← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 643

الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به

عبد الكريم الخضير

Полный текст (464 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (١) رواه أحمد (٢) من رواية عبيد الله ابن زحر (٣)، عن علي بن زيد بن جدعان (٤)، عن القاسم (٥)، وثلاثتهم ضعفاء، لكن يستأنس بأحادحث الفضائل وإن كانت ضعيفة الإسناد، ويعمل به في الترغيب والترهيب، وهذا منها (٦). ١١ - الحافظ إِسماعيل بن كثير قال الحافظ ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر الأحاديث والآثار الواردة

стр. 282

في فضل غض البصر: وروي هذا مرِ فوعا عن ابن عمر وحذيفة وعائشة ﵃ ولكن في أسانيدها ضعف، إلَّا أنَّها في الترغيب، ومثله يتسامح فيه (١). ١٢ - جلال الدين المحلي (٢) قال في شرح المنهاج بعد أن ذكر الدعاء الذي يقال عند غسل كلّ عضو نقلا عن الروضة وشرح المهذب: لا أصل له، ثم استدرك قائلا: إنه روي عن النبي ﷺ من طرق في تاريخ ابن حبان، وغيره، وإن كانت ضعيفة للعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال (٣). ١٣ - جلال الدين السيوطي . قال في رسالته "طلوع الثريا": التلقين لم يثبت فيه حديث صحيح ولا حسن، بل حديثه ضعيف باتفاق المحدثين، ولهذا ذهب جمهور الأمة إلى أن التلقين بدعة، وآخر من أفتى بذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وإنما استحبه ابن الصلاح وتبعه النووي نظرا إلى أن الحديث الضعيف يتسامح به في فضائل الأعمال (٤).

стр. 283

١٤ - الخطيب الشربيني (١) قال في شرح المنهاج بعد أن ذكر حديث أنس أن النبي ﷺ ، قال: "من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق" (٢). قال: هذا الحديث منقطع، لكنه من الفضائل فيتسامح فيه (٣). ١٥ - تقي الدين الفتوحي (٤) قال في مختصر التحرير: ويعمل بالضعيف في الفضائل (٥). ١٦ - الملا علي القاري . قال في موضوعاته الكبرى: الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال

стр. 284

اتفاقا (١). ١٧ - محمد عبد الحي اللكنوي قال في كتابه "الأجوبة الفاضلة": وليعلم أن الأحكام وغير الأحكام وإن كانت متساوية الأقدام في الاحتياج إلى السند -وما خلا عن السند فهو غير معتمد - إلا أن بينهما فرقا من حيث إنه يشدد في أخبار الأحكام من الحلال والحرام، وفي غيرها يقبل الإسناد الضعيف بشروط صرح بها الأعلام (٢). ١٨ - الدكتور نور الدين عتر قال في كتابه "منهج النقد في علوم الحديث": يبدو أن العمل بالضعيف في فضائل الأعمال هو أعدل الأقوال وأقواها، وذلك أننا إذا تأملنا الشروط التي وضعها العلماء للعمل بالحديث الضعيف فإننا نلاحظ أن الضعيف الذي نبحث فيه لم يحكم بكذبه، لكن لم يترجح فيه جانب الإصابة، وإنما بقي محتملا، وهذا الاحتمال قد تقوى بعدم وجود معارض له، وبانضوائه ضمن أصل شرعي معمول به، مما يجعل العمل به مستحبا، ومقبولا رعاية لذلك (٣). ومما سبق يتضح أن الرأي الثالث وهو العمل بالضعيف في الفضائل دون الأحكام هو رأي جمهور العلماء، وفي ذلك يقول العراقي: أما غير

стр. 285

الموضوع فجوزوا التساهل في إسناده وروايته من غير بيان لضعافه، إذا كان في غير الأحكام والعقائد، بل في الترغيب والترهيب من المواعظ والقصص وفضائل الأعمال ونحوها، أما إذا كان في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام وغيرهما، أو في العقائد كصفات الله تعالي، وما يجوز وما يستحيل عليه، ونحو ذلك فلم يروا التساهل في ذلك (١). المراد بالضعيف عند هؤلاء الأئمة: يرى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن علان (٢) أن المراد بالضعيف في كلام الإمام أحمد وغيره هو الحديث الحسن، لا الضعيف الذي جرى عليه العلماء المتأخرون. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قولنا إن الحديث الضعيف خير من الرأي: ليس المراد به الضعيف المتروك، لكن المراد به الحسن، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث إبراهيم الهجري، وأمثالهما ممن يحسن الترمذي حديثه أو يصححه (٣). وقال: وأول من عرف أنه قسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف

стр. 286

أبو عيسى الترمذي (١). وقال: والضعيف عندهم نوعان: ضعيف لا يحتج به، وهو الضعيف في اصطلاح الترمذي، والثاني: ضعيف يحتج به وهو الحسن في اصطلاح الترمذي، كما أن ضعف المرض عند الفقهاء نوعان: نوع يجعل تبرعات صاحبه من الثلث، كما إذا صار صاحب فراش. ونوع يكون تبرعات صاحبه من رأس المال كالمرض اليسير الذي لا يقطع صاحبه (٢). وقال ابن القيم: ليس المراد بالضعيف عنده -يعني الإمام أحمد- الباطل ولا المنكر، ولا ما في رواته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به، فللحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف (٣). ونحو هذا الكلام لابن علان (٤). ولي على هذا الكلام ملاحظتان: الأولى: قولهم: المراد بالضعيف: الحسن فيه نظر، لأنه يلزم عليه أن هؤلاء الأئمة لا يحتجون بالحديث الحسن في الأحكام، وإنما يشترطون للأحكام الصحة، ويكتفون في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب

стр. 287

بالحديث الحسن، وهذا غير المعروف عن جماهير العلماء من الاحتجاج بالحديث الحسن في الأحكام وغيرها. الثانية: قولهم: إن تقسيم الحديث إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف. لم يعرف قبل الإِمام الترمذي، وأن الحديث قبله إما صحيح، وإما ضعيف، ففيه نظر أيضًا، فقد ورد لفظ الحسن على لسان عدة من العلماء السابقين للترمذي من طبقة شيوخه وشيوخ شيوخه، وأمثلة ذلك كثيرة. منها: قول علي بن المديني في حديث عمر أن النبي ﷺ قال: "إِني ممسك بحجزكم عن النار" (١). قال: هذا حديث حسن الإسناد (٢). ومنها: قول الإمام البخاري في حديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "من زرع في أرض قوم بغير إِذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته" (٣). قال البخاري: هذا حديث حسن (٤). ومنها: ما نقله ابن القيم عن الإمام أحمد من تحسين حديث ركانة في طلاقه امرأته ثلاثًا في مجلس واحد (٥).

стр. 288

فقال: وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه (١). ولذلك قال ابن الصلاح: ويوجد -أي التعبير بالحسن في الحكم على الحديث- في متفرقات من كلام بعض مشائخه -يعني الترمذي- والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما (٢). وممن انتقد هذا الكلام محمد أنور الكشميري حيث قال في كتابه "فيض الباري": قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: إن تقسيم الحديث عند قدمائهم كان إلى قسمين فقط صحيح وضعيف، والحسن لذاته كان عندهم داخلا في الصحيح، وإليه جنح غير واحد من الأئمة حتى أنه نقل الإجماع على ذلك!!! قلت: دعوى الإجماع غير صحيح لأن البخاري وعلي بن المديني ممن يفرقان بينهما، حتى جاء الترمذي وتبع في ذلك شيخه، فشهره ونوه بذكره، وعليه مشي في جميع كتابه (٣). معنى العمل بالحديث الضعيف: يرى شيخ الإِسلام ابن تيمية أن العمل بالضعيف عند هؤلاء الأئمة هو مجرد رجاء الثواب المترتب عليه وخوف العقاب، لا أنه ملزم لأحد حيث يقول: العمل به بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب وتخاف ذلك العقاب، كرجل يعلم أن التجارة تربح، لكن بلغه أنَّها تربح ربحا كثيرا، فهذا إن صدق نفعه، وإن كذب لم يضره، ومثال ذلك: الترغيب والترهيب بالإسرائيليات، والمنامات وكلمات السلف والعلماء، ووقائع العالم

стр. 289

ونحو ذلك، مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي لا استحباب ولا غيره، ولكن يجوز أن يذكر في الترغيب والترهيب والترجية والتخويف (١). وعندي أن في هذا الكلام نظرا؛ إذ في كتاب الله وما صح من سنة رسول الله ﷺ غنية عن هذا كله، فلا داعي لتضييع الأوقات بمثل هذه الأمور، والله المستعان. وأما الشهاب الخفاجي (٢) فيرى أن معنى ذلك أن يُروى حديث ضعيف في ثواب بعض الأمور الثابت استحبابها والترغيب فيه، أو في فضائل بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- أو الأذكار المأثورة (٣). معنى التساهل برواية أحاديث الفضائل: يرى الشيخ عبد الرَّحمن بن يحيى المعلمي (٤) أن معنى التساهل في

стр. 290

عبارات الأئمة هو التساهل بالرواية (١)، فقد كان من الأئمة من إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح أو قريب من الصحيح أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده، فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة، ومنهم من إذا وجد الحديث غير شديد الضعف وليس فيه حكم ولا سنة، إنما هو في فضيلة عمل متَّفق عليه كالمحافظة على الصلوات في جماعة ونحو ذلك لم يمتنع من روايته، فهذا هو المراد بالتساهل في عهاراتهم، غير أن بعض من جاء بعدهم فهم منها التساهل فيما يرد في فضيلة لأمر خاص قد ثبت شرعه في الجملة، كقيام ليلة معينة، فإنها داخلة في جملة ما ثبت من شرع قيام الليل، فبنى على هذا جواز أو استحباب العمل بالضعيف (٢). وقد بين الشاطبي خطأ هذا الفهم، فقسم الأعمال إلى ثلاثة أقسام: - قسم منصوص على أصله جملة وتفصيلا. - قسم غير منصوص عليه لا جملة ولا تفصيلا. - وقسم منصوص عليه جملة لا تفصيلا. فالأول: لا إشكال في صحته كالصلوات المفروضات، والنوافل المرتبة لأسباب وغيرها، وكالصيام المفروض أو المندوب على الوجه المعروف، فالنص جاء في هذه الأشياء صحيحا، فإذا ورد في مثلها

стр. 291

أحاديث ترغب فيها أو تحذر من ترك الفرض منها، وليست بالغة مبلغ الصحة، وليست ضعيفة بحيث لا يقبلها أحد، أو موضوعة لا يصح الاستشهاد بها، فلا بأس بذكرها، والتحذير منها، والترغيب بعد ثبوت أصلها من طريق صحيح. والثاني: ظاهر أنه غير صحيح، وهو عين البدعة، وذلك كالتعبد بالقيام في الشمس، أو بالصمت من غير كلام أحد، فالترغيب في مثل هذا لا يصح، إذ لا يوجد في الشرع، ولا أصل له يرغب في مثله، أو يحذر من مخالفته. والثالث: ربما يتوهم أنه كالأول من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة في الجملة فيسهل في التفصيل نقله من طريق غير مشترط الصحة، فمثلا: إذا جاء ترغيب في صلاة ليلة النصف من شعبان، فقد عضده أصل الترغيب في صلاة النافلة، وما أشبه ذلك، وليس كما توهموا، لأنَّ الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في التفصيل، حتى يثبت التفصيل بدليل صحيح، ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص الثابت بالدليل الصحيح (١). وأما الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة (٢)، فقد أثنى على المحدثين

стр. 292

وأشاد بهم لتساهلهم في الفضائل والثواب والعقاب، ويرى أن ذلك من باب حفظ العلم، وعدم التفريط في شيء مما يروي، وقال: ومن شاء تساهل تساهلهم، ومن شاء تعنت، ورد ما تساهلوا فيه، وإذا تبين قدر النقل ووضع كل شيء في المرتبة اللائقة به فأي ضرر منه إلا عند من تعنت (١). المناقشات والترجيح: بعد عرض الأقوال الثلاثة ومن قال بها، وما احتج به كل فريق، نلاحظ ما يلي: أولا: أن الرأي الأول المروي عن الأئمة الأربعة ليس فيه نصوص من كلامهم إلا مجرد إلزامات، ولازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرر في علم الأصول، اللهم إلا ما روي عن الإمام أحمد وهو -إن صح عنه- كلام مجتهد يحتمل اجتهاده الخطأ والصواب، إذ ليس له دليل يقطع العذر (٢)، على أنَّه قد روى عنه غيره، وقد حققت رأيه في المسألة جريا على قواعد الحنابلة (٣)، مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن علان حملوا كلامه على الحسن (٤). ثانيا: ما ذكره الشيخ أحمد بن محمد الصديق أن جميع الأئمة

стр. 293

يحتجون بالحديث الضعيف (١)، فيه نظر، إذ تقدم ذكر من لا يرى الاحتجاج بالضعيف في الأحكام فقط، أو مطلقًا وهم كثر. وأما قوله: وإن من الأحاديث التي أخذ بها الأئمة فيها الضعيف والمنكر والساقط، فحق لا مراء فيه، ومن طالع كتب الفقه عرف ذلك (٢)، ولم يسلم من هذا حتى كبار فقهاء الأمة، فقد وقع للإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعي ﵀ في كتابه "الرسالة" مستدلا محتجا بحديث: "أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله" (٣). قال النووي: أسانيد هذا الحديث ضعيفة (٤). وأما قوله: بأن هذا مذهبهم، فجميعهم يأخذ بالحديث الضعيف فغير صحيح، لأن مجرد استدلالهم بأحاديث ضعيفة لا يلزم منه أنهم يحتجون بها، لأنه يلزم على قوله أنهم يحتجون بالأحاديث الموضوعة لوجودها في كتب الفقه. فمثلا: هذا الإمام الكمال بن الهمام ذكر في كتابه "شرح فتح القدير" (٥) حديث: "ناكح اليد ملعون". وقد نص الملا علي القاري بأنه لا أصل

стр. 294

له (١)، نقلا عن شرف الدين الرهاوي (٢). ومما يستدل به على أنَّ الفقهاء لا يحتجون بالضعيف وإن أوردوه في كتبهم -من غير بحث وتثبت عن درجته- قولهم حينما يرد بعضهم على بعض ويفند قوله: هذا حديث ضعيف. قال اللكنوي: فإن قلت: فما بالهم أوردوا في تصانيفهم الأحاديث الموضوعة -مع جلالتهم ونباهتهم- ولِمَ لَمْ ينقدوا الأسانيد مع سعة علمهم؟ قلت: لم يوردوا ما أوردوا مع العلم بكونه موضوعا، بل ظنوه مرويا، وأحالوا نقد الأسانيد على نقاد الحديث، لكونهم أغنوهم عن الكشف الحثيث، إذ ليس من وظيفتهم البحث عن كيفية رواية الأخبار، وإنما هو من وظيفة حملة الآثار، فلكل مقام مقال، ولكل فن رجال (٣). ثالثا: أن الرأي الثالث المروي عن جمهور العلماء، وهو التفريق بين أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب وأحاديث الأحكام فيه التفريق بين المتماثلات، وإذ الكل شرع متساوى الأقدام. ثم إن الاستدلال بالضعيف في الفضائل إن كان المراد به إثبات استحبابها، فالاستحباب حكم شرعي، كما هو معلوم، والأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل صحيح أو حسن، ولا يجدي فيها الضعيف

стр. 295

حتى على رأي هؤلاء. وإن كان المراد به إثبات ما هو ثابت بدليل صحيح، أو قاعدة من قواعد الشرع، فوجود الضعيف وعدمه سيان. رابعا: ما ذكره النووي وتبعه ملا علي القاري من الاتفاق على قبول الضعيف في الفضائل دون الأحكام، فيه نظر لأمرين: ١ - أن غير النووي والقاري نقل الخلاف في المسألة، كالسخاوي (١) والسيوطي (٢) وغيرهما، قال الشبرخيتي (٣) في شرح الأربعين: في ذكر الاتفاق نظر، لأن ابن العربي قال: إن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقًا (٤). وإذا نقل عالم الإجماع، ونقل آخر النزاع، قدم ناقل النزاع، لأنه مثبت له، وناقل الإجماع: ناف للنزاع، والمثبت مقدم على النافي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإذا نقل عالم الإجماع، ونقل آخر النزاع، وإما نقلا سمي قائله؛ وإما نقلا بخلاف مطلقًا، ولم يسم قائله، فليس لقائل أن يقول نقلا لخلاف لم يثبت، فإنه مقابل بأن يقال: ولا يثبت نقل الإجماع، بل ناقل الإجماع ناف للخلاف، وهذا مثبت له،

стр. 296

والمثبت مقدم على النافي. وإذا قيل: يجوز في ناقل النزاع أن يكون قد غلط فيما أثبته من الخلاف، إما لضعف الإسناد، أو لعدم الدلالة، قيل له: ونافي النزاع غلطه أجوز، فإنه قد يكون في المسألة أقوال لم تبلغه، أو بلغته وظن ضعف إسنادها، وكانت صحيحة عند غيره، أو ظن عدم الدلالة وكانت دالة، فكل ما يجوز على المثبت من الغلط يجوز على النافي، مع زيادة عدم العلم بالخلاف (١). ٢ - أن النووي متساهل في نقل الإجماع، فكثيرًا ما ينقل الإجماع على مسألة: الخلاف فيها مشهور، بل قد يكون قد نقله بنفسه، من ذلك ما يلي: أ - نقل الإجماع على عدم وجوب شيء من رفع اليدين في الصلاة (٢)، ثم لم يلبث أن نقض هذا الإجماع بعد أسطر، فقال: حكي عن داود إيجابه عند تكبيرة الإحرام، وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيار السياري (٣) من أصحابنا أصحاب الوجوه (٤). ب - نقل الإجماع على أن صلاة الجنازة لا تكره في الأوقات الثلاثة -حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل

стр. 297

الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب - (١) وقد نقل الخلاف قبل هذا الكلام بورقتين فقط (٢)، كما نقله بعد ذلك في نفس الكتاب (٣)، ونقله في شرح المهذب عن العبدري (٤) في كتاب الجنائز: أن الثوري والأوزاعي وأبا حنيفة وأحمد وإسحاق يقولون: إن صلاة الجنازة منهي عنها عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها (٥). والأمثلة على ذلك كثيرة جدا من كلام النووي وغيره، وهو ما حدا بالشوكاني أن يقول: وأما دعوى الإجماع فهي من الدعاوى التي لا يهابها طالب الحق، ولا تحول بينه وبين مراده منه (٦). خامسا: الشروط التي اشترطها أصحاب الرأي الثالث لقبول الضعيف في الفضائل صعبة التطبيق، لا تكاد تتوافر في مثال واحد، ولذلك نجد كثيرا من العلماء يخرقها، ولا يلقي لها بالا، فمثلا: الشرط الأول: وهو أن يكون الضعف غير شديد يدل على وجوب معرفة حال الحديث الذي يريد أحدهم أن يعمل به، لكي يتجنب العمل به

стр. 298

إذا كان شديد الضعف، وهذه المعرفة مما يصعب الوقوف عليها من جماهير الناس، ولذلك نجد الذين يعملون بالأحاديث الضعيفة قد خالفوا هذا الشرط مخالفة صريحة (١). والشرط الثاني: وهو أن يكون الضعيف مندرجا تحت أصل عام، فاشتراط الأصل للعمل بالضعيف يجعل الحديث الضعيف لا قيمة له، فالعمل في الحقيقة للأصل لا للضعيف. وأما الشرط الثالث: وهو أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، فكالشرط الاول يتطلب ضرورة معرفة الحديث ومقدار ضعفه لكي لا يعتقد ثبوته. وأما قولهم: أن لا يعتقد سنية ما يدل عليه، بل يعتقد الاحتياط (٢)، فقد تقدم رده نقلا عن الشيخ علوي مالكي (٣)، والاحتياط في الدين ليس بالعمل فيما لم يثبت، فإن ذلك قول على الله بغير علم، وإنما الاحتياط الابتعاد عن العمل به أصلا. وأما ما اشترطه الحافظ ابن حجر من أنه لا يشتهر ذلك، لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة، فقد قال الشبراملسي (٤) -وهو ممن يرى الاحتجاج بالضعيف في الفضائل -: يتأكد في حق المقتدى به ليكون فعله سببا لإِفادة

стр. 299

غيره الحكم المستفاد من ذلك الحديث (١)، ويقصد بذلك إظهار العمل به ليتمكن الرائي من الاقتداء. وبعد هذا كله، لا يستطيع تطبيق هذه الشروط إلا العالم المتمرس المتمكن، وهل كل الناس كذلك؟؟. فهذا القول ضعيف، ونتائجه سيئة، ومنها: تساهل جمهور المسلمين علماء وخطباء ومدرسين وغيرهم في رواية الأحاديث الضعيفة والعمل بها، وعدم البحث في رجالها ودرجتها، محتجين بأنها في فضائل الأعمال، وهذا أمر خطير جدًا، وفيه مخالفة صريحة للأحاديث الصحيحة التي جاءت تحذر من التحديث إلا بعد التثبت من صحة الحديث، منها: ما رواه مسلم في مقدمة صحيحه: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (٢). قال ابن العربي: قال العلماء: لا يحدث أحد إلا عن ثقة، فإن حدث عن غير ثقة، فقد حدث بحديث يرى أنه كذب (٣). كما أن التحديث من غير بحث وتثبت يوقع الشخص في الكذب، ويدل عليه حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "كفى بالمرء

стр. 300

كذبا أن يحدث بكل ما سمع" (١). وقال الإمام مالك: اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع (٢). وقال ابن حبان في صحيحه: فصل -ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته، ثم روى عن أبي هريرة حديثا: "من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" (٣). وأقوال العلماء في هذا الباب كثيرة جدًا، علاوة على ما جرته آراء المتساهلين من إيغال في إيراد الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة التي صارت سببا لوجود كثير من الطوائف المبتدعة، لأن من خلالها يصلون إلى مقاصدهم السيئة، إذ من الطبيعي أن لايجدوا ما يؤيد بدعهم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الصحيحة، مع علمهم بعدم رواج هذه البدع مالم تستند إلى أدلة منسوبة إلى الشرع الشريف. ومن خلال ما تقدم، يترجح الرأي الثاني، وهو عدم الأخذ بالحديث الضعيف مطلقًا، لا في الأحكام، ولا في غيرها، لما يلي: ١ - لاتفاق علماء الحديث على تسمية الضعيف بالمردود. ٢ - لأن الضعيف لا يفيد إلا الظن المرجوح، والظن لا يغني من الحق شيئًا. ٣ - لما ترتب على تجويز الاحتجاج به من ترك للبحث عن الأحاديث

стр. 301

الصحيحة، والاكتفاء بالضعيفة. ٤ - لما ترتب عليه من نشوء البدع والخرافات، والبعد عن المنهج الصحيح، لما تتصف به الأحاديث الضعيفة -غالبا- من أساليب التهويل والتشديد بحيث صارت مرتعا خصبا للمتصوفة، فصدتهم عن دين الله الوسط. وليس معنى هذا رد الحديث الضعيف بالكلية، بل يمكن أن يعمل به في غير مجال الاحتجاج، وذلك بترجيح معنى على غيره، فيما إذا عرض نص يحتمل لفظه معنيين دون ترجيح بينهما، وورد حديث ضعيف يرجح أحدهما، فحينئذ نأخذ بالمعنى الذي رجحه هذا الحديث ولو كان ضعيفا. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١). فقوله: تعولوا يحتمل معنيين: أولهما: أن لا تكثر عيالكم، وبه قال الشافعي. ثانيهما: أن لا تجوروا ولا تميلوا وبه قال جمهور المفسرين. وروي عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ قال: "أن لا تجوروا". وفي رواية: "أن لا تميلوا" (٢). وهو حديث ضعيف، قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا خطأ،

стр. 302

والصحيح عن عائشة موقوف (١). ومع ضعفه، فقد قال ابن القيم: إنه يصلح للترجيح (٢)

стр. 303

الفصل الثاني في حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف في قراءة شيء من كتاب الله وتفسيره والمغازي أولا: حكم إِثبات القراءة بالحديث الضعيف: اتفق جميع من كتب في علوم القرآن على القراءة المقبولة لابد وأن تكون موافقة لأحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا، مع موافقتها للعربية ولو بوجه (١). لكنهم اختلفوا في الشرط الثالث، وهو سند القراءة على قولين: الأول: يرى أبو شامة المقدسي وابن الجزري (٢) أنه يكفي أن يصح سند القراءة إلى النبي ﷺ ، بأن يرويها عدل تام الضبط عن مثله إلى الرسول ﷺ من غير شذوذ ولا علة قادحة. قال أبو شامة: ولا يلزم في ذلك تواتر، بل تكفي الآحاد الصحيحة،

стр. 304

مع الاستفاضة، وموافقة خط المصحف، وعدم المنكرين لها نقلا وتوجيها من حيث اللغة (١). الثاني: يرى جمع من العلماء منهم: السفاقسي (٢) أن الآحاد لا يكفي في ثبوت القراءة -وإن صح- بل لابد من التواتر، وقال بعد أن أورد القول الأول: هذا قول محدث لا يعول عليه، ويؤدي إلى تسوية غير القرآن بالقرآن (٣). ورد ابن الجزري على أصحاب الرأي الثاني بقوله: وقد شرط بعض المتأخرين التواتر، ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وهذا مما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين (٤). ويرى الشيخ أحمد شاكر أن التواتر شرط في إثبات القرآن، وأما القراءة فيكفي فيها صحة السند، مع موافقتها لرسم المصحف، ولو احتمالا، وكان لها وجه من العربية (٥). ولسنا بصدد تقرير الراجح من القولين، فهذا لا يعنينا، أما الذي

стр. 305

يهمنا هو أننا لا نجد قائلا بجواز الاحتجاج بما ضعف سنده في إثبات القراءة. قال السفاقسي في حكم القراءة الشاذة: اعلم أن الذي استقرت عليه المذاهب وآراء العلماء أنه إن قرأ بالشواذ غير معتقد أنه قرآن، ولا موهم أحدا ذلك، بل لما فيها من الأحكام الشرعية عند من يحتج بها، أو الأدبية، فلا كلام في جواز قراءتها، وعلى هذا يحمل كل من قرأ بها من المتقدمين، وكذلك أيضا يجوز تدوينها في الكتب، والتكلم على ما فيها، وإن قرأها باعتقاد قرآنيتها أو بإيهام قرآنيتها حرم ذلك، ونقل ابن عبد البر في تمهيده إجماع المسلمين على ذلك (١). ومع هذا كله، نجد القراءات الضعيفة والشاذة تملأ كتب التفسير والحديث، وإليك بعض الأمثلة على ذلك. ١ - روى ابن جرير عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قرأ: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ (٢). عند الله علم الكتاب (٣). قال أبو جعفر: وهذا خبر ليس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهري (٤). ٢ - روى ابن جرير أيضا عن الحسن، قال: رأيت عثمان بن عفان على

стр. 306

منبر رسول الله ﷺ عليه قميص قوهي (١) محلول الزر، وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفس محمد بيده ما عمل أحد قط سرا، إلا ألبسه الله رداءه علانية، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ثم تلا هذه الآية: ﴿ورياشا - ولم يقرأها وريشا - ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله﴾ (٢) قال: السمت الحسن" قال ابن جرير: في إسناده نظر (٣). ٣ - روى أبو داود والترمذي عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿إِنه عمل غير صالح﴾ الآية (٤). قال: كان مخالفا له في النية والعمل (٥). ٤ - روى الطبراني عن سلمان الفارسي أنه سئل عن قوله: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾ الآية (٦) قال: الرهبان الذين في الصوامع، قال سلمان: نزلت على رسول الله ﷺ : (ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا) (٧).

стр. 307

٥ - ومن ذلك القراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة ﵀ التي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي (١)، ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي (٢)، وغيره، فإنها لا أصل لها، قال أبو العلاء الواسطي (٣): إن الخزاعي وضع كتابا في الحروف نسبه إلى أبي حنيفة، فأخذت خط الدارقطني وجماعة أن الكتاب موضوع لا أصل له (٤). قال ابن الجزري: وقد رويت الكتاب المذكور منه: ﴿إِنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (٥). برفع الهاء ونصب الهمزة، وقد راج ذلك على أكثر المفسرين، ونسبها إليه وتكلف توجيهها، وإن أبا حنيفة لبريء منها (٦).

стр. 308

حكم تفسير القرآن الكريم بالحديث الضعيف: السنة النبوية من أهم المصادر التي يعتمد المفسر عليها، بل هي المصدر الثاني من هذه المصادر، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان، فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الأمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن (١). وقال أبو جعفر الطبري: إن مما أنزل الله على نبيه ﷺ ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ ، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره -واجبه وندبه وإرشاده- وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آية التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله ﷺ لأمته، وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله ﷺ له تأويله بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله (٢). بل قد جعل الزركشي (٣) السنة هي المأخذ الأول من مآخذ طالب

стр. 309

التفسير (١). فإذا كان الأمر كذلك، فهل نفسر القرآن الكريم بكل ما سمعنا عن رسول الله ﷺ سواء كان صحيحا أو ضعيفا، أو نقتصر على ما صح من ذلك؟ الأخير هو ما أوصانا به علماؤنا الأجلاء، قال الزركشي: يجب الحذر من الضعيف في التفسير، والموضوع، فإنه كثير، وإن سواد الأوراق سواد في القلب، قال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ثلاث ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير (٢). قال المحققون من أصحابه: ومراده أن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحاح متصلة، وإلا فقد صح من ذلك كثير (٣). وحمله على الغالب هو الصحيح، لأن كتب السنة والتفسير كالصحيحين والموطأ وسنن الترمذي ومسند الإمام أحمد بن حنبل وتفسير الطبري وتفسير ابن أبي حاتم فيها الكثير من المروي في التفسير بسند صحيح. وقال ابن علان: تفسير كلام الله تعالى لا يكون إلا بحديث صحيح أو حسن (٤).

стр. 310

وقال الشيخ علوي مالكي: لا يحتج بالضغيف في تفسير كلام الله تعالى، لأنه يتوقف على اعتقاد أن الله قصد بهذا اللفظ هذا المعنى، وهذا لابد فيه من حديث قوي دون الضعيف (١). فينبغي للمفسر أن يحذر من إيراد الأحاديث الضعيفة والموضوعة ويقتصر على ما صح عن نبي الله ﷺ وصحابته الكرام، وفي هذا يقول الشيخ محمد حسين الذهبي: أما تفسير القرآن بالقرآن، أو بما ثبت من السنة الصحيحة فذلك مما لا خلاف في قبوله، لأنه لا يتطرق إليه الضعف، ولا يجد الشك إليه سبيلا، وأما ما أضيف إلى النبي ﷺ وهو ضعيف في سنده أو متنه، فذلك مردود غير مقبول لم تصح نسبته إلى النبي ﷺ (٢). وقال الزرقاني (٣): التفسير بالمأثور نوعان: أحدهما: ما توافرت الأدلة على صحته وقبوله، وهذا لا يليق بأحد رده، ولا يجوز إهماله وإغفاله، ولا يجمل أن نجعله من الصوارف عن هدي القرآن، بل هو على العكس عامل من أقوى العوامل على الاهتداء بالقرآن ثانيهما: ما لم يصح، وهذا يجب رده، ولا يجوز قبوله، ولا

стр. 311

الاشتغال به، اللهم إلا لتمحيصه والتنبيه إلى ضلاله وخطئه حتى لا يغتر به أحد (١). ومع هذا كله، فإننا نجد الكثير مما يروى في التفسير منسوبا إلى النبي ﷺ يعتريه الضعف، وإليك بعض الأمثلة على ذلك: ١ - روى الترمذي بسنده عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في قوله: ﴿كالمهل﴾ (٢). قال: كعكر الزيت، فإذا قربه إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه (٣). ٢ - روى الطبراني في الأوسط عن سعد -يعني بن أبي وقاص- قال سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٤). قال: هم الذين يؤخرونها عن وقتها (٥). ٣ - روى البزار عن أبي ذر رفعه: إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت مكتوب فيه: عجبت لمن أيقن بالقدر: لِمَ نصب؟ وعجبت لمن ذكر النار: لِمَ ضحك؟ وعجبت لمن ذكر الموت لِمَ غفل؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله (٦).

стр. 312

٤ - روى ابن أبي حاتم عمن سمع أبا العالية الرياحي (١) يحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى (٢) قال: " الحسنى: الجنة" (٣). وهو حديث ضعيف للجهل بمن سمع أبا العالية. ٥ - أورد القرطبي في تفسيره عن علي ﵁ قال: لما نزلت: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤). قال النبي ﷺ لجبريل: "ما هذه النحيرة التي أمرني الله بها؟ قال: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السماوات السبع، وأن لكل شيء زينة، وإن زينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة" (٥). هكذا أورد القرطبي بدون تعليق، ومن غير بيان لضعفه، وقد حكم ابن الجوزي بأنه موضوع (٦)، أما السيوطي فقد اكتفى بتضعيفه فقط، وأنه

стр. 313

لا يصل إلى درجة الموضوع (١). ويرى الشيخ الزرقاني أن أسباب ضعف التفسير المأثور يرجع إلى الأشياء الآتية: ١ - ما دسه أعداء الإِسلام مثل: زنادقة اليهود والفرس، فقد أرادوا هدم هذا الدين المتين عن طريق الدس والوضع، حينما أعيتهم الحيل في النيل منه عن طريق الحرب والقوة، وعن طريق الدليل والحجة. ٢ - ما لفقه أصحاب المذاهب المتطرفة ترويجا لتطرفهم، كشيعة علي المتطرفين الذين نسبوا إليه ما هو منه بريء، وكالمتزلفين الذين حطبوا في حبل العباسيين فنسبوا إلى ابن عباس ما لم تصح نسبته إليه، تملقا لهم واستدرارا لدنياهم. ٣ - نقل كثير من الأقوال المعزوة إلى الرسول ﷺ أو الصحابة أو التابعين من غير إسناد ولا تحر، مما أدى إلى التباس الحق بالباطل، زد على ذلك أن من يرى رأيا صار يعتمده دون أن يذكر له سندا، ثم يجيء من بعده فينقله على اعتبار أن له أصلا، ولا يكلف نفسه البحث عن أصل الرواية، ولا من يرجع إليه هذا القول. ٤ - أن تلك الروايات مليئة بالإِسرائيليات، ومنها كثير من الخرافات التي يقوم الدليل على بطلانها، ومنها ما يتعلق بأمور العقائد التي لا يجوز الأخذ فيها بالظن، ولا برواية الآحاد (٢). بل لا بد من دليل قاطع فيها، كالروايات التي تتحدث عن أشراط الساعة، وأهوال القيامة،

стр. 314

وأحوال الآخرة، تذكر على أنها اعتقاديات في الإِسلام (١). ولما كان دخول الإسرائيليات في تفسير القرآن سببا في ضعف التفسير المأثور، فإنه يحسن بنا أن نشير إليها إشارة عابرة، فنقول: يراد بالإِسرائيليات في اصطلاح علماء الإِسلام لفظ يطلق على القصص والأساطير التي تنسب إلى أصل يهودي أو نصراني. وقد اختلفت وجهات نظر المفسرين تجاه هذه الإِسرائيليات، وما يروى عن أهل الكتاب، فنجد البرهان البقاعي (٢) يرى أهميتها ويدافع عنها حيث يقول: فإن أنكر منكر الاستشهاد بالتوراة أو الإِنجيل تلوت عليه قول الله تعالى استشهادا على كذب اليهود: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ الآية (٤). في آيات من أمثال ذلك كثيرة.

стр. 315

وذكرته باستشهاد النبي ﷺ بالتوراة في قصة الزاني (١)، وروى الشيخان عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة نزلا لأهل الجنة، فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى، قال: تكون الأرض خبزة واحدة. كما قال النبي ﷺ ، فنظر النبي ﷺ إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه" (٢). إلى آخر كلامه (٣). وأما الحافظ ابن كثير فيرى أنه لا داعي لذكر الإسرائيليات، وإن في القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة، ويعلل ذلك بأنها لا تخلو من تبديل وتحريف وزيادة ونقصان (٤)، لكنه ﵀ لم يسلم منها، فقد أورد في تفسيره وتاريخه منها الشيء الكثير، إلا أنه كثيرا ما يتعقبها بالنقد والتفنيد. وأما ابن عطية (٥) فقد قلل من ذكر الإسرائيليات، فلم يذكر منها إلا بقدر ما يحتاج إليه، حيث يقول في مقدمة تفسيره: لا أذكر من القصص

стр. 316

إلا مالا تنفك الآية إلا به (١). وقد حمل الشيخ شاكر على رواية الإِسرائيليات وبالذات في تفسير كتاب الله حملة مسعورة، ويرى أن ذكرها بجانب كلام الله يخالف ذكرها بجانب غيره من الكلام، حيث يقول: إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن وجعله قولا أو رواية في معنى الآيات أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما أجمل منها شيء آخر!! لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لمعنى قول الله سبحانه، ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك، وأن رسول الله ﷺ إذ أذن بالتحدث عنهم أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم (٢)، فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله ونضعها منه في موضع التفسير أو البيان؟! اللهم غفرا (٣). وهذا الرأي الذي ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر رأي له قيمته، ووجاهته وأحرى بمن يتصدى لتفسير كتاب الله أن يلتزم به، وأن يحرص عليه.

стр. 317

حكم الاحتجاج بالضعيف في المغازي والسير، وهل يلزم نقد الأخبار التاريخية ؟ تسامح كثير من الأئمة في رواية بعض أخبار السيرة النبوية استنادا لما شاع عن بعض كبار الأئمة كالإِمام أحمد حيث يقول: ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث -يعني: المغازي ونحوها- وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا، وقبض أصابع يديه الأربعة (١). وعلى ضوء هذا التسامح جاء بعض أخبار السيرة غريبا في أسلوب قد لا يثبت عند التحقيق، وقد كان بعض الناس يستثيرهم كل غريب وعجيب، وكانوا يميلون إلى المبالغة والتهويل، مما أدى بكثير منهم إلى حشو الأخبار العجيبة والأمور الغريبة (٢)، مما جعل كثيرا من العلماء لا يثق بجل ما ينقله المؤرخون، ومن هنا نادى كثير من المحققين قديما وحديثا بضرورة تنقيح السيرة النبوية والتاريخ الإِسلامي بصفة عامة، وإخضاعهما إلى معايير النقد، وموازين الجرح والتعديل عند أهل الحديث، فيثبت ما كان مقبولا لدى المحدثين، وينفي ما عداه من ضعيف أو موضوع.

стр. 318

قال الكافيجي (١): ينبغي أن يشترط في المؤرخ ما يشترط في راوي الحديث من العقل والضبط والإِسلام والعدالة، ليكون كل واحد منهما معتمدا في أمر الدين، وأمينا فيه، ولتزداد الرغبة في تاريخه، وللاحتراز عن المجازفة، فيحصل له الأمن من الوقوع في الضلالة والإِضلال، ولابد له -يعني: المؤرخ- من مستند في تاريخه، فإن قلت: فما المستند؟ قلت: هو ما يصح له من أصله أن يروى ما رواه، ويقبل منه، فإن لم يحصل له ما فيه مستند لم يجز له شيء من ذلك شرعًا (٢). وقال ابن خلدون (٣): وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات، إذ هي مظنة الكذب، ومطية الهذر، ولابد من ردها إلى الأصول

стр. 319

وعرضها على القواعد (١). وقال التاج السبكي (٢) نقلا عن والده (٣): يشترط في المؤرخ الصدق، وإذا نقل يعتمد على اللفظ دون المعنى، وألا يكون ذلك الذي نقله أخذه في المذاكرة، وكتبه بعد ذلك، وأن يسمي المنقول عنه (٤). وقال السخاوي: وأما شرط المعتني به -يعني: التاريخ- فالعدالة مع الضبط التام الناشئ عنه مزيد الإِتقان والتحري، سيما فيما يراه في كلام كثير من جهلة المتعنتين بسير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٥). وهكذا نجد هؤلاء الأئمة ينادون بكتابة التاريخ العام، والسيرة النبوية جزء منه على ضوء القواعد المعروفة عند علماء الحديث، لكنهم أطلقوا الأمر فحتموا كتابة جميع ما يتعلق بالتاريخ على ضوء تلك القواعد

стр. 320

وإخضاعها لقوانين المحدثين. والذي أراه أن يفرق بين ما يتعلق به حكم شرعي مثل كيفية تقسيم الغنيمة، وكيف يوزع الخمس، وكيف يعامل الأسرى، وعلى ذمة من ينزل العدو وبين ما لا يؤخذ منه حكم شرعي، ولا طائل تحته كعدد من رجع مع عبد الله بن أبي يوم أحد، ونحو ذلك، فيجب إخضاع النوع الأول لقوانين المحدثين، وأما النوع الثاني فلا داعي لوزنه وتحقيقه لأنه تعب ليس وراءه أرب. وبهذا القدر ينتهي الفصل الثاني، وبانتهائه ينتهي الباب الثاني، ويليه الباب الثالث، نسال الله الإِعانة على إتمامه.
следующие страницы →