Полный текст (1 030 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الْقُرْآن، وَلِأَن معنى الْقَدِيم ثَابت فِيهَا من قيام المعجز، وَثُبُوت الْحُرْمَة، وَمنع الْجنب من قرَاءَتهَا. فَدلَّ أَنَّهَا غير مخلوقة.
وَمن مَذْهَب أهل السّنة أَن الْكِتَابَة هِيَ الْمَكْتُوب، وَأَن مَا فِي الْمَصَاحِف وألواح الصّبيان وَغير ذَلِكَ من الْقُرْآن كَلَام الله تَعَالَى.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيز﴾ ، وَقَالَ ﴿إِنَّه لقرآن كريم، فِي كتاب مَكْنُون﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ، فِي رَقٍّ منشور﴾ . وَفِي عِنْد أهل اللُّغَة للوعاء، فَدلَّ عَلَى أَن الْقُرْآن فِي الْمُصحف، وَأَن الْكِتَابَة هِيَ الْمَكْتُوب، وَلِأَن الْأمة مجمعة عَلَى تَسْمِيَة مَا فِي الْمُصحف قُرْآنًا.
١٦٤ - وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ َ -: " أعْطوا أعينكُم حظها من الْعِبَادَة، قيل: يَا رَسُول الله. وَمَا حظها من الْعِبَادَة؟ قَالَ: النّظر فِي الْمُصحف ".
ولأنا إِذا كتبنَا الْقُرْآن فالمنظور إِلَيْهِ الْحَرْف وَهُوَ قَائِم بِمحل وَهُوَ الحبر، فَإِذا مُحي الحبر لم ينظر إِلَى الْحَرْف لزوَال الْمحل الَّذِي قَامَ بِهِ .
стр. 667
١٦٥ - وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ َ -: " الْقلب الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْء من الْقُرْآن كالبيت الخرب ".
١٦٦ - وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ َ -: تَعَاهَدُوا الْقُرْآن فَلَهو أَشد تفصيا من صُدُور الرِّجَال من النعم من عقلهَا ".
١٦٧ - وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ َ - أَنه قَالَ: " لَا يعذب الله قلبا وعى الْقُرْآن ".
فصل
قَالَ البُخَارِيّ: بَاب كَلَام الرب مَعَ الْأَنْبِيَاء، وَغَيرهم يَوْم الْقِيَامَة .
١٦٨ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ سُفْيَان بن مُحَمَّد ابْن الْحَسَنِ الثَّوْرِيُّ، نَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نَا يحيى بن مُحَمَّد ابْن
стр. 668
صَاعِدٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ كَرَامَةَ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، نَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ.
قَالَ سُلَيْمَانُ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْفَقِيهُ، نَا أَحْمَدُ ابْن إِبْرَاهِيمَ، نَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. نَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارُ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولا الْجَنَّةَ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى. فَيَقُولُ اللَّهُ : اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعشرَة أَمْثَال الدُّنْيَا، فَيَقُول: اتسخربي أَوْ تَضْحَكُ بِي، وَأَنْتَ الْمَلَكُ قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ - يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ".
قَالَ إِبْرَاهِيم: فَكَانَ يَقُول: ذَلِكَ أدنى أهل الْجنَّة منزلا. رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كِتَابه.
١٦٩ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْحَافِظُ إِمْلاءً، نَا عبد الله بن جعفرٍ، نَا أَحْمد بن يُونُسَ، نَا مُحَاضِرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ ابْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِه فَلا يَرَى إِلا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلا يَرَى إِلا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَرَى النَّارَ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ يَعْنِي فَلْيَفْعَلْ ".
وَفِي رِوَايَةِ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ خَيْثَمَةَ، وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طيبَة.
стр. 669
١٧٠ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبُو الْقَاسِمِ عبد الْملك بن مُحَمَّد ابْن بِشْرَانَ، نَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، نَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُتَوَكِّلُ، نَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب.
قَالَ سُلَيْمَان: وَحدثنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّيُّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب، نَا حَمَّاد ابْن زَيْدٍ، نَا مَعْبَدُ بْنُ هِلالٍ الْعَنَزِيُّ قَالَ: اجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَنَا فِيهِمْ فَخَرَجْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فاستشفعنا بِثَابِت البناتي، فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى فَأَجْلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: لَا تَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلا الْحَدِيثَ الَّذِي جِئْنَا فِيهِ، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ جَاءُوكَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ رَسُول الله ﷺ َ - فِي الشَّفَاعَة فَقَالَ أنس: حَدثنَا مُحَمَّد ﷺ َ - قَالَ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيُؤْتَى آدَمُ ﵇ فَيُقَالُ: اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ، فَيُؤْتَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيُؤْتَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى ﵇ فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ. فَيُؤْتَى عِيسَى فَيُقوُل لَسْتُ لَهَا،
стр. 670
وَلَكِن عَلَيْكُم بِمُحَمد ﷺ َ -، قَالَ: فاؤتى فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا،، فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَقَامًا، وَيُلْهِمُنِي اللَّهُ مَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ . فَأَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي. فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، قَالَ: فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيُقَالُ: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ فَأَذْهَبُ فأفعل. ثمَّ أَعُود فأحمده بتك الْمَحَامِدِ. ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ فِيمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَال حَبَّة خردلة من إيمام فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا.
قَالَ: " فَأَفْعَلُ ". قَالَ: فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: هَلْ لَكُمْ فِي الْحَسَنِ وَهُوَ مُخْتَفٍ فِي عَبْدِ الْقَيْسِ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ، فَدَخَلْنَا فَقُلْنَا يَا أَبَا سَعِيدٍ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَبِي حَمْزَةَ فَحَدَّثَنَا فَلَمْ نَسْمَعْ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَاهُ فِي الشَّفَاعَةِ.
قَالَ كَيْفَ حَدَّثَكُمْ؟ فَحَدَّثَنَاهُ بِالْحَدِيثِ حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا آخِرَهُ قَالَ: هِيهْ،
стр. 671
قُلْنَا: لَمْ يَزِدْنَا عَلَى هَذَا فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَلَقَدْ تَرَكَ مِنْهُ شَيْئًا لَا أَدْرِي أَنَسِيَهُ الشَّيْخُ أَمْ تَرَكَهُ عَمْدًا.
حَدَّثَنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: " فَأَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ سَاجِدًا فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ صَادِقًا بِهَا، فَيُقَالُ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ". فَأَشْهَدُ عَلَى الْحَسَنِ لَحَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ يَوْمَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ.
رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كِتَابه عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِيه فَلَا أَدْرِي أنسي أم كره أَن تتكلوا.
١٧١ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، نَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَ صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيُّ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَعَ ابْنِ عُمَرَ ﵁ فَعَارَضَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعت النَّبِي
стр. 672
- ﷺ َ - يذكر فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يَقُولُ: " يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، قَالَ: يَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ قَالَ: يَقُولُ رَبِّ أَعْرِفُ. قَالَ: هَلْ تَعْرِفُ؟ قَالَ: يَقُولُ رَبِّ أَعْرِفُ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: فَيَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، وَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ. قَالَ: وَأما الْكفَّار، والمنافقون فيناديهم على رُؤُوس الأَشْهَادِ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ".
رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كِتَابه، وَفِي رِوَايَة أَبِي عوَانَة، عَن قَتَادَة: " فَيَقُول نعم، أَي رب مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ".
وَفِي رِوَايَة: " فينادي بهم على رُؤْس الأشهاد. وَفِي رِوَايَة: يدني العَبْد من ربه ".
قَالَ البُخَارِيّ فِي كِتَابه: بَاب كَلَام الرب جِبْرِيل ﵇ ونداء الله الْمَلَائِكَة:
١٧٢ - أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أَنا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ، نَا مُحَمَّد بن عمر، نَا مُحَمَّد ابْن يُوسُفَ، نَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، نَا عَبْدُ الصَّمد، نَا عبد الرَّحْمَن ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ
стр. 673
فُلانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبَّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ أَحَبَّ فُلانًا، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ ".
١٧٣ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، نَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْعَصْرِ، وَصَلاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ. كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ".
١٧٤ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ: نَا الْحُمَيْدِيُّ، نَا سُفْيَانُ، نَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ".
فصل
١٧٥ - رُوِيَ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: " الصَّوْم لي، وَأَنا أجزي بِهِ ".
١٧٦ - وَقَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: قَالَ الله تَعَالَى: " أنْفق، أنْفق عَلَيْك ".
стр. 674
١٧٧ - وَقَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر، فَيَقُول: من يدعوني فأستجيب لَهُ ".
١٧٨ - وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵁ فِي تهجد النَّبِي ﷺ َ -: " وَوَعدك الْحق، وقولك الْحق ".
١٧٩ - وَفِي حَدِيث عَائِشَة ﵂ وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى.
١٨٠ - وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النَّبِي ﷺ َ -: " بَيْنَمَا أَيُّوب يغْتَسل عُريَانا خر عَلَيْهِ رجل جَراد من ذهب فَجعل يحثي فِي ثَوْبه، فناداه ربه: يَا أَيُّوب ألم (أكن) أغنيك عَمَّا ترى؟ قَالَ: بلَى يَا رب، وَلَا غَنِي بِي عَن بركتك ".
١٨١ - وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " خلق الله الْخلق، فَلَمَّا فرغ مِنْهُ قَامَت الرَّحِم قَالَ: مَه، قَالَت: هَذَا مقَام العائذ بك من القطيعة، قَالَ: إِلَّا ترْضينَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بلَى يَا رب، قَالَ: فَذَلِك لَك ".
стр. 675
١٨٢ - وَعَن زيد بن خَالِد قَالَ: قَالَ الله : " أصبح من عبَادي كَافِر بِي، وَمُؤمن بِي ".
١٨٣ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ الْحَافِظُ، أَنا عَبْدُ الصَّمَدِ الْعَاصِمِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْبُجَيْرِيُّ، نَا أَبُو حَفْصٍ الْبُجَيْرِيُّ، نَا الْعَبَّاس ابْن عَبْدِ الْعَظِيمِ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: " كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ وَكِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَحْضٌ لَمْ يُشَبْ، وَهُوَ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللَّهِ، وَقَدْ أَخْبَرَكُمُ اللَّهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ؟ .
فَقَالُوا: هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَبَدَّلُوهَا، وَحَرَّفُوهَا عَنْ مُوَاصَفَتِهَا وَاشْتَرَوْا بِهَا ثَمَنًا قَلِيلا، أَفَمَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ".
١٨٤ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْبُجَيْرِيُّ، نَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، نَا جَرِيرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ علينا جمعه وقرانه﴾ .
стр. 676
قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ َ - إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانه، فيشتد ذَلِك عَلَيْهِ ﷺ َ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِن علينا جمعه وقرآنه﴾
إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ. قَالَ: أَنْ يُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ فتقرأ. قَالَ: ﴿فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه﴾ قَالَ: فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ. . قَالَ: فَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ إِذَا أَتَاهُ أَطْرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ.
١٨٥ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْبُجَيْرِيُّ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، نَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تخَافت بهَا﴾
قَالَ: نزلت وَرَسُول الله ﷺ َ - مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ .
стр. 677
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ: بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعُ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ، وَلا تُخَافِتْ بِهَا عَنْ أَصْحَابِكَ، فَلا تُسْمِعْهُمْ، وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا.
فصل فِي كَلَام الرب مَعَ أهل الْجنَّة
١٨٦ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ، أَنا عَبْدُ الصَّمَدِ نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْبُجَيْرِيُّ، نَا أَبُو حَفْصٍ الْبُجَيْرِيُّ، نَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نَا عبد الله بن وهب، عَن مَالك ابْن أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ".
١٧٨ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْبُجَيْرِيُّ، نَا مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الْمُبَارَكِ الْمَخْرَمِيُّ، نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ
стр. 678
ابْن يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ يَوْمًا وَهُوَ يُحَدِّثُ وَفِيمَنْ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: " إِنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ: ازْرَعْ. قَالَ فَيَبْذُرُ حَبَّهُ، نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، وَيَكُونُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: دُونَكَ بَنِي آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ. قَالَ: فَقَالَ: الأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّا قرشياً أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فلسنا بِأَصْحَابِهِ، قَالَ: فَضَحِك النَّبِي ﷺ َ - ".
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: كَذَا فِي كتابي، وَقد سَقَطت مِنْهُ كلمة وَهِي: قَوْله: " فبادر الطّرف نَبَاته واستواؤه ".
فصل
قَالَ لنا الإِمَام أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ: فصل ونشتغل الْآن بِالْجَوَابِ عَن قَوْلهم فِيمَا سبق:
стр. 679
إِن أَخْبَار الْآحَاد لَا تقبل فِيمَا طَرِيقه الْعلم، وَهَذَا رَأس شغب المبتدعة فِي رد الْأَخْبَار، وَطلب الدَّلِيل من النّظر، وَالِاعْتِبَار فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
إِن الْخَبَر إِذا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ َ - وَرَوَاهُ الثِّقَات وَالْأَئِمَّة، وأسندوه خَلفهم عَن سلفهم إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - وَتَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ، فَإِنَّهُ يُوجب الْعلم فِيمَا سَبيله الْعلم.
وَهَذَا قَول عَامَّة أهل الحَدِيث والمتقنين من القائمين عَلَى السّنة، وَإِنَّمَا هَذَا القَوْل الَّذِي يذكر أَن خبر الْوَاحِد لَا يُفِيد الْعلم بِحَال، وَلَا بُد من نَقله بطرِيق التَّوَاتُر لوُقُوع الْعلم بِهِ، شَيْء اختراعته الْقَدَرِيَّة والمعتزلة، وَكَانَ قصدهم مِنْهُ رد الْأَخْبَار، وتلقفه مِنْهُم بعض الْفُقَهَاء الَّذين لم يكن لَهُم علم فِي الْعلم وَقد ثَابت، وَلم يقفوا عَلَى مقصودهم من هَذَا القَوْل، وَلَو أنصف الْفرق من الْأمة لأقروا بِأَن خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم، فَإِنَّهُم تراهم مَعَ اخْتلَافهمْ فِي طرائقهم وعقائدهم يسْتَدلّ كل فريق مِنْهُم عَلَى صِحَة مَا يذهب إِلَيْهِ بالْخبر الْوَاحِد، ترى أَصْحَاب الْقدر يستدلون بقوله:
стр. 680
١٨٨ - " كل مَوْلُود يُولد عَلَى الْفطْرَة ". وَبِقَوْلِهِ:
١٨٩ - " خلقت عبَادي حنفَاء فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين عَن دينهم ". وَترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله:
١٩٠ - " من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة، قَالَ، وَإِن زنى وَإِن سرق، قَالَ: نعم، وَإِن زنى وَإِن سرق ".
وَترى الرافضة يستدلون بقوله:
١٩١ - " يجاء بِقوم من أَصْحَابِي فيسلك بهم ذَات الشمَال، فَأَقُول أصيحابي أصيحابي، فَيُقَال: إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك، إِنَّهُم لن يزَالُوا مرتدين عَلَى أَعْقَابهم ". وَترى الْخَوَارِج يستدلون بقوله:
١٩٢ - " سباب الْمُسلم فسوق، وقتاله كفر ".
стр. 681
وَبِقَوْلِهِ:
١٩٣ - " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن ".
إِلَى غير هَذَا من الْأَحَادِيث الَّتِي يسْتَدلّ لَهَا أهل الْفرق. ومشهور وَمَعْلُوم اسْتِدْلَال أهل السّنة بالأحاديث. ورجوعهم إِلَيْهَا، فَهَذَا إِجْمَاع مِنْهُم عَلَى القَوْل بأخبار الْآحَاد. وَكَذَلِكَ أجمع أهل الْإِسْلَام متقدموهم ومتأخروهم عَلَى رِوَايَة الْأَحَادِيث فِي صِفَات الله، وَفِي مسَائِل الْقدر، والرؤية، وأصل الْإِيمَان، والشفاعة والحوض، وَإِخْرَاج الْمُوَحِّدين المذنبين من النَّار، وَفِي صفة الْجنَّة وَالنَّار، وَفِي التَّرْغِيب والترهيب، والوعد والوعيد، وَفِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ َ - ومناقب أَصْحَابه، وأخبار الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين ﵈، وَكَذَلِكَ أَخْبَار الرَّقَائِق والعظات، وَمَا أشبه ذَلِكَ مِمَّا يكثر عده وَذكره، وَهَذِه الْأَشْيَاء كلهَا علمية لَا عملية، وَإِنَّمَا تروى لوُقُوع علم السَّامع بهَا.
فَإِذا قُلْنَا: إِن خبر الْوَاحِد لَا يجوز أَن يُوجب الْعلم حملنَا أَمر الْأمة فِي نقل الْأَخْبَار عَلَى الْخَطَأ، وجعلناهم لاغين مشتغلين بِمَا لَا يُفِيد أحدا شَيْئا، وَلَا يَنْفَعهُ، وَيصير كَأَنَّهُمْ قد دونوا فِي أُمُور مَا لَا يجوز الرُّجُوع إِلَيْهِ والاعتماد
стр. 682
عَلَيْهِ، وَرُبمَا يرتقي هَذَا القَوْل إِلَى أعظم من هَذَا، فَإِن النَّبِي ﷺ َ - أدّى هَذَا الدّين إِلَى الْوَاحِد فالواحد من أَصْحَابه ليؤدوه إِلَى الْأمة، ونقلوا عَنهُ، فَإِذا لم يقبل قَول الرَّاوِي لِأَنَّهُ وَاحِد رَجَعَ هَذَا الْعَيْب إِلَى الْمُؤَدِّي نَعُوذ بِاللَّه من هَذَا القَوْل الشنيع، والاعتقاد الْقَبِيح.
وَيدل عَلَيْهِ، أَن الْأَمر مشتهر فِي أَن النَّبِي ﷺ َ - بعث الرُّسُل إِلَى الْمُلُوك:
١٩٤ - بعث إِلَى كسْرَى.
١٩٥ - وَقَيْصَر.
١٩٦ - وَملك الْإسْكَنْدَريَّة.
١٩٧ - وَإِلَى أكيدر دومة، وَغَيرهم من مُلُوك الْأَطْرَاف، وَكتب إِلَيْهِم كتبا عَلَى مَا عرف، وَنقل واشتهر.
стр. 683
وَإِنَّمَا بعث وَاحِدًا وَاحِدًا، ودعاهم إِلَى الله وَإِلَى التَّصْدِيق برسالته لإلزام الْحجَّة، وَقطع الْعذر لقَوْله تَعَالَى: ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ .
وَهَذِه الْمعَانِي لَا تحصل إِلَّا بعد وُقُوع الْعلم بِمن أرسل إِلَيْهِ بِالْإِرْسَال والمرسل، وَأَن الْكتاب من قبله والدعوة مِنْهُ، وَقد كَانَ نَبينَا
بعث إِلَى النَّاس كافه، وَكثير من الْأَنْبِيَاء بعثوا إِلَى قوم دون قوم.
وَإِنَّمَا قصد بإرسال الرُّسُل إِلَى هَؤُلاءِ الْمُلُوك وَالْكتاب إِلَيْهِم، بَث الدعْوَة فِي جَمِيع الممالك، ودعا النَّاس عَامَّة إِلَى دينه عَلَى حسب مَا أمره الله بذلك، فَلَو لم يَقع الْعلم بِخَبَر الْوَاحِد فِي أُمُور الدّين لم يقْتَصر ﷺ َ - عَلَى إرْسَال الْوَاحِد من أَصْحَابه فِي هَذَا الْأَمر، وَكَذَلِكَ فِي أُمُور كَثِيرَة اكْتفى ﷺ َ - بإرسال الْوَاحِد من أَصْحَابه مِنْهَا:
١٩٨ - أَنه ﷺ َ - بعث عليا لينادي فِي موسم الْحَج بمنى، أَلا لَا يَحُجن بعد الْعَام مُشْرك، وَلَا يَطُوفَن بِالْبَيْتِ عُرْيَان، وَمن كَانَ بَينه وَبَين رَسُول الله ﷺ َ - عهد فمدته إِلَى أَرْبَعَة أشهر، وَلَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مسلمة.
وَلَا بُد فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء من وُقُوع الْعلم للْقَوْم الَّذين كَانُوا ينادونهم حَتَّى إِن أقدموا عَلَى شَيْء من هَذَا بعد سَماع هَذَا القَوْل كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - مَبْسُوط الْعذر فِي قِتَالهمْ وقتلهم .
стр. 684
١٩٩ - وَكَذَلِكَ بعث معَاذًا إِلَى الْيمن لِيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام وَيُعلمهُم إِذا أجابوا شرائعهم.
٢٠٠ - وَبعث إِلَى أهل خَيْبَر فِي أَمر الْقَتِيل، وَاحِدًا يَقُول لَهُم: إِمَّا أَن تدوا أَو تؤذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله.
٢٠١ - وَبعث إِلَى قُرَيْظَة أَبَا لبَابَة بن عبد الْمُنْذر يستزلهم عَلَى حكمه.
٢٠٢ - وَجَاء أهل قبَاء وَاحِد وهم فِي مَسْجِدهمْ يصلونَ فَأخْبرهُم بِصَرْف الْقبْلَة إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام، فانصرفوا إِلَيْهِ فِي صلَاتهم. واكتفوا بقوله، وَلَا بُد فِي مثل هَذَا النَّوْع من وُقُوع الْعلم بِهِ، وَكَانَ النَّبِي ﷺ َ -.
стр. 685
٢٠٣ - يُرْسل الطَّلَائِع والجواسيس فِي ديار الْكفْر.
ويقتصر عَلَى الْوَاحِد فِي ذَلِكَ، وَيقبل قَوْله إِذا رَجَعَ، وَرُبمَا أقدم عَلَيْهِم بِالْقَتْلِ والنهب بقوله وَحده. وَمن تدبر أُمُور النَّبِي ﷺ َ - وَسيرَته لم يخف عَلَيْهِ مَا ذكرنَا. وَمَا يرد هَذَا إِلَّا معاند مكابر، وَلَو أَنَّك وضعت فِي قَلْبك أَنَّك سَمِعت الصّديق، أَو الْفَارُوق أَو غَيرهمَا من وُجُوه الصَّحَابَة ﵃ يروي لَك حَدِيثا عَن النَّبِي ﷺ َ - فِي أَمر من الِاعْتِقَاد مثل جَوَاز الرُّؤْيَة عَلَى الله تَعَالَى أَو إِثْبَات الْقدر، أَو غير ذَلِكَ لوجدت قَلْبك مطمئنا إِلَى قَوْله، لَا يتداخلك شكّ فِي صدقه وَثُبُوت قَوْله.
وَفِي زَمَاننَا ترى الرجل يسمع من أستاذه الَّذِي يخْتَلف إِلَيْهِ، ويعتقد فِيهِ التقدمة والصدق، أَنه سمع أستاذه يخبر عَن شَيْء من عقيدته الَّذِي يُرِيد أَن يلقى الله بِهِ، وَيرى نجاته فِيهِ فَيحصل للسامع علم بِمذهب من نقل عَنهُ أستاذه بِحَيْثُ لَا يختلجه شُبْهَة، وَلَا يَعْتَرِيه شكّ.
وَكَذَلِكَ فِي كثير من الْأَخْبَار الَّتِي قضيتها الْعلم يُوجد بَين النَّاس، فَيحصل لَهُم الْعلم بذلك الْخَبَر، وَمن رَجَعَ إِلَى نَفسه علم ذَلِكَ.
стр. 686
وَأعلم أَن الْخَبَر، وَإِن كَانَ يحْتَمل الصدْق وَالْكذب، وَالظَّن والتجوز فِيهِ مدْخل، لَكِن هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ لَا يَنَالهُ أحد إِلَّا أَن يكون مُعظم أوقاته وأيامه مشتغلا بِعلم الحَدِيث، والبحث عَن سيرة النقلَة والرواة، ليقف عَلَى رسوخهم فِي هَذَا الْعلم، وكنه معرفتهم بِهِ، وَصدق ورعهم فِي أَحْوَالهم وأقوالهم، وَشدَّة حذرهم من الطغيان والزلل، وَمَا بذلوه من شدَّة الْعِنَايَة فِي تمهيد هَذَا الْأَمر، والبحث عَن أَحْوَال الروَاة، وَالْوُقُوف عَلَى صَحِيح الْأَخْبَار وسقيمها.
وَلَقَد كَانُوا ﵏ وَأنزل رضوانه عَلَيْهِم، بِحَيْثُ لَو قتلوا لم يسامحوا أحدا فِي كلمة يتقولها عَلَى رَسُول الله ﷺ َ - وَلَا فعلوا هم بِأَنْفسِهِم ذَلِكَ، وَقد نقلوا هَذَا الدّين إِلَيْنَا كَمَا نقل إِلَيْهِم وأدوا عَلَى مَا أُدي إِلَيْهِم، وَكَانُوا فِي صدق الْعِنَايَة والاهتمام بِهَذَا الشَّأْن بِمَا يجل عَن الْوَصْف، وَيقصر دونه الذّكر.
وَإِذا وقف الْمَرْء عَلَى هَذَا من شَأْنهمْ، وَعرف حَالهم، وَخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم، ظهر لَهُ الْعلم فِيمَا نقلوه، وَرَوَوْهُ، وَلم يحْتَج إِلَى شَيْء من هَذِهِ الَّتِي قلناها، وَالله ولي التَّوْفِيق والمعونة.
وَالَّذِي يزِيد مَا قُلْنَاهُ إيضاحاً:
стр. 687
٢٠٤ - أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ حِين سُئِلَ عَن الْفرْقَة النَّاجِية قَالَ: " مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي ".
يَعْنِي من كَانَ عَلَى مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي. فَلَا بُد من تعرف مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ َ -، وَلَيْسَ طَرِيق مَعْرفَته إِلَّا النَّقْل فَيجب الرُّجُوع إِلَى ذَلِك، وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ َ -:
٢٠٥ - " لَا تنازعوا الْأَمر أَهله ".
فَكَمَا يرجع فِي معرفَة مَذَاهِب الْفُقَهَاء الَّذين صَارُوا قدوة فِي هَذِهِ الْأمة إِلَى أهل الْفِقْه، وَيرجع فِي معرفَة اللُّغَة إِلَى أهل اللُّغَة، وَيرجع فِي معرفَة النَّحْو إِلَى أهل النَّحْو، فَكَذَلِك يجب أَن يرجع فِي معرفَة مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ َ - وَأَصْحَابه إِلَى أهل النَّقْل وَالرِّوَايَة، لأَنهم عنوا بِهَذَا الشَّأْن، واستغلوا بحفظه
стр. 688
والتفحص عَنهُ وَنَقله، ولولاهم لَا ندرس علم النَّبِي ﷺ َ -، وَلم يقف أحد عَلَى سنته وطريقته.
فَإِن قَالَ قَائِل: إِن أهل الْفِقْه مجمعون عَلَى قَول الْفُقَهَاء، وَطَرِيق كل وَاحِد مِنْهُم فِي الْفُرُوع، وَأهل النَّحْو مجمعون عَلَى طَرِيق الْبَصرِيين والكوفيين فِي النَّحْو، وَكَذَلِكَ أهل الْكَلَام مجمعون عَلَى طَرِيق وَاحِد مِنْهُم من متقدميهم وسلفهم ، فَأَما مَا يرجع إِلَى العقائد فَلم يجْتَمع أهل الْإِسْلَام عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ َ - وَأَصْحَابه، بل كل فريق يَدعِي دينه، وينتسب إِلَى مِلَّته وَيَقُولُونَ: نَحن الَّذِي تمسكنا بِملَّة رَسُول الله ﷺ َ -، وأتبعنا طَرِيقَته، وَمن كَانَ عَلَى غير مَا نَحن عَلَيْهِ كَانَ عَلَى غير طَرِيقَته، فَلم يجز اعْتِبَار هَذَا الَّذِي تنازعنا فِيهِ بِمَا قُلْتُمْ.
الْجَواب: أَن كل فريق من المبتدعة إِنَّمَا يَدعِي أَن الَّذِي يَعْتَقِدهُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ َ -، لأَنهم كلهم مدعون شَرِيعَة الْإِسْلَام ملتزمون فِي الظَّاهِر شعائرها، يرَوْنَ أَن مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد
غير أَن الطّرق تَفَرَّقت بهم بعد ذَلِكَ، وأحدثوا فِي الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله وَرَسُوله، فَزعم كل فريق أَنه هُوَ المتمسك بشريعة الْإِسْلَام، وَأَن الْحق الَّذِي قَامَ بِهِ رَسُول الله
هُوَ الَّذِي يَعْتَقِدهُ وينتحله، غير أَن الله أَبى أَن يكون الْحق والعقيدة الصحيحية إِلَّا مَعَ أهل الحَدِيث والْآثَار؛ لأَنهم أخذُوا دينهم وعقائدهم خلفا عَن سلف، وقرنا عَن قرن، إِلَى أَن انْتَهوا إِلَى التَّابِعين، وَأَخذه التابعون من أَصْحَاب رَسُول الله
стр. 689
- ﷺ َ -، وَأَخذه أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - عَن رَسُول الله ﷺ َ -، وَلَا طَرِيق إِلَى معرفَة مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ َ - النَّاس من الدّين الْمُسْتَقيم، والصراط القويم، إِلَّا هَذَا الطَّرِيق الَّذِي سلكه أَصْحَاب الحَدِيث، وَأما سَائِر الْفرق فطلبوا الدّين لَا بطريقه لأَنهم رجعُوا إِلَى معقولهم، وخواطرهم، وآرائهم، فطلبوا الدّين من قبله، فَإِذا سمعُوا شَيْئا من الْكتاب وَالسّنة، عرضوه عَلَى معيار عُقُولهمْ، فَإِن استقام قبلوه، وَإِن لم يستقم فِي ميزَان عُقُولهمْ ردُّوهُ، فَإِن اضطروا إِلَى قبُوله، حرفوه بالتأويلات الْبَعِيدَة، والمعاني المستكرهة، فحادوا عَن الْحق وزاغوا عَنهُ، ونبذوا الدّين وَرَاء ظُهُورهمْ، وَجعلُوا السّنة تَحت أَقْدَامهم تَعَالَى الله عَمَّا يصفونَ.
وَأما أهل الْحق فَجعلُوا الْكتاب وَالسّنة إمَامهمْ، وطلبوا الدّين من قبلهمَا، وَمَا وَقع لَهُم من معقولهم وخواطرهم، عرضوه عَلَى الْكتاب وَالسّنة فَإِن وجدوه مُوَافقا لَهما قبلوه، وشكروا الله حَيْثُ أَرَاهُم ذَلِكَ ووفقهم إِلَيْهِ، وَإِن وجدوه مُخَالفا لَهُم تركُوا مَا وَقع لَهُم، وَأَقْبلُوا عَلَى الْكتاب وَالسّنة، وَرَجَعُوا بالتهمة عَلَى أنفسهم، فَإِن الْكتاب وَالسّنة لَا يهديان إِلَّا إِلَى الْحق، ورأي الْإِنْسَان قد يرى الْحق، وَقد يرى الْبَاطِل، وَهَذَا معنى قَول أَبِي سُلَيْمَان الدَّارَانِي: وَهُوَ وَاحِد زَمَانه فِي الْمعرفَة: مَا حَدَّثتنِي نَفسِي بِشَيْء إِلَّا طلبت مِنْهَا شَاهِدين من الْكتاب وَالسّنة، فَإِن أَتَت بهما، وَإِلَّا رَددته فِي نحرها. أَو كَلَام هَذَا مَعْنَاهُ.
стр. 690
وَمِمَّا يدل عَلَى أَن أهل الحَدِيث هم عَلَى الْحق، أَنَّك لَو طالعت جَمِيع كتبهمْ المصنفة من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم، قديمهم وحديثهم مَعَ اخْتِلَاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد مَا بَينهم فِي الديار، وَسُكُون كل وَاحِد مِنْهُم قطرا من الأقطار، وَجَدتهمْ فِي بَيَان الِاعْتِقَاد عَلَى وتيرة وَاحِدَة، ونمط وَاحِد يجرونَ فِيهِ عَلَى طَريقَة لَا يحيدون عَنْهَا، وَلَا يميلون فِيهَا، قَوْلهم فِي ذَلِكَ وَاحِد ونقلهم وَاحِد، لَا ترى بَينهم اخْتِلَافا، وَلَا تفَرقا فِي شَيْء مَا وَإِن قل، بل لَو جمعت جَمِيع مَا جرى عَلَى ألسنتهم، ونقلوه عَن سلفهم، وجدته كَأَنَّهُ جَاءَ من قلب وَاحِد، وَجرى عَلَى لِسَان وَاحِد، وَهل عَلَى الْحق دَلِيل أبين من هَذَا؟
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تفَرقُوا﴾ .
وَأما إِذا نظرت إِلَى أهل الْأَهْوَاء والبدع، رَأَيْتهمْ مُتَفَرّقين مُخْتَلفين أَو شيعًا وأحزابا، لَا تكَاد تَجِد اثْنَيْنِ مِنْهُم عَلَى طَريقَة وَاحِدَة فِي الِاعْتِقَاد، يبدع بَعضهم بَعْضًا، بل يرتقون إِلَى التفكير، يكفر الابْن أَبَاهُ وَالرجل أَخَاهُ، وَالْجَار جَاره، تراهم أبدا فِي تنَازع وتباغض، وَاخْتِلَاف، تَنْقَضِي
стр. 691
أعمارهم وَلما تتفق كلماتهم ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قوم لَا يعْقلُونَ﴾
أَو مَا سَمِعت أَن الْمُعْتَزلَة مَعَ اجْتِمَاعهم فِي هَذَا اللقب يكفر البغداديون مِنْهُم الْبَصرِيين، والبصريون مِنْهُم البغداديين، وَيكفر أَصْحَاب أَبِي عَليّ الجبائي ابْنه أَبَا هَاشم، وَأَصْحَاب أَبِي هَاشم يكفرون أَبَاهُ أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ سَائِر رؤوسهم وأرباب المقالات مِنْهُم، إِذا تدبرت أَقْوَالهم رَأَيْتهمْ مُتَفَرّقين يكفر بَعضهم بَعْضًا، ويتبرأ بَعضهم من بعض، كَذَلِك الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض فِيمَا بَينهم وَسَائِر المبتدعة بمثابتهم. وَهل عَلَى الْبَاطِل دَلِيل أظهر من هَذَا؟
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء إِنَّمَا أَمرهم إِلَى الله﴾ .
стр. 692
وَكَانَ السَّبَب فِي اتِّفَاق أهل الحَدِيث أَنهم أخذُوا الدّين من الْكتاب وَالسّنة، وَطَرِيق النَّقْل، فأورثهم الِاتِّفَاق والائتلاف. وَأهل الْبِدْعَة أخذُوا الدّين من المعقولات والآراء، فأورثهم الِافْتِرَاق وَالِاخْتِلَاف، فَإِن النَّقْل وَالرِّوَايَة من الثِّقَات والمتقنين قَلما يخْتَلف، وَإِن اخْتلف فِي لفظ أَو كلمة، فَذَلِك اخْتِلَاف لَا يضر الدّين، وَلَا يقْدَح فِيهِ.
وَأما دَلَائِل الْعقل فقلما تتفق، بل عقل كل وَاحِد يري صَاحبه غير مَا يرى الآخر، وَهَذَا بَين وَالْحَمْد لله، وَبِهَذَا يظْهر مُفَارقَة الِاخْتِلَاف فِي مَذَاهِب الْفُرُوع اخْتِلَاف العقائد فِي الْأُصُول، فَإنَّا وجدنَا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - وَرَضي عَنْهُم، اخْتلفُوا فِي أَحْكَام الدّين فَلم يفترقوا، وَلم يصيروا شيعًا، لأَنهم لم يفارقوا الدّين، ونظروا فِيمَا أذن لَهُم فاختلفت أَقْوَالهم وآراؤهم فِي مسَائِل كَثِيرَة، مثل مسالة الْجد، والمشتركة ،
стр. 693
وَذَوي الْأَرْحَام، وَمَسْأَلَة الْحَرَام وَفِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَغير ذَلِكَ مِمَّا يكثر تعداده؛ من مسَائِل الْبيُوع، وَالنِّكَاح، وَالطَّلَاق، وَكَذَلِكَ فِي مسَائِل كَثِيرَة من بَاب الطَّهَارَة، وهيئات الصَّلَاة، وَسَائِر الْعِبَادَات، فصاروا باختلافهم فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء محمودين، وَكَانَ هَذَا النَّوْع من الِاخْتِلَاف رَحْمَة من الله لهَذِهِ الآمة حَيْثُ أَيّدهُم بِالْيَقِينِ، ثمَّ وسع عَلَى الْعلمَاء النّظر فِيمَا لم يَجدوا حكمه فِي التَّنْزِيل وَالسّنة، فَكَانُوا مَعَ هَذَا الِاخْتِلَاف أهل مَوَدَّة، ونصح، وَبقيت بَينهم أخوة الْإِسْلَام، وَلم يَنْقَطِع عَنْهُم نظام الألفة، فَلَمَّا حدثت هَذِهِ الْأَهْوَاء المردية الداعية صَاحبهَا إِلَى النَّار، ظَهرت الْعَدَاوَة، وتباينوا وصاروا أحزابا، فَانْقَطَعت الْأُخوة فِي الدّين، وَسَقَطت الألفة. فَهَذَا يدل عَلَى أَن هَذَا التباين، والفرقة؛ إِنَّمَا حدثت من الْمسَائِل المحدثة، الَّتِي ابتدعها
стр. 694
الشَّيْطَان فألقاها عَلَى أَفْوَاه أوليائه ليختلفوا، وَيَرْمِي بَعضهم بَعْضًا بالْكفْر فَكل مَسْأَلَة حدثت فِي الْإِسْلَام فَخَاضَ فِيهَا النَّاس فَتَفَرَّقُوا وَاخْتلفُوا، فَلم يُورث ذَلِكَ الِاخْتِلَاف بَينهم عَدَاوَة وَلَا بغضاء وَلَا تفَرقا، وَبقيت بَينهم الألفة، والنصيحة، والمودة، وَالرَّحْمَة، والشفقة، علمنَا أَن ذَلِكَ من مسَائِل الْإِسْلَام يحل النّظر فِيهَا، وَالْأَخْذ بقول من تِلْكَ الْأَقْوَال لَا يُوجب تبديعاً، لَا تكفيرا كَمَا ظهر مثل هَذَا الِاخْتِلَاف بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَعَ بَقَاء الألفة والمودة، فَكل مَسْأَلَة حدثت فَاخْتَلَفُوا فِيهَا فأورث اخْتلَافهمْ فِي ذَلِكَ التولي والإعراض، والتدابر والتقاطع، وَرُبمَا ارْتقى إِلَى التفكير، علمت أَن ذَلِكَ لَيْسَ من أَمر الدّين فِي شَيْء بل يجب عَلَى كل ذِي عقل أَن يجتنبها، ويعرض عَن الْخَوْض فِيهَا، لِأَن الله شَرط فِي تمسكنا بِالْإِسْلَامِ أَنا نصبح فِي ذَلِكَ إخْوَانًا فَقَالَ : ﴿واذْكُرُوا نعْمَة اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا﴾ .
فَإِن قَالَ قَائِل: إِن الْخَوْض فِي مسَائِل الْقدر وَالصِّفَات، وَشرط الْإِيمَان يُورث التقاطع والتدابر وَالِاخْتِلَاف، فَيجب طرحها، والإعراض عَنْهَا عَلَى مَا زعمتم.
стр. 695
الْجَواب: إِنَّمَا قُلْنَا هَذَا فِي الْمسَائِل المحدثة، وَأما القَوْل فِي هَذِهِ الْمسَائِل من شَرط أصل الدّين، وَلَا بُد من قبُوله عَلَى نَحْو مَا ثَبت فِيهِ النَّقْل عَن رَسُول الله ﷺ َ - وَأَصْحَابه، وَلَا يجوز لنا الْإِعْرَاض عَن نقلهَا وروايتها وبيانها، لتفرق النَّاس فِي ذَلِكَ، كَمَا فِي أصل الْإِسْلَام، وَالدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد، وَإِظْهَار الشَّهَادَتَيْنِ.
وَقد ظهر بِمَا قدمنَا، وَذكرنَا بِحَمْد الله وَمِنْه أَن الطَّرِيق الْمُسْتَقيم مَعَ أهل الحَدِيث، وَأَن الْحق مَا نقلوه وَرَوَوْهُ، وَمن تدبر مَا كتبناه، وَأعْطى من قبله النصفة، وَأعْرض عَن هَوَاهُ، واستمع وأصغى بقلب حَاضر، وَكَانَ مسترشدا مهتديا، وَلم يكن مُتَعَنتًا، وأمده الله بِنور الْيَقِين عرف صِحَة جَمِيع مَا قُلْنَاهُ، وَلم يخف عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِكَ، وَالله الْمُوفق، ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ .
وَقد أجَاب بعض أهل السّنة عَن قَوْلهم: إِن الْخَبَر الْوَاحِد لَا يُوجب الْعلم، بِجَوَاب آخر سوى مَا قُلْنَاهُ قد بَيناهُ فِي كتاب الْقدر. وَإِن كَانَ الْجَواب الصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ.
стр. 696
فَإِن قَالَ قَائِل: إِنَّكُم سميتم أَنفسكُم أهل السّنة، وَمَا نَرَاكُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا مدعين، لأَنا وجدنَا كل فرقة من الْفرق تنتحل إتباع السّنة، وتنسب من خالفها إِلَى الْهوى، وَلَيْسَ عَلَى أصحابكم مِنْهَا سمة وعلامة أَنهم أَهلهَا دون من يُخَالِفهَا من سَائِر الْفرق، فَكلهَا فِي انتحال هَذَا الْقلب شُرَكَاء متكافئون، ولستم أولى بِهَذَا اللقب إِلَّا أَن تَأْتُوا بِدلَالَة ظَاهِرَة من الْكتاب وَالسّنة أَو من إِجْمَاع أَو مَعْقُول.
الْجَواب: قَوْلكُم إِنَّه لَا يجوز لأحد دَعْوَى إِلَّا بِبَيِّنَة عادلة أَو دلَالَة ظَاهِرَة من الْكتاب وَالسّنة، هما لنا قائمتان بِحَمْد الله وَمِنْه.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ فَأمرنَا باتباعه وطاعته؛ فِيمَا سنّ وَأمر، وَنهى، وَحكم وَعلم.
٢٠٦ - وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - " عَلَيْكُم بِسنتي، وَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني ".
ثمَّ لعن تَارِك سنته عَلَى مَا رُوِيَ أَنه قَالَ:
٢٠٧ - " سِتَّة لعنتهم، وكل نَبِي مجاب الدعْوَة. وَذكر فِي آخِره: والتارك لسنتي ".
стр. 697
فَوَجَدنَا سنته، وعرفناها بِهَذِهِ الْآثَار الْمَشْهُورَة الَّتِي رويت، بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاح الْمُتَّصِلَة الَّتِي تلقتها حفاظ الْعلمَاء بَعضهم من بعض، فَنَظَرْنَا إِلَى هَذِهِ الْفرْقَة - أَعنِي أَصْحَاب الحَدِيث - وهم لَهَا أطلب، وفيهَا أَرغب، وَلها أجمع ولصحاحها أتبع، فَعلمنَا يَقِينا بِالْكتاب وَالسّنة، أَنهم دون من سواهُم من جَمِيع الْفرق، لِأَن صَاحب كل فرقة أَو صناعَة مَا لم يكن مَعَه دلَالَة عَلَيْهِ من صناعته، وَآلَة من آلاته، ثمَّ ادّعى تِلْكَ الصِّنَاعَة، كَانَ فِي دَعْوَاهُ عِنْد الْعَامَّة مُبْطلًا، وَفِي الْمَعْقُول عِنْدهم متجهلا، فَإِذا كَانَت مَعَه آلَات الصناعات والحرف شهِدت لَهُ تِلْكَ الْآلَات بصناعتها، بل شهد لَهُ كل من عاينه قبل الاختبار كَمَا إِنَّك إِذا رَأَيْت الرجل فتح بَاب دكانه عَلَى بز، علمت أَنه بزاز. وَإِن لم تختبره، وَإِذا فتح عَلَى تمر علمت أَنه تمار، وَإِذا فتح عَلَى عطر علمت أَنه عطار، وَإِذا رَأَيْت بَين يَدَيْهِ الْكِير والسندان والمطرقة علمت أَنه حداد. وَإِذا رَأَيْت بَين يَدَيْهِ الإبرة، والجلم علمت أَنه خياط، وَكَذَلِكَ صَاحب كل صناعَة، إِنَّمَا يسْتَدلّ عَلَى صناعته بآلته، فَيحكم بالمعاينة من غير اختبار، وَلَو رَأَيْت بَين يَدي نجار قدومًا، ومنشارا، ومثقبا، ثمَّ سميته خياطاً
стр. 698
جهلت، وَإِذا رَأَيْت بِنَاء مَعَه آله البنائين ثمَّ سميته حدادا جهلت، وَكَذَلِكَ من مَعَه الْكِير والسندان ومنفخ إِذا سميته بزازاً أَو عطاراً جهلت، وَلَو قَالَ صَاحب التَّمْر لصَاحب الْعطر: أَنا عطار، قَالَ لَهُ: كذبت، بل أَنا هُوَ، وَشهد لَهُ بذلك كل من أبصره من الْعَامَّة، ثمَّ كل صَاحب صناعَة، وحرفة يفتخر بصناعته، ويستطيل بهَا، ويجالس أَهلهَا، وَلَا يذمها.
ورأينا أَصْحَاب الحَدِيث ﵏ قَدِيما وحديثاً، هم الَّذين رحلوا فِي طلب هَذِهِ الْآثَار الَّتِي تدل على سنَن رَسُول الله ﷺ َ - فَأَخَذُوهَا من معادنها، وجمعوها من مظانها، وحفظوها فاغتبطوا بهَا ودعوا إِلَى اتباعها، وعابوا من خالفها فكثرت عِنْدهم، وَفِي أَيْديهم حَتَّى اشتهروا بهَا كَمَا اشْتهر الْبَزَّاز ببزه، والتمار بتمره، والعطار بعطره، ثمَّ رَأينَا قوما انسلخوا من حفظهَا ومعرفتها ، وتنكبوا اتِّبَاع أَصَحهَا وأشهرها، وطعنوا فِيهَا، وفيمن أَخذ بهَا، وزهدوا النَّاس فِي جمعهَا ونشرها، وضربوا لَهَا ولأهلها أَسْوَأ الْأَمْثَال، فَعلمنَا بِهَذِهِ الدَّلَائِل الظَّاهِرَة والشواهد الْقَائِمَة أَن هَؤُلاءِ الراغبين فِيهَا، وَفِي جمعهَا وحفظها، واتباعها أولى بهَا وأحق من سَائِر الْفرق الَّذين تنكبوا أَكْثَرهَا، وَهِي الَّتِي تحكم عَلَى أهل الْأَهْوَاء بالأهواء. لِأَن الِاتِّبَاع عِنْد الْعلمَاء هُوَ الْأَخْذ بسنن رَسُول الله ﷺ َ - الَّتِي صحت عَنهُ عِنْد أَهلهَا ونقلتها وحفاظها، والخضوع لَهَا، وَالتَّسْلِيم لأمر النَّبِي ﷺ َ - فِيهَا تقليدا لمن أَمر الله بتقليده
стр. 699
والائتمار بأَمْره، والانتهاء عَمَّا نهى الله عَنهُ، وَوجدنَا أهل الْأَهْوَاء الَّذين استبدوا بالآراء والمعقولات بمعزل من الْأَحَادِيث والْآثَار الَّتِي هِيَ طَرِيق معرفَة سنة رَسُول الله ﷺ َ -.
فَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ سمة ظَاهِرَة وعلامة بَيِّنَة تشهد لأهل السّنة باستحقاقها، وعَلى أهل الْأَهْوَاء فِي تَركهَا، والعدول عَنْهَا، وَلَا نحتاج فِي هَذَا إِلَى شَاهد أبين من هَذَا، وَلَا إِلَى دَلِيل أَضْوَأ من هَذَا.
فَإِن قَالُوا: إِن لكل فريق من الْأَهْوَاء، وَأَصْحَاب الآراء حجَجًا من آثَار رَسُول الله ﷺ َ - يحتجون بهَا.
قُلْنَا: أجل وَلَكِن يحْتَج بقول التَّابِعِيّ على قَول النَّبِي ﷺ َ - أَو بِحَدِيث مُرْسل ضَعِيف عَلَى حَدِيث مُتَّصِل قوي، وَمن هَا هُنَا امتاز أهل اتِّبَاع السّنة من غَيرهم، لِأَن صَاحب السّنة لَا يألو أَن يتبع من السّنَن أقواها وَمن الشُّهُود عَلَيْهَا أعدلها وأتقاها، وَصَاحب الْهوى كالغريق يتَعَلَّق بِكُل عود ضَعِيف أَو قوي، فَإِذا رَأَيْت الْحَاكِم لَا يقبل من الشُّهُود إِلَّا أعدلها وأنقاها كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ شَاهدا عَلَى عَدَالَته، وَإِذا غمض وقنع بأرداها كَانَ ذَلِكَ دَلِيلا عَلَى جوره، وَكَانَ المتبع لَا يتبع من الْآثَار إِلَّا مَا هُوَ عِنْد الْعلمَاء أقوى، وَصَاحب الْهوى لَا يتبع إِلَّا مَا يهوى، وَإِن كَانَ عِنْد الْعلمَاء أوهاها، وكل ذِي حِرْفَة وصناعة مَوْسُوم بصناعته، مَعْرُوف بآلته مَتى أعوزته الْآلَة زَالَت عَنهُ آيَة الصِّنَاعَة، وَكَذَلِكَ سمات أهل السّنَن والأهواء، وَفِي دون مَا فسرناه مَا يشفي، والأقل من هَذَا يَكْفِي من كَانَ موفقا، ولحقه عون من الله تَعَالَى.
стр. 700
قَالُوا: قد كثرت الْآثَار فِي أَيدي النَّاس، واختلطت عَلَيْهِم - قُلْنَا: مَا اخْتلطت إِلَّا عَلَى الْجَاهِلين بهَا، فَأَما الْعلمَاء بهَا فَإِنَّهُم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير، فيميزون زيوفها، وَيَأْخُذُونَ جيادها، وَلَئِن دخل فِي غمار الروَاة من وسم بالغلط فِي الْأَحَادِيث فَلَا يروح ذَلِكَ على جهابدة أَصْحَاب الحَدِيث، ورتوت الْعلمَاء حَتَّى إِنَّهُم عدوا أغاليط من غلط فِي الْأَسَانِيد والمتون، بل تراهم يعدون عَلَى كل رجل مِنْهُم فِي كم حَدِيث غلط وَفِي كم حرف حرف، وماذا صحف؟ فَإِذا لم يروج عَلَيْهِم أغاليط الروَاة فِي الْأَسَانِيد والمتون، والحروف، فَكيف يروج وضع الزَّنَادِقَة وتوليدهم الْأَحَادِيث، وَهُوَ الَّذِي يَقُول بعض النَّاس: إِن بعض الزَّنَادِقَة أدعى أَنه وضع ألوفا من الْأَحَادِيث وخلطها بالأحاديث الَّتِي يَرْوِيهَا النَّاس حَتَّى خفيت عَلَى أَهلهَا، وَمَا يَقُول هَذَا إِلَّا جَاهِل ضال مُبْتَدع كَذَّاب يُرِيد أَن يهجن بِهَذِهِ الدعو الكاذبة صِحَاح آثَار رَسُول الله ﷺ َ - الصادقة فيغلط جهال النَّاس بِهَذِهِ الدَّعْوَى، وَمَا احْتج مُبْتَدع فِي رد آثَار رَسُول الله ﷺ َ - بِحجَّة أَوْهَى مِنْهَا، وَلَا أَشد اسْتِحَالَة، فَصَاحب هَذِهِ الدَّعْوَى يسْتَحق أَن يسف فِي فِيهِ
стр. 701
الرماد، وينفى من بِلَاد الْإِسْلَام، فَتدبر رَحِمك الله، أيجعل حكم من أفنى عمره فِي طلب آثَار رَسُول الله ﷺ َ - شرقا وغربا، وَبرا وبحرا، وارتحل فِي الحَدِيث الْوَاحِد فراسخ، واتهم أَبَاهُ، وَأَدْنَاهُ فِي خبر يرويهِ عَن النَّبِي ﷺ َ - إِذا كَانَ مَوضِع التُّهْمَة، وَلم يحاجه فِي مقَال وَلَا خطاب غَضبا لله، وحمية لدينِهِ، ثمَّ ألف الصُّحُف والأجلاد فِي معرفَة الْمُحدثين وأسمائهم وأنسابهم، وَقدر أَعْمَالهم، وَذكر أعصارهم، وشمائلهم وأخبارهم، وَفصل بَين الرَّدِيء والجيد، وَالصَّحِيح والسقيم حنقا لله وَرَسُوله وغيرة عَلَى الْإِسْلَام وَالسّنة، ثمَّ اسْتعْمل آثاره كلهَا حَتَّى فِيمَا عدا الْعِبَادَات من أكله، وطعامة، وَشَرَابه، ونومه ويقظته، وقيامه وقعوده، ودخوله وَخُرُوجه، وَجَمِيع سيرته، وسننه حَتَّى فِي خطواته، ولحظاته، ثمَّ دَعَا النَّاس إِلَى ذَلِكَ، وحثهم عَلَيْهِ وندبهم إِلَى اسْتِعْمَاله، وحبب إِلَيْهِم ذَلِكَ بِكُل مَا يُمكنهُ حَتَّى فِي بذل مَاله وَنَفسه، كمن أفنى عمره فِي اتِّبَاع أهوائه، وآرائه وخواطره، وهواجسه، ثمَّ ترَاهُ يرد مَا هُوَ أوضح من الصُّبْح من سنَن رَسُول الله ﷺ َ - وَأشهر من الشَّمْس بِرَأْي دخيل، واستحسان ذميم، وَظن فَاسد، وَنظر مشوب بالهوى، فَانْظُر وفقك الله للحق أَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بِأَن ينْسب إِلَى اتِّبَاع السّنة، وَاسْتِعْمَال الْأَثر؛ الْفرْقَة الأولى أم الثَّانِيَة؟ فَإِذا قضيت بَين هذَيْن بوافر لبك، وصحيح نظرك، وثاقب فهمك فَلْيَكُن شكرك لله عَلَى حسب مَا أَرَاك من الْحق ووفقك للصَّوَاب، وألهمك من السداد، واختصك بِهِ من إِصَابَة الْحسن فِي القَوْل وَالْعَمَل، فَإِذا كنت كَذَلِك فقد ازددت يَقِينا عَلَى يَقِين وثلجاً على ثلج، وإصابة عَلَى إِصَابَة، وَمن الله التأييد والتسديد
стр. 702
والإلهام والإعلام، وَهُوَ حسب أهل السّنة، وَعَلِيهِ توكلهم، وَمِنْه معونتهم وتوفيقهم ونصرتهم بمنه وفضله، وعميم كرمه وَطوله.
فصل وَمن مَذْهَب أهل السّنة أَن الْمُؤمنِينَ يرَوْنَ الله ﵎ بِأَبْصَارِهِمْ يَوْم الْقِيَامَة
٢٠٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَنا هبة اللَّه بْن الْحسن، أَنا أَحْمَد بْنُ عُبَيْدٍ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَشِيرٍ، نَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، نَا مُحَمَّد ابْن أَبِي نُعَيْمٍ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نرى رَبنَا
стр. 703
يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكَذَلِكَ تَرَوْنَهُ.
٢٠٩ - قَالَ: وَأَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ وَالْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ قَالا: أَنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، نَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِلْحَانَ نَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: " هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ إِذَا كَانَ صَحْوًا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَتُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ إِذَا كَانَ صَحْوًا؟ قُلْنَا: لَا قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا ".
٢١٠ - رِوَايَة جرير بن عبد الله البَجلِيّ ﵁:
стр. 704
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ فَرْوَةَ، نَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِم، عَن جرير بْن عَبْد اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَيَانًا كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، وَقَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا﴾ .
أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح بِهَذَا اللَّفْظ من رِوَايَة أَبِي شهَاب، وَقد تَابع أَبَا شهَاب بِلَفْظ: " العيان " زيد بن أَبِي أنيسَة.
٢١١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا أَحْمد بن عبيد نَا أَحْمد ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرِ بْنِ بُجَيْرٍ الْقَاضِي بِوَاسِطَ، نَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ، نَا الْمُعَافَى بْنُ سُلَيْمَانَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ زَيْدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ رَبَّكُمْ ".
стр. 705
٢١٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن عِمْرَانَ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خسرماه الْقَزْوِينِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّالْقَانِيُّ، نَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ التِّرْمِذِيُّ، نَا حَمَّادُ بْنُ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَبَيَانِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ قَيْسِ ابْن أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَانْظُرُوا لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقبل غُرُوبهَا ".
٢١٣ - رِوَايَة أَنَس بْن مَالك ﵁:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ، نَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، نَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ -: " يُجْمَعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَأَرَاحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالُوا: ائْتُوا مُحَمَّدًا عَبْدًا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِّي حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنَ لِي فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ أَوْ خَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثمَّ يُقَال: ارْفَعْ - يَعْنِي رَأسك - مُحَمَّد وَقل: تسمع،
следующие страницы →