الصالح والنبي الصالح. فلمّا تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأنّ غلامًا بُعِِث بعدي يدخُلُ الجنة مِن أمته أكثرُ مما يدخُلُها من أمتي. ثم صَعِد حتى أتى السماء السابعة، فاستفتَح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا إبراهيم، قلت: من هذا، يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلِّم عليه. فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رُفِعْتُ إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبقُها مثلُ قِلالِ هَجَر، وإذا ورقُها مثل آذان الفيلة، وإذا أربعة أنهار يخرُجن من أصلها؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ فقال: أمّا الباطنان؛ فنهران في الجنة، وأَمّا الظاهران؛ فالنيل والفرات. ثم رُفِع لي البيت المعمور، قلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخُلُه كل يوم سبعون ألف مَلَك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم. ثم أُتيتُ بإناءين؛ أحدُهما خمر، والآخر لبن، فعُرِضا عليَّ، فقيل: خُذ أيَّهما شئت. فأخَذتُ اللبن، فقيل لي: أصَبْتَ الفِطرة، أنت عليها وأمتك. ثم فُرِضت عليَّ الصلاة؛ خمسون صلاة كل يوم، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فرض ربُّك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة كل يوم. قال: إنّ أُمَّتك لا تستطيع ذلك، وإني قد خبَرتُ الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، فارجِع إلى ربِّك فاسأله التخفيف لأمَّتِك. فرجَعت إلى ربي، فحَطَّ عني خمسًا، فأقبلت حتى أتيت على موسى، فأنبأته بما حطَّ عني، فقال: ارجِع إلى ربك، فاسأله التخفيف لأمتك؛ فإن أمتك لا يطيقون ذلك. قال: فما زلت بين موسى وبين ربي يحُطُّ عني خمسًا خمسًا، حتى أقبَلتُ بخمس صلوات، فأتيت على موسى، فقال: بم أُمِرت؟ قلت: بخمس صلوات كل يوم. قال: إنّ أمتك لا يطيقون ذلك، إني بلَوت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، ارجِع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فقلت: لقد رجَعت إلى ربي حتى لقد استحيت، ولكني أرضى وأُسلِّم. فنوديت: أن يا محمد، إني قد أمضَيت فريضتي، وخفَّفتُ عن عبادي، الحسنة بعشر أمثالها» (١). (٩/ ١٥٧ - ١٦١)
٤٢٣٩٢ - عن أم هانئ -من طريق يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي صالح-
стр. 8682
قالت: دخل عَلَيَّ النَّبي ﷺ بغَلَسِ (١) وأنا على فراشي، فقال: «شعرتِ أنِّي نمت الليلة في المسجد الحرام، فأتاني جبريل، فذهب بي إلى باب المسجد، فإذا دابَّةٌ أبيض فوق الحمار ودون البغل، مُضطَرِبُ الأُذُنَين، فركِبْته، فكان يضع حافره في مَدِّ بصره، إذا أخذ بي في هُبُوطٍ طالَت يَداه وقصُرَت رجلاه، وإذا أخذ بي في صُعُود طالت رجلاه وقصُرت يَداه، وجبريل لا يفوتُني، حتى انتهينا إلى بيت المقدس، فأوثقتُه بالحلقة التي كانت الأنبياء تُوثِقُ بها، فنُشِر لي رَهطٌ من الأنبياء؛ منهم إبراهيم وموسى وعيسى، فصَلَّيت بهم، وكلَّمتهم، وأُتِيتُ بإناءين أحمر وأبيض، فشربت الأبيض، فقال لي جبريل: شرِبتَ اللبن، وتركت الخمر، لو شربت الخمر لارتَدَّت أُمَّتُك [٣٧٨٨]، ثم ركبتُه، فأتيت المسجد الحرام، فصليت به الغداة؟» فتعلَّقت برِدائِه، وقلت: أُنشِدُك اللهَ، يا ابن عمِّ، أن تحدِّثَ بهذا قريشًا، فيُكَذِّبَك مَن صَدَّقك، فصَرب بيده على ردائه، فانتزعه مِن يدي، فارتفع عن بطنه، فنظرت إلى عُكَنِه (٢) فوق إزاره كأنها طَيُّ القراطيس، وإذا نور ساطع عند فؤاده كاد أن يَختَطِفَ بصري، فخررتُ ساجدةً، فلما رفعت رأسي إذا هو قد خرج، فقلت لجاريتي: ويحكِ، اتبَعِيه، وانظري ماذا يقول، وماذا يُقال له. فلما رجعتْ أخبرتني أنه انتهى إلى نفر من قريش، فيهم المُطعِمُ بن عَدِيٍّ، وعمرو بن هشام، والوليد بن المغيرة، فقال: «إني صَلَّيتُ الليلة العشاء في هذا المسجد، وصلَّيت به الغداة، وأتيت فيما بين ذلك ببيت المقدس، فنُشِر لي رهطٌ من الأنبياء، فيهم إبراهيم وموسى وعيسى، فصَلَّيتُ بهم، وكلَّمتُهم». فقال عمرو بن هشام كالمستهزئ: صِفهم لي. فقال: «أما عيسى ففوق الرَّبعَةِ ودون الطويل، عريض الصدر، ظاهر الدم، جَعدُ الشَّعر، تَعلُوه صُهبَةٌ، كأنّه عروة بن مسعود الثقفي، وأمّا موسى فضخم آدَمُ طُوالٌ كأنّه مِن رجال شنوءة، كثير الشعر، غائر العينين، مُتَراكِبَ الأسنان، مُقَلَّصُ الشَّفَةِ، خارج اللثة، عابس، وأما إبراهيم -فواللهِ- لأشبهُ الناس به خَلقًا وخُلُقًا». فضَجُّوا، وأعظَموا ذلك، فقال
стр. 8683
المُطعِم: كلُّ أمِرك قبل اليوم كان أمَمًا (١) غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كذاب؛ نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعدًا شهرًا ومنحدرًا شهرًا، تزعُمُ أنك أتيته في ليلة! واللاتِ والعُزّى، لا أُصَدِّقُك. فقال أبو بكر: يا مُطعِمُ، لَبِئْسَ ما قلت لابن أخيك، جَبَهْتَه (٢) وكذَّبتَه، أنا أشهد أنه صادق. فقالوا: يا محمد، صِف لنا بيت المقدس. قال: «دخلته ليلًا، وخرجت منه ليلًا». فأتاه جبريل، فصَوَّره في جناحه، فجعل يقول: «باب منه كذا في موضع كذا، وباب منه كذا في موضع كذا». وأبو بكر يقول: صَدَقتَ، صَدَقتَ. فقال رسول الله ﷺ يومئذ: «يا أبا بكر، إنّ الله قد سَمّاك: الصِّدِّيق». قالوا: يا محمد، أخبرنا عن عِيرنا. فقال: «أتيت على عير بني فلان بالرَّوحاءِ قد أضَلُّوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رِحالِهم ليس بها منهم أحد، وإذا قدح ماء فشربتُ منه، ثم انتهيت إلى عير بني فلان، فنَفَرَتْ منِّي الإبلُ، وبَرَك منها جمل أحمر عليه جَوالِقُ مخططة ببياض، لا أدري أكُسِر البعير أم لا، ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التَّنعيم يقدُمُها جملٌ أورَقُ، وها هي ذه تطلُعُ عليكم من الثَّنيَّة». فقال الوليد بن المغيرة: ساحر. فانطلقوا، فنظروا، فوجدوا كما قال، فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد. فأنزل الله: ﴿وما جعلنا الرُّءيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] (٣). (٩/ ١٨٩ - ١٩٢)
٤٢٣٩٣ - عن عبد الله بن عمرو، وأم سلمة، وعائشة، وأم هانئ، وابن عباس، دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: أُسرِي برسول الله ﷺ ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة مِن شِعبِ أبي طالب إلى بيت المقدس، قال رسول الله ﷺ : «حُمِلتُ على دابة بيضاء بين الحمار وبين البغل، في فخذها جناحان، تَحفِزُ (٤) بهما رجليها، فلما دَنَوتُ لأركبها شَمَسَتْ (٥)، فوضع جبريل يده على مَعرَفَتِها (٦)، ثم قال: ألا تستحيين -يا بُراق- مِمّا تصنعين؟! واللهِ، ما ركب عليك عبد لله قبل محمد أكرم على الله منه. فاستَحيَت حتى ارْفَضَّتْ عَرَقًا، ثم قَرَّت حتى
стр. 8684
ركَبِتُها، فعمِلَتْ بأُذُنَيها (١)، وقبضت الأرض حتى كان مُنتَهى وقعِ حافِرِها طَرفُها، وكانت طويلة الظهر طويلة الأذنين، وخرج معي جبريل لا يَفُوتُني ولا أفُوتُه، حتى أنتهى بي إلى بيت المقدس، فأتى البُراقُ إلى موقفِه الذي كان يقف، فربطه فيه، وكان مَربِطَ الأنبياء، رأيت الأنبياء جُمِعوا لي، فرأيت إبراهيم وموسى وعيسى، فظننت أنّه لا بد أن يكون لهم إمام، فقدمني جبريل حتى صَلَّيت بين أيديهم [٣٧٨٩]، وسألتُهم فقالوا: بُعِثنا بالتوحيد». وقال بعضهم: فُقِد النَّبي ﷺ تلك الليلة، فتَفَرَّقَت بنو عبد المطلب يطلُبونه ويَلتَمِسونه، وخرج العباس حتى إذا بلغ ذا طوى، فجعل يصرخ: يا محمد، يا محمد. فأجابه رسول الله ﷺ : «لبيك». فقال: ابن أخي، عَنَّيت قومك منذ الليلة، فأين كنت؟ قال: «أتيت من بيت المقدس». قال: في ليلتك؟! قال: «نعم». قال: هل أصابك إلا خير؟ قال: «ما أصابني إلا خير». وقالت أم هانئ: ما أُسرِي به إلا من بيتنا، نام عندنا تلك الليلة، صلّى العشاء ثم نام، فلما كان قبل الفجر أنبَهناه للصبح، فقام، فلما صلى الصبح قال: «يا أم هانئ، لقد صلَّيت معكم العشاء كما رأيتِ بهذا الوادي، ثم قد جئت بيت المقدس، فصليت فيه، ثم صليت الغداة معكم». ثم قام ليخرج، فقلت: لا تُحَدِّث هذا الناس فيُكَذِّبوك ويُؤذُوك. فقال: «واللهِ، لَأُحَدِّثَنَّهم». فأخبرَهم، فتعجَّبوا، وقالوا: لم نسمع بمثل هذا قط. وقال رسول الله ﷺ لجبريل: «يا جبريل، إنّ قومي لا يُصَدِّقوني». قال: يُصَدِّقُك أبو بكر، وهو الصِّدِّيق. «وافتتن ناسٌ كثير كانوا قد صلَّوا وأسلَموا، وقمتُ في الحِجر، فجَلّى الله لي بيت المقدس، فطَفِقت أُخبِرُهم عن آياته وأنا أنظر إليه، فقال بعضهم: كم للمسجد من باب؟ ولم أكن عددت أبوابه، فجعلت أنظر إليها،
стр. 8685
وأعُدُّها بابًا بابًا، وأُعلِمُهم، وأخبرتُهم عن عيرات لهم في الطريق، وعلامات فيها، فوجَدوا ذلك كما أخبرتهم». وأنزل الله: ﴿وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾. قال: كانت رؤيا عين، رآها بعينه (١). (٩/ ١٩٣ - ١٩٥)
٤٢٣٩٤ - عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَرَرتُ ليلة أُسرِي بي على موسى ﵇ قائمًا يُصَلِّي في قبره عند الكَثِيب الأحمر» (٢). (٩/ ١٩٦)
٤٢٣٩٥ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد رأيتُني في الحِجرِ وقريشٌ تسألُني عن مَسرايَ، فسألوني عن أشياء مِن بيت المقدس لم أُثبِتها، فكُرِبتُ كَرْبًا ما كُرِبتُ مثلَه قَطُّ، فرفَعه الله لي أنظُرُ إليه، ما سألوني عن شيء إلا أنبأتُهم به، وقد رأيتُني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى ﵇ قائمٌ، وإذا رجلٌ ضَربٌ جَعدٌ كأنه مِن رجال شنوءة، وإذا عيسى قائمٌ يُصَلِّي، أقربُ الناسِ به شَبَهًا عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائمٌ يُصَلِّي، أشبَهُ الناس به صاحِبُكم -يعني: نفسه- فحانَت الصلاة، فأمَمتُهم، فلما فَرَغتُ قال قائل: يا محمد، هذا مالِكٌ صاحب النار. فالتَفَتُّ إليه، فبَدَأَني بالسلام» (٣). (٩/ ٢٠٢)
٤٢٣٩٦ - عن عبد الله بن عباس -من طريق قتادة، عن أبي العالية- قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت ليلة أُسرِي بي موسى بن عمران، رجلًا طُوالًا جَعْدًا، كأنه مِن رجال شَنُوءة، ورأيت عيسى ابن مريم مربوعَ الخَلقِ، إلى الحمرةِ والبياضِ، سَبِطَ الرأس، ورأيت مالِكًا خازن جهنم، والدجال». في آياتٍ أراهُنَّ الله. قال: ﴿فلا تكن في مِرية من لقائه﴾ [السجدة: ٧٣]. فكان قتادة يُفَسِّرُها: أنّ النَّبي ﷺ قد لَقِي موسى [٣٧٩٠] (٤). (٩/ ٢٠٥)
стр. 8686
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾
٤٢٣٩٧ - تفسير الحسن البصري قوله: ﴿وآتينا موسى الكتاب﴾: التوراة (١). (ز)
٤٢٣٩٨ - قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿وآتينا موسى الكتاب﴾، يقول: أعطينا موسى التوراة (٢). (ز)
﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾
٤٢٣٩٩ - تفسير الحسن البصري ﴿وجعلناه﴾: موسى (٣). (ز)
٤٢٤٠٠ - قال إسماعيل السُّدِّيّ: التوراة (٤). (ز)
٤٢٤٠١ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وجعلناه﴾ يعني: التوراة (٥) [٣٧٩١]. (ز)
стр. 8687
﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
٤٢٤٠٢ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل﴾، قال: جعله الله لهم هدى، يُخرِجُهم من الظلمات إلى النور، وجعله رحمة لهم (١). (٩/ ٢٤٦)
٤٢٤٠٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿هدى﴾ هدى لبني إسرائيل من الضلالة (٢). (ز)
٤٢٤٠٤ - قال يحيى بن سلّام: ﴿هدى لبني إسرائيل﴾ لِمَن آمَن به (٣). (ز)
﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾
٤٢٤٠٥ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ألّا تتخذوا من دوني وكيلًا﴾، قال: شريكًا (٤) [٣٧٩٢]. (٩/ ٢٤٦)
٤٢٤٠٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألا تتخذوا من دوني وكيلا﴾ يعني: وليًّا، فيها تقديم، يا ﴿ذرية﴾ آدم ﴿من حملنا مع نوح﴾ في السفينة ﴿ألا تتخذوا من دوني وكيلا﴾ يعني: الأهل، يعني: وليًّا (٥). (ز)
٤٢٤٠٧ - قال يحيى بن سلّام: وقال بعضهم: رياء (٦). (ز)
стр. 8688
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾
٤٢٤٠٨ - عن عبد الله بن زيد الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾: «ما كان مع نوح إلا أربعة أولاد؛ حامٌ، وسامٌ، ويافثُ، وكُوشٌ، فذلك أربعة أولاد انتَسَلوا هذا الخلق» (١). (٩/ ٢٤٧)
٤٢٤٠٩ - عن مجاهد بن جبر، في قوله: ﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾، قال: هو على النِّداء: يا ذُرِّيَّةَ مَن حمَلنا مع نوح (٢).
(٩/ ٢٤٦)
٤٢٤١٠ - عن مجاهد بن جبر -من طريق يونس بن حيان- قال: بنوه ثلاثة، ونساؤهم، ونوح، ولم يكن معهم امرأته (٣). (ز)
٤٢٤١١ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيج- في قوله: ﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾، قال: من بني إسرائيل وغيرهم (٤). (ز)
٤٢٤١٢ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾: والناس كلهم ذرية مَن أنجى الله في تلك السفينة. وذُكِر لنا: أنّه ما نجا فيها يومئذٍ غيرُ نوح، وثلاثةُ بنين له، وامرأته، وثلاث نسوة؛ وهم: سام، وحام، ويافث؛ فأما سام فأبو العرب، وأما حام فأبو الحبش، وأما يافث فأبو الروم (٥). (ز)
٤٢٤١٣ - قال مقاتل بن سليمان: يا ﴿ذرية﴾ آدم ﴿من حملنا مع نوح﴾ في السفينة (٦). (ز)
٤٢٤١٤ - قال يحيى بن سلّام: ﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾ في السفينة، أي: يا ذرية مَن حملنا مع نوح، لذلك انتصبت (٧) [٣٧٩٣]. (ز)
стр. 8689
﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾
٤٢٤١٥ - عن معاذ بن أنس الجهني، عن النبي ﷺ ، قال: «إنما سَمّى الله نوحًا: عبدًا شكورًا؛ لأنّه كان إذا أمسى وأصبح قال: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السماوات والأرض وعَشِيًّا وحين تُظهِرون» (١). (٩/ ٢٤٩)
٤٢٤١٦ - عن أبي فاطمة، أنّ النبي ﷺ قال: «كان نوح لا يحمل شيئًا صغيرًا ولا كبيرًا إلا قال: بسم الله، والحمد لله. فسَمّاه الله: عبدًا شكورًا» (٢). (٩/ ٢٤٧)
٤٢٤١٧ - عن سلمان الفارسي -من طريق أبي عثمان النهدي- قال: كان نوحٌ إذا لبِس ثوبًا أو طَعِم طعامًا حَمِد الله، فسُمِّي: عبدًا شكورًا (٣). (٩/ ٢٤٧)
٤٢٤١٨ - عن سعد بن مسعود الثقفي الصحابي -من طريق عبد الله بن سنان- قال:
стр. 8690
إنّما سُمِّي نوح: عبدًا شكورًا؛ لأنّه كان إذا أكل أو شرب أو لبِس ثوبًا حمد الله (١). (٩/ ٢٤٧)
٤٢٤١٩ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿إنه كان عبدًا شكورًا﴾، قال: لم يأكُل شيئًا قَطُّ إلا حمد الله، ولم يَشرَب شرابًا قطُّ إلا حمِد الله عليه، ولم يمشِ قطُّ إلا حمد الله عليه، ولم يبطش بشيء قطُّ إلا حمد الله عليه، فأثنى الله عليه: ﴿إنه كان عبدًا شكورًا﴾ (٢). (٩/ ٢٤٨)
٤٢٤٢٠ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جريج- ﴿إنه كان عبدا شكورا﴾، قال: إنّه لم يُجَدِّد ثوبًا قط إلا حمد الله، ولم يبلِ ثوبًا قط إلا حمد الله، وإذا شرب شربة حمد الله، قال: الحمد لله الذي سقانيها على شهوة ولذة وصحة. وليس في تفسيرها: وإذا شرب شربة قال هذا. ولكن بلغني ذا (٣). (ز)
٤٢٤٢١ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: قال الله لنوح: ﴿إنه كان عبدا شكورا﴾. ذُكِر لنا: أنّه لم يستجد ثوبًا قط إلا حمد الله، وكان يأمر إذا استجد الرجل ثوبًا أن يقول: الحمد لله الذي كساني ما أتجمَّل به، وأُواري به عورتي (٤). (ز)
٤٢٤٢٢ - عن محمد بن كعب القرظي -من طريق هشام بن سعد- قال: كان نوحٌ إذا أكل قال: الحمد لله. وإذا شرب قال: الحمد لله. وإذا لبس قال: الحمد لله. وإذا ركب قال: الحمد لله. فسَمّاه الله: عبدًا شكورًا (٥). (٩/ ٢٤٩)
٤٢٤٢٣ - عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ﴿إنه كان عبدا شكورا﴾، قال: كان إذا لبس ثوبًا قال: الحمد لله. وإذا أخْلَقه قال: الحمد لله (٦). (ز)
٤٢٤٢٤ - قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ أثنى على نوح بن لمك النبي ﷺ ، فقال سبحانه: ﴿إنه كان عبدا شكورا﴾، فكان مِن شكره أنّه كان يذكر الله حين يأكل، ويشرب، ويحمد الله تعالى حين يفرغ، ويذكر الله سبحانه حين يقوم، ويقعد،
стр. 8691
ويذكر الله -جل ثناؤه- حين يستجد الثوب الجديد، وحين يخْلَق، ويذكر الله حين يدخل، ويخرج، وينام، ويستيقظ، ويذكر الله -جل ثناؤه- بكل خطوة يخطوها، وبكل عمل يعمله، فسماه الله : عبدًا شكورًا (١). (ز)
٤٢٤٢٥ - عن أصبغ بن زيد -من طريق يزيد بن هارون-: أنّ نوحًا كان إذا خرج مِن الكَنِيف قال ذلك، فسُمِّيَ: عبدًا شكورًا (٢). (٩/ ٢٤٨)
٤٢٤٢٦ - قال يحيى بن سلّام: وعامَّة ما في القرآن في تفسير العامَّة أن الشكور: المؤمن (٣). (ز)
٤٢٤٢٧ - عن عمران بن سليم -من طريق النضر بن شفي-، قال: إنّما سُمِّي نوح: عبدًا شكورًا؛ أنه كان إذا أكل الطعام قال: الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني. وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني، ولو شاء أظمأني. وإذا لبس ثوبًا قال: الحمد لله الذي كساني، ولو شاء أعراني. وإذا لبس نعلًا قال: الحمد لله الذي حذاني، ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجة قال: الحمد لله الذي أخرج عَنِّي أذاه، ولو شاء حَبَسَه (٤). (ز)
٤٢٤٢٨ - عن عبد الجبار بن عمر، أنّ ابن أبي مريم حدَّثه، قال: إنّما سمى الله نوحًا: عبدًا شكورًا؛ أنه كان إذا خرج البراز منه قال: الحمد لله الذي سوَّغنيك طيبًا، وأخرج عني أذاك، وأبقى منفعتك (٥). (ز)
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
٤٢٤٢٩ - عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾، قال: أعلَمناهم (٦). (٩/ ٢٥١)
٤٢٤٣٠ - عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾، قال: أخبرناهم (٧). (٩/ ٢٥١)
стр. 8692
٤٢٤٣١ - عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾، قال: قضينا عليهم (١). (٩/ ٢٥١)
٤٢٤٣٢ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾، قال: أخبرنا بني إسرائيل (٢). (ز)
٤٢٤٣٣ - عن مجاهد بن جبر -من طريق عاصم بن حكيم، وابن مجاهد - قال: ﴿وقضينا﴾: كَتَبْنا (٣). (ز)
٤٢٤٣٤ - قال الحسن البصري: يقول: أعلمناهم، كقوله: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر﴾ [الحجر: ٦٦]، يقول: أعلمناه (٤). (ز)
٤٢٤٣٥ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾: قضاء قضاه على القوم كما تسمعون (٥). (ز)
٤٢٤٣٦ - تفسير إسماعيل السُّدِّيّ قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾: أخبرنا بني إسرائيل (٦). (ز)
٤٢٤٣٧ - قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾ يقول: وعهِدنا إليهم (٧). (ز)
٤٢٤٣٨ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾، قال: أعْلَمْناهم (٨) [٣٧٩٤]. (ز)
стр. 8693
﴿فِي الْكِتَابِ﴾
٤٢٤٣٩ - تفسير إسماعيل السُّدِّيّ ﴿في الكتاب﴾: يعني: في التوراة (١). (ز)
٤٢٤٤٠ - قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿في الكتاب﴾، يقول: في التوراة (٢). (ز)
﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾
٤٢٤٤١ - عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ بني إسرائيل لَمّا اعْتَدَوا في السبت، وعَلَوا، وقتلوا الأنبياء؛ بعث الله عليهم مَلِكَ فارس بُختَنَصَّر، وكان الله مَلَّكه سبعمائة سنة، فسار إليهم حتى حَلَّ بيت المقدس، فحاصرها، وفتحها، وقتل على دم زكريا سبعين ألفًا، ثم سبى أهلها والأبناء، وسلب حُلِيَّ بيت المقدس، واستخرج منها سبعين ألفًا ومائة ألف عجلة من حُلِيٍّ، حتى أورده بابل». قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله، لقد كان بيت المقدس عظيمًا عند الله؟ قال: «أجل، بناه سليمان بن داود مِن ذهب ودُرٍّ وياقوت وزبرجد، وكان بلاطةً ذهبًا وبلاطةً فضة، وعُمُدُه ذَهَبًا، أعطاه الله ذلك، وسخَّر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طَرْفَة عين، فسار بُختَنَصَّر بهذه الأشياء حتى نزل بها بابل، فأقام بنو إسرائيل في يديه مائة سنة يُعَذِّبُهم المجوس وأبناء المجوس، فيهم الأنبياء وأبناء الأنبياء، ثم إنّ الله رحمهم، فأوحى إلى ملِك من ملوك فارس يُقال له: كورس، وكان مؤمنًا: أن سِر إلى بقايا بني
стр. 8694
إسرائيل حتى تستنقِذهم. فسار كورس ببني إسرائيل وحُلِيِّ بيت المقدس حتى ردَّه إليه، فأقام بنو إسرائيل مُطيعين لله مائة سنة، ثم إنهم عادوا في المعاصي، فسلَّط الله عليهم إبطنانحوس، فغزا ثانيًا بمن غزا مع بُختَنَصَّر، فغزا بني إسرائيل، حتى أتاهم بيت المقدس، فسبى أهلها، وأحرق بيت المقدس، وقال لهم: يا بني إسرائيل، إن عُدتُم في المعاصي عُدنا عليكم بالسِّباء. فعادوا في المعاصي، فسَيَّر الله عليهم السِّباء الثالث؛ مَلِكَ رُومِية يقال له: قاقس بن إسبايوس، فغزاهم في البر والبحر، فسَباهم، وسَيَّرَ حُلِيِّ بيت المقدس، وأحرق بيت المقدس بالنيران». فقال رسول الله ﷺ : «فهذا من صفة حُلِيِّ بيت المقدس، ويَرُدُّه المهدي إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة، يُرسى بها على يافا حتى تُنقل إلى بيت المقدس، وبها يجتمع إليه الأولون والآخرون» (١) [٣٧٩٥]. (٩/ ٢٦٠ - ٢٦٢)
٤٢٤٤٢ - عن عبد الله بن مسعود -من طريق السدي، عن مرة- =
٤٢٤٤٣ - وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- قال: إنّ الله عَهِد إلى بني إسرائيل في التوراة: لتفسِدنَّ في الأرض مرتين. فكان أول الفسادين قتل زكريا، فبعث الله عليهم مَلِكَ النَّبَطِ، فبعث الجنود، وكانت أساوِرَتُه (٢)
стр. 8695
أهل فارس، فهم أولو بأس شديد، فتَحَصَّنَت بنو إسرائيل، وخرج فيهم بُختُنَصَّرَ يتيمًا مسكينًا، إنما خرج يستطعم، وتَلَطَّف حتى دخل المدينة، فأتى مجالسهم وهم يقولون: لو يعلم عدوُّنا ما قُذِف في قلوبنا من الرُّعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا. فخرج بُختُنَصَّرَ حين سمِع ذلك منهم، واشتدَّ القيام على الجيش، فرجعوا، وذلك قول الله: ﴿فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادًا لنا أولي بأس شديد﴾ الآية. ثم إنّ بني إسرائيل تَجَهَّزوا، فغَزَوا النَّبَطَ، فأصابوا منهم، واستنقذوا ما في أيديهم، فذلك قول الله: ﴿ثم رددنا لكم الكرَّة عليهم﴾ الآية (١). (٩/ ٢٥١) (ز)
٤٢٤٤٤ - عن علي بن أبي طالب -من طريق أبي أيوب- في قوله: ﴿لَتُفسِدُنَّ في الأرض مرتين﴾، قال: الأولى قتلُ زكريا، والآخرة قتل يحيى (٢). (٩/ ٢٥٢)
٤٢٤٤٥ - عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لَتُفسِدُنَّ في الأرض مرتين﴾، قال: هذا تفسير الذي قبله (٣). (٩/ ٢٥١)
٤٢٤٤٦ - عن عطية العوفي، في قوله: ﴿لتفسدن في الأرض مرتين﴾، قال: أفسَدوا في المرة الأولى فأرسل الله عليهم جالوتَ فقتلهم، وأفسَدوا المرة الثانية فقتَلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم بُختَنَصَّرَ (٤). (٩/ ٢٥٢)
٤٢٤٤٧ - قال قتادة بن دعامة: إفسادهم في المرة الأولى ما خالفوا مِن أحكام التوراة، وعصوا ربهم، ولم يحفظوا أمر نبيهم موسى ﵇، وركِبوا المحارم، وتعدوا على الناس (٥). (ز)
٤٢٤٤٨ - تفسير إسماعيل السُّدِّيّ في قوله: ﴿لتفسدن في الأرض مرتين﴾: يعني: لتهلكن في الأرض مرتين (٦). (ز)
٤٢٤٤٩ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿لتفسدن﴾ لتهلكن ﴿في الأرض مرتين﴾ فكان بين الهلاكين مائتا سنة وعشر سنين (٧). (ز)
٤٢٤٥٠ - عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: كان مِمّا أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل، وفي إحداثهم ما هم فاعلون بعده، فقال:
стр. 8696
﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا﴾ إلى قوله: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾، فكانت بنو إسرائيل، وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله في ذلك مُتجاوِزًا عنهم، مُتَعَطِّفًا عليهم، مُحْسِنًا إليهم، فكان مِمّا أنزل بهم في ذنوبهم ما كان قدم إليهم في الخبر على لسان موسى، مِمّا أنزل بهم في ذنوبهم، فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع أنّ ملِكًا منهم كان يدعى: صديقة، وكان الله إذا مَلَّك الملِك عليهم بعث نبيًّا يُسَدِّده ويرشده، ويكون فيما بينه وبين الله، ويحدث إليه في أمرهم، لا ينزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها، وينهونهم عن المعصية، ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة. فلمّا ملك ذلك الملِك بعث الله معه شعيا بن أمصيا، وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى، وشعيا الذي بشَّر بعيسى ومحمد، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانًا، فلمّا انقضى ملكُه عظمت فيهم الأحداث، وشعيا معه، بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل، ومعه ستمائة ألف راية، فأقبل سائرًا حتى نزل نحو بيت المقدس، والملك مريض؛ في ساقه قرحة، فجاء النبي شعيا، فقال له: يا ملك بني إسرائيل، إنّ سنحاريب ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده ستمائة ألف راية، وقد هابهم الناس وفرقوا منهم. فكَبُر ذلك على الملك، فقال: يا نبي الله، هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به؛ كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده؟ فقال له النبي ﵇: لم يأتني وحيٌ أُحْدِث إلَيَّ في شأنك. فبينا هم على ذلك أوحى الله إلى شعيا النبي: أن ائت ملك بني إسرائيل، فمره أن يوصي وصيته، ويستخلف على ملكه مَن شاء مِن أهل بيته. فأتى النبي شعيا ملك بني إسرائيل صديقة، فقال له: إنّ ربك قد أوحى إلَيَّ أن آمرك أن توصي وصيتك، وتستخلف مَن شئت على ملكك مِن أهل بيتك؛ فإنّك ميت. فلما قال ذلك شعيا لصديقة أقبل على القبلة، فصلّى وسبح ودعا وبكى، فقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله بقلب مخلص، وتوكل وصبر، وصدق وظن صادق: اللهم رب الأرباب، وإله الآلهة، قدوس المتقدسين، يا رحمن يا رحيم، المترحم الرؤوف، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل، وذلك كله كان منك، فأنت أعلم به مِن نفسي، سري وعلانيتي لك. وإن الرحمن استجاب له، وكان عبدًا صالحًا، فأوحى الله إلى شعيا أن يخبر صديقة الملك أنّ ربه قد استجاب له، وقبِل منه، ورحمه، وقد رأى بكاءه، وقد أخَّر أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه
стр. 8697
من عدوه سنحاريب ملك بابل وجنوده، فأتى شعيا النبي إلى ذلك الملك، فأخبره بذلك، فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع، وانقطع عنه الشر والحزن، وخرَّ ساجدًا، وقال: يا إلهي وإله آبائي، لك سجدت وسبَّحت وكرمت وعظمت، أنت الذي تعطي الملك من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتُعِزُّ من تشاء، وتذل من تشاء، عالم الغيب والشهادة، أنت الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين، أنت الذي أجبت دعوتي، ورحمت تضرعي. فلمّا رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن قل للملك صديقة فيأمر عبدًا من عبيده بالتينة، فيأتيه بماء التين، فيجعله على قرحته، فيشفى، ويصبح وقد بَرِئ، ففعل ذلك، فشفي. وقال الملك لشعيا النبي: سل ربك أن يجعل لنا عِلمًا بما هو صانع بعدونا هذا. قال: فقال الله لشعيا النبي: قل له: إني قد كفيتك عدوك، وأنجيتك منه، وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة من كتابه. فلما أصبحوا جاءهم صارخ ينبئهم، فصرخ على باب المدينة: يا ملك بني إسرائيل، إنّ الله قد كفاك عدوك، فاخرج، فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا. فلما خرج الملك التمس سنحاريب، فلم يوجد في الموتى، فبعث الملك في طلبه، فأدركه الطلب في مغارة وخمسة من كُتّابِه، أحدهم بختنصر، فجعلوهم في الجَوامِع (١)، ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل، فلمّا رآهم خرَّ ساجدًا من حين طلعت الشمس حتى كانت العصر، ثم قال لسنحاريب: كيف ترى فعل ربنا بكم؟ ألم يقتلكم بحوله وقوته، ونحن وأنتم غافلون؟ فقال سنحاريب له: قد أتاني خبر ربكم، ونصره إياكم، ورحمته التي رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي، فلم أطع مرشدًا، ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي، ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم، ولكن الشقوة غلبت عليَّ وعلى من معي. فقال ملك بني إسرائيل: الحمد لله رب العزة الذي كفاناكم بما شاء، إنّ ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة بك عليه، ولكنه إنما أبقاك ومن معك لما هو شرٌّ لك؛ لتزدادوا شقوة في الدنيا، وعذابًا في الآخرة، ولتخبروا من وراءكم بما لقيتم من فعل ربنا، ولتنذر من بعدكم، ولولا ذلك ما أبقاكم، فلَدمك ودم مَن معك أهون على الله مِن دم قُراد لو قتلته. ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه، فقذف في رقابهم الجَوامِع، وطاف بهم سبعين يومًا حول بيت المقدس إيليا، وكان يرزقهم في كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم،
стр. 8698
فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل: القتل خير ما يُفعَل بنا، فافعل ما أمرت. فنقل بهم الملك إلى سجن القتل، فأوحى الله إلى شعيا النبي أن قل لملك بني إسرائيل: يرسل سنحاريب ومَن معه لينذروا من وراءهم، وليكرمهم ويحملهم حتى يبلغوا بلادهم، فبلغ النبي شعيا الملك ذلك، ففعل، فخرج سنحاريب ومَن معه حتى قدموا بابل، فلما قدموا جمع الناس، فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده، فقال له كهانه وسحرته: يا ملك بابل، قد كُنّا نَقُصُّ عليك خبر ربهم، وخبر نبيهم، ووحي الله إلى نبيهم، فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم. فكان أمر سنحاريب مما خوفوا، ثم كفاهم الله إياه تذكرة وعبرة، ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين، ثم مات ...
قال ابن إسحاق: لَمّا مات سنحاريب استخلف بختنصر ابن ابنه على ما كان عليه جدُّه يعمل بعمله، ويقضي بقضائه، فلبث سبع عشرة سنة، ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقة، فمرج أمر بني إسرائيل، وتنافسوا الملك، حتى قتل بعضهم بعضًا عليه، ونبيهم شعيا معهم لا يُذعِنون إليه، ولا يَقْبَلون منه. فلما فعلوا ذلك قال الله -فيما بلغنا- لشعيا: قُم في قومك أُوحِ على لسانك. فلما قام النبيُّ أنطق الله لسانَه بالوحي ... فلما فرغ نبيهم شعيا إليهم من مقالته عَدَوْا عليه -فيما بلغني- ليقتلوه، فهرب منهم، فلقيته شجرة، فانفلقت، فدخل فيها، وأدركه الشيطان، فأخذ بهُدْبة من ثوبه، فأراهم إياها، فوضعوا المنشار في وسطها، فنشروها حتى قطعوها، وقطعوه في وسطها (١). (ز)
٤٢٤٥١ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرتين؛ قتل زكريا، ويحيى بن زكريا، فسَلَّط عليهم سابور ذا الأكتاف مَلِكًا من ملوك فارس، من قِبَلِ زكريا، وسلَّط عليهم بُختَنَصَّر من قِبَلِ يحيى (٢) [٣٧٩٦]. (٩/ ٢٦٢)
стр. 8699
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾
٤٢٤٥٢ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿ولتعلن علوا كبيرا﴾، قال: ولتعلن الناسَ علوًّا كبيرًا (١). (ز)
٤٢٤٥٣ - تفسير إسماعيل السُّدِّيّ في قوله: ﴿ولتعلن علوا كبيرا﴾: يعني: لَتَقْهَرُّنَ قهرًا شديدًا (٢). (ز)
٤٢٤٥٤ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولتعلن علوا كبيرا﴾، يقول: ولَتَقْهَرُّنَ قهرًا شديدًا حتى تُذِلُّوا، وذلك بمعصيتهم الله ؛ فذلك قوله تعالى: ﴿فإذا جاء وعد أولاهما﴾ (٣). (ز)
آثار متعلقة بالآية:
٤٢٤٥٥ - عن طاووس، قال: كنت عند ابن عباس، ومعنا رجلٌ من القَدَرِيَّة، فقلت: إنّ أُناسًا يقولون: لا قَدَر. قال: أوَفي القوم أحدٌ منهم؟ قلت: لو كان ما كنت تصنع به؟ قال: لو كان فيهم أحدٌ منهم لأخَذتُ برأسه، ثم قرأت عليه: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلُنَّ علوًا كبيرًا﴾ (٤). (٩/ ٢٥١)
стр. 8700
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾
٤٢٤٥٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿فإذا جاء وعد أولاهما﴾، يعني: وقت أول الهلاكَيْنِ (١). (ز)
٤٢٤٥٧ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿فإذا جاء وعد أولاهُما﴾، قال: إذا جاء وعد أُولى تَينِكَ المرَّتين اللتَين قضينا إلى بني إسرائيل: ﴿لتفسدن في الأرض مرتين﴾ (٢). (٩/ ٢٦٢)
٤٢٤٥٨ - قال يحيى بن سلّام: ﴿فإذا جاء وعد أولاهما﴾: أولى العقوبتين (٣). (ز)
﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾
٤٢٤٥٩ - عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: بَعَث الله عليهم في الأُولى جالوت، فجاس خلال ديارهم، وضرب عليهم الخراجَ والذُّلَّ، فسألوا الله أن يبعث إليهم مَلِكًا يُقاتِلون في سبيل الله، فبعث الله طالوت، فقاتلوا جالوت، فنصر الله بني إسرائيل، وقُتِل جالوت بيدي داود، ورجع إلى بني إسرائيل مُلكُهم، فلما أفسَدوا بَعَث الله عليهم في المرة الآخرة بُختَنَصَّرَ، فَخرَّب المساجد، وتَبَّرَ ما عَلَوا تتبيرًا. قال الله بعد الأولى والآخرة: ﴿عسى ربُّكُم أن يرحمكم وإن عُدتُّم عُدنا﴾. قال: فعادُوا، فسَلَّط الله عليهم المؤمنين (٤). (٩/ ٢٥٣)
٤٢٤٦٠ - عن أبي هاشم العَبديِّ، عن عبد الله بن عباس، قال: مَلَك ما بين المشرق والمغرب أربعة، مؤمنان وكافران؛ أما الكافران، فالفَرُّخان، وبُختُنَصَّرَ. فأنشأ أبو هاشم يحدِّث قال: وكان رجلًا مِن أهل الشام صالحًا، فقرأ هذه الآية: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿عُلُوًّا كبيرًا﴾. قال: يا ربِّ، أما الأُولى فقد فاتتني، فأرِني الآخرة. فأُتِى وهو قاعدٌ في مُصَلّاه قد خَفَق برأسه، فقيل: الذي سألت عنه ببابل، واسمه: بُختُنَصَّرَ. فعرَف الرجلُ أنه قد استُجِيب له، فاحتَمَل جِرابًا
стр. 8701
مِن دنانير، فأقبل حتى انتهى إلى بابل، فدخل على الفَرُّخان، فقال: إني قد جئت بمال، فأَقسِمُه بين المساكين؟ فأمر به، فأُنزل، فجمَعوهم له، فجعل يُعطِيهم، ويسأله عن أسمائهم، حتى إذا فرغ ممن بحضرته قيل له: فإنّه قد بَقِيَت منهم بقايا في الرَّساتيق (١). فجعل يبعث فتاه، حتى إذا كان الليل رجع إليه، فأقرأه رجلًا رجلًا، فأتى على ذِكْرِ بُختنَصَّرَ، فقال: قِف، قف، كيف قلت؟ قال: بُختُنَصَّرَ، قال: وما بُختُنَصَّرَ هذا؟ قال: هو أشَدُّهم فاقة، وهو مُقعَدٌ يأتي عليه السُّفّارُون (٢)، فيُلقِي أحدُهم إليه الكِسرة، ويأخُذُ بأَنَفَةٍ. قال: فإني مُلِمٌّ به لا بُدَّ. قال الآخر: فإنما هو في خيمة له يُحدِثُ فيها، حتى أذهب فأَقلِبَها وأغسِلَه. قال: دونك هذه الدنانير. فأقبل إليه بالدنانير، فأعطاه إيّاها، ثم رجع إلى صاحبه، فجاء معه، فدخل الخيمة، فقال: ما اسمك؟ قال: بُختَنَصَّرَ. قال: من سَمّاك بُختَنَصَّرَ؟ قال: من عسى أن يُسَمِّيَني إلا أمي؟! قال: فهل لك أحد؟ قال: لا، والله، إني لهاهنا أخاف بالليل أن تأكلني الذئاب. قال: فأي الناس أحسن بلاء؟ قال: أنت (٣). قال: أفرأيت إن مُلِّكتَ يومًا مِن دهر، أتجعل لي ألّا تعصيني؟ قال: أي سيدي، لا يضُرُّك ألّا تهزأ بي. قال: أرأيت إن مُلِّكت مرة أتجعل لي ألّا تعصيني؟ قال: أمّا هذه فلا أجعلُها لك، ولكن سوف أُكرِمُك كرامةً لا أُكرِمُها أحدًا. قال: دونك هذه الدنانير. ثم انطلق، فلحِق بأرضه، فقام الآخر، فاستوى على رجليه، ثم انطلق، فاشترى حمارًا وأرسانًا (٤)، ثم جعل يستعرض تلك الأُجُمَ (٥)، فيَجُزُّها، فَيبِيعُه، ثم قال: إلى متى هذا الشَّقاء؟! فعمَد، فباع ذلك الحمار، وتلك الأرْسان، واكتسى كسوة، ثم أتى باب الملك، فجعل يُشير عليهم بالرأي، وترتفع منزلته، حتى انتهى إلى بواب الفَرُّخان الذي يليه، فقال له الفَرُّخان: قد ذُكِر لي رجلٌ عندك، فما هو؟ قال: ما رأيت مثله قط. قال: ائْتِني به. فكَلَّمه، فأُعجِب به، قال: إنّ بيت المقدس تلك البلاد قد اسْتَعْصَوا علينا، وإنّا باعثون إليهم بعثًا، وإنِّي باعِثٌ إلى البلاد مَن يختبرُها. فنظر حينئذ إلى رجال مِن أهل الإرب (٦) والمكيدة،
стр. 8702
فبعثهم جواسيس، فلما فَصَلوا (١) إذا بُختُنَصَّرَ قد أتى بخُرجَيه (٢) على بغلة، قال: أين تريد؟ قال: معهم. قال: أفلا آذَنتَني فأبعثَك عليهم؟ قال: لا. حتى إذا وقَفوا بالأرض قال: تفرَّقوا. وسأل بُختُنَصَّرَ عن أفضل أهل البلد، فدُلَّ عليه، فألقى خُرْجَيْه في داره، وقال لصاحب المنزل: ألا تُخبِرُني عن أهل بلادك. قال: على الخبير سقطتَ، هم قومٌ فيهم كتاب فلا يُقيمونه، وأنبياء فلا يطيعونهم، وهم مُتَفَرِّقون. قال بُختُنَصَّرَ كالمتعجب منهم: كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون! فكتبهنَّ في ورقة، وألقاها في خُرجَيه، وقال: ارتحلوا. فأقبلوا حتى قدِموا على الفَرُّخان، فجعل يسأل كلَّ رجل منهم، فجعل الرجل يقول: أتينا بلاد كذا، ولها حصن كذا، ولها نهر كذا. قال: يا بُختَنَصَّرَ، ما تقول؟ قال: قَدِمنا أرضًا على قومٍ لهم كتابٌ لا يُقِيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون. فأمِن حينئذ، فندَب الناس، وبعث إليهم سبعين ألفًا، وأَمَّر عليهم بُختُنَصَّرَ، فساروا حتى إذا علَوا في الأرض أدركهم البريدُ أن الفَرُّخان قد مات، ولم يستخلف أحدًا. قال للناس: مكانكم. ثم أقبل على البريد حين قدِمَ على الناس، فقال: وكيف صنعتم؟ قالوا: كرهنا أن نقطع أمرًا دونك. قال: إن الناس قد بايعوني. فبايعوه، ثم استخلف عليهم، وكتب بينهم كتابًا، ثم انطلق بهم سريعًا حتى قدِم على أصحابه، فأراهم الكتاب، فبايعوه، وقالوا: ما بنا عنك رغبة. فساروا، فلمّا سمِع أهل بيت المقدس تفرقوا وطاروا تحت كل كوكب، فشعَّث ما هناك -أي: أفسد-، وقتل من قتل، وخرَّب بيت المقدس، واسْتَبى أبناء الأنبياء، فيهم دانيال، فسمع به صاحب الدنانير، فأتاه، فقال: هل تعرفني؟ قال: نعم. فأدنى مجلسَه، ولم يُشَفِّعه في شيء حتى إذا نزل بابل لا تُرَدُّ له راية، فكان كذلك ما شاء الله، ثم إنّه رأى رؤيا أفظعته، فأصبح قد نسيها، قال: عليَّ بالسحرة والكهنة. قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة، واللهِ، لَتُخبِرُنِّي بها أو لأقتُلَنَّكم. قالوا: ما هي؟ قال: قد نسيتها. قالوا: ما عندنا من هذا علم، إلا أن ترسل إلى أبناء الأنبياء. فأرسل إلى أبناء الأنبياء، قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها. قالوا: ما هي؟ قال: نسيتها. قالوا: غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله. قال: واللهِ، لَتُخْبِرُنِّي بها أو لأَضرِبَنَّ أعناقَكم. قالوا: فدَعنا حتى نتوضَّأ ونُصلِّيَ وندعو الله. قال: فافعلوا. فانطلقوا، فأحسنوا الوضوء، فأتوا صعيدًا طيبًا،
стр. 8703
فدعوا الله، فأُخبِروا بها، ثم رجعوا إليه، فقالوا: رأيتَ كأن رأسك من ذهب، وصدرك من فخّار، وبطنك من نُحاس، ورجليك من حديد. قال: نعم. قال: فأخبروني بعبارتِها، أو لأقتُلَنَّكم. قالوا: فدعنا ندعو ربنا. قال: اذهبوا. فدعوا ربهم، فاستجاب لهم، فرجعوا إليه، قالوا: رأيتَ كأن رأسك من ذهب، مُلكُك هذا يذهب عند رأس الحول مِن هذه الليلة. قال: ثم مَه؟ قالوا: ثم يكون بعدك مَلِكٌ يفخَرُ على الناس، ثم يكون مَلِكٌ يخشى الناسُ شدَّتَه، ثم يكون مُلكٌ لا يُقلُّه شيء، إنما هو مثل الحديد. يعني: الإسلام. فأمر بحصن، فبُني له بينه وبين السماء، ثم جعل يُنَطِّقُه (١) بمقاعد الرجال والأحراس، وقال لهم: إنّما هي هذه الليلة، لا يجوزنَّ عليكم أحد، وإن قال: أنا بُختُنَصَّر. إلّا قتلتموه مكانه مَن كان مِن الناس. فقعد كل أُناس في مكانهم الذي وكِّلوا به، واهتاج بطنُه من الليل، فكره أن يُرى مَقعَده هناك، وضرب على أصمِخة (٢) القوم، فاستثقلوا نومًا، فأتى عليهم وهم نيام، ثم أتى عليهم فاستيقظ بعضهم، فقال: من هذا؟ قال: بُختُنَصَّر. قال: هذا الذي حُفي إلينا فيه (٣) الليلة. فضربه، فقتله، فأصبح الخبيثُ قتيلًا (٤). (٩/ ٢٥٩)
٤٢٤٦١ - وعن سعيد بن جبير -من طريق يعلى بن مسلم- =
٤٢٤٦٢ - وإسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-، نحوه (٥). (٩/ ٢٥٩)
٤٢٤٦٣ - عن سعيد بن المسيب -من طريق يحيى بن سعيد- قال: ظَهَر بُختُنَصَّر على الشام، فخَرَّب بيت المقدس، وقتلهم، ثم أتى دمشق، فوجد بها دمًا يغلي على كِبًا (٦)، فسألهم ما هذا الدم؟ قالوا: أدركنا آباءَنا على هذا، وكلَّما ظهر عليهم الكِبا ظهر. فقتل على ذلك الدم سبعين ألفًا من المسلمين وغيرهم، فسَكَن (٧) [٣٧٩٧].
стр. 8704
٤٢٤٦٤ - عن أبي المعلى، قال: سمعت سعيد بن جبير، قال: بعث الله عليهم في المرة الأولى سنحاريب، من أهل أثُورَ ونَيْنَوى. فسألت سعيدًا عنها، فزعم أنها الموصل. قال: فرد الله لهم الكرَّة عليهم، كما قال. قال: ثم عصوا ربَّهم، وعادوا لما نهوا عنه، فبعث عليهم في المرة الآخرة بختنصر (١). (ز)
٤٢٤٦٥ - عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿بعثنا عليكم عبادًا لنا أُولي بأسٍ شديد﴾، قال: جُندٌ أتَوا مِن فارس يتجسسون مِن أخبارهم، ويسمعون حديثهم، معهم بُختَنَصَّر، فوعى أحاديثَهم مِن بين أصحابه، ثم رجَعَت فارس ولم يكن قتال، ونُصِرت عليهم بنو إسرائيل، فهذا وعد الأولى، فإذا جاء وعد الآخرة بعث مَلِكُ فارس ببابل جيشًا، وأمَّر عليهم بُختَنَصَّر، فدمَّروهم، فهذا وعد الآخرة (٢) [٣٧٩٨]. (٩/ ٢٦٢)
٤٢٤٦٦ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: عُوقِب القومُ على غُلوِّهم وفسادهم، فبعث الله عليهم في الأولى جالوت الجزري، فسبى وقتل، وجاسوا خلال الديار كما قال الله، ثم رُوجِع القوم على دخن فيهم كثير (٣). (ز)
٤٢٤٦٧ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد﴾ بختنصر المجوسي ملك بابل وأصحابه (٤). (ز)
٤٢٤٦٨ - عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- أن بعض أهل العلم أخبره: أنّ زكريا مات موتًا ولم يقتل، وأن المقتول إنما هو شعيا، وأن بختنصر هو الذي سُلِّط
стр. 8705
على بني إسرائيل في المرة الأولى بعد قتلهم شعيا (١). (ز)
﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾
٤٢٤٦٩ - عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿فجاسوا﴾، قال: فمَشَوا (٢) [٣٧٩٩]. (٩/ ٢٦٣)
٤٢٤٧٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ يعني: فقَتَل الناس في الأزِقَّة، وسَبى ذراريهم، وخرَّب بيت المقدس، وألقى فيه الجِيَف، وحرَّق التوراة، ورجع بالسبي إلى بابل، فذلك قوله سبحانه: ﴿وكان وعدا مفعولا﴾ (٣). (ز)
٤٢٤٧١ - قال يحيى بن سلّام: ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ فقتلوهم في الديار، وهدَّموا بيت المقدس، وألقوا فيه الجِيَف والعَذِرة (٤). (ز)
﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾
٤٢٤٧٢ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكان وعدا مفعولا﴾، يعني: وعدًا كائِنًا لا بُدَّ منه، فكانوا ببابل سبعين سنة (٥). (ز)
٤٢٤٧٣ - قال يحيى بن سلّام: ﴿وكان وعدا مفعولا﴾، أي: أنّه كائن (٦). (ز)
стр. 8706
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾
٤٢٤٧٤ - عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- قال: أمّا المرة الأولى فسلَّط عليهم جالوت، حتى بعث طالوت ومعه داود، فقتله داود، ثم ردَّ الكرَّة لبني إسرائيل (١). (٩/ ٢٦٣)
٤٢٤٧٥ - قال مقاتل بن سليمان: ثم إن الله استنقذهم على يد [كورش] بن مزدك الفارسي، فردَّهم إلى بيت المقدس، فذلك قوله : ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين﴾ (٢). (ز)
٤٢٤٧٦ - قال يحيى بن سلّام: وقوله: ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾، ففعل ذلك بهم في زمان داود يوم طالوت (٣) [٣٨٠٠]. (ز)
﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾
٤٢٤٧٧ - تفسير إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿وأمددناكم بأموال وبنين﴾، يقول: وأعطيناكم (٤). (ز)
٤٢٤٧٨ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأمددناكم بأموال وبنين﴾ حتى كثروا، فذلك قوله : ﴿وجعلناكم أكثر نفيرا﴾ (٥). (ز)
стр. 8707
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾
٤٢٤٧٩ - عن عبد الله بن مسعود -من طريق السدي، عن مُرَّة- =
٤٢٤٨٠ - وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿وجعلناكم أكثر نفيرًا﴾، يقول: عددًا (١). (ز)
٤٢٤٨١ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وجعلناكم أكثر نفيرًا﴾، قال: أي: عددًا، وذلك في زمن داود (٢). (٩/ ٢٦٣)
٤٢٤٨٢ - قال مقاتل بن سليمان: قوله : ﴿وجعلناكم أكثر نفيرا﴾ يعني: أكثر رجالًا منكم قبل ذلك، فكانوا بها مائتي سنة وعشر سنين، فيهم أنبياء (٣). (ز)
٤٢٤٨٣ - قال يحيى بن سلّام: ﴿وجعلناكم أكثر نفيرا﴾، أي: أكثر عددًا في زمان داود (٤). (ز)
آثار متعلقة بالآية:
٤٢٤٨٤ - عن الحسن البصري: أن بُختَنَصَّر لَمّا قتل بني إسرائيل، وهدم بيت المقدس، وسار بسبايا بني إسرائيل إلى أرض بابل، فسامَهم سوء العذاب؛ أراد أن يتناول السماء، فطلب حِيلةً يصعد بها، فسلَّط الله عليه بعوضة، فدخلت مِنخَرَه، فوقعت في دماغه، فلم تزل تأكُلُ دماغه وهو يضرب رأسه بالحجر حتى مات (٥). (٩/ ٢٦٠)
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾
٤٢٤٨٥ - قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿إن أحسنتم﴾ العملَ لله بعد هذه المرَّة ﴿أحسنتم لأنفسكم﴾ فلا تهلكوا، ﴿وإن أسأتم فلها﴾ يعني: وإن عصيتم فعلى أنفسكم، فعادوا إلى المعاصي الثانية، فسلَّط الله عليهم أيضًا انطباخوس بن سيس الرومي ملك أرض نَيْنَوى، فذلك قوله : ﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾ (٦). (ز)
стр. 8708
٤٢٤٨٦ - قال يحيى بن سلّام: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾، أي: فلأنفسكم (١). (ز)
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾
قراءات:
٤٢٤٨٧ - قال يحيى بن سلّام: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وهي تُقرَأ على وجهين: ليسوء الله وجوهكم، خفيفةً، والوجه الآخر: ﴿ليسوءُوا﴾ مثقلة، يعني: القوم ﴿وجوهكم﴾ (٢) [٣٨٠١]. (ز)
стр. 8709
تفسير الآية:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾
٤٢٤٨٨ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾ آخر العقوبتين (١). (٩/ ٢٦٣)
٤٢٤٨٩ - قال إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾، يعني: الموت الأخير مِن العذاب الذي وعدهم (٢). (ز)
٤٢٤٩٠ - قال مقاتل بن سليمان: فعادوا إلى المعاصي الثانية، فسلَّط الله عليهم أيضًا انطباخوس بن سيس الرومي ملك أرض نَيْنَوى، فذلك قوله : ﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾، يعني: وقت آخر الهلاكَيْن (٣). (ز)
٤٢٤٩١ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾، قال: كانت الآخرةُ أشدَّ من الأولى بكثير، قال: لأنّ الأولى كانت هزيمةً فقط، والآخرة كان التدمير، وأحرق بختنصر التوراةَ حتى لم يترك فيها حرفًا، وخرَّب المسجد (٤). (٩/ ٢٦٣)
﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾
٤٢٤٩٢ - عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿ليسوءوا وجُوهَكُم﴾، قال: ليُقَبِّحوا وجوهكم (٥). (٩/ ٢٦٣)
٤٢٤٩٣ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿ليسوءوا وجوهكم﴾، يعني: ليقبح وجوهكم، فقتلهم، وسبى ذراريهم، وخرَّب بيت المقدس، وألقى فيه الجيف، وقتل علماءهم، وحرق التوراة، فذلك قوله : ﴿وليدخلوا المسجد﴾ (٦). (ز)
стр. 8710
﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
٤٢٤٩٤ - عن أبي المعلى، قال: سمعت سعيد بن جبير، قال: بعث الله عليهم في المرة الأولى سنحاريب. قال: فرد الله لهم الكرة عليهم، كما قال. قال: ثم عصوا ربهم وعادوا لما نهوا عنه، فبعث عليهم في المرة الآخرة بختنصر، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية، وأخذ ما وجد من الأموال، ودخلوا بيت المقدس، كما قال الله : ﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾، دخلوه فتبرُّوه، وخرَّبوه، وألقوا فيه ما استطاعوا مِن العذرة والحِيَض والجِيَف والقَذَر، فقال الله: ﴿عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا﴾، فرحمهم، فرد إليهم ملكهم، وخَلَّصَ من كان في أيديهم من ذرية بني إسرائيل، وقال لهم: إن عدتم عدنا. فقال أبو المعلى: ولا أعلم ذلك، إلا من هذا الحديث، ولم يَعِدْهم الرجعة إلى مُلْكِهم (١). (ز)
٤٢٤٩٥ - عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة﴾ قال: كما دخل عدوُّهم قبل ذلك، ﴿ولِيُتَبِرُّوا ما علوا تتبيرًا﴾ قال: فبعث الله عليهم في الآخرة بُختَنَصَّر البابلي المجوسي أبغض خلق الله إليه، فسبى وقتل وخرَّب بيت المقدس، وسامَهم سوء العذاب (٢). (٩/ ٢٦٣)
٤٢٤٩٦ - قال مقاتل بن سليمان: قوله : ﴿وليدخلوا المسجد﴾ يعني: بيت المقدس، أنطياخوس بن سيس ومَن معه بيت المقدس، ﴿كما دخلوه أول مرة﴾ يقول: كما دخله بختنصر المجوسي وأصحابه قبل ذلك (٣). (ز)
٤٢٤٩٧ - قال يحيى بن سلّام: ﴿وليدخلوا المسجد﴾، يعني: بيت المقدس ... فبعث الله عليهم في الآخرة بختنصر البابلي المجوسي، فسبى، وقتل، وخرب بيت المقدس، وقذف فيه الجيف والعذرة. يقال: [إنّ] فسادهم الثاني قتل يحيى بن زكرياء، فبعث الله بختنصر عقوبة عليهم بقتلهم يحيى، فقتل منهم سبعين ألفًا (٤). (ز)
стр. 8711
﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾
٤٢٤٩٨ - عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿تتبيرًا﴾، قال: تدميرًا (١). (٩/ ٢٦٤)
٤٢٤٩٩ - عن سعيد بن جبير، قال: تبَّره وتبَّرنا، بالنبطية (٢). (٩/ ٢٦٤)
٤٢٥٠٠ - عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿ولِيُتَبِرُّوا ما علوا تتبيرًا﴾، قال: يُدَمِّروا ما عَلَوْا تدميرًا (٣). (٩/ ٢٦٣)
٤٢٥٠١ - قال مقاتل بن سليمان: قال سبحانه: ﴿وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾، يقول : وليدمروا ما علوا؛ يقول: ما ظهروا عليه تدميرًا، كقوله سبحانه في الفرقان [٣٩]: ﴿وكلا تبرنا تتبيرا﴾، يعني: وكلًّا دمرنا تدميرًا (٤) [٣٨٠٢]. (ز)
٤٢٥٠٢ - قال يحيى بن سلّام: ﴿وليتبروا ما علوا﴾ أي: غلبوا عليه ﴿تتبيرا﴾ أي: وليفسدوا ما غلبوا عليه فسادًا (٥). (ز)
سياق القصة
٤٢٥٠٣ - عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: بعث عيسى ابن مريم يحيى بن زكريا في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس. قال: فكان فيما نهاهم عنه نكاح ابنة الأخ. قال: وكانت لملكهم ابنة أخ تعجبه، يريد أن يتزوجها، وكانت لها كل يوم حاجة يقضيها، فلما بلغ ذلك أمها قالت لها: إذا دخلت على الملك فسألك حاجتك فقولي: حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكريا. فلما دخلت عليه سألها حاجتها، فقالت: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا. فقال: سلي غير
стр. 8712
هذا. فقالت: ما أسألك إلا هذا. قال: فلما أبت عليه دعا يحيى، ودعا بطست، فذبحه، فبدرت قطرة مِن دمه على الأرض، فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر عليهم، فجاءته عجوز من بني إسرائيل، فدلته على ذلك الدم. قال: فألقى الله في نفسه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يَسْكُن، فقتل سبعين ألفًا منهم من سِنٍّ واحد، فسكن (١). (ز)
٤٢٥٠٤ - عن عبد الله بن الزبير -من طريق عمر بن عبد الله بن عروة- أنّه قال وهو يُحَدِّث عن قتل يحيى بن زكريا: ما قُتل يحيى بن زكريا إلا بامرأة تبغي من بغايا بني إسرائيل؛ كان فيهم ملك، وكان يحيى بن زكريا تحت يدي ذلك الملك، فهمَّت ابنةُ ذلك الملك بأبيها، فقالت: لو أنِّي تزوجت بأبي فاجتمع لي سلطانه دون النساء! فقالت له: يا أبتِ، تزوجني. ودعته إلى نفسها، فقال لها: يا بنية، إن يحيى بن زكريا لا يُحِلُّ لنا هذا. فقالت: مَن لي بيحيى بن زكريا! ضَيَّق عليَّ، وحال بيني وبين أن أتزوج بأبي، فأغلب على ملكه ودنياه دون النساء. قال: فأمرت اللعابين ومحلت بذلك لأجل قتل يحيى بن زكريا، فقالت: ادخلوا عليه فألعبوا، حتى إذا فرغتم فإنّه سيحكمكم، فقولوا: دم يحيى بن زكريا. ولا تقبلوا غيره. وكان اسم الملك: رواد، واسم ابنته: البغي، وكان الملك فيهم إذا حدث فكذب، أو وعد فأخلف؛ خُلِع فاستبدل به غيره، فلما ألعبوه وكثر عجبه منهم قال: سلوني أعطِكم. قالوا: دم يحيى بن زكريا أعطِناه. قال: ويحكم، سلوني غير هذا. فقالوا: لا نسألك غيره. فخاف على ملكه إن هو أخلفهم أن يستحل بذلك خلعه، فبعث إلى يحيى بن زكريا وهو جالس في محرابه يصلي، فذبحوه في طست، ثم حزوا رأسه، فاحتمله رجل في يده والدم يحمل في الطست معه، قال: فطلع برأسه يحمله حتى وقف به على الملك، ورأسه يقول في يدي الذي يحمله: لا يحل لك. فقال رجل من بني إسرائيل: أيها الملك، لو أنك وهبت لي هذا الدم. فقال: وما تصنع به؟ قال: أطهر منه الأرض، فإنه كان قد ضيقها علينا. فقال: أعطوه إياه، فأخذه فجعله في قلة، ثم عمد به إلى بيت في المذبح، فوضع القلة فيه، ثم أغلق عليه، ففار في القلة حتى خرج منها مِن تحت الباب مِن البيت الذي هو فيه، فلما رأى الرجل ذلك فَظِع (٢) به، فأخرجه، فجعله في فلاة من الأرض، فجعل يفور، وعظمت فيهم
стр. 8713
الأحداث. ومنهم من يقول: أقر مكانه في القربان ولم يحول (١). (ز)
٤٢٥٠٥ - عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق، عمن لا يتهم واللفظ له، ومن طريق عبد الصمد بن معقل بنحوه- أنه كان يقول: قال الله ﵎ لإرميا (٢) حين بعثه نبيًّا إلى بني إسرائيل: يا إرميا، من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصورك في بطن أمك قدستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك، ومن قبل أن تبلغ السعي نَبَّيْتُك، ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك، ولأمر عظيم اجتبيتك. فبعث الله إرميا إلى ذلك الملك من بني إسرائيل يسدده ويرشده، ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه وبين الله. قال: ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي، واستحلوا المحارم، ونسوا ما كان الله تعالى صنع بهم، وما نجاهم من عدوهم سنحاريب وجنوده، فأوحى الله تعالى إلى إرمياء: أن ائت قومك من بني إسرائيل، واقصص عليهم ما آمرك به، وذكرهم نعمتي عليهم، وعرفهم أحداثهم. فقال إرمياء: إني ضعيف إن لم تُقَوِّني، عاجز إن لم تُبَلِّغْني، مخطئ إن لم تسددني، مخذول إن لم تنصرني، ذليل إن لم تُعِزَّني. قال الله ﵎: أوَلَم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي، وأن القلوب كلها والألسنة بيدي، أقلبها كيف شئت، فتطيعني، وإني أنا الله الذي لا شيء مثلي، قامت السماوات والأرض وما فيهن بكلمتي، وأنا كلمت البحار، ففهمت قولي، وأمرتها، فعقلت أمري، وحددت عليها بالبطحاء فلا تَعدّى حدِّي، تأتي بأمواج كالجبال، حتى إذا بلغت حدِّي ألبستها مذلة طاعتي خوفًا واعترافًا لأمري؟! إني معك، ولن يصل إليك شيء معي، [وإني] بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي؛ لتبلغهم رسالاتي، ولتستحق بذلك مثل أجر من تبعك منهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، وإن تقصر عنها فلك مثل وِزْر من تركب في عماه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا، انطلق إلى قومك فقُل: إنّ الله ذكر لكم صلاح آبائكم، فحمله ذلك على أن يستتيبكم، يا معشر الأبناء، وسلهم كيف وجد آباؤهم مغبة طاعتي، وكيف وجدوا هم مغبة معصيتي، وهل علموا أن أحدًا قبلهم أطاعني فشقي بطاعتي، أو عصاني فسعد بمعصيتي، فإن الدواب مما
стр. 8714
تذكر أوطانها الصالحة فتنتابها، وإن هؤلاء القوم قد رتعوا في مروج الهلكة. أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خَوَلًا ليعبدوهم دوني، وتحكَّموا فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري، وأنسوهم ذكري، وغرُّوهم مني. أما أمراؤهم وقاداتهم فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، ونبذوا كتابي، ونسوا عهدي، وغيروا سنتي، فادّان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعونهم في معصيتي، ويتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جراءة عليَّ وغرة وفرية عليَّ وعلى رسلي، فسبحان جلالي وعلو مكاني، وعظم شأني، فهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي، وهل ينبغي لي أن أخلق عبادًا أجعلهم أربابًا من دوني؟! وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبدون في المساجد، ويتزينون بعمارتها لغيري؛ لطلب الدنيا بالدين، ويتفقهون فيها لغير العلم، ويتعلمون فيها لغير العمل؛ وأما أولاد الأنبياء، فمكثرون مقهورون مغيرون، يخوضون مع الخائضين، ويتمنون عليَّ مثل نصرة آبائهم والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أن لا أحد أولى بذلك منهم مني بغير صدق ولا تفكر ولا تدبر، ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم لي، وكيف كان جدهم في أمري حين غير المغيرون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم، فصبروا وصدقوا حتى عز أمري، وظهر ديني، فتأنيت بهؤلاء القوم لعلهم يستجيبون، فأطْوَلتُ لهم، وصفحت عنهم، لعلهم يرجعون، فأكثرت ومددت لهم في العمر لعلهم يتذكرون، فأعذرت في كل ذلك، أمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض، وألبسهم العافية وأظهرهم على العدو، فلا يزدادون إلا طغيانًا وبعدًا مني، فحتى متى هذا؟! أبِي يَتَمَرَّسون (١)؟! أم إيّاي يُخادعون؟! وإني أحلف بعزتي، لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم، ويضل فيها رأي ذي الرأي، وحكمة الحكيم، ثم لأسلطن عليهم جبارًا قاسيًا عاتيًا، ألبسه الهيبة، وأنتزع مِن صدره الرأفة والرحمة والبيان، يتبعه عدد وسواد مثل سواد الليل المظلم، له عساكر مثل قطع السحاب، ومراكب أمثال العجاج، كأن خفيق راياته طيران النسور، وأن حملةَ فُرسانه كريرُ (٢) العِقْبان (٣). ثم أوحى الله إلى إرميا: إني مهلك بني إسرائيل بيافث. ويافث أهل بابل، وهم من ولد يافث بن نوح. فلما سمع إرميا وحيَ ربه صاح وبكى وشقَّ ثيابه، ونبذ الرماد على رأسه، وقال: ملعون يوم ولدت فيه، ويوم
стр. 8715
لقيت التوراة، ومن شر أيامي يوم ولدت فيه، فما أبقيت آخر الأنبياء إلا لما هو أشر عليَّ، لو أراد بي خيرًا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل، فمن أجلي تصيبهم الشقوة والهلاك. فلما سمع الله تضرع الخضِر وبكاءه وكيف يقول ناداه: يا إرميا، أشق ذلك عليك ما أوحيت لك؟ قال: نعم، يا رب، أهلِكْني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به. فقال الله: وعزتي العزيزة، لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك. ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربه، وطابت نفسه، وقال: لا، والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق، لا آمر ريي بهلاك بني إسرائيل أبدًا. ثم أتى ملك بني إسرائيل، فأخبره ما أوحى الله إليَّ، فاستبشر وفرح، وقال: إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدمناها لأنفسنا، وإن عفا عنا فبقدرته. ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديًا في الشر، وذلك حين اقترب هلاكهم، فقلَّ الوحي حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة، وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها، فقال لهم ملكهم: يا يني إسرائيل، انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسكم بأس الله، وقبل أن يُبعَث عليكم قومٌ لا رحمة لهم بكم، وإن ربكم قريب التوبة، مبسوط اليدين بالخير، رحيم بمن تاب إليه. فأبوا عليه أن ينزعوا عن شيء مما هم عليه، وإنّ الله قد ألقى في قلب بختنصر بن نبوزرادان بن سنحاريب بن دارياس بن نمرود بن فالخ بن عابر بن نمرود -صاحب إبراهيم الذي حاجَّه في ربِّه- أن يسير إلى بيت المقدس، ثم يفعل فيه ما كان جدُّه سنحاريب أراد أن يفعل، فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلما فَصَل سائرًا أتى ملك بني إسرائيل الخبرَ أنّ بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم، فأرسل الملك إلى إرميا، فجاءه، فقال: يا إرميا، أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى إليك أن لا يهلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الأمر في ذلك؟ فقال إرميا للملك: إن ربي لا يخلف الميعاد، وأنا به واثِق. فلما اقترب الأجل، ودنا انقطاع ملكهم، وعزم الله على هلاكهم؛ بعث الله ملَكًا من عنده، فقال له: اذهب إلى إرميا، فاستفته. وأمره بالذي يستفتى فيه، فأقبل الملك إلى إرمياء، وكان قد تمثل له رجلًا من بني إسرائيل، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري. فأذن له، فقال له الملك: يا نبي الله، أتيتك أستفتيك في أهل رحمي، وصلت أرحامهم بما أمرني الله به، لم آت إليهم إلا حسنًا، ولم آلهم كرامة، فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطًا لي، فأفتني فيهم، يا نبي الله. فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله، وصِل
стр. 8716
ما أمرك الله أن تصل، وأبشر بخير. وانصرف عنه، فمكث أيامًا، ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل الذي كان جاءه، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي. فقال له نبي الله: أوما طهُرت لك أخلاقهم بعد، ولم تر منهم الذي تحب؟ فقال: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق، ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس لأهل رَحِمه إلا قد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك. فقال النبي: ارجع إلى أهلك، فأَحْسِن إليهم، أسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلح ذات بينكم، وأن يجمعكم على مرضاته، ويجنبكم سخطه. فقام الملَك من عنده، فلبث أيامًا، وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد، ففزع منهم بنو إسرائيل فزعًا شديدًا، وشقَّ ذلك على ملِك بني إسرائيل، فدعا إرميا، فقال: يا نبيَّ الله، أين ما وعدك الله؟ فقال: إني بربي واثق. ثم إن الملَك أقبل إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك، ويستبشر بنصر ربه الذي وعده، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا الذي كنت أتيتك في شأن أهلي مرتين. فقال له النبي: أوَلَم يَأْنِ لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟! فقال له الملك: يا نبي الله، كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، وأعلم أن ما بهم في ذلك سخطي، فلما أتيتهم اليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله، ولا يحبه الله . فقال له نبي الله: على أي عمل رأيتهم؟ قال: يا نبي الله، رأيتهم على عمل عظيم من سخط الله، فلو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم لم يشتد عليهم غضبي، وصبرت لهم ورجوتهم، ولكن غضبت اليوم لله ولك، فأتيتك لأخبرك خبرهم، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق، إلا ما دعوت عليهم ربك أن يهلكهم. فقال إرميا: يا مالك السموات والأرض، إن كانوا على حقٍّ وصواب فأبْقِهم، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلِكْهُم. فما خرجت الكلمة من فِي إرميا حتى أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس، فالتهب مكان القربان، وخسف بسبعة أبواب من أبوابها، فلما رأى ذلك إرميا صاح وشق ثيابه، ونبذ الرماد على رأسه، فقال: يا ملك السماء ويا أرحم الراحمين، أين ميعادك الذي وعدتني؟ فنودي إرميا، إنهم لم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت بها رسولَنا، فاستيقن النبيُّ ﷺ أنها فتياه التي أفتى بها ثلاث مرات، وأنه رسول ربه. ثم إن إرميا طار حتى خالط الوحش، ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس، فوطئ الشام، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وخرب بيت المقدس، أمر
стр. 8717
جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابًا، ثم يقدفه في بيت المقدس، فقذفوا فيه التراب حتى ملأوه، ثم انصرف راجعًا إلى أرض بابل، واحتمل معه سبايا بني إسرائيل، وأمرهم أن يجمعوا مَن كان في بيت المقدس كلهم، فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرئيل، فاختار منهم سبعين ألف صبي، فلما خرجت غنائم جنده، وأراد أن يقسمهم فيهم؛ قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك، لك غنائمنا كلها، واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل. ففعل، وأصاب كل رجل منهم أربعة أغلمة، وكان من أولئك الغلمان دانيال، وحنانيا، وعزاريا، وميشائيل، وسبعة آلاف من أهل بيت داود، وأحد عشر ألفًا من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط أشر بن يعقوب، وأربعة عشر ألفًا من سبط زبالون بن يعقوب ونفثالي بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي ابني يعقوب ومَن بقي مِن بني إسرائيل، وجعلهم بختنصر ثلاث فرق، فثلثًا أقر بالشام، وثلثًا سبى، وثلثًا قتل، وذهب بآنية بيت المقدس حتى أقدمها بابل، وذهب بالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل، فكانت هذه الوقعة الاولى التي أنزل الله ببني إسرائيل بإحداثهم وظلمهم. فلما ولى بختنصر عنهم راجعًا إلى بابل بمَن معه من سبايا بني إسرائيل أقبل أرميا على حمار له معه عصير، ثم ذكر قصته حين أماته الله مئة عام، ثم بعثه، ثم خبر رؤيا بختنصر وأمر دانيال، وهلاك بختنصر، ورجوع من بقي من بني إسرائيل في أيدي أصحاب بختنصر بعد هلاكه إلى الشام، وعمارة بيت المقدس، وأمر عزير وكيف رد الله عليه التوراة (١). (ز)
٤٢٥٠٦ - عن قتادة بن دعامة -من طريق أبي هلال الراسبي-: أنّ مريم لَمّا حملت قالوا: ضيع الله بنت سيدنا -يعنون: زكرياء- حتى زَنَت. فلما طلبوا زكرياء ليقتلوه انطلق هاربًا، فعرضت له شجرة، فقال: افرجي لي حتى أختبئ فيك، ففرجت له، فدخل فيها، وانضمَّت عليه، وبقي بعض هدب ثيابه خارجًا، فطلبوه، فلم يقدروا عليه، فجاء إبليس، فقال: هو في هذه الشجرة، وهذا هدب ثوبه. فجيء بالمنشار، فوضع عليه حتى قتل. وإن يحيى بن زكريا كان في زمان لم يكن للرجل منهم أن يتزوج امرأة أخيه بعده، وإذا كذب متعمدًا لم يُوَلَّ الملك، فمات الملك وولي أخوه، فأراد الملك أن يتزوج امرأة أخيه الملك الذي مات، فسألهم، فرَخَّصوا له،
стр. 8718
فسأل يحيى بن زكريا، فأبى أن يُرَخِّص له، فحقدت عليه امرأة أخيه، وجاءت بابنة أخي الملك الأول إليه، فقال لها: سليني اليوم حكمك. فقالت: حتى أنطلق إلى أمي. فلقيت أمها، فقالت: قولي له: إن أردت أن تفي لنا بشيء فأعطني رأس يحيى بن زكرياء. فقال: قولي لها: غير هذا خير لك منه. قال: فأبَتْ، وتَكَرَّه أن يخلفها فلا يُوَلّى الملك، فدفع إليها يحيى بن زكرياء، فلما وضعت الشفرة على حلقه قال: قولي: بسم الله، هذا ما بايع عليه يحيى بن زكرياء عيسى ابن مريم على ألا يزني، ولا يسرق، ولا يلبس إيمانه بسوء. فلما أمَرَّتِ الشفرةَ على أوداجه فذبحته ناداها مُنادٍ من فوقها، فقال: يا ربَّة البيت الخاطئة الغاوية. قالت: إنها كذلك، فما تريد منها؟ قال: لتبشر، فإنها أول ما تدخل النار. قال: وخسف بابنتها، فجاءوا بالمعاول، فجعلوا يحفرون عنها، وتدخل في الأرض حتى ذهبت (١). (ز)
٤٢٥٠٧ - عن محمد بن إسحاق، عن أبي عتاب -رجل مِن تَغْلِب كان نصرانيًا عُمُرًا مِن دهره، ثم أسلم بعد، فقرأ القرآن، وفقِه في الدين، وكان فيما ذكِر أنه كان نصرانيًّا أربعين سنة، ثم عُمِّر في الإسلام أربعين سنة- قال: كان آخر أنبياء بني إسرائيل نبيًّا بعثه الله إليهم، فقال لهم: يا بني إسرائيل، إن الله يقول لكم: إني قد سبَبتُ (٢) أصواتكم، وأبغضتكم بكثرة أحداثِكم. فَهَمُّوا به ليقتلوه، فقال الله ﵎ له: ائتهم، واضرب لي ولهم مثلًا، فقل لهم: إنّ الله ﵎ يقول لكم: اقضُوا بيني وبين كَرْمِي، ألم اختر له البلاد، وطيَّبتُ له المَدَرَةَ، وحظَرتُه بالسِّياج، وعرَّشتُه السَّويق والشوك والسِّياج والعَوْسَجَ (٣)، وأحطته بردائي، ومنعته من العالم وفضَّلتُه؟ فلقِيني بالشوك والجذوع، وكل شجرة لا تؤكل، ما لهذا اخترت البلدة، ولا طيَّبتُ المَدَرَةَ، ولا حظَرتُه بالسَّياج، ولا عرَّشتُه السويق، ولا حُطْتُه بردائي، ولا منعته من العالم، فضلتكم وأتممت عليكم نعمتي، ثم استقبلتموني بكل ما أكره من معصيتي وخلاف أمري، لِمَهْ؟! إنّ الحمار ليعرف مِزودَه، لِمَهْ؟! إنّ البقرة لتعرف سيدها. حلفت بعزتي العزيزة، وبذراعي الشديد، لآخذن ردائي، ولأمرُجَنَّ
стр. 8719
الحائط، ولأجعلنكم تحت أرجل العالم. قال: فوثبوا على نبيهم، فقتلوه، فضرب الله عليهم الذلَّ، ونزع منهم المُلك، فليسوا في أمة من الأمم إلا وعليهم ذلٌّ وصَغارٌ وجزيةٌ يؤدُّونها، والملك في غيرهم من الناس، فلن يزالوا كذلك أبدًا، ما كانوا على ما هم عليه (١). (ز)
٤٢٥٠٨ - عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: فلما رفع الله عيسى من بين أظهرهم، وقتلوا يحيى بن زكريا، وبعض الناس يقول: وقتلوا زكريا؛ ابتعث الله عليهم ملِكًا من ملوك بابل يُقال له: خردوس، فسار إليه بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمَرَ رأسًا من رؤوس جنده يُدعى: نَبُوزَرادان صاحب القتل،، فقال له: إني قد كنت حلفت بإلهي، لئن أنا ظهَرْتُ على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تَسيل دماؤهم في وسط عسكري، إلا أن لا أجد أحدًا أقتله. فأمر أن يقتلهم حتى يبلُغ ذلك منهم نَبُوزُرادان، فدخل بيت المقدس، فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دمًا يغلي، فسألهم، فقال: يا بني إسرائيل، ما شأن هذا الدم الذي يغلي؟ أخبروني خبره، ولا تكتموني شيئًا من أمره. فقالوا: هذا دم قربان كان لنا، كُنّا قرَّبناه فلم يُتقبل منا، فلذلك هو يغلي كما تراه، ولقد قرَّبنا منذ ثمانمائة سنة القربان فتُقُبِّل منا إلا هذا القربان. قال: ما صدقتموني الخبر. قالوا له: لو كان كأول زماننا لقُبِل مِنّا، ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي، فلذلك لم يُقبل منا. فذبح منهم نَبُوزُرادان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحًا من رؤوسهم، فلم يهدأ، فأمر بسبع مائة غلام من غلمانهم، فذبحوا على الدم، فلم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من شيعهم وأزواجهم، فذبحهم على الدم، فلم يبرد ولم يهدأ، فلما رأى نَبُوزُرادان أنّ الدم لا يهدأ قال لهم: ويلكم، يا بني إسرائيل، اصدقوني، واصبروا على أمر ربكم، فقد طال ما مُلِّكتم في الأرض، تفعلون فيها ما شئتم، قبل أن لا أترك منكم نافخَ نارٍ أنثى ولا ذكرًا إلا قتلته. فلما رأوا الجهد وشدة القتل صَدَقُوه الخبر، فقالوا له: إنّ هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله، فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا، وكان يخبرنا بأمركم، فلم نُصدقه، فقتلناه، فهذا دمه. فقال لهم نَبُوزُرادان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا. قال: الآن صدقتموني، بمثل هذا ينتقم ربُّكم منكم. فلما رأى نَبُوزُرادان أنهم صدقوه خَرَّ
стр. 8720
ساجدًا، وقال لمن حوله: غلِّقوا أبواب المدينة، وأخرِجوا من كان ههنا من جيش خردوس. وخلا في بني إسرائيل، ثم قال: يا يحيى بن زكريا، قد علم ربي وربُّك ما قد أصاب قومك من أجلك، وما قُتل منهم من أجلك، فاهدأْ بإذن الله قبل أن لا أُبقي من قومك أحدًا. فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله، ورفع نَبُوزُرادان عنهم القتل، وقال: آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل، وصدقت وأيقنت أنه لا رب غيره، ولو كان معه آخر لم يصلُح، ولو كان له شريك لم تَستمسك السماوات والأرض، ولو كان له ولد لم يصلُح، فتبارك وتقدس، وتسبح وتكبر وتعظم، ملك الملوك الذي يملك السماوات السبع، بعلم وحكم وجبروت وعزة، الذي بسط الأرض وألقى فيها رواسي ألا تزول، فكذلك ينبغي لربي أن يكون ويكون ملكه. فأوحى الله إلى رأس من رؤوس بقية الأنبياء أن نَبُوزرادان حبور صدوق- والحبور بالعبرانية: حديث الإيمان- وإن نَبُوزرادان قال لبني إسرائيل: إنّ عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لست أستطيع أن أعصيه. قالوا له: افعل ما أمرت به. فأمرهم، فحفروا خندقًا، وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل، فذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قبل ذلك، فطُرِحوا على ما قُتِل من مواشيهم حتى كانوا فوقهم، فلم يظن خردوس إلا أنّ ما كان في الخندق من بني إسرائيل. فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نَبُوزرادان: أن ارفع عنهم، فقد بلغتني دماؤهم، وقد انتقمت منهم بما فعلوا. ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل، وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد، وهي الوقعة الآخرة التي أنزل الله ببني إسرائيل. يقول الله -عز ذكره- لنبيه محمد ﷺ : ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين﴾ إلى قوله: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾، و «عسى» من الله حق، فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده، ثم رد الله لكم الكرة عليهم، وكانت الوقعة الآخرة خردوس وجنوده، وهي كانت أعظم الوقعتين، فيها كان خراب بلادهم، وقَتْلُ رجالهم، وسبي ذراريهم ونسائهم. يقول الله ﵎: ﴿وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾. ثم عاد الله عليهم، فأكثر عددهم، ونشرهم في بلادهم، ثم بدلوا وأحدثوا الأحداث، واستبدلوا بكتابهم غيره، وركبوا المعاصي، واستحلوا المحارم، وضيعوا الحدود (١). (ز)