← Тафсир

Тафсир · id 639

موسوعة التفسير المأثور

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (16 717 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

٢٣٠٥٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الرسول بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ ، وذلك أنّ النبي ﷺ دعا اليهود إلى الإسلام، فأكثر الدعاء، فجعلوا يستهزئون، ويقولون: أتريد يا محمد أن نتَّخذك حنانًا، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانًا؟! فلما رأى النبي ﷺ ذلك سكت عنهم، فحرّض الله -يعني: فحَضَّض الله النبي ﷺ على الدعاء إلى الله ، وألّا يمنعه ذلك تكذيبُهم إيّاه واستهزاؤُهم، فقال: ﴿يا أيُّها الرسول بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ (١). (ز) تفسير الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ٢٣٠٥٧ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الرسول بَلِّغْ﴾، يعني: محمدًا ﷺ (٢). (ز) ٢٣٠٥٨ - عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿يا أيها الرسول﴾، يقول: يا محمد (٣). (ز) ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٢٣٠٥٩ - عن مقاتل [بن حيان]-من طريق بُكَيْر بن معروف- ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ يقول: بلغ ما أرسلت به، يحرضه على أن يبلغ الرسالة عن ربه (٤). (ز) ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٢٣٠٦٠ - عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾، يعني: إن كتَمْتَ آيةً مِمّا أُنزِل إليك لم تُبَلِّغْ رسالتَه (٥). (٥/ ٣٨٣)

стр. 4902

آثار متعلقة بالآية: ٢٣٠٦١ - عن عائشة -من طريق مسروق-: مَن زعم أنّ محمدًا ﷺ كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ الآية (١) [٢١٤٠]. (ز) ٢٣٠٦٢ - عن عنترة، قال: كنتُ عند ابن عباس، فجاءه رجلٌ، فقال: إنّ ناسًا يَأتُونا فيُخْبِرونا أنّ عندكم شيئًا لم يُبْدِه رسول الله ﷺ للناس. فقال: ألم تَعلم أنّ الله قال: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾؟! واللهِ، ما ورَّثَنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء (٢). (٥/ ٣٨٣) ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ نزول الآية: ٢٣٠٦٣ - عن أبي هريرة، قال: كنا إذا صحِبنا رسول الله ﷺ في سفر تركنا له أعظمَ دَوْحَةٍ وأظلَّها، فيَنزِلُ تحتَها، فنزَل ذاتَ يوم تحتَ شجرة، وعلَّق سيفَه فيها، فجاء رجلٌ فأخَذه، فقال: يا محمد، مَن يَمْنَعُك مني؟ فقال رسول الله ﷺ : «اللهُ يَمْنَعُني منك، ضَعْ عنك السيف». فوضَعه؛ فنزلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (٣). (٥/ ٣٨٧) ٢٣٠٦٤ - عن جابر بن عبد الله، قال: لَمّا غزا رسول الله ﷺ بني أنمار نزَل ذاتَ الرَّقيع بأعلى نخلٍ، فبينا هو جالِسٌ على رأس بئر قد دلّى رِجْلَيه فقال الوارثُ من بني النجّار [٢١٤١]: لأقْتُلنَّ محمدًا. فقال له أصحابُه: كيف تَقْتُلُه؟ قال: أقولُ له: أعْطِني سيفَك، فإذا أعطانيه قتلتُه به. فأتاه، فقال: يا محمد، أعْطِني سيفَك

стр. 4903

أُشِيمُه (١). فأعطاه إياه، فرُعِدَت يدُه، فقال رسول الله ﷺ : «حال الله بينك وبين ما تُريد». فأنزل الله: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ الآية (٢). (٥/ ٣٨٦) ٢٣٠٦٥ - عن محمد بن كعب القُرَظيِّ، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزَل منزلًا اختار له أصحابُه شجرةً ظليلةً، فيَقِيلُ تحتَها، فأتاه أعرابيٌّ، فاخترَط (٣) سيفَه، ثم قال: مَن يَمْنَعُك مني؟ قال: «الله». فرُعِدَت يدُ الأعرابيِّ، وسقَط السيفُ منه. قال: وضرَب برأسِه الشجرةَ حتى انتثرت دماغُه؛ فأنزَل الله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (٤). (٥/ ٣٨٨) ٢٣٠٦٦ - عن أبي ذرٍّ، قال: كان رسول الله ﷺ لا ينام إلا ونحن حولَه؛ مِن مخافة الغوائل، حتى نزَلت آيةُ العصمة: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (٥). (٥/ ٣٨٦) ٢٣٠٦٧ - عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يُحْرَسُ حتى نزَلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾، فأخرج رأسَه من القُبَّة، فقال: «أيُّها الناس، انصَرِفوا، فقد عَصَمني الله» (٦). (٥/ ٣٨٥) ٢٣٠٦٨ - عن عبد الله بن عباس، قال: كان النبي ﷺ يُحْرَسُ، وكان يُرْسِلُ معه عمُّه أبو طالب كلَّ يوم رجالًا مِن بني هاشم يَحْرُسونه، حتى نزلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾. وأراد عمُّه أن يُرْسِلَ معه مَن يَحْرُسُه، فقال: «يا عمِّ، إنّ الله قد عَصَمني مِن

стр. 4904

الجنِّ والإنس» (١). (٥/ ٣٨٥) ٢٣٠٦٩ - عن أبي سعيد الخدري، قال: كان العباس عمُّ النبي ﷺ في مَن يَحْرُسُه، فلمّا نزلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ ترَك رسول الله ﷺ الحَرْسَ (٢). (٥/ ٣٨٥) ٢٣٠٧٠ - عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرَج بعَث معه أبو طالب مَن يَكْلَؤُه، حتى نزَلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾، فذهب ليَبْعَثَ معه، فقال: «يا عمِّ، إنّ الله قد عَصَمني، لا حاجةَ لي إلى مَن تَبْعَثُ» (٣). (٥/ ٣٨٥) ٢٣٠٧١ - عن عِصمةَ بن مالك الخَطْميِّ، قال: كنا نَحْرُسُ رسول الله ﷺ بالليل، حتى نزَلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾، فترك الحَرْسَ (٤). (٥/ ٣٨٦) ٢٣٠٧٢ - عن سعيد بن جبير، قال: لَمّا نزَلت: ﴿يا أيها الرسول﴾ إلى قوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ قال رسول الله ﷺ : «لا تَحْرُسُوني؛ إن ربِّي قد عَصَمني» (٥). (٥/ ٣٨٧) ٢٣٠٧٣ - عن عبد الله بن شَقِيق، قال: إنّ رسول الله ﷺ كان يَعْتَقِبُه ناسٌ مِن أصحابه، فلمّا نزَلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ خرَج، فقال: «يا أيُّها الناس، الحَقُوا بمَلاحِقِكم؛ فإنّ الله قد عصَمني مِن الناس» (٦). (٥/ ٣٨٨)

стр. 4905

٢٣٠٧٤ - عن محمد بن كعب القُرَظِيِّ: أنّ رسول الله ﷺ ما زالَ يُحْرَسُ؛ يتحارَسُه أصحابُه، حتى أنزل الله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾. فترَك الحَرْسَ حينَ أخبَره أنّه سيَعْصِمُه مِن الناس (١). (٥/ ٣٨٨) ٢٣٠٧٥ - عن الربيع بن أنس، قال: كان النبي ﷺ يَحْرُسُه أصحابُه حتى نزَلت هذه الآية: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك﴾ الآية. فخرَج إليهم، فقال: «لا تحرُسُوني؛ فإنّ اللهَ قد عصَمني مِن الناس» (٢). (٥/ ٣٨٩) ٢٣٠٧٦ - عن عبد الملك ابن جريج، قال: كان النبي ﷺ يَهابُ قريشًا، فلمّا نزلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ استلقى، ثم قال: «مَن شاء فلْيَخذُلْني». مَرتين أو ثلاثًا (٣). (٥/ ٣٨٨) تفسير الآية: ٢٣٠٧٧ - عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في الآية، قال: أخبَر اللهُ نبيه ﷺ أنّه سيَكْفِيه الناس، ويَعْصِمُه منهم، وأمَرَه بالبلاغ. وذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ قيل له: لو احْتَجَبْتَ. فقال: «واللهِ، لَأُبْدِيَنَّ عَقِبِي للناس ما صاحَبْتُهم» (٤). (٥/ ٣٨٧) ٢٣٠٧٨ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾، يعني: من اليهود؛ فلا تُقتل (٥). (ز) ٢٣٠٧٩ - عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾، يعني: ممن حولك من العرب كلها أنّهم لا يَصِلون إليك، فأمِن النبي ﷺ عند ذلك (٦). (ز) آثار متعلقة بالآية: ٢٣٠٨٠ - عن جَعْدَةَ بن خالد بن الصِّمَّةِ الجُشَمِيِّ، قال: أُتي النبي ﷺ برجل، فقيل: هذا أراد أن يَقْتُلَك. فقال له النبي ﷺ : «لم تُرَعْ، لم تُرَعْ، ولو أرَدْت ذلك لم

стр. 4906

يُسَلِّطْك الله عَلَيَّ» (١). (٥/ ٣٨٧) ٢٣٠٨١ - عن الحسن، في قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾: أنّ رسول الله ﷺ شكا إلى ربه من قومه، فقال: «يا ربِّ، إنّ قومي قد خوفوني، فأعطِني مِن قِبَلَك آيةً أعلمُ أن لا مخافة عَلَيَّ». فأوحى الله إليه أن يأتي وادي كذا، فيه شجرة كذا، فلْيَدْعُ غصنًا منها يأته، فانطلق إلى الوادي، فدعا غصنًا منها، فجاء يخُطُّ في الأرض خطًّا حتى انتصب بين يديه، فحبسه ما شاء الله أن يحبسه، ثم قال: «ارجع كما جئت». فرجع، فقال رسول الله: «علمتُ -يا ربِّ- أن لا مخافة عَلَيَّ» (٢). (ز) ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ نزول الآية: ٢٣٠٨٢ - عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: جاء رافعُ بن حارثة، وسلامُ بن مِشْكَم، ومالك بن الصَّيف، ورافعُ بن حُرَيْمِلة، فقالوا: يا محمد، ألستَ تَزْعُمُ أنك على ملة إبراهيم ودينِه، وتُؤمِنُ بما عندَنا مِن التوراة، وتَشْهَدُ أنها مِن الله حقٌّ؟ فقال النبي ﷺ : «بلى، ولكنَّكم أحْدَثْتم وجحَدْتُم ما فيها مما أُخِذ عليكم مِن الميثاق، وكتَمتم منها ما أُمِرْتم أن تُبَيِّنوه للناس، فبَرِئتُ مِن إحداثِكم». قالوا: فإنّا نأخُذُ بما في أيدينا؛ فإنّا على الهدى والحقِّ، ولا نُؤمِنُ بك، ولا نَتَّبِعُك. فأنزل الله فيهم: ﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾ إلى قوله: ﴿القوم الكافرين﴾ (٣). (٥/ ٣٨٩)

стр. 4907

تفسير الآية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ٢٣٠٨٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ يعني: اليهود والنصارى، ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ من أمر الدين ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ يقول: حتى تتلوهما حق تلاوتهما كما أنزلهما الله (١). (ز) ٢٣٠٨٤ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾ قال: فقد صرنا من أهل الكتاب: التوراة لليهود، والإنجيل للنصارى، ﴿وما أنزل إليكم من ربكم﴾: وما أنزل إلينا من ربنا، أي: لستم على شيء حتى تقيموا: حتى تعملوا بما فيه (٢). (ز) ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢٣٠٨٥ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث- ﴿حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾، قال: ما أنزل على محمد ﷺ (٣). (ز) ٢٣٠٨٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿و﴾ تقيموا ﴿ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِن رَبِّكُمْ﴾ من أمر محمد ﷺ ، ولا تُحَرِّفوه عن مواضعه، فهذا الذي أمر الله أن يبلغ أهل الكتاب (٤). (ز) ٢٣٠٨٧ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق أصبغ- يقول في قوله: ﴿وما أنزل إليكم من ربكم﴾، قال: القرآن (٥). (ز)

стр. 4908

﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ ٢٣٠٨٨ - عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا﴾، قال: الفرقان. يقول: فلا تحزن (١). (ز) ٢٣٠٨٩ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ يعني: ما في القرآن من أمر الرجم والدماء ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ يعني: وجحودًا بالقرآن (٢). (ز) ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ ٢٣٠٩٠ - عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك - في قوله: ﴿فلا تأس﴾، قال: فلا تحزن (٣). (ز) ٢٣٠٩١ - عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿فلا تأس على القوم الكافرين﴾، قال: لا تحزن (٤). (ز) ٢٣٠٩٢ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلا تَأْسَ﴾ يعني: فلا تحزن -يا محمد ﷺ - ﴿عَلى القَومِ الكافِرِينَ﴾ يعني: أهل الكتاب إذ كذَّبوك بما تقول (٥). (ز) آثار متعلقة بالآية: ٢٣٠٩٣ - قال سفيان [بن عُيَيْنَة]: ما في القرآن آيةٌ أشد عَلَيَّ مِن: ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِن رَبِّكُمْ﴾ (٦). (ز)

стр. 4909

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ ٢٣٠٩٤ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: الذين صدَّقوا، ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ يعني: اليهود، ﴿والصّابِئُونَ﴾ هم قوم من النصارى صبأوا إلى دين نوح، وفارقوا هذه الفرق الثلاث، وزعموا أنهم على دين نوح ﵇، وأخطأوا لأن دين نوح ﵇ كان على دين الإسلام، ﴿والنصارى﴾ إنما سموا نصارى لأنهم ابتدعوا هذا الدين بقرية تُسَمّى: ناصرة، قال الله : ﴿مَن آمَنَ﴾ مِن هؤلاء ﴿بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وأدّى الفرائض من قبل أن يُبعث محمد ﷺ فله الجنة، ومَن بقي منهم إلى أن يبعث محمد ﷺ فلا إيمان له إلا أن يُصَدِّق بمحمد ﷺ ، فمَن صَدَّق بالله أنّه واحد لا شريك له، وبما جاء به محمد ﷺ ، وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال ﴿فلا خوف عليهم﴾ (١). (ز) ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ ٢٣٠٩٥ - عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿فلا خوف عليهم﴾ يعني: في الآخرة، ﴿ولا هم يحزنون﴾ يعني: لا يحزنون عند الموت (٢). (ز) ٢٣٠٩٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من العذاب، ﴿ولا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من الموت (٣). (ز)

стр. 4910

﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ ٢٣٠٩٧ - عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق الربيع- قوله: ﴿ميثاق بني إسرائيل﴾، قال: أخذ مواثيقَهم أن يخلصوا له، ولا يعبدوا غيره (١). (ز) ٢٣٠٩٨ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ في التوراة على أن يعملوا بما فيها، ﴿وأَرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ يعني: وأرسل الله تعالى إليهم رسلًا ﴿كُلَّما جاءَهُمْ رسول بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ يعني: اليهود؛ ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ يعني: اليهود، فريقًا كذَّبوا؛ عيسى ﷺ ، ومحمدًا ﷺ ، ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ يعني: اليهود كذّبوا بطائفة من الرسل، وقتلوا طائفة من الرسل، يعني: زكريا، ويحيى في بني إسرائيل (٢). (ز) ﴿وَحَسِبُوا﴾ ٢٣٠٩٩ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾ ، قال: يهود (٣). (٥/ ٣٩٠) ٢٣١٠٠ - عن عبد الله بن كثير -من طريق ابن جُرَيج - قال: هذه الآية لبني إسرائيل (٤). (ز) ٢٣١٠١ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، يعني: اليهود (٥). (ز) ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٢٣١٠٢ - عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾، قال: الشرك (٦). (ز)

стр. 4911

٢٣١٠٣ - عن الحسن البصري -من طريق مبارك- في قوله: ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾، قال: بلاءٌ (١). (٥/ ٣٩٠) ٢٣١٠٤ - قال الحسن البصري: وحسبوا ألا يبتلوا في الدين يجاهدون فيه، وتفرض عليهم الطاعة بمحمد (٢). (ز) ٢٣١٠٥ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾، قال: حسِب القومُ ألا يكونَ بلاءٌ (٣). (٥/ ٣٩٠) ٢٣١٠٦ - عن عبد الله بن كثير -من طريق ابن جُرَيْج- قال: هذه الآية لبني إسرائيل. قال: والفتنة: البلاء، والتَّمْحيص (٤). (ز) ٢٣١٠٧ - عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾، قال: حسِبوا ألا يُبْتَلوا (٥). (٥/ ٣٩٠) ٢٣١٠٨ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، يعني: اليهود حسبوا ألا يكون شرك، ولا يُبتلوا، ولا يعاقبوا بتكذيبهم الرسل، وبقتلهم الأنبياء: أن لا يبتلوا بالبلاء والشِّدَّة من قحط المطر (٦). (ز) ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ ٢٣١٠٩ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿فعموا وصموا﴾، قال: كُلَّما عرَض لهم بلاءٌ ابْتُلوا به هلَكوا فيه (٧). (٥/ ٣٩٠) ٢٣١١٠ - عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿فعموا وصموا﴾، قال: فعَمُوا عن الحقِّ، وصَمُّوا (٨). (٥/ ٣٩٠)

стр. 4912

٢٣١١١ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَعَمُوا﴾ عن الحق فلم يبصروه، ﴿وصَمُّوا﴾ عن الحق فلم يسمعوه (١). (ز) ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ ٢٣١١٢ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: تجاوز عنهم، فرفع عنهم البلاء، فلم يتوبوا بعد رفع البلاء، ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ من قتلهم الأنبياء، وتكذيبهم الرسل (٢). (ز) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ ٢٣١١٣ - عن محمد بن كعب القرظي، قال: لَمّا رَفَع اللهُ عيسى ابنَ مريم اجْتَمَع مِن علماءِ بني إسرائيل مائةُ رجل، فقال بعضُهم لبعض: أنتم كثيرٌ؛ نَتَخَوَّفُ الفُرْقةَ، أخْرِجوا عَشَرَةً. فأخرَجوا عَشَرَةً، ثم قالوا: أنتم كثيرٌ، أخرِجُوا عَشَرةً. فأخرَجوا عَشَرةً، ثم قالوا: أنتم كثيرٌ، أخرِجوا عَشَرةً. فأخرَجوا عَشَرةً، حتى بقِي عشرةٌ، فقالوا: أنتم كثيرٌ حتى الآن. فأخرَجوا ستةً، وبقِي أربعةٌ، فقال بعضُهم لبعضٍ: ما تقولون في عيسى؟ فقال رجلٌ منهم: أتَعْلَمون أنّ أحدًا يَعْلَمُ الغيبَ إلا الله؟ قالوا: لا. قال: أتَعْلَمون أن أحدًا يُحْيي الموتى إلا الله؟ قالوا: لا. قال: أتَعْلَمون أن أحدًا يُبْرِئُ الأكمهَ والأبرصَ إلا الله؟ قالوا: لا. فقال الرجل: هو الله، كان في الأرض ما بدا له، ثم صعِد إلى السماء حينَ بدا له. وقال الآخر: قد عرَفنا عيسى، وعرَفنا أُمَّه، هو ولدُه. وقال الآخر: لا أقولُ كما تقولان، أقولُ: بل جاءت به أمُّه مِن عمَلٍ غيرِ صالح. فقال الآخر: لا أقولُ كما تقولون، قد كان عيسى يُخْبِرُنا أنّه عبدُ اللهِ، ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، فنقولُ كما قال لنفسِه، لقد خَشِيتُ أن تكونوا قلتم قولًا عظيمًا. قال: فخرَجوا على الناس، فقالوا لرجلٍ منهم: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو الله، كان في الأرض ما بدا له، ثم صعِد إلى السماء حين بدا له.

стр. 4913

قال: فاتَّبَعه عُنُقٌ (١) مِن الناس، وهؤلاء على دين الملِك، وقالوا للآخر: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: بل جاءت به أمُّه مِن عمل غير صالح. فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، ثم خرَج الثالث، فقالوا: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو ولد الله. فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، وهؤلاء النَّسطوريةُ واليَعْقُوبيةُ، فخرج الرابعُ، فقالوا له: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو عبدُ الله، ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم. فاتَّبعَه عُنُقٌ مِن الناس. فقال محمد بن كعب: فكلٌّ قد ذكَر الله في القرآن: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ الآية. ثم قرأ: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ الآية [المائدة: ٧٣]. ثم قرأ: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾ [النساء: ١٥٦]. ثم قرأ: ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا﴾ إلى قوله: ﴿منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦]. قال محمد بن كعب: فهؤلاء أمةٌ مقتصدةٌ؛ الذين قالوا: عيسى عبدُ الله، وكلمتُه، ورُوحُه ألقاها إلى مريم (٢). (٥/ ٣٩٠) ٢٣١١٤ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ نزلت في نصارى نجران الماريعقوبيين، منهم: السيد، والعاقب، وغيرهما، قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، ﴿وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ يعني: وحِّدوا الله ربي وربكم، ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ فيقول: إن الله هو المسيح ابن مريم، فيموت على الشرك ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ وما لِلظّالِمِينَ﴾ يعني: وما للمشركين ﴿مِن أنْصارٍ﴾ يعني: من مانع يمنعهم من النار (٣). (ز) آثار متعلقة بالآية: ٢٣١١٥ - عن عائشة، عن رسول الله ﷺ ، قال: «الدواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وديوان لا يَعْبَأُ الله به شيئًا، وديوان لا يدعه الله لشيء. فأما الديوان الذي لا يُغْفَر فإنّ الله لا يغفر أن يشرك به، وقال: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾» (٤). (ز)

стр. 4914

٢٣١١٦ - عن عقبة بن عامر الجهني: كنت مع رسول الله ﷺ في جيش، فسرَّحت ظهر أصحابي، فلمّا رجعت تلقاني أصحابي يبتدروني، فقالوا: بينا نحن عند رسول الله ﷺ أذَّن المؤذن، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «وجبت بهذا الجنة». ونظر بعضنا إلى بعض، قال: «لِمَن لقي الله يشهد أن لا إله إلا هو وحده، وأنّ محمدًا رسول الله ﷺ دخل الجنة». وهي عرض رسول الله ﷺ على أبي طالب أن يقول: «لا إله إلا الله وحده، وأنّ محمدًا رسول الله، أشفع لك بها». فأبى الله ذاك، وغلبت عليه شقوته. وقال أبو لهب (١): ملةَ الشيخ، يا ابن أخي. فقال الله: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. وهي التي قال الله: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهُمْ مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [النمل: ٨٩ - ٩٠]. ولا إله إلا الله كلمة الإخلاص، وهي الحسنة، والسيئة كلمة الإشراك، قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾. وكما حرم الإشراك على الجنة، فكذلك حرم الإخلاص على النار، وقال: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا * أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١]. فكما عد (٢) لهذا وأَنْكَرْنَهُ فرِحْنَ ورَضِينَ لِمَن قال: لا إله إلا الله وحده، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وهي رأس العبادة، ورأس الحكمة، ورأس الإيمان، ومفاتيح الجنة، والصراط المستقيم، وبها آمن أهل السماوات وأهل الأرض (٣). (ز)

стр. 4915

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ ٢٣١١٧ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾، قال: النصارى يقولون: إنّ الله ثالثُ ثلاثة. وكذبوا (١). (٥/ ٣٩٢) ٢٣١١٨ - عن مجاهد بن جبر -من طريق عبد الله بن كثير- قال: تفرَّقت بنو إسرائيل ثلاثَ فِرَق في عيسى؛ فقالت فرقةٌ: هو الله. وقالت فرقةٌ: هو ابنُ الله. وقالت فرقةٌ: هو عبدُ الله، ورُوحُه. وهي المقْتَصِدة، وهي مُسْلِمةُ أهل الكتاب (٢). (٥/ ٣٩٢) ٢٣١١٩ - قال قتادة بن دعامة: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾، قالوا: عيسى إله، وأمه إله، والله إله. قال الله: ﴿وما من إله إلا إله واحد﴾ (٣). (ز) ٢٣١٢٠ - عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾، قال: قالت النصارى: إنّ الله هو المسيح وأمُّه. فذلك قوله: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦] (٤) [٢١٤٢]. (٥/ ٣٩٣) ٢٣١٢١ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾، يعني: الملكانيين قالوا: الله، والمسيح، ومريم (٥). (ز) ٢٣١٢٢ - عن أبي صخر [حميد بن زياد]-من طريق الفضل- في قول الله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾، قال: هو قول اليهود: عزير ابن الله. وقول

стр. 4916

النصارى: المسيح ابن الله. فجعلوا الله ثالث ثلاثة (١) [٢١٤٣]. (ز) ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ ٢٣١٢٣ - قال مقاتل بن سليمان: يقول الله تكذيبًا لقولهم: ﴿وما مِن إلهٍ إلّا إلهٌ واحِدٌ وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ من الشرك ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ يعني: ليصيبن ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يعني: وجيع، والقتل بالسيف، والجزية على مَن بقي منهم عقوبة (٢). (ز) آثار متعلقة بالآية: ٢٣١٢٤ - عن أحمد بن أبي الحَوارِيِّ، قال: قال أبو سليمان الداراني: يا أحمد، واللهِ، ما حرَّك ألسنتَهم بقولِهم: ثالثُ ثلاثة. إلا هو، ولو شاء لأخرَسَ ألسنتَهم (٣). (٥/ ٣٩٣) ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ ٢٣١٢٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ﴾ يعني: أفهلا يتوبون إلى الله، ﴿ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ من الشرك، فإن فعلوا غفر لهم، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوبهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ (٤). (ز)

стр. 4917

﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ ٢٣١٢٦ - عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قوله: ﴿أنى يؤفكون﴾، قال: كيف يؤفكون؟! (١). (ز) ٢٣١٢٧ - عن أبي مالك غزوان الغفاري، مثل ذلك (٢). (ز) ٢٣١٢٨ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رسول قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ يعني: مؤمنة. كقوله سبحانه: ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نبيا﴾ [مريم: ٤١، ٥٦]، يعني: مؤمنًا نبيا، وذلك حين قال لها جبريل ﵇: ﴿إنَّما أنا رسول رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩]، وفي بطنك المسيح. فآمنت بجبريل ﵇، وصدّقت بالمسيح ابن مريم ﵇، ثم سُميت الصدِّيقة وهي يومئذ في محراب بيت المقدس. ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ فلو كانا إلهين ما أكلا الطعام، ﴿انْظُرْ﴾ يا محمد، ﴿كَيْفَ نبينُ لَهُمُ الآياتِ﴾ يعني: العلامات في أمر عيسى ومريم [أنهما] كانا يأكلان الطعام، والآلهة لا تأكل الطعام، ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ يعني: من أين يُكَذِّبون، فأعلِمهم أنِّي واحد (٣). (ز) ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ ٢٣١٢٩ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿ضرا ولا نفعا﴾، قال: ﴿ضرا﴾: ضلالة (٤). (ز) ٢٣١٣٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ﴾ لنصارى نجران: ﴿أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ

стр. 4918

اللَّهِ﴾ يعني: عيسى ﴿ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ في الدنيا، ﴿ولا نَفْعًا﴾ في الآخرة، ﴿واللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولهم: إن الله هو المسيح ابن مريم، وثالث ثلاثة، ﴿العَلِيمُ﴾ بمقالتهم (١) [٢١٤٤]. (ز) ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ نزول الآية: ٢٣١٣١ - عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: قد كان قائمٌ قام عليهم، فأخَذ بالكتاب والسنة زمانًا، فأتاه الشيطان، فقال: إنّما تَرْكَبُ أثرًا وأمْرًا قد عُمِل به قبلَك فلا تُحْمَدُ عليه، ولكن ابْتدِعْ أمرًا مِن قِبَلِ نفسِك، وادْعُ إليه، واجْبُرِ الناسَ عليه. ففعَل، ثم ادَّكر مِن بعدِ فعلِه زمانًا، فأراد أن يتُوبَ، فخلَع سلطانَه ومُلْكَه، وأراد أن يَتَعبَّد، فلبِث في عبادتِه أيامًا، فأُتي، فقيل له: لو أنك تُبْتَ مِن خطيئةٍ عَمِلْتَها فيما بينَك وبينَ ربِّك عسى أن يُتابَ عليك، ولكن ضَلَّ فلانٌ وفلانٌ في سبيلِك حتى فارَقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم؟! فلا توبةَ لك أبدًا. ففيه سمِعنا وفي أشباهِه هذه الآية: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل﴾ (٢). (٥/ ٣٩٤) ٢٣١٣٢ - قال مقاتل بن سليمان: نزلت في بَرْصِيصا (٣). (ز)

стр. 4919

تفسير الآية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ٢٣١٣٣ - عن قتادة بن دِعامة -من طريق خليد- في قوله: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾، يقول: لا تَبْتَدِعوا (١). (٥/ ٣٩٣) ٢٣١٣٤ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ يعني: نصارى نجران: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ عن دين الإسلام، فتقولوا ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ في عيسى ابن مريم (٢). (ز) ٢٣١٣٥ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق أصبغ بن الفرج- في قوله: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾، قال: الغلوُّ: فراقُ الحق. وكان مما غَلوا فيه أن دَعَوا لله صاحبةً وولدًا (٣). (٥/ ٣٩٣) ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ ٢٣١٣٦ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وضلوا عن سواء السبيل﴾، قال: يهود (٤). (٥/ ٣٩٤) ٢٣١٣٧ - عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا﴾ قال: فهم أولئك الذين ضَلُّوا وأضَلُّوا أتباعَهم، ﴿وضلوا عن سواء السبيل﴾: عن عدل السبيل (٥) [٢١٤٥]. (٥/ ٣٩٤)

стр. 4920

٢٣١٣٨ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا﴾ عن الهدى ﴿مِن قَبْلُ وأَضَلُّوا﴾ عن الهدى ﴿كَثِيرًا﴾ من الناس، ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ يعني: وأخطأوا عن قصد سبل الهدى (١). (ز) ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ ٢٣١٣٩ - عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أول ما دخلَ النقصُ على بني إسرائيل كان الرجلُ يَلْقى الرجلَ فيقولُ له: يا هذا، اتقِ اللهَ، ودَعْ ما تَصْنَعُ؛ فإنّه لا يَحِلُّ لك. ثم يَلْقاه من الغد، فلا يَمْنَعُه ذلك أن يكونَ أكيلَه وشريبَه وقعيدَه، فلمّا فعَلوا ذلك ضرَب الله قلوبَ بعضِهم ببعضٍ». ثم قال: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾ إلى قوله: ﴿فاسقون﴾. ثم قال: «كلا، واللهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، ولَتَأْخُذُنَّ على يَدَي الظالم، ولتأطِرُنَّه (٢) على الحقِّ أطْرًا» (٣) [٢١٤٦]. (٥/ ٣٩٥)

стр. 4921

٢٣١٤٠ - عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ بني إسرائيل لَمّا عمِلوا الخطيئةَ نهاهم علماؤُهم تعذيرًا (١)، ثم جالَسوهم وآكَلوهم وشارَبوهم، كأن لم يَعْمَلوا بالأمس خطيئةً! فلمّا رأى اللهُ ذلك منهم ضرَب بقلوبِ بعضهم على بعض، ولعَنهم على لسان نبي من الأنبياء». ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم﴾ حتى فرَغ من الآية. ثم قال: «لبئس ما كانوا يَصنعون». ثم قال رسول الله ﷺ : «واللهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، ولَتأطِرُنَّهم على الحقِّ أطْرًا، أو لَيَضرِبَنَّ الله بقلوب بعضكم على بعض، وليلعنَنَّكم كما لعَنهم» (٢). (٥/ ٣٩٦) ٢٣١٤١ - عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ ، قال: «إنّ مَن كان قبلَكم مِن بني إسرائيلَ إذا عمِل العاملُ فيهم الخطيئة فنَهاه النّاهِي تَعْذيرًا، فإذا كان مِن الغد جالَسَه وواكَلَه وشارَبَه، كأنه لم يَرَه على خطيئةٍ بالأمس! فلمّا رأى الله تعالى ذلك منهم ضرَب بقلوبِ بعضِهم على بعضٍ، ولعَنهم على لسان داود وعيسى بن مريم، ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. والذي نفسُ محمدٍ بيده، لَتأمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، ولتأخُذُنَّ على يد المسِيء، ولتَأْطِرُنَّه على الحقِّ أطْرًا، أو ليَضْرِبَنَّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ويَلْعَنكم كما لَعَنهم» (٣). (٥/ ٤٠٢) ٢٣١٤٢ - عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا العطاءَ ما كان عطاءً،

стр. 4922

فإذا كان رِشوةً عن دينكم فلا تأخُذوه، ولن تَتْرُكُوه، يَمْنَعُكم مِن ذلك الفقر والمخافة، إنّ بني مرحٍ قد جاءوا، وإن رَحى الإسلام ستدورُ، فحيثُما دارَ القرآنُ فدُوروا به، إنّه يوشِكُ السلطانُ والقرآنُ أن يَقْتَتِلا ويَتَفرَّقا، إنه سيكونُ عليكم ولاةٌ يحكُمون لكم بحكمٍ ولهم بغيره، فإن أطَعْتُموهم أضَلُّوكم، وإن عَصَيْتُموهم قَتَلوكم». قالوا: يا رسول الله، فكيف بنا إن أدْركنا ذلك؟ قال: «تكونوا كأصحاب عيسى؛ نُشِروا بالمناشير، ورُفِعوا على الخُشُب؛ مَوْتٌ في طاعةٍ خيرٌ من حياةٍ في معصية، إنّ أولَ ما كان نَقْصٌ في بني إسرائيل أنهم كانوا يأمُرون بالمعروف ويَنْهَونَ عن المنكر شِبْه التعذير، فكان أحدُهم إذا لَقِي صاحبَه الذي كان يَعِيبُ عليه آكَلَه وشارَبَه، كأنه لم يَعِبْ عليه شيئًا، فلَعَنهم الله على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. والذي نفسي بيده، لتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو لَيُسَلِّطَنَّ الله عليكم شرارَكم، ثم لَيَدْعُوَنَّ خِيارُكم فلا يُستجابُ لهم. والذي نفسي بيده، لتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهُنَّ عن المنكر، ولَتأخُذُنَّ على يد الظالم فلَتأطِرُنَّه عليه أطْرًا، أو ليَضْرِبَنَّ الله قلوبَ بعضكم ببعض» (١). (٥/ ٣٩٦) ٢٣١٤٣ - عن ابن أبْزى، عن أبيه، قال: خطَب رسول الله ﷺ ، فحَمِد الله، وأثنى عليه، وذكَر طوائفَ من المسلمين فأثنى عليهم خيرًا، ثم قال: «ما بالُ أقوامٍ لا يُعَلِّمون جيرانَهم، ولا يُفَقِّهونهم، ولا يُفَطِّنونهم، ولا يأمُرُونهم، ولا يَنْهَونهم؟! وما بالُ أقوامٍ لا يَتَعلَّمون مِن جيرانِهم، ولا يَتَفقَّهون، ولا يَتَفَطَّنون؟! والذي نفسي بيده، ليُعَلِّمُنَّ جيرانهم، ولَيُفقِّهُنَّهم، وليُفطِّنُنَّهم، وليأمُرُنَّهم، ولينهَوُنَّهم. وليتعَلمَنَّ قومٌ من جيرانِهم، وليَتَفَقَّهُنَّ، وليتَفَطَّنُنَّ، أو لأُعاجِلَنَّهم بالعقوبة في دار الدنيا». ثم نزَل فدخَل بيته، فقال أصحاب رسول الله ﷺ بينَهم: مَن يعني بهذا الكلام؟ قالوا: ما نعلم يعني بهذا الكلام إلا الأشْعريِّين، إنّ الأشْعريين فقهاءُ علماءُ، ولهم جيرانٌ مِن أهل المياه

стр. 4923

جُفاةٌ جَهَلةٌ. فاجتمَع جماعةٌ مِن الأشْعَريِّين، فدخلوا على النبي ﷺ ، فقالوا: ذكَرْتَ طوائفَ مِن المسلمين بخير، وذكَرْتَنا بشَرٍّ، فما بالُنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «لَتُعَلِّمُنَّ جيرانَكَم، ولَتُفَقِّهُنَّهم، ولتُفَطِّنُنَّهم، ولَتَأْمُرُنَّهم، ولَتَنْهَوُنَّهم، أو لأُعاجِلَنَّكم بالعقوبة في دار الدنيا». فقالوا: يا رسول الله، فأما إذن فأَمْهِلْنا سنةً، ففي سنةٍ ما نُعلِّمُهم ويتعلَّمون. فأَمْهَلهم سنةً، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون* كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ (١). (٥/ ٣٩٧) ٢٣١٤٤ - عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعًا: «قَتلَتْ بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبيا مِن أول النهار، فقام مائة واثنا عشر من عُبّادِهم، فأمروهم بالمعروف، ونَهَوْهم عن المنكر، فقُتِلوا جميعًا في آخر النهار، فهم الذين ذكَر الله: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل﴾» الآيات (٢). (٥/ ٤٠٠) ٢٣١٤٥ - عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾ يعني: في الزبور، ﴿وعيسى﴾ يعني: في الإنجيل (٣). (٥/ ٣٩٨) ٢٣١٤٦ - عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿لعن الذين كفروا﴾ الآية، قال: لُعِنوا بكلِّ لسانٍ؛ على عهد موسى في التوراة، ولُعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولُعنوا على عهد داود في الزبور، ولُعِنوا على عهد محمد ﷺ في القرآن (٤). (٥/ ٣٩٨)

стр. 4924

٢٣١٤٧ - عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جريج- قوله: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل﴾ بكل لسان؛ لُعِنوا على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على لسان محمد ﷺ في القرآن. = ٢٣١٤٨ - قال ابن جريج: وقال آخرون: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾، دعا عليهم داود على عهده، فلعنوا بدعوته. قال: مرَّ داود على نفر منهم وهم في بيت، فقال: مَن في البيت؟ قالوا: خنازير. قال: اللهم اجعلهم خنازير. فكانوا خنازير، ثم أصابتهم لعنته، ودعا عليهم عيسى، فقال: اللهم العن مَن افترى علَيَّ وعلى أمي، واجعلهم قردة خاسئين (١). (ز) ٢٣١٤٩ - عن أبي مالك الغفاري -من طريق حصين- في الآية، قال: لُعِنوا على لسان داود فجُعِلوا قِردةً، وعلى لسان عيسى فجُعِلوا خنازير (٢). (٥/ ٣٩٩) ٢٣١٥٠ - وعن مجاهد بن جبر -من طريق حصين- مثلَه (٣). (٥/ ٣٩٩) ٢٣١٥١ - عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في الآية، قال: لعَنهم الله على لسان داود في زمانِه فجعَلهم قردةً خاسئين، ولعَنهم في الإنجيل على لسان عيسى فجعلهم خنازير (٤) [٢١٤٧]. (٥/ ٣٩٩) ٢٣١٥٢ - عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾، قال: اجتنبوا المعصية والعدوان؛ فإنّ بهما هلك مَن هلك قبلكم من الناس (٥). (ز)

стр. 4925

٢٣١٥٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اليهود ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يعني: من سبط بني إسرائيل ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ ابن أنيشا، وذلك أنهم صادوا الحيتان يوم السبت، وكانوا قد نُهوا عن صيد الحيتان يوم السبت. قال داود: اللهُمَّ، إنّ عبادك قد خالفوا أمرك، وتركوا أمرك، فاجعلهم آية ومثلًا لخلقك. فمسخهم الله قردة، فهذه لعنة داود ﵇، ﴿وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وأما لعنة عيسى ﷺ فإنهم أكلوا المائدة، ثم كفروا، ورفعوا من المائدة، فقال عِيسى: اللهم، إنّك وعدتني أنّ مَن كفر منهم بعد ما يأكل من المائدة أن تُعذِّبه عذابًا لا تُعَذِّبه أحدًا من العالمين، اللهُمَّ، العنهم كما لعنت أصحاب السبت. فكانوا خمسة آلاف، فمسخهم الله خنازير، ليس فيهم امرأة ولا صبي، ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا﴾ في تَرْك أمره، ﴿وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ في دينهم (١). (ز) ٢٣١٥٤ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم﴾، قال: فقال: لعنوا في الإنجيل، وفي الزبور. وقال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ رحى الإيمان قد دارت، فدوروا مع القرآن حيث دار، فإنه قد فرغ الله مما افترض فيه، وإنّه كانت أمة من بني إسرائيل كانوا أهل عدل، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فأخذهم قومهم، فنشروهم بالمناشير، وصلبوهم على الخشب، وبقيت منهم بقية، فلم يرضوا حتى داخلوا الملوك، وجالسوهم، ثم لم يرضوا حتى واكلوهم، فضرب الله تلك القلوب بعضها ببعض، فجعلها واحدة». فذلك قول الله تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾ إلى: ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. ماذا كانت معصيتهم؟ قال: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون﴾ (٢). (ز) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ ٢٣١٥٥ - عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- ﴿لعن الذين كفروا﴾ الآية، قال: خالَطوهم بعدَ النَّهْي على تجاراتِهم، فضرَب الله قلوبَ بعضهم على

стр. 4926

بعض، وهم مَلْعُونون على لسان داود وعيسى ابن مريم (١). (٥/ ٣٩٩) ٢٣١٥٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ حين لَمْ ينهوهم عن المنكر (٢). (ز) ٢٣١٥٧ - عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجّاج- ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، قال: لا تتناهى أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر (٣). (ز) ٢٣١٥٨ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾، قال: ماذا كانت معصيتُهم؟ قال: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ (٤) [٢١٤٨]. (٥/ ٣٩٩) آثار متعلقة بالآية: ٢٣١٥٩ - عن حذيفة بن اليمان، أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو لَيُوشِكَنَّ الله أن يبعثَ عليكم عِقابًا مِن عنده، ثم لتَدْعُنَّه فلا يستجيب لكم» (٥). (٥/ ٤٠٠) ٢٣١٦٠ - عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن رأى منكم مُنكرًا فليُغَيِّره بيده، فإن لم يَسْتَطِعْ فبلسانه، فإن لم يَسْتَطِعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٦). (٥/ ٤٠١) ٢٣١٦١ - عن عائشة، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مُرُوا بالمعروف، وانْهَوْا عن المنكر قبلَ أن تَدْعُوا فلا يُسْتَجابُ لكم» (٧). (٥/ ٤٠١)

стр. 4927

٢٣١٦٢ - عن عَدِيِّ بن عُمَيرة، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله لا يُعَذِّبُ العامَّة بعمل الخاصة حتى يَرَوُا المنكرَ بين ظَهْرانَيْهم، وهم قادِرون على أن يُنكِروه فلا يُنكِروه، فإذا فعَلوا ذلك عَذَّب اللهُ الخاصَّةَ والعامَّةَ» (١). (٥/ ٤٠١) ٢٣١٦٣ - عن أبي سلمة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: «والَّذي نفسُ محمدٍ بيده، ليَخْرُجَنَّ مِن أُمتي أناسٌ مِن قبورهم في صورة القِرَدة والخنازير، داهَنُوا أهلَ المعاصي، سَكَتوا عن نَهْيِهم وهم يَسْتطيعون» (٢). (٥/ ٤٠١) ٢٣١٦٤ - عن عبد الله بن عباس، قال: قيل: يا رسول الله، أتَهْلِكُ القرية فيهم الصالحون؟ قال: «نعم». فقيل: لِمَ، يا رسول الله؟ قال: «بتَهاونِهم وسُكُوتِهم عن معاصي الله » (٣). (٥/ ٤٠٢) ٢٣١٦٥ - عن أبي عمرو بن حِماسٍ، أنّ ابن الزبير قال لكعب [الأحبار]: هل لله مِن علامة في العباد إذا سَخِط عليهم؟ قال: نعم، يُذِلُّهم، فلا يأمُرُون بالمعروف، ولا يَنْهَوْن عن المنكر، وفي القرآن: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل﴾ الآية (٤). (٥/ ٤٠٠)

стр. 4928

﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ ٢٣١٦٦ - عن حذيفة، عن النبي ﷺ ، قال: «يا معشرَ المسلمين، إيّاكم والزِّنا؛ فإنّ فيه سِتَّ خصال، ثلاثٌ في الدنيا وثلاثٌ في الآخرة: فأمّا التي في الدنيا فذهابُ البهاء، ودوامُ الفقر، وقِصَرُ العُمُر. وأما التي في الآخرة فسَخَطُ الله، وسُوءُ الحساب، والخلود في النار». ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون﴾ (١). (٥/ ٤٠٣) ٢٣١٦٧ - عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿لبئس ما قدمت لهم أنفسهم﴾، قال: ما أمَرَتْهم (٢). (٥/ ٤٠٣) ٢٣١٦٨ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: من قريش، ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أنْفُسُهُمْ﴾ لأنهم ليسوا بأصحاب كتاب ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفِي العَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾ (٣). (ز)

стр. 4929

﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ ٢٣١٦٩ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء﴾، قال: المنافقون (١). (٥/ ٤٠٣) ٢٣١٧٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَوْ كانُوا﴾ يعني: اليهود ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يعني: يُصَدِّقون بالله بأنّه واحد لا شريك له، ﴿و﴾ بـ ﴿النبي﴾ ﷺ ، ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِ﴾ من القرآن؛ ﴿ما اتَّخَذُوهُمْ أوْلِياءَ﴾ يقول: ما اتخذوا مشركي العرب أولياء، ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ من اليهود ﴿فاسِقُونَ﴾ يعني: عاصين (٢). (ز)

стр. 4930

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ٢٣١٧١ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ كان اليهود يعاونون مشركي العرب على قتال النبي ﷺ ، ويأمرونهم بالمسير إلى النبي ﷺ ، ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ يعني: مشركي العرب أيضًا، كانوا شديدي العداوة للنبي ﷺ وأصحابه ﵃ (١). (ز) آثار متعلقة بالآية: ٢٣١٧٢ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما خلا يهوديٌّ بمسلم إلا هَمَّ بقَتْلِه». وفي لفظ: «إلا حَدَّث نفسَه بقَتْلِه» (٢). (٥/ ٤٠٤) ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ نزول الآيتين ٢٣١٧٣ - عن سلمان قال: كنتُ يتيمًا مِن رامَهُرْمُزَ، وكان ابنُ دِهْقانِ رامَهُرْمُزَ يختلفُ إلى مُعلِّمٍ يُعَلِّمُه، فلَزِمتُه لأكونَ في كَنَفِه، وكان لي أخٌ أكبرُ مِنِّي، وكان مُسْتَغْنِيًا في نفسِه، وكنتُ غلامًا فقيرًا، فكان إذا قامَ مِن مجلسِه تَفَرَّقَ مَن يُحَفِّظُه،

стр. 4931

فإذا تَفرَّقوا خرَج فتَقَنَّع بثوبِه، ثم صَعِد الجبل، فكان يفعلُ ذلك غيرَ مَرَّةٍ مُتَنَكِّرًا. قال: فقلتُ: أما إنك تفعلُ كذا وكذا، فلِمَ لا تذهَبُ بي معك؟ قال: أنت غلامٌ، وأخافُ أن يظهرَ منك شيءٌ. قال: قلتُ: لا تَخَفْ. قال: فإنّ في هذا الجبل قومًا في بِرْطِيل (١)، لهم عبادةٌ وصلاحٌ، يَذْكُرون الله ، ويذكرون الآخرة، يزعُمون أنّا عَبَدة النِّيران، وعَبَدة الأوثان، وأنّا على غير دين. قلتُ: فاذهَبْ بي معك إليهم. قال: لا أقدِرُ على ذلك حتى أسْتَأْمِرَهم، وأنا أخافُ أن يظهرَ منك شيءٌ فيَعْلمَ أبي، فيَقْتُلَ القومَ، فيَجْرِيَ هَلاكُهم على يَدَيَّ. قال: قلتُ: لم يظهَرْ منِّي ذلك. فاسْتأمَرَهم، فقال: غلام عندي يتيم، فأُحِبُّ أن يأتِيَكم، ويسمعَ كلامَكم. قالوا: إن كنتَ تَثِقُ به. قال: أرجو ألا يجيءَ منه إلا ما أُحِبُّ. قالوا: فجئْ به. فقال لي: قد استأذَنتُ القومَ أن تَجِيءَ معي، فإذا كانت الساعة التي رأيتَني أخرجُ فيها فأْتِني، ولا يعلمُ بك أحدٌ، فإنّ أبي إن علِم قَتَلَهم. قال: فلما كانت الساعة التي يخرُجُ تَبِعْتُه، فصَعِد الجبل، فانتَهَينا إليهم، فإذا هم في بِرطِيلِهم -قال علي: وأُراه قال: هم ستةٌ أو سبعةٌ- قال: وكأنّ الروحَ قد خرَجت منهم مِن العبادة، يصومون النهار، ويقومون الليل، يأكلون الشجر وما وجَدوا، فقَعَدْنا إليهم، فأثْنى ابن الدِّهْقان عليَّ خيرًا، فتَكَلَّموا، فحَمِدوا الله، وأثْنَوا عليه، وذكَروا مَن مَضى مِن الرسل والأنبياء، حتى خَلَصوا إلى عيسى ابن مريم، قالوا: بعَثه الله، ووُلد بغير ذَكَر، بعَثه الله رسولًا، وسخَّر له ما كان يفعلُ مِن إحياء الموتى، وخَلْقِ الطير، وإبراء الأعمى والأبرص، فكفَر به قومٌ وتَبِعه قومٌ، وإنما كان عبدَ الله ورسولَه، ابْتَلى به خلقَه. قال: وقالوا قبلَ ذلك: يا غلامُ، إن لك ربًّا، وإن لك معادًا، وإن بينَ يَدَيْك جنةً ونارًا، إليها تَصِيرُ، وإن هؤلاء القومَ الذين يعبُدون النيران أهلُ كفرٍ وضلالة، لا يَرْضى الله بما يَصْنَعون، وليسوا على دين. فلما حَضَرت الساعةُ التي ينصرفُ فيها الغلام انصَرَف وانصَرَفْتُ معه، ثم غَدَوْنا إليهم، فقالوا مثلَ ذلك وأحسنَ، فلَزِمْتُهم، فقالوا: يا سلمان، إنك غلام، وإنك لا تستطيعُ أن تصنعَ كما نصنع، فكُلْ واشرَبْ، وصَلِّ ونَمْ. قال: فاطَّلَع الملك على صنيع ابنِه، فرَكِب الخيل حتى أتاهم في بِرْطِيلِهم، فقال: يا هؤلاء، قد جاوَرْتُموني فأحْسَنْتُ جوارَكم، ولم تَرَوْا مِنِّي سُوءًا، فعَمَدْتم إلى ابني فأفْسَدْتُموه عليَّ، قد أجَّلْتُكم ثلاثًا؛ فإن قَدَرْتُ عليكم بعدَ ثلاثٍ أحْرَقْتُ عليكم بِرْطِيلَكم هذا،

стр. 4932

فالحَقُوا ببلادكم، فإني أكرَهُ أن يكونَ مني إليكم سُوءٌ. قالوا: نعم، ما تَعَمَّدنا مَساءَتَك، ولا أرَدْنا إلا الخير. فكَفَّ ابنُه عن إتْيانِهم، فقلتُ له: اتَّقِ الله، فإنك تعرِفُ أن هذا الدينَ دينُ الله، وإن أباك ونحن على غير دين، إنما هم عَبَدةُ النيران لا يَعْرِفون الله، فلا تَبِعْ آخرِتَك بدُنْيا غيرِك. قال: يا سلمان، هو كما تقولُ، وإنما أتخلَّفُ عن القوم بُقْيا عليهم، إن اتَّبَعْتُ القوم يطلُبُني أبي في الخيل، وقد جَزِع مِن إتْياني إياهم حتى طَرَدَهم، وقد أعرِفُ أن الحقَّ في أيدِيهم. قلتُ: أنت أعلم. ثم لَقيتُ أخي فعَرَضْتُ عليه، فقال: أنا مُشْتغِلٌ بنفسي في طلب المعيشة. فأتَيتُهم في اليوم الذي أرادوا أن يَرتَحلِوا فيه، فقالوا: يا سلمان، قد كُنّا نَحْذَرُ، فكان ما رأيتَ، اتَّقِ الله، واعلمْ أن الدينَ ما أوْصَيناك به، وإن هؤلاء عبدةُ النيران، لا يَعْرِفون الله ولا يذكُرونه، فلا يَخْدَعَنَّك أحدٌ عن ذلك. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِكم. قالوا: إنك لا تَقْدِرُ على أن تكونَ معنا، نحن نصومُ النهار، ونقومُ الليل، ونأكُلُ الشجرَ وما أصَبْنا، وأنت لا تستطيعُ ذلك. قال: قلتُ: لا أُفارقُكم. قالوا: أنت أعلمُ، قد أعلمناك حالَنا، فإذا أبيْتَ فاطلبْ أحدًا يكونُ معك، واحمِلْ معك شيئًا تأكُلُه، فإنك لا تستطيعُ ما نستطيعُ نحن. قال: ففَعَلْتُ ولَقِيتُ أخي، فعَرَضْتُ عليه، فأبى، فأتَيتُهم فتَحَمَّلوا، فكانوا يَمْشون وأمشِي معهم، فرَزَقَنا الله السلامة حتى قدِمنا المَوْصِلَ، فأتَينا بِيعةً بالموْصِلِ، فلما دَخلوا حَفَوا بهم، وقالوا: أين كنتم؟ قالوا: كُنّا في بلادٍ لا يذكُرون الله، بها عبدةُ نيرانٍ فطَرَدُونا، فقَدِمْنا عليكم. فلما كان بعدُ قالوا: يا سلمان، إن هاهنا قومًا في هذه الجبال هم أهلُ دينٍ، وإنا نريدُ لقاءَهم، فكَنْ أنت هاهنا مع هؤلاء، فإنهم أهلُ دينٍ وسَتَرى منهم ما تحِبُّ. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِكم. قال: وأَوْصَوا بي أهلَ البيعة، فقال أهل دين البيعة: أقِمْ معنا، فانه لا يُعجزُك شيءٌ يسَعُنا. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِكم. فخرَجوا وأنا معهم، فأصْبَحنا بينَ جبال، فإذا صخرةٌ وماءٌ كثيرٌ في جِرارٍ وخبزٌ كثير، فقَعَدْنا عند الصخرة، فلما طَلَعَت الشمسُ خرَجوا مِن بين تلك الجبال، يخرُجُ رجلٌ رجلٌ مِن مكانِه، كأنّ الأرواحَ انتُزِعَت منهم، حتى كَثُروا، فرَحَّبوا بهم وحَفَوا، وقالوا: أين كنتُم، لم نَرَكم؟ قالوا: كُنّا في بلاد لا يذكرون اسم الله، فيها عَبَدةُ النيران، وكُنّا نعبُدُ الله فيها، فطَرَدونا. فقالوا: ما هذا الغلام؟ قالوا: فطَفِقوا يُثْنُونَ عليَّ، وقالوا: صَحِبَنا مِن تلك البلاد، فلم نَرَ منه إلا خيرًا. قال: فواللهِ، إنهم لكذا إذ طَلَع عليهم رجلٌ مِن كهف؛ رجلٌ طُوالٌ، فجاء حتى سَلَّم وجلَس، فَحفَوا به وعَظَّموه أصحابي الذين كنتُ معهم

стр. 4933

وأحْدَقوا به، فقال لهم: أين كنتُم؟ فأخبَروه، فقال: ما هذا الغلامُ معكم؟ فأثْنَوا عليَّ خيرًا، وأخبَروه باتِّباعي إياهم، ولم أرَ مِثْلَ إعْظامِهم إياه، فحَمِد الله، وأثْنى عليه، ثم ذكَر مَن أرسَل الله مِن رُسُلِه وأنبيائِه، وما لَقُوا، وما صُنِع بهم، حتى ذكَر مولدَ عيسى ابن مريم، وأنه وُلِد بغير ذَكر، فبعَثه اللهُ رسولًا، وأجرى على يدَيه إحياء الموتى، وإبراء الأعمى والأبرص، وأنه يخلُقُ مِن الطين كهيئة الطير فينفُخُ فيه فيكونُ طيرًا بإذن الله، وأنزَل عليه الإنجيل، وعلَّمه التوراة، وبعَثه رسولًا إلى بني إسرائيل، فكفَر به قومٌ، وآمَن به قوم، وذكَر بعضَ ما لَقِي عيسى ابن مريم، وأنه كان عبدًا أنعَم الله عليه، فشكَر ذلك له، ورَضِي عنه، حتى قَبَضه الله، وهو يَعِظُمهم ويقولُ: اتقوا الله، والزَموا ما جاء به عيسى، ولا تُخالِفوا فيُخالَفَ بكم. ثم قال: مَن أراد أن يأخُذَ مِن هذا شيئًا فليَأخُذ. فجعَل الرجلُ يقومُ فيأخُذُ الجَرَّةَ مِن الماء والطعام والشيء، فقام إليه أصحابي الذين جئتُ معهم، فسَلَّموا عليه، وعَظَّموه، فقال لهم: الزَموا هذا الدينَ، وإياكم أن تَفَرَّقُوا، واسْتَوصُوا بهذا الغلامِ خيرًا. وقال لي: يا غلام، هذا دينُ اللهِ الذي تسمعُني أقولُه، وما سِواه هو الكفر. قال: قلتُ: ما أُفارِقُك. قال: إنك لن تستطيعَ أن تكونَ معي، إني لا أخرُجُ من كَهْفي هذا إلا كلَّ يوم أحَد، لا تقدرُ على الكينونة معي. قال: وأقبَل على أصحابِه، فقالوا: يا غلام، إنك لا تستطيعُ أن تكونَ معه. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك. قال: يا غلام، فإني أُعْلِمُك الآنَ أني أدخُلُ هذا الكهف ولا أخرُجُ منه إلى الأحد الآخر، وأنت أعلم. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك. قال له أصحابُه: يا فلان، هذا غلامٌ ونخافُ عليه. قال: قال لي: أنت أعلم. قلتُ: إني لا أُفارِقُك. فبَكى أصحابي الأوَّلون الذين كنتُ معهم عندَ فراقِهم إيّاي، فقال: خُذْ مِن هذا الطعامِ ما تَرى أنه يَكْفِيك إلى الأحدِ الآخر، وخُذْ مِن هذا الماء ما تَكْتَفي به. ففعلتُ، وتفرَّقوا، وذهَب كلُّ إنسانٍ إلى مكانِه الذي يكونُ فيه، وتَبِعتُه حتى دخَل الكهف في الجبل، فقال: ضَعْ ما معك وكُلْ واشرَبْ. وقام يُصَلِّي، فقُمْتُ معه أُصلِّي. قال: فانْفَتَل إليَّ، وقال: إنك لا تستطيعُ هذا، ولكن صَلِّ ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ. ففعلتُ، فما رأيتُه نائمًا ولا طاعمًا إلا راكعًا وساجدًا إلى الأحد الآخر، فلما أصبحنا قال: خُذْ جَرَّتَك هذه، وانطلِق. فخرَجْتُ معه أتْبَعُه حتى انتَهَينا إلى الصخرة، وإذا هم قد خَرَجوا مِن تلك الجبال، واجْتَمعوا إلى الصخرة ينتظرون خُرُوجَه، فقعَدوا وجادَ في حديثه نحو المرة الأولى، فقال: الزَموا هذا الدينَ، ولا تَفَرَّقوا، واتقوا الله، واعلَموا أن عيسى ابن مريم كان عبد الله،

стр. 4934

أنعَم الله عليه. ثم ذكَرُوني فقالوا: يا فلان، كيف وجَدْتَ هذا الغلام؟ فأثْنى عليَّ، وقال خيرًا، فحَمِدوا الله، وإذا خبزٌ كثيرٌ وماء فأخذوا، وجعل الرجل يأخُذ بقَدْر ما يَكتَفي به، ففعلتُ، وتَفَرَّقوا في تلك الجبال، ورجَع إلى كهفه، ورجعتُ معه، فلَبِثَ ما شاء الله، يخرُجُ في كلِّ يوم أحد، ويخرُجون معه، ويُوصِيهم بما كان يُوصِيهم به، فخرَج في أحد، فلما اجتمعوا حمِد الله ووعظهم، وقال مثلَ ماكان يقولُ لهم، ثم قال لهم آخر ذلك: يا هؤلاء، إني قد كَبِرَ سِنِّي، ورَقَّ عظمي، واقترب أجلي، وإنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا وكذا، ولا بد لي من إتيانه، فاسْتَوصُوا بهذا الغلام خيرًا، وإني رأيتُه لا بأس به. فجَزِع القوم، فما رأيتُ مثلَ جَزَعِهم، وقالوا: يا أبا فلان، أنت كبير، وأنت وحدك، ولا نأمنُ أن يُصيبَك الشيء، ولسنا أحوجَ ما كُنا إليك. قال: لا تُراجِعوني، لا بد لي من إتيانه، ولكن اسْتَوصُوا بهذا الغلام خيرًا، وافعَلوا وافعَلوا. قال: قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك. قال: يا سلمان، قد رأيتَ حالي وماكنتُ عليه، وليس هذا كذلك، إنما أمْشِي، أصومُ النهار، وأقومُ الليل، ولا أستطيعُ أن أحمِلَ معي زادًا ولا غيره، ولا تقدِرُ على هذا. قال: قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك. قال: أنت أعلم. قالوا: يا أبا فلان، إنا نخافُ عليك وعلى هذا الغلام. قال: هو أعلم، قد أعْلَمتُه الحالة، وقد رأى ما كان قبل هذا. قلتُ: لا أُفارِقُك. قال: فبَكوا وودَّعوه، وقال لهم: اتقوا الله وكونوا على ما أوصيتُكم به، فإن أعِشْ فلعلي أرجعُ إليكم، وإن أمُتْ فإن الله حيٌّ لا يموت. فسَلَّم عليهم وخرَج وخرَجتُ معه، وقال لي: احمِلْ معك مِن هذا الخبز شيئًا تأكُلُه. فخرَج وخرَجتُ معه، يمشي وأَتبعُه يذكر الله، ولا يلتفتُ ولا يقفُ على شيء، حتى إذا أمسى قال: يا سلمان، صَلِّ أنت ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ. ثم قام هو يُصَلِّي، إلى أن انتَهى إلى بيت المقدس، وكان لا يرفعُ طَرْفَه إلى السماء إذا أمسى، حتى انتَهَينا إلى بيت المقدس، وإذا على الباب مُقْعَد، قال: يا عبد الله، قد ترى حالي، فتَصَدَّق عليَّ بشيء. فلم يَلْتفِتْ إليه، ودخَل المسجد ودخلتُ معه، فجعَل يَتَتبَّعُ أمكنة من المسجد يصلِّي فيها، ثم قال: يا سلمان، إني لم أنَمْ منذُ كذا وكذا، ولم أجِدْ طعمَ نوم، فإن أنت جعلتَ لي أن توقِظَني إذا بلَغ الظلُّ مكان كذا وكذا نمْتُ؛ فإني أحبُّ أن أنامَ في هذا المسجد، وإلا لم أنَمْ. قال: قلتُ: فإني أفعل. قال: فانظُر إذا بلَغ الظلُّ مكان كذا وكذا، فأيْقِظْني إذا غَلَبَتني عيني. فنامَ، فقلتُ في نفسي: هذا لم يَنَمْ منذ كذا وكذا، وقد رأيتُ بعضَ ذلك، لأَدَعَنَّه ينام حتى يَشْتَفي من النوم. وكان فيما يمشي وأنا معه،

стр. 4935

يُقْبِلُ عليَّ، فيَعِظُني ويُخبِرُني أن لي ربًّا، وأن بين يديَّ جنةً ونارًا وحسابًا، ويُعْلِمُني بذلك ويُذَكِّرُني نحوَ ما كان يذكِّرُ القوم يوم الأحد، حتى قال فيما يقول لي: يا سلمان، إن الله تعالى سوف يبعثُ رسولًا اسمه أحمد، يخرجُ بتِهامةَ -وكان رجلًا أعجميًّا لا يُحْسِنُ أن يقولَ: تِهامَةُ. ولا: محمد-، علامتُه أنه يأكلُ الهدية، ولا يأكُلُ الصدقة، بينَ كَتِفَيه خاتم، وهذا زمانُه الذي يخرجُ فيه قد تقارب، فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسَبُني أُدْرِكُه، فإن أدْرَكْتَه أنت فصدِّقْه واتَّبِعْه. قلتُ: وإن أمَرَني بترك دينك وما أنت عليه؟ قال: وإن أمَرك، فإن الحق فيما يَجِيءُ به، ورضا الرحمن فيما قال. فلم يَمْضِ إلا يسير حتى استيقظ فزعًا يذكُرُ الله، فقال: يا سلمان، مضى الفَيْءُ من هذا المكان ولم أذكُرِ الله، أين ما جعلتَ لي على نفسك؟ قال: قلتُ: أخْبَرتَني أنك لم تَنَم منذُ كذا وكذا، وقد رأيتُ بعض ذلك، فأحْبَبْتُ أن تَشْتَفيَ من النوم. فحمِد الله، وقام فخرَج فتَبِعْتُه، فقال المُقْعَدُ: يا عبدَ الله، دخَلتَ فسألتُك فلم تُعْطِني، وخرَجْتَ فسألتُك فلم تُعْطِني. فقام ينظُرُ هل يَرى أحدًا، فلم يَرَه، فدَنا منه فقال: ناوِلْني يدَك. فناوَلَه، فقال: قُمْ باسم الله. فقامَ كأنه نَشِط من عِقال، صحيحًا لا عيبَ فيه، فخلّى عن يدِه، فانطَلَق ذاهبًا، وكان لا يَلْوِي على أحد، ولا يقومُ عليه، فقال لي المُقْعَدُ: يا غلام، احمِلْ عليَّ ثيابي حتى أنْطِلقَ وأُبشِّرَ أهلي. فحمَلْتُ عليه ثيابَه، وانطلَق لا يَلْوي عليَّ، فخرَجْتُ في إثْره أطْلُبُه، وكلما سألتُ عنه قالوا: أمامك. حتى لَقِيني الركبُ من كَلْب، فسألتُهم، فلما سَمِعوا لُغَتِي أناخ رجل منهم بعيره، فحمَلني فجعلني خلفه حتى أتَوا بي بلادهم. قال: فباعوني، فاشترتني امرأة من الأنصار، فجعلتني في حائط لها، وقدِم رسول الله ﷺ فأُخْبِرتُ به، فأخَذْتُ شيئًا من تمر حائطي، فجعلتُه على شيء، ثم أتَيتُه فوَجدتُ عنده أُناسًا، وإذا أبو بكر أقربُ القوم منه، فوضَعْتُه بينَ يديه، فقال: «ما هذا؟». قلتُ: صدقة. فقال للقوم: «كُلُوا». ولم يأكُل هو، ثم لَبِثتُ ما شاء الله، ثم أخذتُ مثل ذلك، فجعَلتُه على شيء، ثم أتَيتُه، فوَجدتُ عنده أُناسًا، وإذا أبو بكر أقربُ القوم منه، فوَضَعتُه بين يديه، فقال: «ما هذا؟». قلتُ: هدية. قال: «باسم الله». فأكَل وأكَل القوم. قال: قلتُ في نفسي: هذه من آياته، كان صاحبي رجلًا أعجميًّا لم يُحْسِنْ أن يقولَ: تهامةُ، قال: تِهْمةُ. وقال: أحمد. فدُرْتُ خلفَه، ففَطِن لي فأَرخى ثوبه، فإذا الخاتم في ناحية كتفِه الأيسر، فتَبَيَّنْتُه، ثم دُرْتُ حتى جَلَسْتُ بين يديه، فقلتُ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. قال: «مَن أنت؟». قلتُ: مملوك. فحدَّثْتُه بحديثي

стр. 4936

وحديث الرجل الذي كنتُ معه، وما أمرني به، قال: «لمَن أنت؟». قلتُ: لامرأة من الأنصار، جعلتني في حائط لها. قال: «يا أبا بكر». قال: لبَّيك. قال: «اشْتَرِه». قال: فاشتراني أبو بكر، فأعتقني، فلبثتُ ما شاء الله أن ألبث، ثم أتيتُه فسَلَّمتُ عليه، وقعدتُ بين يديه، فقلتُ: يا رسول الله، ما تقولُ في دين النصارى؟ قال: «لا خير فيهم ولا في دينهم». فدَخَلني أمر عظيم، فقلتُ في نفسي: هذا الذي كنتُ معه، ورأيتُ منه ما رأيتُ، أخذ بيد المقْعَد فأقامَه الله على يديه، لا خير في هؤلاء ولا في دينهم! فانصرفتُ وفي نفسي ما شاء الله، فأنزل الله بعدُ على النبيّ ﷺ : ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ إلى آخر الآية. فقال النَّبِيّ ﷺ : «عليَّ بسلمان». فأتاني الرسول فدعاني وأنا خائف، فجئتُ حتى قعدتُ بين يديه، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ إلى آخر الآية. فقال: «يا سلمان، أولئك الذين كنتَ معهم وصاحبُك، لم يكونوا نصارى، إنما كانوا مسلمين». فقلتُ: يا رسول الله، فوالذي بعَثك بالحق، لقد أمرني باتِّباعك، فقلتُ له: وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه، فأتْركُه؟ قال: نعم، فاتركه، فإن الحق وما يحبُ الله فيما يأمرُك (١). (٥/ ٤١٠) ٢٣١٧٤ - عن سلمان في إسلامه، قال: لَمّا قَدِم النبي ﷺ المدينة صنَعتُ طعامًا، فجئتُ به، فقال: «ما هذا؟». قلتُ: صَدَقةٌ. فقال لأصحابِه: «كُلوا». ولم يأكُلْ، ثم إني رجَعْتُ حتى جَمَعتُ طعامًا، فأتَيتُه به، فقال: «ما هذا؟». قلتُ: هَدِيةٌ. فأكل، وقال لأصحابِه: «كُلُوا». قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن النصارى. قال: «لا خيرَ فيهم، ولا في مَن أحَبَّهم». فقُمْتُ وأنا مُثْقَلٌ؛ فأنزَل الله: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود﴾ حتى بلغ: ﴿تفيض من الدمع﴾. فأرسَل إليَّ رسول الله ﷺ ، فقال

стр. 4937

لي: «يا سلمان، إن أصحابَك هؤلاء الذين ذكَر الله» (١). (٥/ ٤٠٩) ٢٣١٧٥ - عن سلمان -من طريق جاثمة بن رِئاب- أنّه سُئل عن قولِه: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾. قال: الرُّهْبانُ الذين في الصوامع، نزلت على رسول الله ﷺ : (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنهُمْ صِدِّيقِينَ ورُهْبانًا) (٢). ولفظ البزار: دعِ القسِّيسين، أقْرَأني رسول الله ﷺ : (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنهُمْ صِدِّيقِينَ). ولفظ الحكيم الترمذي: قرَأتُ على النبي ﷺ : ﴿ذلك بأن منهم قسيسين﴾، فأقْرَأني: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنهُمْ صِدِّيقِينَ) (٣). (٥/ ٤٠٩) ٢٣١٧٦ - عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: كان رسول الله ﷺ وهو بمكةَ يخافُ على أصحابِه مِن المشركين، فبعَث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهطٍ مِن أصحابِه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ المشركين بعَثوا عمرَو بن العاصي في رهطٍ منهم، ذكَروا أنهم سَبَقوا أصحابَ النبي ﷺ إلى النجاشي، فقالوا: إنه قد خرَج فينا رجلٌ سَفَّه عقولَ قريشٍ وأحلامَها، زعَم أنه نبي، وإنّه بَعَث إليك رهطًا ليُفْسِدوا عليك قومَك، فأحْبَبْنا أن نَأْتِيَك ونُخْبِرَك خبرَهم. قال: إن جاءُوني نظَرتُ فيما يقولون. فلمّا قَدِم أصحابُ رسول الله ﷺ ، فأتَوا إلى باب النجاشي فقالوا: استأذِنْ لأولياءِ الله. فقال: ائْذَنْ لهم، فمرحبًا بأولياء الله. فلما دخَلوا عليه سَلَّموا، فقال الرهط مِن المشركين: ألم تَرَ أيُّها الملك أنّا صَدَقْناك، وأنهم لم يُحَيُّوك بتحيتِك التي تُحَيّا بها. فقال لهم: ما يَمْنَعُكم أن تُحَيُّوني بتَحِيَّتي؟ قالوا: إنا حَيَّيْناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال لهم: ما يقولُ صاحِبُكم في عيسى وأمِّه؟ قالوا: يقولُ: عبدُ اللهِ ورسوله، وكلمةٌ مِن الله، وروحٌ منه، ألْقاها إلى مريم. ويقولُ في مريم: إنها العذراءُ الطَّيِّبةُ البَتُول. قال: فأخَذ عودًا مِن الأرض، فقال: ما زادَ عيسى وأمُّه على ما قال صاحِبُكم هذا العودَ. فكَرِه المشركون قولَه، وتَغَيَّر له وُجُوهُهم، فقال: هل تَقْرءُون شيئًا مما أُنزِل

стр. 4938

عليكم؟ قالوا: نعم. قال: فاقْرءُوا. فقَرءُوا وحولَه القِسِّيسون والرُّهْبانُ وسائرُ النصارى، فجعَلت طائفةٌ مِن القِسِّيسين والرُّهْبانِ كلَّما قَرءُوا آيةً انحَدَرَت دموعُهم مما عرَفوا مِن الحقِّ، قال الله: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ (١) [٢١٤٩]. (٥/ ٤٠٨) ٢٣١٧٧ - عن عبد الله بن عباس -من طريق حصين، عمَّن حدَّثه- في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنهُمْ قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾، قال: كانوا نَواتِيَّ في البحر -يعني: ملّاحين-. قال: فمر بهم عيسى ابن مريم، فدعاهم إلى الإسلام، فأجابوه. قال: فذلك قوله: ﴿قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ (٢). (ز) ٢٣١٧٨ - عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول﴾، قال: إنهم كانوا نوّاتين -يعني: مَلّاحِين- قدِموا مع جعفر بن أبي طالب من الحَبَش، فلما قرَأ عليهم رسول الله ﷺ القرآن آمَنوا، وفاضَت أعينُهم، فقال رسول الله ﷺ : «إذا رجَعْتُم إلى أرضِكم انتقَلْتم عن دينكم». فقالوا: لن نَنقَلِبَ عن دينِنا. فأنزَل الله ذلك مِن قولهم: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول﴾ (٣). (٥/ ٤٠٦)

стр. 4939

٢٣١٧٩ - عن عبد الله بن الزبير -من طريق عروة- قال: نزَلت هذه الآيةُ في النَّجاشي وأصحابِه: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾ (١). (٥/ ٤٠٥) ٢٣١٨٠ - عن عروة بن الزبير -من طريق هشام- قال: كانوا يَرون أن هذه الآية نزلَت في النجاشي: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾ (٢). (٥/ ٤٠٦) ٢٣١٨١ - عن سعيد بن المسيب = ٢٣١٨٢ - وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام = ٢٣١٨٣ - وعروة بن الزبير -من طريق ابن شهاب- قالوا: بعَث رسول الله ﷺ عمرَو بن أميةَ الضَّمْرِيَّ وكتَب معه كتابًا إلى النَّجاشي، فقَدِم على النجاشي، فقَرَأ كتابَ رسول الله ﷺ ، ثم دَعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسَل النجاشيُّ إلى الرُّهْبان والقِسِّيسينَ فجمَعهم، ثم أمرَ جعفرَ بن أبي طالب أن يَقْرَأَ عليهم القرآن، فقرَأ عليهم سورة مريم، فآمَنوا بالقرآن، وفاضَت أعينُهم مِن الدمع، وهم الذين أُنزِل فيهم: ﴿ولتجدن أقربهم مودة﴾ إلى قوله: ﴿من الشاهدين﴾ (٣). (٥/ ٤٠٥) ٢٣١٨٤ - عن سعيد بن جبير -من طريق سالم الأفطس- في قوله: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾، قال: هم رُسُلُ النجاشي الذين أرسَل بإسلامِه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلًا، اخْتارهم مِن قومِه، الخَيِّرَ فالخَيِّر، في الفقه والسِّنِّ -وفي لفظ: بعَث مِن خيار أصحابه إلى رسول الله ﷺ ثلاثين رجلًا- فلما أتَوا رسول الله ﷺ دخَلوا عليه، فقرَأ عليهم سورة يس، فبَكَوا حينَ سمِعوا القرآن، وعرَفوا أنه الحقُّ؛ فأنزَل الله فيهم: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾ الآية. ونزَلت هذه الآية فيهم أيضًا: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿أولئك يؤتون

стр. 4940

أجرهم مرتين بما صبروا﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] (١) [٢١٥٠]. (٥/ ٤٠٥) ٢٣١٨٥ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾، قال: هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابِه من أرض الحبشة (٢). (٥/ ٤٠٤) ٢٣١٨٦ - عن أبي صالح -من طريق عنبسة، عمَّن حدَّثه- في قوله: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾، قال: ستة وستون، أو سبعة وستون، أو اثنان وستون من الحبشة، كلهم صاحب صومعة، عليهم ثياب الصُّوف (٣). (ز) ٢٣١٨٧ - عن عطاء، ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾، قال: هم ناسٌ مِن الحبشة، آمَنوا إذ جاءَتْهم مُهاجِرةُ المؤمنين، فذلك لهم (٤). (٥/ ٤٠٤) ٢٣١٨٨ - قال عطاء: كانوا ثمانين رجلًا؛ أربعون من أهل نجران من بني الحارث بن
следующие страницы →