← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 643

الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به

عبد الكريم الخضير

Полный текст (464 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وابن الصلاح عن البيهقي (١) (٢). ح - أن يكون المروي بوصف الأطباء، والطرقية (٣) أشبه وأليق. كما يروى: "الهريسة تشد الظهر" و "أكل السمك يوهن الجسد" و "المؤمن حلو يحب الحلاوة" (٤). وغير ذلك من العلامات التي نصبها الأئمة دلائل على وضع الحديث، وليس معنى هذا أن هذه العلامات يسيرة معلومة لكل إنسان، وإنما ذلك لجهابذة الحديث فقط، فهم الذين عندهم الأدوات الصحيحة التي يميزون بها صحيح حديث رسول الله ﷺ من غيره تمييزا دقيقا. حكم رواية الحديث الوضوع: اتفق العلماء على تحريم رواية الأحاديث الموضوعة مع العلم بوضعها، سواء أكانت في الأحكام أم في القصص والترغيب والترهيب ونحوها إلا مبينا وضعه، فمن بين وضعه فهو مثاب على صنيعه، لأنه ينفي الزغل عن سنة رسول الله ﷺ ، وأما من يرويه من غير أن يبين حاله، فهو آثم شديد

стр. 142

الإثم لحديث: "من حدث عني حديثا يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين" (١). أما من لا يعلم أنه مكذوب، أو يظنه كذبا، فإنه لا يأثم في روايته، وإن ظنه غيره كذبا أو علمه، غاية ما في الأمر أنه مقصر في البحث عن حاله متهجم على ما لا ينبغي للمسلم أن يتهجم له (٢).

стр. 143

الوجه الثاني: من أوجه الطعن في الراوي المتعلقة بالعدالة تهمة الراوي بالكذب التعريف: لغة: التهمة: الظن، أصلها الوهمة، تاؤه مبدلة من واو، كما أبدلت في تخمة. يقال: أوهمته واتهمته: أدخلت عليه التهمة، كهمزة ورطبة، والسكون لغة، واتهمته: شككت في صدقه (١). واصطلاحا: عرف الحافظ ابن حجر تهمة الراوي بالكذب: بأن لا يروي ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة (٢)، وكذا من عرف بالكذب في كلامه العادي، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي (٣). أسباب اتهام الراوي بالكذب: يتضح من التعريف أن أسباب اتهام الراوي بالكذب أحد شيئين، هما: أ - أن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد

стр. 144

المعلومة. ب - أن يعرف الراوي بالكذب في كلامه العادي، لكن لم يظهر منه الكذب في الحديث النبوي. ومتى اتهم الراوي بالكذب، ترك حديثه، قال الإمام مالك بن أنس: لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك، لا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من سفيه معلن بالسفه، وإن كان من أروى الناس، ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وأن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله ﷺ ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث (١). فحديث المتهم بالكذب يسمى: المتروك تعريفه: لغة: اسم مفعول من تركه تركا وتركانا -بالكسر- واتركه كافتعله ودعه، والتريكة -كسفينة- البيضة بعد أن يخرج منها الفرخ، والكباسة بعد أن ينفض ما عليها، والتريك: العنقود إذا أكل ما عليه، فهي فعيل بمعنى مفعول، فكل هذه متروكة لأنها لا فائدة فيها، فالمتروك ما لا فائدة فيه (٢). واصطلاحا: هو الحديث الذي في إسناده راو متهم بالكذب. وهو نوع

стр. 145

مستقل ذكره الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها (١)، ولم يذكره قبله ابن الصلاح، ولا النووي (٢). أما الجلال السيوطي، فيرى أن المتروك: الحديث الذي لا مخالفة فيه (٣)، وراويه متهم بالكذب -بأن لا يروى إلا من جهته، وهو مخالف للقواعد المعلومة، أو عرف به في غير الحديث النبوي- أو كان كثير الغلط أو الفسق أو الغفلة (٤). فعلى كلام السيوطي، يكون منشأ ضعف الحديث المتروك مترددا بين فقد العدالة، وفقد الضبط؛ أما على رأي الحافظ ابن حجر، فهو مما ينشأ عن اختلال العدالة فقط بالتهمة بالكذب. مثال المتروك: روى ابن ماجة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس، قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر" (٥). فهذا الحديث متروك لأنه من رواية إبراهيم بن عثمان العبسي (٦)،

стр. 146

وهو متروك الحديث. رتبته: تقدم أن الموضوع شر الأحاديث الضعيفة، ويليه المتروك، ثم المنكر، ثم المعلل، ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المضطرب، كذا رتبها الحافظ ابن حجر على سبيل التنزل من الأعلى في الشدة إلى الأدنى فيها (١)، فالمتروك هو الذي يلي الموضوع، لذا يرى العلماء أنه لا يصلح للاعتبار (٢)، ودليل ذلك أن الترمذي لم يعتبر رواية الحسن بن دينار (٣) عن ابن سيرين (٤)،

стр. 147

لأن الحسن متروك الحديث، ولذلك قال -أي: الترمذي- بعد رواية حديث: "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما" (١). قال: هذا حديث غريب لا نعرفه لإسناد إلا من هذا الوجه (٢).

стр. 148

الوجه الثالث من أوجه الطعن في الراوي المتعلقة بالعدالة الفسق تعريفه: لغة: الخروج، تقول العرب: فسقت الرطبة عن قشرها لخروجها منه، والفويسقة: الفأرة لخروجها من جحرها علي الناس (١)، لأجل المضرة (٢)، يقال: فسق يفسق فسقا -بالكسر- وفسوقا: فجر، وخرج عن الحق، ورجل فسق وفسيق: دائم الفسق (٣). اصطلاحا: يقع الفسق في الاستعمال الشرعي علي كثير الذنب وقليله. فالكافر فاسق، لخروجه عما ألزمه العقل واقتضته الفطرة السليمة، قال تعالئ: ﴿ .. وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤). وقال تعالئ ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (٥). فقابل به الإيمان (٦). والعاصي -بما دون الكفر- يقال له: فاسق، قال تعالي - في شأن

стр. 149

القاذف-: ﴿ .. وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). قال القرطبي: والفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله ، فقد يقع علي من خرج بكفر، وعلئ من خرج بعصيان (٢). والمراد بالفاسق هنا: المتلبس بمعصية دون الكفر، لأن الكلام في الراوي المسلم (٣). حكم رواية الفاسق: اعلم أن الفاسق قسمان:- الأول: الفاسق المتأول، وهم الطوائف المبتدعة، وهذا القسم سيأتي الكلام عليه وحكم روايته قريبا. الثاني: الفاسق غير المتأول -وهو المراد هنا- المخل بشيء من أحكام الشرع من ترك واجب أو ارتكاب محرم، فقد اتفق العلماء علي عدم قبول روايته، لأن الرواية عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أمانة ودين، والفسق يبطلها لاحتمال كذب الفاسق علي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- (٤). قال ابن العربي: من ثبت فسقه، بطل قوله فى الأخبار إجماعا، لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة تبطلها (٥).

стр. 150

وقال الشنقيطي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... ﴾ الآية (٢). هي تدل علي عدم تصديق الفاسق في خبره، وصرح تعالئ في موضع آخر بالنهي عن قبول شهادة الفاسق، وذلك في قوله: ﴿ .. وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣). ولا خلاف بين العلماء في رد شهادة الفاسق، وعدم قبول خبره (٤). وقال أبو حاتم بن حبان: ومنهم -يعني الضعفاء- المعلن بالفسق والسفه (٥)، وإن كان صدوقا في روايته، لأن الفاسق لا يكون عدلا، والعدل لا يكون مجروحا، ومن خرج عن حد العدالة لا يعتمد علي صدقه، وإن صدق في شيء بعينه في حالة من الأحوال، إلا أن يظهر عليه ضد الجرح حتى يكون أكثر أحواله طاعة الله ، فحينئذ يحتج بخبره، فأما قبل ظهور ذلك عنه، فلا (٦). وحديث الفاسق يسمى المنكر، وسيأتي الكلام عليه، بعد الكلام علي

стр. 151

فحش الغلط من الراوي وغفلته، لأن حديث كل من هؤلاء الثلاثة -أعني الفاسق، وفاحش الغلط، وذا الغفلة- يسمى المنكر.

стр. 152

الوجه الرابع من أوجه الطعن في الراوي المتعلقة بالعدالة البدعة تعريفها: لغة: البدعة في الأصل اختراع الشيء لا علي مثال سابق، يقال: ابتدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق، سواء كانت هذه الطريقة مذمومة أو ممدوحة (١). وأكثر ما يستعمل الابتداع عرفا في الذم (٢). والله بديع السموات والأرض: أي هو الخالق المخترع لهما، لا عن مثال سابق، فعيل بمعنى مفعل، يقال: أبدع فهو مبدع (٣). واصطلاحًا: كل مما أحدث في الدين بعد النبي ﷺ فهو، بدعة (٤). وعرفها الشاطبي: بأنها طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية (٥).

стр. 153

والابتداع شامل لما تخترعه القلوب، وتنطق به الألسنة، وتفعله الجوارح (١). أقسام البدعة: تنقسم البدعة إلئ قسمين:- ا- بدعة حسنة. ٢ - بدعة قبيحة. قال ابن الأثير: البدعة بدعتان، بدعة هدى، وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ ، فهو في حيز الذم والإنكار وما كان واقعا تحت عموم ما ندب الله إليه، وحض عليه ورسوله، فهو في حيز المدح (٢). فمن القسم الأول، قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في قيام رمضان: نعم البدعة هذه (٣).

стр. 154

ويدل علي القسم الثاني قول النبي ﷺ : "كل بدعة ضلالة" (١). وقسمها العز بن عبد السلام (٢) إلى خمسة أقسام: واجبة، ومحرمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة، ثم قال: والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة علي قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب، فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم، فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة. ثم مثل لهذه الأقسام بأمثلة، نقتصر علي ما له صلة بموضوعنا، وهو: البدعة المحرمة، فقال: وللبدع المحرمة أمثلة، منها: مذهب القدرية (٣)، ومذهب الجبرية (٤)، ومذهب المرجئة (٥)، ومذهب

стр. 155

المجسمة (١)، والرد علي هؤلاء من البدع الواجبة (٢). لكن الشاطبي لم يرتض هذا التقسيم، بل رده وقوض دعائمه في كتابه "الاعتصام" حيث يقول: هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، لا من نصوص الشرع، ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع علي وجوب، أو ندب، أو إباحة، لما كان ثم بدعة، ولو كان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها، أو المخير فيها، فالجمع بين تلك الأشياء بدعا (٣)، وبين كون الأدلة تدل علي وجوبها، أو ندبها، أو إباحتها، جمع بين متنافيين (٤). ويقصد بالمبتدع في اصطلاح المحدثين: "من اعتقد ما أحدث في الدين بعد النبي ﷺ بنوع شبهة لا بمعاندة" (٥).

стр. 156

حكم رواية المبتدع: اختلف العلماء في الرواية عن المبتدعة كالمرجئة، والقدرية، والخوارج (١) والرافضة (٢)، وغيرهم، وفي الاحتجاج بما يروونه علي أقوال:- الأول: يرى جماعة من أهل العلم أن رواية أهل البدع لا تقبل مطلقا؛ وذلك لأنهم إما كفار، وإما فساق بما ذهبوا إليه، وكل من الكافر والفاسق مردود الرواية. وقد روي هذا القول عن الإمام مالك (٣)، والقاضي أبي بكر الباقلاني (٤)، واختاره الآمدي (٥)، وجزم به ابن الحاجب (٦).

стр. 157

واحتج لهذا الرأي بأن في الرواية عن المبتدع ترويجا لأمره، وتنويها بذكره (١). وقد رد الحافظ ابن الصلاح هذا الرأي، وقال: إنه مباعد للشائع عن أئمة الحديث، فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة (٢). الثاني: يرى جماعة من أهل النقل والمتكلمين أن أخبار أهل الأهواء كلها مقبولة، سواء كانوا فساقا أو كفارا بالتأويل (٣). واختار هذا القول أبو الحسين البصري معللا بأن الظن بصدقه غير زائل (٤). وقال الحافظ ابن حجر: التحقيق أن لا يرد كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أخذ ذلك علي الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف (٥). الثالث: يرى بعض أهل العلم التفصيل: فإن كانت البدعة صغرى، كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف، قبلت مروياته، وبه قال الذهبي وعلل قوله بأنه لو ردت مرويات هذا النوع، لذهب جملة

стр. 158

من الآثار النبوية وفيه مفسدة بينة، لأن هذا النوع كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق. وقال: وإن كانت البدعة كبرى كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحط علي أبي بكر وعمر ﵄ والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة (١). الرابع: تفصيل أيضا: إن كان داعية إلئ مذهبه لم يقبل (٢)، وإلا قبل إن لم يرو ما يقوي بدعته (٣)، وهو مذهب أكثر العلماء (٤)، ونسبه الخطيب البغدادي للامام أحمد بن حنبل (٥)، ورجحه ابن الصلاح (٦). لكن يضعف هذا الرأي رواية البخاري (٧) عن عمران بن حطان (٨)

стр. 159

الذي قال فيه المبرد (١): كان عمران رأس القعدية (٢) من الصفرية (٣) وخطيبهم وشاعرهم (٤). وقال ابن حجر: إنه كان داعية إلى مذهبه (٥). الخامس: تفصيل أيضًا: وهو إن كان المبتدع يستحل الكذب لنصرة مذهبه لم يقبل، وإلا قبل، لأن اعتقاد حرمة الكذب يمنع من الإقدام عليه فيحصل صدقه. وممن قال بهذا القول الإمام الشافعي، فقد روى عنه الخطيب البغدادي قوله: وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة،

стр. 160

لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم (١). وحكاه الخطيب عن ابن أبي ليلى (٢)، وسفيان الثوري، وأبي يوسف القاضي (٣) و (٤). ونسبه الحاكم لأكثر أئمة الحديث (٥)، وقال الفخر الرازي: إنه الحق (٦).

стр. 161

لكن قال الشيخ أحمد شاكر (١): وهذا المذهب فيه نظر، لأن من عرف بالكذب ولو مرة واحدة لا تقبل روايته، فأولئ أن ترد رواية من يستحل الكذب (٢). والراجح: بعد استعراض الأقوال السابقة، وما علل به أصحاب كل قول لرأيهم تبين لي رجحان ما اعتمده الحافظ ابن حجر، وهو: أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع، معلوما من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه. فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله (٣). ورجحه الشيخ أحمد شاكر، وقال: إنه الحق الجدير بالاعتبار، ويؤيده النظر الصحيح (٤). ونحوه عن الشيخ محمد بخيت المطيعي (٥)، وقال: إن من كان كذلك،

стр. 162

كان كافرا قطعًا (١).

стр. 163

الوجه الخامس من أوجه الطعن في الراوي المتعلقة بالعدالة الجهالة تعريفها: الجهل، والجهالة: نقيض العلم، جهله يجهله جهلا وجهالة وجهل عليه أظهر الجهل كتجاهل، وهو جاهل والجمع جُهُل وجُهْل وجُهَّل وجُهِّال وجُهَلاء، والجهل علي ثلاثة أضرب: الأول: خلو النفس من العلم، وهذا هو الأصل. الثاني: اعتقاد الشيء علي خلاف ما هو عليه. الثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل (١). والمراد هنا: الراوي المجهول، وهو عند أصحاب الحديث: "من لا يعرف فيه تعديل، ولا تجريح معين" (٢). ويرى الخطيب البغدادي: أن المجهول من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد (٣). وقد اعترض ابن الصلاح علي كلام الخطيب، بقوله: قد خرج

стр. 164

البخاري حديث جماعة ليس لهم إلا راو واحد، منهم: مرداس الأسلمي (١) لم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم (٢)، وكذلك خرج مسلم حديث قوم لا راوي لهم غير واحد، منهم: ربيع بن كعب الأسلمي (٣) لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن، وذلك منهما مصير إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه (٤).

стр. 165

وقد أجاب النووي عن هذا الاعتراض بقوله والصواب نقل الخطيب، ولا يصح الرد عليه بمرداس وربيعة، فإنهما صحابيان مشهوران، والصحابة كلهم عدول (١). فلا يحتاج إلى رفع الجهالة عنهم بتعدد الرواة (٢). أما غير الصحابة، فأقل ما يرفع الجهالة عن الواحد منهم أن يروي عنه اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم، روى الخطيب بسنده عن يحيى ابن معين (٣) أنه قال: إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة (٤). لكن قد ترتفع الجهالة برواية واحد إذا كان من النقاد الذين لا يروون إلا عن الثقات، كالإمام مالك، وشعبة بن الحجاج، وغيرهما. قال الحافظ ابن حجر في ترجمة عبد الله بن أبي حبيبة المدني (٥) من

стр. 166

كتابه "تعجيل المنفعة": قال ابن الحذاء (١): هو من الرجال الذين أكتفي في معرفتهم برواية مالك عنهم (٢). أقسام المجهول: يختلف المجاهيل في قوة الجهالة وضعفها، وعلى ضوء هذا الاختلاف قسم العلماء المجهول إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: مجهول الذات تعريفه: هو الراوي الذي لم يصرح باسمه أو بما يدل عليه. أسباب جهالة الذات: لجهالة الذات سببان هما: ١ - عدم التصريح باسم الراوي، فلا يسميه الراوي عنه لأجل الاختصار ونحوه، كقوله: أخبرني فلان، أو شيخ، أو رجل، أو ابن فلان. ويسمى هذا النوع بالمبهم، وصنفت فيه كتب كثيرة، منها: الأسماء المبهمة للخطيب البغدادي، والمستفاد من مبهمات المتن والإسناد

стр. 167

للعراقي. ٢ - كثرة نعوت الراوي من اسم أو كنية أو لقب أو صفة أو حرفة أو نسب، فيشتهر بشيء منها، فيذكر بغير ما اشتهر به، لغرض من الأغراض فيظن أنه راو آخر فيحصل الجهل به. ومثاله: محمد بن السائب بن بشر الكلبي (١)، نسبه بعضهم إلى جده، فقال: محمد بن بشر، وسماه بعضهم حماد بن السائب، وكناه بعضهم: أبا النضر، وبعضهم: أبا سعيد، وبعضهم: أبا هشام، فصار يظن أنه جماعة، وهو واحد (٢). حكم رواية مجهول الذات: لا تقبل رواية مجهول الذات حتى يصرح الراوي عنه باسمه، أو يعرف اسمه بوروده من طريق آخر مصرح فيه باسمه. قال الحافظ ابن حجر: ولا يقبل حديث المبهم ما لم يسم، لأن شرط قبول الخبر عدالة راويه، ومن أبهم اسمه لايعرف عينه، فكيف تعرف عدالته، وكذا لا يقبل خبره، ولو أبهم بلفظ التعديل علي الأصح (٣).

стр. 168

القسم الثاني: مجهول العين: تعريفه: هو الراوي الذي ذكر اسمه، وعرفت ذاته، لكنه كان مقلا في الحديث، فلا يكثر الأخذ عنه، فلم يرو عنه إلا راو واحد (١). وتسمية هذا النوع بمجهول العين مجرد اصطلاح، وإلا فعينه معروفة. مثاله: أبو العشراء الدارمي (٢) لم يرو عنه إلا حماد بن سلمة (٣). وهذا النوع من الرواة يعرفون بالوحدان، وللإمام مسلم بن الحجاج مصنف اسمه "المنفردات والوحدان". حكم رواية مجهول العين: اختلف العلماء في رواية مجهول العين من حيث قبولها أو ردها علي أقوال، أهمها:- ١ - أنه لا يقبل مطلقا، واختاره أكثر العلماء من أهل الحديث

стр. 169

وغيرهم (١). ٢ - أنه يقبل مطلقا، وهو قول من لم يشترط في الراوي غير الإسلام (٢)، وعزاه النووي لكثير من المحققين (٣)، كما نسبه ابن الوزير اليماني لكثير من المعتزلة (٤)، والزيدية (٥) (٦). ٣ - التفصيل: فإن كان الراوي المتفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل، مثل: ابن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان (٧)، ومالك، وأمثالهم قبل، وإلا فلا. ٤ - تفصيل أيضا: فإن كان مشهورا في غير العلم، كأن يكون مشهورًا بالزهد، كمالك بن دينار (٨)، أو النجدة كعمرو بن معدي

стр. 170

كرب (١)، فإنه يقبل، وإلا فلا، وإختاره ابن عبد البر (٢). ٥ - تفصيل أيضا: وهو إن كان صحابيا قبل، لان الصحابة كلهم عدول، وإلا فلا، وهو مذهب الفقهاء الاربعة (٣). ٦ - تفصيل أيضا: وهو إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه، قبل وإلا فلا، وهو اختيار أبي الحسن بن القطان (٤)، وصححه ابن حجر (٥). ولعله هو أرجح الأقوال وأعدلها.

стр. 171

القسم الثالث: مجهول الحال: تعريفه: هو من عرفت عينه برواية اثنين عنه، ولم يوثق، فلا يعرف بعدالة، ولا بضدها (١). أنواع مجهول الحال: مجهول الحال نوعان، هما:- ١ - مجهول العدالة ظاهرا وباطنا. ٢ - مجهول العدالة باطنا لا ظاهرا، وهو المستور (٢). حكم رواية النوع الأول: اختلف العلماء في قبول رواية من عرفت عينه، وجهلت عدالته ظاهرا وباطنا، علي أقوال، هي:- ١ - ذهب الجمهور إلى أن روايته لا تقبل، لأن تحقق العدالة شرط في قبول رواية الراوي، وهذا النوع لم تتحقق فيه العدالة (٣) وعزاه ابن المواق للمحققين، ومنهم أبو حاتم الرازي (٤).

стр. 172

٢ - يرى بعض العلماء قبول روايته معللا قوله بأن معرفة عينه تغني عن معرفة عدالته (١). ٣ - كما فصل جماعة من أهل العلم، وقالوا: إن كان الراويان، أو الرواة عنه فيهم من لا يروي إلا عن عدل قبل، وإلا فلا يقبل (٢). والراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه الجمهور لقوة ما استدلوا به، أما القولان الأخيران فضعيفان لضعف استدلالهما. حكم رواية النوع الثاني: اختلف العلماء في رواية المستور قبولا وردا علي قولين، هما: الأول: يرى جمهور العلماء أن رواية المستور مردودة، ما لم تثبت عدالته، مستدلين بأن الفسق يمنع القبول، ومالم تثبت عدالة الراوي، فلا يظن عدم فسقه، لأنه أمر مغيب عنا، فكيف نقبله، وللأمر بالتثبت في قبول الأخبار في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... ﴾ الآية (٣). قال إمام الحرمين الجويني: الذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنه لا تقبل روايته، وهو المقطوع به عندنا (٤). وقال الرافعي (٥): وأطلق بعض المصنفين الاكتفاء بالعدالة الظاهرة

стр. 173

وهو بعيد (١). الثاني: يرى جماعة من العلماء أن رواية المستور مقبولة، وبه يقول الحنفية، وابن حبان (٢)، وعللوا لما ذهبوا إليه بما يلي:- ١ - لأن الناس في أحوالهم علي الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب الطعن، ولم يكلف الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كلفوا بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم (٣). ٢ - لأن الرسول ﷺ كان يعمل بالظاهر، ويتبرأ من علم الباطن (٤)، وإلى

стр. 174

ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ .. ﴾ الآية (١). فلو كان في هذا قدح علي المحدثين لتوجه مثله علي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- (٢). الراجح: الراجح -والله أعلم- قبول رواية المستور، لقوة الأدلة علي قبوله، وإمكان الإجابة علي استدلال أصحاب الرأي الأول في الآية: بأن سبب التثبت هو الفسق، فإذا انتفى الفسق -كما هنا- انتفى وجوب التثبت (٣). والأخذ برواية المستور، هو المفهوم من كلام ابن الصلاح، حيث يقول: ويشبه أن يكون العمل علي هذا الرأي، في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم (٤). وقال الإمام النووي: الأصح قبول رواية المستور (٥). وأما الحافظ ابن حجر، فيرى أنها موقوفة إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين (٦). وبهذا القدر ينتهي الكلام عن العدالة، وأوجه الطعن المتعلقة بها، ويليه -ان شاء الله تعالى- الكلام علي الضبط، وأوجه الطعن المتعلقة به، نسأل الله الإعانة علي إتمامه.

стр. 175

ثانيا: الضبط تعريفه: لغة: لزوم الشيء وحبسه، ضبط الشيء، وضبط عليه، يضبط ضبطا وضباطة: حفظه بالجزم (١)، يقال: فلان لا يضبط عمله، إذا عجز عن ولاية ما وليه، ورجل ضابط قوي علي عمله (٢)، ورجل أضبط: أي يعمل بكلتي يديه (٣). واصطلاحا: هو أن يكون الراوي متيقظا غير مغفل، حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه إن حدّث منه، فاهما إن حدّث بالمعنى (٤). وعرف الشيخ طاهر الجزائري (٥) الضابط بقوله: الضابط من الرواة هو الذي يقل خطؤه في الرواية، وغير الضابط هو الذي يكثر غلطه

стр. 176

ووهمه فيها، سواء كان ذلك لضعف استعداده، أو لتقصيره في اجتهاده (١). قال ابن الأثير: الضبط عبارة عن احتياط في باب العلم، وله طرفان: طرف وقوع العلم عند السماع، وطرف الحفظ بعد العلم عند التكلم حتى إذا سمع ولم يعلم لم يكن شيئًا معتبرًا، كما لو سمع صياحا لا معنى له، وإذا لم يفهم اللفظ بمعناه علي الحقيقة لم يكن ضابطا، وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع لم يكن ضبطا (٢). أقسام الضبط: يتضح من التعريف السابق أن الضبط قسمان: ١ - ضبط صدر: وهو أن يثبت الراوي ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء من حين سماعه إلى حين أدائه. وهو مجمع علي قبول الرواية عنه. ٢ - ضبط كتاب: وهو محافظته علي كتابه الذي كتب فيه الأحاديث، وصيانته من أن يتطرق إليه تغيير ما منذ سماعه فيه وتصحيحه إلى حين الأداء منه، ولا يعيره إلا لمن يثق فيه، ويتأكد من أن لا يغير فيه، وقد اختلف العلماء في قبول الرواية عن الكتاب علي قولين: الأول: ذهب الجمهور إلى جواز الرواية لذلك، وثبوت الحجة به إذا كان قد ضبط كتابه، وقابله بكتاب شيخه، قال القاضي عياض (٣):

стр. 177

مقابلة النسخة بأصل السماع ومعارضتها به متعينة لابد منها (١). الثاني: رُوِيَ عن الإمامين أبي حنيفة ومالك أنه لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه، وإليه ذهب أبو بكر الصيدلاني (٢). الراجح: يظهر لي -والله أعلم- رجحان الرأي الأول، وهو جواز الرواية عن الكتاب، إذ لا فرق بينه وبين الحفظ إن لم يكن الكتاب أضبط. ولذلك وصف ابن الصلاح الرأي الثاني بالتشديد (٣). هذا وأوجه الطعن في الراوي المتعلقة بالضبط خمسة، هي: ١ - فحش الغلط. ٢ - كثرة الغفلة. ٣ - مخالفة الثقات. ٤ - الوهم.

стр. 178

٥ - سوء الحفظ. وإليك الكلام عليها وجها وجها، وما يسمى به حديث كل واحد ممن اتصف بصفة من هذه الصفات إن شاء الله.

стр. 179

الوجه الأول من أوجه الطعن في الراوي المتعلقة بالضبط: فحش الغلط التعريف: غلط في منطقه غلطًا: أخطأ وجه الصواب، وغلطته أنا قلت له: غلط، أو نسبته إلى الغلط (١)، وأغلطته إغلاطا أوقعته في الغلط، ويجمع الغلط علي أغلاط، ورجل غلطان كسكران، وكتاب مغلوط قد غلط فيه. ويقال: وقع فلان في المغلطة أي الغلط، وهو مغلطاني، أي: يغالط الناس في حسابهم، والمغلاط: الكثير الغلط من الرجال، قال رؤبة (٢): فبئس عض الخرف المغلاط ... والوغل ذي النميمة المخلاط (٣). وغلت بمعنى: غلط، وقيل: الغلط في المنطق، والغلت في الحساب (٤). وفحش الغلط: كثرته، وكل شيء جاوز حده فهو فاحش (٥).

стр. 180

وذلك بأن يكون غلط الراوي أكثر من صوابه، أو يتساويان، أما إذا كان الغلط قليلا، فإنه لا يؤثر، إذ لا يخلو الإنسان من الغلط والنسيان، روى الخطيب البغدادي بسنده عن سفيان الثوري أنه قال: ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب علي الرجل الحفظ، فهو حافظ، وإن غلط، وإن كان الغالب عليه الغلط ترك (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما الغلط، فلا يسلم منه أكثر الناس، بل في الصحابة (٢) من قد يغلط أحيانا، وفيمن بعدهم (٣). وإذا كثر غلط الراوي، ترك حديثه، روى الخطيب البغدادي عن عبد الرحمن بن مهدي أنه كان لا يترك حديث رجل إلا رجلا متهما
следующие страницы →