← Тафсир

Тафсир · id 639

موسوعة التفسير المأثور

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (16 717 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

مَن شئت، وخُذْ مِن أموالِنا ما شئتَ. فنزل القرآن على قول سعد: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ إلى قوله: ﴿ويقطع دابر الكافرين﴾. وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد غنيمةً مع أبي سفيان، فأحدَثَ الله إليه القتال (١). (٧/ ٢٧) ٣٠١٧١ - عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي-، قال: لَمّا شاوَر النبي ﷺ في لقاء العدو، وقال له سعد بن عُبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمَر الناس فتَعَبَّوْا للقتال، وأمَرهم بالشَّوْكَة، فكَرِه ذلك أهلُ الإيمان، فأنزل الله: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ إلى قوله: ﴿وهم ينظرون﴾ (٢). (٧/ ٢٨) ٣٠١٧٢ - عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق موسى بن عُقْبَة- = ٣٠١٧٣ - وموسى بن عقبة -من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة- قالا: ... نزل القرآن يُعَرِّفُهم الله نِعْمَتَه فيما كَرِهوا من خروج رسول الله ﷺ إلى بدر، فقال: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾، هذه الآية وثلاثَ آيات معها (٣). (٧/ ٢٩) ٣٠١٧٤ - قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ وذلك أن عِير كفار قريش جاءت من الشام تريد مكة، فيها أبو سفيان بن حرب، وعمرو بن العاص، وعمرو بن هشام، ومَخْرَمَةُ بن نَوْفَل الزُّهْرِي في العِير، فبلغهم أنّ رسول الله ﷺ يريدهم، فبعثوا عمرو بن ضَمْضَم الغِفارِيّ إلى مكة مُسْتَغِيثًا، فخرجت قريش، وبعث النبي ﷺ عَدِيَّ بن أبي الزَّغْباءِ عينًا على العِير ليعلم أمرهم، ونزل جبريل ﵇، فأخبر النبي ﷺ بعير أهل مكة، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «إن الله يعدكم إحدى الطائفتين: إما العير، وإما النصر والغنيمة، فما ترون؟» فأشاروا عليه: بل نسير إلى العِير. وكرهوا القتال، وقالوا: إنا لم نأخذ أُهْبَةَ (٤) القتال، وإنَّما نَفَرْنا إلى العير. ثم أعاد النبي ﷺ المشورة: فأشاروا عليه بالعير. فقال سعد بن عبادة

стр. 6302

الأنصاري: يا رسول الله، انظر أمرك فامْضِ له، فو الله لو سِرْت بنا إلى عَدَنٍ ما تخلف عنك رجل من الأنصار. ففرح النبي ﷺ ، حتى عُرِف السرور في وجهه. فقال المِقْداد بن الأسود الكِندِيّ: إنا معك. فضحك النبي ﷺ ، وقال لهم معروفًا. فأنزل الله : ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ للقتال، فلذلك ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ في أمر الغنيمة، فيها تقديم (١). (ز) ٣٠١٧٥ - عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: ثم ذكر القوم -يعني: أصحاب رسول الله ﷺ - ومسيرهم مع رسول الله ﷺ ، حين عرف القوم أن قريشًا قد سارت إليهم، وأنهم إنما خرجوا يريدون العير طمعًا في الغنيمة، فقال: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ إلى قوله: ﴿لكارهون﴾ (٢). (ز) تفسير الآية: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ ٣٠١٧٦ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾، قال: كذلك أخرجك ربُّك، إلى قوله: ﴿يجادلونك في الحق﴾، قال: القتال (٣). [٢٧٤٣] (٧/ ٢٨) ٣٠١٧٧ - عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق داود- ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ ... ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾

стр. 6303

الآية، أي: إنّ هذا خير لكم، كما كان إخراجك من بيتك بالحق خيرًا لك (١). (٧/ ٢٨) ٣٠١٧٨ - عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾، قال: خروج النبي ﷺ إلى بدر (٢). [٢٧٤٤] (٧/ ٢٨) ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ ٣٠١٧٩ - عن محمد بن عَبّاد بن جعفر -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾، قال: من المدينة إلى بدر (٣). (ز)

стр. 6304

٣٠١٨٠ - عن القاسم بن أبي بَزَّة -من طريق شِبْل-: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك﴾ المدينة إلى بدر (١). (ز) ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ ٣٠١٨١ - عن عبد الرحمن بن عوف -من طريق أبي سلمة- قال: نزَلَ الإسلام بالكُرْه والشِّدَّة، فوجَدْنا خيرَ الخير في الكُره؛ خرجنا مع النبي ﷺ من مكة، فأَسْكَنَنا سَبَخَةً (٢) بينَ ظَهْرانَي حَرَّةٍ (٣)، فجَعَل الله لنا في ذلك العُلا والظَّفَر، وخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى بدر على الحال التي ذكر الله: ﴿وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ إلى قوله: ﴿وهم ينظرون﴾، فجعل الله لنا في ذلك العُلا والظَّفر، فوجَدْنا خيرَ الخير في الكُرْه (٤). (٧/ ٢٨) ٣٠١٨٢ - عن عبد الله بن عباس = ٣٠١٨٣ - وعروة بن الزبير-من طريق الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان- قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلًا من الشام، ندب إليهم المسلمين، وقال: هذه عِير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعلَّ الله أن يُنَفِّلَكُمُوها. فانتدب الناس، فخَفَّ بعضهم، وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربًا (٥). (٧/ ٤٦) ٣٠١٨٤ - عن محمد بن شهاب الزهري -من طريق موسى بن عُقْبَة- = ٣٠١٨٥ - وموسى بن عُقْبَة -من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة- قالا: ... نزَل القرآن يُعَرِّفهم الله نعمتَه فيما كرِهوا من خروج رسول الله ﷺ إلى بدر، فقال: ﴿كما

стр. 6305

أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ ... (١). (٧/ ٢٩) ٣٠١٨٦ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط- في قوله: ﴿وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾، قال: لطلب المشركين (٢). (٧/ ٢٨) ٣٠١٨٧ - عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: ﴿لكارهون﴾، أي: كراهية للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذُكِروا لهم (٣). (ز) ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ ٣٠١٨٨ - عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قال: لَمّا شاوَر النبي ﷺ في لقاء العدو، وقال له سعد بن عُبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمَر الناس فتَعَبَّوْا للقتال، وأمَرهم بالشَّوكة، فكَرِه ذلك أهلُ الإيمان؛ فأنزل الله: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ إلى قوله: ﴿وهم ينظرون﴾ (٤). (٧/ ٢٨) ٣٠١٨٩ - عن الزُّهري، قال: كان رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ يُفَسِّر: ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ خروجَ رسول الله ﷺ إلى العير (٥). (٧/ ٢٩) ٣٠١٩٠ - قال الحسن البصري: ﴿وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق﴾، يعني: في القتال. ومعنى مجادلتهم: أنهم كانوا يريدون العِير، ورسول الله يريد ذات الشوكة (٦). (ز) ٣٠١٩١ - عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: ثم ذكر القوم -يعني: أصحاب رسول الله ﷺ - ومسيرهم مع رسول الله ﷺ ، حين عرف القوم أن قريشًا قد سارت إليهم، وأنهم إنما خرجوا يريدون العير طمعًا في الغنيمة، فقال: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ ... إلى قوله: ﴿لكارهون﴾ (٧). (ز)

стр. 6306

٣٠١٩٢ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾، قال: هؤلاء المشركون جادلوك في الحق، كأنما يساقون إلى الموت حين يُدْعَون إلى الإسلام، وهم ينظرون. قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مُبْتَدَأَة لأهل الكفر (١). [٢٧٤٥] (ز) ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ ٣٠١٩٣ - عن عبد الله بن عباس -من طريق الكَلْبِيِّ، عن أبي صالح-: أنّ معناه: يجادلونك في القتال بعد ما أُمِرْت به (٢). (ز) ٣٠١٩٤ - قال الحسن البصري: ﴿بعد ما تبين﴾، يقول لهم: بعد ما أخبرهم الله أنهم

стр. 6307

منصورون (١). (ز) ٣٠١٩٥ - عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين﴾ أنّك لا تصنعُ إلا ما أمَرك الله به (٢). (٧/ ٢٨) ٣٠١٩٦ - قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله، ﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٣). (ز) ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ ٣٠١٩٧ - عن عبد الله بن عباس -من طريق عَطِيَّة العَوْفِيّ- قال: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ إلى قوله: ﴿وهم ينظرون﴾، أي: كراهيةً للقاء المشركين (٤). (٧/ ٢٨) ٣٠١٩٨ - عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿كأنما يساقون إلى الموت﴾ حينَ قيل: هم المشركون (٥). (٧/ ٢٨) ٣٠١٩٩ - قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾، أي: كراهةً للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذُكِروا لهم (٦). (ز) ٣٠٢٠٠ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾، قال: هؤلاء المشركون جادلوك في الحق، كأنما يساقون إلى الموت حين يُدْعَوْن إلى الإسلام وهم ينظرون (٧). (ز) ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾ سياق قصة غزوة بدر ٣٠٢٠١ - عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿وإذ يعدكم الله

стр. 6308

إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾، قال: أرادوا العِير. قال: ودخل رسول الله ﷺ المدينة في شهر ربيع الأول، فأغار كُرْزُ بن جابر الفِهْرِيُّ يريد سَرْحَ (١) المدينة، حَتّى بلغ الصَّفْراء، فبلغ النبي ﷺ ، فركب في أثره، فسبقه كُرْزُ بن جابر، فرجع النبي ﷺ ، فأقام سَنَتَه. ثم إنّ أبا سفيان أقبل من الشام في عِيرٍ لقريش، حتى إذا كان قريبًا من بدر، نزل جبريل على النبي ﷺ ، فأوحى إليه: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾، فنَفَر النبي ﷺ بجميع المسلمين، وهم يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، منهم سبعون ومائتان من الأنصار، وسائرهم من المهاجرين. وبلغ أبا سفيان الخبر وهو بالبطم (٢)، فبعث إلى جميع قريش وهم بمكة، فنفرت قريش وغضبت (٣). (ز) ٣٠٢٠٢ - عن عبد الله بن عباس = ٣٠٢٠٣ - وعروة بن الزبير-من طريق الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان- قال: لما سَمِع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مُقْبِلًا من الشام، ندَب المسلمين إليهم، وقال: «هذه عِيرُ قريش، فيها أموالهم، فاخرُجوا إليها، لعلَّ الله يُنَفِّلُكموها». فانتدَب الناس، فخفَّ بعضُهم، وثقُلَ بعضُهم، وذلك أنهم لم يظُنُّوا أن رسول الله ﷺ يَلقى حربًا، وكان أبو سفيان حينَ دنا من الحجاز يَتَحَسَّسُ الأخبار، ويسألُ من لَقِيَ من الرُّكْبان؛ تخوُّفًا عن أمرِ الناس، حتى أصاب خبرًا من بعضِ الرُّكْبان أنّ محمدًا قد استنفَر لك أصحابَه. فحذِر عند ذلك، فاستأجَر ضَمْضَمَ بن عمرو الغِفاري، فبعَثه إلى مكة، وأمَره أن يأتيَ قريشًا، فيستنفِرَهم إلى أموالهم، ويخبرَهم أنّ محمدًا ﷺ قد عرَض لها في أصحابه، فخرج سريعًا إلى مكة، وخرج رسول الله ﷺ حتى بلغ واديًا يقال له: ذَفِرانُ. فأتاه الخبرُ عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عن عيرهم، فاستشار النبي ﷺ الناس، فقام أبو بكر فقال فأَحْسَن، ثم قام عمر فقال فأَحْسَن، ثم المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله، امضِ لما أمَرَك الله، فنحن معك، والله لا نقولُ لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:

стр. 6309

اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا، إنا هاهنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتِلا، إنا معكم مقاتلون، فوالذي بعَثك بالحقِّ، لئن سِرْتَ بنا إلى بَرْكِ الغِمادِ لجالَدْنا معك مَن دونَه حتى تبلُغه. فقال له رسول الله ﷺ خيرًا، ودعا له، وقال له سعد بن معاذ: لو استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخضْتَه لخضنا معَك ما تخلَّف منا رجلٌ واحد، وما نكرَهُ أن تلقى بنا عدوَّنا غدًا، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يُريك منّا ما تَقَرُّ به عينُك، فسِرْ بنا على بركة الله. فسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعدٍ، ونشَّطه ذلك، ثم قال: «سيروا، وأبشِروا، فإن الله قد وعَدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظرُ إلى مصارعِ القوم» (١). (٧/ ٤٦) ٣٠٢٠٤ - عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾، قال: أقبلَت عِيرُ أهل مكة من الشام، فبلَغ أهلَ المدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسول الله ﷺ يريدُ العِير، فبلغ أهلَ مكة ذلك، فأسرعوا السير إليها لكي لا يغلِبَ عليها رسول الله ﷺ وأصحابُه، فسبَقتِ العيرُ رسول الله ﷺ ، وكان الله وعَدَهم إحدى الطائفتين، وكانوا أن يلقَوُا العيرَ أحبَّ إليهم، وأيسرَ شوكة، وأخصرَ نفرًا، فلما سبقتِ العير وفاتتْ رسول الله ﷺ سار رسول الله ﷺ بالمسلمين يريدُ القوم، فكَرِه القومُ مسِيرَهم؛ لِشَوْكَة القوم، فنزل النبي ﷺ والمسلمون، بينَهم وبينَ الماء رَمْلَةٌ دِعْصَةٌ (٢)، فأصاب المسلمين ضعفٌ شديد، وألقى الشيطانُ في قلوبهم الغيظ، فوسوس بينَهم يوسوسُهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسولُه وقد غلَبَكم المشركون على الماء وأنتم تُصَلُّون مُجْنِبين؟! فأمْطَر الله عليهم مطرًا شديدًا، فشَرِب المسلمون وتَطَهَّروا، فأذهب الله عنهم رِجْزَ الشيطان، وأشفَّ (٣) الرملُ من إصابة المطر، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم، وأمدَّ الله نبيه ﷺ والمؤمنين بأَلْف من الملائكة، فكان جبريل في خمسِمائة من الملائكة مُجَنِّبةً (٤)، وميكائيلُ في خمسِمائة من الملائكة مُجَنِّبةً، وجاء إبليس في جندٍ

стр. 6310

من الشياطين معه رايتُه، في صورة رجال من بني مُدْلِجٍ، والشيطان في صورة سُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ، فقال الشيطان للمشركين: ﴿لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم﴾ [الأنفال: ٤٨]. فلما اصطَفَّ القوم قال أبو جهل: اللهم أوْلانا بالحقِّ فانصُرْه. ورفَع رسول الله ﷺ يدَيه فقال: «يا ربِّ، إن تَهْلِكْ هذه العِصابةُ في الأرض فلن تُعبَدَ في الأرض أبدًا». فقال له جبريل: خذْ قبضةً من التراب فارمِ به وجوههم. فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومَنخِرَيهِ وفمَه من تلك القبضة، فولَّوا مُدْبِرِين، وأقبَل جبريل إلى إبليس، فلما رآه -وكانت يده في يد رجل من المشركين- انتزَع إبليسُ يدَه، ثم ولّى مُدْبِرًا هو وشيعتُه، فقال الرجل: يا سراقة، أتزعُمُ أنّك لنا جارٌ؟! فقال: ﴿إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب﴾ [الأنفال: ٤٨]. فذلك حين رأى الملائكة (١). (٧/ ٤٧) ٣٠٢٠٥ - عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب-: أن أبا سفيان أقبل من الشام في عير قريش، وخرج المشركون مُغْوِثِينَ (٢) لعيرهم، وخرج النبي ﷺ يريد أبا سفيان وأصحابه، فأرسل رسول الله ﷺ رجلين من أصحابه عينًا طليعةً ينظران بأيِّ ماء هو، فانطلقا، حتى إذا علما علمه وأخبرا خبره جاءا سريعين، فأخبرا النبي ﷺ ، وجاء أبو سفيان فنزل على الماء الذي كان به الرجلان، فقال لأهل الماء: هل أحسستم أحدًا من أهل يثرب؟ قالوا: لا. قال: فهل مر بكم؟ قالوا: ما رأينا إلا رجلين من أهل كذا وكذا. قال أبو سفيان: فأين كان مُناخُهُما (٣)؟ فدلوه عليه، فانطلق حتى أتى بَعْرَ إبلهما، ففَتَّه، فإذا فيه نوًى، فقال: هذه نَواضِحُ (٤) أهل يثرب. فترك الطريق، وأخذ سِيف البحر، وجاء الرجلان، فأخبرا النبي ﷺ خبره، فقال: أيكم أخذ هذه الطريق؟ فقال أبو بكر: هم بماء كذا وكذا، ونحن بماء كذا وكذا، فيرتحل فينزل بماء كذا وكذا، وننزل نحن بماء كذا، ثم ينزل بماء كذا، وتنزل بماء كذا وكذا، ثم نلتقي بماء كذا وكذا، كأَنّا فَرَسا رِهان. فسار النبي ﷺ حتى نزل بدرًا، فوجد على ماء بدر بعض رقيق قريش ممن خرج يغيث أبا سفيان، فأخذهم

стр. 6311

أصحابه، فجعلوا يسائلونهم، فإذا صدقوهم ضربوهم، وإذا كذبوهم تركوهم، فمر بهم النبي ﷺ وهم يفعلون ذلك، فقال: «إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم؟». ثم دعا واحدًا منهم، فقال: «من يطعم القوم؟». فقال: فلان وفلان. فعَدَّد رجالًا، يطعمهم كل رجل يومًا، قال: «فكم يُنْحَر لهم؟». فقال: عشرة من الجُزُر. فقال النبي ﷺ : «الجَزُورُ بمائة، وهم ما بين الألف والتسعمائة». فلما جاء المشركون صافُّوهم، وكان النبي ﷺ قد استشار قبل ذلك في قتالهم، فقام أبو بكر يشير عليه، فأجلسه النبي ﷺ ، ثم استشارهم، فقام عمر يشير عليه، فأجلسه النبي ﷺ ، ثم استشارهم، فقام سعد بن عبادة، فقال: يا نبي الله، والله لكأنك تُعَرِّضُ بنا منذ اليوم لتعلَمَ ما في نفوسنا، والذي نفسي بيده لو ضربت أكبادها حتى تبلغ بَرْكَ الغِمادِ من ذي يَمَنٍ لكنا معك. فوَطَّنَ النبي ﷺ أصحابه على القتال والصبر، وسُرَّ بذلك منهم، فلما التَقَوْا سار في قريش عتبة بن ربيعة، فقال: أيْ قوم، أطيعوني اليوم، ولا تقاتلوا محمدًا وأصحابه، فإنكم إن قاتلتموه لم تزل بينكم إحْنَة ما بقيتم وفساد، لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه، وقاتل ابن عمه، فإن يكن مَلِكًا أكلتم في مُلْك أخيكم، وإن يك نبيًّا فأنتم أسعد الناس به، وإن يك كاذبًا كَفَتْكُمُوه ذُؤْبانُ العرب. فأبوا أن يسمعوا مقالته، وأبوا أن يطيعوا، فقال: أنشدكم الله في هذه الوجوه التي كأنها المصابيح أن تجعلوها أندادًا لهذه الوجوه التي كأنها عيون الحيات. فقال أبو جهل: لقد ملأت سَحَرَك (١) رعبًا. ثم سار في قريش، فقال: إن عتبة بن ربيعة إنما يشير عليكم بهذا؛ لأن ابنه مع محمد، ومحمد ابن عمه، فهو يكره أن يقتل ابنه وابن عمه. فغضب عتبة، وقال: أيْ مُصَفِّرُ اسْتِهِ (٢)، ستعلم أيُّنا أجبن وأَلْأَم وأقتل لقومه اليوم. ثم نزل، ونزل معه أخوه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد بن عتبة، فقال: أبْرِزُوا إلينا أكفاءنا. فقام ناس من الأنصار من بني الخزرج، فأجلسهم النبي ﷺ ، فقام علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فاختلف كل رجل منهم وقرينه ضربتين، فقتل كل رجل منهم صاحبه، وأعان حمزة عليًّا على قتل صاحبه فقتله، وقطعت رجل عبيدة، فمات بعد ذلك،

стр. 6312

وكان أول قتيل قتل يومئذ من المسلمين مِهْجَعٌ مولى عمر بن الخطاب، ثم أنزل الله نصره، وهزم عدوه، وقُتِل أبو جهل بن هشام، فأُخْبِرَ بقتله النبي ﷺ ، فقال: «أفعلتم؟». فقالوا: نعم، يا نبي الله. فسُرَّ بذلك، وقال: «إنّ عهدي به وفي ركبته حَوَرٌ، فاذهبوا فانظروا، هل ترون ذلك؟». فنظروا، فرأوه، وأُسِرَ يومئذ ناس من قريش، ثم أمر النبي ﷺ بالقتلى فجُرُّوا حتى ألقوا في القَلِيبِ (١)، ثم أشرف عليهم النبي ﷺ ، فقال: «أيْ عتبة بن ربيعة، أيْ أمية بن خلف» فجعل يسميهم رجلًا رجلًا «هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟». فقالوا: يا نبي الله، أوَيسمعون ما تقول؟ (٢). (ز) ٣٠٢٠٦ - عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق موسى بن عُقْبَة- = ٣٠٢٠٧ - وموسى بن عُقْبَة -من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عُقْبَة-، قالا: مكث رسول الله ﷺ بعد قَتْل ابن الحضْرمي شَهْرين، ثم أقبل أبو سفيان بن حرب في عِير لقريش من الشام، ومعه سبعون راكبًا من بطون قريش كلِّها، وفيهم مَخْرَمةُ بن نَوْفَل، وعمرُو بن العاصي، وكانوا تُجّارًا بالشام، ومعهم خزائن أهل مكة، ويقال: كانت عِيرُهم ألفَ بعير، ولم يكن لأحدٍ من قريش أُوقيَّةٌ فما فوقها إلا بعث بها مع أبي سفيان، إلا حُوَيطِبَ بن عبد العُزّى، فلذلك كان تخلَّفَ عن بدر فلم يشهده، فذُكِروا لرسول الله ﷺ وأصحابه، وقد كانت الحربُ بينهم قبل ذلك، وقتْلُ ابن الحضْرمي، وأَسْرُ الرجلين؛ عثمان والحكم، فلما ذُكِرت عِيرُ أبي سفيان لرسول الله ﷺ بعَث رسول الله ﷺ عَدِيَّ بن أبي الزَّغْباءِ الأنصاري من بني غَنْمٍ -وأصلُه من جُهَينة- وبَسْبَسًا -يعني: ابن عمرو- إلى العِير عَيْنًا له، فسارا حتى أتَيا حيًّا من جُهَيْنة قريبًا من ساحل البحر، فسألُوهم عن العِير وعن تجار قريش، فأخبَرُوهما بخبر القوم، فرجعا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبراه، فاستنفَرَ المسلمين للعير، وذلك في رمضان. وقدم أبو سفيان على الجُهَنِيِّين وهو مُتَخَوِّفٌ من رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: أحِسُّوا من محمد. فأخبَروه خبر الراكبين؛ عدي بن أبي الزَّغْباءِ وبَسبَسٍ، وأشاروا له إلى مُناخِهِما، فقال أبو سفيان: خُذوا من بَعْرِ بعيرِهما. ففَتَّه فوجَد فيه النَّوى، فقال: هذه علائفُ أهل يثرب، وهذه عيون محمدٍ وأصحابه. فسارُوا سِراعًا خائفين للطلب، وبعَثَ أبو سفيان رجلًا من بني غِفار -يقال له: ضَمْضمُ بن عمرو- إلى

стр. 6313

قريش: أن انفِرُوا، فاحمُوا عِيرَكم من محمد وأصحابه؛ فإنه قد استَنْفَر أصحابَه ليَعرِضُوا لنا. وكانت عاتكة بنتُ عبد المطلب ساكنةً بمكة، وهي عمة رسول الله ﷺ ، وكانت مع أخيها العباس بن عبد المطلب، فرأت رؤيا قبل بدر، وقبل قدوم ضَمْضَمٍ عليهم، ففزِعتْ منها، فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب من ليلتها، فجاءها العباس، فقالت: رأيتُ الليلة رُؤْيا قد أشفَقتُ منها، وخشِيتُ على قومِك منها الهَلَكة. قال: وماذا رأيتِ؟ قالت: لن أُحدِّثَك حتى تعاهِدَني أنك لا تذكُرُها؛ فإنهم إن سمِعوها آذَوْنا، وأسمعُونا ما لا نحبُّ. فعاهَدَها العباس، فقالت: رأيتُ راكبًا أقبَل من أعلى مكة على راحلته، يصيح بأعلى صوته: يا لَغُدُرُ، اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. فأقبَل يصيحُ حتى دخل المسجد على راحلتِه، فصاح ثلاث صيحات، ومال عليه الرجال والنساء والصبيان، وفزِعَ له الناس أشدَّ الفزع، قالت: ثم أُراهُ مَثَلَ على ظهر الكعبة على راحلتِه، فصاح ثلاث صيحات، فقال: يا لَغُدُرُ، ويا لَفُجَرُ، اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. ثم أُراهُ مَثَلَ على ظهر أبي قُبَيْسٍ (١) كذلك يقول: يا لَغُدُرُ، ويا لَفُجَرُ. حتى أسمَعَ مَن بينَ الأخْشَبَيْن (٢) من أهل مكة، ثم عمَدَ إلى صخرة فنزعها مِن أصلها، ثم أرْسَلَها على أهل مكة، فأقبلت الصخرة لها حسٌّ شديد، حتى إذا كانت عند أصل الجبل ارفَضَّت (٣)، فلا أعلمُ بمكة دارًا ولا بيتًا إلا وقد دخَلَتها فِلْقةٌ من تلك الصخرة، فقد خشيتُ على قومك. ففزِعَ العباس من رؤياها، ثم خرج من عندها فلَقِيَ الوليد بن عتبة بن ربيعة من آخر تلك الليلة، وكان الوليد خليلًا للعباس، فقصَّ عليه رؤيا عاتكة، وأمره ألا يذكُرها لأحد، فذكَرَها الوليد لأبيه عتبة، وذكَرَها عتبة لأخيه شيبة، فارتفَعَ الحديث حتى بلَغَ أبا جهل بن هشام، واستفاض في أهل مكة. فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت، فوجد في المسجد أبا جهل، وعتبة وشيبة ابنيْ ربيعة، وأميةَ وأُبَيًّا ابنيْ خَلَف، وزَمْعَةَ بن الأسود، وأبا البَخْتريّ في نفرٍ من قريش يتحدَّثون، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل: يا أبا الفضل، إذا قضيتَ طوافَك فهلُمَّ إلينا. فلما قضى طوافه جاء فجلس إليهم، فقال له أبو جهل: ما

стр. 6314

رؤيا رأَتْها عاتكة؟ فقال: ما رأَتْ من شيء. فقال أبو جهل: أما رضِيتُم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتُمونا بكذب النساء؟ إنّا وإياكم كفَرَسَيْ رِهانٍ، فاسْتَبَقْنا المجدَ منذُ حين، فلما تحاكَّتِ الرُّكَبُ قلتُم: منّا نبيٌّ. فما بقِيَ إلا أن تقولوا: مِنّا نَبِيَّةٌ. فما أعلمُ في قريش أهل بيتٍ أكذبَ امرأة ولا رجلًا منكم. وآذاهُ أشدَّ الأذى، وقال أبو جهل: زعمتْ عاتكة أن الراكب قال: اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. فلو قد مضتْ هذه الثلاثُ تبيَّنتْ قريشٌ كذِبَكم، وكتَبْنا سِجِلًّا أنكم أكذَبُ أهل بيت في العرب رجلًا وامرأة، أما رضيتمُ يا بني قُصَيٍّ إن ذهَبتم بالحِجابة، والنَّدوة، والسِّقاية، واللواء، والرِّفادة، حتى جئتُمونا بنبيٍّ منكم؟! فقال العباس: هل أنتَ مُنتهٍ؟ فإنّ الكذبَ منك وفي أهل بيتك. فقال مَن حضَرَهما: ما كنتَ يا أبا الفضل جهولًا ولا خَرِقًا. ولقِيَ العباس من عاتكة فيما أفْشى عليها من رؤياها أذىً شديدًا. فلما كان مساءُ الليلة الثالثة من الليلة التي رأتْ عاتكة فيها الرؤيا، جاءَهم الراكب الذي بعَثَ أبو سفيان، وهو ضَمْضَمُ بن عمرو الغِفاري، فصاح وقال: يا آل غالب بن فِهْرٍ، انفِرُوا، فقد خرَجَ محمد وأهل يثرب يعترِضُون لأبي سفيان، فأحرِزُوا (١) عِيرَكم. ففَزِعتْ قريشٌ أشدَّ الفزع، وأشفقُوا مِن رؤيا عاتكة. وقال العباس: هذا زعمتم كذا، وكذَّبَ عاتكة. فنفرُوا على كلِّ صَعْبٍ وذَلول، وقال أبو جهل: أيظُنُّ محمدٌ أن يصيبَ مثلَ ما أصابَ بِنَخْلَةَ (٢)؟! سيعلمُ أنمنعُ عيرَنا أم لا. فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل، وساقُوا مائة فرس، ولم يَتْرُكوا كارهًا للخروج يظنُّون أنه في صَغْوِ (٣) محمدٍ وأصحابه، ولا مسلمًا يعلمُون إسلامَه، ولا أحدًا من بني هاشم -إلا مَن لا يتَّهمون- إلا أشْخَصُوه معهم، فكان مِمَّن أشْخَصُوا العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيلُ بن أبي طالب في آخرين. فهنالك يقول طالب بن أبي طالب: لاهُمَّ إمّا يخرُجَنَّ طالبْ بمِقْنَبٍ من هذه المقانِبْ (٤) في نفَرٍ مُقاتلٍ يُحاربْ

стр. 6315

وليكن المسلوبَ غيرَ السّالبْ والرّاجعَ المغْلوبَ غيرَ الغالبْ فسارُوا حتى نزَلُوا الجُحْفَة، نزلُوها عِشاءً يتزوَّدُون من الماء، وفيهم رجل من بني المطلب بن عبد مَناف، يقال له: جُهَيْمُ بن الصَّلت بن مَخْرَمة. فوَضَعَ جُهَيْمٌ رأسَه فأغْفى، ثم فزِع، فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقَفَ عَلَيَّ آنِفًا؟ فقالوا: لا، إنك مجنون. فقال: قد وقَفَ عَلَيَّ فارسٌ آنِفًا، فقال: قُتِل أبو جهل، وعُتبة، وشيبة، وزَمْعَة، وأبو البَخْتَرِيّ، وأُميَّةُ بن خلف. فعدَّ أشرافًا مِن كفار قريش، فقال له أصحابه: إنما لعِب بك الشيطان. ورُفِع حديثُ جُهَيمٍ إلى أبي جهل، فقال: قد جئتُم بكذِب بني المطلب مع كذب بني هاشم، سَتَرَوْنَ غدًا مَن يُقتَلُ. ثم ذُكرَ لرسول الله ﷺ عِيرُ قريش، جاءتْ من الشام وفيها أبو سفيان بن حرب، ومَخْرَمةُ بن نَوْفَل، وعمرو بن العاصي، وجماعةٌ مِن قريش، فخرَج إليهم رسول الله ﷺ ، فسلَك حينَ خرج إلى بدر على نَقْبِ (١) بني دينار، ورجَعَ حين رجَعَ من ثَنِيَّة الوَداع، فنَفَر رسول الله ﷺ حين نَفَرَ ومعه ثلاثُمائةٍ وستةَ عشرَ رجلًا -وفي رواية ابن فُلَيْح: ثلاثُمائةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا-، وأَبْطَأَ عنه كثير من أصحابه، وتَرَبَّصُوا، وكانت أولَ وقْعةٍ أعزَّ الله فيها الإسلام. فخرج في رمضان على رأس ثمانيةَ عشرَ شهرًا من مَقْدَمِه المدينة، ومعه المسلمون لا يُريدون إلا العِير، فسَلَك على نَقْبِ بني دينار، والمسلمون غيرُ مُقْوِين (٢) من الظَّهْر، إنما خرَجُوا على النَّواضِح (٣)، يعتقِبُ النفرُ منهم على البعير الواحد، وكان زَميلُ رسول الله ﷺ عَلِيَّ بن أبي طالب، ومَرْثَدَ بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوي حليفَ حمزة، فهم معه ليس معهم إلا بعيرٌ واحد، فسارُوا، حتى إذا كانوا بعِرْقِ الظُّبْيَة (٤) لَقِيَهم راكبٌ من قِبَلِ تِهامة، والمسلمون يسيرُون، فوافَقَه نفرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألُوه عن أبي سفيان، فقال: لا عِلمَ لي به. فلما يَئِسُوا مِن خبره قالوا له: سلِّم على النبي ﷺ . فقال: وفيكم رسول الله؟! قالوا: نعم. قال: أيُّكم هو؟ فأشاروا له إليه، فقال الأعرابي: أنتَ رسول الله كما تقول؟ قال: «نعم». قال: إن كنتَ رسول الله كما تزعُمُ فحدِّثني

стр. 6316

بما في بطن ناقتي هذه؟ فغضب رجل من الأنصار ثم من بني عبد الأشهل يقال له: سلمةُ بن سلامةَ بن وقْشٍ. فقال للأعرابي: وقَعْتَ على ناقتِك فحمَلتْ منك. فكَرِه رسول الله ﷺ ما قال سلمةُ حينَ سمِعَه أفْحَشَ، فأَعْرَضَ عنه، ثم سار رسول الله ﷺ لا يلقاه خبرٌ، ولا يعلمُ بنَفْرة قريش، فقال رسول الله ﷺ : «أشِيرُوا علينا في أمرنا ومسيرنا». فقال أبو بكر: يا رسول الله، أنا أعلمُ الناس بمسافة الأرض، أخْبَرنا عدي بن أبي الزَّغْباءِ أن العِيرَ كانت بوادِي كذا وكذا، فكأَنّا وإيّاهم فرسا رهانٍ إلى بدر. ثم قال: «أشيروا عَلَيَّ». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إنها قريشٌ وعِزُّها، واللهِ ما ذلَّت منذُ عزَّت، ولا آمنتْ منذ كفرت، والله لتُقاتِلَنَّك، فتأهَّبْ لذلك أُهْبَتَه، وأعِددْ له عُدَّتَه. فقال رسول الله ﷺ : «أشِيروا عَلَيَّ». فقال المِقْداد بن عمرو: إنا لا نقولُ لك كما قال أصحاب موسى: اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا، إنا هاهنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتِلا، إنّا معكم مُتَّبِعون. فقال رسول الله ﷺ : «أشِيروا عَلَيَّ». فلما رأى سعد بن معاذ كثرةَ استشارة النبي ﷺ أصحابَه، فيُشيرون، فيَرجِعُ إلى المشورة، ظنَّ سعدٌ أنه يستنطِقُ الأنصار شَفَقًا ألّا يَسْتَحْوِذُوا معه على ما يريدُ من أمره، فقال سعد بن معاذ: لعلك يا رسول الله تخشى ألا تكون الأنصار يريدون مواساتَك، ولا يرَوْنها حقًّا عليهم إلا بأن يرَوْا عدوًّا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم يا رسول الله، فاظْعَنْ حيث شئتَ، وخُذْ من أموالنا ما شِئْتَ، ثم أعْطِنا ما شئتَ، وما أخَذتَه منّا أحبُّ إلينا مما ترَكتَ، وما ائتمَرْتَ من أمر فأَمْرُنا بأمرِك فيه تَبَعٌ، فوالله لو سِرْتَ حتى تبلغَ البَرْكَ من غِمْدِ ذي يَمَنٍ لَسِرْنا معك. فلما قال ذلك سعد قال رسول الله ﷺ : «سيروا على اسم الله، فإني قد رأيتُ مَصارِعَ القوم». فعَمَد لبدرٍ. وخفَض أبو سفيان فلَصِقَ بساحل البحر، وكتب إلى قريش حين خالف مسيرَ رسول الله ﷺ ، ورأى أنه قد أحرَز ما معه، وأمرهم أن يرجعوا؛ فإنما خرَجتُم لتُحرِزوا رَكْبَكم فقد أُحرِزَ لكم. فلَقِيَهم هذا الخبر بالجُحْفَة، فقال أبو جهل: والله لا نرجعُ حتى نَقدَمَ بدرًا، فنُقيم بها، ونُطعِم مَن حَضَرَنا من العرب؛ فإنه لن يرانا أحدٌ فيُقاتلَنا. فكَرِه ذلك الأَخْنَسُ بن شَرِيقٍ، فأحبَّ أن يرجِعوا، وأشار عليهم بالرجعة، فأبَوْا وعَصَوْا، وأخَذَتهم حَمِيَّةُ الجاهلية، فلما يئِسَ الأخنسُ من رجوع قريش أكَبَّ على بني زُهْرةَ، فأطاعوه فرجَعوا، فلم يشهَد أحد منهم بدرًا، واغْتَبَطُوا برأي الأخنس، وتَبَرَّكوا به، فلم يزَلْ فيهم مُطاعًا حتى مات، وأرادَتْ بنو هاشم الرجوعَ

стр. 6317

فيمن رجَع، فاشتَدَّ عليهم أبو جهل، وقال: والله لا تُفارِقُنا هذه العصابة حتى نرجع. وسار رسول الله ﷺ حتى نزل أدنى شيء من بدر، ثم بعث عليَّ بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وبَسْبَسًا الأنصاري، في عصابةٍ من أصحابه، فقال لهم: «اندفِعوا إلى هذه الظِّرابَ (١)». وهي في ناحية بدر، «فإني أرجو أن تجدُوا الخبرَ عندَ القَلِيبِ الذي يلى الظِّرابَ». فانطَلَقوا متوشِّحِي السيوف، فوجدوا وارِدَ قريشٍ عند القَلِيبِ الذي ذكَر رسول الله ﷺ ، فأخَذوا غلامين؛ أحدُهما لبني الحجاج بن أسود، والآخرُ لأبي العاصي يقال له: أسلَم، وأفلَت أصحابُهما قِبَلَ قريش، فأقبَلوا بهما حتى أتَوا بهما رسول الله ﷺ وهو في مُعَرَّسِهِ (٢) دونَ الماء، فجعَلوا يسأَلون العَبدَينِ عن أبي سفيان وأصحابه، لا يرَوْن إلا أنهما لهم، فطَفِقا يُحدِّثانِهم عن قريش ومَن خرج منهم وعن رءُوسهم فيكذِّبونهما، وهم أكرَهُ شيء للذي يُخبرانِهم، وكانوا يطمَعون بأبي سفيان وأصحابِه ويكرَهون قريشًا، وكان رسول الله ﷺ قائمًا يصلِّي، يسمعُ ويرى الذي يصنعون بالعبدَيْن، فجعل العبدان إذا أذلَقُوهما (٣) بالضرب يقولان: نعم، هذا أبو سفيان. والرَّكبُ كما قال الله تعالى: ﴿أسفل منكم﴾. قال الله: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا﴾ [الأنفال: ٤٢]. قال: فطفِقوا إذا قال العبدان: هذه قريشٌ قد جاءَتْكم. كذَّبوهما، وإذا قالا: هذا أبو سفيان. ترَكوهما، فلما رأى رسول الله ﷺ صَنِيعَهم بهما سلَّم من صلاته، وقال: «ماذا أخبَراكم؟». قالوا: أخبرانا أن قريشًا قد جاءت. قال: «فإنهما قد صدَقا، والله إنكم لتضرِبونهما إذا صدَقا، وتترُكونهما إذا كذَبا، خرَجت قريش لتُحرِزَ رَكْبَها، وخافوكم عليهم». ثم دعا رسول الله ﷺ العبدَين، فسأَلهما، فأخبَراه بقريش، وقالا: لا عِلْمَ لنا بأبي سفيان. فسألهما رسول الله ﷺ : «كم القوم؟». قالا: لا ندري، والله هم كثير. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «مَن أطعَمَهم أمس؟». فَسَمَّيا رجلًا من القوم، قال: «كم نَحَر لهم؟». قالا: عشْرَ جزائرَ. قال: «فمن أطعمهم أولَ أمس؟». فسمَّيا رجلًا آخرَ من القوم، قال: «كم نَحَر لهم؟». قالا: تسعًا. فزعَموا أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 6318

«القومُ ما بينَ التسعِمائة والألف». يعتبرُ ذلك بتسع جزائرَ ينحَرونها يومًا، وعشرٍ ينحَرونها يومًا، فقام رسول الله ﷺ فقال: «أشيروا عليَّ في المنزل». فقام الحُبابُ بن المنذر، أحد بني سَلِمة، فقال: يا رسول الله، أنا عالمٌ بها وبقُلُبِها، إن رأيتَ أن تسيرَ إلى قَلِيبٍ منها قد عرَفتُها كثيرةَ الماء عذبة، فتنزِلَ إليها، وتَسْبِقَ القومَ إليها، وتُغَوِّرَ ما سِواها. فقال رسول الله ﷺ : «سِيروا، فإن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين أنها لكم». فوقع في قلوب ناس كثير الخوف، وكان فيهم شيء من تخاذل من تخويف الشيطان، فسار رسول الله ﷺ والمسلمون مُسابِقين إلى الماء، وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، فأنزل الله عليهم في تلك الليلة مطرًا واحدًا؛ فكان على المشركين بلاءً شديدًا منعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين دِيمةً (١) خفيفة، لَبَّد (٢) لهم المسيرَ والمَنزلَ، وكانت بَطْحاءُ (٣)، فسبَق المسلمون إلى الماء، فنزَلوا عليه شَطرَ الليل، فاقْتَحَم القوم في القليبِ فماحُوها (٤) حتى كثُر ماؤُها، وصنَعوا حوضًا عظيمًا، ثم غَوَّروا ما سواه من المياه، وقال رسول الله ﷺ : «هذه مَصارِعُهم -إن شاء الله- بالغداة». وأنزَل الله: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِّنْهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ ويُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ويُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدامَ» (٥). ثم صفَّ رسول الله ﷺ على الحِياضِ، فلما طلَع المشركون قال رسول الله ﷺ : «اللهمّ هذه قريش قد جاءت بِخُيَلائِها وفخرِها، تُحادُّك وتكذِّبُ رسولك، اللهمَّ إني أسألك ما وعَدتَني». ورسول الله ﷺ ممسكٌ بعَضُدِ أبي بكر، يقول: «اللهم إني أسألك ما وعَدتَني». فقال أبو بكر: أبشِرْ، فوالذي نفسي بيده، ليُنجِزَنَّ اللهُ لك ما وعَدَك. فاستنصَرَ المسلمون الله واستغاثوه، فاستجاب الله لنبيِّه وللمسلمين.

стр. 6319

وأقبل المشركون ومعهم إبليس في صورة سُراقةَ بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِيِّ يحدِّثُهم أن بني كِنانَةَ وراءهم قد أقبلوا لنصرهم، وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، لما أخبَرهم من مَسِير بني كِنانَةَ، وأنزل الله: ﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس﴾. هذه الآية والتي بعدها [الأنفال: ٤٧ - ٤٨]، وقال رجال من المشركين لَمّا رأوا قِلَّةَ مَن مع محمد ﷺ : غَرَّ هؤلاء دينُهم. فأنزل الله: ﴿ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾ [الأنفال: ٤٩]. وأقبل المشركون حتى نزلوا وتَعَبَّوْا للقتال، والشيطان معهم لا يُفارقُهم، فسعى حكيمُ بن حِزام إلى عُتْبَةَ بن رَبِيعَة، فقال له: هل لك أن تكون سيدَ قريش ما عِشْتَ؟ قال عتبة: فأفعلُ ماذا؟ قال: تُجِيرُ بينَ الناس (١)، وتَحْمِلُ (٢) دمَ ابن الحضرمي وبما أصاب محمدٌ من تلك العير، فإنهم لا يطلُبون من محمدٍ غيرَ هذه العير ودم هذا الرجل. قال عتبة: نعم، قد فعَلتُ، ونِعِمّا قلتَ ونِعمّا دَعَوتَ إليه، فاسعَ في عشيرتِك فأنا أتحمَّلُ بها. فسعى حكيمٌ في أشراف قريش بذلك يدعوهم إليه، وركِبَ عُتْبَة جملًا له، فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه، فقال: يا قومِ، أطيعوني، فإنكم لا تطلُبون عندهم غير دم ابن الحضرمي وما أصابوا من عِيرِكم تلك، وأنا أتحمَّلُ بوفاءِ ذلك، ودَعُوا هذا الرجل؛ فإن كان كاذبًا ولِيَ قتلَه غيرُكم من العرب، فإنّ فيهم رجالًا لكم فيهم قرابةٌ قَرِيبَةٌ، وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه، أو ابنه، أو ابن أخيه، أو ابن عمِّه، فيُوَرِّثُ ذلك فيهم إحَنًا وضَغائِن، وإن كان هذا الرجلُ مَلِكًا كنتم في مُلْكِ أخيكم، وإن كان نَبِيًّا لِمَ تَقتُلوا النبي فتُسَبُّوا به؟! ولن تَخْلُصُوا إليهم حتى يُصِيبوا أعدادَهم، ولا آمَنُ أن تكونَ لهم الدَّبْرَةُ (٣) عليكم. فحسده أبو جهل على مقالته، وأبى الله إلا أن يُنفِذَ أمره، وعَمَد أبو جهل إلى ابن الحَضْرَمِيّ، وهو أخو المقتول، فقال: هذا عتبةُ يُخَذِّلُ بين الناس، وقد تحمَّلَ بدِيَةِ أخيك يزعمُ أنك قابلُها، أفلا تَسْتَحْيُون من ذلك أن تَقْبَلوا الدِّيَة؟! فزعَموا أن النبي ﷺ قال وهو ينظر إلى عتبة: «إن يكن عند أحد من القوم خيرٌ فهو عند صاحب الجمل الأحمر، وإن يطيعوه يَرشُدوا». فلما حَرَّض أبو جهل

стр. 6320

قريشًا على القتال أمَر النساء يُعْوِلْنَ عَمْرًا، فقُمْن يَصِحْنَ: واعَمْراه، واعَمْراه. تحريضًا على القتال، فاجتمَعت قريشٌ على القتال، فقال عتبة لأبي جهل: ستَعلمُ اليوم أيّ الأمرين أرشد. وأخَذَت قريش مَصافَّ هذا القتال، وقالوا لعُمَير بن وهب: اركَبْ فاحْزُرْ لنا محمدًا وأصحابَه. فقعَد عُميرٌ على فرسِه، فأطاف برسول الله ﷺ وأصحابه، ثم رجع إلى المشركين، فقال: حَزَرْتُهم بثلاثمائة مقاتل، زادوا شيئًا أو نقَصوا شيئًا، وحزَرتُ سبعين بعيرًا أو نحوَ ذلك، لكن أنظِروني حتى أنظرَ هل لهم مَدَد أو كَمِين؟ فأطاف حولَهم، وبعَثوا خيلهم معه فأطافوا حولهم، ثم رجعوا فقالوا: لا مَدَدَ لهم ولا كَمِينَ، وإنما هم أكَلَةُ جَزُورٍ (١). وقالوا لعمير: حَرِّشْ بينَ القوم. فحمَل عُمَيرٌ على الصفِّ بمائةِ فارس، واضطجَع رسول الله ﷺ ، وقال لأصحابه: «لا تُقاتِلوا حتى أُوذِنَكم». وغَشِيَه نومٌ فغلبه، فلما نظر بعضُ القوم إلى بعض، جعل أبو بكر يقول: يا رسول الله، قد دنا القومُ ونالوا مِنّا. فاستيقظ رسول الله ﷺ ، وقد أراه الله إياهم في منامه قليلًا، وقلَّل المسلمين في أعين المشركين، حتى طَمِع بعضُ القوم في بعض، ولو أراه عددًا كثيرًا لفشِلوا وتنازَعوا في الأمر كما قال الله. وقام رسول الله ﷺ في الناس فوعَظهم، وأخبَرهم أن الله قد أوجَب الجنة لمن استُشهِد اليوم، فقام عُمَيْرُ بن الحُمامِ عن عجينٍ كان يعجنُه لأصحابه حين سمع قول النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن لي الجنة إن قُتِلتُ؟ قال: «نعم». فشَدَّ على أعداء الله مكانَه فاستُشهِد، وكان أولَ قتيلٍ قُتِل. ثم أقبَل الأسود بن عبد الأسد المخزومي يحلفُ بآلهته لَيَشْرَبَنَّ من الحوض الذي صنَع محمدٌ، ولَيَهْدِمَنَّه، فلما دنا من الحوض لَقِيَه حمزة بن عبد المطلب، فضَرَب رِجْلَه، فقطَعها، فأقبَل يحبو حتى وقَع في جَوْف الحوض، وأَتْبَعه حمزة حتى قتله، ثم نزل عتبة بن ربيعة عن جمله، ونادى: هل من مُبارِز؟ ولَحِقَه أخوه شيبة والوليد ابنُه، فنادَيا يسألان المُبارزة، فقام إليهم ثلاثةٌ من الأنصار، فاسْتَحْيا النبي ﷺ من ذلك، فناداهم: أن ارجِعوا إلى مَصافِّكم، ولْيَقُمْ إليهم بنو عمِّهم. فقام حمزة، وعلي بن أبي طالب، وعُبيدةُ بن الحارث بن المطلب؛ فقتَل حمزةُ عتبة، وقتَل عبيدةُ شيبة، وقتَل عليٌّ الوليد، وضرَب شيبةُ رِجْلَ عبيدة فقطَعها، فاستَنْقَذه حمزة وعلي، فحُمِل حتى تُوفِّيَ بالصَّفْراء (٢)، وعندَ ذلك نذَرت هند بنتُ عتبة لَتَأْكُلَنَّ من كَبِدِ حمزة إن قَدرت عليها، فكان قَتْلُ

стр. 6321

هؤلاء النفر قبل التقاءِ الجَمْعَين، وعَجَّ المسلمون إلى الله يسألونه النصر حين رأَوُا القتال قد نَشِبَ، ورفع رسول الله ﷺ يَدَيْه إلى الله يسأله ما وعَدَه، ويسأله النصر، ويقول: «اللهمَّ إن ظُهِر على هذه العصابة ظَهَر الشِّرْكُ، ولم يقُمْ لك دينٌ». وأبو بكر يقول: يا رسول الله، والذي نفسي بيده لَيَنصُرَنَّك الله، ولَيُبَيِّضَنَّ وجهَك. فأنزل الله من الملائكة جُندًا في أكْنافِ العدو، فقال رسول الله ﷺ : «قد أنزل الله نصره، ونزلت الملائكة، أبشِرْ يا أبا بكر، فإني قد رأيتُ جبريل مُعْتَجِرًا (١) يقود فرسًا بين السماء والأرض، فلما هبَط إلى الأرض جلس عليها، فتَغيَّب عني ساعة، ثم رأيتُ على شَفَتِه غُبارًا». وقال أبو جهل: اللهمَّ انصُرْ خيرَ الدِّينَيْن، اللهم ديننا القديم ودين محمد الحديث. ونكَص الشيطان على عَقِبَيه حين رأى الملائكة، وتَبَرَّأ من نُصرة أصحابه، وأخذ رسول الله ﷺ مِلءَ كفِّه من الحَصْباءِ (٢)، فرمى بها وجوهَ المشركين، فجعل الله تلك الحَصْباءَ عظيمًا شأنُها، لم تترُكْ من المشركين رجلًا إلا ملأَت عينيه، والملائكة يقتُلونهم ويأسِرونهم، ويجِدون النفرَ كلَّ رجلٍ منهم مُنكَبًّا على وجهه لا يدري أين يتوجَّهُ، يُعالِجُ التراب ينزِعُه من عينيه. ورجَعت قريش إلى مكة مُنهَزِمين مَغلوبين، وأذلَّ الله بوقعة بدر رقابَ المشركين والمنافقين، فلم يبقَ بالمدينة منافقٌ ولا يهوديٌّ إلا وهو خاضعٌ عنقُه لوقعة بدر، وكان ذلك يوم الفرقان، يوم فرَّق الله بين الشرك والإيمان، وقالت اليهود تيقُّنًا: إنه النبي الذي نجد نعته في التوراة، والله لا يرفعُ رايةً بعد اليوم إلا ظهرت. ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فدخل من ثَنِيَّةِ الوداع، ونزَل القرآن يُعَرِّفُهم الله نعمتَه فيما كرِهوا من خروج رسول الله ﷺ إلى بدر، فقال: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ هذه الآية وثلاثَ آيات معها، وقال فيما استجاب للرسول وللمؤمنين: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ الآية وأخرى معها، وأنزَل فيما غشِيَهم من النُّعاس: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ» الآية، ثم أخبَرهم بما أوحى إلى الملائكة من نصرِهم، فقال: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾ الآية والتي بعدها، وأنزَل في قتلِ المشركين والقبضةِ التي رمى بها رسول الله ﷺ : ﴿فلم تقتلوهم ولكن

стр. 6322

الله قتلهم﴾ الآية والتي بعدها [الأنفال: ١٧، ١٨]، وأنزل في استفتاحِهم: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ [الأنفال: ١٩]، ثم أنزل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله﴾ في سبعِ آيات منها [الأنفال: ٢٠ - ٢٦]، وأنزل في منازلهم: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى﴾ الآية والتي بعدها [الأنفال: ٤٢، ٤٣]، وأنزل فيما يَعِظُهم به: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾ الآية وثلاث آيات معها [الأنفال: ٤٥ - ٤٨]، وأنزل فيما تكلَّم به مَن رأى قِلَّة المسلمين: ﴿غر هؤلاء دينهم﴾ الآية [الأنفال: ٤٩]، وأنزل في قتلى المشركين ومَن اتَّبَعَهم: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة﴾ الآية وثمانَ آياتٍ معها [الأنفال: ٥٠ - ٥٨] (١). (٧/ ٢٩ - ٤٦) ٣٠٢٠٨ - عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: أنّ أبا سفيان أقبل في عِير من الشام فيها تجارة قريش، وهي اللَّطِيمة (٢)، فبلغ رسولَ الله ﷺ أنها قد أقبلت، فاستنفر الناس، فخرجوا معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، فبعث عينًا له من جُهَيْنَة حَلِيفًا للأنصار يدعى: ابن الأُرَيْقِطِ، فأتاه بخبر القوم. وبلغ أبا سفيان خروجُ محمد ﷺ ، فبعث إلى أهل مكة يستعينهم، فبعث رجلًا من بني غِفار يدعى ضَمْضَم بن عمرو، فخرج النبي ﷺ ولا يشعر بخروج قريش، فأخبره الله بخروجهم، فتخوف من الأنصار أن يخذلوه ويقولوا: إنا عاهدنا أن نمنعك إن أرادك أحد ببلدنا. فأقبل على أصحابه، فاستشارهم في طلب العير، فقال له أبو بكر?: إني قد سلكت هذا الطريق، فأنا أعلم به، وقد فارقهم الرجل بمكان كذا وكذا، فسكت النبي ﷺ ، ثم عاد فشاورهم، فجعلوا يشيرون عليه بالعِير. فلما أكثر المشورة تكلم سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، أراك تشاور أصحابك فيشيرون عليك، وتعود فتشاورهم، فكأنك لا ترضى ما يشيرون عليك، وكأنك تتخوف أن تتخلف عنك الأنصار، أنت رسول الله، وعليك أُنزِل الكتاب، وقد أمرك الله بالقتال، ووعدك النصر، والله لا يخلف الميعاد، امضِ لما أُمِرْت به، فوالذي بعثك بالحق لا يتخلف عنك رجل من الأنصار. ثم قام المِقْداد بن الأسود الكِندِيّ، فقال: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا

стр. 6323

قاعدون. ولكِنّا نقول: أقْدِم فقاتل، إنا معك مقاتلون. ففرح رسول الله ﷺ بذلك، وقال: «إنّ ربي وعدني القوم، وقد خرجوا، فسيروا إليهم». فساروا (١). (ز) تفسير الآية: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ ٣٠٢٠٩ - قال أبو أيوب الأنصاري -من طريق أبي عِمْران-: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾، قالوا: الشَّوْكة: القوم. وغير الشوكة: العِير. فلَمّا وعَدَنا الله إحدى الطائفتين: إما العير، وإما القوم، طابَتْ أنفسنا (٢). (ز) ٣٠٢١٠ - عن عروة بن الزبير -من طريق محمد بن جعفر بن الزبير- ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾، أي: الغنيمة، دون الحرب (٣). (ز) ٣٠٢١١ - عن عروة بن الزبير -من طريق هشام بن عروة-: أنّ أبا سفيان أقبل ومن معه من رُكْبان قريش مُقْبِلِين من الشّام، فسلكوا طريق الساحل، فلما سمع بهم النبي ﷺ ندب أصحابه، وحَدَّثَهم بما معهم من الأموال، وبِقِلَّة عددهم. فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيان والركب معه، لا يرونها إلا غنيمةً لهم، لا يظنون أن يكون كبيرُ قتال إذا رأوهم. وهي ما أنزل الله: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ (٤). (ز) ٣٠٢١٢ - عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾، قال: هي عِيرُ أبي سفيان، ودَّ أصحابُ محمد ﷺ أنّ العِيرَ كانت لهم، وأن القتالَ صُرِف عنهم (٥). (٧/ ٤٩) ٣٠٢١٣ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾، قال: الطائفتان: إحداهما أبو سفيان أقبَل بالعِيرِ من الشام، والطائفة الأخرى أبو جهل بن هشام معه نفرٌ من قريش، فكَرِه المسلمون الشَّوْكَة

стр. 6324

والقتال، وأَحَبُّوا أن يَلْتَقُوا العِير، وأراد الله ما أراد (١). (٧/ ٤٩) ٣٠٢١٤ - عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ أرادوا العير، والله يريد أن يحق الحق بكلماته (٢). (ز) ٣٠٢١٥ - عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾، قال: كان جبريل ﵇ قد نزل، فأخبره بمسير قريش وهي تريد عِيرها، ووعده إما العير، وإما قريشًا، وذلك كان ببدر، وأخذوا السُّقاة وسألوهم، فأخبروهم، فذلك قوله: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾. هم أهل مكة (٣). (ز) ٣٠٢١٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ العير، أو هزيمة المشركين وعسكرهم ﴿أنَّها لَكُمْ وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ يعني: العير ﴿تَكُونُ لَكُمْ ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ يقول: يحقق الإسلام بما أنزل إليك (٤) [٢٧٤٦]. (ز) ٣٠٢١٧ - عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾، أي: الغنيمة دون الحرب (٥). (ز) ٣٠٢١٨ - عن سفيان الثوري، في قول الله: ﴿إحدى الطائفتين أنها لكم﴾، قال: عِير أبي سفيان (٦). (ز) ٣٠٢١٩ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ إلى آخر الآية، خرج النبي ﷺ إلى

стр. 6325

بدر، وهم يريدون يعترضون عِيرًا لقريش. قال: وخرج الشيطان في صورة سُراقَةَ بنِ جُعْشُمٍ، حتى أتى أهل مكة، فاستغواهم، وقال: إن محمدًا وأصحابه قد عرضوا لعِيركم. وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، مَن مثلكم؟! وإني جار لكم أن تكونوا على ما يكره الله. فخرجوا، ونادَوا أن لا يتخلف مِنّا أحد إلا هدمنا داره واستبحناه، وأخذ رسول الله ﷺ وأصحابه بالرَّوْحاءِ (١) عَيْنًا للقوم، فأخبره بهم، فقال رسول الله ﷺ : إن الله قد وعدكم العِير أو القوم. فكانت العِير أحبَّ إلى القوم من القوم، كان القتال في الشَّوْكة، والعِير ليس فيها قتال، وذلك قول الله: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾، قال: الشوكة: القتال. وغير الشوكة: العير (٢). (ز) ٣٠٢٢٠ - عن يعقوب بن محمد، قال: حدثني غير واحد في قوله: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾: إن الشوكة قريش (٣). (ز) آثار متعلقة بالآية: ٣٠٢٢١ - عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرَغ من بدر: عليك العيرَ ليس دونَها شيء. فناداه العباس وهو أسيرٌ في وثاقِه: إنه لا يصلُحُ لك. قال: «ولِمَ؟». قال: لأن الله إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. قال: «صدقتَ» (٤). (٧/ ٥٠) ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾ ٣٠٢٢٢ - عن أبي مالك غَزْوان الغفاري -من طريق السدي- قوله: ﴿دابر﴾، يعني: أصل (٥). (ز) ٣٠٢٢٣ - عن قتادة بن دعامة: ﴿ويقطع دابر الكافرين﴾، أي: شَأْفَتَهم (٦). (٧/ ٥٠)

стр. 6326

٣٠٢٢٤ - قال صفوان بن سليم -من طريق محمد بن عمرو-: ﴿ويقطع دابر الكافرين﴾ فأوحى الله إليه القتال (١). (ز) ٣٠٢٢٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾، يقول: يحقق الإسلام بما أنزل إليك، ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ يعني: أصل الكافرين ببدر (٢). (ز) ٣٠٢٢٦ - عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴾، أي: الوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر (٣). (ز) ٣٠٢٢٧ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿ويريد الله أن يحق الحق بكلماته﴾: أن يقتل هؤلاء الذين أراد أن يقطع دابرهم، هذا خير لكم من العير (٤). (ز) ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ ٣٠٢٢٨ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون﴾: هم المشركون (٥). (ز) ٣٠٢٢٩ - عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون﴾: وهم المشركون (٦). (ز) ٣٠٢٣٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ يعني: الإسلام، ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ يعني: الشرك، يعني: عبادة الشيطان، ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ يعني: كفار مكة (٧). (ز) ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ نزول الآية: ٣٠٢٣١ - عن عبد الله بن عباس، قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يومُ بدر نظَر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، ونظر إلى المشركين

стр. 6327

فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل نبيُّ الله ﷺ القبلة، ثم مدَّ يديه، وجعل يهتِفُ برَبِّه: «اللهمَّ أنجِزْ لي ما وعدتَني، اللهمَّ إن تهلِكْ هذه العِصابة من أهل الإسلام لا تُعبَدْ في الأرض». فما زال يهتِفُ بربِّه مادًّا يدَيه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءَه فألقاه على مَنكِبَيْه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبيَّ الله، كَذاكَ (١) مناشدَتك ربَّك، فإنه سيُنجِزُ لك ما وعَدك. فأنزل الله تعالى: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾. فلما كان يومئذٍ والتقَوا هزَم الله المشركين، فقُتِل منهم سبعون رجلًا، وأُسِر منهم سبعون رجلًا، واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليًّا، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العمِّ والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخُذَ منهم الفدية، فيكونُ ما أخذنا منهم قوةً لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديَهم فيكونوا لنا عضُدًا. فقال رسول الله ﷺ : «ما ترى يا ابن الخطاب؟». قلتُ: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكِّنَني من فلانٍ -قريبٍ لعمر- فأضربَ عنقَه حتى يعلمَ الله أنه ليس في قلوبنا مودةٌ للمشركين، هؤلاء صناديدُهم وأئمتُهم وقادتُهم. فهَوِي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ، وأخَذ منهم الفداء. فلما كان من الغد قال عمر: فغدوتُ إلى النبي ﷺ ، فإذا هو قاعدٌ وأبو بكر وهما يبكيان، فقلتُ: يا رسول الله، أخبرْني ماذا يُبكيك أنت وصاحبَك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإن لم أجدْ بكاءً تباكيتُ لبكائِكما. قال النبي ﷺ : «الذي عرَض عليَّ أصحابُك من أخذِ الفداء، قد عُرض عَلَيَّ عذابُكم أدنى من هذه الشجرة» لِشَجرة قريبة. وأنزل الله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ إلى قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم﴾ [الأنفال: ٦٧، ٦٨] من الفِداءِ. ثم أحلَّ لهم الغنائم، فلما كان يومُ أحدٍ من العام المقبل عُوقبوا بما صنَعوا يومَ بدر من أخذِهم الفِداءَ، فقُتل منهم سبعون، وفرَّ أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ ، وكُسِرت رَباعِيَتُه، وهُشِّمت البَيْضَةُ (٢) على رأسِه، وسال الدَّم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ [آل عمران: ١٦٥] بأَخْذِكم الفداء. قال ابن عباس: بينما رجلٌ من المسلمين يشتدُّ في أثرِ رجلٍ من المشركين أمامَه إذ سمِع ضربةً بالسوط فوقَه، وصوتُ الفارس

стр. 6328

يقول: أقدِمْ حَيْزُومُ (١). إذ نظَر إلى المشرك أمامه فخرَّ مُسْتَلْقِيًا، فنظَر إليه فإذا هو قد خُطِمَ (٢) وشُقَّ وجهُه كضربةِ السوط، فاخضرَّ ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاريُّ فحدَّث ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «صدَقْتَ، ذاك من مَدَدِ السماء الثالثة». فقتَلوا يومئذٍ سبعين، وأسَرُوا سبعين (٣). (٧/ ٥٠ - ٥٣) ٣٠٢٣٢ - عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: قام النبي ﷺ ، فقال: «اللهم ربنا أنزلت علي الكتاب، وأمرتني بالقتال، ووعدتني بالنصر، ولا تخلف الميعاد». فأتاه جبريل ﵇، فأنزل الله: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ [آل عمران: ١٢٤، ١٢٥] (٤). (ز) ٣٠٢٣٣ - قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ وذلك أن النبي ﷺ لما رأى المشركين يوم بدر، وعلم أنه لا قوة له بهم إلا بالله؛ دعا ربه فقال: «اللهم إنك أمرتنى بالقتال، ووعدتني النصر، وإنك لا تخلف الميعاد». فاستجاب له ربه، فأنزل الله: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٥). (ز) تفسير الآية: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ٣٠٢٣٤ - عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: لَمّا اصْطَفَّ القوم قال أبو جهل: اللهم أوْلانا بالحق فانصره. ورفع رسول الله ﷺ يده، فقال: «يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا» (٦). (ز)

стр. 6329

٣٠٢٣٥ - عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: لما حضر القتال ورسول الله ﷺ رافعٌ يديه يسألُ الله النصر، ويقول: «اللهمَّ إن ظهَروا على هذه العصابة ظهَر الشرك، ولا يقومُ لك دينٌ». وأبو بكر يقول: والله لَينصُرَنَّك الله، ولَيُبَيِّضَنَّ وجهَك. فأنزَل الله ألفًا من الملائكة مُردفين عندَ أكنافِ العدو، وقال رسول الله ﷺ : «أبشِرْ يا أبا بكر، هذا جبريل مُعْتَجِرٌ بعِمامة صفراء، آخذٌ بعِنان فرسِه بين السماء والأرض، فلما نزَل إلى الأرض تغيَّب عني ساعةً، ثم طلَع على ثَناياهُ النَّقْعُ (١)، يقول: أتاك نصرُ الله إذ دعوتَه» (٢). (٧/ ٦٢) ٣٠٢٣٦ - عن زيد بن يُثَيْعٍ، قال: كان أبو بكر الصديق? مع رسول الله ﷺ في العريش، فجعل النبي ﷺ يدعو، يقول: «اللهم انصر هذه العصابة، فإنك إن لم تفعل لن تعبد في الأرض». قال: فقال أبو بكر: بعض مناشدتك، منجزك ما وعدك (٣). (ز) ٣٠٢٣٧ - عن أبي صالح -من طريق أبي حصين- قال: لما كان يوم بدر جعل النبي ﷺ يناشد ربه أشَدَّ النِّشْدَةِ، يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب?، فقال: يا رسول الله، بعضَ نشدتك، فوالله لَيَفِيَنَّ الله لك بما وعدك (٤). (ز) ٣٠٢٣٨ - عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: أقبل النبي ﷺ يدعو الله، ويستغيثه، ويستنصره، فأنزل الله عليه الملائكة (٥). (ز) ٣٠٢٣٩ - قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ وذلك أن النبي ﷺ لما رأى المشركين يوم بدر، وعلم أنه لا قوة له بهم إلا بالله؛ دعا ربه، فقال:

стр. 6330

«اللهم إنك أمرتنى بالقتال، ووعدتني النصر، وإنك لا تخلف الميعاد». فاستجاب له ربه، فأنزل الله: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ في النصر (١). (ز) ٣٠٢٤٠ - عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- قوله: ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾، قال: دعاء النبي ﷺ (٢). (ز) ٣٠٢٤١ - عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ أي: بدعائكم، حين نظروا إلى كثرة عدوهم وقلة عددهم، ﴿فاستجاب لكم﴾ بدعاء رسول الله ﷺ ، ودعائكم معه (٣). (ز) ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ ٣٠٢٤٢ - عن علي بن أبي طالب -من طريق محمد بن جبير- قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة عن مَيْمَنَة النبي ﷺ ، وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن مَيْسَرَة النبي ﷺ ، وأنا في الميسرة (٤) [٢٧٤٧]. (٧/ ٥٣) ٣٠٢٤٣ - عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة-: ... أمدَّ الله نبيَّه ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مُجَنِّبةً، وميكائيلُ في خمسمائة من الملائكة مُجَنِّبةً ... (٥). (٧/ ٤٧) ٣٠٢٤٤ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن كثير- قال: ما أُمِدَّ النبي ﷺ بأكثر من هذه الألف التي ذكر الله في الأنفال، وما ذَكَر الثلاثةَ آلاف أو الخمسة آلاف إلا بُشْرى، ثم أُمِدُّوا بالألف، ما أُمِدُّوا بأكثرَ منه (٦). (٧/ ٥٣)

стр. 6331

٣٠٢٤٥ - قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿فاسْتَجابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ يوم بدر ... ، فنزل جبريل ﵇ في ألف من الملائكة، فقام جبريل ﵇ فى خمسمائة ملك عن ميمنة الناس معهم أبو بكر، ونزل ميكائيل ﵇ فى خمسمائة على ميسرة الناس معهم عمر، في صور الرجال، عليهم البياض وعمائم البيض، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم، فقاتلت الملائكة يوم بدر، ولم يقاتلوا يوم الأحزاب، ولا يوم خيبر (١) [٢٧٤٨]. (ز) ﴿مُرْدِفِينَ (٩)﴾ قراءات: ٣٠٢٤٦ - عن عبد الله بن يزيد -من طريق إسحاق-: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، و «مُرْدَفِينَ»، و (مُرَدِّفِينَ) مُثقّل على معنى: مُرْتَدِفِينَ (٢). (ز) تفسير الآية: ٣٠٢٤٧ - عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- ﴿أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾، يقول: المزيد، كما تقول: ائت الرجل فزده كذا وكذا (٣). (٧/ ٥٤) ٣٠٢٤٨ - عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي ظَبْيانَ- في قوله: ﴿مردفين﴾،

стр. 6332

قال: وراء كلِّ ملَكٍ ملَكٌ (١) [٢٧٤٩]. (٧/ ٥٤) ٣٠٢٤٩ - عن عبد الله بن عباس -من طريق هارون بن عنترة، عن أبيه- في قوله: ﴿مردفين﴾، قال: متتابعين (٢). (٧/ ٥٤) ٣٠٢٥٠ - عن أبي مالك غَزْوان الغفاري = ٣٠٢٥١ - ومحمد بن كعب القرظي، نحو ذلك (٣). (ز) ٣٠٢٥٢ - عن أبي ظَبْيانَ حُصَيْنِ بن جُنْدَبٍ -من طريق ابنه قابوس- ﴿مردفين﴾، قال: الملائكة بعضهم على إثر بعض (٤). (ز) ٣٠٢٥٣ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿مردفين﴾، قال: مُمدِّين (٥). (٧/ ٥٥) ٣٠٢٥٤ - عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جويبر- قال: ﴿مردفين﴾، قال: بعضهم على إثر بعض (٦). (ز)

стр. 6333

٣٠٢٥٥ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح-، مثله (١). (ز) ٣٠٢٥٦ - عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾، قال: متتابعين يوم بدر (٢). (ز) ٣٠٢٥٧ - عن عامر الشعبي -من طريق داود بن أبي هند- قال: كان ألفٌ مُردفين، وثلاثةُ آلافٍ مُنزلين، فكانوا أربعة آلاف، وهم مدد المسلمين في ثُغُورِهم (٣). (٧/ ٥٥) ٣٠٢٥٨ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿مردفين﴾، قال: متتابعين، أمدَّهم الله بألفٍ، ثم بثلاثة، ثم أكْمَلَهم خمسةَ آلاف، ﴿وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن قلوبكم به﴾ [آل عمران: ١٢٦]، قال: يعني: نزولَ الملائكة. قال: وذُكِر لنا: أن عمر قال: أما يوم بدر فلا نشكُّ أن الملائكة كانوا معنا، وأما بعد ذلك فالله أعلم (٤) [٢٧٥٠]. (٧/ ٥٥)

стр. 6334

٣٠٢٥٩ - عن عبد الله بن كثير المكي -من طريق ابن جُرَيْج- قال: ﴿مردفين﴾، الإرداف: الإمداد بهم (١). (ز) ٣٠٢٦٠ - عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾: يتبع بعضهم بعضًا (٢). (ز) ٣٠٢٦١ - قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، يعني: متتابعين، كقوله في المؤمنين: ﴿رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤]، وقوله: ﴿طَيْرًا أبابِيلَ﴾ [الفيل: ٣]، وقوله: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١]، يعني: متتابع قطرها (٣). (ز) ٣٠٢٦٢ - عن سفيان الثوري، في قوله: ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾، قال: مُتَتابِعِين (٤). (ز) ٣٠٢٦٣ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿مردفين﴾، قال: بعضُهم على إثْرِ بعض (٥). (٧/ ٥٥)

стр. 6335

آثار متعلقة بالآية: ٣٠٢٦٤ - عن رِفاعَةَ بن رافع الزُّرَقِيِّ -وكان من أهل بدر- قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ، فقال: ما تَعُدُّون أهلَ بدر فيكم؟ قال: «من أفضل المسلمين»، أو كلمةً نَحوَها. قال: وكذلك مَن شهِد بدرًا من الملائكة (١). (٧/ ٥٤) ٣٠٢٦٥ - قال عبد الله بن عباس: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض، ويوم حُنَين عمائم خضر، ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه عددًا ومددًا (٢). (ز) ٣٠٢٦٦ - عن عكرمة: أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: «هذا جبريل آخِذٌ برأس فرسه، عليه أداة الحرب» (٣). (٧/ ٥٣) ٣٠٢٦٧ - عن عطية بن قيس، قال: وقف جبريل على رسول الله ﷺ ، وجبريل على فرسٍ أخضر أنثى، قد علاه الغبار، وبيَدِ جبريل رمحٌ، وعليه درع، فقال: يا محمد، إن الله بعَثني إليك فأمَرني ألا أفارقَك حتى ترضى، فهل رضِيتَ؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم» (٤). (٧/ ٥٤) ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ ٣٠٢٦٨ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وما جعله الله إلا بشرى﴾، قال: إنما جعلهم الله ليستبشِروا بهم (٥). (٧/ ٥٥) ٣٠٢٦٩ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن كثير- قال: ما مَدّ النبي ﷺ مما ذكر الله غير ألف من الملائكة مردفين، وذكر الثلاثة والخمسة فكانت بشرى (٦). (٧/ ٥٣) ٣٠٢٧٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ يعني: مدد الملائكة

стр. 6336

﴿إلّا بُشْرى﴾ (١) [٢٧٥١]. (ز) ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ ٣٠٢٧١ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿ولتطمئن به قلوبكم﴾: تطمئنوا إليه (٢). (ز) ٣٠٢٧٢ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، يعني: لِتَسْكُن إليه قلوبكم (٣). (ز) ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ٣٠٢٧٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما النَّصْرُ﴾ وليس النصر ﴿إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، وليس النصر بقلة العدد ولا بكثرته، ولكن النصر من عند الله (٤). (ز) ٣٠٢٧٤ - قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾: إلا من عندي، إلا بسلطاني وقدرتي، وذلك أن العز والحكم إلَيَّ، لا إلى أحد من خلقي (٥). (ز)

стр. 6337

﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ ٣٠٢٧٥ - عن أبي العالية الرياحي -من طريق الربيع بن أنس- ﴿إن الله عزيز حكيم﴾، يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم، حكيم في أمره (١). (ز) ٣٠٢٧٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ يعني: منيع، ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمره حكم النصر (٢). (ز) ٣٠٢٧٧ - قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿عزيز حكيم﴾: العزيز في نصرته ممن كفر به إذا شاء (٣) [٢٧٥٢]. (ز) ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ قراءات: ٣٠٢٧٨ - عن داود بن أبي هند، قال: قرأ رجل عند سعيد بن المسيب: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾. فقال سعيد: إنما هي: (وُينْزِلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّماءِ مَآءً لِّيُطْهِرَكُم بِهِ) (٤). (ز) نزول الآية: ٣٠٢٧٩ - عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق يونس- في قوله: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِّنْهُ»، قال: بلَغَنا: أن هذه الآية أُنزلت في المؤمنين يومَ بدر فيما أغْشاهم اللهُ من النعاس أمنةً منه (٥). (٧/ ٥٦)

стр. 6338

٣٠٢٨٠ - قال محمد بن السائب الكلبي: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾ إلى قوله: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾، بلغنا: أن المشركين سبقوا رسول الله إلى ماء بدر، فقدم رسول الله، فنزل حيالهم، بينه وبينهم الوادي، ونزل على غير ماء، فقذف الشيطان في قلوب المؤمنين أمرًا عظيمًا، فقال: زعمتم أنكم عباد الله، وعلى دين الله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلُّون مُحْدِثين مُجْنِبِين، فأحب الله أن يُذْهِب من قلوبهم رجز الشيطان، فغَشّى المؤمنين نعاسًا أمنةً منه، وأنزل من السماء ماء ليطهرهم به من الأحداث والجنابة، ويذهب عنهم رجز الشيطان؛ ما كان قذفه في قلوبهم، وليربط على قلوبهم، ويثبت به الأقدام، وكان بطن الوادي فيه رملة تغيب فيها الأقدام، فلما مطر الوادي اشتدت الرملة فمشى عليها الرجال، واتخذ رسول الله حِياضًا على الوادي، فشرب المسلمون منها، واستقوا، ثم صفوا، وأوحى ربك إلى الملائكة: ﴿أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ (١). (ز) ٣٠٢٨١ - قال مقاتل بن سليمان: وقوله: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ وذلك أن كفار مكة سبقوا النبي ﷺ إلى ماء بدر، فخَلَّفوا الماء وراء ظهورهم، ونزل المسلمون حيالهم على غير ماء [٢٧٥٣]، وبينهم وبين عدوهم بطن واد فيه رَمْل، فمكث المسلمون يومًا وليلة يصلون مُحْدِثين مُجْنِبِين، فأتاهم إبليس -لعنه الله- فقال لهم: أليس قد زعمتم أنكم أولياء الله على دينه، وقد غُلبتم على الماء، تُصلُّون على غير طهور، وما يمنع القوم من قتالكم إلا ما أنتم فيه من العطش والبلاء، حتى إذا انقطعت رقابكم من العطش قاموا إليكم فلا يبصر بعضكم بعضًا، فيقرنونكم بالحبال، فيقتلون منكم من

стр. 6339

شاءوا، ثم ينطلقون بكم إلى مكة. فحزِن المسلمون، وخافوا، وامتنع منهم النوم، فعلم الله ما في قلوب المؤمنين من الحزن، فألقى الله عليهم النعاس أمنةً من الله ليذهب همهم، وأرسل السماء عليهم ليلًا؛ فأمطرت مطرًا جوادًا حتى سالت الأودية، وملؤوا الأسقية، وسقوا الإبل، واتخذوا الحياض، واشتدت الرملة، وكانت تأخذ إلى كعبي الرجال، وكانت [جماعة] (١) المؤمنين رجال لم يكن معهم إلا فارسان: المقداد بن الأسود، وأبو مرثد الغنوي، وكان معهم ستة أدْرُع، فأنزل الله: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ (٢). (ز) تفسير الآية: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ ٣٠٢٨٢ - عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي رَزِينٍ- قال: النعاس في القتال أمَنَةٌ من الله ، وفي الصلاة من الشيطان (٣) [٢٧٥٤]. (ز) ٣٠٢٨٣ - قال أبو طلحة [زيد بن سهل الأنصاري]-من طريق أنس-: كنت فيمن أنزل عليه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مِرارًا (٤). (ز) ٣٠٢٨٤ - عن علي بن أبي طالب -من طريق حارثة بن مُضَرِّبٍ- قال: ما كان فينا فارسٌ يوم بدر غير المِقْداد، ولقد رأيتُنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ يصلِّي تحتَ الشجرة حتى أصبَح (٥). (٧/ ٥٦) ٣٠٢٨٥ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿أمنة منه﴾،

стр. 6340

قال: أمْنًا من الله (١). (٧/ ٥٦) ٣٠٢٨٦ - عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿أمنة منه﴾، قال: رحمة منه، أمنةً من العدو (٢). (٧/ ٥٦) ٣٠٢٨٧ - عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد بن بشير- قال: النعاس في الرأس، والنوم في القلب (٣). (٧/ ٥٧) ٣٠٢٨٨ - عن قتادة بن دعامة، قال: كان النعاس أمنةً من الله، وكان النعاسُ نعاسين؛ نعاس يوم بدر، ونعاس يوم أحد (٤). (٧/ ٥٧) ٣٠٢٨٩ - عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: «إذ يَغْشاكم النُّعاسُ أمَنَةً منه»، أي: أنزلت عليكم الأمنة؛ حتى نمتم لا تخافون (٥). (ز) ٣٠٢٩٠ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾، قال: أنزل الله النعاس أمنة من الخوف الذي أصابهم يوم أحد. فقرأ: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾ [آل عمران: ١٥٤] (٦). (ز) ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ ٣٠٢٩١ - عن علي بن أبي طالب -من طريق حارثة-، قال: أصابنا مِن الليل طَشٌّ (٧) من المطر، يعني: الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر، فانطلقنا تحت الشجر والحَجَفِ (٨)، نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض». فلما أن طلع الفجر نادى: «الصلاة عباد الله». فجاء الناس من تحت الشجر والحَجَفِ، فصلى بنا رسول الله ﷺ ، وحرّض على القتال (٩). (ز)
следующие страницы →