← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 643

الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به

عبد الكريم الخضير

Полный текст (464 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عنه - قال: "كان إِذا قال بلال: قد قامت الصلاة: نهض رسول الله ﷺ فكبر" (١). فقد روي عن الإمام أحمد: أن العوام لم يلق ابن أبي أوفى (٢). الفرق بين الإِرسال الخفي والإِرسال الظاهر: الإِرسال الظاهر: هو ما سقط صحابيه ورفعه التابعي كما تقدم. أما الخفي: فهو الانقطاع في أي موضع من السند بين راويين متعاصرين لم يلتقيا، أو التقيا ولم يقع بينهما سماع (٣). الفرق بين الإِرسال الخفي والتدليس: هذا النوع من الإرسال أشبه بروايات المدلسين لخفاء السقط في كل منهما، إلَّا أن العلماء فرقوا بينهما من وجهين: الأول: أن المرسل الخفي رواية الشخص عمن لم يسمع منه، قال الحافظ أبو بكر البزار (٤): إن الشخص إذا روى عمن لم يدركه بلفظ موهم فإن ذلك ليس بتدليس على الصحيح المشهور (٥).

стр. 107

الثاني: أن التدليس إيهام سماع ما لم يسمع، وليس في الإرسال إيهام، فلو بين المدلس أنه لم يسمع الحديث من الذي دلسه عنه، لصار الحديث مرسلًا لا مدلسا (١). ما يعرف به الإِرسال الخفي: يعرف خفي الإرسال، بأمور: - أحدها: أن ينص بعض الأئمة على عدم اللقاء بين الراوي وشيخه، أو يعرف ذلك بوجه صحيح (٢). الثاني: أن ينص إمام على عدم سماع المحدث عن ذلك الشيخ مطلقًا، كأحاديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود (٣) عن أبيه، وكقول

стр. 108

النسائي: الحسن (١) لم يسمع من أبي هريرة شيئًا (٢). الثالث: أن ينص إمام أو يخبر الراوي عن نفسه -في بعض طرق الحديث- أنه لم يسمع من شيخه ذلك الحديث فقط، وإن سمع منه غيره. الرابع: أن يرد في بعض طرق الحديث زيادة اسم راو بينهما. وهذا الأمر لا يدركه إلَّا الحفاظ النقاد، لأنه قد يشتبه على كثير من أهل الحديث، فقد يكون الحكم للزائد، وربما كان الحكم للناقص، والزائد وهم، فيكون من نوع المزيد في متصل الأسانيد (٣). وبهذا القدر ينتهي المسلك الأول من مسالك الضعف إلى الحديث، وهو السقط من السند، ويليه -إن شاء الله تعالى- المسلك الثاني: وهو الطعن في الراوي، نسأل الله الإعانة على إتمامه بمنه وكرمه.

стр. 109

الفصل الثاني المسلك الثاني من مسالك الضعف إِلى الحديث النبوي الشريف الطعن في الراوي تعريف الطعن: لغة: مصدر طعن يطعن -بفتح العين- طعنا وطعنانا (١) ثلبه بالقول السيء، ومنه قول الشاعر: وأبى الكاشحون يا هند إلا ... طعنانا وقول ما لا يقال (٢) وفلان طعان: أي وقاع في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما، ومنه الحديث: "لا يكون المؤمن طعانا" (٣). وأما الطعن بالرمح فمضارعه: يطعن -بضم العين- فهو من باب نصر ينصر. هكذا فرق علماء اللغة بينهما، لكن الكسائي (٤) يرى أنهما من باب

стр. 110

واحد، وهو الضم فقط فيهما، حيث يقول: لم أسمع أحدا من العرب يقول: يطعن بالرمح، ولا في الحسب، إنما سمعت يطعن (١) -يعني بالضم- والمراد بالطعن -هنا-: جرح الراوي باللسان، والتكلم فيه من ناحية عدالته ودينه، ومن ناحية ضبطه وحفظه وتيقظه. تنبيه: الكلام في الرواة ليس من الغيبة المحرمة، بل هو أمر جائز بإجماع أهل العلم (٢)، وقد أوجبه بعضهم للحاجة إليه (٣)، قال الحسن بن علي الإسكافي (٤): سألت أحمد بن حنبل عن معنى الغيبة؟ فقال: إذا لم ترد عيب الرجل. قلت: فالرجل يقول: فلان لم يسمع، وفلان يخطئ؟ قال: لو ترك الناس هذا لم يعرف الصحيح من غيره (٥). والكلام في الرجال قديم قدم الحديث نفسه، فقد تكلم الرسول ﷺ

стр. 111

فيهم، من ذلك قوله: "بئس أخو العشيرة" (١). كما تكلم فيهم كثير من الصحابة والتابعين، لكنه بقلة، لقلة الضعف في أهل تلك الأزمان، فلا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلَّا الواحد بعد الواحد (٢)، ثم ازداد بعد ذلك وانتشر حتى أصبح علما مستقلا صنفت فيه المصنفات العظيمة. كلّ هذا لا يعني إطلاق عنان اللسان بجرح الرجال من غير حاجة، فإن ذلك إنما جوز للضرورة الشرعية، ولهذا حكم العلماء بأنه لا يجوز الجرح بما فوق الحاجة، قال السخاوي: لا يجوز التجريح بشيئين إذا حصل بواحد (٣). ولهذا تجنب العلماء الكلام في كثير من المتأخرين الذين لا يترتب على معرفتهم صحة حديث أو ضعفه، لذلك نجد الذهبي (٤) في مقدمة الميزان يقول: لا أورد من قد تكلم فيه من المتأخرين إلَّا من قد تبين ضعفه، واتضح أمره من الرواة، إذ العمدة في زماننا ليس على الرواة؛ بل على المحدثين والمقيدين، والذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء

стр. 112

السامعين ... والحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاثمائة (١). إذا علم أنه ليس كلّ شخص ينبغي أن يعرض على ميزان الجرح والتعديل، فكذلك ليس كلّ شخص مؤهلا لأن يجرح ويعدل، بل لا بد من توافر شروط اشترطها العلماء في الناقد للرجال، والمتكلم فيهم، كالعلم والتقوى والورع والصدق والتجنب عن التعصب، ومعرفة أسباب الجرح والتزكية (٢). قال الحافظ ابن حجر: ينبغي أن لا يقبل الجرح والتعديل إلا من عدل متيقظ (٣). وقال أيضًا: إن صدر الجرح من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به (٤). وقال الشيخ عبد العلي اللكنوى (٥): لا بد للمزكي أن يكون عدلا عارفا بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون منصفا ناصحا، لا أن يكون متعصبا ومعجبا بنفسه، فإنه لا اعتداد بقول المتعصب (٦).

стр. 113

إذا علم هذا كله؛ فينبغي أن يعلم أنه ليس كل جرح مقبولا؛ إذ لابد أن يكون الجرح مفسرا مبينا سببه، وذلل لأن الناس مختلفون في أسباب الجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناء على ما اعتقده جرحا، وليس بجرح في نفس الأمر (١)، نقل هذا الخطيب البغدادي عن الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده، كالبخاري ومسلم وأبي داود، وصوبه الخطيب، واختاره ابن الصلاح والنووي (٢). لكن اختار جمع من أهل العلم أنه لا يجب ذكر السبب إذا كان الجارح أو المعدل عالما بأسباب الجرح والتعديل، ومن هؤلاء: الحافظ ابن كثير، والعراقي، والبلقيني، والسخاوي (٣). أما الحافظ ابن حجر، فقد اختار تفصيلا حسنا، وهو: إن كان من جرح مجملا قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائنا من كان إلا مفسرا، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة، فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، وإن خلا عن التعديل قبل الجرح فيه غير مفسر إذا صدر من

стр. 114

عارف، لأنه إذا لم يعدل فهو في حيز المجهول، وإعمال قول المجرح فيه أولى من إهماله (١). وهذا التفصيل هو الذي تميل إليه النفس. إذا تقرر هذا فالطعن في الراوي من ناحيتين: - الأولى: من حيث عدم عدالته. الثانية: من حيث عدم ضبطه. وإليك الكلام على كلّ منهما، وأوجه الطعن الناشئة عن انتفائهما. أولا: العدالة: تعريفها: لغة: مصدر عدل بالضم، يقال: عدل فلان عدالة وعدولة فهو عدل، أي مرضي يقنع به، ويطلق العدل على الواحد وغيره بلفظ واحد، فيقال: رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ونسوة عدل، كلّ ذلك على معنى رجال ذوو عدل، ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثنى ولا يجمع، ولا يؤنث، فإن جاء مجموعا أو مثنى أو مؤنثا، فعلى أنه قد أجري مجرى الوصف الذي ليس بمصدر، وقد حكى ابن جني (٢):

стр. 115

امرأة عدلة، وقد ورد مجموعا في قول الشاعر: وتعاقدا العقد الوثيق وأشهدا ... من كل قوم مسلمين عدولا (١) واصطلاحا: هي ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة (٢) معا حتى تحصل ثقة النفوس بصدق الراوي (٣). والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة (٤) المروءة: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجميل العادات (٥). شروط العدالة: لا يكون الشخص عدلا حتى تتوافر فيه الشروط الآتية: - ١ - الإسلام. ودليل اشتراطه، قوله تعالى: ﴿ ... مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ... ﴾ الآية (٦). فغير المسلم ليس من أهل الرضى قطعا. قال

стр. 116

الحازمي (١): فإن تحمل الرواية وهو مشرك، ثم أبداها في الإسلام، فلا بأس بذلك (٢). ٢ - التكليف. وذلك لأنَّ البلوغ مناط تحمل المسئولية، والتزام الواجبات، وترك المحظورات، فالصغير والمجنون لا تقبل روايتهما، كما لا تقبل شهادتهما (٣). ٣ - السلامة من أسباب الفسق (٤). لمنافاته التقوى آنفة الذكر، ودليل اشتراطه، قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... ﴾ الآية (٥). ٤ - السلامة من خوارم المروءة. مثل: البول في الطريق، والأكل فيه (٦)، وصحبة الأراذل، وإفراط المزح، واللعب بالحمام، وكثرة السخرية، والاستخفاف؛ وذلك لأن من فعل ذلك، كان قليل المبالاة، لا

стр. 117

يؤمن أن يستهتر في نقل الحديث النبوي (١). فهذه الخصال إذا توافرت في الراوي، عرفت عدالته، وكان صادقا، لأنها إذا اجتمعت حملت صاحبها على الصدق، وصرفته عن الكذب، لما اجتمع فيه من الدوافع الدينية والاجتماعية والنفسية، مع الإدراك التام بتصرفاته وتحمل المسئولية. ثبوت العدالة: تثبت العدالة للراوي بأحد أمرين: - الأول: أن ينص علماء الجرح والتعديل على عدالته، وهل يكفي في التعديل قول واحد، أو لا بد من اثنين؟ فيه قولان لأهل العلم: - ١ - اختار الخطيب البغدادي، وغيره أنه يكفي قول واحد، لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر، فلم يشترط في جرح راويه وتعديله. وقال ابن الصلاح: هو الصحيح (٢). ٢ - يرى بعض الفقهاء أنه لا يقبل في التزكية إلا اثنان، سواء كانت التزكية للشهادة أو للرواية (٣). والذي يظهر لي: الاكتفاء بواحد فيمن لا جرح فيه؛ لاسيما إذا كان المعدل من الأئمة المعتدلين في تعديلهم، لا من المتسامحين، ولا

стр. 118

المتشددين (١). أما من اجتمع فيه جرح وتعديل، فإن كانا مبهمين، قدم التعديل، وإن كان الجرح مفسرا والتعديل مبهما، قدم الجرح، لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل، وإن كان التعديل مفسرا أيضًا بأن يقول المعدل: عرفت السبب الذي ذكره الجارح، ولكنه تاب وحسنت حالته، فإنه حينئذ يقدم التعديل (٢). الثاني: تثبت العدالة بالاستفاضة والشهرة، فإذا اشتهر الراوي بالصدق واستقامة الأمر، والبصيرة، والفهم؛ فلا يحتاج أن يسأل عنه أئمة الجرح والتعديل؛ وذلك كالإمام مالك بن أنس، والسفيانين، وشعبة، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واشتهار الأمر (٣). أما ما يراه ابن عبد البر من أن كل حامل علم معروف العناية به، فأمره محمول على العدالة حتى يتبين جرحه (٤)، محتجا بما روي عنه ﵊: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف

стр. 119

الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (١). ووافقه على هذا القول ابن المواق (٢) من المتأخرين (٣). فهو قول غير مرضي، لأن الحديث غير صحيح، قال الحافظ ابن حجر: قد أورد ابن عدي (٤) هذا الحديث من طرق كلها ضعيفة (٥). وعلى تقدير ثبوته، إنما يصح الاستدلال به لو كان خبرا، ولا يصح حمله على الخبرية، لوجود من يحمل العلم، وهو غير عدل، وغير ثقة، فيلزم من هذا الخلف في الخبر، فلم يبق له محمل إلا على الأمر، والمعنى ليحمل هذا العلم، ففيه أمر للثقات بحمل العلم، لأن العلم إنما

стр. 120

يقبل عنهم، لأن المفروض أن العلم الشرعي لا يشتغل به إلا من يريد به وجه الله والدار الآخرة، الذي يحمله شعوره هذا على التزام الإسلام قولا وعملًا، ظاهرا وباطنا. إذا توافرت شروط العدالة آنفة الذكر في شخص ما، فإنه يكون عدلا يقبل حديثه إذا انضم إليها صفة الضبط التي سيأتي الحديث عنها، أما إذا اختل شرط من شروط العدالة، فالراوي مطعون فيه، ضعيف عند المحدثين. هذا وأوجه الطعن المتعلقة بانتفاء العدالة خمسة، هي: - أولا: الكذب. ثانيا: التهمة بالكذب. ثالثا: الفسق. رابعا: البدعة. خامسا: الجهالة. وإليك الكلام على هذه الأوجه واحدا تلو الآخر، وما يسمى به حديث كل واحد ممن اتصف بصفة من هذه الصفات: -

стр. 121

الوجه الأول من أوجه الطعن في الراوي المتعلقة بالعدالة الكذب تعريفه: لغة: نقيض الصدق، يقال: كَذَب يَكْذِب كَذِبا وِكذْبا، وِكذْبة، وكَذِبة وكِذَابا، وكذَّابا، ورجل كاذب، وكَذَّاب، وتِكْذَاب، وكَذُوب، وكَذُوبَة، وكَذْبان، وكيْذَبان، ومَكْذَبَان، ومَكْذَبانَة، وكُذُبْذُبان، وكُذُبْذُب، وكُذبذُب. قال الشاعر (١): وإذا سمعت بأنني قد بعتهم ... بوصال غانية فقل كُذُبْذُب (٢) واصطلاحًا: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عمدا كان أو سهوا (٣). فلا يشترط لتسمية الكلام كذبا كونه صدر من قائله عمدا، بل مجرد الإِخبار على خلاف الواقع يسمى كذبا، بدليل قوله ﷺ : "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٤).

стр. 122

ووجه الاستدلال من الحديث حيث قيد الكذب بالتعمد، فيدل على أن هناك كذبا آخر، إلا أنه لا وعيد فيه، وهو السهو والغلط. كما يدل له قوله ﷺ : "صدق الله وكذب بطن أخيك" (١). قال الحافظ ابن حجر: أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ، يقال: كذب سمعك، أي: زل، فلم يدرك حقيقة ما قيل له (٢). ومعلوم أن الخطأ ضد العمد. فعلى هذا المذهب لا واسطة بين الصدق والكذب، وهو قول أهل السنة (٣). أما المعتزلة فيرون اشتراط العمدية ليكون الكلام كذبا، وعندهم أن هناك واسطة بين الصدق والكذب، وهي "ليس بصدق ولا كذب". مستدلين بقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ... ﴾ الآية (٤). ووجه استدلالهم من الآية: أن الجَنَّة غير الكذب، لأنها صارت قسيمة له، وغير الصدق، لأنهم لم يعتقدوه. ورد استدلالهم بأن المعنى أم لم يفتر، فعبر عنه بالجنة، لأن المجنون لا افتراء له (٥). وقيل: أن "أم" منقطعة، فلا يتم لهم الاستدلال (٦).

стр. 123

وعلى ضوء هذا الاختلاف تنازع الحافظ أبو العلاء الهمذاني (١)، والشيخ أبو الفرج بن الجوزي، هل في مسند الإمام أحمد بن حنبل حديث موضوع أم لا؟ فأنكر أبو العلاء أن يكون في المسند حديث موضوع، وأثبت ذلك أبو الفرج، وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها باطلة. ولا منافاة بين القولين، فإن اصطلاح ابن الجوزي عدم اشتراط تعمد الكذب بخلاف أبي العلاء الهمداني، فإنه يريد بالموضوع المختلق المصنوع الذي تعمد صاحبه الكذب، ومثل هذا فإن الإمام أحمد لم يروه في مسنده عنه، بخلاف من قد يغلط في الحديث، ولا يتعمد الكذب، فإن هؤلاء توجد الرواية عنهم في السنن، ومسند الإمام أحمد ونحوه (٢). حكم الكذب على رسول الله: أجمع من يعتد بقوله من المسلمين على تحريم الكذب على رسول الله ﷺ ، والحكم بأنه من كبائر الذنوب، لما تواتر عنه ﷺ من قوله: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (٣).

стр. 124

بل نقل أبو المعالي الجويني (١) عن أبيه (٢) تكفير من يضع الحديث، لكن أبا المعالي، ضعف هذا القول، وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب وأنه هفوة عظيمة (٣). وقد نقل الذهبي عن ابن الجوزي قوله: ولا ريب أن الكذب على الله وعلى رسوله في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض، وإنما الشأن في الكذب عليه فيما سوى ذلك (٤). ولا عبرة بما ذهب إليه محمد بن كرام السجستاني (٥) من إباحة وضع الأحاديث المتضمنة للترغيب في الطاعة، والتنفير من المعصية، دون ما يتعلق به حكم من أحكام الشريعة، مؤولين حديث: "من كذب

стр. 125

عليّ ... " الحديث. بقولهم: إنا نكذب له، ولسنا نكذب عليه. ومستدلين بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة، وهي: "من كذب عليّ ليضل به الناس ... " الحديث (١). ولا شك أن هذا قول متهافت عرضه يكفي عن الرد عليه، لأن تأويلهم للحديث جهل باللغة العربية مع مناقضته لإجماع من يعتد بإجماعه من المسلمين، ومع ذلك فهو في غاية السخف، فإن الدين الإسلامي ليس بحاجة إلى كذابين ودجالين ليروجوه، فقد أكمله الله تعالى قبل وفاة رسوله ﷺ ، قال تعالى ﴿ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ ... ﴾ الآية (٢). وأما الزيادة التي استدلوا بها، فهي غير ثابتة، وعلى تقدير ثبوتها، فليست اللام فيها للعلة، بل للصيرورة، كما فسر قوله تعالى: ﴿ ... فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... ﴾ الآية (٣). والمعنى: أن مآل أمره إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿ ... لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً .... ﴾ الآية (٤). وقوله ﴿ ... وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ الآية (٥). فإن قتل الأولاد، ومضاعفة الربا، والإضلال في هذه الآياتِ إنما هو

стр. 126

لتأكيد الأمر فيها، لا لاختصاص الحكم (١). قال الغزالي: وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الأحاديث في فضائل الأعمال، وفي التشديد في المعاصي، وزعموا أن القصد منه صحيح، وهو خطأ محض؛ إذ قال ﷺ : "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وهذا لا يرتكب إلا لضرورة، ولا ضرورة إذ في الصدق مندوحة عن الكذب، ففيما ورد من الآيات والأخبار كفاية عن غيرها، وقول القائل: إن ذلك قد تكرر على الأسماع، وسقط وقعه، وما هو جديد فوقعه أعظم، فهذا هوس، إذ ليس هذا من الأغراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله ﷺ ، وعلى الله تعالي، ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة، فلا يقاوم خير هذا شره أصلا، والكذب على رسول الله ﷺ من الكبائر التي لا يقومها شيء، نسأل الله العفو عنا وعن جميع المسلمين (٢). إذا تقرر هذا، فمن كذب على رسول الله ﷺ عمدا في حديث واحد فسق، وردت رواياته كلها، وبطل الاحتجاج بها جميعا. فإن تاب من ذلك فقد اختلف العلماء في قبول روايته على قولين: الأول: ذهب جماعة من العلماء، منهم الإمام أحمد بن حنبل، وأبو

стр. 127

بكر الحميدي (١) -شيخ البخاري-، وأبو بكر الصيرفي (٢) إلى أن توبته لا تؤثر في ذلك، ولا تقبل روايته أبدا، بل يحتم جرحه دائما (٣). الثاني: يرى آخرون، أن توبته صحيحة، وروايته مقبولة إذا صحت توبته، ورجحه الإمام النووي، وقال: أنه الجاري على قواعد الشرع، وقاسه على رواية الكافر إذا أسلم، وضعف الرأي الأول (٤). إذا كان سبب الطعن في الراوي هو الكذب على رسول الله ﷺ ، فإن حديثه يسمى: الموضوع المنسوب إلى رسول الله ﷺ زورا وبهتانا. وقد استنكر العلماء على الخطابي وابن الصلاح قولهما: إنه شر الأحاديث الضعيفة (٥)، لأن الموضوع ليس من الحديث النبوي (٦)،

стр. 128

وأفعل التفضيل إنما يضاف إلى بعضه. وقد أجيب عنهما بأنهما لم يقصدا بالأحاديث الأحاديث النبوية، بل مرادهما ما هو أعم من ذلك، وهو ما يتحدث به (١). أو سمي بذلك تجاوزا حسب دعوى من اختلقه (٢). تعريفه: لغة: يقال: وضع الشيء من يده يضعه -بفتح ضادهما- وضعا وموضعا، وموضوعا حطه، وفي حسبه ضعة -بالفتح والكسر- انحطاط ولؤم وخسة، وقد وضع الدين أسقطه (٣). قال ابن دحية (٤): الموضوع الملصق، يقال: وضع فلان على فلان

стр. 129

عارا إذا ألصقه به، والوضع أيضًا الحط والإسقاط (١). والإلصاق أليق بهذه الحيثية (٢). واصطلاحا: هو المختلق المصنوع (٣)، الفتركط على رسول الله ﷺ (٤). سمي بذلك لأن الأحاديث التي اختلقها الفسقة ساقطة، ومنحطة عن رسول الله ﷺ ، إذ هي كلام غيره (٥). أسباب الوضع: الأسباب التي حملت بعض الناس على اختلاق الأحاديث وافترائها على رسول الله ﷺ كثيرة جدًا، لكن يمكن أن نجمل أهمها فيما يلي: ١ - التقرب إلى الله تعالى بوضع الحديث ترغيبا للناس في الخيرات، وترهيبا من فعل المنكرات، وهؤلاء قوم ينسبون إلى الزهد والصلاح، وهم شر أنواع الوضاعين لقبول الناس موضوعاتهم ثقة بهم، ومن هؤلاء أبو عصمة نوح بن أبي مريم (٦). ٢ - قصد الواضع إفساد الدين على أهله وتشكيكهم فيه، وهذا إنما صدر

стр. 130

عن الزنادقة، ومنهم: عبد الكويم بن أبي العوجاء (١)، ومحمد بن سعيد المصلوب (٢)، وقد كان في هؤلاء من يتغفل الشيخ فيدس في كتابه ما ليس من حديثه، فيرويه ذلك الشيخ ظنا منه أن ذلك من حديثه (٣). ٣ - الانتصار للمذهب، ولا سيما أصحاب الأهواء والبدع، كالخطابية (٤)، وبعض السالمية (٥)، فقد وضعوا أحاديث نصرة

стр. 131

لمذاهبهم، أو ثلبا لمخالفيهم، فقد روي عن رجل من أهل البدع رجع عن بدعته قوله: انظروا هذا الحديث ممن تأخذون، فإنا كنا إذا رأينا رأيًا جعلنا له حديثا (١). وقد يفعل ذلك بعض جهلة المتعصبين لأحد من الأئمة الفقهاء. ٤ - الرغبة في التكسب والارتزاق كبعض القصاص الذين يتكسبون بالتحدث إلى الناس، فيوردون بعض القصص المسلية والعجيبة، حتى يستمع إليهم الناس ويعطوهم، وقد اشتهر بهذا جماعة منهم: أبو سعيد المدائني (٢). ٥ - قصد الواضع التزلف إلى الخلفاء، والنفاق لهم، لتتسع له مجالسهم، وتنفق سوقه عندهم، ومن هؤلاء: غياث ابن إبراهيم (٣) حيث وضع للمهدي (٤) زيادة في حديث: "لا سبق إِلَّا

стр. 132

في نصل أو خف أو حافر" (١). فزاد فيه: أو جناح، قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام وخرج، قال: أشهد أن قفا هذا قفا كذاب على رسول الله ﷺ ، واللّه ما قال رسول الله ﷺ : جناح، ولكن أراد هذا أن يتقرب إلينا. يا غلام اذبح الحمام، فذبح الحمام في الحال (٢). ٦ - قصد الواضع الشهرة ومحبة الظهور حيث جعل بعضهم لذي الإسناد الضعيف إسنادا صحيحا مشهورا، وجعل بعضهم للحديث إسنادا غير إسناده المشهور ليستغرب، ويطلب سماعه منهم. سئل الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني عمن قلب الإسناد والمتن على حاله، فجعل بدل شعبة سعيدا، وما أشبهه، يريد أن يجعل الحديث مرغوبا فيه غريبا؟ فأجاب: يصير دجالا كذابا، تسقط به جميع أحاديثه، وإن رواها على وجهها (٣). هذه أسباب دفعت أصحابها إلى تعمد الكذب على رسول الله ﷺ ، لكن هناك أسباب أوقعت أصحابها في الكذب من غير تعمد له، أهمها ما يلي: -

стр. 133

١ - غلبة الزهد والعبادة على بعض الناس حتى جعلتهم يغفلون عن الحفظ، والتمييز، حتى صار الطابع لكثير من الزهاد الغفلة. قال أبو عاصم النبيل (١): ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث (٢). ٢ - ضياع الكتب أو احتراقها ممن يعتمد عليها، ثم بعد ذلك يحدث من حفظه فيقع الغلط في كلامه، وذلك مثل: عبد الله بن لهيعة (٣). ٣ - الاختلاط، فقد حصل لقوم ثقات أن اختلطت عقولهم في أواخر أعمارهم، فخلطوا في الرواية، وقلبوا المرويات؛ وذلك مثل: إسماعيل بن عياش (٤)، وغيره (٥).

стр. 134

ما يعرف به الحديث الموضوع: ذكر العلاقة ابن القيم (١): أن من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وله اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة الرسول ﷺ ، وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث يصير كأنه مخالط للرسول ﷺ كواحد من أصحابه، فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول ﷺ وهديه وكلامه، وما يجوز أن يخبر به، وما لا يجوز مالا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متبع مع متبوعه، فإن للأخص به، الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه، ومالا يصح ما ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم (٢). وقال السراج البلقيني: إن لأئمة الحديث ملكة يعرفون بها الموضوع وشاهده إن إنسانا لو خدم إنسانا سنين، وعرف ما يحب وما يكره، فجاء إنسان وادعى أنه يكره شيئًا يعلم ذلك أنه يحبه، فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيب من قال إنه يكرهه (٣).

стр. 135

وعلى ضوء تلك المعرفة من الأئمة النقاد مع خشيتهم من التباس الأمر على من يأتي بعدهم هبوا لوضع علامات يعرف بها الموضوع، ويميز بها بين الصحيح وغيره، منها: ١ - إقرار واضعه (١)، بأن يقر الواضع أنه وضع الحديث بعينه، كإقرار عمر بن صبح (٢) بأنه وضع خطبة نسبها إلى رسول الله ﷺ ، وكإقرار ميسرة بن عبد ربه الفارسي (٣)، بأنه وضع أحاديث في فضائل القرآن، ووضع أحاديث في فضائل علي ﵁. لكن قال ابن دقيق العيد: وهذا - يعني: إقرار الواضع - كشاف في تركه، لكنه ليس بقاطع في كونه موضوعا لجواز أن يكون (كاذبا) في هذا الإقرار (٤). قال ابن حجر: وقد فهم منه - أي: من كلام ابن دقيق العيد - بعضهم أنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلا، وليس ذلك مراده، وإنما نفى القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم، لأن الحكم يقع بالظن

стр. 136

الغالب، وهو هنا كذلك، ولولا ذلك لما ساغ قتل المقر بالقتل، ولا رجم المعترف بالزنا، لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به (١). ٢ - ما يتنزل منزلة إقراره (٢)، كأن يحدث بحديث عن شيخ، ثم يسأل عن مولده، فيذكر تاريخا يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يوجد ذلك الحديث إلا عنده، فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره بالوضع (٣). ٣ - ما يؤخذ من حال الراوي بحيث تقوم قرينة من حاله تدل على أن ذلك المروي موضوع، ومن أمثلته: ما أخرجه الحاكم عن سيف بن عمر التميمي (٤) أنه قال: كنا عند سعد بن طريف (٥)، فجاءه ابنه يبكي، فقال: مالك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة (٦) عن ابن عباس مرفوعًا: "معلموا صبيانكم

стр. 137

شراركم، أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المساكين" (١). وسعد ابن طريف -هذا- قال فيه ابن حبان: كان يضع الحديث على الفور (٢). ٤ - ما يؤخذ من حال المروي، له عدة وجوه، منها: - أ - ركاكة معنى الحديث، سواء انضم إليها ركاكة لفظه أم لا، أما ركة اللفظ وحدها، فلا تكفي دليلا على الوضع عند جمهور المحدثين الذين جوزوا الرواية بالمعنى (٣)، لاحتمال أن يكون الراوي قد غير اللفظ النبوي من عنده، فلم يوفق إلى أسلوب أو عبارة جيدة، نعم لو ادعى أن هذا اللفظ الركيك هو لفظ النبي ﷺ كان ذلك دليلا على أنه كاذب لما تواتر من أن النبي ﷺ في ذروة الفصاحة والبلاغة. ومثال الركة في المعنى: "أربع لا تشبع من أربع: إنثى من ذكر،

стр. 138

وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر" (١). ب - كون الحديث مناقضا لما جاء به القرآن الكريم، أو السنة الصحيحة الصريحة مناقضة بينة، فكل حديث يشتمل على فساد أو ظلم أو عبث، أو مدح باطل، أو ذم حق، أو نحو ذلك، فرسول الله ﷺ منه بريء (٢). ومثاله ما يروى: " لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به" (٣). فهو من وضع المشركين عباد الأوثان (٤)، وهو مخالف لكل آيات التوحيد في القرآن. ج - مخالفة الحديث لصريح العقل، وفي هذا يقول ابن الجوزي: كل حديث رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع، فلا تتكلف اعتباره (٥). ومثاله: ما روي أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، وصلت عند المقام ركعتين (٦). د - مخالفة الحديث للحس والمشاهدة، ولحقائق التاريخ. من ذلك ما روي عن أنس أنه قال: "دخلت الحمام فرأيت رسول الله ﷺ جالسا وعليه مئزر". وهذا منقوض تاريخيا، لأن الثابت أن الرسول ﷺ لم

стр. 139

يدخل حماما قط، إذ أن الحمامات لم تكن معروفة في الحجاز في عصره ﵊ (١)، مما يدل على أن الكلام موضوع على لسان أنس. هـ - كون المروي خبرا عن أمر جسيم تتوافر الدواعي على نقله، ثم لا يرويه إلا واحد، فإن انفراد هذا الواحد برواية هذا الحديث مع جسامة موضوعه، وعظيم شأنه، دليل على أن هذا الواحد مختلق كذاب. ومن أمثلته: "أن الشمس ردت لعلي ﵁ بعد العصر والناس يشاهدونها". ولا يشتهر هذا الحدث أعظم اشتهار، ولا يعرفه إلا أسماء بنت عميس (٢). ويمثل له الأصوليون بقتل الخطيب على المنبر، ولا ينقله إلا واحد من الحاضرين (٣). و - أن يكون المروي قد تضمن الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الهين اليسير. ومثاله: ما يروى: "من أكل الثوم ليلة الجمعة فليهو في النار سبعين خريفا". أو يتضمن الإفراط بالوعد العظيم على الفعل القليل.

стр. 140

ومثاله: "من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطي ثواب سبعين نبيا" (١). قال ابن القيم: وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي لو صلى عمر نوح ﵇ لم يعط ثواب نبي واحد (٢). ز - عدم وجود الحديث في بطون الأسفار بعد تدوين السنن، إذا فتشت ولم يظفر به فيها، فإنه يعلم كذبه لعلمنا أن الأخبار قد دونت، ذكره أبو الحسين البصري (٣)، ونقله الصنعاني (٤) عن الفخر الرازي (٥)،

стр. 141

وابن الصلاح عن البيهقي (١) (٢). ح - أن يكون المروي بوصف الأطباء، والطرقية (٣) أشبه وأليق. كما يروى: "الهريسة تشد الظهر" و "أكل السمك يوهن الجسد" و "المؤمن حلو يحب الحلاوة" (٤). وغير ذلك من العلامات التي نصبها الأئمة دلائل على وضع الحديث، وليس معنى هذا أن هذه العلامات يسيرة معلومة لكل إنسان، وإنما ذلك لجهابذة الحديث فقط، فهم الذين عندهم الأدوات الصحيحة التي يميزون بها صحيح حديث رسول الله ﷺ من غيره تمييزا دقيقا. حكم رواية الحديث الوضوع: اتفق العلماء على تحريم رواية الأحاديث الموضوعة مع العلم بوضعها، سواء أكانت في الأحكام أم في القصص والترغيب والترهيب ونحوها إلا مبينا وضعه، فمن بين وضعه فهو مثاب على صنيعه، لأنه ينفي الزغل عن سنة رسول الله ﷺ ، وأما من يرويه من غير أن يبين حاله، فهو آثم شديد

стр. 142

الإثم لحديث: "من حدث عني حديثا يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين" (١). أما من لا يعلم أنه مكذوب، أو يظنه كذبا، فإنه لا يأثم في روايته، وإن ظنه غيره كذبا أو علمه، غاية ما في الأمر أنه مقصر في البحث عن حاله متهجم على ما لا ينبغي للمسلم أن يتهجم له (٢).

стр. 143

الوجه الثاني: من أوجه الطعن في الراوي المتعلقة بالعدالة تهمة الراوي بالكذب التعريف: لغة: التهمة: الظن، أصلها الوهمة، تاؤه مبدلة من واو، كما أبدلت في تخمة. يقال: أوهمته واتهمته: أدخلت عليه التهمة، كهمزة ورطبة، والسكون لغة، واتهمته: شككت في صدقه (١). واصطلاحا: عرف الحافظ ابن حجر تهمة الراوي بالكذب: بأن لا يروي ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة (٢)، وكذا من عرف بالكذب في كلامه العادي، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي (٣). أسباب اتهام الراوي بالكذب: يتضح من التعريف أن أسباب اتهام الراوي بالكذب أحد شيئين، هما: أ - أن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد

стр. 144

المعلومة. ب - أن يعرف الراوي بالكذب في كلامه العادي، لكن لم يظهر منه الكذب في الحديث النبوي. ومتى اتهم الراوي بالكذب، ترك حديثه، قال الإمام مالك بن أنس: لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك، لا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من سفيه معلن بالسفه، وإن كان من أروى الناس، ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وأن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله ﷺ ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث (١). فحديث المتهم بالكذب يسمى: المتروك تعريفه: لغة: اسم مفعول من تركه تركا وتركانا -بالكسر- واتركه كافتعله ودعه، والتريكة -كسفينة- البيضة بعد أن يخرج منها الفرخ، والكباسة بعد أن ينفض ما عليها، والتريك: العنقود إذا أكل ما عليه، فهي فعيل بمعنى مفعول، فكل هذه متروكة لأنها لا فائدة فيها، فالمتروك ما لا فائدة فيه (٢). واصطلاحا: هو الحديث الذي في إسناده راو متهم بالكذب. وهو نوع

стр. 145

مستقل ذكره الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها (١)، ولم يذكره قبله ابن الصلاح، ولا النووي (٢). أما الجلال السيوطي، فيرى أن المتروك: الحديث الذي لا مخالفة فيه (٣)، وراويه متهم بالكذب -بأن لا يروى إلا من جهته، وهو مخالف للقواعد المعلومة، أو عرف به في غير الحديث النبوي- أو كان كثير الغلط أو الفسق أو الغفلة (٤). فعلى كلام السيوطي، يكون منشأ ضعف الحديث المتروك مترددا بين فقد العدالة، وفقد الضبط؛ أما على رأي الحافظ ابن حجر، فهو مما ينشأ عن اختلال العدالة فقط بالتهمة بالكذب. مثال المتروك: روى ابن ماجة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس، قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر" (٥). فهذا الحديث متروك لأنه من رواية إبراهيم بن عثمان العبسي (٦)،
следующие страницы →