← Книги сунны

Книги сунны · id 6446

الحجة في بيان المحجة

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (1 030 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

٦٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا إِسْمَاعِيلُ بن مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيلَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَنَزَلَ بَعْدَهُ فِي عِشْرِينَ سَنَةً. ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرا﴾ . ﴿وقرآنا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا﴾ . ٦١ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجَوَّازُ بِمَكَّةَ، نَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي رَمَضَانَ فَكَانَ اللَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ شَيْئًا أَحْدَثَهُ بِالْوَحْي.

стр. 562

٦٢ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، نَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سعد، نَا أبي عَن صَالح ابْن كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول الله : أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ َ - إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَأحمد بن مُحَمَّد ابْن زِيَادٍ قَالا: نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ، نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَأَخْبَرَنَا خَيْثَمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالا: نَا الْعَبَّاس ابْن الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي قَالا: نَا الْأَوْزَاعِيّ، حَدثنِي ابْن شهَاب، عَن عَليّ ابْن الْحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ َ - إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ َ -: " مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذْ رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ اللَّيْلَةَ رجل عَظِيم؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّهَا لَمْ تُرْمَ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَتْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَقُولُ الَّذِينَ يَلُونَ

стр. 563

حَملَة الْعَرْش: مَاذَا قل ربكُم ؟ فيستخبر أهل السَّمَاوَات بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَخْطَفُهُ الْجِنُّ فَيُلْقُونَهُ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ، فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ الْحَقُّ وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ ". فصل قَالَ بعض عُلَمَاء أهل السّنة: إِن الله عَلَى عَرْشه بَائِن من خلقه. وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: هُوَ بِذَاتِهِ فِي كل مَكَان. وَقَالَت الأشعرية: الاسْتوَاء عَائِد إِلَى الْعَرْش. قَالَ: وَلَو كَانَ كَمَا قَالُوا: لكَانَتْ الْقِرَاءَة بِرَفْع الْعَرْش، فَلَمَّا كَانَت بخفض الْعَرْش دلّ عَلَى أَنه عَائِد إِلَى الله تَعَالَى. وَقَالَ بَعضهم: اسْتَوَى بِمَعْنى استولى قَالَ الشَّاعِر:

стр. 564

(اسْتَوَى بشر عَلَى الْعرَاق ... من غير سيف وَدم مهراق) والاستيلاء لَا يُوصف إِلَّا من قدر عَلَى الشَّيْء بعد الْعَجز عَنهُ، وَالله تَعَالَى لم يزل قَادِرًا عَلَى الْأَشْيَاء ومستوليا عَلَيْهَا. أَلا ترى أَنه لَا يُوصف بشر بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْعرَاق إِلَّا وَهُوَ عَاجز عَنهُ قبل ذَلِكَ. قيل لذِي النُّون الْمصْرِيّ: مَا أَرَادَ الله بِخلق الْعَرْش؟ قَالَ: أَرَادَ أَن لَا يتوه قُلُوب العارفين. ٦٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ فِي تَفْسِير قَوْله : ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا وَهُوَ سادسهم﴾ .

стр. 565

قَالَ: هُوَ عَلَى عَرْشه، وَعلمه فِي كل مَكَان. ٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ، أَنا أَبُو سَعِيدٍ النَّقَّاشُ، أَنا أَبُو الْقَاسِم البوسبخي، نَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نَا أَبُو الرَّبِيعِ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، نَا شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: أَتَى حُصَيْنٌ الْخُزَاعِيَّ رَسُولَ الله ﷺ َ - فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " يَا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا " قَالَ: سَبْعَةً؛ سِتَّةٌ فِي الأَرْضِ. وَوَاحِدٌ فِي السَّمَاءِ. قَالَ: " فَأَيُّهُمْ تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟ " قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: يَا حُصَيْنُ أَسْلِمْ، فَإِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ. قَالَ: فَذَهَبَ. يَعْنِي فَأَسْلَمَ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالَ: يَا رَسُول الله عَلمنِي الْكَلِمَتَيْنِ اللتيين وَعَدْتَنِي. قَالَ " قُلِ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي ". ٦٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُطِيعٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّيُورِيُّ، أَنا أَبُو الْفَرَجِ الْبُرْجِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سَمُّوَيْهِ، نَا عبد الله ابْن صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ فضَالة بن عبيد، عَن أَبِي الدَّرْدَاء ﵁ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَذَكَرَ أَنَّ أَبَاهُ

стр. 566

احْتَبَسَ بَوْلَهُ، وَأَصَابَهُ حَصْرُ الْبَوْلِ، فَعَلَّمَهُ رُقْيَةً سَمعهَا من النَّبِي ﷺ َ -: " رَبنَا الله الَّذِي فِي السَّمَاء تقدس اسْمك، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حَوْبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، فَأَنْزِلْ شِفَاءً مِنْ شفائك وَرَحْمَة من رحمتك، عَلَى هَذَا الوجع فَيَبْرَأَ ". وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْقِيَهُ بِهَا، فَرَقَاهُ بِهَا فَبَرَأَ . فصل قَالَ بعض عُلَمَاء السّنة: حكى ابْن فورك فِي مُجَرّد قَوْله: إِن اسْتِوَاء الله عَلَى الْعَرْش عِنْد أَبِي الْحسن من صِفَات الْأَفْعَال. وَكَذَلِكَ الْمَجِيء فِي قَوْله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صفا﴾ . وَقَوله:

стр. 567

﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله﴾ . وَكَذَلِكَ النُّزُول فِي قَول النَّبِي ﷺ َ -: ٦٦ - " ينزل الله ﵎ كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ". وَهَذَا كُله عَلَى خلاف مَا مضى عَلَيْهِ الصَّدْر الأول وَمن تَبِعَهُمْ. وَزعم هَؤُلاءِ: أَن معنى قَوْله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أَي ملكه وَأَنه لَا اخْتِصَاص لَهُ بالعرش أَكثر مِمَّا لَهُ بالأماكن، وَهَذَا إِلْغَاء لتخصيص الْعَرْش وتشريفه. قَالَ أهل السّنة: خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَكَانَ عَرْشه عَلَى المَاء مخلوقا قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. ثمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش بعد خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض عَلَى مَا ورد بِهِ النَّص. وَلَيْسَ مَعْنَاهُ المماسة، بل هُوَ مستو عَلَى عَرْشه بِلَا كَيفَ، كَمَا أخبر عَن نَفسه. وَزعم هَؤُلاءِ: أَنه لَا يجوز الْإِشَارَة إِلَى الله سُبْحَانَهُ بالرؤوس

стр. 568

والأصابع إِلَى فَوق، فَإِن ذَلِكَ يُوجب التَّحْدِيد. وَقد أجمع الْمُسلمُونَ أَن الله هُوَ الْعلي الْأَعْلَى، ونطق بذلك الْقُرْآن فِي قَوْله: ﴿سَبِّحِ اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ وَزَعَمُوا: أَن ذَلِكَ بِمَعْنى علو الْغَلَبَة لَا علو الذَّات. وَعند الْمُسلمين أَن الله علو الْغَلَبَة. والعلو من سَائِر وُجُوه الْعُلُوّ لِأَن الْعُلُوّ صفة مدح، فَثَبت أَن لله تَعَالَى علو الذَّات، وعلو الصِّفَات، وعلو الْقَهْر وَالْغَلَبَة. وَفِي مَنعهم الْإِشَارَة إِلَى الله سُبْحَانَهُ من جِهَة الفوق خلاف مِنْهُم لسَائِر الْملَل. لِأَن جَمَاهِير الْمُسلمين، وَسَائِر الْملَل قد وَقع مِنْهُم الْإِجْمَاع عَلَى الْإِشَارَة إِلَى الله جلّ ثَنَاؤُهُ من جِهَة الفوق فِي الدُّعَاء، وَالسُّؤَال. فاتفاقهم بأجمعهم عَلَى ذَلِكَ حجَّة. وَلم يستجز أحد الْإِشَارَة إِلَيْهِ من جِهَة الْأَسْفَل، وَلَا من سَائِر الْجِهَات سوى جِهَة الفوق. وَقَالَ الله تعال: ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ . وَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يرفعهُ﴾ . وَقَالَ: ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾

стр. 569

وَأخْبر عَن فِرْعَوْن أَنه قَالَ: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَات فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ فَكَانَ فِرْعَوْن قد فهم عَن مُوسَى أَنه يثبت إِلَهًا فَوق السَّمَاء حَتَّى رام بصرحه أَن يطلع إِلَيْهِ، وأتهم مُوسَى بِالْكَذِبِ فِي ذَلِكَ. والجهمية لَا تعلم أَن الله فَوْقه بِوُجُود ذَاته، فهم أعجز فهما من فِرْعَوْن. وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه: ٦٧ - سَأَلَ الْجَارِيَة الَّتِي أَرَادَ مَوْلَاهَا عتقهَا. أَيْن الله؟ قَالَت: فِي السَّمَاء، وأشارت برأسها. وَقَالَ: من أَنا؟ فَقَالَت: أَنْت رَسُول الله. فَقَالَ: اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة. فَحكم النَّبِي ﷺ َ - بإيمانها حِين قَالَت: إِن الله فِي السَّمَاء وتحكم الْجَهْمِية بِكفْر من يَقُول ذَلِكَ . فصل قَالَ لنا الإِمَام أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ ﵀: قَالُوا: جعلتم

стр. 570

أصل الدّين هُوَ الِاتِّبَاع ورددتم عَلَى من يرجع إِلَى الْمَعْقُول، وَيطْلب الدّين من قبله، وَهَذَا خلاف الْكتاب؟ لِأَن الله ذمّ التَّقْلِيد فِي الْقُرْآن، وَندب النَّاس إِلَى النّظر وَالِاسْتِدْلَال، وَالرُّجُوع إِلَى الِاعْتِبَار وَإِنَّمَا ورد السّمع مؤيدا لما يدل عَلَيْهِ الْعقل وَمن تدبر الْقُرْآن، وَنظر فِي مَعَانِيه وجد تَصْدِيق مَا قُلْنَاهُ. وَالْجَوَاب: قد دللنا فِيمَا سبق أَن الدّين هُوَ الِاتِّبَاع، وَذكرنَا فِي بَيَانه ودلائله مَا يجد بِهِ الْمُؤمن شِفَاء الصَّدْر، وطمأنينة الْقلب بِحَمْد الله وَمِنْه. وَأما لفظ التَّقْلِيد فَلَا نعرفه جَاءَ فِي شَيْء من الْأَحَادِيث، وأقوال السّلف فِيمَا يرجع إِلَى الدّين، وَإِنَّمَا ورد الْكتاب وَالسّنة بالاتباع. وَقد قَالُوا: إِن التَّقْلِيد إِنَّمَا هُوَ: قبُول قَول الْغَيْر من غير حجَّة. وَأهل السّنة إِنَّمَا تبعوا قَول رَسُول الله ﷺ َ - وَقَوله: نفس الْحجَّة. فَكيف يكون هَذَا قبُول قَول الْغَيْر من غير حجَّة، فَإِن الْمُسلمين لَهُم الدَّلَائِل السمعية عَلَى نبوة رَسُول الله ﷺ َ -، لما نقل إِلَيْنَا أهل الإتقان والثقات من الروَاة مَا لَا يعد كَثْرَة من المعجزات، والبراهين، والدلالات الَّتِي ظَهرت عَلَيْهِ، وَقد نقلهَا أَصْحَاب الحَدِيث فِي كتبهمْ ودونوها. فَلَمَّا صحت عِنْدهم نبوته، ووجدوا

стр. 571

صدقه فِي قُلُوبهم وَجب عَلَيْهِم تَصْدِيقه فِيمَا أنبأهم من الغيوب، ودعاهم إِلَيْهِ من وحدانية الله، وَإِثْبَات صِفَاته، وَسَائِر شَرَائِط الْإِسْلَام، وعَلى أَنا لَا ننكر النّظر قدر مَا ورد بِهِ الْكتاب وَالسّنة، لينال الْمُؤمن بذلك زِيَادَة الْيَقِين، وثلج الصَّدْر، وَإِنَّمَا أَنْكَرْنَا طَريقَة أهل الْكَلَام عَلَى مَا أسسوا فَإِنَّهُم قَالُوا: أول مَا يجب عَلَى الْإِنْسَان النّظر الْمُؤَدِّي إِلَى معرفَة الْبَارِي، وَهَذَا قَول

стр. 572

مخترع لم يسبقهم إِلَيْهِ أحد من السّلف، وأئمة الدّين، وَلَو أَنَّك تدبرت جَمِيع أَقْوَالهم وكتبهم لم تَجِد هَذَا فِي شَيْء مِنْهَا، لَا مَنْقُولًا من النَّبِي ﷺ َ -، وَلَا من الصَّحَابَة ﵁، وَكَذَلِكَ من التَّابِعين بعدهمْ. وَكَيف يجوز أَن يخفى عَلَيْهِم أول الْفَرَائِض وهم صُدُور هَذِهِ الْأمة، والسفراء بَيْننَا وَبَين رَسُول الله ﷺ َ -؟ وَلَئِن جَازَ أَن يخفى الْفَرْض الأول عَلَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، حَتَّى لم يبينوا لأحد من هَذِهِ الْأمة مَعَ شدَّة اهتمامهم بِأَمْر الدّين، وَكَمَال عنايتهم حَتَّى استخرجه هَؤُلاءِ بلطيف فطنتهم فِي زعمهم. فَلَعَلَّهُ خَفِي عَلَيْهِم فَرَائض أُخر. وَلَئِن كَانَ هَذَا جَائِزا فَلَقَد ذهب الدّين واندرس. لأَنا إِنَّمَا نَبْنِي أقوالنا عَلَى أَقْوَالهم. فَإِذا ذهب الأَصْل فَكيف يُمكن الْبناء عَلَيْهِ؟ نَعُوذ بِاللَّه من قَول يُؤَدِّي إِلَى هَذِهِ الْمقَالة الَّتِي تُؤدِّي إِلَى الانسلاخ من الدّين، وتضليل الْأَئِمَّة الماضيين. هَذَا وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يَدْعُو الْكفَّار إِلَى الْإِسْلَام والشهادتين .

стр. 573

٦٨ - قَالَ ﷺ َ - لِمعَاذ حِين بَعثه إِلَى الْيمن: " ادعهم إِلَى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ". ٦٩ - وَقَالَ ﷺ َ -: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا الله ". وَمثل هَذَا كثير، وَلم يرو أَنه دعاهم إِلَى النّظر وَالِاسْتِدْلَال، وَإِنَّمَا يكون حكم الْكَافِر فِي الشَّرْع أَنه يدعى إِلَى الْإِسْلَام، فَإِن أَبى وَسَأَلَ النظرة والإمهال لَا يُجَاب إِلَى ذَلِكَ، وَلكنه: إِمَّا أَن يسلم أَو يُعْطي الْجِزْيَة، أَو يقتل. وَفِي الْمُرْتَد: إِمَّا أَن يسلم أَو يقتل. وَفِي مُشْركي الْعَرَب عَلَى مَا عرف. وَإِذا جعلنَا الْأَمر عَلَى مَا قَالَه أهل الْكَلَام، لم يكن الْأَمر عَلَى هَذَا الْوَجْه وَلَكِن يَنْبَغِي أَن يُقَال لَهُ: - يَعْنِي الْكَافِر - عَلَيْك النّظر وَالِاسْتِدْلَال لتعرف الصَّانِع بِهَذَا الطَّرِيق، ثمَّ تعرف الصِّفَات بدلائلها وطرقها. ثمَّ مسَائِل كَثِيرَة إِلَى أَن يصل الْأَمر إِلَى النبوات، وَلَا يجوز عَلَى طريقهم الْإِقْدَام عَلَى هَذَا الْكَافِر بِالْقَتْلِ والسبي إِلَّا بعد أَن يذكر لَهُ هَذَا ويمهل. لِأَن النّظر وَالِاسْتِدْلَال لَا يكون إِلَّا بمهلة، خُصُوصا إِذا طلب الْكَافِر ذَلِكَ، وَرُبمَا لَا يتَّفق النّظر وَالِاسْتِدْلَال فِي

стр. 574

مُدَّة يسيرَة، فَيحْتَاج إِلَى إمهال الْكفَّار مُدَّة طَوِيلَة تَأتي عَلَى سِنِين، ليتمكنوا من النّظر عَلَى التَّمام والكمال. وَهَذَا خلاف إِجْمَاع الْمُسلمين. وَقد حُكيَ عَن أَبِي الْعَبَّاس بن سُرَيج أَنه قَالَ: لَو أَن رجلا جَاءَنَا وَقَالَ: إِن الْأَدْيَان كَثِيرَة فخلوني أنظر فِي الْأَدْيَان فَمَا وجدت الْحق فِيهِ قبلته، وَمَا لم أجد فِيهِ تركته، لن نخليه، وكلفناه الْإِجَابَة إِلَى الْإِسْلَام وَإِلَّا أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْقَتْل. وَقد جعل أهل الْكَلَام من تخلف عَن الْإِسْلَام نَاظرا فِيهِ وَفِي غَيره من الْأَدْيَان مُقيما عَلَى الطَّاعَة مَحْمُودًا فِي فعله، وَهَذَا جهل عَظِيم فِي الْإِسْلَام فَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلهم: إِذا مَاتَ فِي مُدَّة النّظر والمهلة، قبل قبُول الْإِسْلَام أَنه مَاتَ مُطيعًا لله تَعَالَى مُقيما عَلَى أمره لَا بُد من إِدْخَاله الْجنَّة، كَمَا يدْخل الْمُسلمُونَ. فقد جعلُوا غير الْمُسلم مُطيعًا لله تَعَالَى مؤتمرا بأَمْره مَحْمُودًا فِي فعله، وأوجبوا إِدْخَاله الْجنَّة. وَقد قَالَ الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسرين﴾

стр. 575

٧٠ - وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مسلمة ". وَهَذَا حَدِيث ثَابت لَا شكّ فِيهِ. وَمِمَّا يدل عَلَى صِحَة مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ من أَن الدّين طَرِيقه الِاتِّبَاع، أَنا إِذا سلكنا طَرِيق الْإِنْصَاف، وطرحنا المكابرات من جَانب فَلَا بُد من الانقياد لما قُلْنَاهُ، لِأَن الْمَقْصُود فِي الِابْتِدَاء إِذا كَانَ هُوَ إِصَابَة الْحق: فليتدبر الْمَرْء الْحق: فليتدبر الْمَرْء الْمُسلم المسترشد أَحْوَال هَؤُلاءِ الناظرين كَيفَ تحيروا فِي نظرهم، وارتكسوا فِيهِ، فلئن نجا وَاحِد بنظره فقد هلك الألوف من النَّاس، وَإِلَى أَن يبصر وَاحِد فواحد بنظره طَرِيق الْحق بِنَظَر رَحْمَة سبق من الله لَهُ فقد ارتطم بطرِيق الْكفْر والضلالات والبدع بنظرهم أَضْعَاف أَضْعَاف عدد الْأَوَّلين. وَهل كَانَت الزندقة والإلحاد وَسَائِر أَنْوَاع الْكفْر، والضلالات والبدع منشؤها وابتداؤها إِلَّا من النّظر؟ فَلَو أَنهم أَعرضُوا عَن ذَلِكَ، وسلكوا طَرِيق الِاتِّبَاع مَا أداهم إِلَى شَيْء مِنْهَا. فَمَا من هَالك فِي الْعَالم؟ إِلَّا وبدو هَلَاكه من النّظر وَمَا من نَاجٍ فِي الدّين سالك سَبِيل الْحق إِلَّا وبدو نجاته من حسن الِاتِّبَاع، أفيستجيز مُسلم أَن يَدْعُو الْخلق إِلَى مثل هَذَا الطَّرِيق المظلم، ويجعله سَبِيل منجاتهم؟ وَكَيف يستجيز ذُو لب وبصيرة أَن يسْلك مثل هَذَا الطَّرِيق، وَأَنِّي لَهُ الْأمان من هَذِهِ المهالك؟ وَكَيف لَهُ المنجاة من أَوديَة الْكفْر وعامتها، بل جَمِيعهَا إِنَّمَا يهْبط عَلَيْهَا من هَذِهِ الْمرقاة؟ - أَعنِي طلب الْحق من النّظر - وَلَو أعْطى الْخصم النصفة لَا يجد بدا من الْإِقْرَار أَن من كَانَ غوره فِي النّظر أَكثر كَانَت حيرته فِي الدّين أَشد وَأعظم.

стр. 576

وَهل رأى أحد متكلما أَدَّاهُ نظره وَكَلَامه إِلَى تقوى فِي الدّين، أَو ورع فِي الْمُعَامَلَات، أَو سداد فِي الطَّرِيقَة، أَو زهد فِي الدُّنْيَا، أَو إمْسَاك عَن حرَام وَشبهه، أَو خشوع فِي عبَادَة، أَو ازدياد من طَاعَة إِلَّا الشاذ النَّادِر. قل: لَو قلبت الْقِصَّة كنت صَادِقا تراهم أبدا منهمكين فِي كل فَاحِشَة ملتبسين بِكُل قاذورة لَا يرعوون عَن قَبِيح، وَلَا يرتدعون من بَاطِل إِلَّا من عصمه الله. فلئن دلهم النّظر الْيَقِين وَحَقِيقَة التَّوْحِيد، فَلَيْسَ ثَمَرَة الْيَقِين هَذَا وتعسا لتوحيد أداهم إِلَى مثل هَذِهِ الْأَشْيَاء، وأوردهم هَذِهِ المتالف فِي الدّين، وَمن الله التَّوْفِيق وَحسن المعونة. فصل ٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْبَارِيُّ بِبَغْدَادَ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ بُرْهَانٍ، نَا جَعْفَر بن مُحَمَّد الْخُلْدِيِّ، نَا إِبْرَاهِيم ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، نَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نَا عَبْدُ السَّلامِ، عَنْ عُبَيْدَةَ الْهُجَيْمِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو جُرَيٍّ جَابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ: رَكِبْتُ قَعُودًا لِي وَأَتَيْتُ مَكَّةَ فِي طَلَبِهِ فأنخت بِبَاب

стр. 577

الْمَسْجِد، فَإِذا هُوَ جَالس ﷺ َ - وَهُوَ محتبيء بِبُرْدَةٍ لَهَا طَرَائِقُ حُمُرٌ. فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " وَعَلَيْكَ ". قُلْتُ: إِنَّا مَعْشَرَ أَهْلَ الْبَادِيَةِ قَوْمٌ مِنَّا الْجَفَاءُ، فَعَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعَنِي اللَّهُ بِهِنَّ. قَالَ: " ادْنُ " ثَلاثًا فَقَالَ: " أَعِدْ عَلَيَّ ". فَقُلْتُ: إِنَّا مَعْشَرَ أَهْلَ الْبَادِيَةِ قَوْمٌ مِنَّا الْجَفَاءُ، فَعَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعَنِي اللَّهُ بِهِنَّ: فَقَالَ: " اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَوِ الْخَيْرِ شَيْئًا. وَلَوْ أَنْ تَصُبَّ فَضْلَ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَإِذَا لَقِيتَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ فَالْقَهُ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ. وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ فَإِنَّهُ مِنَ الْمَخْيَلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُخْتَالَ. وَإِنِ امْرُؤٌ سَبَّكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلا تَسُبَّهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُهُ لَك أجرا، ويجعله عَلَيْهِ وزرا وَلَا تَسُبَّنَّ شَيْئًا مِمَّا خَوَّلَكَ اللَّهُ ". فَقَالَ أَبُو جُرَيٍّ: فَوَالَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِ مُحَمَّدٍ ﷺ َ - مَا سَبَبْتُ لِي شَاةً، وَلا بَعِيرًا. ٧٢ - قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ إِسْبَالَ الإِزَارِ قَدْ يَكُونُ بِالرَّجُلِ الْقَرْحُ، أَوِ الشَّيْءُ يَسْتَحْيِي مِنْهُ، قَالَ: " لَا بَأْسَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِنَّ رَجُلا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَبِسَ بُرْدَيْنِ فَتَبَخْتَرَ فِيهِمَا، فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ فَمَقَتَهُ، فَأَمَرَ الأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ، وَهُوَ يَتَجَلْجَلُ بَيْنَ الأَرَضِينَ، فَاحْذَرُوا وَقَائِعَ اللَّهِ ".

стр. 578

أخبرنَا أَبُو بكر الصَّابُونِي، أَنا وَالِدِي إِسماعيل الصَّابُونِي قَالَ: وَيثبت أَصْحَاب الحَدِيث نزُول الرب كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا من غير تَشْبِيه لَهُ بنزول المخلوقين، وَلَا تَمْثِيل، وَلَا تكييف، بل يثبتون لَهُ مَا أثْبته رَسُول الله ﷺ َ - وينتهون فِيهِ إِلَيْهِ، ويمرون الْخَبَر الصَّحِيح الْوَارِد بِذكرِهِ عَلَى ظَاهره، ويكلون علمه إِلَى الله ، وَكَذَلِكَ يثبتون مَا أنزلهُ عز اسْمه فِي كِتَابه من ذكر الْمَجِيء، والإتيان الْمَذْكُورين فِي قَوْله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾ . وَقَوله عز اسْمه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صفا﴾ . أَخْبَرَنَا أَبُو بكر، أَنا وَالِدي، أَنا أَبُو بكر بن زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيّ قَالَ: سَمِعت أَبَا حَامِد بن الشَّرْقِي يَقُول: سَمِعت حمدَان السّلمِيّ، وَأَبا دَاوُد الْخفاف،

стр. 579

يَقُولَانِ: سمعنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي يَقُول: قَالَ لي الْأَمِير عبد الله ابْن طَاهِر: يَا أَبَا يَعْقُوب هَذَا الحَدِيث الَّذِي ترويه عَن رَسُول الله ﷺ َ -: ٧٣ - " ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ". كَيفَ ينزل؟ قَالَ: قلت أعز الله الْأَمِير، لَا يُقَال لأمر الرب كَيفَ؟ إِنَّمَا ينزل بِلَا كَيفَ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْعدْل، نَا مَحْبُوب ابْن عبد الرَّحْمَن القَاضِي، حَدَّثَنِي جدي أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمَد بن مَحْبُوب، نَا أَحْمَد بن حيوية، نَا أَبُو عبد الرَّحْمَن الْعَتكِي، نَا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ: سَأَلت عبد الله بن الْمُبَارك عَن نُزُوله لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، فَقَالَ عبد الله: يَا

стр. 580

ضَعِيف لَيْلَة النّصْف ينزل! ؟ . فِي كل لَيْلَة ينزل، فَقَالَ الرجل: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن كَيفَ ينزل؟ أَلَيْسَ يَخْلُو ذَلِكَ الْمَكَان مِنْهُ؟ فَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك: كذ حذائي خويس كن، ينزل كَيفَ يَشَاء. قَالَ: وَسمعت الْحَاكِم أَبَا عبد الله الْحَافِظ يَقُول: سَمِعت أَبَا زَكَرِيَّا يحيى ابْن مُحَمَّد الْعَنْبَري يَقُول: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن أَبِي طَالب يَقُول: سَمِعت أَحْمد ابْن سَعِيد بن إِبْرَاهِيم أَبَا عبد الله الرباطي يَقُول: حضرت مجْلِس الْأَمِير عبد الله ابْن طَاهِر ذَات يَوْم، وَحضر إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يَعْنِي ابْن رَاهَوَيْه، فَسئلَ عَن حَدِيث النُّزُول أصحيح هُوَ؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ: لَهُ بعض قواد عبد الله: يَا أَبَا يَعْقُوب أتزعم أَن الله تَعَالَى ينزل كل لَيْلَة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: كَيفَ ينزل؟ فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق: أثْبته فَوق حَتَّى أصف لَك النُّزُول. فَقَالَ الرجل: أثْبته فَوق. فَقَالَ إِسْحَاق: قَالَ الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فَقَالَ الْأَمِير عبد الله: يَا أَبَا يَعْقُوب هَذَا يَوْم الْقِيَامَة. فَقَالَ إِسْحَاق: أعز الله الْأَمِير، وَمن يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة، من يمنعهُ الْيَوْم؟ قَالَ إِسْمَاعِيل الصَّابُونِي: فَلَمَّا صَحَّ خبر النُّزُول عَن رَسُول الله أقرّ بِهِ أهل السّنة، وقبلوا الْخَيْر، وأثبتوا النُّزُول عَلَى مَا قَالَه رَسُول الله ﷺ َ -، وَلم

стр. 581

يعتقدوا تَشْبِيها لَهُ بنزول خلقه، وَعَلمُوا وَعرفُوا وتحققوا واعتقدوا أَن صِفَات الرب سُبْحَانَهُ لَا تشبه صِفَات الْخلق، كَمَا أَن ذَاته لَا تشبه ذَوَات الْخلق، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول المشبهة والمعطلة علوا كَبِيرا، ولعنهم لعنا كثيرا. ٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصَّابُونِيُّ، أَنا وَالِدِي، أَنا أَبُو طَاهِرِ بْنُ خُزَيْمَةَ، أَنا جَدِّي الإِمَامُ، نَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، نَا إِسْمَاعِيلُ بن علية عَن هسام الدَّسْتُوَائِيِّ. قَالَ الإِمَامُ: وَحَدَّثَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، نَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ - نَا الدَّسْتُوَائِيُّ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بُن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، نَا الْوَلِيدُ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ جَمِيعًا، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، حَدَّثَنِي رِفَاعَةُ ابْن عرابة الْجُهَنِيّ.

стр. 582

قَالَ الإِمَامُ: وَحَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَلَبِيُّ، عَنِ الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي هِلالُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، حَدَّثَنِي رِفَاعَةُ بْنُ عَرَابَةَ الْجُهَنِيُّ قَالَ صدرنا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - من مَكَّة، فَجعلُوا يستأذنون النَّبِي ﷺ َ - فَجعل يَأْذَن لَهُم. فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " مَا بَالُ شِقِّ الشَّجَرَةِ الَّذِي يَلِي رَسُولَ الله ﷺ َ -، أَبْغَضُ إِلَيْكُمْ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ فَلا تَرَى مِنَ الْقَوْمِ إِلا بَاكِيًا ". قَالَ: يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ إِنَّ الَّذِي يستأذنك بعْدهَا لسفيه. فَقَامَ النَّبِي ﷺ َ - فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَكَانَ إِذَا حَلَفَ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، أَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخَرِ، ثُمَّ يُسَدِّدُ إِلا سُلِكَ بِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَقَدْ وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا ، حَتَّى تبوؤا، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَذُرِّيَّاتِكُمْ، وَمَسَاكِنِكُمُ الْجَنَّةَ. ثمَّ قَالَ: ﷺ َ -: إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ قَالَ ثُلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَقُولُ: لَا يَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي؟ مَنْ ذَا الَّذِي يسألني فأعطيته، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأُجِيبَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ ". قَالَ إِسْمَاعِيل الصَّابُونِي: هَذَا لفظ حَدِيث الْوَلِيد.

стр. 583

فصل فِي بَيَان أَن التَّكْلِيف: إِيقَاع الكلفة عَلَى الْمُكَلف والكلفة: الْمَشَقَّة. والتكليف نَوْعَانِ: تَكْلِيف مَا هُوَ مَعْهُود مُمكن، وتكليف مَا هُوَ غير مَعْهُود وَلَا مُمكن. فَأَما الَّذِي لَا يُمكن وَلَا يعْهَد مثله، فكتكليف الْمُكَلف أَن يرد الشَّيْء الْمَاضِي كرد أمس الذَّاهِب، وكتكليف الْأَعْمَى أَن يبصر، والأصم أَن يسمع، والأبكم أَن يتَكَلَّم وَنَحْوهَا. وتكليفه الْمَعْهُود الْمُمكن نَوْعَانِ: أَحدهمَا: تَكْلِيف الْمُكَلف مَا يطيقه، ويصبر عَلَى ممارسته، كتكليف الْعِبَادَات، وَالْأَفْعَال الَّتِي يطيقها الْمُكَلف. وَالثَّانِي: تَكْلِيف الْمُكَلف مَا لَا يطيقه، وَلَا يُمكنهُ الصَّبْر عَلَى ممارسته كتكليف الْمُكَلف: أَن يحمل ثقلا لَا يُطيق حمله. ثمَّ هَذِهِ الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة تَنْقَسِم قسمَيْنِ: أَحدهمَا: تَكْلِيف الْمَخْلُوق الْمَخْلُوق. وَالثَّانِي: تَكْلِيف الْخَالِق الْمَخْلُوق. وَهِي كلهَا من الله عدل وَفضل، لِأَنَّهُ إِذا كلفه مَا يطيقه فَهُوَ فضل، وَإِذا كلفه مَا لَا يطيقة فَهُوَ عدل.

стр. 584

فَأَما رد الْغَائِب فَلَا يكون من الله تكليفا لِأَنَّهُ إِذا كلف العَبْد هَذَا النَّوْع صيره مطيقا لَهُ قادراُ عَلَيْهِ. أَلا ترى أَنه حَيْثُ كلف عِيسَى بن مَرْيَم ﵉ إحْيَاء الْمَوْتَى، وإبراء الأكمه كَيفَ صيره قَادِرًا عَلَيْهِ مطيقا لَهُ. وَلما كلف أَيُّوب الْبلَاء لم يسلبه طاقته وَقدرته، وَأما الْمَخْلُوق فتكليفه غَيره مَا لَا يطيقه جور مِنْهُ، وَمن الدَّلِيل عَلَى أَن الله تَعَالَى يُكَلف عَبده مَا لَا يطيقه، كَمَا يكلفه مَا يطيقه.

стр. 585

صفحة فارغة

стр. 586

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال﴾ الْآيَة فَبَان بِهَذَا أَن حمل الْأَمَانَة ثقيل لَا يُطَاق، وَأَن السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال، الَّتِي تطِيق حمل الأثقال لم يطقن حملهَا، وَحملهَا الْإِنْسَان بجهله إِذْ لم يعلم أَنه لَا يُطيق حملهَا فَدلَّ عَلَى أَن الله تَعَالَى يُكَلف العَبْد مَا لَا يطيقه. فَإِن قيل: المُرَاد بقوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يحملنها﴾ يَعْنِي: أَن يخن فِيهَا، وَحملهَا الْإِنْسَان، أَي خانها وَاسْتَدَلُّوا بقول الشَّاعِر. (إِذا أَنْت لم تَبْرَح تُؤدِّي أَمَانَة ... وَتحمل أُخْرَى أفرحتك الودائع) أَي لم تزل تُؤدِّي أَمَانَة وتخون أُخْرَى.

стр. 587

فَالْجَوَاب: أَن الْخِيَانَة فِي الْأَمَانَة، غير عدم الطَّاقَة بحملها وأدائها عَلَى وَجههَا. لِأَن الخائن لَو أطَاق أداءها عَلَى وَجههَا لم يخن فِيهَا، فَلَمَّا غلبته نَفسه فِي أَدَائِهَا عَلَى وَجههَا، ودعته إِلَى الْخِيَانَة فِيهَا وَلم يُمكنهُ أَن يُجَاهد نَفسه فِي أَدَائِهَا عَلَى وَجههَا، وَأمره الله تَعَالَى بأدائها عَلَى وَجههَا صَحَّ أَنه مُكَلّف مَا لَا يطيقه. وَمِمَّا يُؤَكد هَذَا أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دمت عَلَيْهِ قَائِما﴾ . فَدلَّ ذَلِكَ عَلَى أَن الله تَعَالَى يُكَلف عَبده مَا يَشَاء. ثمَّ يوفق من يَشَاء من عباده، ويقويه، ويطوقه حمله، ويخذل من يَشَاء مِنْهُم، ويضعفه وَلَا يطوقه مَا يكلفه. وكل ذَلِكَ عدل مِنْهُ ، يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَيْضا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباه﴾ وَلَيْسَ الْقَهْر إِلَّا نفس تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق. لِأَن المقهور لَو أطَاق حمل الْقَهْر لم يصر مقهورا. فَدلَّ أَن القاهر هُوَ الَّذِي يقهر غَيره، ويكلفه فِي قهره مَا لَا يطيقه.

стр. 588

وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾ . لِأَن النَّاسِي لَا يُطيق ترك نسيانه فَهُوَ آخذ بِمَا يَأْتِيهِ نَاسِيا، وَهُوَ لَا يُطيق تَركه. وَكَذَلِكَ تَكْلِيفه فعل النسْيَان تَكْلِيف لما لَا يطيقه. وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصراً﴾ . أَي ثقلا. وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ﴾ . فَدلَّ هَذَا كُله عَلَى أَن الله تَعَالَى يُكَلف العَبْد مَا لَا يطيقه، لِأَنَّهُ لَو لم يكن هَكَذَا لم يكن لدعائهم إِيَّاه أَن لَا يحمل عَلَيْهِم ثقلا لَا يطيقُونَهُ، وَلَا يحملهم مَا لَا يطيقُونَهُ معنى. وَلَو أطاقوا حمل ذَلِكَ مَا سَأَلُوا الله تَعَالَى دَفعه عَنْهُم وإزالته.

стр. 589

فَإِن قيل: إِن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ أَي: طاقتها. فَدلَّ أَنه تَعَالَى لَا يُكَلف العَبْد مَا لَا يطيقه. قيل: قَوْله: ﴿نَفْسًا﴾ لَيْسَ بِعُمُوم، بل هُوَ خُصُوص لِأَن النكرَة فِي النَّفْي قد تعم الْجِنْس، وَقد لَا تعم الْجِنْس. أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: لم أر رجلا، فقد نفيت رُؤْيَة رجل وَاحِد من الرِّجَال. كَذَلِك قَوْله: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نفسا﴾ يُرِيد نفسا من الْأَنْفس إِلَّا وسعهَا. أَي أَن الله تَعَالَى لَا يُكَلف مَا شَاءَ من الْأَنْفس إِلَّا وسعهَا، ويكلف مَا شَاءَ مِنْهَا فَوق وسعهَا. وَالله تَعَالَى يُكَلف الْإِنْسَان وَغَيره مَا لَا يطيقه، كالإنسان الضَّعِيف الْجِسْم، وَالصَّبِيّ تصيبه عِلّة فِي بدنه يضعف عَن حملهَا، وَلَا يطيقها وَالله كلفه ذَلِكَ.

стр. 590

فَإِن قيل: تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق جور، والجور لَا يجوز عَلَى الله تَعَالَى. فَالْجَوَاب: أَن هَذَا لَا يتَصَوَّر فِي صِفَات الله تَعَالَى وأفعاله، وَلكنه يتَصَوَّر فِي صِفَات المخلوقين وأفعالهم، لِأَن الله تَعَالَى إِذا عاقب عبدا عَلَى مَعْصِيّة، فَالْعَبْد لَا يُطيق عِقَابه، ثمَّ ذَلِكَ الْعقَاب وَإِن عظم وَلم يطقه المعاقب عدل من الله تَعَالَى، كَمَا أَن ثَوَابه فضل. إِذْ لَا يشبه الْخَالِق الْمَخْلُوق فِي عِقَابه، كَمَا لَا يُشبههُ فِي ثَوَابه. كَذَلِك تَكْلِيفه العَبْد مَا لَا يطيقه عدل مِنْهُ، كَمَا أَن تَكْلِيفه مَا يطيقه فضل مِنْهُ. فصل وَمن صِفَات الله الَّتِي وصف بهَا نَفسه؛ السّمع وَالْبَصَر قَالَ اللَّه واصفا نَفسه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ

стр. 591

السَّمِيع الْبَصِير﴾ وَقَالَ: ﴿وَكَانَ الله سميعاً بَصيرًا﴾ . وَقَالَ: ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ . وَقَالَ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء﴾ . وَقَالَ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوجهَا﴾ . الْآيَة: وَقَالَ لمُوسَى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ . ٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَنا وَالِدِي، أَنا عبد الرَّحْمَن ابْن يحيى، وَعبد الله بن إِبْرَاهِيم الْمقري قَالا: نَا أَبُو مَسْعُودٍ أَنا عَلِيُّ بْنُ عبد الله ابْن جَعْفَرٍ الْمَدِينِيُّ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَحَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالا: نَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، أَنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهُوَيْهِ قَالا: نَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ. لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى رَسُول الله ﷺ َ -

стр. 592

تُكَلِّمُهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا﴾ . ٧٦ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي، أَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَرَّاقُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ قَالا: نَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ، نَا الْحُسَيْن ابْن حَفْصٍ، نَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ. إِنَّهُمْ يَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ ". ٧٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَنا وَالِدِي أَنا حَاجِبُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ نَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدَانُ الْمَرْوَزِيُّ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، نَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فِي غزَاة، فجلعنا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا وَلا نَهْبِطُ وَادِيًا، إِلا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا. إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا ".

стр. 593

فصل فِي الدَّلِيل عَلَى أَن السَّمِيع لَا يكون إِلَّا بسمع، والبصير لَا يكون إِلَّا ببصر كَمَا لَا يكون الْقَدِير والحكيم إِلَّا بقدرة وَحِكْمَة. فالسميع صفة مُشْتَقَّة من السّمع. كَمَا أَن الضَّارِب صفة مُشْتَقَّة من الضَّرْب، وَالضَّرْب مصدر لِأَن الْفِعْل صدر عَنهُ، وَإِذا كَانَ صادرا عَن الْمصدر كَانَت الصّفة المبنية من الْفِعْل صادرة عَنهُ أَيْضا وَهِي الضَّارِب. وَإِذا صَحَّ هَذَا، صَحَّ أَن السَّمِيع صفة مَبْنِيَّة من أصل مُشْتَقَّة مِنْهُ صادرة عَنهُ. وَذَلِكَ الأَصْل هُوَ السّمع، فصح أَن السَّمِيع لَا يكون إِلَّا بسمع. وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَيْضا: أَنه إِذا بَطل السّمع حصل الصمم، وَإِذا بَطل الْبَصَر حصل الْعَمى، فَيكون الله تَعَالَى فِي قَول من يثبت السَّمِيع وَلَا يثبت السّمع، سميعا أَصمّ وبصيرا أعمى، كَمَا تَقول فِي الْقَدِير والعليم، فَيبْطل الصِّفَات كلهَا وَتَكون ألفاظا لَا مَعَاني لَهَا، وَيكون الله تَعَالَى خَالِيا عَن الصِّفَات والأسماء الَّتِي هِيَ صِفَات. تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول المعطلة.

стр. 594

وَمن الدَّلِيل أَيْضا: أَن الله وصف نَفسه بِأَنَّهُ عليم وعالم، وَأثبت لنَفسِهِ الْعلم فَقَالَ عز من قَائِل: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ فَدلَّ سِيَاق هَذَا الْكَلَام أَن الْعَلِيم الَّذِي يكون لَهُ علم، وَلَا يكون عليما إِلَّا وَله علم، كَذَلِك السَّمِيع يجب أَن يكون لَهُ سمع، والبصير يكون لَهُ بصر، فَإِن قَالُوا: السَّمِيع فِي كَلَام الْعَرَب يكون بِمَعْنى المسمع قَالَ الشَّاعِر: (أَمن رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيع ... يؤرقني وأصحابي هجوع) فالسميع بِمَعْنى المسمع. قُلْنَا: بل السَّمِيع بِمَعْنى السَّامع. وَإِن قُلْنَا: قد يَجِيء السَّمِيع بِمَعْنى المسمع، وَلكنه نَادِر، والنادر لَا يُقَاس عَلَيْهِ. وَقد قَالَ الله تَعَالَى فِي قصَّة زَكَرِيَّا: ﴿إِنَّك سميع الدُّعَاء﴾ . وَقَالَ: ﴿وَالله يسمع تحاوركما﴾ . فَدلَّ عَلَى أَن السَّمِيع بِمَعْنى السَّامع. وَالسَّامِع لَا يكون إِلَّا وَله سمع لِأَن الْفَاعِل لَا يكون إِلَّا وَله فعل، ولان المسمع إِذا لم يكن سَامِعًا، وَلم يكن لَهُ سمع

стр. 595

كَانَ أَصمّ لِأَنَّهُ يسمع غَيره، وَلَا يسمع بِنَفسِهِ تَعَالَى الله عَن هَذِهِ الصّفة. فصل فِي ذكر المارقة والحرورية والخوارج والرافضة ٧٨ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَاذَانَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَبَّابُ، نَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، نَا أَبُو بكر بن أَبِي شَيْبَةَ، نَا

стр. 596

إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ ابْنِ أَبِي أوفى قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُولُ: " الْخَوَارِجُ كِلابُ أَهْلِ النَّارِ ". ٧٩ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، نَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ الصُّدَائِيُّ، نَا أَبِي عَنْ فِطْرٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ يَقُولُ: أُمِرْتُ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَالْمَارِقِينَ. وَهَؤُلاءِ الْمَارِقُونَ. ٨٠ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، نَا أَبُو بَكْرٍ، نَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ حنيف، مَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَذْكُرُ هَؤُلاءِ الْخَوَارِجَ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ وَأَشَارَ نَحْوَ الْمَشْرِقِ: " يَخْرُجُ مِنْهُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ".

стр. 597

قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْن أَبِي عَاصِم قَالَ: سَمِعت الْمسيب بن وَاضح يَقُول: أتيت يُوسُف بن أَسْبَاط فَقلت لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّد: إِنَّك بَقِيَّة من مضى من الْعلمَاء، وَأَنت حجَّة عَلَى من لقِيت، وَأَنت إِمَام سنة، وَلم آتِك أسمع مِنْك الْأَحَادِيث، وَلَكِن أَتَيْتُك أَسأَلك عَن تَفْسِيرهَا. وَقد جَاءَ هَذَا الحَدِيث. ٨١ - " إِن بني إِسْرَائِيل افْتَرَقت عَلَى إِحْدَى وَسبعين فرقة. وَإِن هَذِهِ الْأمة سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسبعين فرقة ". فَمَا هَذِهِ الْفرق حَتَّى نجتنبهم؟ قَالَ: أَصْلهَا أَربع: الْقَدَرِيَّة والمرجئة، والشيعة، والخوراج، فثمانية عشر مِنْهَا فِي الشِّيعَة. (فصل) أخبرنَا أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ قَالَ: وَالْأَصْل الَّذِي يؤسسه المتكلمون والطرائق الَّتِي يجعلونها قَاعِدَة علومهم مَسْأَلَة الْعرض والجوهر وإثباتهما وَأَنَّهُمْ

стр. 598

قَالُوا: إِن الْأَشْيَاء لَا تَخْلُو من ثَلَاثَة أوجه: إِمَّا أَن يكون جسما أَو عرضا، أَو جوهرا. فالجسم: مَا اجْتمع من الِافْتِرَاق. والجوهر: مَا احْتمل الْأَعْرَاض. وَالْعرض: مَا لَا يقوم بِنَفسِهِ، إِنَّمَا يقوم بِغَيْرِهِ. وَجعلُوا الرّوح من الْأَعْرَاض، وردوا أَخْبَار رَسُول الله ﷺ َ - فِي خلق الرّوح قبل الْجَسَد، لِأَنَّهُ لم يُوَافق نظرهم وأصولهم .

стр. 599

٨٢ - وردوا خبهة ﷺ َ - فِي خلق الْعقل قبل الْخلق. وَإِنَّمَا ردوا هَذِهِ الْأَخْبَار لِأَن الْعقل عِنْدهم عرض، وَالْعرض: لَا يقوم بِنَفسِهِ، فَردُّوا الْأَخْبَار بِهَذَا الطَّرِيق. وَكَذَلِكَ ردوا الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ َ -. ٨٣ - أَن الْمَوْت يذبح عَلَى الصِّرَاط. لِأَن الْمَوْت عرض لَا ينْفَرد بِنَفسِهِ، فَهَذَا أصلهم الثَّانِي الَّذِي أدّى إِلَى رد الْأَخْبَار الثَّابِتَة عَن رَسُول الله ﷺ َ -، وَمثل هَذَا كثير. وَلِهَذَا قَالَ بعض السّلف: إِن أهل الْكَلَام أَعدَاء الدّين لِأَن اعتمادهم عَلَى حدسهم وظنونهم، وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ نظرهم وفكرهم، ثمَّ يعرضون عَلَيْهِ الْأَحَادِيث فَمَا وَافقه قبلوه وَمَا خَالفه ردُّوهُ .

стр. 600

وَأما أهل السّنة سلمهم الله، فَإِنَّهُم يتمسكون بِمَا نطق بِهِ الْكتاب ووردت بِهِ السّنة، ويحتجون لَهُ بالحجج الْوَاضِحَة، والدلائل الصَّحِيحَة عَلَى حسب مَا أذن فِيهِ الشَّرْع، وَورد بِهِ السّمع، وَلَا يدْخلُونَ بآرائهم فِي صِفَات الله تَعَالَى، وَلَا فِي غَيرهَا من أُمُور الدّين، وعَلى هَذَا وجدوا سلفهم وأئمتهم وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجاً منيراً﴾ . وَقَالَ أَيْضا: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بلغت رسَالَته﴾ ٨٤ - وَقَالَ ﷺ َ - فِي خطْبَة الْوَدَاع، وَفِي مقامات لَهُ شَتَّى، وبحضرة عَامَّة أَصْحَابه: " أَلا هَل بلغت ". وَكَانَ فِيمَا أنزل إِلَيْهِ وَأمر بتبليغه، أَمر التَّوْحِيد وَبَيَانه بطريقه، فَلم يتْرك النَّبِي ﷺ َ - شَيْئا من أُمُور الدّين وقواعده وأصوله وشرائعه، إِلا بَينه وبلغه عَلَى كَمَاله وَتَمَامه، وَلم يُؤَخر بَيَانه عَن وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ، إِذ لَو أخر لَكَانَ قد كلفهم مَا لَا سَبِيل لَهُم إِلَيْهِ.
следующие страницы →