Полный текст (1 030 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
النمط حرفا وَاحِدًا فَمَا فَوْقه، لَا من طَرِيق تَوَاتر وَلَا آحَاد علم أَنهم قد ذَهَبُوا خلاف مَذَاهِب هَؤُلَاءِ وسلكوا غير طريقتهم.
فصل
ذكر الْآيَات الدَّالَّة عَلَى وحدانية اللَّه تَعَالَى وَأَنه خَالق الْخلق
خلق آدم من تُرَاب، وَخلق مِنْهَا زَوجهَا حَوَّاء. قَالَ اللَّه منبها عباده عَلَى وحدانيته وربوبيته وبديع صَنعته. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثمَّ إِذا أَنْتُم بشر تنتشرون﴾ ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ . وَقَالَ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنفخ فِيهِ من روحه﴾ . الْآيَة
стр. 317
ثمَّ أخبر بتفرده بِخلق الْأَشْيَاء كلهَا من غير معِين ووزير. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أنفسهم﴾ وَقَالَ " ﴿أشهدوا خلقهمْ﴾ .
٢١٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَنا وَالِدِي، أَنا عبد الرَّحْمَن ابْن يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ قَالُوا: نَا يُونُسُ، نَا أَبُو دَاوُدَ،
قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوب ابْن يَحْيَى، نَا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " لَمَّا صَوَّرَ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يَطِيفُ بِهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَلِمَ أَنَّهُ خَلْقٌ لَا يَتَمَالَكُ ".
٢١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الرَّازِيُّ، وَعَبْدُوسُ بْنُ الْحُسَيْنِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَأَبُو عَمْرٍو وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالُوا: نَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، نَا هِشَام
стр. 318
ابْن حَسَّانَ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، نَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ أَرَأَيْتَ السَّاعَةَ الَّتِي ذكرهَا رَسُول الله ﷺ َ - فِي الْجُمُعَةِ؟ . هَلْ ذَكَرَ لَكُمْ مِنْهَا؟ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، خَلَقَهُ مِنْ أَدِيمِ الأَرْضِ كُلِّهَا فَسُمِّيَ آدَمَ. أَلا تَرَى أَنَّ مِنْ وَلَدِهِ الأَسْوَدَ وَالأَحْمَرَ وَالْخَبِيثَ وَالطَّيِّبَ، ثُمَّ عَهِدَ إِلَيْهِ فنسي فَسُمي الْإِنْسَان، فبالله إِن غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ.
وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: خَلَقَهُ مِنْ أَدِيمِ الأَرْضِ كُلِّهَا، أَحْمَرِهَا وَأَسْوَدِهَا خَبِيثِهَا وَطَيِّبِهَا.
٢١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا خَيْثَمَةُ بن سُلَيْمَان، نَا أَبُو يحيى ابْن أَبِي مَسَرَّةَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّ الْمَرَأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ ".
٢١٥ - وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ انْتَزَعَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلاعِهِ فَخَلَقَ مِنْهُ حَوَّاءَ ".
٢١٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَنَامَ آدَمُ ﵇ فِي الْجَنَّةِ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ ضِلْعِهِ فَسَأَلَهَا مَا أَنْتِ؟ قَالَتِ: امْرَأَةٌ. قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: تَسْكُنُ إِلَيَّ، فَقَالَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ يَنْظُرُونَ مَا بَلَغَ
стр. 319
عِلْمُهُ: وَمَا اسْمُهَا يَا آدَمُ؟ قَالَ: حَوَّاءُ. قَالُوا: لِمَا سُمِّيَتْ حَوَّاءَ؟ قَالَ: لأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ حَيٍّ.
ذكر آيَة أُخْرَى: تدل عَلَى وحدانية اللَّه تَعَالَى من انْتِقَال الْخلق من حَال إِلَى حَال. قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ ، وَقَالَ : ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُوم فقدرنا فَنعم القادرون﴾ . وَقَالَ : ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ من أَي شَيْء خلقه﴾ إِلَى قَوْله: ﴿مَتَاعا لكم ولأنعامكم﴾ . وَقَالَ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نبتليه فجعلناه سميعاً بَصيرًا﴾ . ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يحيى الْمَوْتَى﴾ . وَقَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحن الْخَالِقُونَ﴾ .
стр. 320
بَيَان ذَلِك من الْأَثر.
٢١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَاد، وَمُحَمّد ابْن يَعْقُوبَ قَالا: نَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، بن أَيُّوب، نَا أَبُو زرْعَة ابْن عَمْرٍو، نَا عَمْرُو بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، نَا أَبِي قَالا: نَا الأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ ابْن وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: حَدثنَا رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيَقُولُ: اكْتُبْ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلا ذِرَاعٌ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي قَدْ سَبَقَ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ (فَيَدْخُلُ النَّارَ) ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي قَدْ سَبَقَ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ".
ذكر آيَة أُخْرَى: تدل عَلَى وحدانية الْخَالِق، وَأَنه مخرج النُّطْفَة إِلَى الرَّحِم. قَالَ اللَّه : ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والترائب﴾ . وَقَالَ: ﴿ونقر فِي الْأَرْحَام﴾ .
стр. 321
بَيَان ذَلِك فِي الْأَثر:
٢١٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، نَا أَبُو ثَوْبَةَ.
قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَرْقَنْدِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، نَا أَحْمد بن الْمُعَلَّى ابْن يَزِيدَ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالُوا: نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلامٍ أَخْبَرَنِي أَخِي زَيْدُ بْنُ سَلامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلامٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ الله ﷺ َ - قَالَ: كنت قَاعِدا عِنْد رَسُول الله ﷺ َ - فَأَتَاهُ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. قَالَ: فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً حَتَّى صَرَعْتُهُ فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي، فَقُلْتُ: أَلا تَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنِّي سَمَّيْتُهُ بِالاسْمِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ َ -: أَجَلْ، إِنَّ أَهْلِي سَمَّوْنِي مُحَمَّدًا فَقَالَ جِئْتُكَ لأَسْأَلَكَ عَنْ وَاحِدَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلانٍ، قَالَ: هَلْ يَنْفَعُكَ إِنْ أَخْبَرْتُكَ؟ فَقَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنِي، فَقَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ؟ قَالَ. مِنْ أَيْنَ يَكُونُ شبه الْوَلَد فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: أَمَّا مَاءُ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ، فَإِذَا عَلا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِنْ عَلا مَاءَ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ آنَثَ أَوْ قَالَ: أَنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ قَالَ: فَقَالَ: صَدَقْتَ وَأَنْتَ نَبِيٌّ. قَالَ ثمَّ ذهب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: لَقَدْ سَأَلَنِي حِينَ سَأَلَنِي وَمَا عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ حَتَّى أَنْبَأَنِي اللَّهُ تَعَالَى .
стр. 322
٢١٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ عَبْدَ الله بن سَلام سَأَلَ النَّبِي ﷺ َ - عَنِ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ ﵇ آنِفًا فَقَالَ: إِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ نَزَعَهُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَهَا. قَوْلُهُ: نَزَعَهُ أَيْ أَشْبَهَهُ .
٢٢٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، نَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، نَا أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ أَخُو قَتَادَةَ بْنِ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالك بن الْحُوَيْرِث اللَّيْثِيّ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ خَلْقَ عَبْدٍ، فَجَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرَأَةَ طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عُضْوٍ وَعِرْقٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلُّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ " فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ ".
٢٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو، نَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، نَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ الرَّحَبِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ جحاش قَالَ: بَصق رَسُول الله ﷺ َ - فِي كَفِّهِ، ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِصْبَعَهُ السَّبَّابَةَ، ثُمَّ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّى تُعْجِزُنِي يَا ابْنَ آدَمَ، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ، وَلِلأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، ثُمَّ جَمَعْتَ وَمَنَعْتَ
стр. 323
حَتَّى إِذا بلغت نَفسك على هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ.
قَوْلُهُ: وَئِيدٌ، أَيْ صَوْتٌ كَالأَطِيطِ، أَيْ مِنْ ثِقَلِ مَشْيِكَ عَلَيْهَا مُتَكَبِّرًا.
٢٢٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، نَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَانَ إِذَا خَطَبَنَا يَذْكُرُ ابْنَ آدَمَ وَيَذْكُرُ بَدْءَ خَلْقِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، ثُمَّ يَقَعُ فِي الرَّحِمِ نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَيَتَلَوَّثُ فِي بَوْلِهِ وَخُرْئِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَتَبَّعُ هَذَا حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيُقَذِّرُ نَفْسَهُ.
٢٢٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَنا وَالِدِي، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، نَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ شَقِيقٍ، نَا الْحُسَيْن ابْن وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " فِي الْإِنْسَان ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ مَفْصَلا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصَلٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةً ".
٢٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حمدَان، نَا مُحَمَّد ابْن أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ، نَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلامٍ، عَنْ أَبِي سَلامٍ الْحَبَشِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ أَنَّهُ سمع
стр. 324
عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ َ - قَالَ: " خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ على سِتِّينَ وثلاثمائة مَفْصَلٍ فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَ اللَّهَ وَاسْتَغَفْرَ اللَّهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ عَزَلَ شَوْكَةً عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عدد السِّتين والثلاثمائة السُّلامَى، فَإِنَّهُ يَمْشِي وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ ".
ذكر آيَة أُخْرَى: تدل عَلَى وحدانية الله تَعَالَى، وَأَنه مُقَلِّب الْقُلُوب، يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه إِلَى مَا يُرِيد من السَّعَادَة والشقاوة. قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾ . وَقَالَ: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ . قَالَ عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس ﵁: يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه، يحول بَين الْمُؤمن وَبَين أَن يكفر، وَبَين الْكَافِر وَبَين أَن يُؤمن.
وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا، أَنه قَالَ: يحول بَين الْكَافِر وَبَين أَن يعي بَابا من الْخَيْر أَو يُعلمهُ. وَقَالَ مُجَاهِد: يتْركهُ حَتَّى لَا يعقل.
٢٢٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَعْقُوبَ الْبَغْدَادِيُّ، بِمِصْرَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن الْمُبَارك، نَا الفضيل
стр. 325
ابْن سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ".
ذكر آيَة (أُخْرَى) : تدل عَلَى وحدانية الْخَالِق، وَأَن الْأَرْوَاح بِيَدِهِ فِي حَال الْمَوْت والحياة، وَالنَّوْم والانتباه. قَالَ اللَّه : مخبرا عَن قدرته عَلَى ذَلِك: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تمت فِي منامها﴾ . الْآيَة .
بَيَان ذَلِك من الْأَثر:
٢٢٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ، نَا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو، نَا أَبُو الْيَمَانِ، نَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ (بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ حَدَّثَهُ أَن
стр. 326
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ حَدثهُ أَن النَّبِي ﷺ َ - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ فَقَالَ: أَلا تُصَلُّونَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ إِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ َ - حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ يَضْرِبُ فَخِذَهُ يَقُول: وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلاً.
٢٢٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا أَحْمَدُ بن مُحَمَّد بن زِيَاد، نَا الْحسن، ابْن أَحْمَدَ بْنِ حَيُّونَ، نَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لِبِلالٍ: اكْلأْ لَنَا اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ نَامُوا حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: يَا بِلالُ، فَقَالَ بِلالُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ.
ذكر آيَة (أُخْرَى) تدل عَلَى وحدانية الْخَالِق، وَأَنه المبدئ خلقه بِلَا مِثَال، والمعيد لَهَا بعد فنائها. قَالَ اللَّه : مخبرا عَن قدرته عَلَى إِحياء خلقه بعد مَوْتهمْ وفنائهم بعد أَن يصيروا رميما ورفاتا: ﴿أَلَمْ يَك نُطْفَة من منى يمنى﴾ إِلَى قَوْله ﴿الْمَوْتَى﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿الْعَلِيم﴾ .
стр. 327
(و) قَالَ : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدهُ وَهُوَ أَهْون﴾ .
٢٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ، أَنا وَالِدِي، أَنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا يُونُسُ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النَّبِي
قَالَ: " قَالَ اللَّهُ كَذَّبَنِي عَبْدِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي، وَشَتَمَنِي وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَالَّذِي بَدَأَنِي، وَلَيْسَ آخِرُ الْخَلْقِ أَهْوَنُ عَلَيَّ أَنْ أُعِيدَهُ مِنْ أَوَّلِهِ، فَقَدْ كَذَّبَنِي أَنْ قَالَ هَذَا، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَيَقُولُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ، وَلَمْ أُولَدْ ".
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نَا أَبُو الْيَمَانِ، نَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - يَعْنِي قَالَ اللَّهُ : " كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤًا أَحَدٌ ".
стр. 328
فصل
فِيمَا ذكر فِي اللفظية
أَخْبَرَنَا عبد الْغفار بْن أشتة، أَنا أَبُو بكر بْن أَبِي نصر، (نَا أَبُو الشَّيْخ) ، نَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن الْحسن، نَا مُحَمَّد بْن مَسْعُود الطوسوسي قَالَ: سَمِعت الْحسن ابْن الصَّباح الْبَزَّار قَالَ: سَمِعت أَحْمَد بْن حَنْبَل يَقُول: افْتَرَقت الْجَهْمِية عَلَى ثَلَاث فرق فرقة قَالَت: بالخالق، وَفرْقَة قَالَت: بالمخلوق، وَفرْقَة قَالَت: لفظنا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق، وشرها من قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخ، نَا أَحْمَد بْن عَليّ بْن الْجَارُود قَالَ: سَمِعت أَبَا حَاتِم. وَقيل لَهُ: إِن قوما يَقُولُونَ اللَّفْظ غير الملفوظ، وَالْقِرَاءَة غير المقروء، فَقَالَ: أُولَئِكَ الْجَهْمِية، اللَّفْظ والملفوظ، وَالْقِرَاءَة والمقروء وَاحِد، وَهُوَ غير مَخْلُوق.
стр. 329
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخ قَالَ: سَمِعت أَحْمَد بْن عَليّ بْن الْجَارُود قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْأَشَج، وَهُوَ يَقُول: قد أَحْدَثُوا فِي الْقُرْآن شَيْئا الْقُرْآن كَلَام اللَّه غير مَخْلُوق، ولفظنا بِهِ غير مَخْلُوق، وَهُوَ بلفظنا غير مَخْلُوق، وَهُوَ فِي صدورنا غير مَخْلُوق، وَالَّذِي نتلوه فِي محاريينا غير مَخْلُوق، فاجتنوا أهل الْبدع وَأهل الزيغ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخ قَالَ: سَمِعت أَبَا يَحْيَى الرَّازِيّ قَالَ: سَمِعت أَبَا مَسْعُود أَحْمَد بْن الْفُرَات يَقُول: من قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق، يُرِيد أَن يحتال فِي الْقُرْآن بِشَيْء من الْأَشْيَاء أَو بِوَجْه من الْوُجُوه مِمَّا يَدْعُو ذَلِك إِلَى أَن يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق فَهُوَ جهمي خَبِيث.
قَالَ أَبُو الشَّيْخ: حكى بعض أهل الْعلم فِي حَدِيث سعيد بْن جُبَير، عَنِ ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ:
٢٢٩ - انْطلق رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى سوق عكاظ، وَقد حيل بَين الشَّيَاطِين وَبَين خبر السَّمَاء، وَأرْسلت عَلَيْهِم الشهب فَرَجَعت الشَّيَاطِين فَقَالُوا: حيل بَيْننَا وَبَين خبر السَّمَاء، فتوجهوا نَحْو تهَامَة إِلَى رَسُول الله ﷺ َ -
стр. 330
وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا سمعُوا الْقُرْآن اسْتَمعُوا الْقُرْآن فَقَالُوا: هَذَا وَالله الَّذِي حَال بَيْنكُم وَبَين خبر السَّمَاء، فهنالكم حِين رجعُوا إِلَى قَومهمْ فَقَالُوا: يَا قَومنَا أَنا سمعنَا قُرْآنًا عجبا، فَأنْزل اللَّه عَلَى نبيه ﷺ َ - ﴿قل أُوحِي إِلَيّ﴾ . فَهَذَا هُوَ الأَصْل فِي أَن اللَّفْظ بِالْقُرْآنِ هُوَ الْقُرْآن لِأَن الْجِنّ إِنما سمعُوا لفظ النَّبِيّ ﷺ َ - وقراءته وتلاوته وَقَالُوا: أَنا سمعنَا قُرْآنًا عجبا.
٢٣٠ - وَقيل فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ َ -: قيل يَا رَسُولَ اللَّهِ إِن أمتك ستفتتن من بعْدك. قَالُوا: وَمَا الْمخْرج من ذَلِك؟ فَذكر الحَدِيث وَقَالَ: وَهُوَ الْفَصْل لَيْسَ بِالْهَزْلِ، وَهُوَ الَّذِي سمعته الْجِنّ فَلم تناه أَن قَالُوا: ﴿إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا عجبا يهدي إِلَى الرشد﴾ . لَا يخلق عَلَى كَثْرَة الرَّد وَلَا تَنْقَضِي عجائبه " إِنَّمَا سمعُوا قِرَاءَة النَّبِي ﷺ َ - فَقَالُوا سمعنَا قُرْآنًا عجبا. يهدي إِلَى الرشد.
٢٣١ - وَفِي حَدِيث عَاصِم، عَن زر، عَن عَبْد اللَّهِ فَلَمَّا سَمِعُوهُ قَالُوا: أَنْصتُوا، وَكَانُوا سَبْعَة: أحدهم زَوْبَعَة أخبر أَنه كَانَ يقْرَأ الْقُرْآن، وَلَو لم
стр. 331
بِلَفْظ بِهِ مَا سمعُوا قِرَاءَته، فَلَمَّا سمعُوا قِرَاءَته قَالُوا: أَنْصتُوا، وَلم يقل يَسْتَمِعُون حِكَايَة عَنِ الْقُرْآن، وَلَا قَالَ فِيمَا سمعُوا حِكَايَة الْقُرْآن، وَلَكِن بَين تَعَالَى وتبارك أَن لفظ نبيه بِالْقُرْآنِ هُوَ الْقُرْآن وقراءته لِلْقُرْآنِ هُوَ الْقُرْآن، وَكَلَامه بِالْقُرْآنِ إِنما هُوَ كَلَام اللَّه .
فصل فِي الواقفة
أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عبد الْغفار، أَنا أَبُو بكر بْن أَبِي نصر، نَا أَبُو الشَّيْخ، نَا عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن يَعْقُوب قَالَ: سَمِعت سُلَيْمَان بْن الْأَشْعَث يَقُول: سَمِعت أَحْمَد بْن حَنْبَل سُئِلَ هَل لَهُ رخصَة أَن يَقُول الْقُرْآن كَلَام اللَّه، ثُمَّ يسكت قَالَ: وَلم يسكت؟ لَوْلَا مَا وَقع النَّاس فِيهِ، كَانَ يَسعهُ السُّكُوت، وَلَكِن حَيْثُ تكلمُوا لأي شَيْء لَا تتكلمون.
وَقَالَ أَبُو كريب: الْقُرْآن كَلَام اللَّه غير مَخْلُوق. وَمن قَالَ: هُوَ مَخْلُوق، أَو وقف فِيهِ جهمي.
стр. 332
وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة، ووكيع: من قَالَ هُوَ مَخْلُوق فَهُوَ جهمي، وَمن وقف فِيهِ فَهُوَ مثله، وَمن قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَهُوَ شَرّ الثَّلَاثَة.
وَقَالَ مُحَمَّد بْن أَبِي بكر الزبيرِي: " الْقُرْآن من علم اللَّه، فَمن زعم أَن شَيْئا من علم اللَّه أَو من اللَّه مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر ".
وَقَالَ أَحْمَد بْن منيع: " من زعم أَنه مَخْلُوق فَهُوَ جهمي، وَمن وقف فِيهِ فَإِن كَانَ مِمَّن لَا يعقل مثل البقالين وَالنِّسَاء وَالصبيان سكت عَنهُ وَعلم، وَإِن كَانَ مِمَّن يفهم فَأَجره فِي وَادي الْجَهْمِية، وَمن قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَهُوَ جهمي ".
وَقَالَ غَيره: وَمن شكّ فِيهِ حَتَّى يقف بِالشَّكِّ فَهُوَ كَافِر لَا تصلوا خَلفه، وَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ الْعلم.
وَقَالَ دَاوُد بْن رشيد: من قَالَ إِن الْقُرْآن مَخْلُوق فقد أَرَادَ بقوله: إِن اللَّه لَا يتَكَلَّم، فَإِذَا نفى الصّفة فقد نفى الْمَوْصُوف وعطل.
وَقَالَ غَيره: من زعم أَن الْقُرْآن مَخْلُوق، فقد لزمَه أَن يَقُول: كَلَام اللَّه مَخْلُوق، وَمن لزمَه أَن يَقُول كَلَام اللَّه مَخْلُوق لزمَه أَن يَقُول: قدرَة اللَّه مخلوقة
стр. 333
لِأَن اللَّه يَقُول: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيكون﴾ . فَمن لزمَه أَن يَقُول: قدرَة اللَّه مخلوقة، لزمَه أَن يَقُول: قدرَة اللَّه تفنى مَعَ مَا يفنى من الْخلق.
وَمن زعم أَن قدرَة اللَّه تفنى، فقد زعم أَن اللَّه يبْقى بِغَيْر قدرَة، وَمن زعم أَن اللَّه يبْقى بِغَيْر قدرَة فَهُوَ كَافِر. من هَا هُنَا دخل عَلَيْهِم الْكفْر.
وَقَالَ مُصعب الزبيرِي: إِن اللَّه يتَكَلَّم بِغَيْر مَخْلُوق، وإِنه يسمع بِغَيْر مَا يبصر، ويبصر بِغَيْر مَا يسمع، وَيتَكَلَّم بِغَيْر مَا يسمع، وَإِن كل اسْم من هَذِه يَقع فِي مَوضِع لَا يَقع غَيره، وَلست أَقُول إِن كَلَام اللَّه وَحده غير مَخْلُوق، أَنا أَقُول أَفعَال اللَّه كلهَا غير مخلوقة، وَإِن وَجه اللَّه غير يَدَيْهِ، وَإِن يَدَيْهِ غير وَجهه. فَإِن قَالُوا: كَيفَ؟ قُلْنَا: لَا نَدْرِي كَيفَ هُوَ؟ غير أَن اللَّه أَخْبَرَنَا أَن لَهُ وَجها ويدين ونفسا، وَأَنه سميع بَصِير. وكل اسْم من هَذِه يَقع فِي مَوضِع لَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم الآخر. قَالَ اللَّه : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ . فَهَل يُقَال: للمخلوق ذُو الْجلَال والإِكرام، وَاحْتج بقول اللَّه : (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَه إِلَّا أَنا
стр. 334
فاعبدني﴾ . فَهَل لمخلوق أَن يَقُول ذَلِك؟ إِنِّي لأتهمهم أَن يَكُونُوا زنادقة، وإِنهم ليدورون عَلَى كلمة لَو أفصحوا بهَا زايلنا الشَّك فِي أَمرهم.
وَرُوِيَ أَن بشرا المريسي لَقِي مَنْصُور بْن عمار فَقَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَن كَلَام اللَّه، أهوَ الله أم غير الله أم دون اللَّه؟ فَقَالَ: إِن كَلَام اللَّه لَا يَنْبَغِي أَن يُقَال: هُوَ اللَّه، وَلَا هُوَ غير اللَّه، وَلَا هُوَ دون اللَّه، وَلكنه كَلَامه. وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يفترى من دون الله﴾ . أَي لم يقلهُ أحد إِلا اللَّه، فرضينا حَيْثُ رَضِي لنَفسِهِ، واخترنا لله من حَيْثُ اخْتَار لنَفسِهِ. فَقُلْنَا: كَلَام اللَّه لَيْسَ بخالق وَلَا مَخْلُوق، فَمن سمى الْقُرْآن بِالِاسْمِ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّه بِهِ فَهُوَ من المهتدين، وَمن سَمَّاهُ باسم من عِنْده كَانَ من الغالين فاله
стр. 335
عَن هَذَا ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سيجزون مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ . فَإِن تأبى إِلا أَن تفعل كنت من الَّذين يسمعُونَ كَلَام اللَّه، ثُمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه وهم يعلمُونَ.
فصل
فِيمَا رُوِيَ من كَلَام الرب تبَارك تَعَالَى
٢٣٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عبد الْغفار، أَنا أَبُو بكر بْن أَبِي نصر، نَا أَبُو الشَّيْخ، نَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَذَّاءُ، أَنا عَلِيُّ بن الْمَدِينِيّ، نَا مُوسَى بن إِبْرَاهِيم ابْن بَشِيرِ بْنِ الْفَاكِهِ الأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: نَظَرَ إِلَيّ رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ: مَالِي أَرَاكَ مُهْتَمًّا؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُتِلَ أَبِي وَتَرَكَ دَيْنًا وَعِيَالا. فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكَ مَا كَلَّمَ اللَّهُ قَطُّ أَحَدًا إِلا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّهُ كَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي سَلْنِي أُعْطِكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً. فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ. قَالَ: يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مِنْ وَرَائِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا﴾ .
стр. 336
الآيَةَ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: كِفَاحًا، أَيْ مُوَاجَهَةً لَيْسَ بَين وَبَيْنَهُ الْحِجَابُ.
٢٣٣ - وَفِي حَدِيث حسان: لَا تزَال مؤيدا بِروح الْقُدس مَا كافحت عَن رَسُول الله ﷺ َ -. قيل: المكافحة الْمُضَاربَة تِلْقَاء الْوَجْه .
٢٣٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْن عبد الْغفار، أَنا أَبُو بكر بْن أَبِي نَصْرٍ، نَا أَبُو الشَّيْخِ، نَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ البيوردي، نَا حبَان ابْن أَغْلَبَ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " خَزَائِنُ اللَّهِ الْكَلامُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ".
٢٣٥ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخِ، نَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، نَا يُوسُف ابْن مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ، نَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُوسَى بن الْمسيب، عَن سَالم ابْن أَبِي الْجَعْدِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، نَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، نَا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ شهر ابْن
стр. 337
حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ -، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: عَطَائِي كَلامٌ وَعَذَابِي كَلامٌ، إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا إِنَّمَا أَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ".
فصل
قَالَ بعض الْحَنَابِلَة: الْقُرْآن كَلَام اللَّه منزل، غير مَخْلُوق، مِنْهُ بدا وإِلَيْهِ يعود، تكلم بِهِ فِي الْقدَم بِحرف وَصَوت، حرف يكْتب وَصَوت يسمع، وَمعنى يعلم.
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: الْقُرْآن مَخْلُوق، وَقَالَت الأشعرية: كَلَام اللَّه لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت، وَإِنَّمَا هُوَ معنى قَائِم فِي نَفسه لم ينزل على نَبينَا ﷺ َ - وَلَا عَلَى غَيره، وَمَا نقرأه عِنْدهم مَخْلُوق، فالدلالة عَلَى الْمُعْتَزلَة قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيكون﴾ . فَأخْبر تَعَالَى أَنه كَون الْأَشْيَاء
стр. 338
بكن، فَلَو كَانَت كن مخلوقة لاحتاجت إِلَى كن أُخْرَى تخلق بهَا، وَالْأُخْرَى إِلَى أُخْرَى إِلَى مَالا نِهَايَة لَهُ فيفضي إِلَى قدم الْمَخْلُوقَات.
وَرُوِيَ عَنِ ابْن عَبَّاس ﵁ وَجَمَاعَة من الْمُفَسّرين فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قرانا عَرَبيا غير ذِي عوج﴾ أَي غير مَخْلُوق.
وَقَالَ عَليّ بْن أَبِي طَالب ﵁: (مَا حكمت مخلوقا، وَإِنَّمَا حكمت كَلَام اللَّه) ، فَإِن احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحدث إِلَّا استمعوه﴾ ، فَالْجَوَاب: أَي مُحدث التَّنْزِيل؛ لِأَن اللَّه تَعَالَى تكلم بِهِ فِي الْقدَم، فَلَمَّا بعث مُحَمَّدًا ﷺ َ - أنزلهُ عَلَيْهِ، وَيُقَال لَهُم قَوْله: " من ذكر " من للتَّبْعِيض، وَهَذَا يدل أَن ثُمَّ ذكرا قَدِيما، وَعِنْدهم لَيْسَ ثُمَّ ذكر قديم .
стр. 339
وَمن الدَّلِيل عَلَى مَا قُلْنَاهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ . والمسموع إِنما هُوَ الْحَرْف وَالصَّوْت، لَا الْمَعْنى؛ لِأَن الْعَرَب تَقول: سَمِعت الْكَلَام وفهمت الْمَعْنى، وَلَا تَقول سَمِعت الْمَعْنى. فَلَمَّا قَالَ: (حَتَّى يسمع) . دلّ عَلَى أَنه الْحَرْف وَالصَّوْت وَلِأَن الاستجارة إِنما حصلت للْمُشْرِكين بِشَرْط اسْتِمَاع كَلَام اللَّه، فَلَو كَانَ مَا سَمِعُوهُ من النَّبِيّ ﷺ َ - لَيْسَ بِكَلَام الله لم تحصل الاستجارة لَهُم، وَلِأَنَّهُ قَالَ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ فَلَا يجوز أَن يكون كلَاما لم يصل إِليهم؛ لِأَن مَا لم يصل إِليهم لَا يَتَأَتَّى لَهُم تبديله، فَلم يبْق إِلا أَن يكون الْحَرْف وَالصَّوْت، وَلِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي من شاطئ الْوَادي الْأَيْمن﴾ . والنداء عِنْد جَمِيع أهل اللُّغَة لَا يكون إِلا بِحرف وَصَوت وَلِأَنَّهُ قَالَ: ﴿عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن﴾ . وَعند أهل اللُّغَة: هَذَا إِشارة إِلَى
стр. 340
شَيْء حَاضر، فَلَو كَانَ قَائِما فِي نَفسه لم يَصح الإِشارة إِلَيْهِ، وَلِأَن اللَّه تَعَالَى امتحن الْعَرَب بالإِتيان بِمثل هَذَا الْقُرْآن، فَلَو كَانَ معنى قَائِما فِي النَّفس لم يجز أَن يمتحنهم بذلك لِأَن فِيهِ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق، وَلَا يجوز ذَلِك عَلَى اللَّه تَعَالَى لم يبْق إِلا أَن يكون امتحنهم بِمَا سَمِعُوهُ من الْحَرْف وَالصَّوْت.
стр. 341
وَقد أجمع أهل الْعَرَبيَّة أَن مَا عدا الْحُرُوف والأصوات لَيْسَ بِكَلَام حَقِيقَة.
٢٣٦ - وَرُوِيَ أَن مُوسَى ﵇ لما مضى يقتبس النَّار سمع صَوتا: يَا مُوسَى، يَا مُوسَى فَأجَاب: لبيْك لبيْك. من أَنْت؟ إِنِّي أسمع صَوْتك، وَلَا أرى مَكَانك، فَقَالَ يَا مُوسَى: أَنا رَبك. قَالَ مُوسَى إِلهي أبعيد أَنْت فأناديك أم قريب فأناجيك؟ فَقَالَ يَا مُوسَى: أَنا عَن يَمِينك وأمامك، وَأقرب إِليك من نَفسك.
فَوجه الدَّلِيل مِنْهُ قَوْله: إِنِّي أسمع صَوْتك.
فصل
٢٣٧ - رُوِيَ عَنِ النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ: " إِن صَلَاتنَا هَذِه لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس، إِنما هِيَ قِرَاءَة الْقُرْآن ".
فَلَو كَانَت الْقِرَاءَة غير المقروء لَكَانَ التَّقْدِير لَا يصلح فِيهَا شي من كَلَام النَّاس، إِنما هِيَ كَلَام النَّاس، وَهَذَا مَا لَا فَائِدَة فِيهِ، وَلَإِنْ الْأمة أَجمعت
стр. 342
عَلَى أَن من حلف بِالطَّلَاق أَن لَا يتَكَلَّم فَقَرَأَ الْقُرْآن لم يَحْنَث وَلَو كَانَت الْقِرَاءَة كَلَام الْآدَمِيّ لحنث. وَقد قَالَ اللَّه تَعَالَى إِخبارا عَن قُرَيْش حِين قَالُوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَول الْبشر﴾ . فَقَالَ ردا عَلَى من قَالَ ذَلِك: ﴿سَأُصْلِيهِ سقر﴾ . فتواعده بالنَّار عَلَى قَوْلهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَول الْبشر﴾ . وَمَعْلُوم أَن قُريْشًا أشارت بِهَذَا القَوْل إِلَى التِّلَاوَة الَّتِي سمعوها من النَّبِيّ فَلَو كَانَت كَلَام الْبشر لم يجز أَن يتواعدهم بسقر، فَلَمَّا تواعدهم عَلَى ذَلِك دلّ عَلَى أَنَّهَا لَيست بقول الْبشر، وَلِأَن، قيام المعجز وَثُبُوت الْحُرْمَة، وَمنع الْجنب من قرَاءَتهَا تدل عَلَى معنى الْقدَم فِيهَا.
قَالَ بعض أهل اللُّغَة: لَا فرق بَين قَول الْقَائِل: قَرَأت قُرْآنًا، وَبَين قَوْله: قَرَأت قِرَاءَة، فِي أَنَّهُمَا مصدران، كَقَوْلِهِم: عرفت فلَانا معرفَة وعرفانا فَإِذَا ثَبت أَنه لَا فرق بَين قَوْلهم: قَرَأت قُرْآنًا، وقرأت قِرَاءَة ثَبت أَنَّهَا غير مخلوقة؛ لِأَن الْقُرْآن غير مَخْلُوق.
وَالدَّلِيل عَلَى أَن الْكِتَابَة هِيَ الْمَكْتُوب، وَأَن مَا فِي الْمَصَاحِف كَلَام اللَّه بِعَيْنِه بِخِلَاف قَول من قَالَ: " مَا فِيهِ كِتَابَة الْقُرْآن ". قَالَ اللَّه تَعَالَى: (إِنَّه
стр. 343
لقرآن كريم فِي كتاب مَكْنُون﴾ . وَقَالَ: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ . و " فِي " عِنْد أهل اللُّغَة للوعاء، وَلِأَن الْأمة مجمعة عَلَى تَسْمِيَة مَا فِي الْمُصحف قُرْآنًا، وَلِأَن الْمُحدث يمْنَع من مَسّه، وَلَو لم يكن فِيهِ قُرْآن لم يمْنَع من مَسّه.
٢٣٨ - وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ َ -: " لَا يعذب اللَّه قلبا وعى الْقُرْآن ".
٢٣٩ - وَقَالَ ﷺ َ -: " تَعَاهَدُوا الْقُرْآن فَلَهو أَشد تفصيا من صُدُور الرِّجَال من النعم من عقلهَا ".
٢٤٠ - وَقَالَ: " الْقلب الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْء من الْقُرْآن كالبيت الخرب ".
٢٤١ - وَرُوِيَ " أعْطوا أعينكُم حظا " من الْعِبَادَة، قيل: وَمَا حظها يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: النّظر فِي الْمُصحف ".
стр. 344
٢٤٢ - وَرُوِيَ " من قَرَأَ الْقُرْآن وأعربه فَلهُ بِكُل حرف مِنْهُ خَمْسُونَ حَسَنَة، وَمن قَرَأَهُ فَلم يعربه فَلهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات. لَا أَقُول: ألم حرف، بل ألف حرف، وَلَام حرف، وَمِيم حرف ".
стр. 345
بَاب مسَائِل الإِيمان
الإِيمان فِي الشَّرْع عبارَة عَن جَمِيع الطَّاعَات الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة
стр. 346
وَقَالَت الأشعرية: الإِيمان هُوَ التَّصْدِيق، وَالْأَفْعَال والأقوال من شرائعه، لَا من نفس الإِيمان، وَفَائِدَة هَذَا الِاخْتِلَاف أَن من أخل بالأفعال وارتكب المنهيات لَا يتَنَاوَلهُ اسْم مُؤمن عَلَى الإِطلاق، فَيُقَال: هُوَ نَاقص الإِيمان لِأَنَّهُ قد أخل بِبَعْضِه، وَعِنْدهم يتَنَاوَلهُ الِاسْم عَلَى الإِطلاق، لِأَنَّهُ عبارَة عَنِ التَّصْدِيق وَقد أَتَى بِهِ.
دليلنا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وجلت قُلُوبهم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ فوصفهم بالإِيمان الْحَقِيقِيّ لوُجُود هَذِه الْأَفْعَال. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ . يَعْنِي صَلَاتكُمْ، فَأطلق عَلَيْهَا اسْم الإِيمان وَهِي أَفعَال.
стр. 347
٢٤٣ - وَيدل عَلَيْهِ: مَا روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " الإِيمان بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة ".
وَفِي رِوَايَة " بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة: أفضلهَا شَهَادَة أَن لَا إِله إِلا اللَّه، وَأَدْنَاهَا إِماطة الْأَذَى من الطَّرِيق. وَالْحيَاء شُعْبَة من الإِيمان ".
وَلِأَن الْمُكْره عَلَى الإِيمان يَصح دُخُوله فِيهِ، فَلَو كَانَ الإِيمان يخْتَص الْقلب لم يَصح دُخُوله فِيهِ، لأَنَّ ذَلِك لَا يُمكن تَحْصِيله بالإِكراه، وَإِنَّمَا يحصل من جِهَة الْأَفْعَال الظَّاهِرَة والأقوال، وَلِأَن الإِيمان دين الْمُؤمنِينَ، وَالدّين عبارَة عَنِ الطَّاعَات، وَكَذَلِكَ الإِيمان الَّذِي هُوَ صفته، وَلِأَنَّهُ لَا يُطلق عَلَى من ترك الصّيام وَالزَّكَاة، وارتكب الْفَوَاحِش أَنه كَامِل الإِيمان.
(مَسْأَلَة)
وَيجوز الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي الإِيمان، وزيادته بِفعل الطَّاعَات، ونقصانه بِتَرْكِهَا، وَفعل الْمعاصِي، خلافًا لمن قَالَ: الإِيمان معرفَة الْقلب وتصديقه، وهما عرضان من الْأَعْرَاض، وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان لَا تجوز عَلَى الْأَعْرَاض .
стр. 348
٢٤٤ - دليلنا: مَا رُوِيَ عَن معَاذ ﵁ مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: الإِيمان يزِيد وَينْقص.
وَرُوِيَ عَنِ ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَأبي الدَّرْدَاء ﵁: الإِيمان يزِيد وَينْقص، وإِذَا كَانَ الإِيمان عبارَة عَن جَمِيع الطَّاعَات، فَإِذَا أخل بِبَعْضِهَا وارتكب المنهيات فقد أخل بِبَعْض أَفعاله فَجَاز أَن يُوصف بِالنُّقْصَانِ وَالزِّيَادَة .
(مَسْأَلَة)
وَلَا يتساوى إِيمان جَمِيع الْمُكَلّفين من الْمَلَائِكَة والأنبياء وَمن دونهم من الشُّهَدَاء وَالصديقين، بل يتفاضلون بِقدر رتبهم فِي الطَّاعَات خلافًا لمن قَالَ: الإِيمان هُوَ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ، وَإِنَّمَا يَقع التَّفَاضُل فِي الْعلم بأصناف أدلته، وَقد ذكرنَا أَن الطَّاعَات من الإِيمان .
وَمَعْلُوم أَن النَّاس يتفاضلون فِي الطَّاعَات، فيعضهم يزِيد عَلَى بعض فَوَجَبَ أَن يحصل التَّفَاضُل فِيهِ.
стр. 349
(مَسْأَلَة)
الإِيمان والإِسلام اسمان لمعنيين، فالإِسلام عبارَة عَنِ الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ، والإِيمان عبارَة عَن جَمِيع الطَّاعَات خلافًا لمن قَالَ الإِسلام
стр. 350
والإِيمان سَوَاء إِذَا حصلت مَعَه الطُّمَأْنِينَة. وَالدَّلِيل عَلَى الْفرق بَينهمَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ عطف الإِيمان عَلَى الإِسلام وَالشَّيْء لَا يعْطف عَلَى نَفسه، فَعلم أَن الإِيمان معنى زَائِد عَلَى الإِسلام.
٢٤٦ - وَيدل عَلَيْهِ حَدِيث عمر بْن الْخطاب ﵁، وَقَول جِبْرِيل ﵇: أَخْبرنِي عَنِ الإِسلام. ثُمَّ قَالَ: فَمَا الإِيمان؟ . وَهَذَا يدل عَلَى الْفرق بَينهمَا.
٢٤٧ - وَيدل عَلَيْهِ مَا روى عَامر بْن سعد بْن أَبِي وَقاص (عَن سعد) " أَن النَّبِي ﷺ َ - أعْطى رهطا وَترك رجلا مِنْهُم، فَقَالَ سعد: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعطيتهم وَتركت فلَانا، وَوَاللَّه إِنِّي لأراه مُؤمنا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: أَو مُسلما "، فَفرق بَين الْإِيمَان وَالْإِسْلَام.
стр. 351
وروري عَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " اللَّهُمَّ حبب إِلي الإِسلام والإِيمان ".
وَقد ذكرنَا أَن الْأَيْمَان عبارَة عَن جَمِيع الطَّاعَات، والإِسلام عبارَة عَنِ الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ طمأنينة الْقلب، وإِذَا كَانَ كَذَلِك وَجب الْفرق بَينهمَا .
(مَسْأَلَة)
[الِاسْتِثْنَاء فِي الإِيمان]
وَيكرهُ لمن حصل مِنْهُ الإِيمان أَن يَقُول: أَنا مُؤمن حَقًا وَمُؤمن عِنْد اللَّه وَلَكِن، يَقُول: أَنا مُؤمن أَرْجُو أَو مُؤمن إِن شَاءَ اللَّه، أَو يَقُول: آمَنت بِاللَّه
стр. 352
وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله، وَلَيْسَ هَذَا عَلَى طَرِيق الشَّك فِي إِيمانه، لكنه عَلَى معنى أَنه لَا يضْبط أَنه قد أَتَى بِجَمِيعِ مَا أَمر بِهِ، وَترك جَمِيع مَا نهي عَنهُ، خلافًا لقَوْل من قَالَ: إِذَا علم من نَفسه أَنه مُؤمن جَازَ أَن يَقُول: أَنا مُؤمن حَقًا.
وَالدَّلِيل عَلَى امْتنَاع الْقطع لنَفسِهِ وَدخُول الِاسْتِثْنَاء إِجماع السّلف، قيل لِابْنِ مَسْعُود ﵁: إِن هَذَا يزْعم أَنه مُؤمن قَالَ: سلوه أَفِي الْجنَّة هُوَ أم فِي النَّار؟ . فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: اللَّه أعلم. فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ: فَهَلا وكلت الأولى، كَمَا وكلت الْآخِرَة.
стр. 353
وَلِأَنَّهُ قد ثَبت أَن الإِيمان جَمِيع الطَّاعَات وَترك الْمُحرمَات، وَهُوَ فِي الْحَال لَا يضْبط أَنه قد أدّى سَائِر مَا لزمَه، واجتنب كل مَا حرم عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك فِي الثَّانِي، فَلَا يجوز أَن يعلم أَنه مُؤمن مُسْتَحقّ للثَّواب.
(مَسْأَلَة)
فِي إِيمان الْمُؤمنِينَ الْمَوْجُود بألسنتهم، كتلاوة الْقُرْآن، وَذكر اللَّه تَعَالَى بِالتَّوْحِيدِ، وَذكر صِفَاته وَالثنَاء عَلَيْهِ، فَهُوَ قديم غير مَخْلُوق، لأَنَّ هَذِه صِفَات لذاته، كَمَا أَن كَلَامه صفة لذاته.
فصل
[فِي ذكر الْأَدِلَّة عَلَى الْفرق بَين معنى الإِسلام والإِيمان]
٢٤٩ - أَخْبَرَنَا حَكِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الإِسْفِرَائِينِيُّ قَدِمَ عَلَيْنَا، أَنا جَدِّي الْحَاكِمُ أَبُو الْحَسَنِ الإِسْفِرَائِينِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّد ابْن عبيد الله بن الْمُنَادِي، نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ، نَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
стр. 354
أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ فِيهِ رَهَقٌ، وَكَانَ يَتَوَثَّبُ عَلَى جِيرَانِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَفَرَضَ الْفَرَائِضَ، وَقَصَّ عَلَى النَّاسِ. ثُمَّ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْعَمَلَ أُنُفٌ مَنْ شَاءَ عَمِلَ خَيْرًا، وَمَنْ شَاءَ عَمِلَ شَرًّا. قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا الأَسْوَدِ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ: كَذَبَ، مَا رَأَيْنَا أَحَدًا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - إِلا يُثْبِتُ الْقَدَرَ، ثُمَّ إِنِّي حَجَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا قُلْتُ: نَأْتِي الْمَدِينَةَ فَنَلْقَى أَصْحَابَ رَسُولِ الله ﷺ َ - (كَثِيرًا) فَنَسْأَلُهُمْ عَنِ الْقَدَرِ، قَالَ: فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ لَقِينَا إِنْسَانًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمْ نَسْأَلْهُ قَالَ: قُلْنَا حَتَّى نَلْقَى ابْنَ عُمَرَ أَوْ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: فَلَقِينَا ابْنَ عُمَرَ كَفَّةً عَنْ كَفَّةً. قَالَ: فَقُمْتُ عَنْ يَمِينِهِ وَقَامَ عَنْ شِمَالِهِ قَالَ: قُلْتُ: أَتَسَأَلُهُ أَمْ أَسْأَلُهُ؟ قَالَ: بَلْ سَلْهُ، لأَنِّي كُنْتُ أَبْسَطَ لِسَانًا مِنْهُ قَالَ: قُلْنَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَن إِن أُنَاسًا عندنَا بالعراق قرؤوا الْقُرْآنَ، وَفَرَضُوا الْفَرَائِضَ وَقَصُّوا عَلَى النَّاسِ، يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعَمَلَ أُنُفٌ، مَنْ شَاءَ عَمِلَ خَيْرًا وَمَنْ شَاءَ عَمِلَ شَرًّا. قَالَ: فَإِذَا لَقِيتُمْ أُولَئِكَ فَقُولُوا: ابْنُ عُمَرَ مِنْكُمْ بَرِيءٌ، وَأَنْتُمْ مِنْهُ بَرَاءٌ، فَوَاللَّهِ لَوْ جَاءَ أَحَدُهُمْ بِعَمَلٍ مِثْلَ أُحُدٍ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِالْقدرِ.
стр. 355
٢٥٠ - حَدَّثَنِي عمر ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ َ -: أَن مُوسَى لَقِي آدم ﵇ فَقَالَ: يَا آدم أَنْت خلقك اللَّه بِيَدِهِ، وأسجد لَك الْمَلَائِكَة، وأسكنك الْجنَّة. فوَاللَّه لَوْلَا مَا فعلت مَا دخل أحد من ذريتك النَّار قَالَ: فَقَالَ يَا مُوسَى أَنْت الَّذِي اصطفاك اللَّه بِرِسَالَاتِهِ، وبكلامه تلومني فِيمَا قد كَانَ كتب عَليّ قبل أَن أخلق ، فاحتجا إِلَى اللَّه فحج آدم مُوسَى ثَلَاث مَرَّات، لقد حَدَّثَنِي عمر أَن رجلا فِي آخر عمر رَسُول الله ﷺ َ - جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أدنو مِنْك قَالَ: نعم، قَالَ: فجَاء حَتَّى وضع يَده عَلَى ركبته فَقَالَ: مَا الإِسلام؟ . قَالَ: تقيم الصَّلَاة، وتؤتي الزَّكَاة، وتصوم رَمَضَان، وتحج الْبَيْت. قَالَ: فَإِذَا فعلت ذَلِك فقد أسلمت قَالَ: نعم، قَالَ: صدقت. قَالَ فَجعل النَّاس يتعجبون
следующие страницы →