Полный текст (295 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الباب التاسع: باب القضاء للفوائت
إذا كان الترك عمدًا لا لعذر، فدَيْن الله أحق أن يقضى١، وإن كان لعذر فليس بقضاء
الحواشي
(١) ١ قال الشوكاني في السيل الجرار "١/ ٥٨٨-٥٨٩": " ... لم يرد في قضاء الصلاة المتروكة عمدًا دليل يدل على وجوب القضاء على الخصوص، ولكنه وقع في حديث الخثعمية الثابت في الصحيح عند البخاري رقم "١٨٥٤" ومسلم رقم "١٣٣٥" أن النبي ﷺ قال لها: "دين الله أحق أن يقضى"، والتارك للصلاة عمدًا قد تعلق به بسبب هذا الترك دين الله وهو أحق بأن=стр. 72
بل أداء في وقت زوال العذر١، إلا صلاة العيد ففي ثانِيهِ٢.
الحواشي
(١) = يقضيه هذا التارك" اهـ. وانظر: مجموع الفتاوى "٢/ ٢٨٥". وقال ابن حزم في المحلى "٢/ ١٠ المسألة ٢٧٩": "مسألة: وأما من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها فهذا لا يقدر على قضائها أبدًا، فليكثر من فعل الخيرات، وصلاة التطوع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة، وليتب وليستغفر الله " اهـ، ثم يرد على من أجاز قضاء الفائتة بدون عذر بكلام طيب ولولا الملل لنقلته لك فارجع إليه لزامًا "٢/ ٢٣٥-٢٤٤".
قلتُ: وحاول القاضي السياغي في "الروض النضير" "٢/ ٢٦٤-٢٦٨" الرد على ابن حزم والمقبلي ولكنه لم يفلح.
١ لحديث أنس، انظر هامش "ص٤٥".
٢ للحديث الذي أخرجه أبو داود "١/ ٦٨٤ رقم ١١٥٧" والنسائي "٣/ ١٨٠ رقم ١٥٥٧" وابن ماجه "١/ ٥٢٩ رقم ١٦٥٣" وغيرهم. عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من أصحاب رسول الله، أن ركبًا جاءوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم" وهو حديث صحيح.
أبو عمير: هو عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري.стр. 73
[الباب العاشر] : باب صلاة الجمعة
تجب على كل مكلف٣، إلا المرأة والعبد والمسافر والمريض٤، وهي كسائر
الحواشي
(١) ١ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] . وللحديث الذي أخرجه مسلم "١/ ٤٥٢ رقم ٢٥٤/ ٦٥٢" عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أخرق على رجال يتخلفون، عن الجمعة بيوتهم".
وللحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٥٩١ رقم٤٠/ ٨٦٥" عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه سولم يقول على أعواد منبره: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين". ودعهم: أي تركهم. وللإجماع. على أن صلاة الجمعة فرض عين. "الإجماع لابن المنذر ص٤١ رقم ٥٤".
٢ للحديث الذي أخرجه أبو داود "١/ ٦٤٤ رقم ١٠٦٧" وغيره. عن طارق بن شهاب، عن النبي ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض". وهو حديث صحيح.
قلت: أما المسافر إذا سمع النداء وجبت عليه صلاة الجمعة، وإذا لم يسمع فلا جمعة عليه. للحديث الذي أخرجه أبو داود "١/ ٦٤٠ رقم ١٠٥٦" عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "الجمعة على لكل من سمع النداء" وهو حديث حسن.стр. 74
الصلوات لا تخالفها إلا في مشروعية الخطبتين قبلها١.
ووقتها وقت الظهر٢، وعلى من حضرها ألا يتخطى رقاب الناس٣، وأن ينصبت حال الخطبتين٤. وندب له التبكير٥ والتطيب والتجمل٦، والدنو من
الحواشي
(١) ١ وفي هذا الكلام إشارة إلى رد ما قيل أنه يشترط في وجوبها الإمام الأعظم، والمصر الجامع، والعدد المخصوص؛ فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل يفيد استحبابها فضلًا عن وجوبها فضلًا عن كونها شروطًا.
وأما دليل مشروعية الخطبتين: فحديث ابن عمر ﵁، قال: كان النبي ﷺ يحطب قائمًا، ثم يقعد ثم يقوم، كما تفعلون الآن". أخرجه البخاري "٢/ ٤٠١ رقم ٩٢٠" ومسلم "٢/ ٥٨٩ رقم ٣٣/ ٨٦١" وغيرهما.
وأما دليل كون الخطبة على منبر: فحديث جابر بن عبد الله قال: "كان جذع يقوم إليه النبي ﷺ فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه". أخرجه البخاري "٢/ ٣٩٧ رقم ٩١٨".
وأما دليل احتواء الخطبة على آيات قرآنية: فحديث يعلى بن أمية قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] . أخرجه البخاري "٨/ ٥٦٨ رقم ٤٨١٩" ومسلم "٢/ ٥٩٤ رقم ٤٩/ ٨٧١". ولمعرفة أهمية خطبة الجمعة، والاطلاع على صفات الخطيب الناجح، والخطبة الموفقة، انظر كتابنا: "الفوائد المجتمعة لخطيب الجمعة".
٢ للحديث الذي أخرجه البخاري "رقم ٣٩٣٥- البغا" ومسلم "٢/ ٥٨٩ رقم ٣٢/ ٨٦٠" عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة ثم ننصرف، وليس للحيطان ظل نستظل فيه".
٣ للحديث الذي أخرجه أبو داود "١/ ٦٦٨ رقم ١١١٨" والنسائي "٣/ ١٠٣ رقم ١٣٩٩": عن عبد الله بن بسر قال: "كنت جالسًا إلى جانبه يوم الجمعة فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس فقال له رسول الله ﷺ : "أي اجلس فقد آذيت". وهو حديث صحيح.
٤ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٤١٤ رقم ٣٩٤" ومسلم "٢/ ٥٨٣ رقم ١١/ ٨٥١": عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت -والإمام يخطب- فقد لغوت".
٥ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٣٦٦ رقم ٨٨١" ومسلم "٢/ ٥٨٢ رقم ١٠/ ٨٥٠". عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
٦ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٣٧٠ رقم ٨٨٣" عن سلمان الفارسي قال: قال النبي ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إذا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى".стр. 75
الإمام١، ومن أدرك ركعة منها فقد أدركها٢، وهي في يوم العيد رخصة٣.
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه أبو داود "١/ ٦٦٣ رقم ١١٠٨" وأحمد في المسند "٥/ ١١" والحاكم في المستدرك "١/ ٢٨٩" وصححه ووافقه الذهبي، عن سمرة بن جندب ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "احضروا الذكر، وادنوا من الإمام؛ فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها".
٢ للحديث الذي أخرجه النسائي "١/ ٢٧٤ رقم ٥٥٧" وابن ماجه "١/ ٣٥٦ رقم ١١٢٣" وغيرهما. عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فقد تمت صلاته" وهو حديث صحيح.
٣ للحديث الذي أخرجه أبو داود "١/ ٦٤٦ رقم ١٠٧٠" وابن ماجه "١/ ٤١٥ رقم ١٣١٠" والنسائي "٣/ ١٩٤ رقم ١٥٩١" وغيرهم عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ صلى العيد من أول النهار ثم رخص في الجمعة. وهو حديث صحيح.
وقد غفل المؤلف ﵀ عن ذكر ما يستحب من الأذكار والأدعية يوم الجمعة:
١- الإكثار من الصلاة والسلام على النبي ﷺ : عن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي"، فقال رجل: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني بليت، فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، وهو حديث صحيح أخرجه أحمد "٤/ ٨" وأبو داود رقم "١٥٣١" والنسائي "٣/ ٩١ رقم ١٣٧٤" وابن ماجه رقم "١٠٨٥" وابن حبان رقم "٥٥٠-موارد" والحاكم في المستدرك "١/ ٢٧٨".
٢- قراءة سورة الكهف: عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين"، وهو حديث صحيح أخرجه الحاكم "٢/ ٣٦٨" والبيهقي "٣/ ٢٤٩"، وانظر الإرواء رقم "٦٢٦".
٣- الإكثار من الدعاء رجاء أن يصادف ساعة الإجابة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله خييرًا إلا أعطاه الله تعالى إياه"، وقال بيده. قلنا: يقللها يزهدها. وهو حديث صحيح أخرجه أحمد "٢/ ٢٣٠" والبخاري رقم "٩٣٥" ومسلم رقم "٨٥٢".стр. 76
[الباب الحادي عشر] : باب صلاة العيدين
هي ركعتان١ في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الثانية خمس كذلك٢، ويخطب بعدها٣ ... ويستحب التجمل٤، والخروج إلى خارج البلد٥، ومخالفة الطريق٦، والأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى٧، ووقتها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال٨، ولا أذان فيها ولا إقامة٩.
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه النسائي "٣/ ١١١ رقم ١٤٢٠" وابن ماجه "١/ ٣٣٨ رقم ١٠٦٣ و١٠٦٤".
عن عمر ﵁ قال: "صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ " وهو حديث صحيح.
٢ للحديث الذي أخرجه أبو داود "١/ ٦٨١ رقم ١١٥١" عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال النبي ﷺ : "التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما". وهو حديث صحيح لغيره.
٣ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٤٤٨ رقم ٩٥٦" ومسلم "٢/ ٦٠٥ رقم ٨٨٩" عن أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس -والناس جلوس على صفوفهم- فيعطلهم، ويوصيهم ويأمرهم. فإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف".
٤ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٤٣٩ رقم ٩٤٨" ومسلم "٣/ ١٦٣٩ رقم ٨/ ٢٠٦٨" عن عبد الله بن عمر قال: "أخذ عمر جبة من إستبرق تباع في السوق فأخذها، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ابتغ هذه، تجمل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله ﷺ : "إنما هذه لباس من لا خلاق له".
٥ لحديث أبي سعيد الخدري، انظر الهامش "٢". ولحديث ابن عمر ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يغدو إلى المصلى والعنزة بين يديه تحمل وتنصب بالمصلى بين يديه، فيصلي إليها". أخرجه البخاري "٢/ ٤٦٣ رقم ٩٧٣" ومسلم "١/ ٣٥٩ رقم ٥٠١"
العنزة: كنصف الرمح. لكن سنانها في أسفلها. بخلاف الرمح، فإنه في أعلاه.
٦ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٤٧٢ رقم ٩٨٦" عن جابر ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق".
٧ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٤٤٦ رقم ٩٥٣" عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات".
٩ للحديث الذي أخرجه أبو داود "١/ ٦٧٥ رقم ١١٣٥" وابن ماجه "١/ ٤١٨ رقم ١٣١٧". عن عبد الله بن بسر صاحب رسول الله ﷺ أنه خرج مع الناس في يوم عيد فطر، أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، فقال: إنا كنا قد عرفنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح". وهو حديث صحيح. حين التسبيح: أي وقت صلاة السبحة وهي الضحى، بعد خروج وقت الكراهة.
١٠ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٤٥١ رقم ٩٦٠" ومسلم "٢/ ٦٠٤ رقم ٨٨٦". عن ابن عباس، وعن جابر بن عبد الله قالا: "لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى".
أما الصلاة قبل العيد وبعدها غير مشروعة، فلحديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها، ومعه بلال". أخرجه البخاري "٢/ ٤٧٦ رقم ٩٨٩"، ومسلم "٢/ ٦٠٦ رقم ٨٨٤" وغيرهما.
أما التكبير من غروب الشمس من ليلة العيد، إلى أن يدخل الإمام في الصلاة، فلقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، قالوا: هذا في تكبير عيد الفطر، وقيس به الأضحى.стр. 77
الباب الثاني عشر: باب صلاة الخوف
قد صلاها رسول الله ﷺ على صفات مختلفة١
الحواشي
(١) ١ منها: صلاة الإمام بكل طائفة ركعتين بسلام: للحديث الذي أخرجه البخاري "٧/ ٤٢٦ رقم ٤١٢٦" ومسلم "١/ ٥٧٦ رقم ٨٤٣". من حديث جابر، وفيه: قال: "فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين. قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان".
ومنها: اشتراك الطائفتين مع الإمام وتقديم الثانية وتأخر الأولى والسلام جميعًا؛ للحديث أخرجه مسلم "١/ ٥٧٤ رقم ٨٤٠". عن جابر بن عبد الله. قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف. فصفنا صفين: صف خلف رسول الله ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة. فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعًا. ثم ركع وركعنا جميعًا. ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا. ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه. وقام الصف المؤخر في نحر العدو. فلما قضى النبي ﷺ السجود، وقام الصف الذي يليه. انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى. وقام الصف المؤخر في نحور العدو. فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود. فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا. قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم.
في نحر العدو: أي في مقابلته، ونحر كل شيء أوله. حرسكم: الحرس خدم السلطان المرتبون لحفظه وحراسته. وهو جمع حارس. ويقال في واحده أيضًا: حرس.
ومنها: صلاة الإمام بكل طائفة ركعة وقضاء كل طائفة ركعة؛ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٤٢٩ رقم ٩٤٢" ومسلم "١/ ٥٧٤ رقم ٨٣٩" عن ابن عمر، قال: صلى الله رسول الله ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك، ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم سلم النبي ﷺ ثم قضى ركعة، وهؤلاء ركعة.
ومنها: اشتراك الطائفتين مع الإمام في القيام والسلام؛ للحديث الذي أخرجه النسائي "٣/ ١٧٣ رقم ١٥٤٣" وأبو داود "٢/ ٣٢ رقم ١٢٤٠": عن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف. فقال أبو هريرة: نعم، قال: متى؟ قال: عام غزوة نجد قام رسول الله ﷺ كصلاة العصر، وقامت معه طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة فكبر=стр. 78
وكلها مجزئة١، وإذا اشتد الخوف، والتحم القتال، صلاها الراجل والراكب ولو إلى غير القبلة ولو بالإيماء٢.
الحواشي
(١) = رسول الله ﷺ فكبروا جميعًا الذين معه والذين يقابلون العدو ثم ركع رسول الله ﷺ ركعة واحدة، وركعت معه الطائفة التي تليه، ثم سجد وسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابل العدو، ثم قام رسول الله ﷺ وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قاعد ومن معه، ثم كان السلام فسلم رسول الله ﷺ وسلموا جميعًا فكان لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل رجل من الطائفتين ركعتان ركعتان.
ومنها: صلاة الإمام بكل طائفة ركعة وانتظاره لقضاء كل طائفة ركعة؛ للحديث الذي أخرجه البخاري "٧/ ٤٢١ رقم ٤١٢٩"، ومسلم "١/ ٥٧٥ رقم ٨٤٢" عن صالح عن خوات، عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع، صلاة الخوف أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو. فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو. وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت. ثم ثبت جالسًا. وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم.
يوم ذات الرقاع: هي غزوة معروفة. كانت سنة خمس من الهجرة بأرض غطفان من نجد. سميت ذات الرقاع؛ لأن أقدام المسلمين نقبت من الحفاء. فلفوا عليها الخرق. هذا هو الصحيح في سبب تسميتها. صفت معه: هكذا هو في أكثر النسخ. وفي بعضها: صلت معه. وهما صحيحان.
١ لأنها وردت على أنحاء كثيرة، وكل نحو روي عن النبي ﷺ ، فهو جائز يفعل الإنسان ما هو أخف عليه وأوفق بالمصلحة حالتئذٍ.
٢ للحديث الذي أخرجه البخاري "٨/ ١٩٩ رقم ٤٥٣٥"، عن ابن عمر في تفسير سورة البقرة بلفظ: "فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها". وهو في صحيح مسلم "١/ ٥٧٤ رقم ٣٠٦/ ٨٣٩" من قول ابن عمر بنحو ذلك.стр. 79
الباب الثالث عشر: باب صلاة السفر
يجب القصر١ على من خرج من بلده قاصدًا للسفر وإن كان دون بريد٢، وإذا
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه البخاري "٧/ ٢٦٧ رقم ٣٩٣٥" ومسلم "١/ ٤٧٨ رقم ٦٨٥" عن عائشة ﵂ قالت: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ، ففرضت أربعًا وتركت صلاة السفر على الأولى".
وللحديث الذي أخرجه مسلم "١/ ٤٧٨ رقم ٦٨٦" عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد أمن الناس! فقال: عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال: $"صدقة تصدق الله بها عليكم، فأقبلوا صدقته".
٢ البريد= ٤ فراسخ. الفرسخ =٣ أميال. الميل= ٤٠٠٠ ذراع مرسلة. الذراع المرسلة=٦
=стр. 80
أقام ببلد مترددًا قصر إلى عشرين يومًا ثم يتم١، وإذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها٢، وله الجمع تقديمًا وتأخيرًا٣ بأذان وإقامتين٤.
الحواشي
(١) = قبضات= ٢٤ أصبعًا. الأصبع= ١.٩٢٥ سم. إذا طول الذراع المرسلة =٢٤× ١.٩٢٥ =٤٦.٢سم. الميل =٤٠٠٠× ٤٦.٢ = ١٨٤٨م = ١.٨٤٨كم. الفرسخ =٣× ١٨٤٨ =٥٥٤٤م = ٥.٥٤٤كم. البريد= ٤× ٥٥٤٤ = ٢٢١٧٦م = ١٧٦، ٢٢كم. انظر كتابنا "الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية". وأفضل ما ورد في تقدير مسافة القصر، ما أخرجه مسلم "١/ ٤٨١" رقم "١٢/ ٦٩١": عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاك- صلى ركعتين.
١ لحديث جابر بن عبد الله، قال: "أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة" أخرجه أبو داود "٢/ ٢٧ رقم ١٢٣٥" وهو حديث صحيح.
٢ قال ابن حجر في "التلخيص" "٢/ ٤٤": "لم أر هذا في رواية مصرحة بذلك، وإنما هذا مأخوذ من الاستقراء، ففي الصحيحين عن جابر "قدمنا صبح رابعة" وفي الصحيحين، أن الوقفة كانت الجمعة، وإذا كان الرابع يوم الأحد كان التاسع يوم الجمعة بلا شك، فثبت أن الخروج كان يوم الخميس" اهـ.
٣ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٥٨٢ رقم ١١١٢" ومسلم "١/ ٤٨٩ رقم ٤٦/ ٧٠٤": عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب".
وللحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٥٧٢ رقم ١٠٩١" ومسلم "١/ ٤٨٩ رقم ٤٥" عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجله السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء". انظر الهامش الآتي "٤".
٤ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٨٨٦ رقم ١٤٧/ ١٢١٨" من حديث جابر: وفيه: " ... ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر. ثم أقام فصلى العصر. ولم يصل بينهما شيئًا..".стр. 81
[الباب الرابع عشر] : باب صلاة الكسوفين
هي سنة٥، وأصبح ما ورد في صفتها ركعتان، في كل ركعة
الحواشي
(١) ٥ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٥٢٩ رقم ١٠٤٤" ومسلم "٢/ ٦١٨ رقم ١/ ٩٠١" عن عائشة أنها قالت: "خسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ فصلى رسول الله ﷺ بالناس، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام -وهو دون القيام الأول- ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى. ثم انصرف وقد انجلت الشمس فخطبت الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخفسان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا ... ". ويسن الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف؛ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٥٤٩ رقم ١٠٦٥" عن عائشة ﵂ "جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات".
أما حديث سمرة: "صلى بنا رسول الله ﷺ في كسوف ولم نسمع له صوتًا" فهو حديث ضعيف.стр. 82
ركوعان١، وورد ثلاثة٢، وأربعة٣، وخمسة٤،
الحواشي
(١) ١ انظر الهامش السابق، وللحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٥٤٠ رقم ١٠٥٢" ومسلم "٢/ ٦٢٦ رقم ٩٠٧" عن ابن عباس ﵁ قال: "انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فصلى رسول الله ﷺ ، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، قم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله ... ".
٢ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٢٢ رقم ١٠/ ٩٠٤" عن جابر قال: انكسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، فقال الناس: إنما انكسفت؛ لموت إبراهيم، فقام النبي ﷺ ، فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات؛ بدأ فكبر، ثم قرأ فأطال القراءة، ثم ركع نحوًا مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع، فقرأ قراءة دون القراءة الأولى، ثم ركع نحوًا مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع فقرأ قراءة دون القراءة الثانية، ثم ركع نحوًا مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع، ثم انحدر بالسجود فسجد سجدتين، ثم قام فركع أيضًا ثلاث ركعات ليس فيها ركعة إلا التي قبلها أطول من التي بعدها، وركوعه نحوًا من سجوده، ثم تأخر وتأخرت الصفوف خلفه، حتى انتهينا -وقال أبو بكر: حتى انتهى إلى النساء- ثم تقدم وتقدم الناس معه، حتى قام في مقامه فانصرف حين انصرف، وقد آضت الشمس. فقال: "يا أيها الناس إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله. وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس -وقال أبو بكر: "لموت بشر" - فإذا رأيتم من ذلك فصلوا حتى تنجلي ... ".
٣ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٢٧ رقم ١٩/ ٩٠٩": عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه صلى في كسوف، قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم سجد قال: والأخرى مثلها.
٤ حديث أبي بن كعب، قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، وإن النبي ﷺ صلَّى بهم فقرأ بسورة من الطوال، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام الثانية فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها" وهو حديث ضعيف. وكما علمت مرارًا أن الحديث الضعيف لا يثبت حكمًا ...стр. 83
يقرأ بين كل ركوعين ما تيسر١، وورد في كل ركعة ركوع٢، وندب الدعاء والتكبير والتصدق والاستغفار٣.
الحواشي
(١) ١ انظر هامش "ص٧٣".
٢ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٢٩ رقم ٢٥/ ٩١٣": عن عبد الرحمن بن سمرة: قال: بينما أنا أرمي بأسهمي في حياة رسول الله ﷺ ، إذ انكسفت الشمس، فنبذتهن. وقلت: لأنظرن إلى ما يحدث لرسول الله ﷺ في انكساف الشمس اليوم، فانتهيت إليه وهو رافع يديه يدعو ويكبر ويحمد ويهلل، حتى جلي عن الشمس، فقرأ سورتين وركع ركعتين.
٣ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٥٤٥ رقم ١٠٥٩" ومسلم "٦/ ٢١٥- بشرح النووي": عن أبي موسى قال: خسفت الشمس، فقام النبي ﷺ فزعًا يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد، فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، رأيته قط يفعله، وقال: "هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوِّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره".стр. 84
[الباب الخامس عشر] : باب صلاة الاستسقاء
تسن عند الجدب ركعتان، بعدها خطبة، تتضمن الذكر والترغيب في الطاعة والزجر عن المعصية١، ويستكثر الإمام ومن معه من الاستغفار والدعاء برفع الجدب٢، ويُحَوِّلُون جميعًا أرديتهم٣.
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه أبو داود "١/ ٦٩٢ رقم ١١٧٣" عن عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ ، فحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر ﷺ وحمد الله ، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم"، ثم قال: "الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. ملك يوم الدين. لا إله إلا الله يفعل ما يريد. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء. أنزِلْ علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين"، ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب -أو حول- رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأتِ مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِن ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه. فقال: "أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله". وهو حديث حسن. الكِن: كل ما وقى الحر والبرد من المساكن.
٥ للحديث الذي أخرجه البخاري "٢/ ٥٠٨ رقم ١٠١٥" ومسلم "٢/ ٦١٢ رقم ٨٩٧" من حديث أنس وفيه: فرفع رسول الله ﷺ يديه. ثم قال: "اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا".
٦ يحولون جميعًا أرديتهم: أي من جعل الأيمن أيسر والأيسر أيمن تفاؤلًا بتغيير الشدة إلى خير ورخاء. وانظر هامش "٤".стр. 85
الكتاب الثالث: كتاب الجنائز
[الفصل الأول: أحكام المحتضر]
من السنة عيادة المريض١، وتلقين المحتضر الشهادتين٢، وتوجيهه٣ وتغميضه٤، وقراءة "ياسين" عليه٥، والمبادرة بتجهيزه إلا لتجويز حياته٦
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ١١٢ رقم ١٢٤٠" ومسلم "٤/ ١٧٠٤ رقم ٢١٦٢". عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس".
٢ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٣١ رقم ٩١٦": عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله".
لقنوا موتاكم: أي ذكروا من حضره الموت منكم بكلمة التوحيد، بأن تتلفظوا بها عنده.
٣ لم يصح في توجيهه نحو القبلة حديث. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف "٣/ ٢٣٩" بسند صحيح عن زرعة بن عبد الرحمن أنه شهد سعيد بن المسيب في مرضه وعنده أبو سلمة بن عبد الرحمن فغشي على سعيد، فأمر أبو سلمة أن يحول فراشه إلى الكعبة فأفاق، فقال: حولتم فراشي فقالوا: نعم فنظر إلى أبي سلمة فقال: أراه علمك -بعلمك- فأمر سعيد أن يعاد فراشه.
٤ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٣٤ رقم ٩٢٠" عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه. ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر"، فضج ناس من أهله، فقال: "لا تدعو على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون"، ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين. واغفر لنا وله يا رب العالمين. وافسح له في قبره، ونور له فيه".
٥ حديث معقل بن يسار المرفوع: "اقرؤوا "يس" على موتاكم" ضعيف. واعلم أنه لا يجوز إثبات الحكم بالحديث الضعيف. وانظر الكلام على هذه البدعة في تحقيقنا لكتاب "إرشاد السائل إلى دلائل المسائل" السؤال الخامس.
٦ أخرج البخاري رقم "١٣١٥" ومسلم رقم "٩٤٤" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها، وإن يك سوى ذلك، فشر تضعونه عن رقابكم" وهو حديث صحيح. أما حديث الحصين بن وحوح المرفوع: "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت فآذنوني به وأعجلوا؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" فضعيف. وحديث على المرفوع: "ثلاث لا يؤخرون: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفوًا" ضعيف أيضًا.стр. 86
والقضاء لدينه١. وتسجيته٢، ويجوز تقبيله٣.
وعلى المريض أن يحسن الظن بربه٤ ويتوب إليه٥، ويتخلص من كل ما عليه٦.
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه الترمذي "٣/ ٣٨٩ رقم ١٠٧٨ و١٠٧٩" وابن ماجه "٢/ ٨٠٦ رقم ٢٤١٣": عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه" وهو حديث صحيح.
٢ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ١٣ رقم ١٢٤١، ١٢٤٢". ومسلم "٢/ ٦٥١ رقم٩٤٢" عن عائشة ﵂ قالت: سُجِّي رسول الله ﷺ حين مات بثوب حبرة. سجي رسول الله ﷺ حين مات: معناه غُطِّي جميع بدنه. حبرة: ضرب من برود اليمن.
٣ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٣/ ٥١٣ رقم ٣١٦٣" والترمذي "٣/ ٣١٤ رقم ٩٨٩" وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه "١/ ٤٦٨ رقم ١٤٥٦" عن عائشة ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ يُقَبِّل عثمان بن مظعون، وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل"، وهو حديث صحيح بشواهده.
٤ للحديث الذي أخرجه مسلم "٤/ ٢٢٠٥ رقم ٢٨٧٧". عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ قبل وفاته بثلاث، يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن".
٥ لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣] ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] ، وللحديث الذي أخرجه البخاري "١١/ ١٠٢ رقم ٦٣٠٩" ومسلم "٤/ ٢١٠٤ رقم ٢٧٤٧" عن أنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : "لله أشد فرحًا بتوبة عبده، حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها. قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ؛ من شدة الفرح".
٦ للحديث الذي أخرجه البخاري "٥/ ٣٥٥ رقم ٢٧٣٨" ومسلم "٣/ ١٢٤٩ رقم ١١٦٢٧" وغيرهما عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده".стр. 87
[الـ] فصل [الثاني: غسل الميت]
ويجب غسل الميت المسلم على الأحياء١، والقريب أولى بالقريب إذا كان مِن
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ١٣٧ رقم ١٢٦٧" ومسلم "٢/ ٨٦٥ رقم ١٢٠٦" عن ابن =عباس ﵁: أن رجلًا وَقَصَه بعيره، ونحن مع النبي ﷺ وهو محرم، فقال النبي ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيبًا، ولا تخمروا رأسه؛ فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا".
وللحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ١٢٥ رقم ١٢٥٣" ومسلم "٢/ ٦٤٦ رقم ٩٣٩". عن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني". فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: "أشعرنها إياه" -تعني: إزاره.стр. 88
جنسه١، وأخذ الزوجين بالآخر٢، ويكون الغسل ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر بماء وسدر٣، وفي الأخيرة كافور٤، وتقدم الميامن٥، ولا يغسل الشهيد٦.
الحواشي
(١) ١ لم يصح في المسألة حديث.
٢ للحديث الذي أخرجه ابن ماجه "١/ ٤٧٠ رقم ١٤٦٥" والدارمي "١/ ٣٧-٣٨" والدارقطني "٢/ ٧٤ رقم ١١" وغيرهم عن عائشة ﵂، قالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه. فقال: "بل أنا، يا عائشة وارأساه" ثم قال: "ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك". وهو حديث حسن، وللحديث الذي أخرجه ابن ماجه "١/ ٤٧٠ رقم ١٤٦٤" وأبو داود "٣/ ٥٠٢ رقم ٣١٤١" عن عائشة ﵂، قالت: لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ غير نسائه" وهو حديث صحيح.
٣ لحديث أم عطية الأنصارية، انظر هامش "ص٧٦".
٤ لحديث أم عطية الأنصارية، انظر هامش "ص٧٦".
٥ للحديث الذي أخرجه البخاري "١/ ٢٦٩ رقم ١٦٧" ومسلم "٢/ ٦٤٨ رقم ٤٢/ ٩٣٩" عن أم عطية قالت: قال النبي ﷺ لهن في غسل ابنته: "ابدأْنَ بميامينها ومواضع الوضوء منها" انظر هامش "ص٣٨".
٦ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٢١٢ رقم ١٣٤٧" عن جابر بن عبد الله ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن"؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء". وأمر بدفنهم ولم يُصَلِّ عليهم ولم يغسلهم".
تنبيه: "الشهداء الذين لم يموتوا بسبب حرب الكفار، كالمبطون، والمطعون، والغريق وصاحب الهدم، والميتة في الطلق، فهؤلاء يغسلون ويصلى عليهم بلا خلاف" قاله النووي في المجموع "٥/ ٢٦٤" وكذلك حكى المهدي في البحر "١/ ٩٦" الإجماع على أنهم يغسلون.стр. 89
[الـ] فصل [الثالث: تكفين الميت]
ويجب تكفيفه بما يستره١، ولو لم يملك غيره
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٥١ رقم ٩٤٣" وغيره: عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث، أن النبي ﷺ خطب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلًا. فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يُصلَّى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك. وقال النبي ﷺ : "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه".
غير طائل: غير كامل الستر أي حقير. قبر ليلًا: أي دفن ليلًا.стр. 90
ولا بأس بالزيادة١ مع التمكن من غير مغالاة٢، ويكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها٣، وندب تطييب بدن الميت وكفنه٤
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ١٤٢ رقم ١٢٧٦" ومسلم "٢/ ٦٤٩ رقم ٩٤٠" عن خباب بن الأرت ﵁ قال: "هاجرنا مع النبي ﷺ نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها، قتل يوم أحد فلم نجد ما نكفنُه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخر" يهديها: أي يجتنيها.
٢ لحديث ابن عباس، وحديث أم عطية انظر التعليقة "ص٧٦". وللحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٢٥٢ رقم ١٣٨٧" عن عائشة ﵂ قالت: "دخلتُ على أبي بكر ﵁ فقال: في كم كفنتنم النبي ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض شحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قالت: يوم الاثنين. قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين. قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه، به ردع من زعفران فقال: "اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهما. قلت: إن هذا خَلَق. قال: إن الحي أحق من الميت؛ إنما هو للمهلة. فلم يتوفَّ حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح" انظر هامش "ص٧٦".
والأولى أن يكون الكفن من الأبيض؛ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٤/ ٢٠٩ رقم ٣٨٧٨" وابن ماجه "٢/ ١١٨١ رقم ٣٥٦٦" والترمذي "٣/ ٣١٩ رقم ٩٩٤" وقال: حديث حسن صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم". وهو حديث صحيح.
٣ لحديث جابر بن عبد الله، انظر الهامش "ص٧٧".
٤ لقوله ﷺ في حديث المحرم الذي وقصته ناقته: "لا تمسوه طيبًا" وهو في الصحيحين من حديث ابن عباس، انظر الهامش "ص٧٦". فإن ذلك يشعر أن غير المحرم يطيب، ولا سيما مع تعليله ﷺ بقوله: "فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا".стр. 91
[الـ] فصل [الرابع: صلاة الجنازة]
وتجب الصلاة على الميت١
الحواشي
(١) ١ لثبوت الصلاة على الأموات ثبوتًا ضروريًّا من فعله ﷺ ، وفعل أصحابه، ولكنها من واجبات الكفاية؛ لأنهم كانوا يُصلُّون على الأموات في حياته ﷺ ولا يُعلِمونه، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٢٠٤ رقم ١٣٣٧" ومسلم "٢/ ٦٥٩ رقم ٩٥٦" عن أبي هريرة ﵁، أن أسود -رجلًا أو امرأة- كان يَقُمُّ المسجد، فمات، ولم يُعلَم النبي ﷺ بموته، فذكره ذات يوم فقال: "ما فعل ذلك الإنسان"؟ قالوا: مات يا رسول الله. قال: "أفلا أذنتموني "؟ فقالوا: إنه كان كذا وكذا -قصته- قال: فحقروا شأنه. قال: "فدلوني على قبره". فأتى قبره فصلى عليه.стр. 92
ويقوم الإمام حذاء رأس الرجل ووسطِ المرأة١، ويُكَبِّر أربعًا٢ أو خمسًا٣، ويقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة وسورة٤، ويدعو بين التكبيرات بالأدعية المأثورة٥، ولا
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٣/ ٥٣٣ رقم ٣١٩٤" والترمذي "٣/ ٣٥٢ رقم ١٠٣٤" وقال حديث حسن، وابن ماجه "١/ ٤٧٩ رقم ١٤٩٤". عن أبي غالب قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل، فقام حيال رأسه، ثم جاءوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة صلِّ عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي ﷺ قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: "نعم". فلما فرغ قال: "احفظوا"، وهو حديث صحيح.
٢ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٢٠٢ رقم ١٣٣٤" ومسلم "٢/ ٦٥٧ رقم ٩٥٢" عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشي فكبَّر أربعًا".
٣ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٥٩ رقم ٩٥٧" وغيره عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: كان زيد يكبِّر على جنائزنا أربعًا. وإنه كبَّر على جنازة خمسًا. فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يكبِّرها.
٤ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٢٠٣ رقم ١٣٣٥". عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: "صليت خلف ابن عباس ﵁ على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب. قال: لتعلموا أنها سنة". وأخرج النسائي "٤/ ٧٤ رقم ١٩٨٧" بلفظ: "فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال: سنة وحق"، وهو حديث صحيح.
٥ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٣/ ٥٣٩ رقم ٣٢٠١" والترمذي "٣/ ٣٤٣ رقم ١٠٢٤" وابن ماجه "١/ ٤٨٠ رقم ١٤٩٨" وهو حديث صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة فقال: "اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحْيِهِ على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفَّه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده".
وللحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٦٣ رقم ٨٦/ ٩٦٣" عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: سمعت النبي ﷺ "وصلى على جنازة" يقول: "اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنا وعافه. وأكرم نزلة ووسع مدخلة. واغسله بماء وثلج وبرد. ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله وزوجًا خيرًا من زوجه. وقه فتنة القبر وعذاب النار"، قال عوف: فتمنيت أن لو كنت أنا الميت؛ لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت.стр. 93
يصلَّى على الغالِّ١، وقاتل نفسه٢، والكافر٣، والشهيد٤، ويصلَّى على القبر٥، وعلى الغائب٦.
الحواشي
(١) ١ الغالّ: هو الذي سرق من الغنيمة قبل قسمها، ولم يصح في ذلك حديث.
٢ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٧٢ رقم ٩٧٨" وغيره عن جابر بن سمرة، قال: أتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يُصَلِّ عليه".
بمشاقص: المشاقص سهام عراض. واحدها: مشقص.
٣ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] .
٤ لحديث جابر بن عبد الله، انظر هامش "ص٧٧".
٥ لحديث أبي هريرة، انظر هامش "ص٧٨".
٦ لحديث جابر بن عبد الله، انظر هامش "ص٧٩".стр. 94
[الـ] فصل [الخامس: المشي بالجنازة]
ويكون المشي بالجنازة سريعًا١، والمشي معها٢، والحمل لها سنة٣، والمتقدم عليها والمتأخر عنها سواء٤، ويكره الركوب٥،
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٣/ ٥٢٤ رقم ٣١٨٢" والنسائي "٤/ ٤٣ رقم ١٩١٣" وغيرهما عن أبي بكرة قال: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ، وإنا لنكاد نرمل بها رملًا".
الرَّمَل "بفتح الميم": المشي مسرعًا مع هز المنكبين.
٢ للحديث الذي أخرجه البخاري "١/ ١٠٨ رقم ٤٧". ومسلم "٢/ ٦٥٢ رقم ٩٤٥". عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من وقتها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط".
٩ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ١٨١ رقم ١٣١٤" عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صَعِقَ".
١٠ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٣/ ٥٢٢ رقم ٣١٨٠" والنسائي "٤/ ٥٨" والترمذي "٣/ ٣٤٩ رقم ١٠٣١" وقال: حديث حسن صحيح عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: للراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه"، وهو حديث صحيح.
١١ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٣/ ٥٢١ رقم ٣١٧٧" عن ثوبان، أن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب فقيل له، فقال: "إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت". وهو حديث صحيح.стр. 95
ويحرم النعي١ والنياحة٢، واتِّبَاعُها بنار وشق الجيب والدعاء بالويل والثبور٣،
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه ابن ماجه "١/ ٤٧٤ رقم ١٤٧٦". والترمذي "٣/ ٣١٣ رقم ٩٨٦" وقال: حديث حسن صحيح، عن حذيفة بن اليمان قال: إذا مِتُّ فلا تؤذنوا بي؛ إني أخاف أن يكون نعيًا؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي"، وهو حديث حسن.
النعي: هو الإخبار بموت الميت. قلتُ: نعي الجاهلية هو النعي المحرم؛ وهو أن العرب إذا مات منهم شريف، أو قُتِل بعثوا راكبًا إلى القبائل ينعاه إليهم، يقول: نعاء فلانًا، أو يا نعاء العرب؛ أي هلك فلان، أو هلكت العرب بموت فلان.
قلتُ: أما إعلان الوفاة فجائز إذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية، وقد يجب ذلك إذا لم يكن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه ونحو ذلك. انظر هامش "ص٧٨". وللحديث الذي أخرجه البخاري "رقم: ١١٨٨- البغا" ومسلم "٢/ ٦٥٦ رقم ٩٥١" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه؛ خرج إلى المصلى، فصفَّ بهم، وكبر أربعًا".
٢ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ١٦٠ رقم ١٢٩١" ومسلم "٢/ ٦٤٣ رقم ٩٣٣" عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من نيح عليه يعذب بما نيح عليه".
وللحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٤٤ رقم ٢٩/ ٩٣٤" عن أبي مالك الأشعري قال: أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب".
الاستسقاء بالنجوم: يعني اعتقادهم نزول المطر بسقوط نجم في المغرب مع الفجر، وطلوع آخر يقابله من المشرق، كما كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا. درع من جرب: يعني يسلط على أعضائها الجرب والحكة بحيث يغطي بدنها تغطية الدرع، وهو القميص.
٣ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ١٦٣ رقم ١٢٩٤" ومسلم "١/ ٩٩ رقم ١٠٣" وغيرهما. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية".
قلت: ومن البدع: رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة؛ لقول قيس بن عباد: "كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز" أخرجه البيهقي في السنن الكبرى"٤/ ٧٤" بسند رجاله ثقات، ولأن فيه تشبهًا بالنصارى؛ فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين ... قال الإمام النووي في الأذكار "٤/ ١٨٣- مع الفتوحات الربانية": "واعلم أن الصواب المختار وما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك. والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه. فقد قال: أبو علي الفضل بن عياض ﵁، ما معناه: الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين -ثم يشير إلى قول قيس بن عباد- وأما ما يفعله الجهلة من القراء على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام بإجماع العلماء...." اهـ.стр. 96
ولا يقعد المتبع لها حتى توضع١، والقيام لها منسوخ٢.
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ١٧٨ رقم ١٣١٠" ومسلم "٢/ ٦٦٠ رقم ٩٥٩" وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع".
٢ لقد وردت أحاديث صحيحة في القيام إذا مرت بمن كان قاعدًا: كالحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ١٧٨ رقم ١٣٠٨" ومسلم "٢/ ٦٥٩ رقم ٩٥٨" عن عامر بن ربيعة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليقم حتى يخلفها أو تخلفه، أو توضع من قبل أن تخلفه ".
يخلفها: أي يصير وراءها، غائب عنها. تخلفه: أي تصير وراءه، غائبة عنه، وقال القاضي عياض: ذهب جمع من السلف إلى أن الأمر بالقيام منسوخ بالحديث الذي أخرجه مسلم"٢/ ٦٦١ رقم ٩٦٢" عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، أنه قال: رآني نافع بن جبير، ونحن في جنازة قائمًا، وقد جلس ينتظر أن توضع الجنازة، فقال لي: ما يقيمك، فقلت: أنتظر أن توضع الجنازة. لما يحدث أبو سعيد الخدري. فقال نافع: فإن مسعود بن الحكم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ ثم قعد.стр. 97
[الـ] فصل [السادس: دفن الميت]
ويجب دفن الميت في حفرة تمنعه من السباع١ ولا بأس بالضرح واللحد أولى٢، ويدخل الميت من مؤخر القبر٣
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه النسائي "٤/ ٨٠ رقم ٢٠١٠" والترمذي "٤/ ٢١٣ رقم ١٧١٣" وقال حديث حسن صحيح. وهو كما قال: عن هشام بن عامر قال: شُكي إلى رسول الله ﷺ الجراحات يوم أحد فقال: "احفروا وأوسعوا وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا أكثرهم قرآنًا"، فمات أبي فقُدِّم بين يدي رجلين.
٢ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٣/ ٥٤٤ رقم ٣٢٠٨" والترمذي "٣/ ٣٦٣ رقم ١٠٤٥" والنسائي "٤/ ٨٠ رقم ٢٠٠٩" وابن ماجه "١/ ٤٩٦ رقم ١٥٥٤": عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اللحد لنا والشق لغيرنا"، وهو حديث حسن.
٣ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٣/ ٥٤٥ رقم ٣٢١١" بإسناد صحيح عن أبي إسحاق السبيعي قال: أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد الخطمي فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: هذه من السنة. ويسن للذي يلحده أن يقول: "بسم الله وعلى سنة رسول الله" للحديث الذي أخرجه أبو داود "٣/ ٥٤٦ رقم ٣٢١٣" والترمذي "٣/ ٣٦٤ رقم ١٠٤٦" وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه. وابن ماجه "١/ ٤٩٤ رقم ١٥٥٠" عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: "بسم الله وعلى سنة رسول الله" وهو حديث صحيح.стр. 98
ويوضع على جنبه الأيمن مستقبلًا١، ويستحب حثو التراب من كل حاضر ثلاث حثياث٢، ولا يرفع القبر زيادة على شبر٣، والزيارة للموتى مشروعة٤
الحواشي
(١) ١ وهو مما لا أعلم فيه خلافًا.
٢ للحديث الذي أخرجه ابن ماجه "١/ ٤٩٩ رقم ١٥٦٥" عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاث" وهو حديث صحيح.
٣ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٦٦ رقم ٩٦٩" وغيره. عن أبي الهياج الأسدي، قال: "قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته. ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته".
٤ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٧٢ رقم ١٠٦/ ٩٧٧" عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها".
وللحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٧١ رقم ١٠٨/ ٩٧٦" عن أبي هريرة قال: "زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت".
والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور؛ لوجوه:
١- لعموم قوله ﷺ : "فزوروا القبور". فيدخل فيه النساء.
٢- لمشاركة النساء الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور: "فإنها تذكر الموت".
٣- للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٦٩ رقم ١٠٣/ ٩٧٤" عن عائشة قالت: قلْتُ: كيف أقول لهم -أي لأهل القبور- يا رسول الله؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون".
٤- للحديث الذي أخرجه الحاكم في المستدرك "١/ ٣٧٦" عن عبد الله بن أبي مليكة "أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور، قالت: نعم، كان نهى، ثم أمر بزيارتها". وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي: صحيح، وهو كما قال.
ولا يجوز للنساء الصياح والتبرج واتخاذ القبور مجالس للنزهة؛ للحديث الذي أخرجه الترمذي "٣/ ٣٧١ رقم ١٠٥٦" وابن ماجه "١/ ٥٠٢ رقم ١٥٧٦" وغيرهما عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور" وهو حديث حسن.
ويجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة فقط؛ لحديث أبي هريرة المتقدم في هذه الحاشية.стр. 99
ويقف الزائر مستقبلًا للقبلة١.
ويحرم اتخاذ القبور مساجد٢، وزخرفتها٣، وتسريجها٤، والقعود عليها٥، وسب الأموات٦، والتعزية مشروعة٧
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٣/ ٥٤٦ رقم ٣٢١٢" والنسائي "٤/ ٧٨ رقم ٢٠٠١" وابن ماجه "١/ ٤٩٤ رقم ١٥٤٨" وغيرهم عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولم يلحد بعد، فجلس النبي ﷺ مستقبل القبلة وجلسنا معه" وهو حديث صحيح.
يسن لزائر القبور أن يدعو بأدعية مأثورة:
منها: ما أخرجه مسلم "٢/ ٦٧١ رقم ١٠٤/ ٩٧٥" وغيره عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: في رواية أبي بكر: "السلام على أهل الديار". وفي رواية زهير: "السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون. أسأل الله لنا ولكم العافية".
ومنها: ما أخرجه الترمذي "٣/ ٣٦٩ رقم ١٠٥٣"، وقال: حديث حسن غريب وهو كما قال عن ابن عباس قال: مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم، يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر".
ومنها: حديث عائشة المتقدم. انظر هامش "ص٨٣" الرقم "٤".
٢ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٢٠٠ رقم ١٣٣٠" ومسلم "١/ ٣٧٧ رقم ٥٣٢". عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا".
٣ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٦٧ رقم ٩٤/ ٩٧٠" وغيره عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر. وأن يقعد عليه، وأن يبني عليه".
٤ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٣/ ٥٥٨ رقم ٣٢٣٦" والنسائي "٤/ ٩٤ رقم ٢٠٤٣" والترمذي "٢/ ١٣٦ رقم ٣٢٠" وقال حديث حسن وهو كما قال، عن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. السرج: جمع "سراج" وهو المصباح.
٥ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٦٧ رقم ٩٧١" وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر".
٦ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٢٥٨ رقم ١٣٩٣" وغيره عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : "لا تسبوا الأموات، فإنهم أفضوا إلى ما قدموا".
٧ للحديث الذي أخرجه البخاري "١٠/ ١١٨ رقم ٥٦٥٥" ومسلم "٦/ ٢٢٤- بشرح النووي" عن أسامة بن زيد ﵁، أن ابنة للنبي ﷺ أرسلت إليه -وهو مع النبي ﷺ وسعد وأبي نحسب أن ابنتي قد حضرت فأشهدنا. فأرسل إليها السلام ويقول: "إن لله ما أخذ وما أعطى، وكل شيء عنده مسمى، فلتحتسب". فأرسلت تقسم عليه، فقام النبي ﷺ وقمنا، فرفع الصبي في حجر النبي ﷺ ونفسه تقعقع، ففاضت عينا النبي ﷺ ، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هذه رحمة وضعها الله في قلوب من شاء من عباده، ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء".стр. 100
وكذلك إهداء الطعام لأهل الميت١.
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٣/ ٤٩٧ رقم ٣١٣٢" وابن ماجه "١/ ٥١٤ رقم ١٦١٠" والترمذي "٣/ ٣٢٣ رقم ٩٩٨" وقال: حديث حسن صحيح وهو كما قال، عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فإنه قد أتاهم أمر شغلهم".
وقد أغفل المؤلف رحمه الله تعالى ما ينتفع به الميت من عمل غيره:
- دعاء المسلم له إذا توفرت فيه شروط القبول؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] . قال النبي ﷺ : "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل" وهو حديث صحيح أخرجه مسلم رقم "٨٨/ ٢٧٣٣" وأبو داود رقم "١٥٣٤" وأحمد "٦/ ٤٥٢" من حيث أم الدرداء.
- ما خلفه من بعده من آثار صالحة وصدقات جارية: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" وهو حديث صحيح أخرجه مسلم رقم "١٤/ ١٦٣١" وأحمد "٢/ ٣٧٢" وأبو داود رقم "٢٨٨٠" والترمذي رقم "١٣٧٦".
- قضاء ولي الميت صوم النذر عنه: عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" وهو حديث صحيح أخرجه البخاري رقم "١٩٥٢" ومسلم رقم "١٥٣/ ١١٤٧".
- قضاء الدين عنه من أي شخص وليًّا كان أو غيره: لقضاء أبي قتادة الدينارين عن ميت.
- ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة: قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، وعن عمارة بن عمير قال: كان في حجر عمة لي ابن لها يتيم، وكان يكسب، فكانت تحرج أن تأكل من كسبه، فسألت عن ذلك عائشة فقالت: قال رسول الله ﷺ : "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولد الرجل من كسبه". وهو حديث صحيح أخرجه أحمد "٦/ ٣١، ١٢٧، ١٩٣" وأبو داود رقم "٣٥٢٨" والنسائي "٧/ ٢٤٠-٢٤١".стр. 101
الكتاب الرابع: كتاب الزكاة
تجب في الأموال التي ستأتي١ إذا كان المالك مكلَّفًا٢.
[الباب الأول] : باب زكاة الحيوان
إنما تجب منه في النعم وهي: الإبل والبقر والغنم.
[الـ] فصل [الأول: نصاب الإبل]
إذا بلغت الإبل خمسًا ففيها شاة، ثم في كل خمسٍ شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها ابنة مخاض٣ أو ابن لبون٤، وفي ست وثلاثين ابنة لبون٥، وفي ست وأربعين٦، وفي إحدى وستين جذعة٧، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين، فإذا زادت ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة٨.
الحواشي
(١) ١ في الأبواب القريبة إن شاء الله.
٢ لأنه لم يأت دليل على الشارع يوجب الزكاة على غير المكلف.
٣ هي أنثى الإبل التي أتمت سنة، وقد دخلت في الثانية، سميت بذلك؛ لأنها أمها لحقت بالمخاض وهي الحوامل.
٤ هو ذكر الإبل الذي أتم سنتين ودخل في الثالثة.
٥ هي أنثى الإبل التي أتمت سنتين ودخلت في الثالثة، سميت بذلك؛ لأن أمها وضعت غيرها وصارت ذات لبن.
٦ هي أنثى الإبل التي أتمت ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة. وسميت حقة؛ لأنها استحقت أن يطرقها الفحل.
٧ هي أنثى الإبل التي أتمت أربع سنين ودخلت الخامسة.
٨ انظر الجدول الآتي:стр. 102
[الـ] فصل [الثاني: نصاب البقر]
ويجب في ثلاثين من البقر تَبِيعٌ أو تَبيعَةٌ١
الحواشي
(١) ودليل ما تقدم: الحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٣١٧ رقم ١٤٥٤": عن أنس ﵁ قال: أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الحمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت -يعني ستًّا وسبعين- إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة ... ".
١ التبيع: ولد البقرة، "جمع": أتبعة. والأنثى: تبيعة. "جمع": تباع، وقد سمي تبيعًا؛ لأنه يتبع أمه وقد أتى عليه حول.стр. 103
وفي كل أربعين مسنة١ ثم كذلك٢.
الحواشي
(١) ١ المسنة: ما لها سنتان وطعنت في الثالثة، سميت بذلك لأنها أطلعت أسنانها.
٢ انظر الجدول الآتي:стр. 104
[الـ] فصل [الثالث: نصاب الغنم]
ويجب في أربعين من الغنم إلى مائة وإحدى وعشرين، وفيها شاتان إلى مائتين وواحدة، وفيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة وواحدة، وفيها أربع، ثم في كل مائة شاة١
الحواشي
(١) ودليل ما تقدم: الحديث الذي أخرجه أبو داود "٢/ ٢٣٤ رقم ١٥٧٦" والترمذي "٣/ ٢٠ رقم ٦٢٣" وقال: حديث حسن، والنسائي "٥/ ٢٥- ٢٦" وابن ماجه "١/ ٥٧٦ رقم ١٨٠٣" وغيرهم. عن معاذ رضي الله قال: "بعثني النبي ﷺ إلى اليمن. فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة. ومن كل أربعين، مسنة، ومن كل حالم دينارا أو عد له معافر". وهو حديث صحيح. المعافر: وهو ثياب تكون باليمن.
١ انظر الجدول الآتي
اسكانر
وهكذا في كل مائة شاة. ودليل ما تقدم: الحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٣١٧ رقم ١٤٥٤" من حديث أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين، وفيه: " ... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة. فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيه ثلاث، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة. فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها ... ".стр. 105
[الـ] فصل [الرابع: في الجمع والتفريق والأوقاص]
ولا يجمع بين متفرق من الأنعام، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة١، ولا شيء فيما دون الفريضة٢، ولا في الأوقاص٣، وما كان من خليطين فيتراجعان بالسوية٤، ولا تؤخذ هرمة٥ ولا ذات عوارٍ٦ ولا عيب٧، ولا صغيرة ولا أكولة٨ ولا رُبَّى٩ ولا ماخض١٠ ولا فحل غنم١١.
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٣١٤ رقم ١٤٥٠" عن أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له التي فرض رسول الله ﷺ : "ولا يجمع متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة".
وصورة التفريق بين مجتمع: أن يكون لرجلين مائتا شاة وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة.
٢ أي لا شيء فيما دون النصاب، وهذا لا خلاف فيه. وانظر حديث أنس في الهامش "٣٠١ و٣٠٥".
٣ الأوقاص: جمع وقص وهو ما بين الفريضتين. وهذا لا خلاف فيه. وقد أخرج أحمد في المسند "٥/ ٢٤٠" من حديث معاذ الطويل، وفيه: "أن الأوقاص لا فريضة فيها" وهو حديث صحيح.
٤ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٣١٥ رقم ١٤٥١" عن أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له التي فرض رسول الله ﷺ : "وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية".
٥ الهرمة: الكبيرة التي سقطت أسنانها.
٦ ذات العوار: أي العوراء.
٧ كالدرنة: أي الجرباء. والشرط اللئيمة: أي صغار المال وشراره البخيلة باللبن.
٨ الأكولة: العاقر من الشاة "النهاية: ١/ ٥٧".
٩ الربى: الشاة التي تربى في البيت للبنها.
١٠ المخاض: الحامل.
١١ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٣٢١ رقم ١٤٥٥": عن أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له التي أمر الله ورسوله ﷺ : "ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس، إلا ما شاء المصدق".стр. 106
[الباب الثاني] : باب زكاة الذهب والفضة
إذا حال على أحدهما الحول١ ربع العشر٢، ونصاب الذهب عشرون دينارًا٣، ونصاب الفضة مائتا درهم٤، ولا شيء فيما دون ذلك، ولا زكاة في غيرهما من الجواهر٥ وأموال التجارة٦ والمستغلات٧.
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٢/ ٢٣٠ رقم ١٥٧٣" عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول" وهو حديث حسن.
٢ أي "٢.٥" بالمائة"؛ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٣١٧ رقم ١٤٥٤" عن أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين، وفيه: " ... وفي الرقة ربع العشر ... ".
الرقة "بكسر الراء وتخفيف القاف": الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة.
وقيل: الرقة: الفضة والذهب.... وانظر الهامش "٣".
٣ الدينار: ٤.٢٥ جرامًا، عشرون دينارًا = ٤.٢٥×٢٠ = ٨٥ جرامًا. وهو نصاب الذهب. "انظر كتابنا: الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية". ودليل ما تقدم: الحديث الذي أخرجه أبو داود "٢/ ٢٣٠ رقم ١٥٧٣" عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم. وليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك" وهو حديث حسن.
٤ الدرهم =٢.٩٧٥ جرامًا. مائتا درهم= ٢.٩٧٥× ٢٠٠ = ٥٩٥ جرامًا وهو نصاب الفضة "انظر كتابنا: الإيضاحات العصرية" ودليل ما تقدم: حديث علي في الهامش "٣".
٥ كالدر، والياقوت، والزمرد، والماس، واللؤلؤ، والمرجان، ونحوها؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك. والبراءة الأصلية مستصحبة.
٦ "والحق أن القول بوجوب الزكاة على عروض التجارة مما لا دليل عليه في الكتاب والسنة الصحيحة ... " قاله المحدث الألباني في تمام المنة ص٣٦٣ والله أعلم.
٧ "هذه مسألة لم تطنَّ على أذن الزمن، ولا سمع بها أهل القرن الأول، الذين هم خير القرون، ولا القرن الذي يليه، ثم الذي يليه، وإنما هي من الحوادث اليمنية، والمسائل التي لم يسمع بها أهل المذاهب الإسلامية، على اختلاف أقوالهم وتباعد أقطارهم، ولا توجد عليها أثارة من علم، ولا من كتاب ولا سنة ولا قياس. وقد عرفناك أن أموال المسلمين معصومة بعصمة الإسلام. ولا يحل أخذها إلا بحقها، وإلا كان ذلك من أكل أموال الناس بالباطل. وهذا المقدار يكفيك في هذه المسألة". قاله الشوكاني في السيل الجرار "٢/ ٢٧".стр. 107
[الباب الثالث] : باب زكاة النبات
يجب العشر في الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب١، وما كان يسقى بالمُسنَى منها ففيه نصف العشر٢ ونصابها خمسة أوسق٣، ولا شيء فيما عدا ذلك كالخضروات وغيرها٤، ويجب في العسل العشر٥ ويجوز تعجيل الزكاة٥، وعلى
الحواشي
(١) ١ أخرج الحاكم في المستدرك "١/ ٤٠١"، والبيهقي في السنن الكبرى "٤/ ١٢٨-١٢٩" عن أبي موسى ومعاذ بن جبل حين بعثهما رسول الله ﷺ إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم: "لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر" وسكت عنه الحاكم وصححه الذهبي. وقال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل. نقله ابن حجر في التلخيص "٢/ ١٦٦" وقد صحح الحديثَ الألبانيُّ في الإرواء رقم "٨٠١". وأخرج البيهقي "٤/ ١٢٩" عن مجاهد قال: لم تكن الصدقة في عهد رسول الله ﷺ إلا في خمسة أشياء: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة وهو مرسل ومعلوم أن المرسل نوع من الضعيف لا تقوم به حجة. وأخرج ابن ماجه "١/ ٥٨٠ رقم ١٨١٥" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في الخمسة: في الحنطة، والشعير والتمر. قلت: لم أجد دليلًا صحيحًا في وجوب الزكاة في الذرة والله أعلم.
٢ للحديث الذي أخرجه مسلم "٢/ ٦٧٥ رقم ٩٨١" وغيره عن جابر بن عبد الله، أنه سمع النبي ﷺ قال: "فيما سقت الأنهار والغنم العشور، وفيما سقى بالسانية نصف العشر". الغيم: هو المطر. فيما سقي بالسانية: هو البعير الذي يستقى به الماء من البئر. ويقال له: الناضح. يقال منه: سنا يسنو سنوًا، إذا استقي به.
٣ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٣١٠ رقم ١٤٤٧" ومسلم "٢/ ٦٧٣ رقم ٩٧٩" عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس ذود صدقة من الإبل، وليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة وليس فيها دون خمسة أوسق صدقة".
الذود: من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه. إنما يقال في الواحد: بعير. الأوقية= ٤٠ درهمًا. فالخمس أواقي= ٢٠٠ درهم، الوسق= ٦٠ صاعًا كيلًا. الصاع= ٤ أمداد كيلًا. المد: ٥٤٤ جرامًا من القمح. فالوسق= ٦٠ × ٤× ٥٤٤= ١٣٠٥٦٠ جرامًا= ١٣٠.٥٦ كيلو جرامًا. فالخمسة أوسق= ١٣٠.٥٦×٥٠= ٦٥٢.٨ كيلو جرامًا. وانظر كتابنا: "الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والموازين الشرعية".
٤ لعدم توافر الدليل الصحيح.
٥ للحديث الذي أخرجه ابن ماجه "١/ ٥٨٤ رقم ١٨٢٤". عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه أخذ من العسل العشر. وهو حديث صحيح بطرقه.
٦ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٢/ ٢٧٥ رقم ١٦٢٤" والترمذي "٣/ ٦٣ رقم ٦٧٨" وابن ماجه "١/ ٥٧٢ رقم ١٧٩٥" وغيرهم عن علي أن العباس سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك، قال مرة: فأذن له في ذلك. وهو حديث حسن.стр. 108
الإمام أن يرد صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم١، ويبرأ رب المال بدفعها إلى السلطان وإن كان جائرًا٢.
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٣٥٧ رقم ١٤٩٦" ومسلم "١/ ٥٠ رقم ٢٩/ ١٩" عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم. واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب".
٢ للحديث الذي أخرجه البخاري "١٣/ ٥ رقم ٧٠٥٢" ومسلم "٣/ ١٤٧٢ رقم ٤٥/ ١٨٤٣" عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها". قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "أدوا إليهم حقهم سلوا الله حقكم".
الأثرة: اسم، من آثر به يؤثر إيثارًا. إذا سمح به لغيره وفضله على نفسه. والمراد: إنكم ستجدون بعدي قومًا يفضلون أنفسهم عليكم في الفيء، والاستئثار: الانفراد بالشيء. النهاية: ١/ ٢٢.стр. 109
[الباب الرابع] : باب مصارف الزكاة
هي ثمانية كما في الآية١، وتحرم على بني هاشم ومواليهم٢،
الحواشي
(١) ١ في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] .
الفقير: الذي لا شيء له. المسكين: الذي له شيء لا يكفيه. العاملين عليها: هم الذين يقدمون لتحصيلها، ويوكلون على جمعها. المؤلفة قلوبهم: هم مسلمون يعطون لضعف يقينهم. وفي الرقاب: هم المكاتبون. وتحرير العبيد. والغارمين: هم الذين ركبهم دين ولا وفاء عندهم به. وفي سبيل الله: هم الغزاة دفاعًا عن الإسلام. وابن السبيل: المسافر الذي يريد أن يرجع إلى بلده. وقد فقد النفقة التي تبلغه مقصده.
٢للحديث الذي أخرجه البخاري "٤/ ٢٩٣ رقم ٢٠٥٥" ومسلم "٢/ ٧٥٢ رقم ١٠٧١" عن أنس ﵁، قال: مر النبي ﷺ بتمرة مسقوطة فقال: "لولا أن تكون صدقة لأكلتها".
وللحديث الذي أخرجه البخاري "٣/ ٣٥٠ رقم ١٤٨٥" ومسلم "٢/ ٧٥١ رقم ١٠٦٩" عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يؤتى بالتمر عند صارم النخل فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره، حتى يصير عنده كومًا من تمر، فجعل الحسن والحسين ﵄ يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة فجعله في فيه، فنظر إليه رسول الله ﷺ فأخرجها من فيه فقال: "أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة".стр. 110
وعلى الأغنياء والأقوياء المكتسبين١.
الحواشي
(١) ١ للحديث الذي أخرجه أبو داود "٢/ ٢٨٥ رقم ١٦٣٤" والترمذي "٣/ ٤٢ رقم ٦٥٢" وقال: حديث حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي" وهو حديث حسن. المرة: القوة والشدة. السوي: الصحيح الأعضاء.
وللحديث الذي أخرجه النسائي "٥/ ٩٩ رقم ٢٥٩٧" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" وهو حديث حسن.
صرف الصدقة في ذوي الأرحام أفضل؛ للحديث الذي أخرجه البخاري "رقم: ١٣٩٣- البغا" عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال لامرأته: "زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم".следующие страницы →