← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 643

الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به

عبد الكريم الخضير

Полный текст (464 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حفظه، كان مثار اختلاف كبير بين العلماء في قبوله ورده، وهذا الاختلاف وإن تناول الأحكام والفضائل والتفسير والمغازي والسير وغيرها، فإنه لا يتناول العقائد كمعرفة الله تعالى وتوحيدة وأسمائه وصفاته وجزائه وقضائه وقدره، وإذ لا قائل به في ذلك، وقد اختلفوا في قبول خبر الآحاد وإن صح في هذا المجال، أولًا يقبل فيه إلا المتواتر، لكن الراجح في هذه المسألة هو قبول خبر الآحاد إذا صح في العقائد (١)، ولذلك نجد ابن القيم يقسم الأخبار المقبولة في باب الأمور الخبرية -أي: العقائدية- إلى أربعة أقسام: أحدها: متواتر لفظًا ومعنى. الثاني: أخبار متواترة معنى، وإن لم تتواتر بلفظ واحد. الثالث: أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة. الرابع: أخبار آحاد مروية بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط عن مثله حتى تنتهي إلى رسول الله ﷺ (٢). فالحديث الضعيف لا مدخل له في مجال العقائد، فاقتصرت في بحثي على حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، والأحكام والتفسير والمغازي والسير، وقد قسمته إلى فصلين: الفصل الأول: في حكم الاحتجاج بالحدبث الضعيف في الفضائل والأحكام. الفصل الثاني: في حكم الاحتجاج بالضعيف في التفسير والقراءة لكتاب الله، والمغازي.

стр. 247

الفصل الأول حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف في الفضائل والأحكام اختلف العلماء في قبول الحديث الضعيف في الأحكام، وفضائل الأعمال على ثلاثة آراء: الرأي الأول: يرى بعض العلماء أنه يعمل بالحديث الضعيف مطلقًا، أي: في الحلال والحرام، والفرض الواجب، والفضائل، والترغيب، والترهيب، وغيرها، بشرطين: ١ - أن يكون ضعفه غير شديد، لأن ما كان ضعفه شديدًا، فهو متروك عند العلماء كافة. ٢ - أن لا يوجد في الباب غيره، وأن لا يكون ثمة ما يعارضه. وجهة هذا الرأي: يعلل أصحاب هذا الرأي قولهم بأن الحديث الضعيف لما كان محتملًا للإصابة، ولم يعارضه شيء قوي جانب الإصابة في روايته، فيعمل به. كما أن من حجتهم أنه أقوى من رأي الرجال.

стр. 248

من روي عنه هذا الرأي: أ - الإِمام أبو حنيفة نسب هذا القول للإمام أبي حنيفة (١)، فقد ذكر ابن حزم أن ضعيف الحديث أولى عند الإمام أبي حنيفة من الرأي والقياس إذا لَمْ يجد في الباب غيره (٢)، وقال ابن القيم: وعلى ذلك - يعني: تقديم الضعيف على القياس - بنى - يعني أبا حنيفة - مذهبه كما قدم حديث القهقهة (٣) مع ضعفه على القياس والرأي، وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر (٤) مع ضعفه على الرأي والقياس، ومنع قطع السارق بأقل من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف (٥)، وجعل أكثر الحيض عشرة

стр. 249

أيام، الحديث فيه ضعيف (١)، وشرط في إقامة الجمعة المصر، والحديث فيه كذلك (٢)، وترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة (٣) (٤). وقال السندي (٥): والمرسل حجة عندنا -يعني الحنفية- وعند الجمهور (٦). ٢ - الإِمام مالك بن أنس يدل على ذلك تقديمه الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول

стр. 250

الصحابي على القياس (١)، وكتابه "الموطأ" أكبر شاهد على ذلك، فهو مشتمل على كثير من الأحاديث المرسلة، والمنقطعة. قال ابن عبد البر: وأصل مذهب مالك ﵀ والذي عليه جماعة من المالكيين أن مرسل الثقة تجب به الحجة، ويلزم به العمل، كما يجب بالمسند سواء (٢). وقال ابن العربي: تحقيق مذهب مالك أنه لا تقبل إلَّا مراسيل أهل المدينة (٣). ٣ - الإِمام محمد بن إِدريس الشافعي تقدم رأيه في قبول المراسيل (٤). وقد عمل بعدة أحاديث ضعيفة، وقدمها على القياس، من ذلك: تقديمه خبر تحريم صيد وج (٥) مع ضعفه على القياس. وقدم خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي (٦) مع ضعفه، ومخالفته

стр. 251

لقياس غيرها من البلاد. وقدم في أحد قوليه: حديث: "من قاء أو رعف فليتوضأ وليبن على صلاته" (١)، على القياس مع ضعف الخبر وإرساله (٢). ٤ - الإِمام أحمد بن حنبل اشتهر هذا الرأي عن الإمام أحمد بن حنبل حتى قال ابن القيم: إنه الأصل الرابع الذي بنى عليبما فتاويه، وهو الأخذ بالمرسل، والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس (٣). وقال عبد الله بن أحمد (٤): سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحب إليَّ من الرأي (٥).

стр. 252

وقال الأثرم (١): رأيت أبا عبد الله إن كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء يأخذ به، إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو ابن شعيب (٢)، وإبراهيم الهجري (٣)، وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجئ خلافه (٤). وفي الآداب الشرعية نقلًا عن الخلال (٥): أن الحديث إذا ضعف إسناده عن رسول الله ﷺ ولم يكن له معارض قال به، فهذا مذهبه - يعني: الإمام أحمد. وقال الخلال أيضًا في الجامع في حديث ابن عباس في كفارة وطء

стр. 253

الحائض (١) قال: كأنه يعني الإمام أحمد - أحب أن لا يترك الحديث، وإن كان مضطربا، لأن مذهبه في الأحاديث إذا كانت مضطربة، ولم يكن لها مخالف قال بها. وقال القاضي أبو يعلى (٢) في التعليق في حديث مظاهر بن أسلم (٣) في أن "عدة الأمة قرءان" (٤): مجرد طعن أصحاب الحديث لا يقبل حتى يبينوا جهته مع أن أحمد يقبل الحديث الضعيف (٥). وقال القاضي أيضًا: قد أطلق أحمد القول بالأخذ بالحديث الضعيف، فقال مهنا (٦): قال أحمد: الناس كلهم أكفاء إلَّا الحائك

стр. 254

والحجام والكساح. فقيل له: تأخذ بحديث: "كلّ الناس أكفاء إِلَّا حائكا أو حجامًا" (١)، وأنت تضعفه؟! فقال: إنما نضعف إسناده، ولكن العمل عليه (٢). وسئل أحمد عن الرجل يكون ببلد لا يوجد فيها إلَّا صاحب حديث لا يدري صحيحه من سقيمه، وصاحب رأي فمن يسأل؟ قال: يسأل صاحب الحديث، ولا يسأل صاحب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي (٣). وقال أحمد: طريقتي لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب ما يدفعه (٤). وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا كان في المسألة عن النبي ﷺ حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة ... وربما كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما

стр. 255

أخذنا بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه أثبت منه (١). ٥ - أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني يأخذ الإمام أبو داود مأخذ شيخه الإمام أحمد بن حنبل في العمل بالضعيف، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وعلى هذه الطريقة التي ذكرها أحمد بنى أبو داود كتاب السنن لمن تأمله، ولعله أخذ ذلك عن أحمد، فقد بين أن مثل عبد العزيز بن أبي رواد (٣)، ومثل الذي فيه رجل لم يسم يعمل به إذا لم يخالفه ما هو أثبت منه (٤). وقد صرح بذلك أبو داود نفسه في رسالته لأبيل مكة حيث يقول: وإن من الأحاديث في كتابي "السنن" ما ليس بمتصل وهو مرسل، ومدلس، إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل، وهو مثل الحسن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحكم (٥)

стр. 256

عن مقسم (١) (٢). فقد جعل أبو داود الحديث المنقطع صالحا للعمل عند عدم الصحيح، والمنقطع من أنواع الضعيف. ويقول أبو داود في شأن المرسل: فإذا لم يكن مسند غير المراسيل ولم يوجد المسند فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتّصل في القوة (٣). ٦ - كمال الدين ابن الهمام يرى الكمال ابن الهمام (٤) أن الاستحباب يثبت بالحديث الضعيف غير الموضوع (٥). ومعلوم أن الاستحباب أحد الأحكام الخمسة.

стр. 257

٧ - محمد المعين بن محمد الأمين . يرى الشيخ محمد المعين بن محمد الأمين (١) أن الحديث الضعيف يحتج به، بل يقدم على الإجماع وقول الصحابي، وقال: ترك الإجماع بالحديث الضعيف أولى من ترك الحديث بالإجماع (٢). وغير هؤلاء من العلماء يرون الاحتجاج بالضعيف مطلقًا، وقد زعم الشيخ أحمد بن محمد الصديق المغربي (٣) أن جميع الأئمة يحتجون بالحديث الضعيف، وأن قولهم: الضعيف لا يعمل به في الأحكام قول ليس على إطلاقه، كما يفهمه جل الناس أو كلهم، لأنك إذا نظرت في أحاديث الأحكام التي أخذ بها الأئمة على الإجماع والانفراد تجد فيها الضعيف ما لعله يبلغ نصفها أو يزيد، وربما وجدت فيها المنكر والساقط القريب من الموضوع (٤).

стр. 258

الرأي الثاني: يرى بعض المحققين من أهل العلم أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقًا، لا في الأحكام، ولا في غيرها من الفضائل والترغيب والترهيب وجهة هذا الرأي: يعلل أصحاب هذا الرأي قولهم بأن الحديث الضعيف إنما يفيد الظن المرجوح، واللّه قد ذم الظن في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ الآية (١). وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ الآية (٢). وقال رسول الله ﷺ : "إِياكم والظن! فإِن الظن أكذب الحديث" (٣). كما أن في الأحاديث الصحيحة ما يغني المسلم عن الضعيف. من قال بهذا الرأي: ١ - يحيى بن معين قال ابن سيد الناس (٤) عند الكلام في توثيق محمد بن

стр. 259

إسحاق (١): وممن حكي عنه التسوية بين الأحكام وغيرها يحيى بن معين (٢). ٢ - الإِمام محمد بن إِسماعيل البخاري الظاهر من صنيع البخاري في صحيحه، وشدة شرطه في الرواة، وعدم إخراجه شيئًا من الأحاديث الضعيفة أن مذهبه عدم العمل بالحديث الضعيف، وهو ما استظهره الشيخ جمال الدين القاسمي (٣). ٣ - الإِمام مسلم بن الحجاج القشيري يظهر من تشنيعه في مقدمة صحيحه (٤) على رواة الضعيف أن مذهبه عدم الاحتجاج بالحديث الضعيف مطلقًا. قال ابن رجب (٥): وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه يقتضي أنه

стр. 260

لا يروي أحاديث الترغيب إلَّا عمن تروى عنه الأحكام (١). ٤ - الحافظ أبو زكريا النيسابوري (٢) روى الخطيب البغدادي عن أبي زكريا النيسابوري، قال: لا يكتب الخبر عن رسول الله ﷺ حتى يرويه ثقة عن ثقة حتى يتناهى الخبر إلى النبي ﷺ بهذه الصفة، ولا يكون فيهم رجل مجهول، ولا رجل مجروح، فإذا ثبت الخبر عن النبي ﷺ بهذه الصفة وجب قبوله والعمل به، وترك مخالفته (٣). ٥ - أبو زرعة الرازي. ٦ - أبو حاتم الرازي. ٧ - ابن أبي حاتم الرازي. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل ولا تقوم الحجة إلَّا بالأسانيد الصحاح المتصلة، وكذا أقول أنا (٤).

стр. 261

٨ - ابن حبان يفهم من قوله في كتاب "المجروحين": ما روى الضعيف ومالم يرو في الحكم سيان (١)، أنه لا يعمل بخبر الضعيف، وأن وجوده كعدمه. ٩ - الإِمام أبو سليمان الخطابي عاب الإمام المحدث أبو سليمان الخطابي ﵀ على الفقهاء عدم تمييزهم بين صحيح الحديث وضعيفه واحتجاجهم بالأحاديث الواهية الضعيفة، وإطراحهم للصحيحة، فقال في كتابه "معالم السنن": وأما الطبقة الثانية -وهم أهل الفقه والنظر- فإن أكثرهم لا يعرجون من الأحاديث إلَّا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف، والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته (٢) الألسن فيما بينهم من غير ثبت فيه أو يقين به، فكان ذلك ضلة من الرأي وغبنا فيه، وهؤلاء -وفقنا الله وإياهم- لو حكي عن واحد من رؤساء مذاهبهم وزعماء نحلهم قول يقوله باجتهاد من قبل نفسه طلبوا فيه الثقة واستبرؤا له العهدة (٣). ١٠ - أبو محمد بن حزم قال في سياق صفة النقل عند المسلمين: والخامس شيء نقل كما ذكرنا:

стр. 262

إما بنقل أهل المشرق والمغرب، أو كافة عن كافة، أو ثقة عن ثقة، حتى يبلغ إلى النبي ﷺ ، إلَّا أن في الطريق رجلا مجروحا بكذب أو غفلة أو مجهول الحال، فهذا -أيضًا- يقول به بعض المسلمين، ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه، ولا الأخذ بشيء منه (١). ١١ - القاضي أبو بكر بن العربي نعى القاضي أبو بكر بن العربي على الحارث بن أسد المحاسبي (٢) -بعد أن أشاد به- أخذه بالأحاديث الضعيفة وبناءه الأصول عليها (٣). كما أوصى تلاميذه أن لا يشتغلوا من الأحاديث بما لا يصح سنده (٤). وهذا الرأي هو المشهور عنه المذكور في كثير من كتب علوم الحديث (٥) لكن يشكل على هذا قوله في شرح الترمذي: الصحيح قبول المراسيل (٦). وقوله فيه: والمرسل عندنا حجة في أحكام الدين من التحليل والتحريم في الفضائل وثواب العبادات (٧).

стр. 263

ومعلوم أن المرسل من أنواع الضعيف كما تقدم. كما يشكل عليه قوله في الكتاب المذكور: المسألة العاشرة: إذا زاد -أي العاطس- على الثالثة، فقد روى أبو عيسى -يعني الترمذي- حديثا مجهولًا "إِن شئت فشمته، وِإن شئت فلا" (١). وهو وإن كان مجهولا، فإنه يستحب العمل به، لأنه دعاء بخير، وصلة للجليس وتودد له (٢). فمما تقدم يتضح أن له في المسألة قولين: أحدهما: المنع بالإطلاق، وهذا هو المشهور عنه الذي لم يذكر عنه أحد خلافه. وثانيهما: التسامح والتساهل في فضائل الأعمال، حيث قبل حديث المجهول في تشميت العاطس، لأنه تودد للجليس. وإذا أردنا تحرير رأيه في المسألة نجد أن المنع جاء في كتابه "أحكام القرآن"، والتسامح جاء في كتابه الآخر "عارضة الأحوذي"، فإذا قلنا: إن المتأخر يقضي على المتقدم وينسخه، ومن خلال البحث في الكتابين نجد أن الأول منهما هو أحكام القرآن" بدليل ما يلي: قوله في العارضة: وقد مهدنا هذه المسألة في كتاب "أحكام القرآن" (٣).

стр. 264

وقوله فيها: وذكر الخلاف والأحاديث فيها قررناه في أحكام القرآن (١). وغير ذلك من الإحالات التي تفوت الحصر (٢)، بينما لا نجد في أحكام القرآن أي إحالة على العارضة، فيكون كلامه في العارضة متأخرا عن كلامه في أحكام القرآن. وإذا أردنا أن نسلك مسلكا آخر، وهو مسلك الجمع بين القولين نقول: تحمل وصيته لتلاميذه بإطراح الضعيف والاشتغال بالصحيح في مجال الأحكام، والحلال والحرام، لا سيما والوصية المذكورة بصدد الكلام على أحكام الوضوء. ويحمل قوله في العارضة على فضائل الأعمال، كما هو رأي الجمهور. لكن الذي أميل إليه هو الترجيح بين هذين القولين، فيرجح صريح لفظه بعدم الاحتجاج بالضعيف مطلقًا الذي أوصى به تلاميذه، لا سيما أنه لم ينقل عنه رأي آخر في المسألة. ١٢ - شيخ الإِسلام ابن تيمية . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة (٣).

стр. 265

١٣ - أبو شامة المقدسي (١) قال أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث" منكرا على الحافظ ابن عساكر (٢) إيراده حديث أبي هريرة: "من صام السابع والعشرين من رجب كتب الله له صيام ستين شهرًا". قال: كنت أود أن الحافظ لم يقل ذلك، فإن فيه تقريرا للأحاديث المنكرة، فقدره أكبر من أن يحدث عن رسول الله ﷺ بحديث يرى أنه كذب، ولكنه جرى في ذلك على عادة جماعة من أهل الحديث يتساهلون في أحاديث فضائل الأعمال، وهذا عند المحققين من أهل الحديث وعند علماء الأصول والفقه خطأ؛ بل ينبغي أن يبين أمره إن علم، وإلا دخل تحت الوعيد في قوله

стр. 266

- ﷺ : "من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين" (١) (٢). ١٤ - جلال الدين الدواني (٣) قال في أول رسالته "أنموذج العلوم": المسألة الأولى: اتفقو ا على أنَّ الحديث الضعيف لا يثبت به الأحكام الشرعية، ثم ذكروا أنه يجوز بل يستحب العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، وممن صرح به النووي في كتبه لا سيما كتاب الأذكار (٤)، وفيه إشكال، لأنَّ جواز العمل واستحبابه كلاهما من الأحكام الخمسة الشرعية، فإذا استحب العمل بمقتضى الحديث الضعيف كان ثبوته بالحديث الضعيف، وذلك ينافي ما تقرر من عدم ثبوت الأحكام بالأحاديث الضعيفة (٥). ١٥ - محمد بن علي الشوكاني (٦) قال في كتابه "إرشاد الفحول": الضعيف الذي يبلغ ضعفه إلى حد

стр. 267

لا يحصل معه الظن، لا يثبت به الحكم، ولا يجوز الاحتجاج به في إثبات شرع عام، وإنما يثبت الحكم بالصحيح والحسن، لذاته أو لغيره، لحصول الظن بصدق ذلك وثبوته عن الشارع (١). وقال معقبا على مقالة ابن عبد البر: أهل العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل، فيروونها عن كلّ، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام (٢). قال الشوكاني معقبا على هذه المقالة: وأقول: إن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام، لا فرق بينها، فلا يحل إثبات شيء منها إلَّا بما تقوم به الحجة، وإلا كان من التقول على الله بما لم يقل، وفيه من العقوبة ما هو معروف (٣). وقال في كتابه "نيل الأوطار": ما وقع التصريح بصحته أو حسنه جاز العمل به، وما وقع التصريح بضعفه لم يجز العمل به، وما أطلقوه ولم يتكلموا عليه، ولا تكلم عليه غيرهم لم يجز العمل به إلَّا بعد البحث عن حاله، إن كان الباحث أهلا لذلك (٤). لكن يشكل على هذا قوله: والآيات والأحاديث المذكورة في الباب

стр. 268

تدل على مشروعية الاستكثار من الصلاة بين المغرب والعشاء، والأحاديث وإن كان أكثرها ضعيفا، فهي منتهضة بمجموعها، لا سيما في فضائل الأعمال (١). وهذا يدل على تفريقه بين أحاديث الفضائل وغيرها. ١٦ - صديق حسن خان (٢) قال في كتابه "نزل الأبرار" الصواب الذي لا محيص عنه أن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام، فلا ينبغي العمل بحديث حتى يصح أو يحسن لذاته أو لغيره، أو انجبر ضعفه فترقى إلى درجة الحسن لذاته أو لغيره (٣). ١٧ - أحمد محمد شاكر يقول في كتابه "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث": والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب على كلّ حال، لأنَّ ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصا إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلَّا بما صح عن رسول الله ﷺ من حديث صحيح أو حسن (٤).

стр. 269

١٨ - محمد ناصر الدين الألباني قال في مقدمة كتابيه "صحيح الجامع الصغير" و"ضعيف الجامع الصغير": والذي أدين الله به، وأدعو الناس إليه أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقًا، لا في الفضائل والمستحبات، ولا في غيرهما (١). وقال في كتابه "سلسلة الأحاديث الضعيفة" بعد أن ذكر ما يروى عن النبي ﷺ : "من بلغه عن الله شيء فيه فضيلة فأُخذ به إِيمانا به ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإِن لم يكن كذلك" (٢). وبعد أن قرر أنه حديث موضوع نقلا عن ابن الجوزي (٣)، والسيوطي (٤)، قال: ثم إن هذا الحديث وما في معناه كأنه عمدة من يقول بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ومع أننا نرى خلاف ذلك، وأنه لا يجوز العمل بالحديث إلَّا بعد ثبوته، كما هو مذهب المحققين من العلماء كابن حزم، وابن العربي المالكي، وغيرهم (٥). وقال في نهاية مقدمتي الكتابين المشار إليهما آنفا: وجملة القول أننا ننصح إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يدعوا العمل بالأحاديث الضعيفة مطلقًا، وأن يوجهوا همتهم إلى العمل بما ثبت منها عن النبي ﷺ ، ففيها ما يغني عن الضعيفة، وفي ذلك منجاة من الوقوع

стр. 270

في الكذب على رسول الله ﷺ ، لأننا نعرف بالتجربة أن الذين يخالفون في هذا قد وقعوا فيما ذكرنا من الكذب؛ لأنهم يعملون بكل ما هب ودب من الحديث، وقد أشار إلى هذا بقوله: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع". رواه مسلم في مقدمة صحيحه (١). وعليه أقول: كفى بالمرء ضلالا أن يعمل بكل ما سمع (٢). ١٩ - الدكتور صبحي الصالح قال في كتابه "علوم الحديث ومصطلحه": لا نسلم برواية الضعيف في فضائل الأعمال، ولو توافرت له جميع الشروط التي لاحظها المتساهلون في هذا المجال، ثم ذكرت الشروط وقال: لا نسلم برواية الضعيف -رغم هذه الشروط- لأن لنا مندوحة عنه بما ثبت لدينا من الأحاديث الصحاح والحسان، وهي كثيرة جدا في الأحكام الشرعية والفضائل الخلقية، ولأننا -رغم توافر هذه الشروط- لا نؤنس من أنفسنا الاعتقاد بثبوت الضعيف، ولولا ذلك لما سميناه ضعيفا، وإنما يساورنا دائما الشك في أمره، ولا ينفع في الدين إلَّا اليقين (٣). الرأي الثالث: إذا كان أصحاب الرأي الأول والثاني على طرفي نقيض في قبول الحديث الضعيف ورده، فإن الفريق الثالث -وهم جمهور العلماء-

стр. 271

يسلكون مسلكا وسطا بين ذينك الرأيين، فهم لا يحتجون بالضعيف في الأحكام من الحلال والحرام، ويحتجون به في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب. وهذا القول نسبه النووي في الأذكار إلى العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم (١)، بل جاوز ذلك فنقل الاتفاق على ذلك في مقدمة كتابه "الأربعين (٢) "، كما نقل الاتفاق أيضًا الملا علي القاري في موضوعاته الكبرى (٣). وجهة هذا الرأي: وجه ابن حجر الهيتمي (٤) هذا القول بأن الحديث الضعيف إن كان صحيحا في نفس الأمر فقد أعطي حقه من العمل به، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم، ولا ضياع حق للغير (٥). كما استدل له بحديث يروى عن النبي ﷺ : "من بلغه عني ثواب عمل فعمله حصل له أجره وإِن لم أكن قلته" (٦).

стр. 272

شروط العمل بالحديث الضعيف في الفضائل: اشترط القائلون بهذا القول ستة شروط هي: الأول: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه. وقد نقل السخاوي الاتفاق على هذا الشرط (١). الثاني: أن يكون الضعيف مندرجا تحت أصل عام فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل معمول به أصلا. الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، لئلا ينسب إلي النبي ﷺ ، بل يعتقد الاحتياط (٢). الرابع: أن يكون موضوع الحديث الضعيف في فضائل الأعمال (٣). الخامس: أن لا يعارض حديثا صحيحا. وهذا الشرط اعتبره البعض للإيضاح، وأسقطه الآخرون لظهوره.

стр. 273

السادس: أن لا يعتقد سنية ما يدل عليه. قال الشيخ علوى مالكي: وهذا خلف في القول، لأنه لا معنى للعمل بالحديث الضعيف في مثل ما نحن فيه إلَّا كونه مطلوبا طلبا غير جازم، فهو سنة، وإذا كان سنة تعين اعتقاد سنيته (١). وقد زاد الحافظ ابن حجر شرطا غير هذه الشروط، وهو أن لا يشتهر ذلك لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة (٢). أمثلة للحديث الضعيف في فضائل الأعمال: روي ابن ماجة في سننه عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "من قام ليلتي العيدين يحتسب لله لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" (٣). وهو حديث ضعيف لأنَّ في سنده بقية بن الوليد، وهو كثير التدليس عن الضعفاء، وهو هنا لم يصرح بما يثبت سماعه للحديث فيكون الحديث ضعيفا. وهذا الحديث قد انطبقت عليه الشروط؛ إذ هو ليس بشديد الضعف وله أصل من الشرع، إذ قيام الليل والتعبد فيه قد حض عليه القرآن، والسنة الصحيحة، وهو بعمومه شامل لليلتي العيدين وغيرهما. ومن أمثلته حديث صلاة التسبيح الذي رواه أبو داود عن ابن عباس

стр. 274

أن النبي ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: "يا عباس يا عماه ألا أعطيك؟ ألا أمنحك؟ ألا أحبوك؟ ألا أفعل بك؟ عشر خصال إِذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره قديمه وحديثه خطأه وعمده صغيره وكبيره سره وعلانيته، عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإِذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله والحمد للّه ولا إِله إِلَّا الله والله أكبر خمس عشرة مرّة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرا، ثم تهوى ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا، ثم تسجد فتقولها عشرا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرا فذلك خمس وسبعون في كلّ ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات، إِن استطعت أن تصليها في كلّ يوم مرّة فافعل، فإِن لم تفعل ففي كلّ جمعة مرّة، فإِن لم تفعل ففي كلّ شهر مرّة، فإِن لم تفعل ففي كلّ سنة مرّة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرّة" (١). قال الحافظ ابن حجر: والحق أن طرقه كلها ضعيفة (٢). وقال النووي: جاء فيها حديث حسن في كتاب الترمذي وغيره (٣). وبالغ ابن الجوزي فأوردها في الموضوعات، وقال: هذه الطرق كلها لا تثبت (٤).

стр. 275

من روي عنه هذا الرأي: هذا الرأي مروي عن جمهور العلماء، وقد تقدم (١) النقل عن النووي والملا علي القاري أن العلماء اتفقوا على العمل بالضعيف في الفضائل، ومن هؤلاء: ١ - سفيان الثوري . روى الخطيب البغدادي بسنده عن سفيان الثوري قوله: لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلَّا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان، فلا بأس بما سوى ذلك من المشايخ (٢). فواضح من كلامه هذا تفريقه بين أحاديث الأحكام وغيرها. ٢ - عبد الله بن المبارك . قال ابن أبي حاتم: حدثني أبي نا عبدة يعني: ابن سليمان (٣) قال: قيل لابن المبارك، وروى عن رجل حديثا. فقيل: هذا رجل ضعيف فقال: يحتمل أن يروى عنه هذا القدر، أو مثل هذه الأشياء، قلت لعبدة: مثل أي شيء كان؟ قال: في أدب، في موعظة، في زهد، أو نحو هذا (٤).

стр. 276

وصنيعه في كتابه "الزهد والرقائق" يوحي بذلك، بل هو أكبر شاهد على ذلك، إذ حشده بكثير من الأحاديث الضعيفة من المراسيل، والمعضلات وغيرها (١). ٣ - عبد الرحمن بن مهدي . أخرج البيهقي في المدخل عن عبد الرَّحمن بن مهدي أنه قال: إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام، والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال (٢). ٤ - سفيان بن عيينة . ذكر الخطيب عن سفيان بن عيينة قوله: لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره (٣). ٥ - يحيى بن معين . قال ابن معين في موسى بن عبيدة (٤) يكتب من حديثه

стр. 277

الرقاق (١). مع قوله: موسى بن عبيدة لا يحتج بحديثه (٢) فهذا يدل على تفريقه بين أحاديث الرقاق وغيرها. ٦ - أحمد بن حنبل . روى الخطيب البغدادي عن الإمام أحمد قوله: إذا روينا عن رسول الله ﷺ في الحلال والحرام والسق والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال وما لا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد (٣). وذكر أيضًا نقلا عن الميموني (٤) قال: سمعت أبا عبد الله يقول أحاديث الرقاق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم (٥). وفي تاريخ يحيى بن معين قيل لأحمد: يا أبا عبد الله ما تقول في موسى بن عبيدة الربذي، وفي محمد بن إسحاق؟ فقال: أما محمد بن

стр. 278

إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث -كأنه يعني المغازي ونحوها- وأما موسى بن عبيدة فلم يكن به بأس، ولكنه حدث بأحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا، وقبض أبو الفضل (١) على أصابع يديه الأربع من كلّ يد ولم يضم الإبهام (٢). تحقيق مذهب الإِمام أحمد في هذه المسألة: تقدم في الرأي الأول (٣) أن الإمام أحمد من القائلين به، ونراه هنا من القائلين بالتفريق بين أحاديث الفضائل والأحكام، والقاعدة عند الحنابلة أن الإمام أحمد ﵀ إذا نقل عنه في مسألة واحدة أقوال متعارضة، فإن أمكن الجمع، ولو بحمل عام على خاص، ومطلق على مقيد، فهما مذهبه، وإن تعذر الجمع وعلم التاريخ فالثاني مذهبه، وإن جهل التاريخ فمذهبه أقربهما من الأدلة، أو أقربهما من قواعده (٤). قلت: فمقتضى هذه القاعدة أن ما نسب إليه موافقا للرأي الأول مطلق

стр. 279

في الأحكام والفضائل، وغيرها. وما نسب إليه موافقا للرأي الثالث مقيد بالفضائل والترغيب والترهيب، فبحمل المطلق على المقيد يكون مذهبه على التحقيق هو الأخير، وهو التفريق بين أحاديث إلَّا حكام، وأحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، فإنه يتشدد في تلك ويتساهل في هذه، كما هو منطوق عبارته مما لا يدع للتأويل أي مجال. ٧ - أبو زكريا العنبري (١) روى عنه الخطيب البغدادي أنه قال: الخبر إذا ورد لم يحرم حلالا ولم يحل حراما ولم يوجب حكما، وكان في ترغيب أو ترهيب أو تشديد أو ترخيص وجما الأغماض عنه والتساهل في روايته (٢). ٨ - أبو عمر بن عبد البر قال ابن عبد البر: أهل العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل فيروونها عن كل، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام (٣). ونقل عنه السخاوي قوله: أحاديث الفضائل لا نحتاج فيها إلى من يحتج به (٤).

стр. 280

٩ - موفق الدين ابن قدامة (١) قال في المغني: النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث لها (٢). وقال في مسألة الاحتباء والإمام يخطب يوم الجمعة: ولا بأس بالاحتباء والإمام يخطب، روي ذلك عن ابن عمر وجماعة من الصحابة، ثم قال: والأولى تركه لما روي أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب (٣). فالأولى تركه لأجل الخبر وإن كان ضعيفا (٤). ١٠ - أبو زكريا النووي قال في الأذكار بعد أن ذكر حديث: "من أحيا ليلتي العيدين لم يمت قلبه حين تموت القلوب" (٥). قال: هو حديث ضعيف ... لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها (٦). وقال في شرح المهذب بعد أن ذكر حديث أبي أمامة: "لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في القبر، قال رسول الله ﷺ : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ

стр. 281

وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (١) رواه أحمد (٢) من رواية عبيد الله ابن زحر (٣)، عن علي بن زيد بن جدعان (٤)، عن القاسم (٥)، وثلاثتهم ضعفاء، لكن يستأنس بأحادحث الفضائل وإن كانت ضعيفة الإسناد، ويعمل به في الترغيب والترهيب، وهذا منها (٦). ١١ - الحافظ إِسماعيل بن كثير قال الحافظ ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر الأحاديث والآثار الواردة

стр. 282

في فضل غض البصر: وروي هذا مرِ فوعا عن ابن عمر وحذيفة وعائشة ﵃ ولكن في أسانيدها ضعف، إلَّا أنَّها في الترغيب، ومثله يتسامح فيه (١). ١٢ - جلال الدين المحلي (٢) قال في شرح المنهاج بعد أن ذكر الدعاء الذي يقال عند غسل كلّ عضو نقلا عن الروضة وشرح المهذب: لا أصل له، ثم استدرك قائلا: إنه روي عن النبي ﷺ من طرق في تاريخ ابن حبان، وغيره، وإن كانت ضعيفة للعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال (٣). ١٣ - جلال الدين السيوطي . قال في رسالته "طلوع الثريا": التلقين لم يثبت فيه حديث صحيح ولا حسن، بل حديثه ضعيف باتفاق المحدثين، ولهذا ذهب جمهور الأمة إلى أن التلقين بدعة، وآخر من أفتى بذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وإنما استحبه ابن الصلاح وتبعه النووي نظرا إلى أن الحديث الضعيف يتسامح به في فضائل الأعمال (٤).

стр. 283

١٤ - الخطيب الشربيني (١) قال في شرح المنهاج بعد أن ذكر حديث أنس أن النبي ﷺ ، قال: "من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق" (٢). قال: هذا الحديث منقطع، لكنه من الفضائل فيتسامح فيه (٣). ١٥ - تقي الدين الفتوحي (٤) قال في مختصر التحرير: ويعمل بالضعيف في الفضائل (٥). ١٦ - الملا علي القاري . قال في موضوعاته الكبرى: الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال

стр. 284

اتفاقا (١). ١٧ - محمد عبد الحي اللكنوي قال في كتابه "الأجوبة الفاضلة": وليعلم أن الأحكام وغير الأحكام وإن كانت متساوية الأقدام في الاحتياج إلى السند -وما خلا عن السند فهو غير معتمد - إلا أن بينهما فرقا من حيث إنه يشدد في أخبار الأحكام من الحلال والحرام، وفي غيرها يقبل الإسناد الضعيف بشروط صرح بها الأعلام (٢). ١٨ - الدكتور نور الدين عتر قال في كتابه "منهج النقد في علوم الحديث": يبدو أن العمل بالضعيف في فضائل الأعمال هو أعدل الأقوال وأقواها، وذلك أننا إذا تأملنا الشروط التي وضعها العلماء للعمل بالحديث الضعيف فإننا نلاحظ أن الضعيف الذي نبحث فيه لم يحكم بكذبه، لكن لم يترجح فيه جانب الإصابة، وإنما بقي محتملا، وهذا الاحتمال قد تقوى بعدم وجود معارض له، وبانضوائه ضمن أصل شرعي معمول به، مما يجعل العمل به مستحبا، ومقبولا رعاية لذلك (٣). ومما سبق يتضح أن الرأي الثالث وهو العمل بالضعيف في الفضائل دون الأحكام هو رأي جمهور العلماء، وفي ذلك يقول العراقي: أما غير

стр. 285

الموضوع فجوزوا التساهل في إسناده وروايته من غير بيان لضعافه، إذا كان في غير الأحكام والعقائد، بل في الترغيب والترهيب من المواعظ والقصص وفضائل الأعمال ونحوها، أما إذا كان في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام وغيرهما، أو في العقائد كصفات الله تعالي، وما يجوز وما يستحيل عليه، ونحو ذلك فلم يروا التساهل في ذلك (١). المراد بالضعيف عند هؤلاء الأئمة: يرى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن علان (٢) أن المراد بالضعيف في كلام الإمام أحمد وغيره هو الحديث الحسن، لا الضعيف الذي جرى عليه العلماء المتأخرون. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قولنا إن الحديث الضعيف خير من الرأي: ليس المراد به الضعيف المتروك، لكن المراد به الحسن، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث إبراهيم الهجري، وأمثالهما ممن يحسن الترمذي حديثه أو يصححه (٣). وقال: وأول من عرف أنه قسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف
следующие страницы →