Полный текст (1 030 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الرماد، وينفى من بِلَاد الْإِسْلَام، فَتدبر رَحِمك الله، أيجعل حكم من أفنى عمره فِي طلب آثَار رَسُول الله ﷺ َ - شرقا وغربا، وَبرا وبحرا، وارتحل فِي الحَدِيث الْوَاحِد فراسخ، واتهم أَبَاهُ، وَأَدْنَاهُ فِي خبر يرويهِ عَن النَّبِي ﷺ َ - إِذا كَانَ مَوضِع التُّهْمَة، وَلم يحاجه فِي مقَال وَلَا خطاب غَضبا لله، وحمية لدينِهِ، ثمَّ ألف الصُّحُف والأجلاد فِي معرفَة الْمُحدثين وأسمائهم وأنسابهم، وَقدر أَعْمَالهم، وَذكر أعصارهم، وشمائلهم وأخبارهم، وَفصل بَين الرَّدِيء والجيد، وَالصَّحِيح والسقيم حنقا لله وَرَسُوله وغيرة عَلَى الْإِسْلَام وَالسّنة، ثمَّ اسْتعْمل آثاره كلهَا حَتَّى فِيمَا عدا الْعِبَادَات من أكله، وطعامة، وَشَرَابه، ونومه ويقظته، وقيامه وقعوده، ودخوله وَخُرُوجه، وَجَمِيع سيرته، وسننه حَتَّى فِي خطواته، ولحظاته، ثمَّ دَعَا النَّاس إِلَى ذَلِكَ، وحثهم عَلَيْهِ وندبهم إِلَى اسْتِعْمَاله، وحبب إِلَيْهِم ذَلِكَ بِكُل مَا يُمكنهُ حَتَّى فِي بذل مَاله وَنَفسه، كمن أفنى عمره فِي اتِّبَاع أهوائه، وآرائه وخواطره، وهواجسه، ثمَّ ترَاهُ يرد مَا هُوَ أوضح من الصُّبْح من سنَن رَسُول الله ﷺ َ - وَأشهر من الشَّمْس بِرَأْي دخيل، واستحسان ذميم، وَظن فَاسد، وَنظر مشوب بالهوى، فَانْظُر وفقك الله للحق أَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بِأَن ينْسب إِلَى اتِّبَاع السّنة، وَاسْتِعْمَال الْأَثر؛ الْفرْقَة الأولى أم الثَّانِيَة؟ فَإِذا قضيت بَين هذَيْن بوافر لبك، وصحيح نظرك، وثاقب فهمك فَلْيَكُن شكرك لله عَلَى حسب مَا أَرَاك من الْحق ووفقك للصَّوَاب، وألهمك من السداد، واختصك بِهِ من إِصَابَة الْحسن فِي القَوْل وَالْعَمَل، فَإِذا كنت كَذَلِك فقد ازددت يَقِينا عَلَى يَقِين وثلجاً على ثلج، وإصابة عَلَى إِصَابَة، وَمن الله التأييد والتسديد
стр. 702
والإلهام والإعلام، وَهُوَ حسب أهل السّنة، وَعَلِيهِ توكلهم، وَمِنْه معونتهم وتوفيقهم ونصرتهم بمنه وفضله، وعميم كرمه وَطوله.
فصل وَمن مَذْهَب أهل السّنة أَن الْمُؤمنِينَ يرَوْنَ الله ﵎ بِأَبْصَارِهِمْ يَوْم الْقِيَامَة
٢٠٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَنا هبة اللَّه بْن الْحسن، أَنا أَحْمَد بْنُ عُبَيْدٍ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَشِيرٍ، نَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، نَا مُحَمَّد ابْن أَبِي نُعَيْمٍ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نرى رَبنَا
стр. 703
يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكَذَلِكَ تَرَوْنَهُ.
٢٠٩ - قَالَ: وَأَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ وَالْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ قَالا: أَنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، نَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِلْحَانَ نَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: " هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ إِذَا كَانَ صَحْوًا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَتُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ إِذَا كَانَ صَحْوًا؟ قُلْنَا: لَا قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا ".
٢١٠ - رِوَايَة جرير بن عبد الله البَجلِيّ ﵁:
стр. 704
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ فَرْوَةَ، نَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِم، عَن جرير بْن عَبْد اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَيَانًا كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، وَقَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا﴾ .
أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح بِهَذَا اللَّفْظ من رِوَايَة أَبِي شهَاب، وَقد تَابع أَبَا شهَاب بِلَفْظ: " العيان " زيد بن أَبِي أنيسَة.
٢١١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا أَحْمد بن عبيد نَا أَحْمد ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرِ بْنِ بُجَيْرٍ الْقَاضِي بِوَاسِطَ، نَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ، نَا الْمُعَافَى بْنُ سُلَيْمَانَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ زَيْدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ رَبَّكُمْ ".
стр. 705
٢١٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن عِمْرَانَ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خسرماه الْقَزْوِينِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّالْقَانِيُّ، نَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ التِّرْمِذِيُّ، نَا حَمَّادُ بْنُ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَبَيَانِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ قَيْسِ ابْن أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَانْظُرُوا لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقبل غُرُوبهَا ".
٢١٣ - رِوَايَة أَنَس بْن مَالك ﵁:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ، نَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، نَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ -: " يُجْمَعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَأَرَاحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالُوا: ائْتُوا مُحَمَّدًا عَبْدًا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِّي حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنَ لِي فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ أَوْ خَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثمَّ يُقَال: ارْفَعْ - يَعْنِي رَأسك - مُحَمَّد وَقل: تسمع،
стр. 706
وَسَلْ تُعْطَهُ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمَنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ الرَّابِعَةَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ إِلا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ ".
هَذَا حَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ، وَمُسلم من رِوَايَة سَعِيد بن أَبِي عرُوبَة، وَقَوله: " فَيحد لي حدا أَي: يبين لي قدرا وَيقدر لي عدد أدخلهم الْجنَّة، وَقَوله: إِلَّا من حَبسه الْقُرْآن "، أَي: إِلَّا من ذكر الْقُرْآن أَنه لَا يخرج أبدا من النَّار.
٢١٤ - رِوَايَة أَبِي مُوسَى عبد الله بن قيس ﵁
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَزَّازُ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، نَا حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو الرَّيَّانِيُّ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، نَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أبي بكر ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﵎ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عدن ".
стр. 707
هَذَا حَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة الْعمي.
٢١٥ - رِوَايَة صُهَيْب ﵁:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْعَبَّاسِ نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْوَرَّاقُ، نَا الْحسن بن عَرَفَة، نَا يزِيد ابْن هَارُونَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ َ -: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نُودُوا يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا لَمْ تَرَوْهُ. قَالَ: فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ .
٢١٦ - رِوَايَة جَابر ﵁:
стр. 708
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا الْقَاسِم بن جَعْفَر، أَنا على ابْن إِسْحَاق ابْن مُحَمَّدٍ، نَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ نَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، نَا أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادَانِيُّ، نَا الْفَضْلُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِم رَبهم فيرفعون رُؤْسهمْ فَإِذَا رَبُّهُمْ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْجَنَّةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلا من رب رَحِيم﴾ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ وَيَبْقَى نُورٌ مِنْ نُورِهِ فِي مَنَازِلِهِمْ ".
٢١٧ - رِوَايَة أَبِي رزين ﵁:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، أَنا مُحَمَّدُ بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْعَبَّاسِ، نَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، نَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ:
стр. 709
وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: " أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَنْظُرُ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، اللَّهُ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ ".
٢١٨ - رِوَايَة ابْن عمر ﵁:
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيُّ، أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى الزَّعْفَرَانِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيّ، نَا يحيى ابْن سُلَيْمَانَ، نَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، نَا سُفْيَانُ عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ يَرْفَعُهُ قَالَ: " إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَ سَنَةٍ يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ، وَإِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً ".
٢١٩ - رِوَايَة عمار بن يَاسر ﵁.
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا هِبَةُ الَّلِه، أَنا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ، أَنا مُحَمَّد ابْن هَارُونَ الرُّويَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْقَطَّانُ، نَا أَسد بن مُوسَى، نَا حَمَّاد ابْن زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ.
стр. 710
قَالَ هِبَةُ اللَّهِ: وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ، نَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ ابْن السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵁ صَلاةً أَوْجَزَ فِيهَا، فَلَمَّا سلم، قيل لَهُ: لقد خففت يَا أَبَا الْيَقظَان، قَالَ ": أما إِنِّي قد دَعَوْتُ فِيهَا بِدُعَاءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - ثُمَّ انْصَرَفَ.
قَالَ: فَتَبِعَهُ رَجُلٌ، قَالَ عَطَاءٌ: أَبِي الَّذِي تَبِعَهُ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ فَقَالَ: ": اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ لِي خَيْرًا، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ لِي الْوَفَاةُ خَيْرًا.
اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحِلْمِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَأَسْأَلُكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فتْنَة مضلة، الله زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ ".
٢٢٠ - رِوَايَة زيد بن ثَابت ﵁:
قَالَ: وَأخْبرنَا هبة الله قَالَ: ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ نَا أَبُو زُرْعَةَ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نَا أَبُو بكر ابْن أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّ رَسُول الله ﷺ َ - علمه
стр. 711
وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَعَاهَدَ أَهْلَهُ بِهِ فِي كُلِّ صباح: " لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَمِنْكَ وَبِكَ وَإِلَيْكَ، اللَّهُمَّ مَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ حَلَفْتُ مِنْ حَلِفٍ أَوْ نَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ فَمَشِيئَتُكَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا شِئْتَ كَانَ، وَمَا لَا تَشَاءُ لَا يَكُونُ لَا حَوْلَ، وَلا قُوَّةَ إِلا بِكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ وَمَا صَلَّيْتَ مِنْ صَلاةٍ فَعَلَى مَنْ صَلَّيْتَ، وَمَا لَعَنْتَ مِنْ لَعْنَةٍ فَعَلَى مَنْ لَعَنْتَ، أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا، وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ".
اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَذَّةَ النَّظَرِ فِي وَجْهِكَ، وَشَوْقًا إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَعْتَدِيَ أَوْ يُعْتَدَى عَلَيَّ أَوْ أَكْتَسِبَ خَطِيئَةً مُحْبِطَةٍ أَوْ أَذْنِبَ ذَنْبًا لَا تَغْفِرُهُ، اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَات وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَأُشْهِدُكَ وَكَفَى بِكَ شَهِيدًا أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ وَحْدَكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الْمُلْكُ، وَلَكَ الْحَمْدُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ، أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ، وَلِقَاءَكَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّكَ تَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تَكِلْنِي إِلَى ضَيْعَةٍ وَعَوَزٍ، وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، وَأَنِّي لَا أَثِقُ إِلا بِرَحْمَتِكَ فَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ، وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ".
стр. 712
فصل
قَالَ بعض الْحفاظ: رَوَى عَن رَسُول الله ﷺ َ - من الصَّحَابَة حَدِيث الرُّؤْيَة ثَلَاث وَعِشْرُونَ نفسا مِنْهُم عَليّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ، وَجَرِير، وَأَبُو مُوسَى وصهيب، وَجَابِر، وَابْن عَبَّاس، وَأنس، وعمار بن يَاسر، وَأبي بن كَعْب، وَابْن مَسْعُود، وَزيد بن ثَابت، وَحُذَيْفَة وَعبادَة، وَأَبُو أُمَامَة، وعدي بن حَاتِم ، وَأَبُو رزين الْعقيلِيّ، وَكَعب ابْن عجْرَة، وَابْن عمر وفضالة بن عبيد، وَبُرَيْدَة، وَرجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ -.
стр. 713
قَالَ يَحْيَى بن معِين: عِنْدِي سَبْعَة عشر حَدِيثا فِي الرُّؤْيَة كلهَا صِحَاح.
٢٢١ - وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ قَالَ: من تَمام النِّعْمَة دُخُول الْجنَّة، وَالنَّظَر إِلَى الله ﵎ فِي جنته.
٢٢٢ - وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁: أتنكرون أَن تكون الْخلَّة لإِبْرَاهِيم وَالْكَلَام لمُوسَى، والرؤية لمُحَمد ﷺ َ - وَعَلَيْهِم .
فصل
ذكر عبد الرَّحْمَن بن أَبِي حَاتِم، نَا أبي عبد الرَّحْمَن الْمقري قَالَ: سَمِعت الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الطنافسي قَالَ: سَمِعت وكيعا يَقُول: يرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْجنَّة وَلَا يرَاهُ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ.
وَذكر يَحْيَى بن الْمُغيرَة قَالَ: كُنَّا عِنْد جرير بن عبد الحميد فَذكر لَهُ حَدِيث ابْن سابط: للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى، وَزِيَادَة.
стр. 714
قَالَ: الزِّيَادَة النّظر إِلَى وَجه الله قَالَ: فحضره رجل فَأنكرهُ فصاح بِهِ، وَأخرجه من مَجْلِسه.
وَذكره مُحَمَّد بن عِيسَى الدَّامغَانِي، حَدَّثَنِي أَبُو بكر صَالح الْمروزِي وَكَانَ صَاحب قُرْآن قَالَ: دس الْجَهْمِية إِلَى ابْن الْمُبَارك رجلا. فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن خداي رابذان جهان جون يبنذ. فَقَالَ: بحشم - يَعْنِي كَيفَ نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة؟ - فَقَالَ: بِالْعينِ.
وَقَالَ الرّبيع بن سُلَيْمَان: حضرت مُحَمَّد إِدْرِيس الشَّافِعِي ﵀ وَقد جَاءَتْهُ رقْعَة من الصَّعِيد فِيهَا، مَا تَقول فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾ . قَالَ الشَّافِعِي: لما حجب
стр. 715
هَؤُلاءِ فِي السخط كَانَ هَذَا دَلِيل عَلَى أَنهم يرونه فِي الرِّضَا، وَقَالَ لَو لم يُوقن مُحَمَّد بن إِدْرِيس أَنه يرى الله لما عبد الله تَعَالَى.
وَقَالَ سُلَيْمَان بن حَرْب: وَسَأَلَهُ سَلمَة بن شبيب، وَهُوَ الْمُسْتَمْلِي فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا أَيُّوب أذكر حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي الرُّؤْيَا فَقَالَ: دَعه، فَقَالَ رجل بِالْقربِ من سُلَيْمَان خفِيا: أَي وَالله فَدَعْهُ، فَسَمعهُ فَنظر إِلَيْهِ فَقَالَ: إِذا أحدثه عَلَى رغم أَنْفك، خُذْهَا إِلَيْك فَإِنِّي أَرَاك مِمَّن تَركه، ثمَّ بَدَأَ فَحدث بِهِ.
وَرُوِيَ عَن عبيد الله بن عمر القواريري قَالَ: رَأَيْت فِي النّوم كَأَنِّي مَرَرْت بِبَاب أَحْمَد بن حَنْبَل وعَلى بَابه قوم قعُود وَهُوَ يَقُول من دَاخل وَيرْفَع صَوته: الْمُؤْمِنُونَ ينتظرون أَن ينْظرُوا إِلَى رَبهم .
стр. 716
وَقَالَ عِصَام الْحَرْبِيّ: رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي دخلت درب هِشَام فلقيني بشر بن الْحَارِث ﵀ فَقلت: من أَيْن يَا أَبَا نصر؟ قَالَ: من عليين.
قلت: مَا فعل أَحْمَد بن حَنْبَل؟ قَالَ: تركت السَّاعَة أَحْمَد بن حَنْبَل وَعبد الْوَهَّاب الْوراق بَين يَدي الله يأكلان، ويشربان، ويتنعمان قلت: فَأَنت، قَالَ:: علم الله قلَّة رغبتي فِي الطَّعَام فأباح لي النّظر إِلَيْهِ.
وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: مَا حجب الله أحدا عَنهُ إِلَّا عذبه، ثمَّ قَرَأَ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ، ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تكذبون﴾ . قَالَ بِالرُّؤْيَةِ.
وَقَالَ فِي قَوْله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالحا﴾ . من أَرَادَ النّظر إِلَى وَجه خالقه فليعمل عملا صَالحا، وَلَا يخبر بِهِ أحدا.
وَكَانَ الغطريف بن عَطاء وَإِلَى خُرَاسَان، وَكَانَ يخْطب فَكَانَ يتم
стр. 717
وَيَقُول: اللَّهُمَّ من الدُّنْيَا فسلمنا، وَحجَّتنَا يَوْم الْقِيَامَة فلقنا، وَالنَّظَر إِلَى وَجهك فارزقنا.
فصل
قَالَ أهل السّنة: الدَّلِيل عَلَى أَن الْمُؤمنِينَ يرَوْنَ رَبهم قَوْله تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
قَالَ أهل اللُّغَة: النّظر إِذا قرن بِالْوَجْهِ، وعدي بِحرف الْجَرّ اقْتضى نظر الْعين، قَالَ الشَّاعِر.
(انْظُر إِلَيّ بِوَجْه لَا خَفَاء بِهِ ... أريك تاجاً على سَادَات عدنان)
٢٢٣ - وَقَوله ﷺ َ -: " أَسأَلك لَذَّة النّظر ~إِلَى وَجهك ". وَالنَّبِيّ ﷺ َ - لَا يسْأَل سؤالا يَسْتَحِيل، لِأَن الله تَعَالَى لَا يبْعَث نَبيا إِلَّا هُوَ عَالم بِمَا يجْرِي عَلَيْهِ.
وَاحْتج الْمُعْتَزلَة بقوله تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ وَقَوله: ﴿لن تراني﴾ . وَلَيْسَ لَهُم فِي ذَلِكَ حجَّة لِأَن معنى لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار: ترَاهُ وَلَا
стр. 718
تحيط بِهِ وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار، أَي يَرَاهَا، ويحيط بهَا هَكَذَا قَالَه جمَاعَة من السّلف.
وَقَالَ بعض الْعلمَاء: نفي الْإِدْرَاك لَا يكون إِلَّا عَن رُؤْيَة يُقَال: لم يدْرك فلَان الْعلم، أَي نَالَ مِنْهُ وَلم ينل جَمِيعه.
وَقَوله: ﴿لن تراني﴾ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا فَإِن قيل: لن لنفي الْأَبَد فَالْجَوَاب: أَن لن لَيست لنفي الْأَبَد، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ . وَمَعْلُوم أَنهم إِذا حصلوا فِي النَّار تمنوا الْمَوْت. وَالدَّلِيل عَلَى من قَالَ: إِن الْكفَّار لَا يرَوْنَ رَبهم : قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾ .
стр. 719
وَلِأَنَّهُم لَو رَأَوْهُ لساووا الْمُؤمنِينَ فِي مَنْزِلَتهمْ. وَقد قَالَ الله : ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤمنا كمن كَانَ فَاسِقًا لَا يستوون﴾ .
فصل
وَمن مَذْهَب أهل السّنة: أَن النَّبِي ﷺ َ - رأى ربه لَيْلَة الْمِعْرَاج وَكَانَت رُؤْيا يقظة لَا رُؤْيا مَنَام .
стр. 720
وَرُوِيَ عَن أَحْمَد بن حَنْبَل ﵀ قَالَ: رَآهُ بِعَين رَأسه. وَرُوِيَ عَنهُ أَنه رَآهُ بِعَين قلبه، وَالصَّحِيح أَنه رَآهُ بِعَين رَأسه، وَعين قلبه.
قيل فِي التَّفْسِير: ﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى﴾ رَآهُ فِي الْمرة الأولى بعيني قلبه، وَفِي الْمرة الْأُخْرَى بعيني رَأسه.
فصل
ذكر الشَّيْخ أَبُو زيد مُحَمَّد بن أَحْمد الْفَقِيه المرزوي، وَكَانَ أوحد وقته قَالَ: لما فرغت من درسي عَلَى أَبِي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أَحْمَد المرزوي
стр. 721
وَأَرَدْت الرُّجُوع إِلَى أَهلِي قَالَ لي الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق: إِنَّك ترجع إِلَى مرو، ويحدق بك النَّاس للتفقه فيشغلونك، وَمَا حججْت حجَّة الْإِسْلَام، ونفسك تطالبك بذلك فتحتاج أَن تنشيء لَهَا سفرة أُخْرَى، فَإِن كَانَت بقيت مَعَك بَقِيَّة من النَّفَقَة فَقدم الْحَج حَتَّى تَنْصَرِف إِلَى أهلك بقلب فارغ، وَإِن ضَاقَتْ بك النَّفَقَة فعرفني حَتَّى أدبر لَك، فَقلت: بَقِي معي مَا أَرْجُو أَن يقوم بِي، فاكتري لي فِي وسط السّنة، وأوصاهم بِي، وَخَرجْنَا قَاصِدين إِلَى الْمَدِينَة فوصلناها لأيام مضين من رَجَب، فَأَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّة رَجَب، وَإِلَى النّصْف من شعْبَان، وتهنأنا بالزيارات الَّتِي بهَا، ثمَّ خرجنَا من الْمَدِينَة، وأتينا مَكَّة لأَرْبَع بَقينَ من شعْبَان فصمنا بهَا رَمَضَان، وقضينا نهمتنا من الاعتمار، فَأَقَمْنَا إِلَى وَقت الْحَج، وَسَهل الله تَعَالَى لنا الْحَج، فحين فَرغْنَا مِنْهُ أَشَارَ عَليّ بعض أَصْحَابِي بِالْخرُوجِ عَلَى طَرِيق الْبَصْرَة فَإِنَّهُ أخف فِي الْمُؤْنَة، وَأقرب إِلَى خُرَاسَان فاكتريت وَهَيَّأْت أشغالي، وَخرجت فِي الْبَصرِيين حَتَّى استتب بِنَا السّير، وَإِذا فِي القطار الَّذِي أَنا فِيهِ رجل من فُقَهَاء الْبَصْرَة، ومياسيرها، وأمثالها، وَإِذا القطار بأسره لَهُ والمكارون خدمه، فَكُنَّا ننزل أَوْقَات الصَّلَوَات، وأوقات الرواح نستأنس، ونتذاكر حَتَّى تَأَكد بيني وَبَينه الْأنس، فَأمر جمالي أَن يقطر جملي إِلَى جمله، فَيذْهب أوقاتنا فِي المذاكرة حَتَّى إِذا قربنا من الْبَصْرَة قَالَ لي: أَيهَا الْفَقِيه أَنْت عَلَى جنَاح السّفر وَلست تنوي الْإِقَامَة بِالْبَصْرَةِ، وَإِنَّمَا مكثك فِيهَا قدر مَا تصلح من شؤونك، وَإِنِّي أحب أَن تنزل عِنْدِي أَيَّام مكثك بِالْبَصْرَةِ فَلَا تحْتَاج إِلَى إصْلَاح منزل، فأجبته إِلَى ذَلِكَ لما صَار بَيْننَا من
стр. 722
الانبساط، وَقدمنَا الْبَصْرَة سَالِمين، وَإِذا الرجل من جلة أهل الْبَصْرَة ينتابه النَّاس من كل جَانب عَلَى طبقاتهم لتهنئته، وَالسَّلَام عَلَيْهِ وأنزلني حجرَة من دَاره فَكَانَ كل يَوْم يَجِيء ويصبحني، يذهب إِلَى بهو لَهُ يقْعد لسلام النَّاس حَتَّى إِذا انْقَطع النَّاس عَنهُ عَاد إِلَى عِنْدِي، وكل من جَاءَهُ، من أهل الْعلم يُنَوّه بِي عِنْدهم فَإِذا انصرفوا من عِنْده دخلُوا إِلَيّ فهنوني وَرُبمَا ذاكروني حَتَّى كَانَ بعد أَيَّام دخل عَلَيْهِ شخص، ثمَّ انْصَرف من عِنْده، وَدخل عَليّ وَمَعَهُ نفر فألقي إِنْسَان مِنْهُم مَسْأَلَة من الْكَلَام فاعتذرت واستعفيت، وَقلت: لَيْسَ هَذَا من علمي، وَإِنَّمَا كَانَ كدحي فِي الْفِقْه، وَمَا أُرِيد الْخَوْض فِيمَا لَيْسَ لي بِهِ دربة فذنب بعض الْحَاضِرين، وَكلمَة فِي الْمَسْأَلَة فَوَجَدته باقعة حسن التَّصَرُّف فِي الْكَلَام والاحتيال فِي دفع مقَالَة الْخصم، فَأَعْجَبَنِي حسن تصرفه فزهزهت لَهُ فَقَامَ وَخرج، فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة جَاءَ الشَّيْخ فَذكرت لَهُ مَا أعجبني من كَلَام من تكلم، وحلاوته بقلبي فَقَالَ: هَذَا من أهل الاعتزال فَارق أَصْحَابه، وَعَاد إِلَيْنَا، وَصَارَ يرد عَلَيْهِم بعد طول صحبته لَهُم يُقَال لَهُ: عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْأَشْعَرِيّ، فَلَمَّا أمسينا قُمْت فِي اللَّيْل لورد لي، ثمَّ أغفيت بعد ذَلِكَ من آخر اللَّيْل فَرَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي أتيت الْمَدِينَة فِي ركب من النَّاس زائرين، وَلم يكن فِي الْقَوْم من زار غَيْرِي، وَكنت قريب عهد بالزيارة، فَأَمَرتهمْ فاغتسلوا، ولبسوا أحسن مَا عِنْدهم وَتَقَدَّمت بهم لأزور بهم، فَجئْت إِلَى الْبَاب الَّذِي كنت مِنْهُ فَإِذا هُوَ مصمت لَا خرق فِيهِ فَجئْت إِلَى بَاب آخر فَإِذا هُوَ كَذَلِك
стр. 723
حَتَّى درت عَلَى سَائِر الْأَبْوَاب يَعْنِي أَبْوَاب الْمَسْجِد - فَوَجَدتهَا مسدودة، وانصرفت، وَإِذا أَصْحَابِي لم أر مِنْهُم أحدا فانتبهت مَرْعُوبًا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا جَاءَنِي الشَّيْخ على عَادَته يصبحني فَقلت لَهُ: هَل هَا هُنَا عَابِر يعْتَمد عَلَى قَوْله، فقد رَأَيْت رُؤْيا شغل قلبِي؟ فَقَالَ: نعم. هَا هُنَا رجل ولي الله صَاحب كرامات يقريء فِي بني حرَام كَأَنَّهُ يُوحى إِلَيْهِ هَذَا الْعلم، وَلَكِن الْموضع بعيد فَاكْتُبْ الرُّؤْيَا فِي رقْعَة حَتَّى نرسلها مَعَ بعض غلماننا، فَيقْرَأ وَيكْتب جوابها. فَقلت: لَا يقنعني ذَلِكَ أُرِيد مشافهته بهَا قَالَ: فاصبر حَتَّى أفرغ من شغل النَّاس، ثمَّ رَجَعَ إِلَيّ وَأمر ببغله فأسرجت، وَوجه معي بعض غلمانه فَجِئْنَا بني حرَام، وَقد أذن لصَلَاة الظّهْر فَدخلت الْمَسْجِد، وَصليت وَتقدم الشَّيْخ وَصلى بِنَا، ثمَّ قُمْت إِلَيْهِ وَإِذا كَأَنَّهُ قِطْعَة نور عَلَيْهِ أثر عبَادَة فتقدمت إِلَيْهِ، وَقلت: أَنا رَسُول لبَعض من رأى رُؤْيا فَقَالَ: هَات فقصصت عَلَيْهِ الرُّؤْيَا فَقَالَ: قل لصَاحب هَذِهِ الرُّؤْيَا اتَّقِ الله وراجع الْحق فَإِن هَذَا رجل كَانَ عَلَى الْهدى الْمُسْتَقيم فقرع سَمعه شَيْء من الْبَاطِل فأداه إِلَى قلبه فاستحلاه وتشوشت عقيدته، فَقل لَهُ: رَاجع الْحق فَإِن الله يقبلك، فَإِن الْأَبْوَاب المسدودة هِيَ الطَّرِيق إِلَى رَسُول الله ﷺ َ -، وَالطَّرِيق إِلَيْهِ الطَّرِيق إِلَى سنته، فَلَمَّا استحلى الْبَاطِل سدت الْأَبْوَاب بَينه وَبَينه، فَعظم فِي عَيْني، وَقبلت رَأسه وَخرجت، فَلَمَّا رجعت إِلَى الْمنزل قَالَ لي الشَّيْخ: مَا كَانَ مِنْك؟ فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة وَقلت لَهُ: إِنَّه لَكمَا قلت: وَحي يُوحى إِلَيْهِ، فَوَجَمَ
стр. 724
الشَّيْخ وَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا الرجل أحب الشُّهْرَة، وَلم يرجع حَقِيقَة عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ.
وَكَأَنَّهُ حكى الْحِكَايَة لغيره فشاعت، وَبَلغت الْأَشْعَرِيّ فَجَاءَنِي بعد ثَالِثَة فَقَالَ: قد بَلغنِي رُؤْيَاك، وبيننا حُرْمَة الْأنس، فَأحب أَن لَا تحكيها للنَّاس، فَقلت: أما الْبَصْرَة فَلَا أحكيها فطابت نَفسه وَخرج.
فصل
قَالَ أهل السّنة: الْإِيمَان بقوله تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَاجِب، والخوض فِيهِ بالتأويل بِدعَة.
قَالُوا: وَهُوَ من الْآيَات المتشابهات الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه ورد علم تَأْوِيلهَا إِلَى نَفسه، وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْد رَبنَا﴾ فَأوجب الْإِيمَان بقوله
стр. 725
﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وبالآيات الَّتِي تضارع هَذِهِ الْآيَة، ومدح الراسخين فِي الْعلم بِأَنَّهُم يُؤمنُونَ بِمثل هَذِهِ الْآيَات، وَلَا يَخُوضُونَ فِي علم كيفيتها، وَلِهَذَا قَالَ مَالك بن أنس رَحْمَة الله عَلَيْهِ حِين سُئِلَ عَن قَوْله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قَالَ: الاسْتوَاء مَعْلُوم، والكيف مَجْهُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب، وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة، والاستواء فِي كَلَام الْعَرَب تَأتي لمعان.
تَقول الْعَرَب: اسْتَوَى الشَّيْء إِذا كَانَ معوجا فَذهب عوجه، تَقول: سويته أَي: قومته فاستقام، وَهَذَا الْمَعْنى لَا يجوز عَلَى الله تَعَالَى.
وَمِنْه الاسْتوَاء بِمَعْنى الْمُمَاثلَة والمشابهة. يُقَال اسْتَوَى فلَان وَفُلَان فِي هَذَا الْأَمر أَي: تماثلا وتساويا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة﴾ أَي لَا يتساوى هَذَانِ الْفَرِيقَانِ، وَهَذَا أَيْضا لَا يجوز فِي حق الله تَعَالَى.
وَمِنْه الاسْتوَاء بِمَعْنى الْقَصْد، وَيسْتَعْمل مَعَ إِلَى، يُقَال: استويت إِلَى هَذَا الْأَمر، أَي قصدته. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخان﴾ أَي قَصدهَا، وَلَا يُقَال: اسْتَوَى عَلَيْهِ بِمَعْنى قَصده، فَمن خَالف
стр. 726
مَوْضُوع اللُّغَة فقد خَالف طَريقَة الْعَرَب، وَالْقُرْآن عَرَبِيّ، وَلَو كَانَ الاسْتوَاء عَلَى الْعَرْش بِمَعْنى الاسْتوَاء إِلَى الْعَرْش لقَالَ تَعَالَى: إِلَى الْعَرْش اسْتَوَى.
قَالَ أهل السّنة: الاسْتوَاء هُوَ الْعُلُوّ: قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَك على الْفلك﴾ وَلَيْسَ للاستواء فِي كَلَام الْعَرَب معنى إِلَّا مَا ذكرنَا، وَإِذا لم يجز الْأَوْجه الثَّلَاثَة لم يبْق إِلَّا الاسْتوَاء الَّذِي هُوَ مَعْلُوم كَونه مَجْهُول كيفيته، واستواء نوح عَلَى السَّفِينَة مَعْلُوم كَونه مَعْلُوم كيفيته لِأَنَّهُ صفة لَهُ، وصفات المخلوقين مَعْلُومَة كيفيتها. واستواء الله عَلَى الْعَرْش غير مَعْلُوم كيفيته لِأَن الْمَخْلُوق لَا يعلم كَيْفيَّة صِفَات الْخَالِق لِأَنَّهُ غيب وَلَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله، وَلِأَن الْخَالِق إِذا لم يشبه ذَاته ذَات الْمَخْلُوق لم يشبه صِفَاته صِفَات الْمَخْلُوق فَثَبت أَن الاسْتوَاء مَعْلُوم، وَالْعلم بكيفيته مَعْدُوم فَعلمه موكول إِلَى الله تَعَالَى، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا الله﴾ .
وَكَذَلِكَ القَوْل فِيمَا يضارع هَذِهِ الصِّفَات كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لما خلقت بيَدي﴾ وَقَوله: ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ وَقَوله: ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ وَقَول النَّبِي ﷺ َ -:
стр. 727
٢٢٤ - " حَتَّى يضع الْجَبَّار فِيهَا قدمه " وَقَوله:
٢٢٥ - " إِن أحدكُم يَأْتِي بِصَدَقَتِهِ فَيَضَعهَا فِي كف الرَّحْمَن " وَقَوله.
٢٢٦ - " يضع السَّمَاوَات عَلَى أصْبع، وَالْأَرضين، عَلَى أصْبع ". وأمثال هَذِهِ الْأَحَادِيث، فَإِذا تدبره متدبر، وَلم يتعصب بِأَن لَهُ صِحَة ذَلِكَ وَأَن الْإِيمَان وَاجِب، وَأَن الْبَحْث عَن كَيْفيَّة ذَلِكَ بَاطِل. وَهَذَا لِأَن الْيَد فِي كَلَام الْعَرَب تَأتي بِمَعْنى الْقُوَّة يُقَال لفُلَان يَد فِي هَذَا الْأَمر أَي: قُوَّة وَهَذَا الْمَعْنى لَا يجوز فِي قَوْله: ﴿لما خلقت بيَدي﴾ وَقَوله ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ لِأَنَّهُ لَا يُقَال: لله قوتان. وَمِنْهَا الْيَد بِمَعْنى النِّعْمَة والصنيعة يُقَال: لفُلَان عِنْد فلَان يَد أَي: نعْمَة وصنيعة، وأيديت عَن فلَان يدا أَي: أسديت إِلَيْهِ نعْمَة، ويديت عَلَيْهِ، أَي: أَنْعَمت عَلَيْهِ قَالَ:
стр. 728
(يديت عَلَى ابْن حسحاس بن وهب ... بِأَسْفَل ذِي الجذاة يَد الْكَرِيم)
وَهَذَا المعني أَيْضا لَا يجوز فِي الْآيَة، لِأَن تَثْنِيَة الْيَد تبطله، وَلَا يُقَال الله نعمتان، وَقد تَأتي الْيَد بِمَعْنى النُّصْرَة والتعاون.
٢٢٧ - وَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " وهم يَد عَلَى من سواهُم ".
أَي: يعاون بَعضهم بَعْضًا عَلَى من سواهُم من الْكفَّار، وَهَذَا أَيْضا لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَال: لما خلقت بنصرتي، وَقد تكون الْيَد بِمَعْنى: الْملك وَالتَّصَرُّف. يُقَال: هَذِهِ الدَّار فِي يَد فلَان، أَي فِي تصرفه وَملكه، وَهَذَا أَيْضا لَا يجوز لتثنية الْيَد، وَلَيْسَ لله تَعَالَى ملكان وتصرفان.
وَمِنْهَا الْيَد الَّتِي هِيَ مَعْرُوفَة فَإِذا لم تحْتَمل الْأَوْجه الَّتِي ذكرنَا لم يبْق إِلَّا الْيَد الْمَعْلُوم كَونهَا، والمجهولة كيفيتها، وَنحن نعلم يَد الْمَخْلُوق وكيفيتها لأَنا نشاهدها ونعاينها فنعرفها، ونعلم أحوالها، وَلَا نعلم كَيْفيَّة يَد الله تَعَالَى، لِأَنَّهَا لَا تشبه يَد الْمَخْلُوق، وَعلم كيفيتها علم الْغَيْب وَلَا يعلم الْغَيْب إِلَّا
стр. 729
الله تَعَالَى، بل نعلم كَونهَا مَعْلُومَة لقَوْله تَعَالَى، وَذكره لَهَا فَقَط، وَلَا نعلم كَيْفيَّة ذَلِكَ وتأويلها، وَهَكَذَا قَوْله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ للْوَجْه فِي كَلَام الْعَرَب معَان مِنْهَا الجاه وَالْقدر. يُقَال: لفُلَان عِنْد النَّاس وَجه حسن، أَي: جاه وَقدر. وَهَذَا الْمَعْنى لَا يجوز فِي هَذَا الْموضع لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَال: لله تَعَالَى جاه وَقدر عِنْد غَيره، فَلَا يُقَال: وَيبقى جاه رَبك، وَقدر رَبك.
وَقد يَجِيء وَجه الشَّيْء بِمَعْنى أَوله. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمنُوا وَجه النَّهَار﴾ أَي: أول النَّهَار، وَهَذَا أَيْضا لَا يجوز هَا هُنَا.
وَمِنْهَا الْوَجْه بِمَعْنى الْجِهَة يُقَال: أقصد هَذَا الْوَجْه، أَي هَذِهِ الْجِهَة. وَهَذَا أَيْضا لَا يجوز فِي هَذَا الْموضع / وَمِنْه الْوَجْه الْمَعْرُوف، فَإِذا لم يجز حمل الْوَجْه عَلَى الْأَوْجه الَّتِي ذَكرنَاهَا بَقِي أَن يُقَال: هُوَ الْوَجْه الَّذِي تعرفه الْعَرَب، وَكَونه مَعْلُوما بقوله تَعَالَى، وكيفيته مَجْهُولَة. وَكَذَلِكَ قَوْله:
٢٢٨ - " حَتَّى يضع الْجَبَّار فِيهَا قدمه ". وَقَوله:
стр. 730
٢٢٩ - " حَتَّى يَضَعهُ فِي كف الرَّحْمَن " وللقدم معَان، وللكف معَان، وَلَيْسَ يحْتَمل الحَدِيث شَيْئا من ذَلِكَ إِلَّا مَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب فَهُوَ مَعْلُوم بِالْحَدِيثِ مَجْهُول الْكَيْفِيَّة.
وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْأصْبع، والأصبع فِي كَلَام الْعَرَب تقع عَلَى النِّعْمَة والأثر الْحسن ... وَهَذَا الْمَعْنى لَا يجوز فِي هَذَا الحَدِيث فكون الْأصْبع مَعْلُوما بقوله ﷺ َ -، وكيفيته مَجْهُولَة، وَكَذَلِكَ القَوْل فِي جَمِيع الصِّفَات يجب الْإِيمَان بِهِ، وَيتْرك الْخَوْض فِي تَأْوِيله، وَإِدْرَاك كيفيته .
فصل
قَالَ عُلَمَاء السّلف: أول مَا افْترض الله عَلَى عباده الْإِخْلَاص وَهُوَ معرفَة الله وَالْإِقْرَار بِهِ، وطاعته بِمَا أَمر وَنهى، وَأول الْفَرْض شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ﷺ َ -، وَأَن الله ﵎ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش كَمَا وصف نَفسه فَهُوَ بِجَمِيعِ صِفَاته، وَجَمِيع كَلَامه لم يزل، وَلَا يزَال، وَلَا يَخْلُو
стр. 731
من علمه شَيْء، وَلَا مَكَان وَهُوَ الْمُتَكَلّم السَّمِيع الْبَصِير يرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْآخِرَة، ويسمعون كَلَامه وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ كَمَا ينظرُونَ إِلَى الشَّمْس وَالْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر إِذا لم يكن دونه سَحَاب، وَعلم الله وَصِفَاته كلهَا غير مخلوقة وَهُوَ وَاحِد بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاته، وَالْقُرْآن كَلَامه غير مَخْلُوق، وَمن قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَهُوَ جهمي، وَمن قَالَ: الْإِيمَان مَخْلُوق فَهُوَ مُبْتَدع، وَالصَّوَاب أَن تَقول: صِفَات الله، وَعلم الله، وَكَلَام الله وَأَسْمَاء الله غير مَخْلُوق والخلق وأفعالهم وحركاتهم مخلوقة لَا يزِيد عَلَى هَذَا شَيْئا، وَالْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان، لَا تفنيان لِأَنَّهُمَا خلقتا لِلْأَبَد لَا للفناء. الْحور الْعين، والولدان المخلدون لَا
стр. 732
يموتون، وَالْإِيمَان قَول وَعمل وَنِيَّة، يزِيد وَينْقص، زِيَادَته الْبر وَالتَّقوى، ونقصانه الفسوق والفجور، وَعَذَاب الْقَبْر، ومساءلة مُنكر وَنَكِير حق، وحوضه ﷺ َ - حق، وَخير النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ َ -: أَبُو بكر، ثُمَّ عمر، ثُمَّ عُثْمَان ثُمَّ عَليّ ﵁ وهم الْخُلَفَاء الراشدون المهديون، ويترحم على جَمِيع أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ -، وعَلى طَلْحَة، وَالزُّبَيْر، وَعَائِشَة، وعمار ابْن يَاسر، وَعَمْرو بن الْعَاصِ، وَأَصْحَاب الْجمل، وصفين - القاتلين ،
стр. 733
والمقتولين - وَجَمِيع من قعد عَن الْقِتَال مثل: أُسَامَة بن زيد، وَابْن عمر ﵄ وعَلى جَمِيع الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار.
ونشهد أَن مُعَاوِيَة ﵁ من أهل الْجنَّة، ونسمع ونطيع الْوُلَاة، مَا داموا يصلونَ، ونجاهد مَعَهم، وَلَا نخرج عَلَيْهِم، وَلَا نطيع أحدا فِي مَعْصِيّة الله، وَأَن الله يعذب أَقْوَامًا من الْمُوَحِّدين فِي جَهَنَّم، ثمَّ يخرجُون وَلَا يخلدُونَ فِي النَّار، وَالْقدر خَيره وشره من الله، قدر الْخَيْر وَالشَّر، خلق الْمُؤمن، وَأَرَادَ لَهُ الْإِيمَان، وَخلق الْكَافِر وَأَرَادَ أَن يكون فعله قبيحا، وَأَن الله لَا يعْصى قهرا، وَلَا يكون شَيْء إِلَّا بِقَضَائِهِ، وَقدره من الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة، وَخُرُوج الدَّجَّال، وَالدَّابَّة حق ونزول عِيسَى ﵇ حق.
стр. 734
فصل
وَالرَّجم حق، وَالْمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ سنة، وَالنِّكَاح بِلَا ولي أَو سُلْطَان حرَام، وكل شراب يسكر كَثِيره فقليله حرَام، وَلبس الديباج
стр. 735
وَالْحَرِير وَالذَّهَب حرَام على ذُكُور أمة مُحَمَّد ﷺ َ - لَا يحل شَيْء مِنْهُ لصغير وَلَا كَبِير، والمزامير، والطنابير حرَام، واللعب بالنرد حرَام، والقمار، وَالْميسر حرَام، وَلَا يجوز مجالسة أهل الْمعاصِي الَّذين ظهر فسقهم، وَلَا مجالسة أهل الْبدع الَّذين ظَهرت بدعهم، وَلَا يجوز دُخُول الْحمام إِلَّا بمئزر وَالْحب فِي الله ، والبغض فِي الله من الْإِيمَان، والرؤيا حق إِلَّا مَا
стр. 736
كَانَ أضغاث أَحْلَام، ومتعة النِّسَاء حرَام ومتعة الْحَج سنة ثَابِتَة، وَلَا يجوز الْقِتَال فِي الْفِتْنَة، وَلَا يخرج عَلَى الْأُمَرَاء بِالسَّيْفِ، وَيسْتَحب الدُّعَاء لأئمة الْمُسلمين بالصلاح، وَالتَّكْبِير عَلَى الْجَنَائِز أَربع، وَالشِّرَاء،
стр. 737
وَالْبيع حَلَال إِلَى يَوْم الْقِيَامَة عَلَى حكم الْكتاب وَالسّنة، وَالْجهَاد مَاض مُنْذُ بعث الله نبيه ﷺ َ - إِلَى آخر عِصَابَة تقَاتل الدَّجَّال .
فصل
وَالْإِيمَان بِأَن الله تَعَالَى عَلَى عَرْشه اسْتَوَى كَمَا شَاءَ، وَعلمه بِكُل مَكَان لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء، وَمن صفة أهل السّنة الْأَخْذ بِكِتَاب الله ، وبأحاديث رَسُول الله ﷺ َ -، وبأحاديث أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - وَترك الرَّأْي والابتداع، وَالْقُرْآن الَّذِي فِي الأَرْض هُوَ الْقُرْآن الَّذِي فِي السَّمَاء بِعَيْنِه مَكْتُوب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَلَا يحل للْجنب، وَالْحَائِض وَالنُّفَسَاء مَسّه وَلَا قِرَاءَته، وَلَا يمسهُ من لَيْسَ عَلَى وضوء، وَلَا بَأْس أَن يقْرَأ، والمعراج حق أسرِي بِالنَّبِيِّ ﷺ َ - يقظانا إِلَى السَّمَاء ولقاء الله حق، يرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ، ويسمعون كَلَامه.
وَمن مَذْهَب أهل السّنة: أَنهم لَا يشْهدُونَ عَلَى أحد من أهل الْقبْلَة بالنَّار، وَإِن مَاتَ عَلَى كَبِيرَة من الْكَبَائِر، وَلَا يشْهدُونَ لأحد أَنه فِي الْجنَّة
стр. 738
إِلَّا لمن شهد لَهُ النَّبِي ﷺ َ -، وَنَرْجُو لأهل الْقبْلَة الْجنَّة، ونرغب فِي شُهُود جنَازَته، وعيادته، وَمن حلف بِالْقُرْآنِ فَعَلَيهِ بِكُل آيَة كَفَّارَة يَمِين، وَمن حلف بِوَجْه الله أَو بِعلم الله فَهُوَ يَمِين .
стр. 739
فصل
قَالَ بعض الْعلمَاء: أصل الْإِيمَان شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، وَالْإِقْرَار لما جَاءَت لَهُ الرُّسُل والأنبياء، وَعقد الْقلب عَلَى مَا ظهر من لِسَانه وَلَا يشك فِي إيمَانه وَلَا يكفر أهل التَّوْحِيد بذنب، وإرجاء مَا غَابَ من الْأُمُور إِلَى الله ، وَلَا يقطع بِالذنُوبِ الْعِصْمَة من عِنْد الله، ويرجى للمحسن من أمة مُحَمَّد ﷺ َ - بِإِحْسَان عمله، ويخشى عَلَيْهِ بذنب اكْتَسبهُ، والإمساك عَمَّا شجر بَين أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ -، وَيعرف حَقهم، وَيحدث بفضائلهم، ويترحم عَلَى صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ.
وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون﴾ . فَقَوله: كن لَيْسَ بمخلوق، وَهُوَ كَلَام الله الَّذِي لَيْسَ لَهُ شريك، وَلَا شَبيه، وَلَا نَظِير.
стр. 740
فصل فِي بَيَان أَن الْقَاتِل عمدا لَهُ تَوْبَة
وَتَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ وَأَنَّهَا مَنْسُوخَة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لمن يَشَاء﴾
следующие страницы →