Полный текст (1 030 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
صفحة فارغة
стр. 492
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ نَص الْقُرْآن وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ .
وَأما قَوْله ﷺ َ -: " خلقت عبَادي حنفَاء " فَهُوَ وَالله أعلم، إِشَارَة إِلَى الْمعرفَة الغريزية الَّتِي هِيَ مركبة فيهم.
قَالَ: وَقد ذكر بعض أهل الْعلم أَن الْفطْرَة هَا هُنَا هِيَ الْفطْرَة الغريزية الَّتِي هِيَ مَوْجُودَة فِي كل إِنْسَان. فَإِن كل أحد يرجع إِلَى غريزته عرف خالقه. وَذَلِكَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ وَهَذِه الْمعرفَة هِيَ الْمعرفَة الَّتِي أخبر الله تَعَالَى بوجودها من الْكفَّار، وَذَلِكَ فِي قَوْله: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ فحين ظَهرت لَهُم حَال الضَّرُورَة وانقطعوا عَن أَسبَاب الْخلق، وَلم يبْق لَهُم تعلق بِأحد ظَهرت فيهم الْمعرفَة الغريزية. إِلَّا أَنَّهَا غير نافعة. إِنَّمَا النافعة هِيَ الْمعرفَة الكسبية، إِلَّا أَن الله تَعَالَى فطر النَّاس عَلَى الْمعرفَة الغريزية، وَطلب مِنْهُم الْمعرفَة الكسبية، وعلق الثَّوَاب بهَا وَالْعِقَاب عَلَى تَركهَا.
يدل عَلَى هَذَا مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ َ - سُئِلَ عَمَّن مَاتَ قبل أَن يبلغ فَقَالَ: " الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين ".
стр. 493
وَلَو ولد ولد الْكَافِر عَلَى الْإِسْلَام لأوجب النَّبِي ﷺ َ - لَهُ الْجنَّة بِكُل حَال. فَلَمَّا أحَال الحكم عَلَى مَا علم الله تَعَالَى من أَعْمَالهم أَن لَو أدركوا وَقت الْعَمَل عرفنَا أَن الْمَعْنى بالفطرة مَا قُلْنَا من الْمعرفَة الَّتِي لَا يكون فِيهَا ثَوَاب وَلَا بعدمها عِقَاب .
стр. 494
فصل
٢٢ - أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو نَصْرٍ الزَّيْنَبِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَرَّاقُ، نَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، نَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَانَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمَكْتُوبٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَانَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ لَمَكْتُوبٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ".
٢٣ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، أَنا عَبْدُ الصَّمَدِ الْعَاصِمِيُّ نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْبُجَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْبُجَيْرِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طاؤس، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ يَقُولُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِي
قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ. فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ
стр. 495
الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَشْتَهِي، وَتَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ. فَإِنْ يَقْدِمُ صَاحِبُهُ فَهُوَ زِنًا، وَإِلا فَهُوَ اللَّمَمُ.
٢٤ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ البجيري، نَا عبد الْجَبَّار بن الْعلَا، نَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِيهِ سُمَيٌّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رِوَايَةً قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَائِهِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وَمِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ ". قَالَ سُفْيَانُ: وَزِدْتُ وَاحِدَةً لَا أَدْرِي أَيَّتَهُنَّ هِيَ.
٢٥ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْبُجَيْرِيُّ، نَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ سمع النَّبِي ﷺ َ - يَقُول: " اللَّهُمَّ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صلينَا فَثَبت الْأَقْدَام، إِن لاقينا، إِن الأولى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ".
٢٦ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْبُجَيْرِيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، نَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، نَا فُلَيْحٌ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ وَرَّادٍ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ ﵁ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أكتب بالْقَوْل الَّذِي
стр. 496
كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يَقُوله بَعْدَ الصَّ لا ةِ. قَالَ " لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ".
٢٧ - قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَشْكَابَ الأَصْفَرُ، نَا يُونُس ابْن مُحَمَّد، نَا دَاوُد بن الْفُرَات، عَن عبد الله بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ عَنْ عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ َ - أَنَّهَا أخْبرته أَنَّهَا سَأَلت نَبِي الله ﷺ َ - عَن الطَّاعُون، فَأَخْبرهَا نَبِي الله ﷺ َ -: " أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ فِي الطَّاعُونِ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلا مَا كتب لَهُ إِلا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ ".
٢٨ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ، حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حميد، نَا مُحَمَّد ابْن عَبْدِ الْمَلِكِ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا يَأْتِي ابْنُ آدَمَ النَّذْرَ بِشَيْءٍ لَمْ أَكُنْ قَدْ قَدَرْتُهُ لَهُ، وَلَكِنَّهُ يُلْقِيهُ النَّذْرَ إِلَى مَا قَدَرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ يُؤْتِينِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ آتَانِي مِنْ قَبْلُ ".
٢٩ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا
стр. 497
تُسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ مَا فِي صَحْفَتِهَا وَلِتَنْكِحَ فَإِنَّ مَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا ".
٣٠ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ، نَا الْعَبَّاسُ بن الْوَلِيد الْخلال، نَا عبد الله ابْن كَثِيرٍ الطَّوِيلُ، نَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَإِنِّي أَخَافُ الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِي، وَلَسْتُ أَجِدُ طَوْلا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ فَأْذَنْ لِي أَنْ أَخْتِصَي. قَالَ فَسَكَتَ عَنِّي. قَالَ: قلت: مثل ذَلِك. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ ذَرْ ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَا عَمِّي، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
قَالَ أَبُو حَفْصٍ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا يَعْمُرُ بْنُ بِشْرٍ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، نَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
стр. 498
٣١ - وَقَالَ يُوُنسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ. بِطَانَةٌ تَأْمُرُه بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ. فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ ".
فصل
٣٢ - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، نَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ، نَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْبَزَّازُ، نَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانٍ، نَا إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " سَبَقَ الْعِلْمُ وَجَفَّ الْقَلَمُ، وَمَضَى الْقَضَاءُ، وَتَمَّ الْقَدَرُ ".
٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ، نَا الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الشِّيرْنَخْشِيرِيُّ إِمْلاءً، نَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الحدادي، نَا
стр. 499
حَمَّاد ابْن أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ السّلمِيّ القَاضِي، نَا أَبُو السّري هناد ابْن السَّرِيِّ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ مَوْلَى عَفْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ َ - فَقَالَ: " يَا غُلامُ: أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ لَعَلَّ اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِنَّ؟ قَالَ: قُلْتُ بَلَى فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. قَالَ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، إِذَا سَأَلْتَ فَسَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، فَقَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَوِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ أَوْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالرِّضَا فِي الْيَقِينِ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَالْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ".
٣٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ أَنا أَبُو الْغَنَايِمِ عَبْدُ السَّلامِ بْنُ أَحْمَدَ بن مُحَمَّد ابْن عُمَرَ الأَنْصَارِيُّ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُنْذِرُ، أَنا الْفَارُوقُ بْنُ عَبْدِ الْكَبِيرِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي قُرَيْشٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، نَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَا وَجَّهَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - فِي حَاجَةٍ فَلَمْ تُقْضَ إِلا قَالَ لِي: " يَا أَنَسُ لَوْ قَدَّرَ شَيْءٌ لَكَانَ ".
стр. 500
٣٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الطِّهْرَانِيُّ، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الطَّائِيُّ بِبَغْدَادَ، نَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " حَاجَّ آدَمُ مُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ". قَالَ: " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. ﵉ ".
٣٦ - قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنا عَبْدُوسُ بْنُ الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ قَالُوا: أَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ سِنَانٍ، نَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ، نَا أَبُو طَالب يحيى ابْن يَعْقُوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ﵉، فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ ثُمَّ أَخْرَجْتَنَا؟ أُرَاهُ قَالَ: مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاهُ اللَّهُ بِرِسَالاتِهِ، وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا، وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةَ؟ فَبِكَمْ تَجِدُ خَطِيئَتِي سَبَقَتْ خَلْقِي؟ قَالَ: بِأَرْبَعِينَ عَامًا ". قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " فحج آدم مُوسَى ﵉ ".
стр. 501
صفحة فارغة
стр. 502
أخبرنَا الإِمَام أَبُو المظفر قَالَ: فقد دَعَا الله الْخلق إِلَى الوحدانية والأقدار مَعًا: فالتوحيد لوحدانيته وَالتَّقْدِير لربوبيته، وَالْإِذْن قدرته. فَكَمَا لَا يجوز إبِْطَال وحدانيته كَذَلِك إبِْطَال ربوبيته وَقدرته. وَهُوَ التَّقْدِير وَالْإِذْن.
стр. 503
وَكَذَلِكَ قَالُوا: كَمَا لَا يجوز الركون إِلَى الدُّنْيَا، كَذَلِك لَا يجوز إِبْطَالهَا حَتَّى يكْتَسب بهَا النّظر إِلَى التَّقْدِير وَالْإِذْن.
فالأبدان كلهَا مضطرة إِلَى الْأَسْبَاب أبدا، وَذَلِكَ فِي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض. اضطرهم الله جَمِيعًا إِلَى الْأَسْبَاب وَإِن تفاوتت وجوهها فِي قلتهَا وَكَثْرَتهَا، وزيادتها ونقصانها.
وَأما الْقُلُوب، فَإِنَّهَا مضطرة إِلَى مسبب الْأَسْبَاب وَحده. أما ترى أَن أهل الدُّنْيَا اضطروا إِلَى الْأَسْبَاب من الْأَمْكِنَة، والأغذية، واللباس، وَسَائِر مَا يرجع إِلَى معاشهم، فَهَذَا لأبدانهم. واضطرت الْقُلُوب إِلَى أَن الله تَعَالَى وَحده خَالق الدُّنْيَا ومالكها.
وَإِن الْأَسْبَاب عاملة بِإِذن الله. فَمَا أذن الله تَعَالَى لشَيْء كَانَ من غير سَبَب، وَإِذا لم يَأْذَن للسبب لم يعْمل. فَالنَّار بِإِذْنِهِ تحرق فَإِذا أذن لَهَا أَن تمْتَنع من الإحراق امْتنعت، كَمَا أذن لنار إِبْرَاهِيم ﵇.
وَالْمَاء بِإِذْنِهِ يغرق، فَإِذا أذن لَهُ أَن يمْتَنع من الإغراق امْتنع،
стр. 504
كَمَا أذن لَهُ فِي إغراق فِرْعَوْن وَقَومه، وَمنعه من إغراق مُوسَى وَقَومه.
وكما أطْعم مَرْيَم ﵍ من غير سَبَب. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ .
وَقد يحبس الله الثِّمَار أَن تخرج من الْأَشْجَار فِي كثير من الْأَوْقَات. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَنقص من الْأَمْوَال والأنفس والثمرات﴾ .
إِلَّا أَن الْقلب إِذا مَال إِلَى الْأَسْبَاب وكل إِلَيْهَا بِقدر ميله إِلَيْهَا، وفقد من مَعُونَة الله وتأييده عَلَى قدر ذَلِكَ.
فَكَمَا أَن الْبدن لَا تعْمل جارحة من جوارحه وركن من أَرْكَانه من حَرَكَة أَو سُكُون أَو قبض أَو بسط إِلَّا بِالروحِ. كَذَلِك لَا يعْمل سَبَب من الْأَسْبَاب، من نفع أَو ضرّ إِلَّا بِالْقدرِ وَالْإِذْن من الله تَعَالَى. وكما أَن الْجَوَارِح قد ظَهرت بحركاتها وبطن الرّوح والأبصار طامحة إِلَى الْجَوَارِح لظهورها، كَذَلِك الْأَسْبَاب ظَاهِرَة مَعْلُومَة عِنْد النَّاس، والأقدار باطنة. وَالنَّاس يبصرون
стр. 505
الْأَسْبَاب لِأَنَّهَا لأعينهم بارزة، وَلَا يبصرون الأقدار لِأَنَّهَا عِنْد الله غَائِبَة. وَلَا قيام للأسباب إِلَّا بالأقدار. كَمَا لَا قيم للأبدان إِلَّا بالأرواح.
فالأسباب ظَاهِرَة للأبصار رُؤْيَة وعيانا، والأقدار ظَاهِرَة للقلوب معرفَة وإيمانا فَهَذَا حَقِيقَة شَأْن الْأَسْبَاب والأقدار.
فنظير الْأَعْمَال من الطَّاعَات والمعاصي، إكساب الْعباد فِي الدُّنْيَا، وَنَظِير الْقَضَاء وَالتَّقْدِير من الله تَعَالَى لأعمال الْعباد، قسْمَة الأرزاق بَينهم.
فالأكساب من النَّاس فِي الدُّنْيَا، حَاصِلَة فِي أُمُور معاشهم والأرزاق من الله مقسومة لَا تزداد وَلَا تنقص. وأكسابهم من الأقدار أَيْضا. فَلَا بُد من وُصُول الأرزاق إِلَيْهِم عَلَى مَا قسمه الله تَعَالَى. كَذَلِك الطَّاعَات والمعاصي من الْخلق،
стр. 506
حَاصِلَة فِي أُمُور آخرتهم. وَالْقَضَاء بِأَمْر الله والأقدار جَارِيَة عَلَيْهِم فِي آخرتهم، وأعمال آخرتهم لَا يزْدَاد عَلَيْهَا شَيْء وَلَا ينتقص مِنْهَا شَيْء.
وأعمالهم من الأقدار أَيْضا، وَلَا بُد من مصيرهم إِلَى مَا قضى الله لَهُم وَعَلَيْهِم. فَمن النَّاس الْقوي الْمُحْتَال الْجلد وَلَا يزْدَاد إِلَّا فَقَرَأَ، وَمِنْهُم الضَّعِيف العيي المهين، وَلَا يزْدَاد مَاله إِلَّا كَثْرَة. وَمِنْهُم الجاد الْمُجْتَهد الدائب فِي الطَّاعَات، وَلَا يزْدَاد من الله إِلَّا بعدا وَمِنْهُم الكسلان الفاتر وَالله تَعَالَى قد أعد لَهُ الْجنان، وَالنَّعِيم الْمُقِيم. ذَلِكَ تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم.
وَمن أشباه هَذَا وَأَمْثَاله أَمر الطِّبّ والمعالجة. فَإِن الله تَعَالَى قد فرغ من الْحَيَاة والعمر، وَجعل لذَلِك ميقاتا مَعْلُوما لَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر، وَلَا يزِيد وَلَا ينقص. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ . ثمَّ دبر لَهُم بِلُطْفِهِ فعللهم عِنْد الْأَمْرَاض المخوفة بالأدوية والأشفية المخيلة للنفع، والبرؤ ليَكُون للآمال فِيهَا مجَال، وللنفوس فِيهَا منفسح. وَهِي لَا تغني من الْمَقْدُور شَيْئا.
стр. 507
فترى النَّاس عَلَى اخْتِلَاف طبقاتهم من الآراء والنحل، يفزعون عِنْد حُدُوث الْأَمْرَاض إِلَى الطِّبّ والتداوي، ويتعللون بِهِ، ويستأنسون إِلَيْهِ. فَإِذا لم ينجح العلاج، وأعياهم الْأَمر قَالُوا: قدر الله ومشيئته، وسلموا للْقَضَاء وأعطوا بِأَيْدِيهِم، وَلم يلوموا طَبِيبا، وَلم يعيبوا دَوَاء. وَمن خالفهم فِي هَذَا الْمَذْهَب، وَلم يَأْخُذ بالحزم وَلم يسْتَعْمل العلاج كَانَ عِنْد أَكْثَرهم ملوما معاتبا. فترى النَّاس يفزعون إِلَى الْأَدْوِيَة والمعالجات، الأقدار من الله جَارِيَة فِي الْآجَال والأمراض وَالصِّحَّة، وَلَا مزِيد عَلَيْهَا وَلَا نُقْصَان، وَلَا مُتَأَخّر عَنْهَا وَلَا مُتَقَدم. كَذَلِك أُمُور الْآخِرَة مقضية مقدرَة مقسومة، والأعمال من الْعباد فِي أَسبَابهَا الظَّاهِرَة جَارِيَة، والأوامر والنواهي فِيهَا ثَابِتَة والوعد والوعيد وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب فِيهَا عَامل. وَمَا قَضَاهُ الله وَقدره من ذَلِكَ فَلَا مزِيد عَلَيْهِ وَلَا نُقْصَان، وَلَا مُتَأَخّر عَنْهَا وَلَا مُتَقَدم. وعَلى هَذَا تجْرِي أُمُور العوذة وَالدُّعَاء.
قَالَ: وَإِنَّمَا حملنَا عَلَى ذكر هَذَا الأَصْل، وَبَيَان الْأَمْثِلَة، والأشباه لِأَن الَّذِي يعْتَمد عَلَيْهِ الْخُصُوم فِي رد الْقَضَاء وَالْقدر هُوَ أَنهم يَقُولُونَ: إِذا قدمنَا الْقدر وغلبنا الحكم بَطل الْعَمَل وَسقط معنى التبعد وَهُوَ: التَّكْلِيف وتعطل الْوَعْد والوعيد، وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب.
стр. 508
وَرُبمَا طعنوا بِمثل هَذَا الْكَلَام فِي الْخَبَر روينَاهُ من طَرِيق أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي احتجاج آدم ومُوسَى ﵉. وَقَالُوا: إِذا احْتج كل منا فِي مَعَاصيه بِمثل احتجاج آدم على مُوسَى، لم يبْق لوم عتب عَلَى أحد فِي مَعْصِيّة يرتكبها، وَلَا فَاحِشَة يعملها، وَيصير كل الْكفَّار والفساق معذورة فِي فعلهم، وَلم يجز لأحد منا لومهم وَلَا توبيخهم إِذْ حجتهم ظَاهِرَة، وَمن تمسك بِحجَّة فِيمَا يعمله بِمثل حجَّة آدم ﵇، فَكيف يجوز الْإِنْكَار عَلَيْهِ، وتعييره بِفعل شَيْء.
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: وَأما الْكَلَام فِيمَا جرى بَين آدم ومُوسَى ﵉ من المحاجة فِي هَذَا الشَّأْن، فَإِنَّمَا سَاغَ لَهما الْحجَّاج فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمَا نبيان جليلان خصا بِعلم الْحَقَائِق، وَأذن لَهما فِي استكشاف السرائر.
وَلَيْسَ سَبِيل سَائِر الْخلق الَّذين أمروا بِالْوُقُوفِ عِنْد مَا حد لَهُم، وَالسُّكُوت عَمَّا طوى عَنْهُم سبيلهما. وَلَيْسَ معنى قَوْله ﷺ َ -: فحج آدم ﵇ مُوسَى، إبِْطَال حكم الظَّاهِر، وَلَا إِسْقَاط الْعَمَل الْوَاجِب. وَلَكِن مَعْنَاهُ: تَرْجِيح أحد الْأَمريْنِ، وَتَقْدِيم رُتْبَة الْعلَّة عَلَى السَّبَب .
стр. 509
فقد يَقع الحكم بترجيح معنى أحد الْأَصْلَيْنِ: فسبيل قَوْله ﷺ َ -: " فحج آدم مُوسَى " هَذَا السَّبِيل.
وَقد ظهر هَذَا الْمَعْنى فِي قصَّة آدم ﵇: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ فَهَذَا تَصْرِيح بَين الْمَلأ من الْمَلَائِكَة، أَنه خلق آدم للْأَرْض ليَكُون خَليفَة فِيهَا. ثمَّ قَالَ: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تقربا هَذِه الشَّجَرَة﴾ . فَأمره بسكنى الْجنَّة، وَالْمقَام فِيهَا ثمَّ حذره أَن يخرج من الْجنَّة فَقَالَ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا من الْجنَّة فتشقى﴾ فَهَل يجوز لمُسلم أَن يحمل هَذِهِ الْأَقْوَال عَلَى التَّنَاقُض والتناسخ. وَمَعْلُوم أَن النّسخ لَا يجْرِي عَلَى الْخَبَر؟ فَإِذا لم يجز ذَلِكَ وَلم يكن فِيهَا وَجه غير الظَّاهِر، علم أَن الْمَعْنى فِيهِ أَن الله أبطن فِي أَمر آدم ﵇ سرا من علمه هُوَ صائر إِلَيْهِ لَا محَالة. وَأظْهر لَهُ أمرا وَجب الائتمار لَهُ امتحانا مِنْهُ فَلم يكن يَسعهُ فِي حكم الْأَمر الظَّاهِر الْعِصْيَان، وَلم يكن يُمكنهُ فِي حكم الْقدر الْبَاطِن الْإِتْيَان بِهِ، فجَاء من هَذَا أَن آدم ﵇ لم يتهيأ لَهُ أَن يستديم سُكْنى الْجنَّة بِأَن لَا
стр. 510
يقرب الشَّجَرَة لسابق الْقَضَاء الْمَكْتُوب عَلَيْهِ فِي الْخُرُوج مِنْهَا، والوقوع إِلَى الأَرْض الَّتِي خلق لَهَا، وليكون خَليفَة فِيهَا.
وَبِهَذَا الْمَعْنى صال عَلَى مُوسَى ﵉ عِنْد المحاجة. وَبِهَذَا الْمَعْنى قضى رَسُول الله ﷺ َ - عَلَى مُوسَى ﵇. فَقَالَ: فحج آدم مُوسَى.
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: أخرج الله آدم من الْجنَّة قبل أَن يدْخلهُ فِيهَا. يُرِيد الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ .
فصل
٣٧ - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ ﵀، أَنا أَبُو جَعْفَرٍ. مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُسْلِمَةَ، أَنا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ ابْن زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نَا أَبُو الأَزْهَرِ، نَا إِسْحَاقُ بن سُلَيْمَان، حَدثنَا أَبُو سِنَان سعيد ابْن سِنَانٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: وَقَعَ فِي
стр. 511
نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ، فَأَتَيْتَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّهُ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ وَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَلاكُ دِينِي أَوْ أَمْرِي، فَحَدِّثْنِي فِيهِ بِشَيْءٍ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي. فَقَالَ: لَوْ أَن الله عذب أهل سماواته، وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ. وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ. وَلَوْ كَانَ لَكَ مِثْلُ أُحُدٍ، أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ. وَأَنَّكَ إِنْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ، وَلا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ أَخِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَتَسْأَلَهُ.
فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ، مِثْلَ ذَلِكَ: وَقَالَ: لَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ أَخِي حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَتَسْأَلَهُ، فَأَتَيْتُ حُذَيْفَةَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ: لَوْ أَتَيْتَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَأَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - يَقُول: " إِن الله لَو عذب أهل سماواته، وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ غَيْرَ ظَالِمٍ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ. وَلَوْ كَانَ لَكَ جَبَلُ أُحُدٍ أَوْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ الله مِنْك
стр. 512
حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ. وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّكَ إِنْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ ".
٣٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بَخْتَوَيْهَ أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقَنْطَرِيُّ، أَنا الْحَاكِم أَبُو الْفضل الحدادي، نَا عبد الله بن مَحْمُود السَّعْدِيّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الْخلال، نَا ابْن الْمُبَارك، عَن سُفْيَان، عَن خَالِد الْحذاء عَن عبد الْأَعْلَى بن عبد الله بن عَامر، عَن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل قَالَ: لما قدم عمر ﵁ الْجَابِيَة قَامَ يخْطب النَّاس وَعِنْده الجاثليق يترجم لَهُ مَا يَقُول عمر ﵁ فَلَمَّا قَالَ عمر: ﴿من يضلل الله فَلَا هادي لَهُ﴾ . وَفِي رِوَايَة فَلَمَّا قَالَ عمر: ﴿يضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء﴾ . نفض الجاثليق ثَوْبه كَهَيئَةِ الْمُنكر لذَلِك.
فَقَالَ عمر: مَا يَقُول؟ فكرهوا أَن يذكرُوا لَهُ الَّذِي عَنى بذلك. ثمَّ عَاد عمر فَقَالَ ذَلِك. فَفعل الجاثليق مثلهَا. فَقَالَ عمر ﵁: مَا يَقُول؟ فَقيل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يزْعم أَن الله لَا يضل أحدا. فَقَالَ عمر: كذبت يَا عَدو الله، بل
стр. 513
الله خلقك وَهُوَ أضلك وَهُوَ يدْخلك النَّار إِن شَاءَ الله. أما وَالله لَوْلَا ولث عقد لَك لضَرَبْت عُنُقك. إِن الله حِين خلق الْخلق، خلق أهل الْجنَّة وَمَا هم عاملون، وَخلق أهل النَّار وَمَا يعْملُونَ، ثمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ لهَذِهِ وَهَؤُلَاء لهَذِهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ: فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْقَدَرِ.
فصل
قد تمسك أهل الْقدر بآيَات جهلوا مَعَانِيهَا وَحملُوهَا عَلَى غير وجوهها وجعلوها ذَرِيعَة لبدعتهم، وأهوائهم، ومعانيها عِنْد أهل الْحق ظَاهِرَة عَلَى مَا يُوَافق العقائد الصَّحِيحَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمن نَفسك﴾
وَفِي قِرَاءَة عبد الله: وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك وَأَنا كتبتها عَلَيْك وَقيل فِي التَّفْسِير: القَوْل هُنَا مُضْمر كَأَنَّهُ قَالَ: وَيَقُولُونَ: مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك ".
стр. 514
وَيدل عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ من عِنْد الله فَمَا لهَؤُلَاء الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا﴾ .
وَقيل نزلت عَلَى سَبَب: وَهُوَ مَا فعل الرُّمَاة يَوْم أحد من إخلالهم بِالْمَكَانِ الَّذِي أَمرهم رَسُول الله ﷺ َ - بملازمته. فالحسنة مَا أَصَابُوا من الْقَتْل والسبي والغنائم من الْكفَّار. والسيئة مَا أُصِيب مِنْهُم من الْقَتْل وَالْجرْح.
وَنحن إِن جعلنَا أَفعَال الْعباد من الله خلقا ومشيئة وتقديرا فَهِيَ من الْعباد فعل وَكسب. وَبِهَذَا الْمَعْنى صحت إِضَافَة الْأَفْعَال إِلَى الْعباد وتحققت مِنْهُم الْأَعْمَال.
стр. 515
وَقد ورد فِي الْكتاب الدَّلَائِل عَلَى كل وَاحِد من هذَيْن، فاتبعنا الْقُرْآن وجرينا مَعَه بِمَا دلّ عَلَيْهِ من أَن الْأَعْمَال مخلوقة لله تَعَالَى مكتسبة من الْعباد.
فالآية الأولى وَهِي قَوْله: ﴿كل من عِنْد الله﴾ دلّت عَلَى أَنَّهَا من الله خلقا وتقديرا وَقَضَاء.
وَالْآيَة الثَّانِيَة دلّت عَلَى أَنَّهَا من الْعباد كسبا وفعلا. وعَلى هَذَا يحمل جَمِيع مَا ورد فِي الْقُرْآن من تَحْقِيق أَعمال الْعباد، وَإِثْبَات أفعالهم، وإضافتها إِلَيْهِم.
وَكَذَلِكَ مَا ورد فِي الْقُرْآن من ذكر الْجَزَاء عَلَى الطَّاعَات، وَالْعِقَاب عَلَى الْمعاصِي. إِنَّمَا صَحَّ إِطْلَاق هَذَا اللَّفْظ وَإِن كَانَ مَا يَفْعَله مَحْض الْفضل عَلَى مَا نطق بِهِ الْكتاب. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أحلنا دَار المقامة من فَضله﴾ . وَقَالَ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زكى مِنْكُم من أحد أبدا﴾
стр. 516
٣٩ - وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " مَا مِنْكُم من أحد ينجيه عمله قَالُوا: وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ: وَلَا أَنا، إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمته ".
وَقَالُوا: إِذا جعلنَا أَفعَال الْعباد مخلوقة لله - تَعَالَى - لم يُمكن تَحْقِيق أَفعَال الْعباد وأعمالهم، لِأَن الْفِعْل الْوَاحِد لَا يتَصَوَّر من فاعلين .
وَكَذَلِكَ ذكر الْجَزَاء عَلَى الْأَعْمَال: دَلِيل عَلَى أَن أَفعَال الْعباد بأجمعها منسوبة إِلَى الْعباد، وَلَيْسَ لله تَعَالَى فِيهَا صنع وَلَا خلق. لِأَن الْجَزَاء إِنَّمَا يكون من الْمجَازِي عَلَى فعل الْغَيْر لَا عَلَى فعل نَفسه - وَهل يتَصَوَّر فِي الْفِعْل أَن يتوعد أحد أحدا عَلَى فعل نَفسه، أَو يثيبه عَلَى فعل نَفسه؟
وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَضَلَّهُ الله على علم﴾ . أَي وجده ضَالًّا. أَو سَمَّاهُ ضَالًّا. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَغْفَلنَا قلبه عَن ذكرنَا﴾ أَي وَجَدْنَاهُ ضَالًّا. وَلَهُم تأويلات بعيدَة مُنكرَة.
стр. 517
وَقَوْلهمْ: لَا يجوز فعل من فاعلين فَالَّذِي يعْتَمد عَلَيْهِ أَرْبَاب الدّين وَالسّنة ويعولون عَلَيْهِ أصلان:
أَحدهمَا: أَن يعلم ويعتقد أَن فِي الدّين أمورا يلْزمنَا الْإِيمَان بجملتها وَلَا يَصح وصولنا إِلَى تَفْصِيل حقائقها، وسبيلنا أَن ننتهي إِلَى مَا حد لنا فِيهِ، وَأَن نرد الْأَمر إِلَى مَا ورد من التَّوْقِيف من أَحْكَامهَا.
قَالَ بعض الْعلمَاء: إِذا انْتهى الْكَلَام إِلَى الله، وَإِلَى مَا تفرد بِهِ من الْعلم، فَلَيْسَ إِلَّا الِانْتِهَاء والتوقيف.
وَالْأَصْل الآخر: أَن يعلم أَنه لَيْسَ مَا لَا يُدْرِكهُ الْعقل فَلَا يجوز اعْتِقَاده فِي الدّين، وَقد غلط النَّاس فِي هَذَا غَلطا عَظِيما، فجلعوا مَا يعجز الْعقل عَن الْإِحَاطَة بِهِ مستحيلا فِي بَاب الدّين، وَقَالُوا: لَا يجوز أَن يعْتَقد إِلَّا مَا يُدْرِكهُ الْعقل.
وَإِنَّمَا قَول أهل السّنة: أَن مَا لَا يُدْرِكهُ الْعقل فَمن حَقه التَّوْقِيف وتفويض علمه إِلَى الله تَعَالَى، وَترك الْخَوْض فِيهِ، وَلَا نقُول إِنَّه يعرض على
стр. 518
ميزَان الْعُقُول فَإِن استقام قبل، وَإِلَّا طرح، فَهَذَا مَذْهَب من يَبْنِي دينه عَلَى الْمَعْقُول.
فَأَما من جعل أساس دينه الِاتِّبَاع فَإِنَّمَا طَرِيقه مَا بَيناهُ، وَإِذا عرفت هذَيْن الْأَصْلَيْنِ فَلَا تغفل عَنْهُمَا فِي شَيْء مِمَّا يُورِدهُ أهل الْبِدْعَة، فَإِن الْجَواب عَن مَا يوردونه مَعَ إحكام هذَيْن الْأَصْلَيْنِ سهل.
وَبَيَان هَذَا السُّؤَال الَّذِي أوردهُ أَنا عرفنَا أَن الْأَفْعَال الَّتِي يَفْعَلهَا الْعباد مخلوقة لله بِالْكتاب وَالسّنة، وَعلمنَا أَنَّهَا مكسوبة للعباد بِالْكتاب وَالسّنة، فوقفنا حَيْثُ وقف بِنَا الشَّرْع، وَلم نتجاوز الْحَد الَّذِي ضربه لنا، وَلم نعارضه بكيف، وَلَا لم؟
وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة حد الْعُبُودِيَّة، والطواعية من العَبْد للخالق، فَإِنَّهُ لَا مُعَارضَة للمملوك عَلَى الْمَالِك وَلَا للْعَبد عَلَى السَّيِّد، وَإِنَّمَا سَبيله الِامْتِثَال،
стр. 519
وَالْقَبُول، والرب يفعل مَا يَشَاء.
فصل
وَأما الْجَواب عَن قَوْلهم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ الْآيَة. فَلَا تعلق لَهُم بِهَذِهِ الْآيَة.
стр. 520
لِأَن الْكفَّار إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الِاسْتِهْزَاء وَترك التَّصْدِيق، فكذبهم فِي قَوْلهم كَمَا كذب الْمُنَافِقين فِي شَهَادَتهم. وَقَول الْمُنَافِقين إِن مُحَمَّدًا رَسُول الله كَانَ حَقًا، وَلَكِن لما لم يكن مَعَه تَصْدِيق الْقُلُوب قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ . كَذَلِك الْأَشْيَاء كلهَا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، وَلَكِن لما قَالَ هَؤُلاءِ عَلَى طَرِيق الِاسْتِهْزَاء كذبهمْ الله تَعَالَى.
وَأما قَوْلهم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هدَاهُم﴾ فَلَا حجَّة لَهُم فِيهَا. لِأَن هَذِهِ الْآيَة خرجت عَلَى سَبَب وَهُوَ: أَنه لما نزل تَحْرِيم الْخمر، وشدد فِيهَا، سَأَلُوا النَّبِي ﷺ َ - عَمَّن مَاتَ وَهُوَ يشْربهَا؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هدَاهُم﴾
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا﴾ فالآية: خرجت عَلَى بَيَان أَن الأعدل والأبلغ أَن يبْعَث إِلَى كل خلق من جنسهم، فَأكْثر مَا فِيهِ: هُوَ التبكيت والتعيير فِي ترك الْأَمر.
стр. 521
وَنحن وَإِن قُلْنَا إِن أَفعَال العَبْد من الله خلقا وتقديرا، وَمن الْعباد كسبا وفعلا. وَبِهَذَا الْمَعْنى توجه الْأَمر، وَإِذا صَحَّ توجه الْأَمر صَحَّ التبكيت والتعيير، وإلزام الْعقُوبَة بترك الْأَمر.
стр. 522
بَاب فِي ذكر الْوَعْد، والوعيد
стр. 523
٤٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عبد الْغفار، أَنا أَبُو بكر بْن أَبِي نصر، نَا أَبُو الشَّيْخ، نَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، وَأَبُو حَفْصٍ السُّلَمِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى. قَالُوا: نَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، نَا ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلِهِ ثَوَابًا فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ، وَمَنْ أَوْعَدَهُ عَلَى عَمَلِهِ عِقَابًا فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخ، نَا مُحَمَّد بن حَمْزَة نَا أَحْمَد بن الْخَيل نَا الْأَصْمَعِي قَالَ: جَاءَ عَمْرو بن عبيد إِلَى عَمْرو بن الْعَلَاء فَقَالَ: يَا
стр. 524
أَبَا عَمْرو؟ ويخلف الله مَا وعده؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَرَأَيْت من أوعده الله عَلَى عمل عقَابا، أيخلف الله وعده فِيهِ؟ فَقَالَ: أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: من العجمة أتيت يَا أَبَا عُثْمَان. إِن الْوَعْد غير الْوَعيد. إِن الْعَرَب لَا تعد عاراً وَلَا خلفا أَن تعد شرا، ثمَّ لَا تَفْعَلهُ. ترى ذَلِكَ كرما وفضلا.
وَإِنَّمَا الْخلف أَن تعد خيرا ثمَّ لَا تَفْعَلهُ. قَالَ: فأوجدني هَذَا فِي كَلَام الْعَرَب؟ قَالَ: نعم. أما سَمِعت إِلَى قَول الأول:
(وَلَا يرهب ابْن الْعم مَا عِشْت صولتي ... وَلَا أَنا أخْشَى صولة المتهدد)
(وَإِنِّي وَإِن أوعدته، ووعدته ... لمخلف ميعادي، ومنجز موعدي)
قَالَ أَبُو الشَّيْخ: حكى لي عَن يحيي بن معَاذ قَالَ: الْوَعْد والوعيد حق. فالوعد حق الْعباد عَلَى الله، ضمن لَهُم إِذا فعلوا كَذَا أَن يعطيهم كَذَا.
стр. 525
وَمن أولى بِالْوَفَاءِ من الله. الْوَعيد حَقه عَلَى الْعباد، قَالَ: لَا تَفعلُوا كَذَا فأعذبكم، فَفَعَلُوا فَإِن شَاءَ عَفا، وَإِن شَاءَ أَخذ لِأَنَّهُ حَقه وأولاهما بربنا ﵎ الْعَفو وَالْكَرم إِنَّه غَفُور رَحِيم.
وَمِمَّا يدل عَلَى ذَلِكَ وَيُؤَيِّدهُ، خبر كَعْب بن زُهَيْر حِين أوعده رَسُول الله ﷺ َ - فحين جَاءَهُ تَائِبًا عَفا عَنهُ، وَكَانَ فِي عَفوه دَلِيل أَن إِطْلَاقه القَوْل كَانَ باستثناء، وَإِن لم يكن ذَلِكَ مسموعا مِنْهُ، لِأَن ذَلِكَ لَو لم يكن كَذَلِك كَانَ يُؤَدِّي إِلَى الْكَذِب، وحاشى رَسُول الله ﷺ َ - من ذَلِكَ. وَفِيه يَقُول كَعْب بن زُهَيْر:
(أنبئت أَن رَسُول الله أوعدني ... وَالْعَفو عِنْد رَسُول الله مأمول)
فَأخْبر أَنه قد أوعد ثمَّ رجا مِنْهُ الْعَفو. وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَن ذَلِكَ لم يكن عِنْد الْعَرَب خلفا، إِذْ كَانَ فِي بَاطِنه اسْتثِْنَاء. وَكَذَلِكَ سَبِيل آي الْوَعيد عندنَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
стр. 526
فصل
أَخْبَرَنَا أَحْمَد، أَنا أَبُو بكر، نَا أَبُو الشَّيْخِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرو نَا رستة. قَالَ سَمِعت عبد الرَّحْمَن يَقُول: سَأَلَ الْفضل بن غَانِم، سُفْيَان عَن الْجَبْر فَقَالَ: جبر الله الْعباد عَلَى الْمعاصِي. فَغَضب سُفْيَان من ذَلِكَ. وَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا الْجَبْر، وَلَكِنِّي أَقُول لم يجد من إِتْيَانه بدا. فَقَالَ عبد الرَّحْمَن: الْمَعْنى وَاحِد وَهَذَا أحسن.
стр. 527
قَالَ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخ، أَنا حَامِد بن شُعَيْب الْبَلْخِي، نَا مُحَمَّد بن بكار نَا أَبُو معشر، عَن مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: إِنَّمَا تسمى الْجَبَّار لِأَنَّهُ يجْبر الْخلق عَلَى مَا أَرَادَ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، نَا عَبْدُ الله بن أَحْمَد، نَا أَبِي، نَا عبد الصَّمد، نَا حَمَّاد، نَا حميد قَالَ: قدم الْحسن مَكَّة فَقَالَ لَهُ رجل: يَا أَبَا سَعِيد، من خلق الشَّيْطَان؟ قَالَ: سُبْحَانَ الله: هَل من خَالق غير الله؟ ثمَّ قَالَ: إِن الله خلق الشَّيْطَان، وَخلق الشَّرّ، وَخلق الْخَيْر. فَقَالَ شيخ مِنْهُم: قَاتلهم الله يكذبُون عَلَى الشَّيْخ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَد، نَا عبد الله أَحْمَد، نَا أَبِي، نَا ابْن علية، نَا خَالِد الْحذاء قَالَ: قلت لِلْحسنِ: أَرَأَيْت آدم خلق للجنة أم للْأَرْض؟ قَالَ:
стр. 528
للْأَرْض قَالَ: قلت لِلْحسنِ: أَرَأَيْت لَو اعْتصمَ؟ قَالَ: لم يكن بُد من أَن يَأْتِي عَلَى الْخَطِيئَة.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَد، نَا عبد الله، نَا أَبِي، نَا إِبْرَاهِيم بن خَالِد، نَا رَبَاح قَالَ: سَأَلت عمر بن حبيب عَن قَوْله : ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فليكفر﴾ . فَقَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُد بن نَافِع أَن مُجَاهدًا كَانَ يَقُول: فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر " فَلَيْسَ بمعجزي ". وَيَقُول: وَعِيد من الله .
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَد، نَا عبد الله، عَن حوثرة بن أَشْرَس قَالَ: سَمِعت سَلاما أَبَا الْمُنْذر غير مرّة يَقُول: سلوهم عَن الْعلم. هَل علم أَو لم يعلم؟ فَإِن قَالُوا: قد علم. فَلَيْسَ فِي أَيْديهم شَيْء. وَإِن قَالُوا: لم يعلم، فقد حلت دِمَاؤُهُمْ.
стр. 529
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخِ، نَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّد القَاضِي، نَا مسيح ابْن حَاتِم، نَا أَبُو عُثْمَان الْمَازِني قَالَ: كَانَ بمرو حمال يحمل القت، وَكَانَ يَقُول: أَلا تجمع بيني وَبَين النظام، كلما مر بِي يَقُول هَذَا، فَمر بِي يَوْمًا والنظام عِنْدِي فَقلت للنظام: قد آذَانِي هَذَا مِمَّا يَقُول لي: اجْمَعْ بيني وَبَين النظام، فَقلت لَهُ: هَذَا النظام. فَطرح الكارة، ثمَّ جَاءَ إِلَى النظام فَقَالَ: سل. فَقَالَ لَهُ النظام ": كلف الله الْعباد مَا لَا يُطِيقُونَ؟ فَقَالَ لَهُ الْحمال: كلفهم مَا لَا يطيقُونَهُ إِلَّا بِهِ. قَالَ: فَانْقَطع النظام وَمضى الْحمال. فَقَالَ النظام: مَا دَريت وَالله أَي شَيْء أرد عَلَيْهِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخ، نَا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن حَكِيم، نَا عبد الْعَزِيز ابْن عمرَان. قَالَ: سَمِعت أَبَا يحيى مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمقري قَالَ: سَمِعت أَبِي يَقُول: كَانَ غيلَان يَشْتَهِي أَن يلقى إياسا وَكَانَ إِيَاس يَشْتَهِي أَن يلتقي مَعَ غيلَان. فاجتمعا بمنى فتكلما. فَقَالَ غيلَان: أَنْت إِيَاس، وَقَالَ إِيَاس:
стр. 530
أَنْت غيلَان. فَقَالَ إِيَاس. أَسأَلك عَن مَسْأَلَة وَاحِدَة وتسألني عَن مائَة مَسْأَلَة. فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه: قد أنصفك. قَالَ: فسلني. قَالَ أَخْبَرَنِي مَا خير شَيْء ذكر الله فِي الْإِنْسَان؟ قَالَ: الْعقل. قَالَ: فمقسوم هُوَ أم مُبَاح؟ فَسكت فَلم يجبهُ. فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه: أجبه. فَقَامَ وَلم يجبهُ. فَقَالَ: وَيْلكُمْ أَتَدْرُونَ عَن أَي شَيْء سَأَلَني. إِن قلت: مُبَاح. قَالَ: فَمَا لَك لَا تَأْخُذهُ كُله، وَإِن قلت: مقسوم، رجعت إِلَى قَوْله.
وَقَالَ عَليّ بن ميثم: كَانَ رجل يخدمنا وَكَانَ قدريا، فغاظني يَوْمًا فَقلت لَهُ: يَأْمر الله بِشَيْء لَا يُريدهُ؟ قَالَ: معَاذ الله. قلت أَمر الله إِبْرَاهِيم أَن يذبح إِسْمَاعِيل؟ قَالَ: نعم. قلت: فأراده - يَعْنِي الذّبْح - فَسكت. فَكَانَ لَا يخدمني بعد ذَلِكَ.
وَقَالَ عبد الْجَبَّار: كَانَ قثم علىالبصرة يَشْتَهِي أَن يجمع بَين أَبِي الْهُذيْل وَعلي بن ميثم، فاجتمعا يَوْمًا. فَقَالَ لَهُ عَليّ بن ميثم: أَخْبَرَنِي عَن
следующие страницы →