Полный текст (1 030 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
حَتَّى إِنَّهُ لَيَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَكْثَرُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ، ثُمَّ يُقَالُ: ادْعُوا الصِّدِّيقِينَ فَيُشَفَّعُونَ ثُمَّ يُقَالُ: ادْعُوا الأَنْبِيَاءَ فَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَ مَعَ هُ الْعِصَابَةُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ثُمَّ يُقَالُ: ادْعُوا الشُّهَدَاءَ فَيُشَفَّعُونَ لِمَنْ أَرَادَ فَإِذَا فَعَلَتِ الشُّهَدَاءُ ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ : أَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أدخلُوا جنتي من كَانَ لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا. قَالَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
فصل
قَالَ بعض عُلَمَاء السّنة كل من صَحَّ عِنْده شَيْء من أَمر رَسُول الله ﷺ َ -، وَنَهْيه، صغيره وكبيره بِلَا معَارض لَهُ يعرفهُ من حَدِيثه أَو نَاسخ لَهُ ثمَّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - كَذَا، وَأَنا أَقُول بِخِلَافِهِ فقد تكلم بعظيم، وَإِن كَانَ ذَلِكَ الشَّيْء مِمَّا لَا يضل الرجل بِتَرْكِهِ لِأَن أدنى معاندة النَّبِي ﷺ َ - فِي أدنى من أمره وَنَهْيه عَظِيم، فَمن قبل عَن النَّبِي ﷺ َ - فَإِنَّمَا يقبل الله وَمن رد عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يرد عَلَى الله قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَنْ يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ .
وَقَول من قَالَ: تعرض السّنة عَلَى الْقُرْآن فَإِن وَافَقت ظَاهره وَإِلَّا استعلمنا ظَاهر الْقُرْآن وَتَركنَا الحَدِيث، فَهَذَا جهل لِأَن سنة رَسُول الله ﷺ َ - مَعَ
стр. 877
كتاب الله تُقَام مقَام الْبَيَان عَن الله ، وَلَيْسَ شَيْء من سنَن رَسُول الله ﷺ َ - يُخَالف كتاب الله لِأَن الله أعلم خلقه أَن رَسُول الله ﷺ َ - يهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم فَقَالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ وَلَيْسَ لنا مَعَ سنة رَسُول الله ﷺ َ - من الْأَمر شَيْء إِلَّا الِاتِّبَاع وَالتَّسْلِيم وَلَا يعرض عَلَى قِيَاس وَلَا غَيره، وكل مَا سواهَا من قَول الْآدَمِيّين تبع لَهَا، وَلَا عذرا لأحد يتَعَمَّد ترك السّنة، وَيذْهب إِلَى غَيرهَا، لِأَنَّهُ لَا حجَّة لقَوْل أحد مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا صَحَّ.
فَإِذا لم يُوجد فِي الْحَادِثَة عَن رَسُول الله ﷺ َ - شَيْء وَوجد فِيهَا عَن أَصْحَابه ﵃ فهم الْأَئِمَّة بعده، وَالْحجّة اعْتِبَارا بِكِتَاب الله وبأخبار رَسُول الله ﷺ َ - لما وَصفهم فِي كِتَابه من الْخَيْر والصدق وَالْأَمَانَة، وَأَنه ﵃ وَعَن من اتبعهم بِإِحْسَان وَقَالَ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي أولي الْأَمر فَقَالَ بَعضهم: هم الْعلمَاء، وَقَالَ بَعضهم: هم الْأُمَرَاء، وكل هَذَا قد اجْتمع فِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ فيهم الْأُمَرَاء، وَالْخُلَفَاء وَالْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء .
стр. 878
قَالَ الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾ أخبر الله أَنه ﵃ وَرَضي أَعْمَالهم وَرَضي عَمَّن اتبعهم بِإِحْسَان فهم الْقدْوَة فِي الدّين بعد رَسُول الله ﷺ َ - بِإِصَابَة الْحق وأقربهم إِلَى التَّوْفِيق لما يقرب إِلَى رِضَاهُ، وَكَذَلِكَ وَصفهم الرَّسُول ﷺ َ - فَقَالَ:
٤٠٥ - " خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ".
٤٠٦ - وَقَالَ ﷺ َ -: " مثل أَصْحَابِي مثل النُّجُوم فِي السَّمَاء يَهْتَدِي بهَا فَبِأَيِّهِمْ أَخَذْتُم بقوله اهْتَدَيْتُمْ ".
стр. 879
٤٠٧ - وَقَالَ ﷺ َ -: " عَلَيْكُم بِمَا عَرَفْتُمْ من سنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين بعدِي ". فحض عَلَى اتِّبَاع الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، وأجمل فِي .
٤٠٨ - قَوْله: " مثل أَصْحَابِي مثل النُّجُوم " وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور.
قَالَ بَعضهم: أفيقتدي بهم فِيمَا أفتوا: أَن المَاء من المَاء، وَفِي الرُّخْصَة فِي الْمُتْعَة، وَفِي الصّرْف، وَفِي الْجنب إِذا لم يجد المَاء أَن يغْتَسل، وَفِي ترك الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ.
стр. 880
فَيُقَال: نتبع فِي هَذَا أَمر رَسُول الله ﷺ َ - وَنَهْيه، لأَنهم وَإِن كَانُوا كَالنُّجُومِ فليسوا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - كَالنُّجُومِ إِذا خَالف قَوْلهم قَوْله، مثل النَّبِي ﷺ َ - مَعَهم كَمثل الشَّمْس مَعَ النُّجُوم إِذا طلعت لم يبد مَعهَا كَوْكَب، وَقد رُوِيَ فِيمَا ذكر النَّهْي عَن رَسُول الله ﷺ َ - فَيُؤْخَذ بِفِعْلِهِ، وَيتْرك أقاويلهم، وَلَكِن فِيمَا لَا يُوجد فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ َ - أَمر أَو نهي، وَقد حدثت حوادث بعد النَّبِي ﷺ َ - فِي الْحُدُود وَالْأَحْكَام فَتكلم فِيهَا الصَّحَابَة، وَلم يُوجد عَن النَّبِي ﷺ َ - خلَافهَا فهم لنا كَالنُّجُومِ الَّتِي يَقْتَدِي بهَا فِي السَّمَاء .
٤٠٩ - قَالَ عبد الله بن مَسْعُود ﵁ إِن الله نظر فِي قُلُوب الْعباد فَلم يجد قلبا خيرا من قلب مُحَمَّد ﷺ َ - فاصطفاه لنَفسِهِ وَبَعثه برسالته، ثمَّ نظر فِي قُلُوب الْعباد بعد قلبه فَوجدَ أَصْحَابه خير قُلُوب الْعباد فجعلهم وزراء نبيه يُقَاتلُون عَن دينه فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حسنا، فَهُوَ عِنْد الله حسن، وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْد الله سيء.
قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: لَو لم يغسلوا إِلَّا الظفر مَا جاوزناه، كفى إزراء عَلَى قوم أَن تخَالف أَعْمَالهم.
стр. 881
وروى أَبُو مُطِيع الْبَلْخِي عَن أَبِي حنيفَة قَالَ: إِذا صَحَّ عندنَا عَن النَّبِي
شَيْء لزمنا الْأَخْذ بِهِ، فَإِن لم نجد عَنهُ وَوجدنَا عَن الصَّحَابَة فَكَذَلِك، فَإِذا جَاءَ قَول التَّابِعين زاحمناهم.
قَالَ أَبُو يُوسُف: إِذا جَاءَكُم عَن رَسُول الله ﷺ َ - فَخُذُوا بِهِ ثمَّ مَا جَاءَكُم عَن الصَّحَابَة ﵃ فَخُذُوا بِهِ ودعوا أقاويلنا.
قَالَ أهل السّنة: إِذا صحت السّنة بَطل كل رَأْي كَانَ خلَافهَا، لِأَن السّنة لَازِمَة، والرأي رهينة الْخَطَأ، وَإِنَّمَا أُبِيح اجْتِهَاد الرَّأْي نَحْو مَا أَبَاحَ رَسُول الله ﷺ َ - لِمعَاذ، وَمَا أَبَاحَ عمر ﵁ لشريح، وَمَا أَبَاحَ ابْن مَسْعُود ﵁ لأهل الْعلم .
٤١٠ - وَرُوِيَ عَن نَاس من أهل حمص من أَصْحَاب معَاذ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ لِمعَاذ حِين أَرَادَ يَبْعَثهُ إِلَى الْيمن قَالَ: " بِمَا تقضي؟ قَالَ: بِكِتَاب الله. قَالَ: فَإِن لم تَجدهُ فِي كتاب الله؟ قَالَ: فبسنة رَسُول الله ﷺ َ -. قَالَ: فَإِذا لم تَجدهُ فِي سنة رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: اجْتهد رَأْيِي. قَالَ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول الله لما يُرْضِي رَسُول الله ".
стр. 882
٤١١ - وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ عَن شُرَيْح أَن عمر بن الْخطاب ﵁ كتب إِلَيْهِ إِذا جَاءَك شَيْء فِي كتاب الله فَاقْض بِهِ، فَإِن جَاءَك شَيْء لَيْسَ فِي كتاب الله فَانْظُر سنة رَسُول الله ﷺ َ - فَاقْض بهَا، فَإِن جَاءَك شَيْء لَيْسَ فِي كتاب الله، وَلَا فِيهِ سنة رَسُول الله ﷺ َ - فَانْظُر مَا أجمع عَلَيْهِ النَّاس فَخذ بِهِ، فَإِن جَاءَك مَا لَيْسَ فِي كتاب اللَّه، وَلم يكن فِي سنة عَن رَسُول الله ﷺ َ - وَلم يتَكَلَّم فِيهِ أحد قبلك فاختر أَي الْأَمريْنِ شِئْت، إِن شِئْت أَن تجتهد رَأْيك فَتقدم، وَإِن شِئْت أَن تتأخر فَتَأَخر، وَلَا أرى التَّأَخُّر إِلَّا خيرا لَك .
٤١٢ - وَرُوِيَ عَن حَدِيث ابْن ظهير قَالَ قَالَ عبد الله بن مَسْعُود ﵁: من عرض لَهُ مِنْكُم بعد الْيَوْم فليقض فِيهِ بِمَا فِي كتاب الله، فَإِن أَتَاهُ أَمر لَيْسَ فِي كتاب الله وَلم يقْض بِهِ رَسُول الله ﷺ َ -، وَلم يقْض بِهِ الصالحون فليجتهد .
٤١٣ - وَفِي رِوَايَة: " دع مَا يريبك إِلَّا مَا لَا يربك ".
стр. 883
فصل فِي مَذْهَب أهل السّنة
أهل السّنة يَعْتَقِدُونَ أَن الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَلَا مثيل لَهُ، وَأَنه لم يزل متصفا بصفاته الْحسنى، وَأَنه سميع بسمع، بَصِير ببصر، عليم بِعلم، مُتَكَلم بِكَلَام، وَالْقُرْآن كَلَامه غيرمخلوق مقروءا، أَو مَكْتُوبًا، ومحفوظا، ومسموعا كَيفَ مَا وصف وَإِلَى أَي شَيْء أضيف وَهُوَ تَعَالَى عَلَى الْعَرْش كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَأَنه ينزل كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث، وَله صِفَات كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن وَالْأَخْبَار الصِّحَاح مثل الْوَجْه كَمَا قَالَ : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجهه﴾ وَقَالَ: ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ وَفِي الْحَدِيثين:
٤١٤ - " أعوذ بِوَجْهِك " فَمن شبه وَجهه بِوَجْه المخلوقين فقد ضل وَكفر، وَمن أنكر وَجهه فقد عطل وَكفر، وَللَّه يدان كَمَا قَالَ: (لما خلقت
стр. 884
بيَدي﴾ وَقَالَ: ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ وَفِي الحَدِيث:
٤١٥ - " وَخلق آدم بيدَيْهِ "
٤١٦ - وَقَالَ ﷺ َ -: " وكلتا يَدَيْهِ يَمِين " وَالصِّفَات الَّتِي وَردت بهَا الْأَخْبَار مثل الْكَفّ، والقدم، والأصبع، فَإِنَّهُ يجب إِطْلَاق القَوْل بهَا عَلَى مَا ورد بهَا الْخَبَر من غير أَن يصور ذَلِكَ فِي الْفِكر، أَو تخيل، أَو
стр. 885
توهم، وَله رَحْمَة، وَغَضب، وَإِرَادَة، ومشيئة يُرِيد الطَّاعَات، ويرضاها، وَيُرِيد الْمعاصِي وَلَا يرضاها، وَأَن الله لم يزل مسميا نَفسه خَالِقًا ورازقا من غير أَن يعْتَقد أَن الْخلق والرزق، كَانَ فِي الْأَزَل ويعتقد أَن مُحَمَّدًا ﷺ َ - رَسُول الله، وَخيرته من خلقه، وَبَعثه بشيرا وَنَذِيرا، وَأَن تَصَرُّفَاته، وأفعاله كلهَا حجَّة لنا، وَدلَالَة، ويعتقدون أَن الْجنَّة وَالنَّار خلقتا للبقاء، وَلَا يفنيان أبدا.
والمؤمنون كلهم يرَوْنَ الله بِغَيْر حجاب، ويكلمهم بِلَا ترجمان، ويؤمنون بملائكة الله ، وَكتبه، وَرُسُله، وبالقدر خَيره، وشره، وبسؤال الْقَبْر، والشفاعة، والحوض، وَالْمِيزَان، والصراط عَلَى متن
стр. 886
جَهَنَّم، ومرور الْخلق كلهم عَلَيْهِ، وَأَن من عصى من الْمُؤمنِينَ يدْخل النَّار، ثمَّ يخرج مِنْهَا إِذا كَانَ مَوته عَلَى الْإِيمَان.
فصل فِي النَّهْي عَن سبّ الْأُمَرَاء، والولاة، وعصيانهم
٤١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا وَالِدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأُشْنَانِيُّ بِسَرْخَسَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَيْنٍ السَّرْخَسِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ شَقِيقٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: " نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِي ﷺ َ - أَنْ لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلا تَعْصُوهُمْ وَاصْبِرُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّ الأَمْرَ قَرِيبٌ ".
стр. 887
فصل
٤١٨ - رُوِيَ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " كَانَ ملك الْمَوْت يَأْتِي النَّاس عيَانًا فَأتى مُوسَى فَذهب بِعَيْنِه فعرج إِلَى ربه فَقَالَ: بعثتني إِلَى مُوسَى فلطمني فَذهب بعيني، فلولا كرامته عَلَيْك لشققت عَلَيْهِ. قَالَ: ارْجع إِلَى عَبدِي فَقل لَهُ: ليضع يَده عَلَى ثَوْر فَلهُ بِكُل شَعْرَة وارت كَفه سنة يعيشها، فَأَتَاهُ فَبلغ مَا أمره بِهِ. فَقَالَ: مَا بعد ذَلِكَ؟ قَالَ: الْمَوْت. قَالَ: الْآن. فشمه شمة قبض روحه فِيهَا ورد الله عَلَى ملك الْمَوْت بَصَره، فَكَانَ بعد لَا يَأْتِي النَّاس إِلَّا خُفْيَة ".
وَفِي رِوَايَة: قَالَ " ربه أَن يُدْنِيه من الأَرْض المقدسة رمية بِحجر، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: لَو كنت ثمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبره إِلَى جَانب الطَّرِيق بِجنب الْكَثِيب الْأَحْمَر ".
هَذَا الحَدِيث حكم أهل الْحِفْظ بِصِحَّتِهِ، وَحمله أهل السّنة عَلَى ظَاهره، وَأَن ذَلِكَ الْفِعْل كَانَ من مُوسَى ﵇ عَلَى الْحَقِيقَة وَقَالُوا: فعل ذَلِكَ بِالْإِذْنِ وَللَّه تَعَالَى أَن يَأْذَن فِيمَا يَشَاء.
وَقَالَ قوم من أهل الْبِدْعَة: إِن جَازَ على ملك الْمَوْت جَازَ عَلَيْهِ الْعَمى، قَالَ بعض الْعلمَاء: إِن الله جعل الْمَلَائِكَة أَن تتَصَوَّر بِمَا شَاءَت من الصُّور
стр. 888
الْمُخْتَلفَة أَلا ترى أَن جِبْرِيل أَتَى النَّبِي ﷺ َ - فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ، وَمرَّة فِي صُورَة أَعْرَابِي، وَمرَّة أُخْرَى وَقد سد بجناحيه مَا بَين الْأُفق. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فتمثل لَهَا بشرا سوياً﴾ قيل: إِن جِبْرِيل تصور بِصُورَة رجل، وَهَذِه الصُّور الَّتِي تنْتَقل تمثيلات فاللطمة أذهبت الْعين الَّذِي هِيَ تَمْثِيل .
وَقَول من قَالَ: معنى اللَّطْمَة إِلْزَام الْحجَّة. غلط، لِأَن فِي الْخَبَر أَنه عرج إِلَى ربه فَرد عَلَيْهِ عينه، وَلَا يكون هَذَا إِلَّا فِي عين هِيَ حَقِيقَة لِأَن الْعين الَّتِي لَيست بِحَقِيقَة لَا تحْتَاج إِلَى ردهَا.
وَقَوله اللَّطْمَة: إِلْزَام الْحجَّة لَو كَانَت اللَّطْمَة إِلْزَام الْحجَّة لم يعد إِلَى قبض روحه لِأَن الْحجَّة قد لَزِمته فِي ترك قبض روحه كلما عَاد ليقْبض روحه.
стр. 889
فصل
وَمن السّنة لُزُوم الْبَيْت فِي الْفِتْنَة، وَصَلَاة التَّرَاوِيح فِي شهر رَمَضَان فِي الْجَمَاعَة، والحافظ لِلْقُرْآنِ لَا يدع أَن يكون لَهُ ختمة كل شهر، وَإِن لم يكن حَافِظًا يقْرَأ فِي الْمُصحف.
فصل فِي فضل توقير الْأَمِير
٤١٩ - رُوِيَ عَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " خمس من فعل وَاحِدَة مِنْهُنَّ كَانَ حَقًا عَلَى الله أَن يُكرمهُ: من عَاد
стр. 890
مَرِيضا أَو خرج مَعَ جَنَازَة، أَو خرج غازيا، أَو دخل عَلَى إِمَامه يُرِيد توقيره، أَو قعد فِي بَيته فَسلم النَّاس مِنْهُ، وَسلم من النَّاس ".
٤٢٠ - وَرُوِيَ عَن أَبِي ذَر ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - يَقُول: " يكون بعدِي سُلْطَان فَمن أَرَادَ ذله ثغر فِي الْإِسْلَام ثغرة لَيْسَ يسدها إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".
فصل
قَالَ بعض الْعلمَاء: من تعرض لكشف مَا طوى الله علمه عَن خلقه، أَو لم يسلم مَا لم يبلغهُ فهمه ووهمه، وَأنكر حكما من أَحْكَامه أَو عدم الْإِخْلَاص فِي قلبه والسكون إِلَى جَمِيع مَا نطق بِهِ كِتَابه أَنه حق وَصدق، وَأَن مَا علم من ذَلِكَ فبفضل من الله، وَمَا لم يُعلمهُ أَكثر فَهُوَ ضال جَاهِل، وَمن السّنة أَن يعلم أَن الله خَالق الْكفْر والكافرين، والمان عَلَى الْمُؤمن بِالْإِيمَان، وخالق الْفقر والغنى، والشدة والرخاء، وَالنعْمَة وَالْبَلَاء، وَالصِّحَّة والسقم، وَالْقُوَّة والضعف، والهم والفرح، والراحة والتعب، والقبيح وَالْحسن، وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة، قسم من ذَلِكَ مَا شَاءَ لمن شَاءَ، اجتبى
стр. 891
أهل صفوته لنبوته، وَجعل الْجنَّة دَارهم، وأهلهم لرضوانه، وأعاذهم من سخطه، وباعد الْكفْر وَأَهله من قربه، وحرمهم الْإِيمَان بِهِ، ولعنهم وأبغضهم، وَختم على قُلُوبهم وعَلى سمعهم، وَجعل عَلَى أَبْصَارهم غشاوة، وأصلاهم جَهَنَّم وَهُوَ فِي كل أَفعاله مَحْمُود، وعَلى جَمِيع قَضَائِهِ وَقدره مشكور.
فصل فِي بَيَان أَن الله عرض على نبيه ﷺ َ - أَعمال أمته حسنها، وسيئها كلهَا
٤٢١ - رُوِيَ عَن ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: " إِن الله رفع لي الدُّنْيَا فَأَنا أنظر إِلَيْهَا، وَإِلَى مَا هُوَ كَائِن فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، كَمَا أنظر إِلَى كفي جلاه لي ".
٤٢٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَان بِمصْر، حَدثنَا عبد الله بن رواح الْمَدَائِنِي، حَدثنَا زيد بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ وَاصِلٍ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي ذَر ﵁، عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " عرضت
стр. 892
عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي سَيِّئُهَا وَحَسَنُهَا فَرَأَيْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ، وَرَأَيْتُ فِي مساويء أَعْمَالِ أُمَّتِي النُّخَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ ".
٤٢٣ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بن مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الأَرْضَ حَتَّى رَأَيْت مشارقها وَمَغَارِبهَا وَأَعْطَانِي الكنزين الْأَحْمَر وَالْبيض، وَإِنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ".
فصل
٤٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ يُوسُفَ الطَّرَائِفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ فِي كسوف الشَّمْس: إِن رَسُول الله ﷺ َ - قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: " مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ".
стр. 893
٤٢٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بن مُحَمَّد ابْن سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ، حَدَّثَنَا القعْنبِي، قَالَ: وَأخْبرنَا عمر ابْن الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُف قَالَا: حَدثنَا مَالك ابْن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: انكسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ َ - فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلا فَلَمَّا انْجَلَتِ الشَّمْسُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا مِنْ مَكَانك هَذَا ثمَّ رَأَيْنَاك تقعقت، قَالَ: " إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا فَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلَتْمُ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَإِنِّي رَأَيْت النَّار فَلم أركاليوم مَنْظَرًا أَفْظَعَ مِنْهُ، وَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءُ ".
٤٢٦ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أَخْبَرَنَا خَيْثَمَةُ، وَأحمد ابْن مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الأَزْهَرِ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
: " لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ، وَأَنَا أُصَلِّي، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ".
٤٢٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أخبرنَا وَالِدي، أخبرنَا أَبُو النَّضر مُحَمَّد ابْن مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدثنَا وهب بن بَقِيَّة، حَدثنَا خَالِد ابْن عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ -
стр. 894
قَالَ: خرج إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ: " عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ النَّفَرُ مِنْ قَوْمِهِ، وَالنَّبِيَّانِ يَمُرَّانِ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا أَحَدٌ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ، الرَّهْطُ، إِلَى أَنْ مَرَّ سَوَادٌ عَظِيمٌ قَالَ: قُلْتُ: هَذِهِ أُمَّتِي؟ فَقِيلَ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، وَلَكِنِ انْظُرْ نَحْوَ الأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، قَدْ مَلأَ الْأُفق،. قيل انْظُر هَا هُنَا إِلَى الْجَانِبِ الآخَرَ فَإِذَا سَوَادٌ وَقَدْ مَلأَ الأُفُقَ. قِيلَ: انْظُرْ فَإِذَا سَوَادٌ أَعْجَبَنِي كَثْرَتُهُمْ قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَسِوَى هَؤُلاءِ مِنْ أُمَّتِكَ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ "، فَانْصَرَفَ النَّبِي ﷺ َ - وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ شَيْئًا فَقَالُوا: نَحْنُ هَؤُلاءِ قَدْ آمَنَّا بِاللَّهِ، وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ أَبْنَاؤُنَا الَّذِينَ يَكُونُونَ بَعْدَنَا وُلِدُوا فِي الْإِسْلَام فَخرج رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ: " هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرِقُونَ وَلا يَكْتَوُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ فَقَالَ: أَنَا مِنْهُمْ يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: " أَنْت مِنْهُم ". وَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: أَنَا مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ ".
فصل فِي بَيَان أَن أَفعَال الْعباد كلهَا مخلوقة، وَالله تَعَالَى خلقهَا بقدرته، وَلَيْسَ للعباد فِيهَا خلق
يدل عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تعلمُونَ﴾ . وَقَوله تَعَالَى:
стр. 895
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ على شَيْء﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أبكم لَا يقدر على شَيْء﴾
فنفي الْقُدْرَة عَلَى الْفِعْل عَن العَبْد، وَأَعْلَمنَا أَن فعل العَبْد وَقدرته عَلَى الْفِعْل شَيْء، وَهُوَ من خلق الله تَعَالَى لَا من خلقه. لِأَن نفي قدرته عَلَى جَمِيع الْأَشْيَاء، أَو جعل الشَّيْء نكرَة، والنكرة تعم الْجِنْس فَدلَّ ذَلِكَ عَلَى أَن العَبْد لَا يقدر عَلَى خلق عمل من أَعماله، وَأَن عمله وَقدرته عَلَى الْعَمَل من الله تَعَالَى لَا مِنْهُ.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى للنَّبِي ﷺ َ -: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ أَي لَيْسَ لَك فِيمَا تتصرف فِيهِ من الْأَمر والأعمال وَالْقُدْرَة عَلَيْهَا شَيْء، وَلَا يمكنك أَن تخلق عملا أَو فعلا من نَفسك، بل مَا تَفْعَلهُ وتعمله مخلوقا بِخلق الله تَعَالَى إِيَّاه، ومفعوله بقدرته وتوفيقه، لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه .
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يهدي من يَشَاء﴾ . وَلَو كَانَ العَبْد يقدر عَلَى خلق أَو عمل من تِلْقَاء نَفسه لَكَانَ يُمكنهُ أَن يهدي من أحب. لِأَن الْهِدَايَة مصدر يتَفَرَّع مِنْهُ الْفِعْل، وَقَوله: لَا تهدي فعل، فَلَمَّا نفى الْقُدْرَة عَلَى هَذَا الْفِعْل عَن رَسُول الله ﷺ َ - مَعَ مَا خصّه
стр. 896
بِهِ وأكرمه بِهِ من المعجزات، دلّ عَلَى أَن غَيره من الْعباد أَكثر عَجزا وَأَقل إمكانا عَلَى خلق فعل من أَفعاله.
وَلِأَن الْإِنْسَان لَو قدر عَلَى خلق فعل من أَفعاله، أَو حَرَكَة من حركاته، لَكَانَ يُمكنهُ أَن يتغوط وَلَا يَبُول، وينام وَلَا يغمض أجفانه، وَأَن تفتح أجفانه سَاعَة مديدة، لَا يضْرب بَعْضهَا عَلَى بعض، فَلَمَّا لم يُمكنهُ أَن يفعل ذَلِكَ دلّ عَلَى أَن أَفعاله مخلوقة لله تَعَالَى.
فَإِن قيل: يُرِيد بِخلق أَفعاله حركته وسكونه. يُقَال: إِن أَفعَال الْحَيّ مخلوقة، يخلقه لِأَن الْحَيّ لَا يَخْلُو من حَرَكَة وَسُكُون فحركته فعله وسكونه فعله وهما مخلوقان مَعَه فِي ابْتِدَاء خلقه، لِأَن كَمَا وجد فعله مَعَه غير مُنْفَصِل عَنهُ، وَعدم بِعَدَمِهِ فَصَارَ جُزْءا من أَجزَاء ذَاته. فخالق كل جُزْء من أَجزَاء ذَاته، وكل صفة من صِفَات ذَاته.
لِأَن الْجُزْء من أَجزَاء الذَّات هُوَ الذت بِعَيْنِه، وَكَذَلِكَ الصّفة الذاتية هِيَ الذَّات بِعَينهَا فَلَا يجوز أَن يكون الله تَعَالَى خَالِقًا لبَعض الذَّات، وَلَا يكون خَالِقًا لبعضه.
стр. 897
فصل فِي ذكر آيَة تدل عَلَى وحدانية الله تَعَالَى فِي خلق الشَّمْس وَالْقَمَر
٤٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد ابْن يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ يَوْمًا: " أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً فَلا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلَعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَلِكَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً فَلا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلَعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي لَا يُنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَلِكَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي، أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: أَتَدْرُونَ مَتَى ذَلِكَ؟ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كسبت فِي إيمَانهَا خيرا﴾ ".
стр. 898
ذكر آيَة أُخْرَى تدل على وحداينة الله تَعَالَى وتعظيم قدرته فِي خلق النُّجُوم:
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بمصابيح﴾ ، وَقَالَ: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ .
٤٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أخبرنَا خَيْثَمَة ابْن سُلَيْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالا: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوس لَيْلَة مَعَ النَّبِي ﷺ َ - إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ َ -: " مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟ " قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ اللَّيْلَةَ رجل عَظِيم. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّهَا لَا تَرْمِي لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَتْ حَمَلَةُ الْعَرْش، ثمَّ سبحت أهل ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَقُولُ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَتَخْطَفُ الْجِنُّ فَيُلْقُونَهُ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ بِالشِّهَابِ، فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهٍ فَهُوَ الْحَقُّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ، وَيزِيدُونَ ".
стр. 899
ذكر آيَة أُخْرَى تدل عَلَى وحدانية الْخَالِق وبديع حكمته فِي إيلاج اللَّيْل فِي النَّهَار، وإيلاج النَّهَار فِي اللَّيْل:
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْل﴾
٤٣٠ - أخبرنَا أَبُو عمر عبد الْوَهَّاب، أخبرنَا وَالِدي، أخبرنَا إِسْمَاعِيل ابْن يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنٍ لأَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهْيَئِتِه بعد خلق الله السَّمَاوَات وَالأَرْضَ السَّنَةُ: اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِيهَا أَرْبَعَةٌ حرم، ثَلَاثَة ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَين جماد وَشَعْبَانَ ". وَهَكَذَا رَوَاهُ الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب وَلم يسم ابْن أَبِي بكرَة وَسَماهُ ابْن عون وقرة عَن ابْن سِرين، فَقَالَا عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبِي بكرَة.
ذكر آيَة أُخْرَى تدل عَلَى وحدانية اللَّه تَعَالَى فِي إِمْسَاكه السَّحَاب فِي جو السَّمَاء.
٤٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حبيب،
стр. 900
حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونَ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " بَيْنَمَا رجل بفلاة إِذا سَمِعَ رَعْدًا فِي سَحَابٍ فَسَمِعَ فِيهِ كَلامًا، اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ بِاسْمِهِ، فَجَاءَ ذَلِكَ السَّحَابُ إِلَى حَرَّةٍ فَأَفْرَغَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ جَاءَ إِلَى ذِنَابِ شَرْجٍ فَانْتَهَى إِلَى شَرْجَةٍ فَاسْتَوْعَبَ الْمَاءَ، وَمَشَى الرَّجُلُ مَعَ السَّحَابِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَجُلٍ قَائِمٍ فِي حَدِيقَةٍ يَسْقِيهَا فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ. مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: وَلِمَ تَسْأَلُ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ فِي سَحَابٍ هَذَا مَاؤُهُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ بِاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا إِذَا صَرَمْتَهَا، قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ ذَلِكَ فَإِنِّي أَجْعَلُهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَثْلاثٍ: أَجْعَلُ ثُلُثًا لِي وَلأَهْلِي، وَأَرُدُّ ثُلُثًا فِيهَا، وَأَجْعَلُ ثُلُثًا فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ ".
ذكر آيَة أُخْرَى تدل عَلَى وحدانية الله تَعَالَى، وبديع حكمته فِي إرْسَال الرِّيَاح:
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاح﴾ . وَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح﴾ . وَقَالَ ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح﴾ .
٤٣٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ الإِمَامُ بِحِمْصَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْن بن مَعْرُوف الْحِمصِي، حَدثنَا يحيى ابْن
стр. 901
صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن عَطاء ابْن أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقول: كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذَا كَانَ يَوْمٌ ذُو الرِّيحِ وَالْغَيْمِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرَّ بِهِ وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ. قَالَتْ: فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: " إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِي "، وَيَقُولُ: إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: " رَحْمَةٌ ".
٤٣٣ - قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَبْدُوسٌ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَا أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ - يَعْنِي مِنَ الرِّيحِ - إِلا قَدْرَ خَاتَمِي هَذَا.
وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا.
ذكر آيَة أُخْرَى تدل عَلَى وحدانية الله تَعَالَى فِي خلق الْجبَال، وَمَا فِيهَا من الْمَنَافِع.
стр. 902
٤٣٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن أَحْمد ابْن مَحْبُوبٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ فَخَلَقَ الْجِبَالَ عَلَيْهَا فَاسْتَقَرَّتْ فَعَجِبَتِ الْمَلائِكَةُ فَقَالَتْ: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ أَشَدُّ مِنَ الْجِبَالِ؟ قَالَ: الْحَدِيدُ. قَالَتْ: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ نَعَمِ النَّارُ. قَالَتْ: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمِ ، الْمَاءُ. قَالَتْ: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمِ الرِّيحُ. قَالَتْ: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ شَيْءٍ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَمِ ابْنُ آدَمَ يَتَصَدَّقُ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ ".
فصل فِي التحذير من تَكْفِير الْمُسلم
٤٣٥ - أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَذِّنُ فِي كِتَابه، حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمد ابْن جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَسَدِيُّ، وَأَبُو سلم عبد الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد
стр. 903
ابْن شَهْدَلٍ، قَالا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُس الْأَبْهَرِيّ، قَالَ أَحْمد ابْن جَعْفَرٍ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ النيلي، حَدثنَا عَليّ بن الْحسن ابْن عَلِيٍّ الْقَاضِي إِمْلاءً قَالا، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ فَهْدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ أَبُو مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاق عَن عَاصِم ابْن عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: مَا يُكَفِّرُ رَجُلٌ رَجُلا إِلا بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَ كَافِرًا إِنَّهُ لَكَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَقَدْ كَفَرَ بِتَكْفِيرِهِ إِيَّاهُ ".
٤٣٦ - قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ لَفْظًا، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ سَمَاعَةَ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ مُعَاذِ بن جبل ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُم رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا بِالْقُرْآنِ، حَتَّى إِذَا عَرَفَ الإِسْلامَ، وَرَأَى عَلَيْهِ بَهْجَتَهُ اخْتَرَطَ سَيْفُهُ فَضَرَبَ بِهِ جَارَهُ، وَرَمَاهُ بِالْكُفْرِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالْكُفْرِ، الرَّامِي أَمِ الْمَرْمِيٌّ؟ قَالَ: " بَلِ الرَّامِي ".
٤٣٧ - قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا
стр. 904
عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ، حَدَّثَنَا الْبُرسَانِيُّ - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ بَكْرٍ -، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ بَهْرَامَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدُبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي رَجُلٌ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ أَلِفٌ وَلا وَاوٌ رَمَى جَارَهُ بِالْكُفْرِ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ ". قَالَ: قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالْكُفْرِ الرَّامِي أَوِ الْمَرْمِيُّ؟ قَالَ: " الرَّامِي ".
٤٣٨ - قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْخُصَيْبِ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلا بِفِسْقٍ أَوْ كُفْرٍ إِلا أَتَتْ عَلَى صَاحِبِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ".
٤٣٩ - قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: كَانَ جَابِرٌ ﵁ يُجَاوِرُ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَكُنَّا نَأْتِيهِ فِي مَنْزِلِهِ فِي بَنِي فِهْرٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَكُنْتُمْ تُسَمُّونَ
стр. 905
أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُشْرِكًا؟ قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ. قَالَ: أَكُنْتُم تُسَمُّونَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كَافِرًا؟ قَالَ: لَا.
٤٤٠ - قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَر، أخبرنَا أَحْمد بن مَنْصُور ابْن يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ الْحَدَّادَ صَاحِبَ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيَّ بِالْبَصْرَةِ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: وَحدثنَا شُرَيْح ابْن يُونُسَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " لَو عذب الله أهل سماواته، وَأَهْلَ أَرْضِهِ بِدَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ لَقِيَ رَجُلٌ رَبَّهُ بِدَم أهل السَّمَاوَات وَالأَرْضِ أَرْجَا لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ: يَا كَافِرُ ".
قَالَ أَحْمَد بن مَنْصُور: " سمع مني هَذَا الحَدِيث بنْدَار بن حُسَيْن فَقَالَ: هَذَا تَأْكِيد قَوْله ﷺ َ -:
٤٤١ - " من قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِر، فقد بَاء بِهِ أَحدهمَا ". وَإِنَّمَا الْقَتْل ذَنْب من الذُّنُوب، وَالْكفْر يُوقع القطيعة بَين العَبْد وَبَين ربه .
стр. 906
٤٤٢ - قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَنْصُور مُحَمَّد ابْن عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِيرِيُّ، وَغَيْرُهُ قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي السَّوَّارِ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ َ -: " مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِك الْمُسلم، لَهُ ذمَّة الله، وَذمَّة رَسُولِهِ ".
٤٤٣ - قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عُمَرَ: إِنَّ لِي جَارًا يَشْهَدُ عَلَيَّ بِالشِّرْكِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَفَلا تَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَتُكَذِّبَهُ.
стр. 907
فصل فِي مَسْأَلَة الْمَعْدُوم، وَالْمَوْجُود
وَقعت هَذِهِ الْمَسْأَلَة بَين ابْن سَالم، وَبَين جمَاعَة، وردوا عَلَيْهِ.
قَالَ ابْن سَالم: إِن الله رأى خلقه قبل أَن يخلقهم كَمَا رَآهُمْ بعد مَا خلقهمْ فَقَالَ الَّذين ردوا عَلَيْهِ: من قَالَ هَذَا فقد قَالَ بقدم الْعَالم، ثمَّ بعد ذَلِكَ كتبُوا محضرا، وأثبتوا فِيهِ خطوط مَشَايِخ أَصْبَهَان مِنْهُم أَبُو الشَّيْخ، وَمن مَعَه وَاتَّفَقُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة عَلَى السُّكُوت، ثمَّ تكلم أَبُو الْفَتْح بن زنكلة الخاني فِيهَا فِي أَيَّام أَبِي عبد الله بن مندة فَرد عَلَيْهِ فِيمَا أملاه ردا شَدِيدا، وَمذهب أهل السّنة، والمقتدين بالسلف أَن الله تَعَالَى كَانَ وَلَا شَيْء، مَعَه وَهُوَ الأول قبل كل شَيْء، وَالْآخر بعد كل شَيْء لَيْسَ لأوليته ابْتِدَاء، وَلَا لآخرته انْقِضَاء. قَالَ الله : ﴿هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن﴾ وَقَالَ: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ
стр. 908
رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ وَقَالَ: ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ لم يزل رَبنَا وَلَا يزَال، وَكَانَ أبدا عَالما سميعا بَصيرًا. قَالَ : ﴿إِنَّه كَانَ بعباده خَبِيرا بَصيرًا﴾ . فَهَذَا يدل عَلَى أَنه سُبْحَانَهُ بَصِير بخلقه قبل أَن يخلقهم، بَصِير بأعمالهم قبل أَن يخلقهم، فَمن قَالَ: بَصَره فِي خلقه مُحدث فقد كفر، خلق الْخلق بِعِلْمِهِ وبصره فيهم، وَكَانُوا معدومين فأوجدهم، وَلم يتغيروا عَمَّا كَانُوا فِي علم الله وبصره فيهم، وَمَا زَاد فِي علم الله وبصره مَا نقص بعد وجودهم لِأَنَّهُ لَا تخفى عَلَيْهِ خافية، وَفعله وصنعه بِخِلَاف صنع الْعباد وفعلهم، يصنع العَبْد شَيْئا عَلَى أصل كَانَ قبله، أَو قِيَاس شَيْء بِشَيْء، وَالله تَعَالَى يحدث فِي خلقه مَا يَشَاء، وَلَا تَغْيِير فِي علمه، وَلَا إِحْدَاث فِي صفته.
فمذهب أهل السّنة إِثْبَات صِفَات الله الأزلية، وَنفي قدم الْعَالم، وَنفي تَشْبِيه صفته بِصفة خلقه فَمن قَالَ: إِن الله لم ير خلقه حَتَّى خلقهمْ ثمَّ رَآهُمْ فقد قَالَ: بإحداث الصّفة، وَمن تفكر فِي الله وَفِي صِفَاته ضل وَمن تفكر فِي خلق الله وآياته ازْدَادَ إِيمَانًا، وَقد ذكرنَا فِيمَا تقدم حَدِيث النَّبِي ﷺ َ -:
стр. 909
٤٤٤ - " تَفَكَّرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَفَكَّرُوا فِي الله ". وروى عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ -:
٤٤٥ - " ليسألنكم النَّاس عَن كل شَيْء حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَ الله؟ فَإِذا سئلتم فَقولُوا: الله قبل كل شَيْء ". وَفِي رِوَايَة: " فَقولُوا: الله أحد الله الصَّمد لم يلد، وَلم يلد، وَلم يكن لَهُ كفوا أحد، ثمَّ لينتفل عَن يسَاره ثَلَاثًا، وليستعيذ بِاللَّه من الشَّيْطَان ".
٤٤٦ - وروى: " شَرّ الْأُمُور محدثاتها ".
٤٤٧ - وَرُوِيَ: " إِن الْأَمر المفظع، وَالْحمل المضلع، وَالشَّر الَّذِي الَّذِي لَا يَنْقَطِع إِظْهَار الْبدع ".
٤٤٨ - وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود ﵁: " أَنا نقتدي، وَلَا نبتدي وَنَتبع، وَلَا نبتدع، وَلنْ نضل مَا تمسكنا بالأثر ".
стр. 910
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: عَلَيْك بآثار من سلف، وَإِيَّاك وآراء الرِّجَال وَإِن زخرفوه بالْقَوْل، فَإِن الْأَمر ينجلي، وَأَنت عَلَى طَرِيق مُسْتَقِيم ".
وَقَالَ عُلَمَاء السّلف: " السّنة: الْعَمَل بِالْكتاب، وَالسّنة الِاقْتِدَاء بِصَالح السّلف وَأَتْبَاع الْأَثر ".
قَالُوا: وَلَا يستحي إِذا سُئِلَ عَمَّا لَا علم لَهُ بِهِ أَن يَقُول: لَا أعلم ".
فصل
قَالَ أهل السّنة من السّلف: إِذا طعن الرجل عَلَى الْآثَار يَنْبَغِي أَن يتهم عَلَى الْإِسْلَام، وَأهل السّنة يتركون الْبَحْث عَمَّا لم تحط عُقُولهمْ بِهِ من
стр. 911
المشكلات الَّتِي لم يتَكَلَّم فِيهَا المتقدمون، وَالْأَئِمَّة الماضون، وَلم يخوضوا فِيهِ، وهم أعلم بالتنزيل والتأويل، وَمِنْهُم أَخذ الْعلم وبهم يَقْتَدِي.
وَقَالُوا: " إِنَّمَا يُطَالب الله كل إِنْسَان بِقدر مَا أعطَاهُ من الْعقل، وَلَيْسَ الْعقل بالاكتساب، وَإِنَّمَا هُوَ فضل الله يُعْطي كل إِنْسَان مَا أَرَادَ فالخلق يتفاوتون فِي الْعقل.
فصل
٤٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمد الإسفرايني، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ مُطَيَّنٌ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - أَتَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ إِلَهَكُمُ الَّذِي يُعْبَدُ فَإِنَّ إِلَهَكُمْ قَدْ مَاتَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ إِلَهَكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ فَإِنَّ إِلَهَكُمْ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، ثُمَّ تَلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خلت من قبله الرُّسُل﴾ .
стр. 912
٤٥٠ - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ السِّمْسَارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ النَّقَّاشُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ مَرْدُوَيْهِ بْنِ عِيسَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَارِضُ بِالأَهْوَازِ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَطُوفِ عَنِ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعَاذِ ابْن جَبَلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُوَجِّهَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ اسْتَشَارَ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَوْلا أَنَّكَ تَسْتَشِيرُنَا مَا تكلمنا، قَالَ ﷺ َ -: " إِنِّي فِيمَا لَمْ يُوحَ إِلَيَّ كَأَحَدِكُمْ " فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ فَتَكَلَّمَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِرَأْيِهِ قَالَ: " مَا تَرَى يَا مُعَاذُ؟ " قَالَ: أَرَى مَا رَأَى أَبُو بكر. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَكْرَهُ مِنْ فَوْقِ سَمَائِهِ أَنْ يُخْطِئَ أَبُو بَكْرٍ "، أَوْ قَالَ: " أَنْ يُخطئ أَبُو بَكْرٍ ".
٤٥١ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ النَّعَّالُ بِبَغْدَاد، أخبرنَا أَبُو الْحسن ابْن بِشْرَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ َ -: أَنَا أَعْظَمُ نِسَائِكَ عَلَيْكَ
стр. 913
حَقًّا، وَأَنَا خَيْرُهُنَّ مَنْكَحًا، وَأَكْرَمُهُنَّ سَفِيرًا، وَأَقْرَبُهُنَّ رَحِمًا زَوَّجَنِيكَ الرَّحْمَنُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ، وَكَانَ جِبْرِيلُ السَّفِيرَ بِذَلِكَ، وَأَنَا ابْنَةُ عَمَّتِكَ وَلَيْسَ لَكَ مِنْ نِسَائِكَ قَرِيبَةٌ غَيْرِي.
٤٥٢ - أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُثْمَان ابْن أَحْمَدَ السَّمَّاكُ، حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ سَهْلٍ الثَّغْرِيُّ، حَدثنَا عبد الصَّمد ابْن النُّعْمَان بن عِيسَى بن طعمان، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ تَفْخَرُ عَلَى نسَاء النَّبِي ﷺ َ - إِنَّ اللَّهَ أَنْكَحَنِي مِنَ السَّمَاءِ .
فصل
قَالَ أهل السّنة: لَا نرى أحدا مَال إِلَى هوى، أَو بِدعَة إِلَّا وجدته متحيرا ميت الْقلب مَمْنُوعًا من النُّطْق بِالْحَقِّ.
وَقَالُوا: الْكَلَام فِي الرب بِدعَة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتَكَلَّم فِي الرب إِلَّا بِمَا وصف بِهِ نَفسه فِي الْقُرْآن وَمَا بَينه رَسُوله ﷺ َ - وَهُوَ جلّ ثَنَاؤُهُ الأول بِلَا ابْتِدَاء وَالْآخر بِلَا انْتِهَاء يعلم السِّرّ وأخفى، وعَلى الْعَرْش اسْتَوَى، علمه بِكُل مَكَان قد أحَاط بِكُل شَيْء علما ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ .
стр. 914
لَا يُقَال فِي صِفَاته كَيفَ، وَلم، وَالْقُرْآن كَلَامه : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ . ف فصل الْأَمر من الْخلق، فَمن زعم أَن الْأَمر الَّذِي خلق بِهِ الْخلق مَخْلُوق فَهُوَ ضال.
فصل
وَمن مَذْهَب أهل السّنة: أَن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان فِي السَّمَاء السَّابِعَة وسقفها الْعَرْش، وَالنَّار تَحت الأَرْض السُّفْلى، وَأهل السّنة يُؤمنُونَ بنزول عِيسَى ﵇، ينزل وَيقتل الدَّجَّال، ويدفنه الْمُسلمُونَ.
стр. 915
فصل فِي قصَّة الدَّجَّال
٤٥٣ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَاذان، أخبربا أَبُو بَكْرٍ الْقَبَّابُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ َ - ذَاتَ يَوْمٍ فَكَانَ آخِرُ خُطْبَتِهِ مَا يُحَدِّثُنَا عَنِ الدَّجَّالِ، وَيُحَذِّرُنَا، فَكَانَ قَوْلُهُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ إِلا حَذَّرَ أُمَّتَهُ، وَأَنَا آخِرُ الأَنْبِيَاءِ، وَأَنْتُمْ آخِرُ الأُمَمِ وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، فَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ، فَأَنَا حَجِيجُ كُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدِي فَكل امريء حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهِ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خَلَّةٍ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ فَيَعِيثُ يَمِينًا، وَشِمَالا، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ اثْبُتُوا فَإِنَّهُ يَبْدَأُ فَيَقُولُ: أَنَا نَبِيٌّ، وَلا نَبِيَّ بَعْدِي، ثُمَّ يَثْنِي فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، وَلَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا، وَإِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِر يقرأه كُلُّ مُؤْمِنٍ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَتْفُلْ فِي وَجهه، وَإِن من فِتْنَتَهُ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وجنته نَارا فَمن ابتلى
следующие страницы →