدًا أنكره علم أن علماء المسلمين كانوا يتكلمون بمثل هذا اللفظ، وأن المتكلم به ليس خارقًا للإجماع ولا مبتدعا لفظًا لم يسبق إليه" (١). وهو كلام في غاية النفاسة لبيان أهمية فهم غرض العالم من إيراد الخبر الضعيف، وأن للعلماء في ذلك مقاصد ينبغي أن تُفقه وتُفهم؛ وقد بيّن العلامة محمود محمد شاكر جانبًا من ذلك أثناء تعليقه على تفسير الطبري؛ فقال عند قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]: "تبين لي مما راجعته في كتاب الطبري؛ أن استدلال الطبري بهذه الآثار التي يرويها بأسانيدها، لا يراد به إِلا تحقيق معنى لفظ، أو بيان سياق عبارة؛ فهو قد ساق هنا الآثار التي رواها بإسناده ليدل على معنى الخليفة والخلافة، وكيف اختلف المفسرون من الأولين في معنى الخليفة، وجعل استدلاله بهذه الآثار كاستدلال المستدل بالشعر على معنى لفظ في كتاب اللَّه، وهذا بيِّن في الفقرة التالية للأثر رقم (٦٠٥)؛ إذ ذكر ما روى عن ابن مسعود وابن عباس، وما روى عن الحسن في بيان معنى الخليفة، واستظهر ما يدل عليه كلام كل منهم، ومن أجل هذا الاستدلال لم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه، ودليل ذلك أن الطبري نفسه قال في إسناد الأثر (٤٦٥) عن ابن مسعود وابن عباس، فيما مضى ص ٣٥٣: "فإن كان ذلك صحيحًا، ولست أعلمه صحيحًا؛ إذ كنت بإسناده مرتابًا. . . "، فهو مع ارتيابه في هذا الإسناد قد ساق الأثر للدلالة على معنى اللفظ _________ (١) تلخيص كتاب الاستغاثة ١/ ٣٠٨.

стр. 521

وحده، فيما فهمه ابن مسعود وابن عباس -إن صح عنهما- أو ما فهمه الرواة الأقدمون من معناه. وهذا مذهب لا بأس به في الاستدلال، ومثله أيضًا ما يسوق في الأخبار والآثار التي لا يشك في ضعفها، أو في كونها من الإسرائيليات، فهو لم يسقها لتكون مهيمنة على تفسير آي التنزيل الكريم؛ بل يسوق الطويل لبيان معنى لفظ أو سياق حادثة، وإن كان الأثر نفسه مما لا تقوم به الحجة في الدين، ولا في التفسير التام لآي كتاب اللَّه. فاستدلال الطبري بما ينكره المنكرون، لم يكن إِلا استظهارًا للمعاني التي تدل على ألفاظ هذا الكتاب الكريم، كما يستظهر بالشعر على معانيها؛ فهو إذن استدلال يكاد يكون لغويًّا، ولما لم يكن مستنكرًا أن يستدل بالشعر الذي كذب قائله، ما صحّت لغته؛ فليس بمستنكر أن تساق الآثار التي لا يرتضيها أهل الحديث، والتي لا تقوم بها الحجة في الدين، للدلالة على المعنى المفهوم من صريح لفظ القرآن، وكيف فهمه الأوائل -سواء كانوا من الصحابة أو من دونهم-، وأرجو أن تكون هذه تذكرة تنفع قارئ كتاب الطبري، إذا ما انتهى إلى شيء مما عدَّه أهل علم الحديث من الغريب والمنكر" (١). ومثل هذا واضح جدًّا فيما نحن بصدده من كون غرض المصنفين من إيراد الأحاديث مختلف، وأنه من الجناية الحكم بخطئهم أو تجريد كتبهم بدعوى وجود الأحاديث الضعيفة فيها. * تتمات مهمات: الأولى: من ضمن الأمور التي تؤثر تأثيرًا قويًّا في الحكم بالثبوت وعدمه القرائن المحتفّة بالرواية أو الراوي، بحيث تستحق أن تفرد بمطلب خامس تكتمل به دائرة النظر للحكم بالثبوت وتتم به معطياته، ولكن لما كان البحث يريد بيان المنهج تجاه مرويات التفسير؛ فقد آثرت جمع القرائن المختصة بمرويات التفسير مع بعضها البعض سواء منها ما تعلق بالثبوت أو لا، فلينتبه لذلك. الثانية: تجريد الكتب من الآثار الضعيفة بدعوى التصحيح: إن تجريد التفسير من الآثار الضعيفة، ومحاولة إخراج ما يسمى بصحيح التفسير من الأفكار التي تحتاج إلى إعادة نظر، وإلى المقارنة بينها وبين مناهج أئمة التفسير؛ فإن "الإسناد الصحيح يعطي إشارة إلى صحة القول المنقول بهذا الإسناد غالبًا، _________ (١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر ١/ ٤٥٣، ٤٥٤ حاشية.

стр. 522

وليس بالضرورة أن يكون الإسناد الذي لم يصل إلى درجة الصحة أو الحسن دليلًا قاطعًا على عدم صحة القول المنقول بهذا الإسناد، فعلى سبيل المثال: تكرر عند أهل العلم قولهم: إن طاوسًا أعلم الناس بأحكام معاذ، وسعيد بن المسيب أعلم الناس بقضاء عمر، وعلي بن أبي طلحة أعلم الناس بتفسير ابن عباس، وهؤلاء التابعون لم يتحملوا عن أولئك الصحابة" (١) وليس بلائق أن نجرد الكتب من نقولهم عن هؤلاء الصحابة لضعف الإسناد. وسينصب الكلام هنا عن تجريد كتب التفسير من الآثار الضعيفة، ذلك أن أئمة التفسير وغيرهم لم يكونوا يمارسون لونًا من ألوان العبث وهم يدخلون في مؤلفاتهم وتفاسيرهم تلك الآثار الضعيفة، ولذا فإن من أراد تجريد كتب التفسير مثلًا من الآثار الضعيفة لَزِمَهُ قبل الإقدام على تلك الخطوة التنبه لما يلي: الأول: مراعاة أن صحة المعنى مقام، وثبوت الرواية مقام آخر، ولذا تجد أحيانًا الأثر الوارد بسند ضعيف مثلًا أصح وأوفق بنظم الآية وسياقها من الأثر المروي بسند صحيح؛ بل قد يكون هناك صعوبة في احتمال الآية للمعنى الوارد بالسند الصحيح، وبالتالي فتجريد التفسير من الضعيف في مثل هذه الحالة واعتماد الصحيح فيه إخلال بالمعنى المراد من الآية، وبعد بها عن مقصودها وعما تدل عليه ألفاظها؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، المتأمل في ظاهر الآية يجد أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ كأنه جواب عن اعتراض اعترضه الكفار، مفاده: أنه تعالى يستحيي من ضرب الأمثال، وقد صرح بكون الآية جوابًا عن اعتراضٍ كثيرٌ من المفسرين (٢)، وأوردوا بعض الآثار الضعيفة عن السلف مفادها: أن الآية نزلت؛ لأن الكفار أنكروا ضرب المثل في غير هذه السورة بالذباب والعنكبوت (٣)، وهو ما يشير إليه ظاهر الآية. _________ (١) تفسير التابعين ٢/ ٩١٨. (٢) ينظر: الكشاف ١/ ١١١، وعبارته: "سيقت هذه الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبًا بها المثل ليس بموضع للاستنكار والاستغراب. . "، ومفاتيح الغيب ١/ ٥٣٣) وعبارته: ". . . أورد هنا شبهة أوردها الكفار قدحًا في ذلك وأجاب عنها"، وبدائع التفسير لابن القيم ١/ ٢٩٨، وعبارته: "هذا جواب اعتراض اعترض به الكفار. . . "، وفتح القدير ١/ ١٤٦، وعبارته: "أنزل اللَّه هذه الآية ردًّا على الكفار لما أنكروا ما ضربه سبحانه من الأمثال"، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤٦، وعبارته: "وكأن في هذا جوابًا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة واعترض على اللَّه في ذلك فليس هذا محل اعتراض". وينظر كذلك: تفسير أبي السعود ١/ ٩٦، والتحرير والتنوير ١/ ٣٥٧. (٣) الطبري ١/ ١٧٧، ابن أبي حاتم ١/ ٦٨، الدر المنثور ١/ ٨٨.

стр. 523

وقد ثبت عن أبي العالية والربيع بن أنس (١) في هذه الآية أنه قال: "هذا مثل ضربه اللَّه للدنيا: أن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا سمنت ماتت، وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب اللَّه لهم هذا المثل في القرآن، إذا امتلأوا من الدنيا ريًّا أخذهم اللَّه عند ذلك" (٢). وإذا تأملتَ كلام أبي العالية والربيع وجدت صعوبة كبيرة في كونه مرادًا بالآية ولذا قال ابن عطية: "وقال قوم: هذه الآية مثل للدنيا، وهذا ضعيف يأباه رصف الكلام واتساق المعنى" (٣). ورغم التوافق الظاهر بين ألفاظ الآية والمعنى الوارد بأسانيد ضعيفة من جهة، والبعد الظاهر بين ألفاظها وبين قول أبي العالية والربيع الوارد بالسند الصحيح من جهة أخرى؛ إِلا أني وجدت بعض الفضلاء ممن نهجوا نهج تجريد التفسمِر من الضعيف لم يذكر إِلا قول أبي العالية والربيع، ولم يشر من قريب أو بعيد للمعنى الآخر؛ رغم وضوحه واتساقه مع الآية وإشارتها إليه، وكونه أصح في معنى الآية ونظمها من قول الربيع. إضافة إلى أن كثيرًا من الآثار الضعيفة الواردة في التفسير تكون موافقة للمفهوم من ظاهر الكلام؛ فيكون الأثر الضعيف في مثل هذا مؤكدًا للمعنى الذي دلت عليه ألفاظ الآية، ويكون توافقه مع دلالة الآية قرينة على صحة معناه وإن لم يثبت إسناده. وقد صرح الطوفي بهذا المعنى فقال: "فإن كان ما ورد في التفسير من الأحاديث الضعيفة والتواريخ موافقًا للمفهوم من ظاهر الكلام، أو فحواه، أو معقوله، حمل الكلام على ما فهم منه، وكان الخبر الضعيف ونحوه مؤكدًا لما استفيد من اللفظ" (٤). الثاني: أنه لو تم التسليم بصحة ذلك التجريد للزم المتصدي له أن يتعرف أولًا غرض العالم الذي يريد تجريد كتابه من إيراده كل أثرٍ، بحيث لا يحذف أثرًا إِلا وقد علم غرض المصنف من إيراده وكيفية إيراده له، ثم ينظر كذلك في عاقبة حذفه للأثر إلى غير ذلك، ولو حاول ذلك وعاناه لأبصر بعينيه حقيقة الجناية التي تقع على المصنفات وأصحابها بدعوى التصحيح. الثالث: أن فيه مجافاة وغفلة ظاهرة عن طبيعة مرويات التفسير وظروف نشأتها ودرجات الاهتمام بها، الذي كان له انعكاس واضح على كيفية التعامل معها كما _________ (١) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٦٨ بإسناد حسن. (٢) الطبري ١/ ١٧٧، ابن أبي حاتم ١/ ٦٨. (٣) المحرر الوجيز ١/ ١١٠. (٤) الإكسير في قواعد التفسير ص ٤١، بتصرف يسير.

стр. 524

سلفت الإشارة إليه؛ فعلم التفسير يغلب على منقولاته الضعف، والضعف منصب على الرواية لا على المعنى، ومعظم هذه المعاني صحيحة في الجملة؛ بل أحيانًا لا يمكن تفسير الآية بدونها، وكذا كثير منها وإن لم يثبت عن قائل بعينه فهو ثابت عن السلف، وكذا يستحيل أن ترتفع مروياته إلى درجات مرويات العقائد والأحكام، فتجريد التفسير من الأسانيد الضعيفة ذات المعاني الصحيحة إهدار لتلك المعاني، وهدم للتفسير، وعدم اعتبار للغالب عليه، وإلغاء لمقاييسه، واستبدال لها بمقاييس أخرى، ومجافاة لطبيعته التي ينبغي أن يعامل على وفقها ووزانها، ولم يكن هذا الصنيع من مناهج الأئمة الذين كانت لهم دراية بأصول الحديث والتفسير، وهم المرجوع إليهم، والمعوّل عليهم في مثل هذا، وصنيعهم حجة على من جاء بعدهم، فلماذا لا يسعنا ما وسعهم؟ ! الثالثة: التفريق بين رواية الراوي ورأيه؛ ينبغي التفريق بين رواية الراوي ورأيه، فهناك فرق بين أن يكون الراوي ناقلًا للتفسير، وبين أن يكون مفسرًا؛ ففي حال النقل والرواية قد يؤثر ضعفه على روايته ونقله؛ لكنه في حال كونه مفسرًا لا يؤثر جرحه على رأيه في التفسير "فالتفريق بين الحالين هو الصواب، فتضعيف مفسّر من جهة الرواية لا يعني تضعيفه من جهة الرأي والدراية؛ لذا يبقى لهم حكم المفسرين المعتبرين، ويحاكم قولهم من جهة المعنى، فإن كان فيه خطأ رُدَّ، وإن كان صَوَابًا قُبِلَ. وإذا تأمَّلتَ هذه المسألة تأمُّلًا عقليًّا؛ فإنَّه سيظهر لك أنَّ الرأي لا يوصف بالكذب إنما يوصف بالخطأ، فأنت تناقش قول فلان من جهة صحته وخطئه في المعنى، لا من جهة كونه كاذبًا أو صادقًا؛ لأن ذلك ليس مقامه، وهذا يعني أنَّك لا ترفضُ هذه الآراء من جهة كون قائلها كذابًا في الرواية، إنما من جهة خطئها في التأويلِ. . . وغياب هذه القضية يوقع في أمرين: الأول: طرح آراء هؤلاء المفسرين، وهم من أعلام مفسري السلف. الثاني: الخطأ في الحكم على السند الذي يروى عنهم؛ فيحكم عليه من خلال الحكم عليهم، وهم هنا ليسوا رواة فيجري عليهم الحكم، بل القول ينتهي إليهم، فأنت تبحث في توثيق من نقل عنهم" (١) لا في حالهم هم. فكون الشخص ضعيفًا في الرواية لا يعني عدم قبول أقواله في التفسير؛ إذ ضعفه مختص بروايته لا برأيه. _________ (١) مقالات في علوم القرآن ص ٣٠٥، ٣٠٦.

стр. 525

الفصل الثاني مرويات التفسير؛ المحددات والقرائن وتطبيقات المحررين وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المحددات العامة للتعامل مع مرويات التفسير. المبحث الثاني: القرائن المختصة بمرويات التفسير وأثرها. المبحث الثالث: تطبيقات المنهج عند المفسرين المحررين.

стр. 526

المبحث الأول المحددات العامة للتعامل مع مرويات التفسير تجري الروايات التفسيرية على سنن المنهج الحديثي في بيان ثبوتها عن قائلها أو عدم ثبوتها، فهي دائرة في فلك ما سبق تقريره، ولا ينبغي تعميم الحكم عليها بالتشدد مطلقًا أو التساهل مطلقًا كما هو الشائع؛ وإنما ينبغي أن يكون الحكم منضبطًا بمجموعة من المحددات، الحي تحدد حالات التشدد ودرجاته، وكذا حالات التساهل ودرجاته، وهذه المحددات الآتي ذكرها هي ذات المحددات التي سبق بيانها، التي على أساسها تختلف آليات التعامل ودرجات التشدد والتساهل مع معظم المرويات. * المحددات العامة للتعامل مع مرويات التفسير: أولًا: مضمون الخبر التفسيري: إذ هو أحد المحددات التي تبين آلية التعامل مع مرويات التفسير من حيث القبول والرد، أو التشدد والتساهل، وهذا يستدعي تصنيف مرويات التفسير بحسب مضامينها وموضوعاتها قبل إصدار الحكم عليها؛ فليس الأمر فيها كلها سواء، وليس هذا تقريرًا يفترضه البحث؛ بل هو صريح ما نصَّ الأئمة عليه، لما فرقوا بين ما يتعلق به حكم وما لا يتعلق، وبين ما كان في مسائل الحلال والحرام وما لم يكن. والناظر إلى مرويات التفسير سيجد مضامينها لا تخرج غالبًا عما يأتي: • ما له تعلق باللَّه تعالى وأسمائه وصفاته. • ما له تعلق بأحكام الحلال والحرام. • ما له تعلق بالغيبيات، ولا يمكن أن يقال بالرأي.

стр. 527

• ما كان تفسيره معتمدًا على لغة العرب. فلا ينبغي التسوية بين كل هذه المضامين في التشدد أو التساهل؛ بل يتشدد فيما نصَّ الأئمة على التشدد فيه، ويتساهل فيما نصَّ الأئمة على التساهل فيه بعد فهم التشدد والتساهل على وجههما. ويكفينا هنا الاستشهاد بكلام البيهقي السابق ذكره، حيث قال في معرض تصنيفه للرواة: "وضرب لا يكون راويه متهمًا بالوضع، غير أنه عرف بسوء الحفظ وكثرة الغلط في رواياته، أو يكون مجهولًا لم يثبت من عدالته وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول، فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملًا في الأحكام. . . وقد يستعمل في الدعوات والترغيب والترهيب، والتفسير والمغازي فيما لا يتعلق به حكم". وهو كلام مفيد جدًّا في تحرير محل التساهل في هذه العلوم، وأن التساهل لا يجري في جميع مروياتها بل يختص بما لم يكن له تعلق بحكم. فمرويات المغازي والتفسير وغيرها يتشدد فيها إذا تعلقت بحكم، ويتساهل فيها إذا لم تتعلق بحكم، وبه تعرف خطأ تعميم الحكم عليها بالتساهل أو التشدد مطلقًا. إذن؛ فليس الإشكال في نقل نصوص العلماء في التساهل أو التشدد، وإنما هو في تكييفها وتنزيلها على محالها بعد تحرير مرادهم بالتشدد والتساهل وقد سبق بيانه. ثانيًا: المفسّر: لمعرفة المفسر أثر في تحديد آلية التعامل مع التفسير المروي عنه من حيث القبول والرد، أو التشدد والتساهل؛ ذلك أن التفسير المروي عن رسول اللَّه ﷺ لا يستوي مع تفسير من دونه، لكون المروي عنه عند ثبوته سالمًا من الخطأ، ولكونه لا تجوز مناقضته ولا معارضته، بخلاف غيره، وإذا كان المحدثون يفرقون في درجة التشدد والتساهل في حديث رسول اللَّه ﷺ نفسه؛ فإن التساهل في المروي عمن دونه من باب أولى، ولا يعني هذا أن الأصل التساهل في كل المروي عما عدا رسول اللَّه ﷺ ، ولكنه أمر نسبي يتفاوت صعودًا ونزولًا بحسب مجموعة من المحددات والعوامل، إِلا أن مراعاته مع نسبيته عند التضلع بثبوت الخبر عن المفسر أو عدم ثبوته من الأهمية بمكان.

стр. 528

ثالثًا: راوي الخبر التفسيري: من أهم المحددات المتحكمة في ثبوت الرواية التفسيرية راوي الخبر، ويرتبط بهذا المحدد عدة أمور: • طرح رواية الكذّاب وعدم الاعتماد عليها مطلقًا: قال البيهقيّ في معرض تصنفه للرواة مقررًا ذلك: ". . . وضرب رواه من كان معروفًا بوضع الحديث والكذب فيه، فهذا الضرب لا يكون مستعملًا في شيء من أمور الدين إِلا على وجه التّليين" (١). • تسويغ التخفف في الرواة: فلا يشترط الأئمة في رواة التفسير فيما لا يتعلق به حكم ما يشترطون في رواة الأحكام والعقائد؛ بل يسوغون رواية مَنْ دون الثقات من رواة التفسير ممن لم ينزل حالهم إلى درجة الترك طالما سلمت الرواية من الخطأ. • مراعاة القرائن المحتفّة بحال الراوي: للقرائن المحتفة بالراوي أثر كبير في نقد مروياته؛ ذلك أن إطلاقات الأئمة في الجرح والتعديل لا تتنزل دومًا على كل مرويات الراوي ولا كل أحواله، وإنما يحصل التفاوت فيها بحسب قيام القرائن أو تخلفها، فقد يتوافر لبعض مرويات الراوي الضعيف من القرائن ما يقوي قبولها، ويدفع الخلل المتوقع من قبلها، كاختصاصه بعلم ما، أو ظهور موافقته لغيره من الرواة. . . إلخ من القرائن التي سيأتي بيانها. * * * _________ (١) دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٣.

стр. 529

المبحث الثانى القرائن المختصة بمرويات التفسير وأثرها لما كانت الرواية نشاطًا إنسانيًّا لم يكن من الممكن إخضاعها لمقاييس مادية ومعادلات رياضية، ولذا فإن قواعدها العامة وأطرها الكلية هي الشيء الثابت الوحيد الذي تنتظم كل الجزئيات في فلكه، وتدور في إطاره وتبقى هذه الجزئيات داخل هذا الفلك متفاوتة في صعودها ونزولها وشدتها وضعفها، كما سبق التأكيد على ذلك، وهذا التفاوت منشؤه وسببه القرائن المحتفة بالرواية والراوي، وهذه القرائن هي التي تكون دقة الحكم النقدي بالصحة أو الضعف مؤسسة عليها؛ فهي بمثابة ميزان الذهب البالغ أعلى درجات الدقة في وزن ذرات الذهب الصغيرة قبل أجزائه الكبيرة، ولذا من أغفل هذه القرائن ولم ينتبه إليها ولم يستعملها في محلها؛ فلن يفهم منهج النقاد فضلًا عن أن يطبقه. وبعض ما يأتي من قرائن يؤثر في الحكم بالثبوت، أو يبيّن طريقة وآلية الحكم بالثبوت، أو يبين الثبوت عن مجموع السلف لا عن فرد منهم بعينه، أو يبين كون الخطأ المخوف منه مندفع عن معنى الرواية، فيثبت به صحة مضمونها وإن كنا لا نستطيع الحكم بثبوتها. وهذه القرائن في الجملة؛ منها ما يكون مشتركًا بين المرويات كافة، ومنها يختص بعلم دون علم أو برواية دون رواية أو براوٍ دون راوٍ، وسيعرج البحث على بعض ما يتعلق بمرويات التفسير منها وإن كان بعضها قد يتعلق به وبغيره: * القرينة الأولى: الاختصاص: والمقصود به اختصاص الشخص بعلم ما أو براوٍ معين أو بمرويات بلد معين، وهذه سُنَّة جارية في عموم الخلق بحكم العجز البشري عن بلوغ الغاية وتحصيل البراعة في كل الفنون والعلوم، فقد نقل الذهبي كلام النقاد في عاصم بن أبي النجود ثم قال: "كان عاصم ثبتًا في القراءة، صدوقًا في الحديث، وقد وثقه: أبو زرعة،

стр. 530

وجماعة، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال الدارقطني: في حفظه شيء -يعني: للحديث لا للحروف- وما زال في كل وقت يكون العالم إمامًا في فن مقصرًا في فنون. وكذلك كان صاحبه حفص بن سليمان ثبتًا في القراءة، واهيًا في الحديث، وكان الأعمش بخلافه، كان ثبتًا في الحديث، لينًا في الحروف؛ فإن للأعمش قراءة منقولة في كتاب "المنهج" وغيره، لا ترتقي إلى رتبة القراءات السبع، ولا إلى قراءة يعقوب وأبي جعفر" (١). وهو كلام محرر جمع فيه الذهبي بين أكثر من شخص بلغ من الثقة والقوة في فنٍّ وصار عمدة فيه ولم يبلغ تلك المنزلة في الفن الآخر. واختصاص الراوي بعِلْمٍ ما وكثرة اشتغاله به، أو بشيخ ما وكثرة ملازمته له قرينة من أهم القرائن التي يسلط النقاد عليها أنظارهم ويبنون أحكامهم؛ ذلك أن اختصاص الراوي دافع للخطأ المظنون من قِبَله، ومسوغ لقبول روايته الحاصل فيها الاختصاص وتصحيحها بل للاحتجاج بها، لأن الضعف المجروح من قبله الراوي إنما هو حكم عام على مروياته في الجملة، يستثنى منه المرويات التي قوّت القرائن المساندة لها صحتها وعدم تسلل ما عند الراوي من خلل إليها. وهذه القرينة كما هو واضح لا تقتصر على الاختصاص بمرويات التفسير فحسب؛ بل تشملها وتشمل غيرها، وإنما ننبه على التفسير من ذلك خاصة لخصوصية البحث. وقد نصَّ الخطيب البغدادي على أثر هذه القرينة في التفسير، فقال: "إِلا أن العلماء قد احتجوا في التفسير بقوم لم يحتجوا بهم في مسند الأحاديث المتعلقة بالأحكام؛ وذلك لسوء حفظهم الحديث وشغلهم بالتفسير، فهم بمثابة عاصم بن أبي النجود حيث احتج به في القراءات دون الأحاديث المسندات؛ لغلبة علم القرآن عليه فصرف عنايته إليه" (٢). فقد بيَّن الخطيب أن سوء الحفظ المجروح به الراوي لا ينسحب على كل مروياته، بل يستثنى منها ما كثر اشتغال الراوي به وطال اختصاصه به، لكون طول الاختصاص وكثرة الاشتغال دافعة للخطأ المخوف من قبل سوء الحفظ غالبًا. قال الطريفي: "فينبغي على المتعلم لهذا الباب أن يعلم أن بعض الرواة في التفسير لا يكون له عناية إِلا بشخص واحد، فعليه المدار، سواء ممَّا لا ينسبه من _________ (١) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٠. (٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٩٤.
следующие страницы →