← Книги сунны

Книги сунны · id 6446

الحجة في بيان المحجة

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (1 030 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَمن أهل أَصْبَهَان: أَبُو مَسْعُود الرَّازِيّ، ومُحَمَّد بْن عِيسَى الطرسوسي وَأحمد بْن مهْدي، وإِسماعيل بْن أسيد، ومُحَمَّد بْن الْعَبَّاس بْن خَالِد، ومُحَمَّد بْن الْعَبَّاس بْن أَيُّوب الأخرم، ومُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن مندة، جد أَبِي عَبْد اللَّهِ، وَأَبُو أَحْمَد الْعَسَّال، وَأَبُو عَليّ أَحْمَد بْن عُثْمَان الْأَبْهَرِيّ، وَأَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن مندة، فمذهبهم وَمذهب أهل السّنة جَمِيعًا أَن الْقُرْآن كَلَام اللَّه آيَة آيَة، وَكلمَة كلمة، وحرفا حرفا فِي جَمِيع أَحْوَاله، حَيْثُ قرئَ وَكتب وَسمع.

стр. 282

فصل فِي تثبيت خبر الْوَاحِد من قَول عُلَمَاء السّلف الدَّلِيل عَلَى ثُبُوت خبر الْوَاحِد قَوْله : ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم﴾ . والطائفة فِي كَلَام الْعَرَب تقع عَلَى الْوَاحِد، وَالْجَمَاعَة، يدل عَلَى أَن الطَّائِفَة يجوز أَن تكون وَاحِدًا فِي هَذِه الْآيَة، أَنه إِذَا نفر وَاحِد من كل قوم وَنَفر، وتفقه فِي الدّين، وَرجع إِليهم وَأَنْذرهُمْ وأعلمهم بِمَا فرض عَلَيْهِم، كَانَ عَلَيْهِم أَن يقبلُوا قَوْله وينتهوا إِلَى مَا يُخْبِرهُمْ بِهِ، وَلَا يجوز لَهُم أَن يردوا خَبره، لأَنَّ عَلَى الْعَاميّ أَن يقبل قَول الْعَالم.

стр. 283

١٨٨ - وَمن الدَّلِيل على قبُول خير الْوَاحِد: مَا روى عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ: " نضر الله امْرَءًا سمه مَقَالَتي فحفظها ووعاها وأداها ". فَلَمَّا ندب ﷺ َ - إِلَى اسْتِمَاع مقَالَته وحفظها وأدائها، وحث عَلَى ذَلِك وَخص رجلا وَاحِدًا، ودعا لمن أَدَّاهَا، دلّ عَلَى أَنه لَا يُؤَدِّي عَنهُ إِلا مَا يقوم بِهِ الْحجَّة عَلَى من أدّى إِلَيْهِ، وَيَقَع بِهِ الْعلم؛ لِأَنَّهُ إِنما يُؤدى عَنهُ حَلَال يُؤْتى، أَو حرَام يجْتَنب، أَو حد يُقَام، أَو نصيحة فِي دين أَو دنيا، أَو مَا أشبه ذَلِك. ١٨٩ - وَمِمَّا يدل عَلَى ذَلِك أَيْضا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " لَا أَلفَيْنِ أحدكُم مُتكئا عَلَى أريكته يَأْتِيهِ الْأَمر من أَمْرِي مِمَّا نهيت عَنهُ أَو أمرت بِهِ، فَيَقُول: لَا نَدْرِي مَا وجدنَا فِي كتاب اللَّه اتبعناه " فَفِي هَذَا دَلِيل على

стр. 284

أَن أمره ﷺ َ - إِذَا أخبر بِهِ وَاحِد ثِقَة، لزم اتِّبَاعه، وَوَقع الْعلم بِهِ، وَإِن لم يُوجد لَهُ فِي كتاب اللَّه نَص حكم . ١٩٠ - وَمن الدَّلِيل عَلَى ذَلِك أَيْضا: مَا رُوِيَ عَنِ ابْن عمر ﵁ أَنه قَالَ: بَيْنَمَا النَّاس بقبا فِي صَلَاة الصُّبْح، إِذ أَتَاهُم آتٍ فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ َ - قد أنزل عَلَيْهِ قُرْآن، وَأمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة فاستقبلوها، وَكَانَت وُجُوههم إِلَى الشَّام، فاستداروا إِلَى الْكَعْبَة. وَأهل قبَاء أهل سَابِقَة وَفقه وَعلم، وَقد كَانُوا عَلَى قبْلَة فرض اللَّه عَلَيْهِم استقبالهم، وَلم يكن لَهُم أَن يدعوا فرض اللَّه تَعَالَى فِي الْقبْلَة إِلا بِمَا بجب علمه وَالْعَمَل بِهِ، وَتقوم عَلَيْهِم بِهِ الْحجَّة، وَلم يسمعوا من رَسُول الله ﷺ َ - مَا أنزل اللَّه فِي تَحْويل الْقبْلَة فَيَكُونُوا مُسْتَقْبلين بِكِتَاب الله، وَإِنَّمَا انتقلوا بِخَبَر وَاحِد كَانَ عِنْدهم من أهل الصدْق عَن فرض كَانَ عَلَيْهِم وَلم يفعلوه إِلا عَن علم بِأَن الْخَبَر يثبت بِمثلِهِ، وَلَو كَانَ مَا قبلوه من خبر الْوَاحِد عَن رَسُول الله ﷺ َ - لَا يجوز لقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ َ -: قد كُنْتُم عَلَى قبْلَة، وَلم يكن لكم تَركهَا إِلَّا عَن علم يَقُول بِهِ عَلَيْكُم حجَّة من سماعكم مني، أَو أَكثر من خبر وَاحِد.

стр. 285

١٩١ - وَمِمَّا يدل عَلَيْهِ أَيْضا: مَا رُوِيَ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: " كنت أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَة بْن الْجراح، وَأَبا طَلْحَة الْأنْصَارِيّ، وَأبي بْن كَعْب شرابًا من فضيخ وتمر، فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِن الْخمر قد حرمت، فَقَالَ أَبُو طَلْحَة: قُم يَا أَنَس إِلَى هَذِه الجرار فاكسرها، قَالَ: فَقُمْت إِلَى مهراس لنا فضربتها بأسفله حَتَّى تَكَسَّرَتْ ". وَهَؤُلَاء فِي الْعلم وَالْمَكَان من النَّبِي ﷺ َ -، وَتقدم الصُّحْبَة بالموضع الَّذِي لَا بنكره عَالم، وَقد كَانَ الشَّرَاب عِنْدهم حَلَالا، فَجَاءَهُمْ آتٍ فَأخْبرهُم بِتَحْرِيم الْخمر، فقبلوا مِنْهُ وكسروا الجرار وأراقوا الْخمر، وَلم يقل أَنَس: وَلَا هم وَلَا وَاحِد مِنْهُم نَحن عَلَى تحليلها حَتَّى نلقى رَسُول الله ﷺ َ - مَعَ قربه منا، أَو يأتينا خبر عَامَّة، وَذَلِكَ أَنهم لَا يهرقون حَلَالا إِهراقه سرف. ١٩٢ - وَمِمَّا يدل عَلَيْهِ أَيْضا: مَا رُوِيَ عَن يزِيد بْن شَيبَان ﵁ (أَنه) قَالَ: كُنَّا فِي موقف لنا بِعَرَفَة، بعيد من الإِمام جدا، فَأَتَانَا ابْن مربع الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ لنا: أَنا رَسُول رَسُول اللَّه ﷺ َ - إِليكم يَأْمُركُمْ أَن تثبتوا عَلَى

стр. 286

مشعركم، فإِنكم عَلَى إِرث من إِرث أبيكم إِبْرَاهِيم ﵇، وَأَشْبَاه هَذِه الْأَخْبَار كَثِيرَة، كَخَبَر من أخبر عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَصْحَابه بِتَحْرِيم لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة، فقبلوه وكفؤوا الْقُدُور. وَمِمَّا يدل عَلَيْهِ أَيْضا: أَن النَّبِيّ فرق عمالا إِلَى عَشَائِرهمْ، وَأمرهمْ بأوامر قبلوها مِنْهُم وانتهوا إِلَيْهِ، وَعمِلُوا بهَا لعلمهم بِحَقِيقَة ذَلِك. وَبعث معَاذ بْن جبل ﵁ إِلَى الْيمن، وَأمره بأوامر قبلوها مِنْهُ. وَبعث ابْن أنيس سَرِيَّة وَحده، وَبعث أُمَرَاء سراياه، وَكلهمْ حَاكم فِيمَا بعث، مخبر بِمَا بعث، وَلم يرد أحد من المبعوثين إِليهم قَول الْأَمِير الْمَبْعُوث وَلَا خَبره، بل كَانُوا يقبلونه لعلمهم بصدقهم، وَوَقع الْحجَّة بذلك عَلَيْهِم. وإِذَا ثَبت مَا قُلْنَا فِي الْخَبَر الَّذِي يحدث بِهِ وَاحِد عَن وَاحِد حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى النَّبِي ﷺ َ - وَثَبت أَنه يعْمل بِهِ وَيثبت الْحجَّة بِهِ، لِأَن الَّذِي جَاءَ فَأخْبر أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - بتحويل الْقبْلَة، وَتَحْرِيم الشَّرَاب وَغير ذَلِك لما كَانَ

стр. 287

صَادِقا جعلُوا كَأَنَّهُمْ سمعُوا ذَلِك من النَّبِيّ ﷺ َ - لوُقُوع الصدْق فِي خَبره عِنْدهم حَقِيقَة. وَالْخَبَر إِذَا صَحَّ كَانَ كالمشاهدة، فَإِن قيل: أَخْبَار الْآحَاد كالشهادات، وَالشَّهَادَة لَا يجوز أَن يقطع عَلَى مغيبها بالإِجماع. قيل: الشَّهَادَة تخَالف أَدَاء الحَدِيث فِي مَوَاضِع، مِنْهَا أَنَّهَا لَا تقبل لِابْنِ الشَّاهِد، وَلَا لِأَبِيهِ وَأمه، وَلَيْسَ كَذَلِك الحَدِيث؛ لِأَنَّهُ إِذا حدث عَنِ ابْنه أَو أَبِيه أَو أمه يقبل حَدِيثه. وَلِأَن الْمُحدث لَا يتهم فِيمَن حدث عَنهُ أَنه يجر إِلَى نَفسه، أَو إِلَى من حدث عَنهُ مَنْفَعَة، وَالشَّهَادَة حِكَايَة الشَّاهِد، قَول نَفسه، وَمَا تقرر عِنْده، وتحديث الْمُحدث حِكَايَة عَن غَيره، فَهُوَ أَكثر بَرَاءَة مِمَّن يُؤَدِّي قَول نَفسه. فصل فِي إِعجاز الْقُرْآن قَالَ بعض الْعلمَاء: الْوُجُوه الَّتِي يعرف بهَا إِعجاز الْقُرْآن نقض الْعَادة المألوفة، وَنقض الْعَادة بِالْقُرْآنِ يعرف من وُجُوه:

стр. 288

مِنْهَا وُرُوده عَلَى مَرَاتِب البلاغة مَعَ ضيق مطالبه، وَحسن مصادره وموارده بِصدق الحكايات، وَتَحْقِيق الْمعَانِي، والإصابة فِي تسديد أوامراه وزواجره، وتحسين مواعظه وَأَمْثَاله. وَقد علم أَن فِي مُرَاعَاة الصدْق فِي الْحِكَايَة وَالتَّحْقِيق للمعاني حبسة للسان، وقيدا عَلَى الإِنسان يمنعهُ التَّوَسُّع فِي كثير مِمَّا يزين بِهِ كَلَامه. وَمِنْه إِعراض الْعَرَب عَن معارضته وانصرافهم عَن منازعته وهم الْعدَد الْكثير، والجم الْغَفِير مَعَ شدَّة حميتهم وَقُوَّة عصيبتهم، وتوفر فطنهم، وتمكنهم من أَنْوَاع البلاغة، واقتدارهم عَلَى وُجُوه الفصاحة مَعَ مَا وَقع بهم من التحدي البليغ وَشدَّة التقريع، فَلم يَكُونُوا ينصرفوا عَن هَذَا الْبَاب إِلا للعجز عَنِ الْوَفَاء بِهِ. وَمن ذَلِك حسن انتظامه بتشاكل سوره وكلماته، وتشابه فصوله وآياته فِي براعته وفصاحته، وعذوبة لَفظه ونصاعته مَعَ اخْتِلَاف موارده، وتباين جهاته ومقاصده.

стр. 289

وَمن ذَلِك الإِخبار عَنِ الغيوب، وإِظهار أسرار الْقُلُوب والإِنباء بِمَا كَانَ وَيكون، فتحقق الصدْق فِي أخباره، وَتبين الْوَفَاء بمواعيده. وَمن ذَلِك ظُهُوره عَلَى يَد من لم يعرف قطّ بدرس كتاب، وَلَا نظر فِي حِسَاب، وَلَا تعلم للعلوم وَلَا لأحكام النُّجُوم، وَلَا طلب للآثار وَالْأَخْبَار. قَالَ اللَّه : ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تخطه بيمينك إِذا لارتاب المبطلون﴾ فصل وَمن أعجاز الْقُرْآن الإِخبار بالمغيبات وَمِمَّا ورد فِي الْقُرْآن من الْأَخْبَار الصادقة عَنِ الغيوب، قَوْله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ فَقطع بِهَذَا الْخَبَر عَلَى غيبهم، وَأخْبر عَن عَاقِبَة أَمرهم، وَعَما يكون من انقطاعهم عَن معارضته والإتيان بِمثلِهِ، فَكَانَ كَمَا قَالَ. وَمن قَوْله : ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أدنى الأَرْض﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَهَذَا القَوْل فِي غَايَة مَا يكون من

стр. 290

تَأْكِيد الْوَعْد والتكفل بِالْوَفَاءِ بِهِ، وَمن كَانَ فِي مَحل الصدْق وَأمره مَبْنِيّ عَلَى تجنب الْكَذِب، وَالْخلف لم يَأْتِ بِمثل هَذَا القَوْل إِلا عَن ثِقَة وبصيرة. والقصة فِي غَلَبَة الرّوم لفارس عَلَى مَا بشر اللَّه بِهِ فِي هَذِه الْآيَة مَعْرُوفَة واستبشار الْمُؤمنِينَ وفرحهم بذلك مَعْلُوم، وَسَببه ظَاهر غير مَكْتُوم، وَهُوَ أَن الرّوم كَانُوا أهل كتاب وملكهم قَيْصر، أكْرم كتاب النَّبِي ﷺ َ -، وَكَانَت فَارس بِخِلَاف هَذِه الصُّورَة، وملكهم كسْرَى مزق كتاب النَّبِي ﷺ َ - فَدَعَا عَلَيْهِ بتمزيق ملكه فمزقه اللَّه وَلم تقم لَهُ قَائِمَة. وَمِنْه قَوْله : ﴿قل يَا أَيهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَالله عليم بالظالمين﴾ . فقد قطع عَلَيْهِم فِي هَذَا القَوْل أَنهم لَا يتمنونه أبدا، فَكَانَ كَذَلِك. وَفِي امتناعهم من تمني الْمَوْت دَلِيل عَلَى علمهمْ بصدقه، وإِلا فَأَي شَيْء أسهل من أَن يَقُول لَهُ: قد تمنينا الْمَوْت، وَمِمَّا يجْرِي هَذَا المجرى فِي الدّلَالَة عَلَى مغيب الْأُمُور. قَوْله " ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ من الْعلم﴾ إِلَى آخر الْآيَة. وَلَا يَقُول هَذَا القَوْل إِلا وَهُوَ واثق بهلاكهم إِن باهلوه، وَهَذِه الْآيَة وَارِدَة فِي قوم من النَّصَارَى لما صمموا على المعاندة والتكذيب دعاهم

стр. 291

النَّبِي ﷺ َ - بِأَمْر اللَّه إِلَى المباهلة بتحقيق اللَّعْنَة وتعجيل الْهَلَاك عَلَى الْكَاذِبين، فوعدوه ذَلِك ومضوا وَتَشَاوَرُوا فَقَالَ قَائِلهمْ: وَالله لَئِن باهلتموه ليضطر من الْوَادي عَلَيْكُم وَمضى رَسُول الله ﷺ َ - للوعد مَعَ أهل بَيته فأخلفوه الْموعد. ١٩٣ - فَقَالَ ﷺ َ -: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو باهلوا لَأَضْرَمَ اللَّه عَلَيْهِم الْوَادي نَارا ". وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إِلَى آخر السُّورَة، وَهَذِه بِشَارَة بِفَتْح مَكَّة، وعلو الْكَلِمَة وَظُهُور الدعْوَة، فأتاح الله هَذَا الْفَتْح لرَسُوله ﷺ َ - كَمَا وعده، وَدخل هُوَ وَأَصْحَابه مَكَّة، وَأظْهر اللَّه دَعوته فِي أقطار الأَرْض وتتابع النَّاس فِي الدُّخُول فِي دينه أَفْوَاجًا، وأظهره عَلَى الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ. وَمِنْه قَوْله فِي أَبِي لَهب: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَات لَهب﴾ فَأخْبر عَن عَاقِبَة أمره، فَكَانَ كَمَا قَالَ، وَمَات كَافِرًا. وَقَوله : (سَنُلْقِي فِي

стр. 292

قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب﴾ . فَفعل اللَّه ذَلِك، وَفرق جمعهم، وَألقى عَلَيْهِم الرعب، وَصدق وعده، وَنصر عَبده. وَقَالَ ﴿لقد صدقكُم الله وعده إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ﴾ . وَهَذَا القَوْل يدل دلَالَة بَيِّنَة عَلَى الْوَعْد بالظفر قبل وُقُوعه، وإِلا فَلَا معنى لِأَن يُقَال عِنْد الظفر: قد صدقتكم الْوَعْد بالظفر، وَهُوَ لم يكن قد وعدهم ذَلِك. وَمِنْه قَوْله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض﴾ الْآيَة. وَهَذَا وعد لأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - بالنصر والتمكين، فأنجزه اللَّه، وَأحسن فِيهِ الصنع، وَله الْحَمد. وَقَوله: سُبْحَانَهُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ الْآيَة. والوصول فِي لَيْلَة وَاحِدَة من مَكَّة إِلَى مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس من المعجزات، وَقد أخْبرهُم النَّبِي ﷺ َ - صَبِيحَة تِلْكَ اللَّيْلَة بِمَا شَاهده من الْآيَات والعلامات الَّتِي فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس من غير أَن كَانَ قد شَاهدهَا قبل ذَلِك قطّ وَأخْبرهمْ بِمَا شَاهد فِي سَفَره ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي ظهر لَهُم صدقه فِيهَا، مِنْهَا مَا أخبر بِهِ أَنه أَتَى عَلَى مَاء كَذَا، فَإِذَا عير بني فلَان قد أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُم وهم يطلبونه، وَأَنه انْتهى إِلَى عير بني فلَان وهم نيام، فَوجدَ لَهُم إِناء مغطى فَشرب مِنْهُ، وَأَن عير بني فلَان تطلع عَلَيْكُم

стр. 293

من التَّثْنِيَة يقدمهَا جمل أَوْرَق، فوجدوا الْأَمر فِي ذَلِك كُله كَمَا قَالَ. وَقد دلّ اللَّه بِهَذِهِ الْآيَات عَلَى مغيب الْأُمُور، وَأظْهر الْحجَّة فِيهَا لنَبيه ﷺ َ -. فصل وَمِمَّا يدل عَلَى أَن اللَّه تَعَالَى كلم آدم ﵇ قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْكُنْ أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ . ١٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَنا وَالِدِي، أَنا أَحْمد بن سُلَيْمَان ابْن أَيُّوبَ، نَا أَبُو زُرْعَةَ، نَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا الْحَارِث ابْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ َ -: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ عَطَسَ، فَأَذِنَ اللَّهُ بِحَمْدِهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: رَحِمَكَ رَبُّكَ ". بَيَان آخر: يدل عَلَى أَن اللَّه كلم الْمَلَائِكَة قبل خلق آدم ﵇. فَقَالَ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾

стр. 294

أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا أَحْمَدُ بن مُحَمَّد بن زِيَاد، نَا سَعْدَان ابْن نَصْرٍ الْمُخَرِّمِيُّ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَن بكير بن الْأَخْنَس، عَن مُجَاهِد ابْن جبر، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ويسفك الدِّمَاء﴾ فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: كَانَ فِيهَا أَحَدٌ قَبْلَ آدَمَ، قَالَ: نَعَمِ الْجِنُّ، بَنُو الْجَانِ. بَيَان آخر: يدل عَلَى أَن اللَّه لم يزل متكلما، أَن مُوسَى ﵇ سمع كَلَامه. قَالَ اللَّه : ﴿إِنِّي أَنا رَبك﴾ وَقَالَ اللَّه : ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رب الْعَالمين﴾ . وَقَالَ: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ ، وَقَالَ : ﴿وقربناه نجيا﴾ . ١٩٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو الطَّاهِرِ، نَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، نَا ابْنُ وَهْبٍ، نَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، عَن رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّ مُوسَى ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَرَاهُ اللَّهُ آدَمَ، فَقَالَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُونَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: الَّذِي نَفَخَ اللَّهُ فِيكَ مِنْ روحه، وعلمكم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، أَرَاهُ قَالَ: وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ وَخَلَقَكَ بِيَدِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ: قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: وَمَنْ

стр. 295

أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: (أَنْتَ) مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَنْتَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولا مِنْ خَلْقِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فِيمَ تَلُومُنِي عَلَى شَيْءٍ سَبَقَ الْقَضَاءُ فِيهِ قبلي؟ . قَالَ النَّبِي ﷺ َ -: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ". ذِكْرُ بَيَانٍ آخَرَ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالرِّضَا . ١٩٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، وَحَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأحمد بن عِيسَى اليروني قَالُوا: نَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَى إِلا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَيْسَرَ مِنْهُ فَلا يَرَى إِلا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلا يَرَى إِلا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ". بَيَانٌ آخَرُ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُ الْمَلائِكَةَ. ١٩٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ قَالا: نَا يُونُسُ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ

стр. 296

سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّارَةً فَضْلا يَلْتَمِسُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا أَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ جَلَسُوا فَأَظَلُّوهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَامُوا عَرَجُوا إِلَى رَبِّهِمْ فَيَقُولُ: وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ يُسَبِّحُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَسْتَجِيرُونَ بِكَ مِنْ عَذَابِكَ، وَيَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ : وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي وناري؟ فَيَقُولُونَ لَا. فَيَقُول: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهُمَا فَقَدْ أَجَرْتُهُمِ مِمَّا اسْتَجَارُوا، وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا. فَيُقَالُ: إِنَّ فِيهِمْ رَجُلا مَرَّ بِهِمْ وَقَعَدَ مَعَهُمْ فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، إِنَّهُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ". وَفِي رِوَايَةِ رَوْحٍ، عَنْ سُهَيْلٍ، فَيَقُولُونَ: " فِيهِمْ فُلانٌ عَبْدُكَ الْخَطَّاءُ، إِنَّمَا مَرَّ فَقَعَدَ، فَيَقُولُ: وَلَهُ قَدْ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ". وَفِي رِوَايَةِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، فَيَقُولُ: " مَلَكٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ: فِيهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ".

стр. 297

بَيَان آخر: يدل عَلَى أَن اللَّه تَعَالَى يكلم الشُّهَدَاء. قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا﴾ . ١٩٨ - وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - لجَابِر بْن عَبْد اللَّهِ: " إِن اللَّه أَحْيَا أَبَاك فَكَلمهُ كفاحا ". ١٩٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى وَعَبْدُ الله ابْن إِبْرَاهِيمَ قَالا: نَا أَبُو مَسْعُودٍ، أَنا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْن مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأَجْدَعِ، قَالَ: سَأَلَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا﴾ . فَقَالَ: أَمَا أَنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ يَعْنِي رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ: " إِنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ تَشَاءُ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ فَاطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطَّلاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا فَأَزِيدُكُمُوهُ؟ قَالُوا: وَمَا نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ أَنْ يَسْأَلُوا قَالُوا: تَرُدُّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا، فَنُقْتَلُ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا ". ٢٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو الطَّاهِرِ، نَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا

стр. 298

عُشَّانَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ َ - يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ لَيَدْعُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْجَنَّةَ فَتَأْتِي بِزُخْرُفِهَا وَزِينَتِهَا، فَيَقُولُ: أَيْنَ عِبَادِي الَّذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِي وَقُتِلُوا وَأُوذُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِي؟ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَيَدْخُلُونَهَا بِغَيْرِ عَذَابٍ وَلا حِسَابٍ، وَتَأْتِي الْمَلائِكَةُ فَيَسْجُدُونَ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آثَرْتَهُمْ عَلَيْنَا؟ فَيَقُولُ الرَّبُّ: " هَؤُلاءِ عِبَادِي الَّذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِي، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ مِنْ كل بَاب سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ. الآيَةَ ". فصل فِي إِعجاز الْقُرْآن بأسلوبه وَمن إِعجاز الْقُرْآن صَنِيعه بالقلوب وتأثيره فِي النُّفُوس، فإِنك لَا تسمع كلَاما غير الْقُرْآن منظوما وَلَا منثورا، إِذَا قرع السّمع خلص لَهُ إِلَى الْقلب من اللَّذَّة والحلاوة فِي حَال، وَمن الروعة والمهابة فِي أُخْرَى مَا يخلص مِنْهُ، إِلَيْهِ تستبشر بِهِ النُّفُوس وتنشرح لَهُ الصُّدُور حَتَّى إِذَا أخذت حظها مِنْهُ عَادَتْ مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشاها الْخَوْف وَالْفرق تقشعر مِنْهُ

стр. 299

الْجُلُود وتنزعج لَهُ الْقُلُوب، يحول بَين النَّفس وَبَين مضمراتها وعقائدها الراسخة فِيهَا، فكم من عَدو لرَسُول الله ﷺ َ - من رجال الْعَرَب وفتاكها أَقبلُوا إِلَيْهِ يُرِيدُونَ اغتياله وَقَتله فَسَمِعُوا آيَات من الْقُرْآن فَلم يَلْبَثُوا حِين وَقعت فِي مسامعهم أَن يَتَحَوَّلُوا عَن رَأْيهمْ الأول، وَأَن يركنوا إِلَى مسالمته ويدخلوا فِي دينه، وَصَارَت عدواتهم مُوالَاة وكفرهم إِيمانا. خرج عمر بْن الْخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من بَيته يكيد رَسُول اللَّه عَامِدًا لقَتله، فَصَارَ إِلَى دَار أُخْته وَهِي تقْرَأ سُورَة " طه " فَلَمَّا وَقع فِي سَمعه لم يلبث أَن آمن. وَبعث مَلأ قُرَيْش عتبَة بْن ربيعَة إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - ليوافقه عَلَى أُمُور أَرْسلُوهُ بهَا، فَقَرَأَ (عَلَيْهِ) رَسُول الله ﷺ َ - آيَات من (حم) السَّجْدَة، فَلَمَّا أقبل عتبَة وأبصره الْمَلأ من قُرَيْش قَالُوا: قد أقبل أَبُو الْوَلِيد بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي ذهب بِهِ. وَلما قَرَأَ رَسُول الله ﷺ َ - الْقُرْآن فِي الْمَوْسِم على النَّفر الَّذين حَضَرُوهُ من الْأَنْصَار آمنُوا بِهِ وعادوا إِلَى الْمَدِينَة فأظهروا الدّين بهَا، فَلم يبْق بَيت من بيُوت الْأَنْصَار إِلا وَفِيه قُرْآن. ٢٠١ - وَفِي الْأَثر: فتحت الْأَمْصَار بِالسَّيْفِ، وَفتحت الْمَدِينَة بِالْقُرْآنِ.

стр. 300

وَلما سمعته الْجِنّ لم تتمالك أَن قَالَت: ﴿إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا عجبا يهدي إِلَى الرشد فأمنا بِهِ﴾ . ومصداق مَا وصفناه فِي قَول اللَّه : ﴿لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ . وَفِي قَوْله: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . وَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ . وَقَالَ: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ . وَقَالَ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا من الْحق﴾ . وَفِي آيَات كَثِيرَة وَذَلِكَ لمن ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ ، وَذَلِكَ من عَظِيم آيَاته وَدَلِيل إِعجازه. فصل أخبرنَا الإِمام أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ ﵀: سُؤال من أهل الْكَلَام.

стр. 301

قَالُوا: إِن قَوْلكُم إِن السّلف من الصَّحَابَة ﵁ وَالتَّابِعِينَ - رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِم - لم يشتغلوا بإِيراد دَلَائِل الْعقل وَالرُّجُوع إِلَيْهِ فِي علم الدّين وعدوا هَذَا النمط من الْكَلَام بِدعَة، وكما أَنهم لم يشتغلوا بِهَذَا، كَذَلِك لم يشتغلوا بِالِاجْتِهَادِ فِي الْفُرُوع، وَطلب أَحْكَام الْحَوَادِث، وَلم يرو عَنْهُم شَيْء من هَذِه المقايسات والآراء والعلل الَّتِي وَضعهَا الْفُقَهَاء فِيمَا بَينهم، وَإِنَّمَا ظهر هَذَا بعد أَتبَاع التَّابِعين، وَقد استحسنه جَمِيع الْأمة ودونوه فِي كتبهمْ، فَلَا يُنكر أَن يكون علم الْكَلَام عَلَى ذَلِك. وَقد ٢٠٢ - قَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد اللَّه حسن وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ قبيحا فَهُوَ عِنْد اللَّه قَبِيح ". وَهَذَا مِمَّا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ مستحسن عِنْد اللَّه، والبدعة عَلَى وَجْهَيْن: بِدعَة قبيحة وبدعة حَسَنَة .

стр. 302

قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الْقَصَص بِدعَة ونعمت الْبِدْعَة، كم من أَخ مُسْتَفَاد، ودعوة مستجابة، وسؤال معطى. وَعَن بَعضهم: أَنه سُئِلَ عَنِ الدُّعَاء عِنْد ختم الْقُرْآن، كَمَا يَفْعَله النَّاس الْيَوْم، قَالَ: بِدعَة حَسَنَة، وَكَيف لَا يكون هَذَا النَّوْع من الْعلم حسنا وَهُوَ يتَضَمَّن الرَّد عَلَى الْمُلْحِدِينَ والزنادقة والقائلين بقدم الْعَالم، وَكَذَلِكَ أهل (سَائِر) الْأَهْوَاء من هَذِه الْأمة، وَلَوْلَا النّظر وَالِاعْتِبَار مَا عرف الْحق من الْبَاطِل، وَالْحسن من الْقَبِيح، وَبِهَذَا الْعلم انزاحت الشُّبْهَة عَن قُلُوب أهل الزيغ، وَثَبت قدم الْيَقِين للموحدين، وإِذَا منعتم أَدِلَّة الْعُقُول فَمَا الَّذِي

стр. 303

تعتقدون فِي صِحَة أصُول دينكُمْ، وَمن أَي طَرِيق تتوصلون إِلَى معرفَة حقائقها. وَقد علم الْكل أَن الْكتاب لم يعلم حَقه، وَالنَّبِيّ لم يثبت صدقه إِلا بأدلة الْعُقُول، وَقد نفيتم ذَلِك، وإِذَا ذهب الدَّلِيل لم يبْق الْمَدْلُول أَيْضا، وَفِي هَذَا الْكَلَام هدم الدّين وَرَفعه ونقضه. الْجَواب: وَالله الْمُوفق أَنا قد دللنا فِيمَا سبق بِالْكتاب النَّاطِق من اللَّه وَمن قَول النَّبِي ﷺ َ -، وَمن أَقْوَال الصَّحَابَة ﵃: أَنا أمرنَا بالاتباع وندبنا إِلَيْهِ، ونهينا عَنِ الابتداع، وزجرنا عَنهُ. وشعار أهل السّنة اتباعهم السّلف الصَّالح، وتركهم كل مَا هُوَ مُبْتَدع مُحدث. وَقد روينَا عَن سلفنا أَنهم نهوا عَن هَذَا النَّوْع من الْعلم، وَهُوَ علم الْكَلَام، وزجروا عَنهُ، وعدوا ذَلِك ذَرِيعَة للبدع والأهواء. ٢٠٣ - وَحمل بَعضهم قَوْله: " اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من علم لَا ينفع " عَلَى هَذَا. ٢٠٤ - وَكَذَلِكَ قَوْله: " وَإِن من الْعلم لجهلا ".

стр. 304

فَأَما قَوْلهم: إِن السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لم ينْقل عَنْهُم أَنهم اشتغلوا بِالِاجْتِهَادِ فِي الْفُرُوع. فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَنه لم ينْقل عَنْهُم النَّهْي عَن ذَلِك، والزجر عَنهُ، بل من تدبر اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي الْمسَائِل واحتجاجهم فِي ذَلِك عرف أَنهم كَانُوا يرَوْنَ الْقيَاس وَالِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع. وَقد روى أهل الحَدِيث وَالنَّقْل عَنْهُم ذَلِك، واحتجاج بَعضهم عَلَى بعض، وَطلب الْأَشْبَاه، ورد الْفُرُوع إِلَى الْأُصُول. وَأما من كره ذَلِك فَيحْتَمل أَنه إِنما كره ذَلِك إِذَا كَانَ مَعَ وجود النَّص من الْكتاب وَالسّنة.

стр. 305

وَأما الْكَلَام فِي أَمر الدّين وَمَا يرجع إِلَى الِاعْتِقَاد من طَرِيق الْمَعْقُول فَلم ينْقل عَن أحد مِنْهُم، بل عدوه من الْبدع والمحدثات، وزجروا عَنهُ غَايَة الزّجر ونهوا عَنهُ. وَجَوَاب آخر: أَن الْحَوَادِث للنَّاس، والفتاوى فِي الْمُعَامَلَات لَيْسَ لَهَا حصر وَنِهَايَة، وبالناس إِلَيْهِ حَاجَة عَامَّة، فَلَو لم يجز الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع وَطلب الْأَشْبَه بِالنّظرِ وَالِاعْتِبَار، ورد الْمَسْكُوت عَنهُ إِلَى الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بالأقيسة، لتعطلت الْأَحْكَام، وفسدت عَلَى النَّاس أُمُورهم، والتبس أَمر الْمُعَامَلَات على النَّاس، ولابد للعامي من مفتي، وإِذَا لم يجد حكم الْحَادِثَة فِي الْكتاب وَالسّنة فَلَا بُد من الرُّجُوع إِلَى المستنبطات مِنْهُمَا، فَوسعَ اللَّه من هَذَا الْأَمر عَلَى الْأمة، وَجوز الِاجْتِهَاد، ورد الْفُرُوع إِلَى الْأُصُول لهَذَا النَّوْع من الضَّرُورَة، وَمثل هَذَا لَا يُوجد فِي المعتقدات؛ لأَنَّهَا محصورة مَعْدُودَة، قد وَردت النُّصُوص فِيهَا من الْكتاب وَالسّنة. فَإِن اللَّه أَمر فِي كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُوله باعتقاد أَشْيَاء مَعْلُومَة لَا مزِيد عَلَيْهَا وَلَا نُقْصَان عَنْهَا، وَقد أكملها بقوله: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ فَإِذَا كَانَ قد أكمله وأتمه، وَهَذَا الْمُسلم قد اعْتقد وَسكن إِلَيْهِ، وَوجد قَرَار الْقلب (عَلَيْهِ) ، فبماذا يحْتَاج إِلَى الرُّجُوع إِلَى دَلَائِل الْعُقُول وقضاياها، وَالله أغناه عَنهُ بفضله، وَجعل لَهُ المندوحة عَنهُ لم يدْخل فِي أَمر يدْخل عَلَيْهِ من

стр. 306

الشُّبْهَة والإِشكالات، ويوقعه فِي المهالك بِالرُّجُوعِ إِلَى الخواطر والمعقولات وَاتِّبَاع الآراء فِي قديم الدَّهْر وَحَدِيثه، وَهل نجا من نجا إِلا بِاتِّبَاع سنَن الْمُرْسلين، وَالْأَئِمَّة الهادية من الأسلاف الْمُتَقَدِّمين، وَإِذا كَانَ هَذَا النَّوْع من الْعلم لطلب زِيَادَة فِي الدّين، فَهَل تكون الزِّيَادَة بعد الْكَمَال إِلا نُقْصَانا، مثل زِيَادَة الْأَعْضَاء والأصابع فِي الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ فليتق امْرُؤ ربه، وَلَا يدخلن فِي دينه مَا لَيْسَ مِنْهُ، وليتمسك بآثار السّلف وَالْأَئِمَّة المرضية، وليكونن عَلَى هديهم وطريقهم، وليعض عَلَيْهَا بنواجذه، وَلَا يوقعن نَفسه فِي مهلكة يضل فِيهَا الدّين، وَيشْتَبه عَليّ الْحق، وَالله حسيب أَئِمَّة الضلال الداعين إِلَى النَّار، وَيَوْم الْقِيَامَة لَا ينْصرُونَ ". فصل يدل عَلَى أَن اللَّه كلم ملك الْمَوْت، ويكلمه إِذَا شَاءَ، وكلم الرَّحِم لما خلقه ٢٠٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَنا أَبِي، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بن إِبْرَاهِيم الْمقري، أَنا أَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ، نَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ، نَا عَمِّي سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ أَبُو الْحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ فَضَلَ مِنْ طِينِهِ فَخَلَقَ مِنْهُ الرَّحِمَ فَقَامَتْ

стр. 307

فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ، فَقَالَ: أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم﴾ ". ٢٠٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الظَّهْرَانِيُّ، أَنا أَبُو عبد الله بن مندة، أَنا أَحْمد ابْن عمر وَأَبُو الطَّاهِرِ، نَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، نَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو ابْن دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ َ - يَقُولُ: " يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَمَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَاذَا أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ : وَيَكْتُبَانِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: وَيَكْتُبَانِ، يَعْنِي ثُمَّ يَقُولُ رِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَأَثَرَهُ وَمُصِيبَتَهُ، ثُمَّ تُطْوَى لَهُ الصُّحُفُ، فَلا يُزَادُ فِيهَا وَلا يُنْقَصُ ". ٢٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتُ، نَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو يَزِيدَ، نَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، نَا حَمْدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " يُؤْتَى بِأَنْعَمِ النَّاسِ كَانَ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: اصْبُغُوهُ صَبْغَةً فِي النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ أَصَبْتَ نَعِيمًا قَطُّ؟ هَلْ أَصَبْتَ قُرَّةَ عَيْنٍ؟ هَلْ رَأَيْتَ سُرُورًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا. وَعِزَّتِكَ مَا رَأَيْتُ خَيْرًا وَلا سُرُورًا وَلا قُرَّةَ عَيْنٍ قَطُّ. فَيُقَالُ: رُدُّوهُ ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ كَانَ بَلاءً فِي الدُّنْيَا وَجَهْدًا. فَيَقُولُ: اصْبُغُوهُ صَبْغَةً فِي الْجنَّة، فَيَقُول: يَا بن آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا. يَا رب ".

стр. 308

فصل فِي أَن الْقُرْآن الْمَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف هُوَ حَقِيقَة كَلَام اللَّه قَالَ أَصْحَاب الحَدِيث وَأهل السّنة: إِن الْقُرْآن الْمَكْتُوب الْمَوْجُود فِي الْمَصَاحِف، وَالْمَحْفُوظ الْمَوْجُود فِي الْقُلُوب، وَهُوَ حَقِيقَة كَلَام اللَّه بِخِلَاف مَا زعم قوم أَنه عبارَة عَن حَقِيقَة الْكَلَام الْقَائِم بِذَات اللَّه وَدلَالَة عَلَيْهِ، وَالَّذِي هُوَ فِي الْمَصَاحِف مُحدث وحروف مخلوقة. وَمذهب عُلَمَاء السّنة وفقهائهم أَنه الَّذِي تكلم اللَّه بِهِ، وسَمعه جِبْرِيل من الله، وَأدّى جِبْرِيل إِلَى النَّبِي ﷺ َ -، وتحدى بِهِ النَّبِي ﷺ َ -، وَجعله اللَّه دلَالَة عَلَى صدق نبوته ومعجزة، وَأدّى النَّبِي ﷺ َ - إِلَى الصَّحَابَة رضوَان اللَّه عَلَيْهِم حسب مَا سَمعه من جِبْرِيل ﵇، وَنَقله السّلف إِلَى الْخلف قرنا بعد قرن، وَالدَّلِيل عَلَى أَن الْقُرْآن مَوْجُود فِي الْمَصَاحِف نهي النَّبِيّ ﷺ َ - أَن يُسَافر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو مَخَافَة أَن ينالوه، فَلَو كَانَ مَا فِي الْمُصحف هُوَ الزاج والكاغد فَحسب، لم ينْه النَّبِيّ ﷺ َ - أَن يُسَافر بِهِ إِلَى أَرض الْعَدو، لأَنَّ

стр. 309

الزاج والكاغد لَا حُرْمَة لَهُ، فيتحرز من أَن يَنَالهُ الْعَدو، فَعلم أَن فِي الْمُصحف شَيْئا مَوْجُودا زَائِدا عَلَى الزاج والكاغد لَهُ حُرْمَة فَنهى عَنِ المسافرة. ٢٠٨ - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أَنا أَبُو سَعِيدٍ النَّقَّاشُ، نَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، نَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ، نَا إِسْمَاعِيل بن عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ َ - أَن يُسَافر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو مَخَافَة أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ. وَمن الدَّلِيل عَلَى ذَلِك أَيْضا: نهى النَّبِي ﷺ َ - الْجنب وَالْحَائِض عَن قِرَاءَته. ٢٠٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ الْحَسَنَابَاذِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَخْلَدٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ، نَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ﵁، عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه قَالَ: " لَا يقر الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ ".

стр. 310

وَمن الدَّلِيل أَيْضا: نَهْيه ﷺ َ - الْمُحدث عَن مَسّه . ٢١٠ - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو الْحسن بن عبد كويه، نَا الطَّبَرَانِيُّ، نَا إِسْحَاقُ الدَّيْرِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي بكر ابْن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِي كتاب النَّبِي ﷺ َ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلا عَلَى طُهْرٍ ". فصل قَالَ الْخطابِيّ: عصمنا اللَّه وإِياك من الْأَهْوَاء المضلة، والآراء المغوية، والفتن المحيرة، ورزقنا وإِياك الثَّبَات عَلَى السّنة والتمسك بهَا، وَلُزُوم الطَّرِيقَة المستقيمة الَّتِي درج عَلَيْهَا السّلف، وانتهجها بعدهمْ صَالحُوا الْخلف، وجنبنا وإِياك مداحض الْبدع، وبنيات طرقها العادلة عَن نهج الْحق وَسَوَاء

стр. 311

الْوَاضِحَة، وأعاذنا وإِياك عَن حيرة الْجَهْل وتعاطي الْبَاطِل، وَالْقَوْل بِمَا لَيْسَ لنا بِهِ علم، وَالدُّخُول فِيمَا لَا يعنينا والتكلف لما قد كفينا الْخَوْض فِيهِ، ونهينا عَنهُ، ونفعنا وإِياك بِمَا علمنَا، وَجعله سَببا لنجاتنا، وَلَا جعله وبالا علينا برحمته. وقفت عَلَى مَقَالَتك، وَمَا وَصفته من أَمر ناحيتك، وَظُهُور مَا ظهر بهَا من مقالات أهل الْكَلَام، وخوض الخائضين فِيهَا، وميل بعض منتحلي السّنة إِليها واغترارهم بهَا، واعتذارهم فِي ذَلِك بِأَن الْكَلَام وقاية للسّنة، وجنة لَهَا يذب بِهِ عَنْهَا، ويذاد بسلاحه عَن حريمها، وفهمت مَا ذكرت من ضيق صدرك بمجالستهم، وَتعذر الْأَمر عَلَيْك فِي مفارقتهم، لأَنَّ موقفك بَين أَن تسلم لَهُم مَا يَدعُونَهُ من ذَلِك فتقبله، وَبَين أَن تقابلهم عَلَى مَا يزعمونه فَتَردهُ وتنكره، وكلا الْأَمريْنِ يصعب عَلَيْك، أما الْقبُول فَلِأَن الدّين يمنعك مِنْهُ، وَدَلَائِل الْكتاب وَالسّنة تحول بَيْنك وَبَينه، وَأما الرَّد والمقابلة فلأنهم يطالبونك بأدلة الْعُقُول، ويؤاخذونك بقوانين الجدل، وَلَا يقنعون مِنْك بظواهر الْأُمُور، وَسَأَلتنِي أَن أمدك بِمَا يحضرني فِي نصْرَة الْحق من علم وَبَيَان، وَفِي رد مقَالَة أُولَئِكَ من حجَّة وبرهان، وَأَن أسلك فِي ذَلِك طَريقَة لَا يُمكنهُم ردهَا، وَلَا يسوغ لَهُم من جِهَة الْمَعْقُول إِنكارها، فَرَأَيْت إِسعافك بِهِ لَازِما فِي حق الدّين، وواجب النَّصِيحَة لجَماعَة الْمُسلمين، وَأَنا أسأَل اللَّه أَن يوفق لما ضمنت لَك مِنْهُ، وَأَن يعْصم من الزلل فِيهِ، وَاعْلَم يَا أخي أَن هَذِه الْفِتْنَة قد عَمت الْيَوْم، وشملت وشاعت فِي الْبِلَاد واستفاضت، وَلَا يكَاد يسلم من رهج غبارها إِلا من عصمه اللَّه، وَذَلِكَ مصداق قَول رَسُول الله ﷺ َ -.

стр. 312

٢١١ - " إِن الدّين بَدَأَ غَرِيبا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فطوبى للغرباء ". قَالَ: فَنحْن الْيَوْم فِي ذَلِك الزَّمَان وَبَين أَهله، فَلَا تنكر مَا تشاهده مِنْهُ، وسل اللَّه الْعَافِيَة من الْبلَاء، واحمده عَلَى مَا وهب لَك من السَّلامَة ثُمَّ إِنِّي تدبرت هَذَا الشَّأْن فَوجدت عظم السَّبَب فِيهِ أَن الشَّيْطَان صَار بلطيف حيلته يسول لكل من أحس من نَفسه بِفضل ذكاء وذهن، يُوهِمهُ أَنه إِن رَضِي فِي عمله ومذهبه بِظَاهِر من السّنة، وَاقْتصر عَلَى وَاضح بَيَان مِنْهَا كَانَ أُسْوَة الْعَامَّة، وعد وَاحِدًا من الْجُمْهُور والكافة، فحركهم بذلك عَلَى التنطع فِي النّظر، والتبدع بمخالفة السّنة والأثر، ليبينوا بذلك عَن طبقَة الدهماء، ويتميزوا فِي الرُّتْبَة عَمَّن يرونه دونهم فِي الْفَهم والذكاء، واختدعهم بِهَذِهِ الْمُقدمَة حَتَّى استزلهم عَن وَاضح المحجة، وأورطهم فِي شُبُهَات تعلقوا بزخارفها، وتاهوا فِي حقائقها، وَلم يخلصموا مِنْهَا إِلَى شِفَاء نفس، وَلَا قبلوها بِيَقِين علم، وَلما رَأَوْا كتاب اللَّه تَعَالَى ينْطق بِخِلَاف مَا انتحلوه، وَيشْهد عَلَيْهِم بباطل مَا اعتقدوه، ضربوا بعض آيَاته بِبَعْض وتأولوها عَلَى مَا سنح لَهُم فِي عُقُولهمْ، واستوى عِنْدهم عَلَى مَا وضعوه من أصولهم، ونصبوا الْعَدَاوَة لأخبار رَسُول الله ﷺ َ - ولسننه المأثورة عَنهُ، وردوها عَلَى وجوهها وأساءوا فِي نقلتها القالة، ووجهوا عَلَيْهِم الظنون، ورموهم بالتزيد، ونسبوهم إِلَى ضعف الْمِنَّة، وَسُوء الْمعرفَة بمعاني مَا يَرْوُونَهُ من الحَدِيث، وَالْجهل بتأويله، وَلَو سلكوا سَبِيل الْقَصْد ووقفوا عِنْدَمَا انْتهى بهم التَّوْقِيف ، لوجدوا برد الْيَقِين وروح

стр. 313

الْقُلُوب، ولكثرت الْبركَة وتضاعف النَّمَاء، وانشرحت الصُّدُور، ولأضاءت فِيهَا مصابيح النُّور، وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم. وَاعْلَم أَن الْأَئِمَّة الماضين وَالسَّلَف الْمُتَقَدِّمين لم يتْركُوا هَذَا النمط من الْكَلَام، وَهَذَا النَّوْع من النّظر عَجزا عَنهُ وَلَا انْقِطَاعًا دونه، وَقد كَانُوا ذَوي عقول وافرة، وأفهام ثاقبة. وَكَانَ فِي زمانهم هَذِه الشّبَه والآراء، وَهَذِه النَّحْل والأهواء، وَإِنَّمَا تركُوا هَذِه الطَّرِيقَة، وأضربوا عَنْهَا لما تخوفوه من فتنتها، وَحَذرُوهُ من سوء مغبتها، وَقد كَانُوا عَلَى بَيِّنَة من أَمرهم، وعَلى بَصِيرَة من دينهم لما هدَاهُم اللَّه بِهِ من توفيقه، وَشرح بِهِ صُدُورهمْ من نور مَعْرفَته، وَرَأَوا أَن فِيمَا عِنْدهم من علم الْكتاب وحكمته، وتوقيف السّنة وبيانها غنى ومندوحة عَمَّا سواهُمَا، وَأَن الْحجَّة قد وَقعت بهما، وَالْعلَّة أزيحت بمكانهما، فَلَمَّا تَأَخّر الزَّمَان بأهلة وفترت عزائمهم فِي طلب حقائق عُلُوم الْكتاب وَالسّنة، وَقلت عنايتهم بهَا، واعترضهم الْمُلْحِدُونَ بشبههم، والمتحذلقون بجدلهم، حسبوا أَنهم إِن لم يردوهم عَن أنفسهم بِهَذَا النمط من الْكَلَام، وَلم يدافعوهم بِهَذَا النَّوْع من الجدل لم يقووا وَلم يظهروا فِي الْحجَّاج عَلَيْهِم، فَكَانَ ذَلِك ضلة من الرَّأْي، وغبنا فِيهِ وخدعة من الشَّيْطَان وَالله الْمُسْتَعَان.

стр. 314

فَإِن قَالَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم، فإِنكم قد أنكرتم الْكَلَام، ومنعتم اسْتِعْمَال أَدِلَّة الْعُقُول، فَمَا الَّذِي تعتمدون فِي صِحَة أصُول دينكُمْ، وَمن أَي طَرِيق تتوصلون إِلَى معرفَة حقائقها، وَقد عَلَّمْتهمْ أَن الْكتاب لم يعلم حَقه، وَالنَّبِيّ لم يثبت صدقه إِلا بأدلة الْعُقُول، وَأَنْتُم قد نفيتموها. قُلْنَا: أَنا لَا ننكر أَدِلَّة الْعُقُول، والتوصل بهَا إِلَى المعارف، وَلَكنَّا لَا نَذْهَب فِي اسْتِعْمَالهَا إِلَى الطَّرِيقَة الَّتِي سلكتموها فِي الِاسْتِدْلَال بالأعراض، وتعلقها بالجواهر وانقلابها فِيهَا عَلَى حُدُوث الْعَالم، وإِثبات الصَّانِع، ونرغب عَنْهَا إِلَى مَا هُوَ أوضح بَيَانا، وَأَصَح برهانا، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء أخذتموه عَنِ الفلاسفة، وَإِنَّمَا سلكت الفلاسفة هَذِه الطَّرِيقَة، لأَنهم لَا يسثبتون النبوات، وَلَا يرَوْنَ لَهَا حَقِيقَة، فَكَانَ أقوى شَيْء عِنْدهم فِي الدّلَالَة عَلَى إِثبات هَذِه الْأُمُور مَا تعلقوا بِهِ من الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْأَشْيَاء. فَأَما مثبتوا النبوات فقد أغناهم اللَّه عَن ذَلِك، وكفاهم كلفة الْمُؤْنَة فِي ركُوب هَذِه الطَّرِيقَة المعوجة الَّتِي لَا يُؤمن الْعَنَت عَلَى راكبها، والإِبداع والانقطاع عَلَى سالكها. وَبَيَان مَا ذهب إِلَيْهِ السّلف من أَئِمَّة الْمُسلمين رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِم فِي الِاسْتِدْلَال عَلَى معرفَة الصَّانِع، وإِثبات توحيده وَصِفَاته، وَسَائِر مَا ادّعى أهل

стр. 315

الْكَلَام أَنه لَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلا من الْوَجْه الَّذِي يزعمونه، هُوَ أَن اللَّه سُبْحَانَهُ لما أَرَادَ إِكرام من هداه لمعرفته بعث رَسُول مُحَمَّدًا ﷺ َ - إِليهم بشيرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى اللَّه بإِذنه وسراجاً منيراً، وَقَالَ لَهُ: ﴿يَا أَيهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ . وَقَالَ ﷺ َ - فِي خطْبَة الْوَدَاع (و) فِي مقامات لَهُ شَتَّى، وبحضرته عَامَّة أَصْحَابه رضوَان اللَّه عَلَيْهِم: أَلا هَل بلغت، وَكَانَ مَا أنزل اللَّه وَأمر بتبليغه هُوَ كَمَال الدّين وَتَمَامه لقَوْله: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ . فَلم يتْرك ﷺ َ - شَيْئا من أُمُور الدّين، قَوَاعِده وأصوله وشرائعه وفصوله إِلا بَينه، وبلغه عَلَى كَمَاله وَتَمَامه، وَلم يُؤَخر بَيَانه عَن وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ، إِذ لَا خلاف بَين فرق الْأمة أَن تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة لَا يجوز بِحَال. وَمَعْلُوم أَن أَمر التَّوْحِيد وإِثبات الصَّانِع لَا تَبْرَح فيهمَا الْحَاجة راهنة أبدا فِي كل وَقت وزمان، وَلَو أخر فيهمَا الْبَيَان لَكَانَ قد كلفهم مَا لَا سَبِيل لَهُم إِلَيْهِ. وإِذَا كَانَ الْأَمر عَلَى مَا قُلْنَا فقد علمنَا أَن النَّبِي ﷺ َ - لم يدعهم فِي هَذِه الْأُمُور إِلَى الِاسْتِدْلَال بالأعراض، وتعلقها بالجواهر، وانقلابها إِذ لَا يُمكن أحدا من النَّاس أَن يروي فِي ذَلِك عَنهُ، وَلَا عَن وَاحِد من أَصْحَابه من هَذَا

стр. 316

النمط حرفا وَاحِدًا فَمَا فَوْقه، لَا من طَرِيق تَوَاتر وَلَا آحَاد علم أَنهم قد ذَهَبُوا خلاف مَذَاهِب هَؤُلَاءِ وسلكوا غير طريقتهم. فصل ذكر الْآيَات الدَّالَّة عَلَى وحدانية اللَّه تَعَالَى وَأَنه خَالق الْخلق خلق آدم من تُرَاب، وَخلق مِنْهَا زَوجهَا حَوَّاء. قَالَ اللَّه منبها عباده عَلَى وحدانيته وربوبيته وبديع صَنعته. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثمَّ إِذا أَنْتُم بشر تنتشرون﴾ ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ . وَقَالَ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنفخ فِيهِ من روحه﴾ . الْآيَة

стр. 317

ثمَّ أخبر بتفرده بِخلق الْأَشْيَاء كلهَا من غير معِين ووزير. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أنفسهم﴾ وَقَالَ " ﴿أشهدوا خلقهمْ﴾ . ٢١٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَنا وَالِدِي، أَنا عبد الرَّحْمَن ابْن يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ قَالُوا: نَا يُونُسُ، نَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوب ابْن يَحْيَى، نَا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " لَمَّا صَوَّرَ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يَطِيفُ بِهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَلِمَ أَنَّهُ خَلْقٌ لَا يَتَمَالَكُ ". ٢١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الرَّازِيُّ، وَعَبْدُوسُ بْنُ الْحُسَيْنِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَأَبُو عَمْرٍو وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالُوا: نَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، نَا هِشَام

стр. 318

ابْن حَسَّانَ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، نَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ أَرَأَيْتَ السَّاعَةَ الَّتِي ذكرهَا رَسُول الله ﷺ َ - فِي الْجُمُعَةِ؟ . هَلْ ذَكَرَ لَكُمْ مِنْهَا؟ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، خَلَقَهُ مِنْ أَدِيمِ الأَرْضِ كُلِّهَا فَسُمِّيَ آدَمَ. أَلا تَرَى أَنَّ مِنْ وَلَدِهِ الأَسْوَدَ وَالأَحْمَرَ وَالْخَبِيثَ وَالطَّيِّبَ، ثُمَّ عَهِدَ إِلَيْهِ فنسي فَسُمي الْإِنْسَان، فبالله إِن غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: خَلَقَهُ مِنْ أَدِيمِ الأَرْضِ كُلِّهَا، أَحْمَرِهَا وَأَسْوَدِهَا خَبِيثِهَا وَطَيِّبِهَا. ٢١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا خَيْثَمَةُ بن سُلَيْمَان، نَا أَبُو يحيى ابْن أَبِي مَسَرَّةَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّ الْمَرَأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ ". ٢١٥ - وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ انْتَزَعَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلاعِهِ فَخَلَقَ مِنْهُ حَوَّاءَ ". ٢١٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَنَامَ آدَمُ ﵇ فِي الْجَنَّةِ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ ضِلْعِهِ فَسَأَلَهَا مَا أَنْتِ؟ قَالَتِ: امْرَأَةٌ. قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: تَسْكُنُ إِلَيَّ، فَقَالَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ يَنْظُرُونَ مَا بَلَغَ

стр. 319

عِلْمُهُ: وَمَا اسْمُهَا يَا آدَمُ؟ قَالَ: حَوَّاءُ. قَالُوا: لِمَا سُمِّيَتْ حَوَّاءَ؟ قَالَ: لأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ حَيٍّ. ذكر آيَة أُخْرَى: تدل عَلَى وحدانية اللَّه تَعَالَى من انْتِقَال الْخلق من حَال إِلَى حَال. قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ ، وَقَالَ : ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُوم فقدرنا فَنعم القادرون﴾ . وَقَالَ : ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ من أَي شَيْء خلقه﴾ إِلَى قَوْله: ﴿مَتَاعا لكم ولأنعامكم﴾ . وَقَالَ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نبتليه فجعلناه سميعاً بَصيرًا﴾ . ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يحيى الْمَوْتَى﴾ . وَقَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحن الْخَالِقُونَ﴾ .

стр. 320

بَيَان ذَلِك من الْأَثر. ٢١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَاد، وَمُحَمّد ابْن يَعْقُوبَ قَالا: نَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، بن أَيُّوب، نَا أَبُو زرْعَة ابْن عَمْرٍو، نَا عَمْرُو بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، نَا أَبِي قَالا: نَا الأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ ابْن وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: حَدثنَا رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيَقُولُ: اكْتُبْ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلا ذِرَاعٌ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي قَدْ سَبَقَ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ (فَيَدْخُلُ النَّارَ) ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي قَدْ سَبَقَ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". ذكر آيَة أُخْرَى: تدل عَلَى وحدانية الْخَالِق، وَأَنه مخرج النُّطْفَة إِلَى الرَّحِم. قَالَ اللَّه : ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والترائب﴾ . وَقَالَ: ﴿ونقر فِي الْأَرْحَام﴾ .
следующие страницы →