← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 643

الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به

عبد الكريم الخضير

Полный текст (464 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

إلا مالا تنفك الآية إلا به (١). وقد حمل الشيخ شاكر على رواية الإِسرائيليات وبالذات في تفسير كتاب الله حملة مسعورة، ويرى أن ذكرها بجانب كلام الله يخالف ذكرها بجانب غيره من الكلام، حيث يقول: إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن وجعله قولا أو رواية في معنى الآيات أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما أجمل منها شيء آخر!! لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لمعنى قول الله سبحانه، ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك، وأن رسول الله ﷺ إذ أذن بالتحدث عنهم أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم (٢)، فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله ونضعها منه في موضع التفسير أو البيان؟! اللهم غفرا (٣). وهذا الرأي الذي ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر رأي له قيمته، ووجاهته وأحرى بمن يتصدى لتفسير كتاب الله أن يلتزم به، وأن يحرص عليه.

стр. 317

حكم الاحتجاج بالضعيف في المغازي والسير، وهل يلزم نقد الأخبار التاريخية ؟ تسامح كثير من الأئمة في رواية بعض أخبار السيرة النبوية استنادا لما شاع عن بعض كبار الأئمة كالإِمام أحمد حيث يقول: ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث -يعني: المغازي ونحوها- وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا، وقبض أصابع يديه الأربعة (١). وعلى ضوء هذا التسامح جاء بعض أخبار السيرة غريبا في أسلوب قد لا يثبت عند التحقيق، وقد كان بعض الناس يستثيرهم كل غريب وعجيب، وكانوا يميلون إلى المبالغة والتهويل، مما أدى بكثير منهم إلى حشو الأخبار العجيبة والأمور الغريبة (٢)، مما جعل كثيرا من العلماء لا يثق بجل ما ينقله المؤرخون، ومن هنا نادى كثير من المحققين قديما وحديثا بضرورة تنقيح السيرة النبوية والتاريخ الإِسلامي بصفة عامة، وإخضاعهما إلى معايير النقد، وموازين الجرح والتعديل عند أهل الحديث، فيثبت ما كان مقبولا لدى المحدثين، وينفي ما عداه من ضعيف أو موضوع.

стр. 318

قال الكافيجي (١): ينبغي أن يشترط في المؤرخ ما يشترط في راوي الحديث من العقل والضبط والإِسلام والعدالة، ليكون كل واحد منهما معتمدا في أمر الدين، وأمينا فيه، ولتزداد الرغبة في تاريخه، وللاحتراز عن المجازفة، فيحصل له الأمن من الوقوع في الضلالة والإِضلال، ولابد له -يعني: المؤرخ- من مستند في تاريخه، فإن قلت: فما المستند؟ قلت: هو ما يصح له من أصله أن يروى ما رواه، ويقبل منه، فإن لم يحصل له ما فيه مستند لم يجز له شيء من ذلك شرعًا (٢). وقال ابن خلدون (٣): وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات، إذ هي مظنة الكذب، ومطية الهذر، ولابد من ردها إلى الأصول

стр. 319

وعرضها على القواعد (١). وقال التاج السبكي (٢) نقلا عن والده (٣): يشترط في المؤرخ الصدق، وإذا نقل يعتمد على اللفظ دون المعنى، وألا يكون ذلك الذي نقله أخذه في المذاكرة، وكتبه بعد ذلك، وأن يسمي المنقول عنه (٤). وقال السخاوي: وأما شرط المعتني به -يعني: التاريخ- فالعدالة مع الضبط التام الناشئ عنه مزيد الإِتقان والتحري، سيما فيما يراه في كلام كثير من جهلة المتعنتين بسير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٥). وهكذا نجد هؤلاء الأئمة ينادون بكتابة التاريخ العام، والسيرة النبوية جزء منه على ضوء القواعد المعروفة عند علماء الحديث، لكنهم أطلقوا الأمر فحتموا كتابة جميع ما يتعلق بالتاريخ على ضوء تلك القواعد

стр. 320

وإخضاعها لقوانين المحدثين. والذي أراه أن يفرق بين ما يتعلق به حكم شرعي مثل كيفية تقسيم الغنيمة، وكيف يوزع الخمس، وكيف يعامل الأسرى، وعلى ذمة من ينزل العدو وبين ما لا يؤخذ منه حكم شرعي، ولا طائل تحته كعدد من رجع مع عبد الله بن أبي يوم أحد، ونحو ذلك، فيجب إخضاع النوع الأول لقوانين المحدثين، وأما النوع الثاني فلا داعي لوزنه وتحقيقه لأنه تعب ليس وراءه أرب. وبهذا القدر ينتهي الفصل الثاني، وبانتهائه ينتهي الباب الثاني، ويليه الباب الثالث، نسال الله الإِعانة على إتمامه.

стр. 321

الباب الثالث زمرتان من متعلقات الحديث الضعيف ويتكون من فصلين: - الفصل الأول: في الزمرة الأولى، ويشتمل على المباحث الآتية: ١ - عناية المحدثين بالسند والمتن. ٢ - حكم الرواية عن الضعفاء. ٣ - أضعف الأسانيد. الفصل الثاني: في الزمرة الثانية، ويشتمك على المباحث الآتية: ١ - مظان الحديث الضعيف. ٢ - الكتب المصنفة في الضعفاء ٣ - الكتب المصنفة في أنواع خاصة من الضعيف.

стр. 322

الفصل الأول في الزمرة الأولى من متعلقات الحديث الضعيف تشتمل هذه الزمرة على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: عناية المحدثين بالسند والمتن معا. المبحث الثاني: حكم الرواية عن الضغفاء. المبحث الثالث: أضعف الأسانيد.

стр. 323

المبحث الأول عناية المحدثين بالسند والمتن معا دراسة سند الحديث مهمة جدا لتبيين حاله صحة وضعفا، فهي الوسيلة الأولى التي عن طريقها يتم الحكم على أي حديث ما بأنه صحيح أو ضعيف. ولا غرو فالإِسناد من أبرز خصائص هذه الأمة التي لم يؤتها أحد من الأم قبلها (١)، وهو من الدين بموقع عظيم، قال عبد الله بن المبارك: الإِسناد من الدين، ولولا الإِسناد لقال من شاء: ما شاء. وقال أيضا: بيننا وبين القوم القوائم (٢). يعني: الإِسناد. وقال الإِمام مالك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ الآية (٣): هو قول الرجل: حدثني أبي عن جدي (٤). وكلام العلماء في الاهتمام بالسند كثير لا يحصره مثل هذه العجالة. ومع ذلك كله قرر العلماء أن هذه الدراسة في السند لا تكفي وحدها للحكم النهائي على الحديث، إذ لا يلزم من ضعف السند ضعف المتن، فقد يضعف السند ويصح المتن لوروده من طريق آخر، أو طرق أخرى.

стр. 324

ومثال ذلك: إذا وقف شخص على حديث جابر بن عبد الله الذي رواه ابن ماجة: "أن رسول الله ﷺ لم يطف هو وأصحابه لعمرتهم وحجتهم حين قدموا إلا طوافا واحدًا" (١). فإذا درس إسناد هذا الحديث وجد فيه ليث بن أبي سليم (٢)، وهو ضعيف، فإنه لا يسوغ له الحكم على هذا الحديث بأنه ضعيف، ويقصد متنه، بل يقول: ضعيف بهذا الإِسناد، وإلا فمتنه صحيح عن جابر من غير هذه الطريق بطرق صحيحة، رواها مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وغيرهم (٣). كما أن الواجب على الباحا إذا وجد حديثا بلفظ ما بسند ضعيف، أو نص على تضعيفه، فليقل بعبارة دقيقة، وليتحاش المجازفة في الحكم، كأن يقول: ضعيف بهذا اللفظ، إذ المجازفة في الألفاظ تنافي ما عليه المحدثون من دقة في التعبير. ومثال ذلك حديث: "إذا حضر العَشاء والعِشاء -بكسر العين وفتحها - فابدأوا بالعَشاء - بالفتح-" (٤). فالحديث بهذا اللفظ لا أصل له، لكنه صحيح متفق عليه بلفظ: "إِذا

стр. 325

وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء" (١). وإذا عرفنا قيمة السند عند المحدثين، فان للمتن قيمة لا تنقص عن قيمة السند، فكما يحكم بضعف الحديث لضعف سنده لوجود انقطاع فيه أو كذب أو فسق أو بدعة في أحد رواته أو غيرها، فإنه يحكم بضعف الحديث أو وضعه لركاكة في لفظه وفساد معناه، أو مخالفته للدليل القطعي أو مخالفته لحقائق التاريخ المعروفة في عصر النبي ﷺ ، أو غير ذلك من العلامات التي جعلها العلماء علامات في متن الحديث للدلالة على وضعه أو ضعفه (٢). وكما يحكم بضعف الحديث لوجود علة أو شذوذ أو إدراج أو قلب أو اضطراب أو تصحيف أو تحريف في سنده، فكذلك يحكم بضعفه لوجود هذه الأشياء في متنه كما تقدم. ولم يكتف المحدثون بما ذكر، بل جعلوا للذوق الفني مجالا في نقد الأحاديث وردها أو قبولها، فكثيرًا ما يقولون: هذا الحديث عليه ظلمة، أو متنه مظلم، أو ينكره القلب، أو لا تطمئن إليه النفس، وليس ذلك بعجيب، فقد قال الربيع بن خثيم (٣): ان للحديث ضوءًا كضوء النهار

стр. 326

تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره (١). وقال ابن كثير: من الأحاديث المروية ما عليه أنوار النبوة، ومنها ما وقع فيه تغيير لفظ، أو زيادة باطلة، أو مجازفة أو نحو ذلك يدركها البصير من أهل هذه الصناعة (٢). كل ما ذكر وغيره يبين غاية البيان أن المحدثين مع عنايتهم بالسند واهتمامهم به لم يقصروا جهدهم عليه، أو يوجهوا جل عنايتهم إليه دون المتن، بل جعلوا نقدهم منصبا على السند والمتن على السواء. ومع هذا الاعتناء الشديد بالمتن نجد بعض أعداء الإِسلام يحاول التشكيك في السنة النبوية، مثل: المستشرق غاستون ويت الذي يقول: وقد درس رجال الحديث السنة بإتقان، إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى السند ومعرفة الرجال والتقائهم وسماع بعضهم من بعض .. إلى أن قال: لقد نقل لنا الرواة حديث الرسول مشافهة ثم جمعه الحفاظ ودونوه، إلا أن هؤلاء لم ينقدوا المتن، ولذلك لسنا متأكدين من أن الحديث قد وصلنا كما هو عن رسول الله من غير أن يضيف إليه الرواة شيئا عن حسن نية في أثناء روايتهم للحديث (٣). وليس غريبا أن يصدر هذا من عدو يريد التشكيك في ديننا، والدعوة إلى دينه، وإخراج المسلمين عن دينهم، وانسلاخهم عن عقيدتهم، وطرحهم لسنة نبيهم، لكن الغريب والمؤسف أن يصدر هذا ممن ينتسب

стр. 327

إلى الإِسلام مثل: أحمد أمين (١) الذي يقول في كتابه "فجر الإِسلام": ولقد وضع العلماء للجرح والتعديل قواعد ليس هنا محل ذكرها، ولكنهم -والحق يقال- عنوا بنقد الإسناد أكثر مما عنوا بنقد المتن، فقل أن تظفر بنقد من ناحية أن ما نسب إلى النبي ﷺ لا يتفق والظروف التي قيلت فيه، أو أن الحوادث التاريخية الثابتة تناقضه، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النبي، أو أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه، وهكذا. ولم نظفر منهم في هذا الباب بعشر معشار ما عنوا به من جرح الرجال وتعديلهم حتى نرى البخاري نفسه على جليل قدره ودقيق بحثه يثبت أحاديث دلت الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة لاقتصاره على نقد الرجال، كحديث: "لا يبقى على ظهر الأرض بعد مائة سنة نفس منفوسة". حديث: "من اصطبح كل يوم سبع تمرات من عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إِلى الليل" (٢). وقال أيضا كلاما نحو هذا في كتابه "ضحى الإِسلام" ومثل له بحديث: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم". ثم قال: فهل اتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان

стр. 328

الكمأة؟ وهل فيها مادة تشفي العين؟ أو العجوة وهل فيها ترياق؟ نعم. إنهم رووا أن أبا هريرة قال: أخذت ثلاث أكمؤ أو خمسا أو سبعا فعصرتهن في قارورة، وكحلت به جارية لي عمشاء فبرأت، ولكن هذا لا يكفي لصحة الحكم، فتجربة جزئية نفع فيها شيء مرة لا تكفي منطقيا لإِثبات الشيء في ثبت الأدوية، إنما الطريقة أن تجرب مرارا، وخير من ذلك أن تحلل لتعرف عناصرها، فإذا لم يكن التحليل في ذلك العصر ممكنا، فلتكن التجربة مع الاستقراء، فكان مثل هذا طريقا لمعرفة صحة الحديث أو ضعفه .. الخ (١). تفنيد هذه الافتراءات: هذه الافتراءات لا تتعدى الإِفك المحض، ولا ترتقي حتى إلى حد الشبهة، فلا تستحق التفنيد والرد، ولو كان الجدال مع الكافر العنيد غاستون ويت لم يتعرض أحد من علماء المسلمين إلى الرد عليه، لولا أن بعض الكتاب المعاصرين المنتسبين إلى الإسلام قاموا بترديد هذا الزعم وإلباسه زورا وبهتانا لباس البحث العلمي والموضوعية، ولولا خشية وقوع كثير من شبابنا في شراك هذا الزعم الذي يثير الشبه عندهم حول صيانة السنة النبوية وعناية المحدثين بها، لما أقدم أحد من العلماء على الرد على هذه المزاعم (٢).

стр. 329

وإليك الرد موجزا: أولًا: أما قولهم: إن المحدثين اهتموا بدراسة السند، ولم يلتفتوا إلى المتن، فمجرد إفك لا حقيقة له، وقد قدمت قريبا ما يدحض هذا الافتراء (١). ثانيًا: وأما زعم المستشرق بأن الراوي قد يضيف شيئا عن حسن نية في أثناء روايته، مما يجعلنا لا نتأكد من وصول الحديث إلينا كما هو عن الرسول ﷺ ، فأوهى من بيت العنكبوت، فلم يقصر العلماء ولم يألوا جهدا في بيان هذا النوع وإيضاحه، وهو ما يسمى بالمدرج في متن الحديث، وصنفوا فيه المصنفات (٢). ثالثًا: وأما القواعد التي وضعها أحمد أمين للمحدثين لنقد متن الحديث، فأقول: إنه قد سبق إليها وطبقت فعلا، وقد سبقت الإِشارة إليها مع التمثيل (٣). رابعًا: وأما التمثيل لعدم نقد الأحاديث عبر متونها بأحاديث يسميها بعض العلماء بالأحاديث المشكلة، فنعم، هذه الأحاديث وأمثالها قد أشكل فهمها على بعض العلماء، لكنها لم تشكل على جهابذة النقاد وفطاحلة المحدثين الذين تولوا الإِجابة عنها، وألفوا في أمثالها المؤلفات الكثيرة، منها: ١ - اختلاف الحديث للإِمام الشافعي.

стр. 330

٢ - تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (١). ٣ - مشكل الآثار للطحاوي (٢). ووضعوا لذلك الضوابط والقواعد لمعرفة التوفيق بين تلك النصوص وكيفية فهمها وتطبيقها، لا سيما المتعارض منها. وبيان ذلك أن الحديث المقبول إذا عارضه حديث ضعيف طرح الحديث الضعيف وحكم عليه بالإِنكار كما تقدم (٣). وأما إذا عارضه حديث من رواية الثقات، فإننا ننظر في طبيعة النصين وفي مدلوليهما، فإن وجد وجه للتوفيق والجمع بينهما عمل به، وتبين زوال التعارض، وإنه نشأ عن قلة التمعن. وكذلك إذا دل البحث على أن أحد النصين جاء بعد الآخر وحل محله، فلا تعارض هنا، لأن الشارع نسخ الحكم المتقدم بالحكم المتأخر، أما إذا لم يظهر هذا ولا ذاك، فإننا نأخذ بالراجح والأقوى، ويكون هو الصحيح ويسمى أيضا المحفوظ، ويكون المرجوح شاذا أو معلا وهو

стр. 331

مردود. وقد عنى العلماء ببيان أوجه الترجيح وأنواعها، وتقصوها بجزئياتها وكلياتها، حتى ذكر الحازمي في مقدمة كتابه "الاعتبار في معرفة الناسخ والمنسوخ من الآثار" خمسين وجها من أوجه الترجيح (١). وإليك الكلام على الأحاديث التي زعموا أن الحوادث الزمنية، والمشاهدة التجريبية دلت على أنها غير صحيحة. الحديث الأول: " لا يبقى على ظهر الأرض بعد مائة سنة نفس منفوسة". هذا حديث صحيح رواه البخاري، لكن بغير هذا اللفظ، فقد أخرجه عن ابن عمر في ثلاثة مواضع: ١ - في كتاب العلم بلفظ: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإِن رأس مائة سنة منها لا ييقى ممن هو على ظهر الأرض أحد" (٢). ٢ - في باب ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعا، باللفظ السابق إلا أن فيه "أرأيتم" بدل "أرأيتكم" (٣). ٣ - في كتاب مواقيت الصلاة باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء بلفظ: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإِن رأس مائة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد"، فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال النبي ﷺ : "لا يبقى ممن هو اليوم

стр. 332

على ظهر الأرض" يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن (١). كما أخرج الحديث أيضا مسلم والإِمام أحمد عن جابر بن عبد الله بلفظ: "تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله، أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة" (٢). ورواه الإِمام أحمد عن علي بلفظ: "لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف ممن هو حي اليوم. والله إن رجاء هذه الأمة بعد مائة عام" (٣). وهكذا نرى من خلال الروايات السابقة أن اللفظ الذي ساقه أحمد أمين ليس مما رواه البخاري ولا غيره، ثم إن أكثر الروايات في البخاري وغيره فيها التقييد بلفظ اليوم، وهو قيد مهم، يوضح مراد النبي ﷺ ، قال النووي: المراد أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواء قل أمرها قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة (٤). وقال الحافظ ابن حجر: وكذلك وقع بالاستقراء، فكان آخر من ضبط أمره ممن كان موجودا حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة (٥)، وقد

стр. 333

أجمع أهل الحديث على أنه كان آخر الصحابة موتا، وغاية ما قيل فيه أنه بقي إلى سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالة النبي ﷺ ، والله أعلم (١). وقال ابن بطال (٢): إنما أراد الرسول ﷺ أن هذه المدة تخترم الجيل الذي هم فيه، فوعظهم بقصر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأم ليجتهدوا في العبادة (٣). وقال الزركشي معقبًا على قولهم في أمارات الوضع: ومنها مخالفته لمقتضى العقل بحيث لا يقبل التأويل، قال: هذا إن لم يحتمل أن يكون سقط من المروي على بعض رواته ما تزول به المنافاة كحديث: "لا يبقى على ظهر الأرض بعد مائة سنة نفس منفوسة"، فإنه سقط على راويه لفظة "منكم" (٤). فليس في الحديث -إذا- مخالفة للواقع كما ادعوا، ولو كانوا ممن يريدون الحق لاستقصوا طرق الحديث، وظفروا بما يعينهم على الفهم الصحيح، وعدم التجني على السنة ورجالها.

стр. 334

الحديث الثاني: " من اصطبح كل يوم سبع تمرات من عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إِلى الليل". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في كتاب الطب بلفظ: "من اصطبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إِلى الليل" (١). وفي كتاب الأطعمة بلفظ: "من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر" (٢). وأحمد أمين في طعنه في هذا الحديث مسبوق، فقد قال المازري (٣): نفع التمر من السم لا يعقل معناه في حكم الطب، ولو قدر على أن يخرج له وجه من الطب لم يقدر على وجه تخصيص ذلك بالعجوة، ولا بعدد السبع، ولعل هذا كان لأهل زمنه أو لأكثرهم، إذ لم يثبت عندي استمرار وقوع الشفاء بذلك غالبا في زمننا، وإن وجد ذلك في زمننا في أكثر الناس حمل على أنه أراد وصف غالب الحال (٤).

стр. 335

وقد وجه القاضي عياض تخصيص العدد بالسبع قائلا: وأما التخصيص بهذا العدد فجاء في الشرع منه كثير، فجاء في هذا، وفي قوله: "صبوا عليه من سبع قرب" (١)، وفي غسل الإِناء من ولوغ الكلب سبعا (٢)، وفي قوله: ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الآية (٣). وهو مبالغة في كثرة عدد الأوتار والأشفاع، لأنه زاد على نصف العشرة، وفيه ثلاثة أشفاع، وأوتار أربعة، فجمع الوتر والشفع، كما أن السبعين مبالغة في كثرة العشرات في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ الآية (٤). كما أن السبعمائة مبالغة في كثرة المئين في قوله: "إلى سبعمائة ضعف" (٥)، وقد توضع السبع موضع التكثير، ولا يراد بها السبع حقيقة (٦). أما الإِمام النووي فقد رد هذين القولين -قول المازري والقاضي عياض- وأبطلهما، وأوصى بعدم الالتفات إليهما أو التعريج عليهما، وقال: إن تخصيص عدد السبع من الأمور التي علمها الشارع، ولا نعلم نحن حكمتها، فيجب الإِيمان بها واعتقاد فضلها والحكمة فيها، وهذا

стр. 336

كأعداد الصلوات، ونصب الزكاة وغيرها (١). وممن استشكل هذا الحديث من المعاصرين محمود أبو رية (٢)، لكن رد عليه الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة حيث يقول: لم يذكر لنا فيلسوفنا وجه استنكاره، الأجل أن في العجوة شفاء من السم؟ وليته علم أن من عفن الخبز استخرج البنسلين الذي هو خير علاج للجروح، ومن تراب المقابر استخرج السلفانا ميد ومشتقاتها خير علافي للتعفنات أيضا ... إلخ (٣). وللعلماء في هذا الحديث مسالك: فمنهم من جعل هذا الحديث خاصا بتمر المدينة عملا برواية مسلم: "من أكل سبع تمرات مما بين لا بتيها" (٤)، قالوا: ولا مانع أن يخص الله بلدا بميزة لا تكون في غيرها، لتأثير يكون في تلك الأرض، أو ذلك الهواء ببركة النبي ﷺ ، وببركة يده الكريمة، لأنه روي أنه ﷺ غرس العجوة بيده، وهذا مثل وضعه الجريدتين على قبور المعذبين في قبورهما (٥)، وكان ببركة وضعه لهما تخفيف العذاب عنهما ما لم ييبسا (٦).

стр. 337

ومنهم من قال: هذا عام في كل عجوة، لأن السموم إنما تقتل لإِفراط برودتها، فإن داوم على التصبح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة، وأعانتها الحرارة الغريزية، فقاوم ذلك برودة السم ما لم يستحكم (١). هذا وقد نشرت بعض البحوث العلمية التي تدل على أن البلح، ومنه العجوة فيه شفاء لكثير من الأمراض، ومن هذه الأبحاث مانشرته جريدة الأهرام تحت عنوان "البلح علاج لأمراض العيون والجلد والأنيميا والنزيف ولين العظام والبواسير، ويساعد على الولادة بسهولة" ثم قالت ما يلي: أثبتت الأبحاث العلمية التي أجريت أخيرا في المركز القومي للبحوث أن البلح غذاء كامل، ويفيد في وقاية الجسم وعلاجه من أمراض العيون وضعف البصر، وعلاج الأمراض الجلدية كالبلاجرا وأمراض الأنيميا وحالات النزيف ولين العظام والبواسير ويساعد المرأة الحامل على الولادة بسهولة (٢). فإذا ثبتت هذه الخواص للتمر، فهل جرب الأستاذ أحمد أمين أو سمع من جرب بأن شخصا داوم على تناول سبع تمرات من العجوة كل يوم على الريق ثم دس له سم فأثر عليه ذلك السم؟ إذا كان هو لم يجرب ولم يرو لنا أن غيره جرب، فمن أين وصل إلى هذه النتيجة، وهي قوله: دلت المشاهدة التجريبية على أنه غير صحيح؟ سبحان الله أي مشاهدة تجريبية هذه التي دلته على ذلك، وهو لم يبين لنا متى كانت، ومع من كانت،

стр. 338

وإنما ادعاها دعوى (١)!. الحديث الثالث: " الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم". هذا حديث صحيح أخرجه الترمذي (٢)، وأخرج جزأه الأول البخاري ومسلم وأحمد والترمذي (٣). ومع صحة سند هذا الحديث وجودته حيث لا يوجد فيه راو متهم ولا مجروح، فإن الكمأة مع ذلك جربت لأوجاع العين فوجدت نافعة لكثير من أمراضها، فهذا أبو هريرة يقول: أخذت ثلاثة أكمؤ أو خمسا أو سبعا فعصرتهن فجعلت ماءهن في قارورة فكحلت به جارية لي فبرأت (٤). وها هو النووي يرى أن بعض علماء زمانه كان قد عمي وذهب بصره، فاكتحل بماء الكمأة مجردا فشفي، وهو شيخ له صلاح ورواية للحديث، وهو الشيخ العدل الأيمن الكمال بن عبد -ضد الحر- الدمشقي (٥) (٦).

стр. 339

وقد بحثه الأطباء فاعترفوا بصحته، وقد نقل الذهبي إجماعهم على أن ماء الكمأة يجلو البصر (١). ونقل ابن القيم عن فضلاء الأطباء أن ماءها يجلو العين (٢). وقال داود (٣) في تذكرته: إن ماء الكمأة يجلو البياض كحلا (٤). قال الدكتور مصطفى السباعي (٥): فها أنت ترى أن العلماء لم يقصروا في التجربة، وأن الأطباء لم يقصروا في البحث، ومع ذلك فلم يرض مؤلف "فجر الإِسلام" إلا أن يأتي كل مسلم إلى كمية من الكمأة ثم

стр. 340

يعصرها ويقطر عينه بمائها، فإن أصابهم العمى جميعا كان الحديث مكذوبا، وإلا كان صحيحا .. ونحن نسأله؟ أن أبا هريرة والنووي والأطباء قديما جربوا الكمأة فوجدوها نافعة للعين، فهل قام هو بمثل هذه التجربة فأصابه مكروه؟ أم هل سمع أن أحدا فعل ذلك فأصابه مكروه؟ وهل استقرأ جميع جزئيات الكمأة على اختلاف أنواعها فوجدها تخالف الحديث؟ ولو سلمنا أنه قام بمثل هذه التجربة فلم تنجح، أليس لنا أن نسأله: هل تحققت أن الكمأة التي حللتها وقمت بتجربتها هي عين الكمأة التي تنبت في أرض الحجاز في عهد الرسول ﷺ ، والتي أخبر الحديث عن خاصيتها؟ وهل بلغ الطب اليوم نهايته حتى إذا خالف الحديث جاز لكم أن تحكموا بكذب الحديث ووضعه؟ (١). وأخيرا ليس بغريب أن تتعرض سنة رسول الله ﷺ والمصدر الثاني من مصادر التشريع الإِسلامي لهذه الحملة المسعورة والهجوم العنيف من أعداء الإِسلام فقد وجد هذا في عصر الرسالة المحمدية، والرسول ﷺ حي، فهذه قريش تنهى عبد الله بن عمرو بن العاص عن الكتابة معللة بأن الرسول ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسك عن الكتابة، وقد تولى الرسول ﷺ الإِجابة بنفسه عن هذه الشبهة قائلا لعبد الله بن عمرو: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إِلا حق" (٢). يعني: فمه. وهذا الإِمام الشافعي يذكر أن بعض من ينتسب إلى العلم ناقشه في مسألة السنة والاحتجاج بها زاعما أن القرآن يكفي مستدلا بقوله تعالى:

стр. 341

﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية (١). على أن القرآن قد حوى كل شيء فلسنا بحاجة إلى غيره. وقد أجاب الإِمام الشافعي عن هذه الشبهة: بإن الله تعالى قد نص على السنة في كتابه الكريم في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الآية (٢). والحكمة هي سنة رسول الله ﷺ ، وعلى هذا فالقرآن الكريم قد احتوى على سنته ﵊ حين نص على أنها جزء من التبليغ للرسالة. فإذا كان القرآن قد اشتمل على السنة؛ وجب علينا أن نأخذ بها؛ وألا نكون كمن آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ الآية (٣) إلخ (٤). وما زالت الاتهامات تتابع على السنة، والأقواس تسدد في نحرها على مر العصور حتى تسلم زمام حلبة هذا الصراع الملاحدة المتأخرون، ومن يسمون بالمستشرقين، ولا عجب أن يصدر منهم هذا، لأن قصدهم النيل من الإِسلام وتشكيك أهله فيه، لكن الأمر المستغرب أن ينزج في هذه الحلبة ثلة ممن يدعون الإِسلام فيقلدون أولئك المغرضين بلا بصيرة ولا تدبر ومن غير فهم لمراد أولئك.

стр. 342

المبحث الثاني حكم الرواية عن الضعفاء يجد المطالع لكتب السنة النبوية أن بعض هذه الكتب يورد أحاديث ضعيفة من غير بيان لضعفها غالبا، ويندر أن يذكر البعض درجة الحديث، لكن الكثير من العلماء يذكرونها بأسانيدها معتمدين على فهم القارئ ومقدرته على معرفة الصحيح من الضعيف، وتمييزه بين ما يحتج به وما لا يحتج به، وهم وإن كانوا معذورين بالنسبة لوقتهم ومعرفتهم بأهل زمانهم وثقتهم بهم، إلا أن المسلمين في الأوقات المتأخرة جلهم وغالبهم لا يحسن التصرف والبحث ليتوصل إلى الحكم على حديث ما بأنه صحيح أو ضعيف، حتى كثير ممن ينتسب إلى العلم منهم، وقد تنبه لذلك الإِمام مسلم ﵀ وشنع على رواة الأحاديث الضعيفة والمنكرة الذين يقذفون بها إلى العوام، وأوجب رواية ما عرفت صحته، حيث يقول ﵀ في مقدمة صحيحه: اعلم وفقك الله تعالى أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة (١) في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع، والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم دون ما خالفه قول الله جل ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ

стр. 343

فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (١). وقال جل ثناؤه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ الآية (٢). وقال : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية (٣). فدل بما ذكرنا من هذه الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة، والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه (٤) فقد يجتمعان في أعظم معانيهما إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم، ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق، وهو الأثر المشهور عن رسول الله ﷺ : "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (٥) (٦). ولئن كان هذا ما يراه الإِمام مسلم فإن جمهور العلماء من المحدثين وغيرهم أجازوا رواية ما سوى الموضوع، وما يقاربه من غير بيان ضعفه، وذلك شريطة أن تكون في غير العقائد من أسماء الله وصفاته، وأحكام الحرام والحلال كأن تروى في الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ ونحو ذلك (٧). قال ابن عبد البر: أهل العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل

стр. 344

فيروونها عن كل أحد، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام (١). وقد تقدم ترجيح ما يراه الإمام مسلم وغيره من التسوية بين الأحكام والفضائل، وأنه لا يقبل فيها الضعيف (٢). الجواب عن رواية كبار الأئمة عن الضعفاء: لعل قائلا يقول بعد أن قرأ تشنيع الإِمام مسلم على الرواة عن الضعفاء ومخرجي الأحاديث الضعيفة: ما الفائدة التي تعود على الأمة الإِسلامية من رواية هذه الأحاديث الضعيفة وتخريجها في أمهات كتب الحديث باستثناء الصحيحين؟ فالجواب: أن رواية الضعيف مع بيان ضعفه له فوائد عديدة، منها: ١ - أن أولئك الأئمة رووها ليعرفوها، وليبينوا ضعفها لئلا يلتبس عليهم في وقت آخر، أو على غيرهم، أو لئلا يتشكك أحد في صحتها. قال سفيان الثوري: إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه: حديث اكتبه أريد أن أتخذه دينا، وحديث رجل أكتبه فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به (٣). ٢ - أن الضعيف يكتب حديثه ليعتبر به أو يستشهد، كما في المتابعات، وإن لم يحتج به على انفراده، قال أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره، ومثل هذا بعبد الله بن لهيعة قاضي مصر (٤).

стр. 345

٣ - أن روايات الراوي الضعيف يكون فيها الصحيح والضعيف والباطل، فيكتبونها ثم يميز أهل الحديث والإِتقان بعض ذلك من بعض، وذلك سهل عليهم معروف عندهم، وبهذا احتج سفيان الثوري حين نهي عن الرواية عن الكلبي، فقيل له: أنت تروي عنه؟ فقال: أنا أعرف صدقه من كذبه. ٤ - أنهم قد يروون عن الضعفاء أحاديث الترغيب والترهيب، وفضائل الأعمال والقصص وأحاديث الزهد ومكارم الاخلاق ونحو ذلك مما لا يتعلق بالحلال والحرام وسائر الأحكام، وهذا الضرب من الحديث يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل فيه، ورواية ما سوى الموضوع منه والعمل به (١). وقد تقدم أن الراجح هو التسوية بين أحاديث الأحكام والفضائل (٢). قال الحاكم: ولعل قائلا يقول: وما الغرض في تخريج ما لا يصح سنده ويعدل رواته؟ الجواب في ذلك من أوجه، وهي: أن الجرح والتعديل يختلف فيهما، وربما عدل إمام وجرح غيره، وكذلك الإِرسال يختلف فيه، فمن الائمة الماضين كانوا يحدثون عن الثقات وغيرهم، فإذا سئلوا عنهم بينوا أحوالهم ... ثم قال: وللأئمة في ذلك غرض ظاهر، وهو أن يعرفوا الحديث من أين مخرجه، والمنفود به عدل أو مجروح ... إلخ (٣).

стр. 346

وليعلم أن هذا التساهل من بعضهم مع ذكر السند، أما إذا حذف السند فيجب على كل مسلم أن يراعي الدقة في رواية الحديث الضعيف، فلا يرويه بصيغة الجزم كقال رسول الله ﷺ بل بصيغة التمريض والتضعيف كروى عن رسول الله ﷺ كذا وكذا، أو بلغنا عنه كذا وكذا، أو ورد عنه، أو جاء عنه، أو روى بعضهم، وما أشبه ذلك، وهكذا الحكم فيما يشك في صحته وضعفه، وإنما يقال بصيغة الجزم فيما ظهرت صحته (١). ومراعاة الدقة في التعبير هي سمة المحدثين وصحيح البخاري خير شاهد لذلك، فنراه حينما يروي حديثًا بغير سند وهو صحيح يجزم بنسبته للرسول ﷺ . مثال ذلك: حديث: "كان النبي ﷺ يذكر الله في كل أحيانه" (٢). هكذا جزم البخاري بنسبة هذا العمل إلى الرسول ﷺ لصحة الحديث، فقد رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه موصولا (٣). وإذا علق حديثا وكان في نظره ضعيفا صدره بصيغة التمريض. ومثال ذلك: قول الإِمام البخاري في باب مكث الإِمام في مصلاه بعد السلام: ولذكر عن أبي هريرة رفعه: "لا يتطوع الإِمام فىِ مكانه"، ولم يصح (٤).

стр. 347

ومن شدة تحري الإمام البخاري الدقة في هذا المجال وخوفه من نسبة ما لم يقله الرسول ﷺ إليه نجده يسوق بعض الأحاديث الصحيحة مصدرة بصيغة التضعيف. ومثال ذلك: قوله: ويذكر عن عبد الله بن السائب (١): "قرأ النبي ﷺ (المؤمنون) في الصبح حتى إِذا جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع" (٢). وهو حديث صحيح وصله مسلم في صحيحه، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٣). فينبغي على طالب العلم الاقتداء بهؤلاء الأئمة في دقة التعبير والخوف من القول على الله ورسوله بغير علم، والله المستعان. تزييف ورع الموسوسين في المتفق على ضعفه: ليس من الورع اجتناب بعض الأفعال أو المأكولات أو غيرها خشية أن تكون محرمة أو مكروهة لمجرد ورود حديث متفق على ضعفه فيها، فإن هذا ليس من الورع أبدا، إنما هو وسواس مذموم قد يفضي بصاحبه إلى التزمت والتضييق على نفسه ومشادة الدين الذي أخبر النبي ﷺ أنه يسر،

стр. 348

ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه (١). ومثال ذلك: ترك الطيبات من الأطعمة لورود حديث: "احرموا أنفسكم طيب الطعام، فإنما قوى الشيطان أن يجري في العروق به". وهو حديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢)، ولو لم يكن فيه إلا مخالفة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣). لكان كافيا في رده. وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه: (باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات) (٤). قال الحافظ ابن حجر في شرحه: غرض المصنف هنا بيان ورع الموسوسين، كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان، ثم أفلت منه، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حلال أم حوام، وليس هناك علامة تدل على الثاني، وكمن يترك تناول الشيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه وعدم الاحتجاج به، ويكون دليل إباحته قويا، وتأويله ممتنع أو مستبعد (٥). وقد قسم الغزالي الورع إلى أقسام:

стр. 349

١ - ورع الصديقين: وهو ترك ما لا يتناول بغير نية القوة على العبادة. ٢ - ورع المتقين: وهو ترك ما لا شبهة فيه، ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام. ٣ - ورع الصالحين: وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين (١).

стр. 350

المبحث الثالث أضعف الأسانيد عرفنا -فيما سبق- في الباب الأول أن ضعف الحديث ينشأ من وجود أحد شيئين: ١ - سقط في إسناده. ٢ - أو طعن في أحد رواته. وأن ضمن هذين السببين أنواعا متفاوتة قوة وضعفا في توهين الحديث، لذا فإن مراتب الحديث الضعيف تتفاوت بحسب ذلك، فمنه الضعيف أيسر الضعف حتى يكاد يحكم بحسنه: ومنه الضعيف أشد الضعف حتى يقارب الموضوع، شأنه في ذلك شأن الحديث الصحيح الذي منه ما هو صحيح ومنه ما هو أصح. ونظرا لهذا التفاوت، فقد بحث العلماء ما يسمى بأضعف الأسانيد، ويراد منها: أضعف الأسانيد التي عن طريقها رويت أحاديث عن شخص معين مجتمعة، أو لاشتمال الترجمة على اثنين فأزيد من الضعفاء، لا أن كل فرد منها أضعف من غيره ممن روى عن ذلك الشخص، وإلا ففيهم من وثق، وفيهم من ضعفه محتمل، وفيهم الضعيف الهالك، كما سيتبين ذلك من خلال تراجمهم، وإليك تعدادها نقلا عن معرفة علوم الحديث للحاكم (١)، وتدريب الراوي للسيوطي (٢):

стр. 351

١ - أوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شمر (١) عن جابر الجعفي (٢) عن الحارث الأعور عن علي ﵁ (٣). ٢ - أوهى أسانيد الصديق: صدقة بن موسى الدقيقي (٤) عن فرقد السبخي (٥) عن مرة الطيب (٦)

стр. 352

عن أبي بكر الصديق (١). ٣ - أو هي أسانيد العمريين: محمد بن القاسم (٢) بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر عن أبيه (٣) عن جده (٤)، فإن محمدا والقاسم وعبد الله لم يحتج بهم. ٤ - أو هي أسانيد أبي هريرة:

стр. 353

السري بن إسماعيل (١) عن داود بن يزيد الأودي (٢) عن أبيه (٣) عن أبي هريرة. ٥ - أو هي أسانيد عائشة: نسخة عند البصريين عن الحارث بن شبل (٤) عن أم النعمان الكندية (٥) عن عائشة ﵂ (٦).

стр. 354

٦ - أو هي أسانيد عبد الله بن مسعود: شريك عن أبي فزارة (١) عن أبي زيد (٢) عن عبد الله (٣)، إلا أن أبا فزارة راشد بن كيسان كوفي ثقة. ٧ - أو هي أسانيد أنس بن مالك: داود بن المحبر بن قحذم (٤) عن أبيه (٥) عن أبان بن أبي عياش (٦) عن

стр. 355

أنس بن مالك. ٨ - أو هي أسانيد المكيين: عبد الله بن ميمون القداح (١) عن شهاب بن خراش (٢) عن إبراهيم بن يزيد الخوزي (٣) عن عكرمة عن ابن عباس (٤). ٩ - أو هي أسانيد اليمانيين:
следующие страницы →